← Акыда

Акыда · id 7664

الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق

سليمان بن سحمان

Полный текст (691 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأما قوله الثاني: تقدم النقل على العقل. فأقول: وهذا أيضاً مما ندين الله به، ونعتقده، ومن لم يقدم النقل على العقل فما آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ومع ذلك نقول: إن العقل الصحيح لا يخالف النقل الصريح، فإن اختلفا فالعقل إما فاسد، أو النقل غير صحيح ولا صريح. وأما عدم جواز الرجوع إليه في الأمور الدينية فما ذاك إلا لمخالفة النقل الصحيح الصريح، وأما إذا وافق النقل فلا مانع من جوازه عندنا، بل نعتقد ذلك ونعتمده. وقوله: الثالث نفي الإجماع وإنكاره. فأقول هذا كذب فإنا نعتقد أنه الأصل الثالث، وأن الأمة لا تجمع على ضلالة، لكن ننكر إجماع عباد القبور، وأفراخ المتفلسفة، وأنباط الفرس والروم، ومن نحا نحوهم، وحذا حذوهم١، وأيضاً ننكر دعوى الإجماع على أن الاجتهاد قد انقطع، وأن التقليد واجب. وقوله: الرابع نفي القياس.

стр. 212

فأقول: أما نفي القياس مطلقاً من الكذب، فإنه فيه ما هو صحيح، وفيه ما هو باطل. وقوله: الخامس عدم جواز التقليد للمجتهدين من أئمة الدين وتكفير من قلدهم. فأقول: وهذا أيضاً من الكذب على الوهابية، فإنهم كانوا على مذهب أحمد بن حنبل١، ولكن ربما يوجد ذلك في كتب بعض من ينسبونه هؤلاء إليهم، لاعتقاده أنهم على الحق، وأنهم مخالفون لعباد القبور، ولأهل الأهواء من أهل البدع، كما قد يوجد ذلك في كتب صديق الهندي وغيره. وقوله: السادس تكفيرهم كل من خالفهم من المسلمين. فأقول: وهذا أيضاً كذب على الوهابية، فإنهم لا يكفرون المسلمين، وإنما يكفرون من كفر الله ورسوله، وأهل العلم من غلاة عباد القبور، وغلاة الجهمية، وغلاة القدرية والمجبرة وغلاة الروافض وغلاة المعتزلة وغيرهم، ممن كفره السلف الصالح بعد قيام الحجة.

стр. 213

وقوله: السابع النهي عن التوسل إلى الله تعالى بالرسول، وبغيره من الأولياء والصالحين. فأقول: نعم، كانوا ينهون عن التوسل بالرسول، وبغيره من الأولياء والصالحين بعد مماتهم، وفي حال غيبتهم، إذا كان التوسل على ما يعرف في لغة الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين. وأما في حال حياتهم بهذا العرف فلا ينهون عنه ولا ينكرونه. وأما على عرف غلاة عباد القبور واصطلاحهم الحادث فهم ينهون عنه ويكفرون من دعا أهل القبور، واستغاث بهم والتجأ إليهم بعد قيام الحجة عليهم. وقوله: الثامن تحريم زيارة قبور الأنبياء والصالحين. فأقول: وهذا أيضاً من الكذب على الوهابين، فإنه يجوز عندهم زيارة القبور على الوجه الشرعي. وأما شد الرحال إليها فيمنعون من ذلك، وينكرونه لقوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" ١ الحديث.

стр. 214

وقوله: التاسع تكفير من حلف بغير الله، وعده مشركاً. فأقول: هذا كذب على الوهابية، فإنهم لا يكفرون بمجرد الحلف بغير الله، وفيه بحث. وقوله: العاشر تكفير من نذر لغير الله، أو ذبح عند مراقد الأنبياء والصالحين. فأقول: نعم يكفرون من نذر لغير الله، وذبح لغيره، فإن النذر والذبح من خصائض الإلهية، فمن أشرك بالله أحداً من المخلوقين في خصائص الخالق فلا مانع من تكفيره بعد قيام الحجة عليه، وسيأتي الكلام على كلامه١ عليها إن شاء الله تعالى.

