أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] . وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمر به من العمل الصالح، وسؤاله والتضرع إليه.
فمن جعل دعاء الأولياء والصالحين سبباً لنيل المقصود، كأن يطلب من الولي أو الصالح يدعو الله له، لكونه مطيعاً لله، محباً له، فيشفع له عند الله، بدعاء الله له، فهذا حق، فقد كان الصحابة ﵃ يتوسلون إلى الله سبحانه برسوله، فيدعو الله لهم، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا"، فاستسقوا به، كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته، وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، كالإمام والمأمومين، من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق.
فإذا تحققت ذلك، فاعلم أن التوسل في عرف أهل هذا الزمان واصطلاحهم هو دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين، وصرف خالص حق الله تعالى لهم بجميع أنواع العبادات، من الدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر والالتجاء إليهم، والاستغاثة بهم، والاستعانة
стр. 457
والاستشفاع بهم، وطلب الحوائج من الولائج في المهمات والملمات، لكشف الكربات، وإغاثة اللهفات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، إلى غير ذلك من الأمور التي صرفها المشركون لغير فاطر الأرض والسموات، فمن صرف من هذه الأنواع شيئاً لغير الله كان مشركاً، وسيأتي الكلام على مسألة الاستغاثة.
وأما قوله: (إنهم أسباب ووسائل لنيل المقصود، وإن الله تعالى هو الفاعل ... ) إلى آخره.
فأقول: وهذا هو قول الجاهلية الكفار، فإنهم ما عبدوا الأنبياء، والأولياء والصالحين، إلا لكونهم أسباباً ووسائل لنيل المقصود، وإلا فهم يعتقدون أن الله هو النافع الضار، وأنه المتفرد بالإيجاد والإعدام، وأن الله هو الخالق للأشياء، وأن الله هو رب كل شيء ومليكه، ولا يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة، شاركوا الله في خلق السموات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، فمن أثبت الوسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين عباد الأوثان.
وقال شيخ الإسلام: الخامس أن يقال: نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، لكن من
стр. 458
هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سبباً في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ ومن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت، أو غائب من البشر كان، أو غيره كان ذلك سبباً في حصول الرزق، والنصر والهدى، وغير ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن الذين شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين:
أحدهما: أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سبباً كونياً يجوز تعاطيه، فإن المسافر قد يكون سفره سبباً لأخذ ماله، وكلاهما محرم، والدخول في دين النصارى قد يكون سبباً لمال يعطونه، وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سبباً لنيل المال يؤخذ من المشهود له، وهو حرام، وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سبباً لنيل مطلب، وهو محرم، والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب، وهو محرم، وكذلك الشرك كدعوة الكواكب والشياطين، بل وعبادة البشر قد يكون سبباً لبعض المطالب، وهو محرم.
فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كان مفسدته راجحة على مصلحته، كالخمر وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحياناً، وهذا المقام ما يظهر به ضلال هؤلاء
стр. 459
المشركين خلقاً وأمراً، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية. انتهى.
وأما قوله: (وإن الله تعالى هو الفاعل، كرامة لهم، لا أنهم هم الفاعلون) .
فالجواب أن نقول: أولاً: ليس دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين والاستغاثة بهم في نيل المقصود سبباً شرعياً، فإن هذه من الأسباب المحرمة، كما تقدم في كلام الشيخ.
وثانياً: لو سلمنا أن الكرامات سبب، فمن أين يؤخذ أنها سبب يقتضي دعاء من قامت به، أو فعلت له؟ ومن أي وجه دلت الكرامة على هذا؟ وأفضل الناس الرسل. والملائكة من أفضل خلق الله، ولهم من المعجزات والكرامات والمقامات ما ليس لغيرهم، فقد جاء عيسى بن مريم بما هو من أفضل المعجزات والكرامات: يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فيكون طيراً بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيى الموتى بإذن الله، وينبئهم من الغيب ما يأكلون وما يدخرون. وقد أنكر الله تعالى على من قصده ودعاه في حاجاته وملماته، وأخبر أن فاعل ذلك كافر به، ضال بعبادة غيره، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ
стр. 460
تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠] . والأرباب هم المعبودون المدعوون. وقال تعالى فيمن عبدوا المسيح: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة:٧٦] . فأخبر تعالى عن المسيح أنه لا يملك لمن دعاه نفعاً ولا ضراً -وإن قل- كما يفيده التنكير، وأبطل عبادته، وأنكرها أشد الإنكار، ومعجزاته أوضح من الشمس في وسط النهار.
وأما قوله: (فإن السكين لا يقطع بنفسه، بل القاطع هو الله تعالى، والسكين سبب عادي، خلق الله تعالى القطع عنده) .
