وقد قال بعدها: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] ، قال سفيان الثوري، عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس (أي القربة) ، وكذا قال مجاهد وعطاء وأبو وائل، والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير، والسدي وأبو زيد.
قال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. وأنشد ابن جرير قول الشاعر:
إذا عفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل
والوسيلة: هي ما يتوصل به إلى تحصيل المقصود. انتهى.
وقال البغوي: أي اطلبوا إليه الوسيلة، أي القربة.
فعليه من توسل إلى فلان بكذا أي تقرب إليه. وجمعها: وسائل.
وقال البيضاوي على قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] أي: ما يتوسلون به إلى ثوابه، والزلفى منه، من فعل الطاعات، وترك المعاصي، من وسل إلى كذا: إذا تقرب إليه.
стр. 492
وقال في الكلام على آية الإسراء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] هؤلاء الآلهة يبتغون إلى الله القربة بالطاعة (أيهم أقرب) بدل من واو (يبتغون) أي: يبتغي من هو أقرب منهم إلى الله الوسيلة، فكيف بغير الأقرب.
وقال ابن كثير: وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] روى البخاري من حديث سليمان بن مهران عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر عن عبد الله في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] قال: ناس من الجن، كانوا يُعبدون فأسلموا. وذكر رواية عن ابن مسعود: كانوا يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن. وذكر عن ابن عباس قال: عيسى، وأمه وعزير. وعنه: والشمس والقمر. قال مجاهد: عيسى وعزير والملائكة. واختار ابن جرير قول ابن مسعود، لقوله: (يبتغون) ، وهذا لا يعرب به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعزير.
وقال الوسيلة: هي القربة، كما قال تعالى، ولهذا قال: (أيهم أقرب) انتهى.
واختار شيخ الإسلام أن الآية تعم من ذكر وغيرهم ممن عبده المشركون من أولياء الله وعباده الصالحين.
стр. 493
فتبين بهذا رد ما ذكره البغوي، فإن المفسرين ذكروا ابتغاء الوسيلة، وهو طلب القربة، فتقدم قول البيضاوي في قوله: (أيهم أقرب) أنه بدل من الواو في (يبتغون) ، وقال أبو حفص العكبري: (أيهم) مبتدأ، و (أقرب) خبره، وهو استفهام، والجملة في موضع نصب بيدعون. وعلى كلا القولين لا يصح ما ذكره البغوي من توسل بعضهم ببعض.
وفي "الجلالين" (أولئك الذين) يدعونهم آلهة (يبتغون) يطلبون (إلى ربهم الوسيلة) القربة بالطاعة (أيهم) بدل من واو (يبتغون) أي يبتغيها الذي هو أقرب إليه، فكيف بغيره.
إذا عرف هذا، تبين فساد قول البغوي١ في آية "الإسراء" فإن التوسل في العرف الشرعي فعل ما يتوسل به إلى الله من الإيمان به، والعمل الصالح، الذي شرعه ويرضاه، كما في حديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار، فانطبقت عليهم الصخرة. هذا هو التوسل المعروف، كما عليه أهل الإسلام من المفسرين وغيرهم، ومن قول قتادة؛ أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه. وتقدم قول ابن كثير بعد حكاية هذا: وهذا لا خلاف فيه بين المفسرين. فذكر الإجماع على أن المراد القربة بالعمل الصالح، وما يرضاه تعالى.
