فصل في أنواع الشرك، وجهل الملحد بها
...
فصل
قال الملحد: (ويجدر بنا أن نبين هنا أنواع الشرك، فنقول: منها ما يقال له: شرك الاستقلال، وهو إثبات إلهين مستقلين، كشرك المجوس. ومنها: شرك التبعيض، وهو تركيب الإله من عدة آلهة، كشرك النصارى. ومنها: شرك التقريب، وهو عبادة غير الله تعالى ليقرب إلى الله زلفى، كشرك الجاهلية. والشرك الذي جعلته الوهابية أصلاً لشرك المستغيث والمتوسل، وبنت عليه قاعدتها، هو شرك التقريب الذي دانت به الجاهلية) .
والجواب أن نقول: هذا التقسيم بهذا اللفظ لم أجده في شيء من كتب أهل الإسلام، الذين هم الأسوة، وبهم القدوة، ولم ينسبه إلى عالم من علماء الإسلام، وإنما هو تنويع عراقي، وفيه من التقصير والقصور ما لا يخفى.
وإذا كان هذا مبلغ علمه، ومحصول ما لديه، تعين أن نذكر من أقوال أهل العلم ما يبين تخليط هذا العراقي
стр. 422
وتخبيطه، حيث اعتقد أن ما يفعله المشركون في هذه الأزمان ليس من الشرك، فنقول: اعلم أن ضد التوحيد الشرك، وهو ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي.
والدليل على الشرك الأكبر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:١١٦] . ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] .
وهو أربعة أنواع: شرك الدعوة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] .
النوع الثاني: شرك النية والإرادة والقصد. والدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥-١٦] .
النوع الثالث: شرك الطاعة. والدليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ
стр. 423
مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] ، وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم، كما فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم لما سأله قال: لسنا نعبدهم. فذكر أن عبادتهم طاعتهم في المعصية١.
стр. 424
النوع الرابع: شرك المحبة. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه﴾ [البقرة: ١٦٥] .
وأما النوع الثاني: فهو الشرك الأصغر، وهو الرياء. والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ١١٠] ، وهو أنواع.
стр. 425
والنوع الثالث: الشرك الخفي. والدليل عليه قوله ﷺ : "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء، على صفاة١ سوداء، في ظلمة الليل". وكفارته قوله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم".
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله. وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
والشرك الأول نوعان: أحدهما شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال وما رب العالمين؟ وقال تعالى مخبراً عنه إنه قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦-٣٧] .
فالشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقراً بالخالق سبحانه، وصفاته، ولكن عطل حق التوحيد.
стр. 426
وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو: التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته، وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
ومن هذا الشرك شرك طائفة أهل وحده الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق ولا ههنا شيئان بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه.
ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدوماً أصلاً، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، يسمونها العقول والنفوس.
ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله، من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسماً ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
стр. 427
فصل١
النوع الثاني: شرك من جعل معه آلهاً آخر، ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته، كشرك النصارىالذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهاً والله إلها، وأمه إلهاً، ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة.
قلت: فانظر إلى كلام شمس الدين ابن القيم، وإلى كلام هذا الملحد، حيث قال: (منها شرك الاستقلال، وهو إثبات إلهين مستقلين، كشرك المجوس، ومنها شرك التبعيض، وهو تركيب الإله من عدة آلهة، كشرك النصارى) ، وبهذا تعرف أنه ما عرف أنواع الشرك ولا أقسامه.
ثم قال ابن القيم: ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وتقديره وإرادته، ولهذا كانوا من أشباه المجوس. ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم في ربه: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي
стр. 428
وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فهذا جعل نفسه -مثلاً لله، يحيى ويمين -بزعمه- كما يحيى الله ويميت، فألزمه إبراهيم ﵇ ورحمة الله وبركاته- أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها، وليس هذا انتقالاً -كما زعمه بعض أهل الجدل- بل إلزاماً على طرد الدليل -إن كان حقاً- ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أرباباً مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة، وغيرهم. ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم، ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه، أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي فوقه، والفوقاني يقربه إلى من فوقه، حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه، فتارة تكثر الوسائط، وتارة تقل.
ثم ذكر الشرك في العبادة وأنواعه، وهو الشرك الخفي، وذكر أن منه ما ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس منه شيء مغفور، كالشرك بالله في المحبة.