فالجواب أن يقال: هذا القول من أقوال أهل البدع والأهواء، وليس هو من كلام أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام:
وهؤلاء هم الاقترانية الذين يقولون: إن الله يخلق عند السبب لا بالسبب، ومن نحا نحوهم من المتصوفة القائلين بإسقاط الأسباب الظاهرة، وذلك لأن عندهم ليس في الوجود شيء يكون سبباً لشيء أصلاً، ولا شيء جعل لشيء، ولا يكون شيء لشيء، فالشبع عندهم لا يكون
стр. 461
بالأكل، ولا العلم الحاصل في القلب بالدليل، ولا ما يحصل للمتوكل من الرزق والنصر له سبب أصلاً لا في نفسه، ولا في نفس الأمر، ولا الطاعات عندهم سبب للثواب، ولا المعاصي سبب للعقاب، فليس للنجاة وسيلة، بل محض الإرادة الواحدة يصدر عنها كل حادث، ويصدر مع الآخر مقترناً به اقتراناً عادياً لا أن١ أحدهما متعلق بالآخر، أو سبب له، أو حكمة له، ولكن لأجل ما جرت به العادة من اقتران أحدهما بالآخر يجعل أحدهما أمارة وعلماً ودليلاً على الآخر، بمعنى إذا وجد أحد المقترنين عادة كان الآخر موجوداً معه، وليس العلم الحاصل في القلب حاصلاً بهذا الدليل، بل هذا أيضاً من جملة الاقترانات العادية.
وقال أيضاً بعد كلام سابق:
وكذلك أيضاً لزمت من لا يثبت في المخلوقات أسباباً وقوى وطبائع، ويقولون: إن الله يفعل عندها لا بها، فيلزم أن لا يكون فرق بين القادر والعاجز. وإن أثبت قدرة وقال: إنها مقترنة بالكسب، قيل له: لم٢ تثبت فرقاً معقولاً بين ما تثبته من الكسب وتنفيه من الفعل، ولا بين
стр. 462
القادر والعاجز، إذ كان مجرد الاقتران لا اختصاص له بالقدرة، فإن فعل العبد يقارن حياته وعلمه وإرادته، وغير ذلك من صفاته، فإن لم يكن للقدرة تأثير إلا مجرد الاقتران فلا فرق بين القدرة وغيرها، وكذلك قول من قال: القدرة مؤثرة في صفة الفعل، لا في أصله، كما يقوله القاضي أبو بكر، ومن وافقه، فإنه أثبت تأثيراً بدون خلق الرب، فلزم أن يكون بعض الحوادث لم يخلقه الله تعالى، وإن جعل ذلك معلقاً بخلق الرب فلا فرق بين الأصل والصفة.
وأما أئمة السنة وجمهورهم فيقولون ما دل عليه الشرع والعقل، قال تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] ، وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤] ، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦] ، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ ١ [البقرة: ٢٦] ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة، يخبر الله تعالى أنه يحدث الحوادث بالأسباب. انتهى المقصود منه.
стр. 463
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء، بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله تعالى سبحانه أمارة على قضاء الحاجة، فمتى وقف العبد للدعاء كان ذلك علامة له، وأمارة على أن حاجته قد قضيت. وهكذا، كما إذا رأيت غيماً أسوداً بارقاً في زمن الشتاء، فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر. قالوا: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب، لا أنها أسباب له، وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحرق مع الإحراق، والإزهاق مع القتل، ليس شيء من ذلك سبباً ألبتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا بمجرد الاقتران العادي، لا التأثير السببي، وخالفوا بذلك الحس، والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء.
والصواب: أن هنا قسماً ثالثاً غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجرداً عن سببه، ولكن قدر بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى ما لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه، إلى أن قال:
стр. 464
وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول الشر في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب، وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع ... إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى.
والمقصود بيان ضلال هذا الملحد في قوله: (والسكين سبب عادي خلق الله القطع عنده) . فاجتمع في هذا الملحد أنواع الشر والضلال، فأضاف إلى كونه مشركاً في عبادة الله غيره مذهب الجهمية النافين لعلو الله على خلقه، ونفي صفات كماله ونعوت جلاله، ومذهب المعتزلة والرافضة مع مذهب الجهمية في جحد رؤية الله تعالى في الآخرة. ومذهب الاقترانية في إسقاط الأسباب القائلين إن الله يخلق عند السبب لا السبب.
ومراد هذا الملحد: أن دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين سبب عادي لنيل المقصود، وقد تقدم من الأدلة ما يبين أن تعاطي هذا السبب محرم، وأن دعاء الأموات والغائبين من الأولياء والصالحين والاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك، وأنه ليس بسبب شرعي.
стр. 465
فصل في الإستغاثة الشركية
...
فصل
وأما قوله: (قال السبكي، والقسطلاني في "المواهب اللدنية" والسمهودي في "تاريخ المدينة" وابن حجر في "الجوهر المنظم": إن الاستغاثة به ﵊ وبغيره من الأنبياء والصالحين إنما هي بمعنى التوسل بجاههم، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يجعل له الغوث ممن هو أعلى منه، فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي ﷺ واسطة بين المستغيث وبين المستغاث به الحقيقي، فالغوث منه تعالى إنما يكون خلقاً وإيجاداً، والغوث من النبي تسبباً وكسباً) .