стр. 215

فصل في زعم الملحد أن إثبات الصفات تجسيم ... فصل قال العراقي: (تجسيم الوهابية: إن الوهابية التي كفرت من زار قبر رسول الله ﷺ متوسلاً إلى الله تعالى، وعدت ذلك شركاً في ألوهيته، وقالت بوجوب تنزيهه تعالى قد خبطت كل الخبط في تنزيه الله تعالى، حيث أبت إلا جعل استوائه سبحانه ثبوتاً على عرشه، واستقراراً وعلواً فوقه، وأثبتت له الوجه واليدين، وبعضته سبحانه فجعلته ماسكاً بالسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والملك على إصبع، ثم أثبتت له الجهة، فقالت: هو فوق السموات ثابت على العرش، يشار إليه بالأصابع إلى فوق إشارة حسية، وينزل إلى السماء الدنيا، ويصعد، قال بعضهم: لئن كان تجسيماً ثبوت استوائه ... على عرشه إني إذا لمجسم وإن كان تشبيها ثبوت صفاته ... فعن ذلك التشبيه لا أتلعثم

стр. 216

وإن كان تنزيها جحود استوائه ... وأوصافه أو كونه يتكلم فمن ذلك التنزيه نزهت ربنا ... بتوفيقه والله أعلى وأعظم) والجواب أن نقول: بل الذي خبط كل الخبط وهام في مهامه الخرط والهمط، وكشف جلباب الحياء، وسلك مسالك أهل الغي والردى، هذا العراقي الملحد، حيث جعل إثبات صفات الله ذي الجلال والإكرام تجسيماً وتشبيهاً، ومن وصفه بها فقد بعضه، وصرح بعدم علوه على عرشه وارتفاعه عليه عناداً وجحوداً، وتمرداً وتكبراً وسموداً، فتعالى الله عما يقول هذا الجاحد علواً كبيراً. فأما كون الوهابية أبت إلا جعل استوائه سبحانه ثبوتاً على عرشه، واستقراراً وعلواً فوقه: فنعم، وبذلك أنزل الله كتبه وأرسل رسله، وأجمع على ذلك سلف الأمة وأئمتها. فالوهابية يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه، ولا تمثيل، فيثبتون لله ما أثبته لنفسه من استوائه على عرشه وعلوه عليه، وأنه بائن من خلقه، ويثبتون ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفون عنه النقائص

стр. 217

والعيوب، ومشابهة المخلوقات، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل "فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيهاً". إذا تبين لك هذا وتحققته فنذكر من كلام الأئمة ما بيين غلط هذا الملحد، وخروجه عن الصراط المستقيم، وسلوكه طريق أصحاب الجحيم، ممن نكب عن الدين القويم، واتبع غير سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين. قال شيخ الإسلام ﵀: ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها وألفاظ من نقل مذهبهم إلى غير ذلك من الوجوه بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم: روى أبو بكر البيهقي في "الأسماء والصفات" بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من الصفات". قال الشيخ في كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع بن

стр. 218

عبد الله١ البلخي: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر؟ فقال: لا تكفرن أحداً بذنب، ولا تنف٢ أحداً به من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمن قال: "لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض" فقد كفر، لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سموات. قلت: فإن قال: إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعي من أعلى لا من أسفل. وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: "لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض" قال: قد كفر قال: لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، [وعرشه فوق سبع سموات. قال: فإنه يقول على العرش استوى] ٣. لكن لا يدري العرش في الأرض أم في

стр. 219

السماء؟ قال: إذاً أنكر أنه في السماء فقد كفر. ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض. فكيف يكون النافي الجاحد الذي يقول: ليس في السماء ولا في الأرض، واحتج على كفره بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، قال: وعرشه على سبع سموات، وبين بهذا أن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] دالٌ على أن الله نفسه فوق العرش، ثم إنه أردف ذلك بتكفير من قال: إنه على العرش استوى، ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض. قال: لأنه أنكر أنه في السماء، لأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعي من أعلى لا من أسفل. وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء، واحتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعي من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحاً عنه بذلك، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.