ثم ذكل الشرك بالله سبحانه في الأقوال والأفعال، والإرادات والنيات، وأن منه ما هو أكبر وأصغر، تركنا
стр. 429
ذكر ذلك طلباً للاختصار، فمن أراد الوقوف عليه فهو في "الجواب الكافي والدواء الشافي" وبما ذكرناه يتبين لكل منصف أن هذا العراقي مزجي البضاعة من العلوم النبوية، والعقائد السلفية، وأنه لا دراية له ولا رواية١.
وحيث أنه ما عرف من الشرك إلا ما ذكره من هذه الأنواع التي خبط فيها خبط عشواء، صار ما عداه عنده ليس من الشرك، وأن ما عداها من الأمور الشركية -المخرجة من الملة التي هي أعظم وأدهى- لا تخرج من الملة، لكونه قد تلبس بها، وتضمخ بوضرها، فلذلك٢ كان يسمي أهلها هم المسلمون عنده.
فمن تلك الأمور التي ما ذكرها، ولا عرف أنها من الكفر المخرج من الملة: الشرك الذي يتعلق بذات المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله كتعطيله سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
ومنها: الشرك بالله في المحبة والتعظيم، بأن يحب مخلوقاً كما يحب الله، فهذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وغير ذلك من الأمور الشركية التي تقدم ذكرها.
стр. 430
فإذا عرفت ذلك تبين لك ضلال هؤلاء الملاحدة الذين أشربت قلوبهم عداوة أهل التوحيد، ولقبوهم بالألقاب الشنيعة، ورموهم بالعظائم التي لا ترام ولا تطاق، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 431
فصل في بيان سبب شرك الجاهلية
...
فصل
قال العراقي: (والأمر الذي حمل الجاهلية على شركها هذا هو تسويل الشيطان لها: أن عبادة غير الله تعالى على ما هي عليه من غاية الضعف والعجز، وتركها التقرب إليه بعبادة من هو أعلى منها عنده وأشرف وأقوى، كنحو الملائكة إنما هو سوء أدب، ولكن لما رأت غيبة من عبدته عنها دائماً أو بعض الأوقات صنعت الأصنام أمثلة لما غاب عنها من معبوداتها فعبدتها) .اهـ.
والجواب أن نقول: ليس الأمر كما زعمت، ولا ما إليه ذهبت، وإنما الأمر الذي حمل الجاهلية على شركها هو الغلو في الصالحين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] الآية. والغلو هو الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد، أي لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلا لله.
والخطاب وإن كان لأهل الكتاب، فإنه عام يتناول
стр. 432
جميع الأمة، تحذيراً لهم أن يفعلوا بنبيهم ﷺ فعل النصارى في عيسى، واليهود في العزير، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] .
وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح:٢٣]- صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد، أما "ود" فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما "سواع" فكانت لهذيل. وأما "يغوث" فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبا. وأما "يعوق" فكانت لهمدان. وأما "نسر" فكانت لحمير لآل ذي الكلاع:
هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عُبدت.
قال ابن جرير ﵀: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن محمد بن قيس، أن يغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين من بني آدم،
стр. 433
وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوروهم فلما ماتوا، وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم. انتهى.
فالشيطان هو الذين زين لهم عبادة الأصنام، وأمرهم بها، فصار هو معبودهم في الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿أَلَم أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٠-٦١-٦٢] . وهذا يفيد الحذر من الغلو، ووسائل الشرك، وإن كان القصد بها حسناً، فإن الشيطان أدخل أولئك في الشرك من باب الغلو في الصالحين، والإفراط في محبتهم –كما قد وقع مثل ذلك في هذه الأمة- أظهر لهم الغلو والبدع في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم، ليوقعهم فيما هو أعظم من ذلك من عبادتهم لهم من دون الله.
وفي رواية أنهم قالوا: ما عظم أولونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله. أي يرجون شفاعة أولئك الصالحين الذي صوروا تلك الأصنام على صورهم، وسموها بأسمائهم، ومن هنا يعلم أن اتخاذ الشفعاء ورجاء شفاعتهم بطلبها منهم شرك بالله.
стр. 434
قال ابن القيم ﵀: وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، ويلقي أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور، من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها، والإقسام على الله بها، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه، وعبادته، وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثناً تعلق عليه القناديل والستور، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويحج إليه ويذبح عنده.