فالجواب أن يقال: وهكذا كان المشركون السابقون الذين بعث الله الرسول إليهم، فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد، وأما الأصنام فيقولون إنها أسباب ووسائل عادية، فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم، ويستغيثون بهم ويعبدونهم، وهذا هو دأب عبدة الصالحين والقبور في هذا الزمان، يدعونهم ويستغيثون بهم، وينحرون لهم،
стр. 466
وينذرون لهم، والدعاء والاستغاثة والنحر، والنذر كلها من أقسام العبادة.
وإذا جعلتم لفظ الدعاء والاستغاثة والنحر والنذر التي هي من أقسام العبادة على معناه المجازي، فكذلك فليحمل لفظ العبادة الواقع في كلام المشركين الأولين الذين حكاه الله تعالى عنهم، حيث قال : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فما وجه الفرق؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "رده على ابن البكري في مسألة الاستغاثة: وأنه حرف الكلم عن مواضعه، وتمسك بمتشابهه، وترك المحكم، كما يفعله النصارى، وكما فعل هذا الضال -يعني ابن البكري- أخذ لفظة الاستغاثة وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي والميت، والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه، فجعل حكم ذلك كله واحداً، ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة، ولم يكفه ذلك حتى جعل الطالب منه إنما طلب من الله لا منه، فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، فدخل عليه الخطأ من وجوه:
منها: أنه جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغاثاً به، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم، لا حقيقة ولا
стр. 467
مجازاً، مع دعواه الإجماع على ذلك، فإن المستغاث هو المسئول المطلوب منه لا المسئول به.
الثاني: ظنه أن توسل الصحابة في حياته، فإن توسلا بذاته ﷺ لا بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك، وهذا غلط.
الثالث أنه أدرج السؤال أيضاً في الاستغاثة به، وهذا صحيح جائز في حياته، وهو قد سوى في ذلك بين محياه ومماته، وهذا أصاب في لفظ الاستغاثة، لكن أخطأ في التسوية بين المحيا والممات.
وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في بعض كلام الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري، ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان له كتاب "المستغيثين بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام" وهؤلاء ليسوا من العلماء العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها، وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم ولهم فضل وعلم وزهد. إذا نزل به أمر خطا إلى الشيخ عبد القادر خطوات معدودة، واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس، ولهذا لما نبه من نبه من فضائهم تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام، بل مشابهة لعباد الأصنام، انتهى.
стр. 468
وقال في الرسالة "السنية": فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام لأسباب منها:
الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ﵇، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبدوه وحده لا شريك له، ولا يدعى معه إله، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم، يقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فبعث الله سبحانه رسله تنهى عن أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. انتهى. وقال أيضاً: من جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم، ويدعوهم، ويسألهم: كفر إجماعاً. نقله عنه صاحب "الفروع" وصاحب "الإنصاف" وصاحب "الإقناع" وغيرهم.
стр. 469
والمقصود أن شيخ الإسلام ﵀ جعل الاستغاثة بغير الله من الشرك الأكبر المخرج من الملة.
وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي ﵀ في رده على السبكي في قوله: (إن المبالغة في تعظيمة -أي الرسول ﷺ واجبة) : إن أُريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيماً حتى الحج إلى قبره، والسجود له، والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة من يشاء، فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك، وانسلاخ من جملة الدين. اهـ.
وأما قوله: (فالغوث منه تعالى إنما يكون خلقاً وإيجاداً، والغوث من النبي ﷺ إنما يكون تسبباً وكسباً) .
فأقول: هكذا كانت مشركوا الجاهلية حذو النعل بالنعل، كانوا يدعون الصالحين، والأنبياء والمرسلين، طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] .
стр. 470
على أن القول بأن إسناد الغوث إلى الله تعالى إسناد حقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإلى الأنبياء والصالحين إسناد مجازي باعتبار التسبب والكسب: بديهي البطلان، بيانه من وجوه:
الأول: أنه لو كان مناط الإسناد الحقيقي اعتبار الخلق والإيجاد -كما توهمه صاحب الرسالة- لزم أن يكون إسناد أفعال العباد كلها إلى الله تعالى حقيقياً، فإن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الخالق لأفعال العباد هو الله تعالى، وهذا يقتضي أن يتصف الله تعالى حقيقة بالإيمان، والصلاة والزكاة، والصوم والحج والجهاد وصلة الرحم، وغير ذلك من الأعمال الحسنة، وكذلك يتصف حقيقة بالأعمال السيئة، من الكفر والشرك والفسق والفجور، والزنا والكذب والسرقة والعقوق، وقتل النفس وأكل الربا، وغيرها، فإنه تعالى هو الخالق لجميع الأفعال حسنها وسيئها، والتزام هذا فعل من لا عقل له ولا دين، فإنه يستلزم اتصاف الله تعالى بالنقائص وصفات الحدوث، واجتماع الأوصاف المتضادة، بل المتناقضة.