стр. 220

وروى هذا اللفظ بالإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب "الفاروق". وروى أيضاً ابن أبي حاتم أن هشام بن عبد الله الرازي صاحب محمد بن الحسن قاضي الري الذي حبس رجلاً في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام ليطلقه فقال: الحمد لله على التوبة، فامتحنه هشام، فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه، فقال: أشهد أنه على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه، فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب. وروي أيضاً عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق، وقد أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل، وهالك مرتاب، يمزج الله تعالى بخلقه ويخلظ منه الذات بالأقذار والأنتان. وروى أيضاً عن ابن المديني لما سئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية والكلام، وأن الله فوق السموات على العرش استوى، فسئل عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ، فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْض﴾ [المجادلة: ٧] .

стр. 221

وروى أيضاً عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه، وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان. وروى عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: تفسيره كما تقرأ، هو على العرش، وعلمه في كل مكان، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله –إلى أن قال-: وروى عبد الله بن أحمد وغيره بإسناد صحيح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ فقال: بأنه فوق السموات على عرشه، بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية، إنه هاهنا في الأرض. وهكذا قال الإمام أحمد وغيره. وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام: سمعت حماد بن زيد، وذكر هؤلاء الجهمية، فقال: إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء. وروى ابن أبي حاتم في كتاب "الرد على الجهمية" عن سعيد بن عامر الضبعي –إمام أهل البصرة علماً وديناً من شيوخ الإمام أحمد- أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم أشر١ قولاً من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود

стр. 222

والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على شيء. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقر أن الله فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح. وذكر كلاماً طويلاً ثم قال: وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب "محجة الواثقين ومدرجة الوامقين"١تأليفه: وأجمعوا أن الله فوق سمواته، عال على عرشه، مستوٍ عليه، لا مستولٍ عليه كما تقول٢ الجهمية: إنه بكل مكان. ثم ذكر الشيخ كلاماً إلى أن ذكر عن الشيخ الإمام أبي محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني قال في كتاب "الغنية": أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد. إلى أن قال: وهو بجهة العلو مستوٍ على العرش، محتو على

стр. 223

الملك محيط علمه بالأشياء ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ [فاطر: ١٠] ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥] ، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش استوى كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: وينبغي إطلاق الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش. قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزله على كل نبي أرسل١ بلا كيف –وذكر كلاماً طويلاً لا يحتمله هذا الموضع. وقال أبو الحسن الأشعري في الإبانة٢: باب ذكر استواء على العرش: فإن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟ قيل له نقول: إن الله مستوٍ على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وذكر آيات ثم قال: فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] لأنه مستوٍ على العرش الذي هو فوق السموات، وكل ما علا فوقه فهو سماء، فالعرش أعلى السموات. إلى أن قال:

стр. 224

فصل: وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية بأن معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أنه استولى، وقهر وملك، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى أنه القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها، وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستوياً على العرش بمعنى الإستيلاء، وهو مستولٍ على الأشياء كلها، لكان مستوياً على العرش وعلى الأرض، وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار، لأنه قادر على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقال: إن الله مستو على الحشوش والأخلية، ولم يجز أن يكون الإستواء على العرش: الإستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الإستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها –وذكر دلالات من القرآن والأحاديث الإجماع والعقل، انتهى. وقال شيخ الإسلام أيضاً في الكتاب المسمى "بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول":

стр. 225

قال إسحاق بن راهويه: حدثنا بشر بن عمر سمعت غير واحد من المفسرين يقول: "الرحمن على العرش استوى أي ارتفع". وقال البخاري في صحيحه: قال أبو العالية: "استوى إلى السماء" ارتفع. قال: وقال مجاهد: "استوى على العرش". وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره المشهور: قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: "استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء" وكذلك قال الخليل بن أحمد. وروى البيهقي في كتاب "الصفات" قال الفراء: ثم استوى أي صعد، قاله ابن عباس، وهو كقولك للرجل كان قاعداً فاستوى قائماً. وروى الشافعي في مسنده عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال عن يوم الجمعة: "وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش" ١.