ثم لو سلم صحة ما ذكره البغوي، فليس المراد أن
стр. 494
بعضهم يدعو من هو أقرب منه، ويسأله الشفاعة والتقرب، بل التوسل يطلق عنده على سؤال الله بجاه المقربين، وبحق الصالحين، لا كما يظنه عباد القبور من أن التوسل هو دعاء الصالح نفسه، وقصده بالمسألة والطلب من دون الله، والتقرب إليه بالذبح والنذر، وغيرهما من العبادات، فإن هذا عين الشرك الذي نزلت الآية بإبطال، والرد على أهله، فإن الجاهلية من الأميين والكتابيين يدعون الملائكة وعيسى وأمه والعزير، ويتوجهون إليه في حاجاتهم وملماتهم، ويتقربون إليهم بصرف الأموال ذبحاً ونذراً، فرد الله عليهم هذا الفعل من صنيعهم، وأخبرهم أن هؤلاء المدعوين لا يملكون كشف الضر، ولا تحويله من حال إلى حال، لأن من عبد الأنبياء والصالحين يدعي أنه يكشف الضر بواسطتهم، وعلى أيديهم، كما يقوله عباد القبور، فأخبرهم تعالم أن هؤلاء المدعوين عبيده، كما أن الداعين عبيده، وأنهم يرجونه رحمته، ويخافون عذابه، والخائف الراجي لا يصلح أن يكون مدعواً ومعبوداً، فانظر هذه الآية الكريمة، وما دلت عليه، وما سيقت له، وانظر حقيقة دعوى العراقي، وما يفعله الغلاة في الأولياء والصالحين، ومسألتهم وتعظيمهم بشيء من العبادات، كالذبح والنذر لهم، وعلى إبطال دعواه أيضاً في التوسل الشركي بالصالحين، ودعائهم ومسألتهم وبهذا تعرف أنه
стр. 495
مشاق لله ورسوله، يستدل بالآية الكريمة على نقيض ما دلت عليه، ويفهم منها عكس ما دعت إليه، وهكذا حال القلوب المنكوسة، تتصور الأشياء على خلاف ما هي عليه، وأهل العلم كافة استدلوا بهذه الآية على إبطال التوسل الشركي، الذي هو دعاء الصالحين، والعراقي استدل بها على جوازه واستحبابه، فبعداً للقوم الظالمين.
وأما قول العراقي: (فظاهر الآية عام في الأفعال والذوات) هذا قول داود.
وقال صاحب هذه الرسالة١: (والوهابية جعلت الوسيلة خاصة بالأفعال، وهو تحكم، بل ظاهر الآية تخصيصها بالذوات) .
قال شيخنا: فهذا يكذبه ويبطله ما مر من إجماع المفسرين على أن الوسيلة هي التقرب إلى الله بطاعته، وبما يرضيه مما شرعه وأذن فيه.
والتوسل الذي يريده العراقي بذات الصالحين هو دعاؤهم ومسألتهم وتعظيمهم بالعبادة، وتقدم كلام ابن القيم في أنه يستحيل أن تأتي شريعة من الشرائع بإباحة ذلك.
وقوله: (ومن ادعى التخصيص بأحدهما فقد تحكم) ففي هذا القول من سوء الأدب مع الشارع، والجرأة
стр. 496
على الله وعلى رسوله، ما يعلمه أهل العلم بدينه، الذين عقلوا عنه مراده، وعرفوا أنه أخص القرب التي يحبها ويرضاها، ونهى عن مجاوزتها إلى البدع والضلالات، فالمخصص للقرب والوسائل هو الله ورسوله، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .
ثم اقتحم العراقي وأتى بقولة يضحك منها صبيان المكاتب، فقال: (على أن ظاهر سياق الآيات تخصيصه بالذوات) فأتى على ما قاله المفسرون قاطبة فهدمه، واجتث أصله، ورده من لا يؤمن بالكتاب، ولا يخاف سواء الحساب، واستدلاله على تلك الدعوى الضالة بأن (التقوى فعل المأمور وترك المنهي عنه، وإذا فسر ابتغاء الوسلية بالأعمال يكون تأكيداً فيكون مكرراً، وإذا أريد التوسل بالذوات يكون ناشئاً، وهو خير من التأكيد) هذا كلامه بحروفه، وكفى بهذا خزياً وفضيحة، وتسجيلاً على جهالة، وأنه ما عرف شرعاً، ولا لغة، ولا ديناً، وهذا مردود بوجوه:
الأول: إن ابن كثير قرر أن التقوى إذا قرنت بالطاعة أو الوسيلة كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهي، كما في هذه الآية. والوسيلة هي التقرب إلى الله بأنواع الطاعات، وأصناف العبادات، ومراده أنها
стр. 497
إذا أطلقت ولم تقترن بغيرها دخل فيها فعل المأمور وترك المحظور، وهكذا اسم العبادة، والطاعة، تعم عند الإطلاق وتخص مع الاقتران والتقييد.