وقد قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه، في كتاب "الاستغاثة" في الرد على ابن البكري لما استدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] على ما لفقه من أضاليله، وما
стр. 471
موه به من أباطيله وأساجيله، قال في أثناء جوابه على ما شبه به ابن البكري، وعما يبين ذلك:
إن أفعال العباد لا يجوز أن تنفى عنهم باتفاق المسلمين، من قال: إن الله خالقها، ومن قال: إنه لم يخلقها، لا يجوز أن يقال: هذا ما أكل، ولا شرب، ولا قعد، ولا ركب ولا طاف، ولا ركع ولا سجد، ولا صام ولا سعى، ولكن الله هو الذي أكل وشرب وقعد وركب وطاف وركع وسجد، وصام وسعى. وسواء كانت أفعالاً محمودة أو مذمومة، وسواء كانت سبباً لخرق العادة، أم لا، فلا يقال إن موسى ما ضرب بعصاه البحر، ولا الحجر، ولكن الله ضرب، ولا يقال: إن نوحاً ما ركب في السفينة، ولكن الله ركب، ولا يقال: إن المسيح ما ارتفع، بل الله ارتفع، ولا يقال إن محمدا ﷺ ما ركب البراق، بل الله ركب، وأمثال هذا.
والفعل المختص بالمخلوق لا يضاف إلى الله إلا على بيان أن الله خلقه، وجعل صاحبه فاعلاً، كقوله الخليل ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠] ، وكما قال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١] ، ولا يقال: إن الله يقيم الصلاة، ويدعو إلى النار، ولا أنه قد أسلم، وقال تعالى:
стр. 472
﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [المعارج: ١٩-٢٠-٢١] ، ولا يوصف الله بالهلع والجزع.
وجماع الأمر أن الله لا يوصف بمخلوقاته، وهذه هي أدلة السلف وأهل السنة على أن كلام الله ليس مخلوقاً، قالوا: لأنه سبحانه لا يوصف بما خلقه في غيره، فإذا خلق في غيره حركة أو طعماً أو ريحاً أو لوناً كالسواد والبياض، لم يوصف بأنه هو المتحرك بها، ولا بأنه متروح أو أبيض، أو أسود، وإذا خلق في غيره سمعاً أو بصراً أو حياة أو قدرة، لم يوصف بذلك، وإذا خلق في غيره كلاماً لم يوصف بأنه هو المتكلم به، يعبرون عن ذلك بأن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل، ولم يعد على غيره، واشتق لذلك المحل منه اسم، ولم يشتق لغيره، فإذا خلق في محل حركة أو علماً أو قدرة، كان ذلك المحل هو المتحرك، العالم القادر، لا الخالق لتلك الصفة فيه. انتهى.
والثاني: أنه لو كان مناط الإسناد المجازي اعتبار التسبب والكسب -كما زعم هذا الزاعم- لزمه أن لا يكون الإنسان حقيقة مؤمناً ولا كافراً، ولا براً ولا فاجراً، ولا كاذبا، فيبطل الجزاء والحساب، وتلغى الشرائع والجنة والنار، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين.
стр. 473
والثالث: أن دعوى كون الأنبياء والصالحين سبباً للغوث، وكسباً له، محتاج إلى إقامة الدليل، ودونه لا تسمع، وبالجملة فهذه شبهة داحضة، ووسوسة زاهقة، تنادي بأعلى نداء على صاحبها بالجهل والسفه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد علم بصريح المعقول أن الله تعالى إذا خلق صفة في محل كانت صفة لذلك المحل، فإذا خلق حركة في محل كان ذلك المحل هو المتحرك بها، وإذا خلق لوناً أو ريحاً في جسم كان هو المتلون المتروح بذلك، وإذا خلق علماً أو قدرة أو حياة في محل كان ذلك المحل هو العالم القادر الحي، فكذلك إذا خلق إرادة وحباً وبغضاً في محل، كان هو المريد المحب المبغض، فإذا خلق فعل العبد كان العبد هو الفاعل، فإذا خلق له كذباً أو وظلماً وكفراً، كان هو الكاذب الظالم، الكافر، وإن خلق له صلاة وصوماً وحجاً كان العبد هو المصلي الصائم الحاج، والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقه، بل صفاته قائمة بذاته، وهذا مطرد على أصول السلف، وجمهور المسلمين من أهل السنة، وغيرهم ... إلى آخر كلامه ﵀.
فعلى زعم هذا الملحد أن الله تعالى هو الكاذب، الظالم، الكافر حقيقة لأن الله هو الخالق لذلك، والموجد له حقيقة وإسناده إلى العبد مجاز، سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 474
وقال صنع الله الحلبي ﵀: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال، أو إدراك عدو، أو سبع، ونحوه، كقولهم: يا لزيد، يا للمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة.
وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد، كالمرض وخوف الغرق، والضيق والفقر وطلب الرزق، ونحوه، فمن خصائص الله، لا يطلب فيها غيره، إلى أن قال:
وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان، كذا أخبر الرحمن ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣] فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر -من نبي وولي وغيره- على وجه الإمداد منه، إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره، اهـ.
стр. 475
فصل في الإستغاثة بالأنبياء
...