стр. 226

والتفاسير المأثورة عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين مثل تفسير محمد بن جرير الطبري، وتفسير عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم، وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم، وتفسير ابن المنذر، وتفسير أبي بكر عبد العزيز، وتفسير أبي الشيخ الأصبهاني، وتفسير أبي بكر بن مردويه، وما قبل هؤلاء من التفاسير، مثل تفسير أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وبقي بن مخلد وغيرهم، ومن قبلهم مثل تفسير عبد بن حميد، وتفسير عبد الرزاق، ووكيع بن الجراح فيها من هذا الباب الموافق لقول المثبتين

стр. 227

ما لا يكاد يحصى، وكذلك الكتب المصنفة في السنة التي فيها آثار النبي ﷺ والصحابة والتابعين. وقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن أحمد وإسحاق وغيرهما وذكر معها من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة وغيرهم ما ذكر، وهو كتاب كبير صنفه على طريقة الموطأ ونحوه من المصنفات، قال في آخره في الجامع: باب القول في المذهب: هذا مذهب أئمة العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها، أو عاب قائلها: فهو مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وبقي بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا منهم العلم. وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة، وأمر البرزخ والقيامة، وغير ذلك إلى أن قال: وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه

стр. 228

مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد الله أعلم بحده، والله على عرشه عز١ ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك ويسمع ويبصر، وينظر ويقبض ويبسط ويفرح ويحب، ويكره ويبغض ويرضى، ويسخط، ويغضب ويرحم، ويغفر ويعفو، ويعطي ويمنع، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء وكما شاء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولم يزل الله متكلماً عالماً فتبارك الله أحسن الخالقين، انتهى. ولو ذهبنا نذكر أقوال أهل العلم من الأئمة لاحتمل مجلداً ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] . وأما تفسير الاستواء بالاستقرار فهو من تفاسير أهل السنة والجماعة، قال ابن القيم ﵀ في "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية":

стр. 229

فصل: هذا وسادس عشرها إجماع ... أهل العلم أعني حجة الأزمان من كل صاحب سنة شهدت له ... أهل الحديث وعسكر القرآن لا عبرة بمخالف لهمو ولو ... كانوا عديد الشاء والبعران أن الذي فوق السموات العلى ... والعرش وهو مبائن الأكوان هو ربنا سبحانه وبحمده ... حقاً على العرش استوا الرحمن ثم ذكر أقوال الأئمة إلى أن قال: ولهم عبارات عليها أربع ... قد حصلت للفارس الطعان وهي استقر وقد علا وكذلك ار ... تفع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو رابع ... وأبو عبيدة صاحب الشيباني يختار هذا القول في تفسيره ... أدرى من الجهمي بالقرآن وأما قوله: (وأثبت له الوجه واليدين) .

стр. 230

فأقول: قد تقدم الكلام على ذلك، وبه الكفاية. وأما قوله: (وبعضه سبحانه، فجعله ماسكاً بالسموات على أصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على أصبع، والملك على أصبع) الخ. فالجواب أن يقال لمن وقف على هذا الجواب عليك أولاً أن تعلم أن هذا الكلام، أعني قوله: وبعضه سبحانه ليس هو من كلام أهل السنة المحضة، الذين لم يشوبوا عقائدهم بدم التشبيه، وعذرة التحريف، ونجاسة التعطيل، بل هو من مقدرات الأفكار، ونتائج قياسات عقول أفراخ المتفلسفة، وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم، الذين يزعمون أنهم ينزهون الله تعالى عن الأبعاض، والحدود والجهات، فيسمع الغر المخدوع هذه الألفاظ فيتوهم١ منها أنهم ينزهون الله عما يفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب والنقائص والحاجة، فلا يشك أنهم يمجدونه ويعظمونه، ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها الإلحاد،

стр. 231

وتكذيب الرسل، وتعطيل الرب تعالى عما يستحقه من كماله. فأما الأبعاض: فمرادهم بتنزيهه١ عنها: أنه ليس له وجه ولا يدان، ولا يمسك السموات على أصبع، والأرض على أصبع، والشجر على أصبع، والماء على أصبع، فإن ذلك كله أبعاض، والله منزه عن الأبعاض، كما ذكره ابن القيم ﵀ عنهم في "الصواعق المرسلة" فإذا عرفت هذا من قيلهم وعقائد قولبهم، وأنهم إنما نزهوه عما يليق بجلاله وعظمته وكبريائه، وإحاطته بجميع مخلوقاته، وأنهم ما عرفوا الله حق معرفته، ولا قدروه حق قدره، ولا عظموه حق عظمته، فخرجوا عن المعقول ونبذوا المنقول وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، فجاء هؤلاء الضلال الغلاة والملاحدة الجهال، فتوهموا أن هذا من قول الوهابية، وأنهم خرجوا بهذا القول عن جماعة أهل السنة المحضة، وما علم هؤلاء الجهلة أن هذا صريح الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] . قال العماد ابن كثير رحمه الله٢: يقول الله تعالى: ما