فإذا تقرر هذا عندهم، نقلهم إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم، وكل هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ من تجريد التوحيد، وأن لا يعبد إلا الله.
فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم، ولا قدر، وغضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
стр. 435
وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله، وأنصار دينه ورسلون، ويأبى الله ذلك: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] . انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
ثم قال العراقي: (إذا تحققت هذا؛ اتضح لك أن حال مشركي الجاهلية لا ينطبق بوجه من الوجوه على المسلمين المتوسلين إلى الله بالأنبياء والصالحين) .
فأقول: قد تقدم جواب هذا.
وقوله: (فأولئك اتخذوا الأصنام آلهة. والإله معناه: المستحق للعبادة، فهم اعتقدوا استحقاق الأصنام للعبادة، واعتقدوا أولاً أنها تضر وتنفع، فعبدوها) .
فأقول: إن أولئك اتخذوا الأصنام والملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين آلهة يعبدونها من دون الله، والإله
стр. 436
معناه: الذي تألهه القلوب بالمحبة والخضوع والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من الرغبة والرهبة والتوكل والاستغاثة، والدعاء والذبح والنذر والسجود، وجميع أنواع العبادة الباطنة والظاهرة، فهو إله بمعنى: مألوه. أي: معبود، وأجمع أهل اللغة أن هذا معنى الإله.
قال الجوهري: أله بالفتح، إلاهة، أي: عبد عبادة، قال: ومنه قولنا: الله. وأصله: إلاه، على فعال، بمعنى: مفعول، لأنه مألوه، بمعنى: معبود، كقولنا إمام: فعال، بمعنى: مفعول، لأنه مؤتم به. قال: والتأليه: التعبيد، والتأله: التنسك والتعبد. قال رؤبة:
سبحن واسترجعن من تأله
انتهى.
وقال في القاموس: أله إلهة، وألوهة: عبد عبادة، ومنه لفظ "الجلالة"، واختلف فيه على عشرين قولاً –يعني في لفظ الجلالة- قال: وأصله: إله بمعنى: مألوه، وكل ما تخذ معبوداً إله عند متخذه. قال: والتأله: التنسك والتعبد. انتهى.
وجميع العلماء من المفسرين، وشراح الحديث والفقه وغيرهم، يفسرون "الإله" بأنه المعبود.
فإذا كان هذا هو معنى "الإله" في اللغة، والشرع، فهو
стр. 437
المستحق للعبادة –المتقدم ذكرها- دون من سواه، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فقد أشرك ذلك الغير في عبادة الله.
وأما كون المشركين اعتقدوا أن آلهتهم تنفع وتضر، فغير مسلم، فإنهم قد اعترفوا أن الله هو النافع الضار، وأنه المستحق للعبادة، ولكنهم ما أرادوا ممن عبدوه إلا الجاه والشفاعة، وليقربوهم إلى الله زلفى، كما هو قول المشركين في هذه الأزمان سواء بسواء.
وقد قال ﷺ : "لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في هذه الأمة من يفعله". وفي لفظ: " حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه". قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن".
وقوله: (فاعتقادهم هذا، وعبادتهم إياها، أوقعهم في الشرك، فلما أقيمت عليهم الحجة بأنها لا تملك نفعاً ولا ضراً، قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) .
فأقول: لما أقام الله عليهم الحجة بإقرارهم أن الله هو المحيي المميت، الدبر لجميع الأمور، وأن الله هو النافع الضار، وأن آلهتهم لا تملك لهم نفعاً ولا ضراً، ولا
стр. 438
حياة ولا نشوراً، واعترفوا بذلك، قال الله تعالى: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أي: تتقون الشرك في العبادة، فإن الفاعل لهذه الأشياء هو الذي يستحق العبادة دون من سواه، فقول الكفار: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، كقول مشركي هذه الأزمان: لسنا نعبد إلا الله، ولكن ما قصدنا بزيارة قبورهم إلا التوسل بهم إلى الله تعالى، والتبرك بهم، لكونهم أحباء الله المقربين، الذين اصطفاهم واجتباهم.
وقوله: (فكيف يجوز للوهابية أن تجعل المؤمنين الموحدين مثل أولئك المشركين) .