فصل
قال العراقي: (وقد جوز أجلة العلماء الاستغاثة، والتوسل بالنبي ﷺ ، ولا يعارض جوازها بخبر أبي بكر ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله" لأن من رواته ابن لهيعة، والكلام فيه مشهور، ولو فرضنا أن الحديث صحيح فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] وقوله ﵊: "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم"، فيكون معنى الحديث السابق: أني وإن يستغاث بي فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة على من يحصل منه غوث أو تسبباً وكسباً، أمر نطقت به اللغة، وجوزه الشرع، فتعين تأويل الحديث المذكور، ويؤيد ما بيناه في تأويله حديث البخاري في الشفاعة يوم القيامة: "فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد ﷺ ") .
والجواب أن نقول: قد تقدم في كلام شيخ الإسلام
стр. 476
ابن تيمية ما يبين كذبه على أجلة العلماء، وأنه لم يجزه إلا أناس ليسوا من العلماء العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي بل عادة جروا عليها.
وقال أيضاً في أثناء كلام له: ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصحالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت، ونحو ذلك. بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، ولكن لغلبة الجعل، وقله العلم بآثار الرسالة في كثر من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام. انتهى.
وأما قوله: (ولا يعارض جوازها بخبر أبي بكر ﵁ قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ إلى آخره.
فالجواب أن يقال: الكلام على هذا من جوه:
стр. 477
أحدها: أن ابن لهيعة خرج له البخاري ومسلم فجاوز القنطرة، ولا يقدح فيما رواه ابن لهيعة إلا جاهل بالصناعة والاصطلاح، وهو قاضي مصر وعالمها ومسندها، روى عن عطاء بن أبي رباح، والأعرج، وعكرمة، وخلف، وعنه شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وابن وهب، وخلق.
ومن طعن في ابن لهيعة بقول بعض الناس لزمه الطعن في كثير من الأكابر المحدثين كسعيد المقبري، وسعيد بن إياس الجريري، وسعيد بن [أبي] عروبة، وإسماعيل بن أبان، وأزهر بن سعد السمان البصري، وأحمد بن صالح المصري، وأبي اليمان، وأمثالهم ممن خرج لهم البخاري وغيره من الأئمة.
وعلى كل حال فهو خير من هؤلاء الذين أجازوا الاستغاثة برسول الله ﷺ ، وأعلم بكتاب الله، وسنة رسوله منهم، وبأقوال أهل العلم١.
стр. 478
الثاني: أنهم معارضون بأجل منهم وأفضل، وأعلم بحدود ما أنزل الله على رسوله، كما سنذكره عنهم إن شاء الله تعالى.
стр. 479
الثالث: أن ابن لهيعة كان إماماً محدثاً، من أفاضل العلماء، ولم ينقمه أحد بالغلو في الأنبياء ولا الصالحين، ولا بشيء من العقائد المبتدعة المحدثة في الإسلام، ولكنه كان يدلس على الضعفاء، ثم احترقت كتبه، وليس هذا الحديث من الأحاديث التي دلس فيها، فمن هنا قال فيه من قال.
قال عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك وابن المقري أصح ممن كتبه عنه بعد احتراقها١.
وقال ابن وهب: كان ابن لهيعة صادقاً، وقال ابن وهب أيضاً: حدثني الصادق البار -والله- عبد الله بن لهيعة.
стр. 480
وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة١.
وقال أحمد بن صالح الحافظ: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب، طالباً للعلم.
الوجه الرابع: أنه قد ثبت أن الاستغاثة من أقسام العبادة، فصرفها لغير الله شرك، فإن لم يكن حديث أبي بكر شاهداً لهذا لم يكن مخالفاً له.
الوجه الخامس: أن النبي ﷺ نفى الاستغاثة عن نفسه حماية للتوحيد، وصيانة لجانبه، وأدباً مع ربه، لا لأن الإغاثة لا تنسب إلى المغيث بالسبب العادي حقيقة،
стр. 481
وأنها تنسب مجازاً -كما توهمه الغبي الأكبر- ولم يرد تعليم أمته أن الاستغاثة إنما تنسب للمخلوق مجازاً، فإن ما جاء به الكتاب والسنة دال على إضافة الفعل لمكتسبه، ومن قام به، ولذلك رتب الثواب والعقاب والجزاء والحساب.
ولم يقل قول هذا العراقي إلا القدرية المجبرة، ومن نحا نحوهم من الجهمية، ورد عليهم أهل السنة -بما يطول ذكره- نقلاً وعقلاً.
وقالوا: لو كان مجازاً لصح نفي أفعال المكلفين عنهم، وكانوا بمنزلة الجمادات التي يحركها الغير، ويفعل بها من غير قصد لها ولا اخيار، ويكون التعذيب والعقاب يرجع إلى مجرد المشيئة والإرادة، من غير فعل للعبد يستحق به الثواب والعقاب.
ويقال أيضاً: الأفعال العادية القائمة بفاعلها تنسب إليه، وتضاف إليه حقيقة من إضافة الفعل إلى فاعله، فيقال: أكل وشرب، وقام وقعد، وحكى ودعا واستغاث، حقيقة لا مجازاً، بإجماع العقلاء، ولم يخالف في إضافة الأفعال إلى فاعلها حقيقة إلا من هو من أجهل الناس، وأضلهم على سواء السبيل.