стр. 232

قدر المشركون الله حق قدره حتى عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء وكل شيء تحت قهره وقدرته. قال السدي: ما عظموه حق عظمته، وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هم الكفار الذي لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن به فلم يقدر الله حق قدره. وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية، الطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف. وذكر حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم في "صحيحه" عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه لقول الحبر. قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية. وفي رواية لمسلم: "والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أن الملك أنا الله".

стр. 233

وفي رواية البخاري: "يجعل السموات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع"١.

стр. 234

قال ابن كثير ﵀: ورواه البخاري في "صحيحه" في غير موضع، ومسلم، والإمام أحمد، والترمذي، والنسائي كلهم من حديث سليمان بن مهران –وهو الأعمش- عن إبراهيم بن عبيدة، عن ابن مسعود بنحوه قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع، والسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه. قال: وأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية. وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي من طرق١ عن الأعمش به.

стр. 235

وقال الإمام أحمد حدثنا الحسين بن حسن الأشقر، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السموات على ذه –وأشار بالسبابة- والأرض على ذه والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، كل ذلك يشير بأصبعه. فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ . وكذا رواه الترمذي في التفسير بسنده عن أبي الضحى مسلم بن صبيح به. وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه١. ثم قال: قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا

стр. 236

الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه فيقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " تفرد به من هذا الوجه. ورواه مسلم من وجه آخر١. وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا مقدم بن

стр. 237

محمد حدثني عمي القاسم بن يحيى، عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك" تفرد به أيضاً من هذا الوجه. ورواه مسلم من وجه آخر١. وقد رواه الإمام أحمد من طريق آخر، بلفظ أبسط من هذا السياق وأطول، فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ

стр. 238

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده يحركها، ويقبل بها ويدبر، يمجد الرب تعالى نفسه: "أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم"، فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا: ليخرّن به١ انتهى. وهذه الأحاديث تدل على عظمته ، وتبين أن الله تعالى على عرشه، ولم يقل النبي ﷺ في شيء منها: إن ظاهرها غير مراد، وإنها تدل على تشبيه صفات الله بصفات خلقه، ولو كان هذا حقاً لبلغه أمته، فإن الله أكمل به الدين، وأتم به النعمة، فبلغ البلاغ المبين، وصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن يتبعهم إلى يوم الدين، وتلقى الصحابة ﵃ عن نبيهم ﷺ ما وصف به ربه من صفات كماله، ونعوت جلاله، فأمنوا به، وآمنوا بكتاب الله، وما تضمنه من صفات ربهم جل وعلا. وهذا الملحد الجاهل جعل ما تضمن كتاب الله وسنة رسوله أبعاضاً، وسمى إثبات علو الله على عرشه،

стр. 239

وفوقيته ونزوله وصعوده: تجسيماً ومن تمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وكلام الأئمة: مجسماً. وأما قوله: حتى قال بعضهم: لئن كان تجسيماً ثبوت استوائه ... على عرشه إني إذا لمجسم وإن كان تشبيها ثبوت صفاته ... فعن ذلك التشبيه لا أتلعثم وإن كان تنزيها جحود استوائه ... وأوصافه أو كونه يتكلم فمن ذلك التنزيه نزهت ربنا ... بتوفيقه والله أعلى وأعلم فالجواب: أنا نعتقد هذا، وندين الله به، وأزيد ذلك تقريراً له بقولي: أقول نعم هذا هو الحق والهدى ... وعن وصفه بالحق لا أتلعثم ومن حاد عن هذا وقال سفاهة ... طريقة جهم والمريسي أسلم فقد حاد عن نهج الشريعة واعتدى ... وضل عن الحق الذي هو أحكم