فأقول: ما جعلت الوهابية المؤمنين الموحدين مثل المشركين، وإنما جعلت من فعل فعل المشركين مشركاً، لكونه حذا حذو أولئك في صرف خالص حق الله تعالى، ويزعم أنه ما أراد إلا الجاه والشفاعة منهم، لأنهم مقربون عند الله.
وقوله: (إذ لا شك أن المشركين إنما كفروا بسبب عبادتهم تماثيل الأنبياء والملائكة والأولياء، التي صوروها
стр. 439
على صورهم، وسجدوا لها، وذبحوا، وبسبب١ اعتقادهم في الملائكة والأنبياء٢ والأولياء أنهم آلهة مع الله يضرون وينفعون٣ بذواتهم) .
فأقول: وهؤلاء المشركون في هذه الأزمان إنما كفروا بسبب غلوهم في الأنبياء والأولياء والصالحين، والعكوف على قبورهم، واستغاثتهم٤ بهم، والالتجاء إليهم، ودعائهم والذبح لهم، والنذر لهم، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي كانوا يفعلونها في هذه الأزمان عند ضرائح الأولياء والصالحين.
فإن من صرف من هذه العبادة شيئاً لغير الله كان مشركاً، وإن اعتقد أن من يدعوه ويستغيث به، ويرجوه ويذبح له ويلجأ إليه، ويعلق آماله به، لا يضر ولا ينفع، وأنه ليس إلها، ولا يستحق العبادة.
وقوله: (ولذلك احتج الله تعالى على إبطال قولهم، وضرب الأمثال للرد على معتقدهم في كثير من الآيات،
стр. 440
بأن الإله المستحق للعبادة يجب أن يكون قادراً على كشف الضر، وإيصال النفع لمن عبده، وبأن ما عبدوه من جملة المحدثات المنافية للربوبية) .
فأقول: وهذا هو الحق، ولكنه مع كونه منافياً للربوبية، فهو مناف للألوهية، فكيف إذا عرفت أن هذا مناف للربوبية لأي شيء صرفك عن كونه منافياً لتوحيد الإلهية، لأن توحيد الربوبية هو الإقرار والاعتراف، بأن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، المدبر لجميع الأمور، وأنه النافع الضار، وأنه رب كل شيء ومليكه، وأنه المتفرد بالإيجاد والإعدام، إلى غير ذلك من أفعال الرب.
وأما توحيد الإلهية فهو أن يوحد العبد ربه بأفعاله الصادرة منه، كالدعاء والخوف والرجاء والحب، والتعظيم والاستغاثة والاستعاذة والاستعانة، والتوكل والذبح والنذر والرغبة والرهبة، والخضوع والخشوع، والالتجاء، وغير ذلك من أنواع العبادة التي صرفها المشركون الأولون والآخرون لغير الله.
وأما قوله: (وأما المستغيث والمتوسل فهو١ براء من هذه العبادة وهذا الاعتقاد) .
стр. 441
فأقول: المستغيث والمتوسل –على لغة هؤلاء المشركين- ليس هو برئياً من هذه العبادة وهذا الاعتقاد، لأن الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو١ إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية.
ومن المعلوم بالضرورة أن الله تعالى هو الذي يزيل الشدات، ويغيث اللهفات، ويفرج الكربات، فمن زعم أن الاستغاثة ليست من العبادات فهو مكابر للحسيات، مباهت في الضروريات. وفي الدعاء المشهور عن النبي ﷺ أنه قال في دعائه: "اللهم أنت المستعان، وبك المستغاث، وإليك المشتكى" الحديث. ودعاء المسلمين: يا غياث المستغيثين، وقد قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] . فعدم إدخالها في جملة العبادة هو التحكم والمكابرة، من غير دليل عقلي، ولا نص شرعي.
وقوله: (إذ الآيات التي استدلت بها الوهابية إنما نزلت جميعاً في الكفار الذين عبدوا غير الله، وإن قصدوا بعبادتهم ذلك الغير التقرب إليه تعالى، وفي الذين اعتقدوا
стр. 442
أن مع الله إلهاً آخر، وأن له ولداً وزوجة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً) .
فأقول: قد تقدم الجواب عن هذا، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقوله: (وليس في الآيات النازلة في الكفار دلالة على كون الاستغاثة بنبي أو ولي مع الإيمان بالله تعالى هي عبادة لغير الله) .