стр. 482
وأما قوله: ولو فرضنا أن الحديث صحيح فهو من قبيل قوله تعال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ .
فأقول: ليس هذا من هذا الباب، وهذا من نوادر جهل هؤلاء الضلال، فإن لفظ الاستغاثة طلب الغوث ممن هو بيده، لمن أصابته شدة، ووقع في كرب، وإلا الأنجح والأولى لمن أصابه ذلك أن يستغيث بمن يجيب المضطر إذا دعاه، الموصوف بأنه غياث المستغيثين، مجيب المضطرين، أرحم الراحمين، فلفظ الاستغاثة يستعمل في مخ العبادة، وما لا يقدر عليه إلا الله عالم الغيب والشهادة، فكره ﷺ إطلاقه عليه فيما يستطيعه، ويقدر عليه، حماية لجناب التوحيد، وسداً لذريعة الشرك، وإن كان يجوز إطلاقه فيما يقدر عليه المخلوق، فحماية جناب التوحيد من مقاصد الرسول ﷺ ، ومن قواعد هذه الشريعة المطهرة، فأين هذا من قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] ، فإن الرمي المنفي عن الرسول ﷺ إيصال التراب إلى أعينهم كلهم، لأن هذا لا يقدر عليه إلا الله، وأما نفس الرمي المثبت من رميه ﷺ فقد قبض رسول الله ﷺ قبضة من التراب والحصا، ورمى به قِبلهم حقيقة لا مجازاً.
وهذا من خصائص الرسول ﷺ لا يكون لأحد بعده،
стр. 483
ولو كان هذا لأحد بعده لم يكن فيه معجزة لرسول الله ﷺ ، فإنه لم يبق أحد منهم إلا وقع في عينيه من ذلك التراب شيء وهم نحو أربعة آلاف رجل، فهزمهم الله بسبب هذه الرمية حقيقة، لا عندها، ولا معها، بل بها.
وكذلك قوله ﵊: "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم" ١، على حقيقته، فإن الله هو الذي حملهم بأن يسر لرسول الله ﷺ بعد ذلك حمولة، فحملهم بأمر الله، لأنه ﷺ عبد مأمور منهي لا يفعل شيئاً إلا بأمر الله له، فنسبة الحمل إلى الله حقيقة قضاء وقدراً، وإلى من حملهم بإذن الله السببي الشرعي حقيقة لا مجازاً، وحمله إياهم أمر مقدرو عليه غير ممتنع، فكان من المعلوم أن رسول الله ﷺ كان متصرفاً بأمر الله، منفذاً له، فالله سبحانه أمره بحملهم، فنفذ أوامره، فكان الله هو الذي حملهم. وهذا معنى قوله: "إني لا أعطي أحداً شيئاً ولا أمنعه" ٢.
стр. 484
ولهذا قال: "وإنما أنا قاسم" ١ فالله سبحانه هو المعطي على لسانه، وهو يقسم ما قسمه بأمره.
قوله: (فيكون معنى الحديث السابق: إني وإن يستغاث بي، فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى) .
أقول: هذا التأويل مخالف للفظ الحديث، ولمعناه، وقد تقدم الكلام عليه، فلا معنى لصرفه عما يقتضيه إلى ما لا يدل عليه لغة ولا شرعاً.
وقوله: (وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة على من يحصل منه غوث ولو تسبباً وكسباً أمر نطقت به اللغة، وجوزه الشرع) .
стр. 485
فأقول: هذا كذب على اللغة، وعلى الشرع.
أما اللغة فإن الأفعال العادية القائمة بفاعلها تنسب إليه، وتضاف إليه حقيقة، من إضافة الفعل إلى فاعله، فيقال: أكل وشرب، وقام وقعد، وحكى ودعا، واستغاث حقيقة لا مجازاً بإجماع العقلاء.
وأما شرعاً فإن الله قد رتب حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول الشرور في الدنيا والآخرة، والعقاب والثواب في كتابه على الإعمال ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب، وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع، كما تقدم بيانه في كلام ابن القيم –رحمه الله تعالى-.
وأما قوله: (ويؤيد ما بيناه في تأويل حديث البخاري في الشفاعة يوم القيامة "فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد ﷺ ") .
فالجواب أن نقول: هذا ليس مما نحن فيه، فإن الاستغاثة بالمخلوق على نوعين:
أحدهما: أن يستغيث بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه، مثل أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر، ويحول بينه وبين عدوه الكافر،
стр. 486
ويدفع عنه سبعاً صائلاً، أو لصاً، أو نحو ذلك، ومن ذلك طلب الدعاء لله من بعض عباده لبعض، وهذا لا خلاف في جوازه، والاستغاثة الواردة في حديث المحشر من هذا القبيل، فإن الأنبياء الذين يستغيث العباد بهم يوم القيامة يكونون أحياء، وهذه الاستغاثة إنما تكون بأن يأتي أهل المحشر هؤلاء الأنبياء، يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله سبحانه، ويدعوا لهم بفصل الحساب، والإراحة من ذلك الموقف، ولا ريب أن الأنبياء قادرون على الدعاء، فهذه الاستغاثة تكون بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه.