стр. 240

وأشهد أن الله جل ثناؤه ... على عرشه والله أعلى وأعظم وأشهد أن الله ليس كمثله ... شبيه ولا مثل ولا كفو يعلم فمن جحد الأوصاف لله ربنا ... ونزهه عن كونه يتكلم وعن كونه فوق السموات قد علا ... على عرشه فهو الكفور المذمم فليس بتجسيم ثبوت استوائه ... على عرشه لكنما الفوق يفهم ويعلم من نص الكتاب وسنة ... لأفضل خلق الله من هو أعلم أليس على هذا صحابة أحمد ... وأهل الحجا لو كنت ويحك تفهم وإن لم يكن ما بلغوه هو الهدى ... فمن ذا الذي منه الهدى يتعلم أولئك هم أهدى سبيلاً ومنهجاً ... وإن لم يكونوا المهتدين فمن هم أجهم بن صفوان اللعين وحزبه ... وأتباعه من هم أضل وأظلم

стр. 241

أم الحق ما قال الفلاسفة الألى ... ومن صار فيما أصلوا يتكلم أولئك في بحر الضلالة قد هووا ... وهم في مرامي الغي والبغي هوم فسار على منهاجهم في ضلالهم ... زنادقة من بعدهم حين أوهمو بتنزيهه فيما يرون وقصدهم ... هو الكفر والتعطيل والقوم قد عموا بإلزام أهل الحق بالبغي والهوى ... لوازم لا ترضى ولا هي تلزم وإلزامهم ما ألزموه تعنت ... وبغي وإلحاد وإفك ومأثم وما ذاك إلا أنه ليس عندهم ... إله بهذا الوصف حقاً يعظم وما هذه الأوصاف إلا لمن له ... صفات وجسم وهو عنها يفخم فإن كان تجسيماً ثبوت صفاته ... لديكم فإني اليوم عبد مجسم فسبحانه عن إفكهم وضلالهم ... وطغيانهم فالله أعلى وأعظم

стр. 242

فلله وجه بل يدان حقيقة ... ويغضب بل يرضى ويعطي ويرحم ويضحك ربي من قنوط عباده ... لمن شاء منهم قائلاً ويكلم سميع بصير ذو اقتدار ورفعة ... ويعلم ما نبدي جهاراً ونكتم وينزل شطر الليل نحو سمائه ... ويصعد والرحمن أعلى وأعظم كما شاءه سبحانه وبحمده ... وسوف يجي يوم القيامة يحكم ويفصل بين الخلق يوم معادهم ... بيوم به تبدو عياناً جهنم ونؤمن أن الله جل ثناؤه ... يرى ويُرى يوم المزيد وينعم إلى غير ذا من كل أوصافه التي ... بها نطق القرآن والكل محكم وصحت بها الأخبار من سيد الورى ... نقول بها جهراً ولا نتلعثم

стр. 243

فصل في بيان كلام الملحد في الجسم، وزيغه ... فصل قال العراقي: (نحن ننقل لك ههنا بعض عباراتهم التي وردت في هذا الشأن، مسطورة في كتاب "الدين الخالص" قال صاحبه: إن أردتم بالجسم المركب من المادة والصورة، أو المركب من الجواهر الفردة، فهذا منفي عن الله تعالى قطعاً، والصواب نفيه عن الممكنات أيضاً، فليس الجسم المخلوق مركباً من هذه ولا هذه. قال العراقي: فأقول: فانظر إلى ما في هذه العبارة من الخبط، فإنه أنكر فيها وجود جسم بالمعنى الذي ذكره، سواء كان واجباً أو ممكناً، والظاهر أن غرضه من هذا الإنكار هو التوصل إلى نفس الجسمية التي تلزم من معتقده في الله تعالى، فلئلا يقال: إنه شبه الخالق بمخلوقه نفى الجسمية بالمعنى المذكور عن مخلوقه أيضاً، وأنت تعرف أن الجسم إن لم يكن مركباً من المادة والصورة، فلا محيص أن يكون مركباً من الجواهر الفردة) .