فأقول: بل فيها الدلالة الواضحة على أن من صرف لغير الله شيئاً من العبادة التي لا يستحقها إلا الله فهو مشرك، فإن صرفها لغير الله مناف للإيمان بالله تعالى.
стр. 443
فصل في بيان أن الإستغاثة من الدعاء
...
فصل
ثم قال العراقي: (قالت الوهابية: إن الاستغاثة من نوع الدعاء، وقد ورد في الحديث: "أن الدعاء هو العبادة" ١ فالذي يستغيث بنبي أو ولي فهو إنما يعبده بتلك
стр. 444
الاستغاثة، وحيث إن العبادة لا تصلح إلا لله وحده، وإن عبادة غيره شرك كان المستغيث بغيره١ مشركاً.
ثم قال: فالجواب على هذا: أن ضمير الفصل إنما يفيد قصر المسند على المسند إليه، وكذا تعريف الخبر، كما ذكره صاحب "المفتاح" وعليه الجمهور، فقولنا: الله هو الرازق مثلاً، معناه لا رازق سواه، وعلى هذا: فقوله ﵊: "الدعاء هو العبادة" دال على أن العبادة مقصورة على الدعاء، فيكون المراد من الحديث أن العبادة ليست غير الدعاء، ويؤيده قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ٢ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] أي ما يصنع بكم لولا عبادتكم، فإن شرف الإنسان بعبادته، وكرامته بمعرفته وطاعته، وإلا فلا فضل له على البهائم، والحج والصلاة، والزكاة والصيام والشهادة،
стр. 445
كلها دعاء، وكذلك التلاوة والأذكار، والطاعة، فانحصرت١ العبادة في الدعاء. إذا تقرر هذا فلا حجة في الحديث، إذ على تقدير كون الاستغاثة من نوع الدعاء كما قالته الوهابية، لا يلزم أن تكون عبادة، لما أن الدعاء قد لا يكون عبادة كما هو ظاهر ... ) إلى آخر كلامه.
والجواب أن نقول: الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار: طلب النصر، والاستعانة: طلب العون. كما تقدم ذكره عن شيخ الإسلام ﵀.
وقال غيره: الفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة، لأنه يكون من المكروب وغير المكروب، فعطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، فبينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة، وينفرد الدعاء عنها في مادة، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة.
فإن تبين لك أن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً٢، وأن كل استغاثة دعاء، وقد علمت أن الدعاء هو العبادة بنص
стр. 446
رسول الله ﷺ ، فاعلم أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. ويراد به في القرآن هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، ولهذا أنكر الله على من يدعو١ أحداً من دونه، ممن لا يملك ضراً ولا نفعاً، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة:٧٦] ، وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٧١] الآيات. وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] .
قال شيخ الإسلام ﵀: فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤٠-٤١] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾
стр. 447
[الجن:١٨] . وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ الآية [الرعد: ١٤] .
وأمثال هذا في القرآن في دعاء المسألة أكثر من أن يحصر، وهو يتضمن دعاء العبادة، لأن السائل أخلص سؤاله لله، وذلك من أفضل العبادات، وكذلك الذاكر لله، والتالي لكتابه، ونحوه، طالب من الله في المعنى، فيكون داعياً عابداً.
فتبين بهذا من قول شيخ الإسلام: أن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، كما أن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة.
وقد قال تعالى عن خليله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم:٤٨-٤٩] . الآية. فصار الدعاء من أنواع العبادة، فإن قوله: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ [مريم: ٤٨] . كقول زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ [مريم:٤] ، وقد أمر الله تعالى في مواضع من كتابه، كقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥-٥٦] ، وهذا هو
стр. 448
دعاء المسألة المتضمن للعبادة، فإن الداعي يرغب إلى المدعو ويخضع له، ويتذلل.
وضابط هذا: أن كل أمر شرعه الله لعباده، وأمرهم به، ففعله لله عبادة، فإذا صرف من تلك العبادة شيئاً لغير الله فهو مشرك، مصادم لما بعث الله به رسوله من قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤] .
فإذا ثبت أن الاستغاثة من أنواع الدعاء، وأن كل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة، وتقرر أن الدعاء نوعان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، وأن كل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة تبين لك أن الاستغاثة من أنواع العبادة، وكيف لا تكون من أنواع العبادة وقد قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] ، وقوله ﷺ في الدعاء المشهور: "اللهم أنت المستعان وبك المستغاث، وإليك المشتكى" الحديث. وقول المسلمين: يا غياث المستغيثين، فإن لم يكن هذا من العبادة، فلا ندري ما العبادة، ولا ما دعاء المسألة المتضمن لدعاء العبادة.
وقد قال شيخ الإسلام ﵀: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
فإذا تمهد هذا واتضح، فقول هذا الملحد: (إن
стр. 449
ضمير الفصل إنما يفيد قصر المسند على المسند عليه وكذا تعريف الخبر كما ذكره صاحب "المفتاح" وعليه الجمهور، فقولنا: الله هو الرازق مثلاً معناه لا رازق سواه ... ) الخ.
فيقال لهذا الملحد: نعم إذا كان الحصر أو القصر حقيقياً، فإنه من المعلوم إذا قلنا: الله هو الرازق، فمعناه حقيقة لا رازق سواه، وعلى هذا فقوله ﵇: "الدعاء هو العبادة" دال على أن العبادة مقصورة على الدعاء، فيكون المراد من الحديث: "أن العبادة ليست غير الدعاء ... " الخ.
فنقول: ليس الأمر كما توهمت، وإنما الحصر والقصر في هذا الحديث ادعائي، كما يستفاد من ضمير الفصل المقحم بين المبتدأ والخبر، والحصر -وإن كان ادعائياً- فهو يدل على أن الدعاء هو معظم العبادة، ومخها، وخالصها، وأجلها، وأشرفها.
ومثل هذا الحديث: الحديث الذي رواه أبو داود في "سننه" والإمام أحمد في "المسند" من حديث أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة، عند يقال له: دجلة، يكون عليه جسر، يكثر أهلها، وتكون من أمصار المهاجرين –وفي رواية المسلمين: فإذا كان في آخر الزمان، جاء بنو قنطوراء،
стр. 450
عراض الوجوه صغار الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر، فيفترق أهلها ثلاث فرق، فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية، وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم، وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهروهم ويقاتلون وأولئك هم الشهداء" ١.
فأخبر في هذا الحديث أن أولئك هم الشهداء، وأنهم مخصوصون بالشهادة دون سائر الشهداء، كما يستفاد من الجملة الاسمية المعرفة الطرفين، ومن ضمير الفصل المقحم بين المبتدأ والخبر، والحصر –وإن كان ادعائياً- فهو يدل على شرف الصنف وفضيلته. انتهى.
وكذلك قوله تعالى في المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] فهذا يدل على شدة عداوتهم من بين سائر الكفار، لا على أنه لا عدو سواهم، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل:١٠٥] ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وهذا بين بحمد الله لا خفاء به، مع أنه ورد في حديث آخر: "الدعاء مخ العبادة" من حديث أنس٢، مع أن الحصر أو القصر في قوله ﷺ :
стр. 451
"الدعاء هو العبادة" كما قال بعض شراح الحديث: إن حصر أحد الجزئين في الآخر يفيد أن الدعاء لبّها، وخالصها، وركنها الأعظم. وبحديث أنس: "الدعاء مخ العبادة" يظهر معنى القصر في حديث النعمان المتقدم، فاندفع الإشكال عما ذكره العراقي.
وأما قوله: (إذا تقرر هذا فلا حجة في الحديث، إذ على تقدير كون الاستغاثة من نوع الدعاء، كما قالته الوهابية، لا يلزم أن تكون عبادة، لما أن الدعاء قد لا يكون عبادة، كما هو ظاهر) .
فالجواب: أنا قد بينا فيما تقدم ما يبطل دعواه الكاذبة الخاطئة، وبينا أن العبادة ليست منحصرة في الدعاء، بل الدعاء من أنواع العبادة، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فالدعاء هو مخ العبادة، بنص رسول الله ﷺ ، والاستغاثة من أخص أنواع العبادة وأشرفها، إذ هي دعاء مسألة متضمنة لدعاء العبادة.
فإذا تبين لك ما ذكرناه، فالدعاء الذي جاء في قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] . وفي قوله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ .
стр. 452
[النور: ٦٣] وما أشبه ذلك، مما هو بمعنى النداء المجرد عن معنى العبادة، إذ الدعاء كونه في الأصل بمعنى النداء والطلب مما لا مرية فيه، كما قال الراغب: الدعاء والنداء واحد، لكن قد يتجرد النداء عن الاسم، والدعاء لا يكاد يتجرد. فلا يدخل في دعاء العبادة المستلزم لدعاء المسألة، كما أنه لا يدخل في دعاء المسألة المتضمنة للعبادة. وهذا لا يروج إلى على طغام العراق الذين هم كالأنباط، أو البربر، أو الزنج، الذين لا معرفة لهم بلغات العرب. فالوهابية لا يقولون: إن كل مطلق دعاء يكون عبادة، فإدخال هذا في معنى العبادة ترويج وتلبيس وسفسطة، وهذه البضاعة لا تروج علينا، ولا تنفق لدينا.
وأما قوله: (ولا يقال للطلب١ من غيره تعالى دعاء) . فهذا ممنوع، فإن من طلب من غير الله جلب منفعة، أو دفع مضرة، يكون داعياً طالباً٢، سائلاً منه.
وقد ذكر الرازي تحت قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] ، ما يقتضي أن المراد بالدعاء في هذه الآية طلب المنفعة
стр. 453
والمضرة١، ونصة هكذا: يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة٢ من غير الله فأنت من الظالمين ... إلى آخر كلامه.
وقال الشيخ صنع الله الحلبي، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق، والضيق والفقر وطلب الرزق، ونحوه، فمن خصائص الله، ألا٣ يطلب فيها غيره. انتهى.
فالطلب سؤال، والسؤال في معنى الدعاء.
стр. 454
فصل في التوسل
...
فصل
قال العراقي: (التوسل وأدلة جوازه.
قبل الخوض في المطلب نبين لك أن المراد من الاستغاثة بالأنبياء والصالحين، والتوسل بهم، هو: أنهم أسباب ووسائل لنيل المقصود، وأن الله تعالى هو الفاعل، كرامة لهم لا أنهم هم الفاعلون، كما هو المعتقد الحق في سائر الأفعال، فإن السكين لا يقطع بنفسه، بل القاطع هو الله تعالى، والسكين سبب عادي خلق الله تعالى القطع عنده) .
والجواب١ أن نقول: وقبل الكلام على ما يبطل دعواه، لا بد من مقدمة ينبني٢ عليها الجواب، فنقول:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به، فيه
стр. 455
إجمال واشتراك، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة: يراد به التسبب به، لكونه داعياً، وشافعاً مثلاً، أو لكون الداعي محباً له، مطيعاً لأمره، مقتدياً به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل له، واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته.
ويراد به الإقسام به، والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا بشيء منه، ولا بشيء من السائل، بل بذاته أو بمجرد الإقسام به على الله. فهذا الثاني هو الذي كرهوه، ونهوا عنه.
وكذلك لفظ السؤال بالشيء قد يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه سبباً في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام.
وإذا تبين لك هذا فاعلم أن معنى التوسل في لغة الصحابة ﵃ وعرفهم أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، فيكون التوسل والتوجه به في الحقيقة بدعائه وشفاعته، وهذا لا محذور فيه، بل هذا هو المشروع، كما في حديث: "الثلاثة الذين أووا إلى الغار" وهو حديث مشهور في "الصحيحين" فإنهم توسلوا إلى الله بصالح الأعمال، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله تعالى، ويتوجه به إليه، ويسأله به، لأنه وعد
стр. 456
أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] . وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمر به من العمل الصالح، وسؤاله والتضرع إليه.
فمن جعل دعاء الأولياء والصالحين سبباً لنيل المقصود، كأن يطلب من الولي أو الصالح يدعو الله له، لكونه مطيعاً لله، محباً له، فيشفع له عند الله، بدعاء الله له، فهذا حق، فقد كان الصحابة ﵃ يتوسلون إلى الله سبحانه برسوله، فيدعو الله لهم، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا"، فاستسقوا به، كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته، وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، كالإمام والمأمومين، من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق.
فإذا تحققت ذلك، فاعلم أن التوسل في عرف أهل هذا الزمان واصطلاحهم هو دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين، وصرف خالص حق الله تعالى لهم بجميع أنواع العبادات، من الدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر والالتجاء إليهم، والاستغاثة بهم، والاستعانة
стр. 457
والاستشفاع بهم، وطلب الحوائج من الولائج في المهمات والملمات، لكشف الكربات، وإغاثة اللهفات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، إلى غير ذلك من الأمور التي صرفها المشركون لغير فاطر الأرض والسموات، فمن صرف من هذه الأنواع شيئاً لغير الله كان مشركاً، وسيأتي الكلام على مسألة الاستغاثة.