والثاني: أن يستغاث بمخلوق ميت أو حي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا هو الذي يقول فيه أهل التحقيق: إنه غير جائز.
فإن قلت: هؤلاء المستغيثون بالأموات أو الغائبين –أيضاً- يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله تعالى، ويدعوا لهم بقضاء حاجاتهم، وهم قادرون على ذلك فتكون استغاثتهم هذه من قبيل النوع الأول.
قيل: هذا فيه خلل من وجوه:
الأول: أن فيه ذهوا عن قيد الحي، والمراد بالحياة الدنيوية لا البرزخية.
والثاني: أن ظاهر ألفاظهم مثل قولهم: يا رسول الله
стр. 487
اشف مريضي، واكشف عني، وهب لي ولداً ورزقاً واسعاً، ونحو ذلك، دال على أنهم لا يطلبون منهم الشفاعة، بل يطلبون شفاء المريض، وكشف الكربة، وإعطاء الولد، والرزق، وهم غير قادرين على تلك الأمور.
الثالث: أن هؤلاء المستغيثين بالأموات والغائبين يدعونهم، ويستغيثون بهم، من أماكن مختلفة، ومواضع بعيدة، معتقدين أن الأموات والغائبين يعلمون استغاثتهم، ويسمعون دعاءهم، من كل مكان، وفي كل زمان، ولا ريب أن هذا إثبات لعلم الغيب لهم، الذي هو من الصفات المختصة بالله تعالى، فيكون شركاً، وبهذا وبما تقدم يندفع تأويل الحديث على تأوله عليه من المحال الباطل، والله أعلم.
стр. 488
فصل في آية: ﴿وأبتغوا إليه الوسيلة﴾
...
فصل
قال العراقي: (لنا على جواز التوسل والاستغاثة دلائل: منها قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] قال ابن عباس: إن الوسيلة كل ما يتقرب به إلى الله تعالى. والوهابية جعلت الوسلية خاصة بالأفعال، وهو تحكم. بل ظاهر الآية تخصيصها بالذوات، فإنه تعالى قال في هذه الآية ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٥] والتقوى عبارة عن فعل المأمور به، وترك المنهي عنه، فإذا فسرنا الوسيلة بالأعمال كان الأمر بابتغاء الوسيلة إليه تأكيداً للأمر بالتقوى بخلاف ما إذا أريد بها الذوات، فإن الأمر حينئذ يكون تأسيساً، وهو خير من التأكيد) .
والجواب أن نقول: قد استدل بهذه الآية طاغية العراق داود بن جرجيس على نحو مما ذكره هذا، إلا أن هذا أسقط من جواب داود نسبة الكلام إلى البغوي، وهذا
стр. 489
لم يذكره عنه. وأجابه على ذلك شيخنا الشيخ عبد اللطيف فقال:
والجواب أن يقال: الله أكبر على هؤلاء الضلال الكاذبين على الله وعلى رسله، المبدلين لدينه، المحرفين للكلم عن مواضعه، وهذا الكلام الذي ذكره العراقي جمع فيه من التحريف والإلحاد والكذب والقول في كتاب الله برأيه، ما سيمر بك بيانه مفصلاً، وفي الحديث "من قال في القرآن برأيه –وفي رواية بما لا يعلم- فليتبوأ مقعده من النار" ١ وقد تكلم الحافظ ابن كثير على قوله
стр. 490
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] بما يرد قول هذا العراقي ويبطله، قال رحمه الله تعالى:
أمر عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قورنت بالطاعة كان المراد بها الانكفاف عن المحارم، وترك المنهي عنه،
стр. 491
وقد قال بعدها: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] ، قال سفيان الثوري، عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس (أي القربة) ، وكذا قال مجاهد وعطاء وأبو وائل، والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير، والسدي وأبو زيد.
قال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. وأنشد ابن جرير قول الشاعر:
إذا عفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل
والوسيلة: هي ما يتوصل به إلى تحصيل المقصود. انتهى.
وقال البغوي: أي اطلبوا إليه الوسيلة، أي القربة.
فعليه من توسل إلى فلان بكذا أي تقرب إليه. وجمعها: وسائل.
وقال البيضاوي على قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] أي: ما يتوسلون به إلى ثوابه، والزلفى منه، من فعل الطاعات، وترك المعاصي، من وسل إلى كذا: إذا تقرب إليه.
стр. 492
وقال في الكلام على آية الإسراء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] هؤلاء الآلهة يبتغون إلى الله القربة بالطاعة (أيهم أقرب) بدل من واو (يبتغون) أي: يبتغي من هو أقرب منهم إلى الله الوسيلة، فكيف بغير الأقرب.
وقال ابن كثير: وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] روى البخاري من حديث سليمان بن مهران عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر عن عبد الله في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] قال: ناس من الجن، كانوا يُعبدون فأسلموا. وذكر رواية عن ابن مسعود: كانوا يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن. وذكر عن ابن عباس قال: عيسى، وأمه وعزير. وعنه: والشمس والقمر. قال مجاهد: عيسى وعزير والملائكة. واختار ابن جرير قول ابن مسعود، لقوله: (يبتغون) ، وهذا لا يعرب به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعزير.