стр. 244

والجواب أن يقال: هذا الكلام ليس هو من كلام صاحب "الدين الخالص" بل هو كلام شمس الدين ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى نقله صديق من "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" وهو في الصواعق أبسط من هذا، بأدلته العقلية والنقلية، فنسبة هذا الكلام إلى الوهابية وإن كانوا يعتقدون صحته جهل عريض، وعدم معرفة بالرجال ومقالاتهم، فإن ابن القيم رحمه الله تعالى في القرن السابع، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر، فصار من المعلوم عند هؤلاء أن من تكلم بالحق، وبما نطق به الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة وأئمتها وإن كان ممن تقدم زمانه فهو وهابي، فصار هذا الاسم علماً على أهل الحق في كل زمان ومكان ﴿فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَة﴾ ، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ . وأما قوله: (فإنه أنكر فيها وجود جسم بالمعنى الذي ذكره) إلى آخره. فنقول: نعم. ما ذكره من لفظ الجسم، وما يتبع ذلك، لم ينطق به في صفات الله لا كتاب ولا سنة، لا نفياً ولا إثباتاً، ولا تكلم به أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم.

стр. 245

وقوله: (والظاهر أن غرضه من هذا الإنكار هو التوصل إلى نفي الجسمية التي تلزم من معتقده في الله تعالى) إلى آخره. فأقول: نعم، ولا يلزم من إثبات الصفات التي أثبتها الله ورسوله هذه اللوازم التي سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هي نحاتة أفكار وزبالة أذهان، لا حقيقة لها في التحقيق، ولا تثبت على قدم الحق والتصديق. فهذه اللوازم منفية عن الله قطعاً وعن الممكنات أيضاً، كما يأتي بيانه وتفصيله. ثم إنه من المعلوم أن أصل الكلام في المادة والصورة والهيولي والجواهر الفردة وغيرها من التراكيب المحدثة في الإسلام ليس هو من كلام أهل السنة العامة، فضلاً عن أن يكون من كلام محققي أهل السنة المحضة، وإنما أصله من كلام الفلاسفة واليونان الخارجين عن شريعة الإسلام، فالاحتجاج به والاستدلال به، ممن يدعي أنه من أهل السنة على أهل السنة المحضة خروج من الدين والعقل، وإنما تكلم فيه أئمة الإسلام لما دخل فيه بعض أهل السنة العامة، وبعض أهل السنة المحضة، واعتمدوا عليه في العقليات، فاحتاج أئمة الإسلام إلى

стр. 246

الكلام فيه لرد معقولاتهم الفاسدة بالنقل والعقل، وإذا كان أصله ومادته كذلك فبطلانه معلوم بالاضطرار من دين الإسلام عقلاً ونقلاً. قال شيخ الإسلام ﵀ في تفسير سورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بعد كلام له سبق: وكان الذين امتحنوا أحمد ﵀ وغيره من هؤلاء الجاهلين، فابتدعوا كلاماً متشابهاً نفوا به الحق، فأجابهم أحمد لما ناظروه في المحنة وذكروا الجسم١ ونحو ذلك، فأجابهم بأني أقول كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الاخلاص:١-٢] . وأما لفظ الجسم فلفظ مبتدع محدث، ليس على أحد أن يتكلم به البتة، والمعنى الذي يراد به مجمل ولم تبينوا مرادكم حتى نوافقكم على المعنى الصحيح، فقال: ما أدري ما تقولون لكن أقول: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ، يقول: ما أدري ما تعنون بلفظ الجسم، فأنا لا أوافقكم على إثبات لفظ ونفيه إذا لم يرد الكتاب والسنة بإثباته ولا نفيه إن لم

стр. 247

يدر معناه المتكلم به، فإن عنى في النفي أو١ الإثبات ما يوافق الكتاب والسنة [وافقناه، وإن عنى ما يخالف الكتاب والسنة] ٢ في النفي والإثبات لم نوافقه ولفظ الجسم والجواهر لم يأت في كتاب ولا سنة، ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسائر أئمة الدين التكلم بها في حق الله تعالى لا بنفي ولا بإثبات. ولهذا قال أحمد في رسالته إلى المتوكل: لا أحب التكلم في شيء من ذلك إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث عن رسول الله ﷺ ، أو عن الصحابة والتابعين. وأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود. وذكر أيضاً فيما حكاه عن الجهمية أنهم يقولون ليس فيه كذا وكذا وهو كما قال، فإن للفظ٣ الجسم في اللغة التي نزل بها القرآن معنى كما قال تعالى ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] . وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] . قال ابن عباس: كان طالوت أعلم بني إسرائيل بالحرب، وكان يفوق الناس بمنكبيه٤ وعنقه