وأما قوله: (إنهم أسباب ووسائل لنيل المقصود، وإن الله تعالى هو الفاعل ... ) إلى آخره.
فأقول: وهذا هو قول الجاهلية الكفار، فإنهم ما عبدوا الأنبياء، والأولياء والصالحين، إلا لكونهم أسباباً ووسائل لنيل المقصود، وإلا فهم يعتقدون أن الله هو النافع الضار، وأنه المتفرد بالإيجاد والإعدام، وأن الله هو الخالق للأشياء، وأن الله هو رب كل شيء ومليكه، ولا يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة، شاركوا الله في خلق السموات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، فمن أثبت الوسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين عباد الأوثان.
وقال شيخ الإسلام: الخامس أن يقال: نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، لكن من
стр. 458
هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سبباً في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ ومن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت، أو غائب من البشر كان، أو غيره كان ذلك سبباً في حصول الرزق، والنصر والهدى، وغير ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن الذين شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين:
أحدهما: أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سبباً كونياً يجوز تعاطيه، فإن المسافر قد يكون سفره سبباً لأخذ ماله، وكلاهما محرم، والدخول في دين النصارى قد يكون سبباً لمال يعطونه، وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سبباً لنيل المال يؤخذ من المشهود له، وهو حرام، وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سبباً لنيل مطلب، وهو محرم، والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب، وهو محرم، وكذلك الشرك كدعوة الكواكب والشياطين، بل وعبادة البشر قد يكون سبباً لبعض المطالب، وهو محرم.
فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كان مفسدته راجحة على مصلحته، كالخمر وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحياناً، وهذا المقام ما يظهر به ضلال هؤلاء
стр. 459
المشركين خلقاً وأمراً، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية. انتهى.
وأما قوله: (وإن الله تعالى هو الفاعل، كرامة لهم، لا أنهم هم الفاعلون) .
فالجواب أن نقول: أولاً: ليس دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين والاستغاثة بهم في نيل المقصود سبباً شرعياً، فإن هذه من الأسباب المحرمة، كما تقدم في كلام الشيخ.
وثانياً: لو سلمنا أن الكرامات سبب، فمن أين يؤخذ أنها سبب يقتضي دعاء من قامت به، أو فعلت له؟ ومن أي وجه دلت الكرامة على هذا؟ وأفضل الناس الرسل. والملائكة من أفضل خلق الله، ولهم من المعجزات والكرامات والمقامات ما ليس لغيرهم، فقد جاء عيسى بن مريم بما هو من أفضل المعجزات والكرامات: يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فيكون طيراً بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيى الموتى بإذن الله، وينبئهم من الغيب ما يأكلون وما يدخرون. وقد أنكر الله تعالى على من قصده ودعاه في حاجاته وملماته، وأخبر أن فاعل ذلك كافر به، ضال بعبادة غيره، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ
стр. 460
تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠] . والأرباب هم المعبودون المدعوون. وقال تعالى فيمن عبدوا المسيح: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة:٧٦] . فأخبر تعالى عن المسيح أنه لا يملك لمن دعاه نفعاً ولا ضراً -وإن قل- كما يفيده التنكير، وأبطل عبادته، وأنكرها أشد الإنكار، ومعجزاته أوضح من الشمس في وسط النهار.
وأما قوله: (فإن السكين لا يقطع بنفسه، بل القاطع هو الله تعالى، والسكين سبب عادي، خلق الله تعالى القطع عنده) .
فالجواب أن يقال: هذا القول من أقوال أهل البدع والأهواء، وليس هو من كلام أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام:
وهؤلاء هم الاقترانية الذين يقولون: إن الله يخلق عند السبب لا بالسبب، ومن نحا نحوهم من المتصوفة القائلين بإسقاط الأسباب الظاهرة، وذلك لأن عندهم ليس في الوجود شيء يكون سبباً لشيء أصلاً، ولا شيء جعل لشيء، ولا يكون شيء لشيء، فالشبع عندهم لا يكون