وقال الوسيلة: هي القربة، كما قال تعالى، ولهذا قال: (أيهم أقرب) انتهى.
واختار شيخ الإسلام أن الآية تعم من ذكر وغيرهم ممن عبده المشركون من أولياء الله وعباده الصالحين.
стр. 493
فتبين بهذا رد ما ذكره البغوي، فإن المفسرين ذكروا ابتغاء الوسيلة، وهو طلب القربة، فتقدم قول البيضاوي في قوله: (أيهم أقرب) أنه بدل من الواو في (يبتغون) ، وقال أبو حفص العكبري: (أيهم) مبتدأ، و (أقرب) خبره، وهو استفهام، والجملة في موضع نصب بيدعون. وعلى كلا القولين لا يصح ما ذكره البغوي من توسل بعضهم ببعض.
وفي "الجلالين" (أولئك الذين) يدعونهم آلهة (يبتغون) يطلبون (إلى ربهم الوسيلة) القربة بالطاعة (أيهم) بدل من واو (يبتغون) أي يبتغيها الذي هو أقرب إليه، فكيف بغيره.
إذا عرف هذا، تبين فساد قول البغوي١ في آية "الإسراء" فإن التوسل في العرف الشرعي فعل ما يتوسل به إلى الله من الإيمان به، والعمل الصالح، الذي شرعه ويرضاه، كما في حديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار، فانطبقت عليهم الصخرة. هذا هو التوسل المعروف، كما عليه أهل الإسلام من المفسرين وغيرهم، ومن قول قتادة؛ أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه. وتقدم قول ابن كثير بعد حكاية هذا: وهذا لا خلاف فيه بين المفسرين. فذكر الإجماع على أن المراد القربة بالعمل الصالح، وما يرضاه تعالى.
ثم لو سلم صحة ما ذكره البغوي، فليس المراد أن
стр. 494
بعضهم يدعو من هو أقرب منه، ويسأله الشفاعة والتقرب، بل التوسل يطلق عنده على سؤال الله بجاه المقربين، وبحق الصالحين، لا كما يظنه عباد القبور من أن التوسل هو دعاء الصالح نفسه، وقصده بالمسألة والطلب من دون الله، والتقرب إليه بالذبح والنذر، وغيرهما من العبادات، فإن هذا عين الشرك الذي نزلت الآية بإبطال، والرد على أهله، فإن الجاهلية من الأميين والكتابيين يدعون الملائكة وعيسى وأمه والعزير، ويتوجهون إليه في حاجاتهم وملماتهم، ويتقربون إليهم بصرف الأموال ذبحاً ونذراً، فرد الله عليهم هذا الفعل من صنيعهم، وأخبرهم أن هؤلاء المدعوين لا يملكون كشف الضر، ولا تحويله من حال إلى حال، لأن من عبد الأنبياء والصالحين يدعي أنه يكشف الضر بواسطتهم، وعلى أيديهم، كما يقوله عباد القبور، فأخبرهم تعالم أن هؤلاء المدعوين عبيده، كما أن الداعين عبيده، وأنهم يرجونه رحمته، ويخافون عذابه، والخائف الراجي لا يصلح أن يكون مدعواً ومعبوداً، فانظر هذه الآية الكريمة، وما دلت عليه، وما سيقت له، وانظر حقيقة دعوى العراقي، وما يفعله الغلاة في الأولياء والصالحين، ومسألتهم وتعظيمهم بشيء من العبادات، كالذبح والنذر لهم، وعلى إبطال دعواه أيضاً في التوسل الشركي بالصالحين، ودعائهم ومسألتهم وبهذا تعرف أنه
стр. 495
مشاق لله ورسوله، يستدل بالآية الكريمة على نقيض ما دلت عليه، ويفهم منها عكس ما دعت إليه، وهكذا حال القلوب المنكوسة، تتصور الأشياء على خلاف ما هي عليه، وأهل العلم كافة استدلوا بهذه الآية على إبطال التوسل الشركي، الذي هو دعاء الصالحين، والعراقي استدل بها على جوازه واستحبابه، فبعداً للقوم الظالمين.
وأما قول العراقي: (فظاهر الآية عام في الأفعال والذوات) هذا قول داود.
وقال صاحب هذه الرسالة١: (والوهابية جعلت الوسيلة خاصة بالأفعال، وهو تحكم، بل ظاهر الآية تخصيصها بالذوات) .
قال شيخنا: فهذا يكذبه ويبطله ما مر من إجماع المفسرين على أن الوسيلة هي التقرب إلى الله بطاعته، وبما يرضيه مما شرعه وأذن فيه.
والتوسل الذي يريده العراقي بذات الصالحين هو دعاؤهم ومسألتهم وتعظيمهم بالعبادة، وتقدم كلام ابن القيم في أنه يستحيل أن تأتي شريعة من الشرائع بإباحة ذلك.
وقوله: (ومن ادعى التخصيص بأحدهما فقد تحكم) ففي هذا القول من سوء الأدب مع الشارع، والجرأة