стр. 248

ورأسه والبسطة: السعة. قال ابن قتيبة: هو من قولك: بسطت الشيء إذا كان مجموعاً ففتحته ووسعته. قال بعضهم: والمراد بتعظيم الجسم فضل القوة إذ العادة أن من كان أعظم جسماً كان أكثر قوة. فهذا لفظ الجسم في لغة العرب التي نزل بها القرآن. قال الجوهري: قال أبو زيد الأنصاري: الجسم الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان. وقال الأصمعي: الجسم والجسمان والجسد والجثمان واحد١. قال جماعة: جسم الإنسان يقال له الجسمان، وقد جسم الشيء أي عظم فهو جسيم وجسام والجسام بالكسر جمع جسم. قال أبو عبيدة: تجسمت فلاناً من بين القوم أي اخترته كأنك قصدت جسمه، كما تقول تأتيه أي قصدت أتيه٢ وشخصه، وأنشد أبو عبيدة: تجسمته من بينهن بمرهف وتجسمت الأرض إذا أخذت نحوها تريدها وتجسم من الجسم. وقال ابن السكيت: تجسمت الأمر أي ركبت أجسمه، وجسيمه أي معظمه. قال: وكذلك تجسمت

стр. 249

الرمل والجبل أي ركبت أعظمه، والأجسم الأضخم، قال عامر بن الطفيل: لقد علم الحي من عامر ... بأن لنا الذروة والأجسما فهذا الجسم في لغة العرب، وعلى هذا فلا يقال للهواء جسم، ولا للنفس الخارج من الإنسان جسم، ولا لروحه المنفوخة جسم، ومعلوم أن الله سبحانه لا يماثل شيئاً من ذلك لا بدن الإنسان ولا غيره، فلا يوصف الله بشيء من خصائص المخلوقين، ولا يطلق عليه من الأسماء ما يختص بصفات المخلوقين، فلا يجوز أن يقال: هو جسم ولا جسد، انتهى. وإذا كان هذا الجسم في لغة العرب كان منتفياً عن الله بهذا المعنى، لأن الله أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فلا يماثله شيء من مخلوقاته، ولا يطلق عليه من الأسماء ما يختص بصفات المخلوقين، فإن من شبه الله بخلقه فقد كفر، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأما قوله: (وأنت تعرف أن الجسم إن لم يكن مركباً من المادة والصورة فلا محيص أن يكون مركباً من الجواهر الفردة) .

стр. 250

فالجواب أن نقول: هذا على اصطلاح أهل الكلام، وقد عرفت ما في كلامهم من الاختلاف والنزاع بينهم، والجواب على كل مسلم أن ينظر في هذا الباب فما أثبته الله ورسوله أثبته، وما نفاه الله ورسوله نفاه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فتثبت ما أثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني، وتنفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني. وأما هذه الألفاظ الذي تنازع فيها من ابتدعها فقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما أهل الكلام فالجسم عندهم أعم من هذا، وهم مختلفون في معناه اختلافاً كثيراً عقلياً، واختلافاً لفظياً اصطلاحياً، فهم يقولون: كل ما يشار إليه إشارة حسية فهو جسم، ثم اختلفوا بعد هذا. فقال كثير منهم: كل ما كان كذلك فهو مركب من الجواهر المنفردة، ثم منهم من قال: الجسم أقل ما يكون جوهراً بشرط أن ينضم إليه غيره. وقيل: بل هو الجوهران والجواهر فصاعداً. وقيل: بل أربعة فصاعداً. وقيل: بل ستة. وقيل: بل ثمانية. وقيل: بل ستة عشر. وقيل: بل اثنان وثلاثون. وهذا قول من يقول: إن الأجسام كلها مركبة من الجواهر التي لا تنقسم. وقال آخرون من أهل الفلسفة: كل الأجسام مركبة من الهيولي والصورة، لا من الجواهر المنفردة. وقال كثير من أهل الكلام وغير أهل
следующие страницы →