فالعراقي لم يعرف مسمى التقوى في هذا المحل، وخبط خبط عشواء.
الوجه الثاني: إن الوسيلة ما يقرب إلى الله تعالى، والتقوى تطلق على ما يتقى به عذابه، ويرجى به ثوابه، فلو قيل بهذا الإطلاق هنا، فالقرب إلى الله وطلبه أخص مما قبله.
الوجه الثالث: إن التأكيد يكون خيراً من التأسيس إذا اقتضاه الحال، وقصد رفع المجاز، وإبطال توهمه، أو قصد بيان خصوصية الفرد المعطوف، والاهتمام به، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاة﴾ [الأعراف: ١٧٠] .
الوجه الرابع: إن التأسيس لا يجري هنا، ولا يصح قصده.
стр. 498
فصل في آية: ﴿أيهم أقرب﴾
...
فصل
قال العراقي: (ومنها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] قال ابن عباس: هم عيسى وأمه وعزير والملائكة. وتفسير الآية: أن الكفار يعبدون الأنبياء والملائكة على أنهم أرباب، فيقول الله لهم: أولئك الذين تعبدونهم هم يتوسلون إلى الله بمن هو أقرب، فكيف تجعلونهم أرباباً، وهم عبيده مفتقرون إلى ربهم متوسلون إليه بمن هو أعلى مقاماً منهم) .
والجواب أن يقال: وهكذا قال داود بن جرجيس. وقد أجابه الشيخ فقال:
والجواب أولاً: لولا ما يقصده المؤمن من رد هذه الأقوال الضالة الكاذبة التي تتضمن الكذب على الله، وتحريف كتابه، وتغيير دينه، والقول عليه بغير علم، لما جازت حكاية هذا الإفك ونقله، والله سبحانه ذكر أقوال أعدائه وأعداء رسله في معرض الرد لها، وإبطالها، والتسجيل على ضلالة أهلها.
стр. 499
فأما ما نقله عن البغوي، فقد حرفه، وكذب فيه، وهذه عبارة البغوي نسوقها بحروفها، قال في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] .
يعني الذين يدعونهم المشركون آلهة ويعبدونهم. قال ابن عباس ومجاهد: هم عيسى وأمه وعزير، والملائكة والشمس والقمر، والنجوم. يبتغون: أي يطلبون إلى ربهم الوسيلة، أي القربة، وقيل: الوسيلة: الدرجة العليا، أي يتضرعون إلى الله في طلب الدرجة العليا، وقيل الوسيلة: كل ما يتقرب به إلى الله ، وقوله: (أيهم أقرب) معناه: ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به. وقال الزجاج (أيهم أقرب) : يبتغي الوسيلة إلى الله، ويتقرب إليه بالعمل الصالح.
هذه عبارة البغوي بحروفها١.
وقد تصرف فيها هذا الضال، فحذف منها قول ابن عباس: (والشمس والقمر والنجوم) ، وحرف قوله: (يطلبون إلى ربهم الوسيلة أي القربة) فقال العراقي: كل ما يتقرب به إلى الله، وعبارة البغوي (القربة) وحذف قول البغوي: (وقيل الوسيلة الدرجة العليا، أي يتضرعون
стр. 500
إلى الله في طلب الدرجة العليا) ، وزاد في قوله: (ينظرون أيهم أقرب إلى الله) فقال العراقي: (وأعلى جاها) ، وزاد: (ويتشفعون به إلى ربهم) هذا تحريفه لكلام البغوي١.
قلت: وأما صاحب الرسالة فإنه ألطف في التحريف، وأجرأ على الله بالكذب من داود، فإن داود نسب الكلام إلى البغوي وحرفه، وتصرف فيه، وزاد، وهذا جزم أن تفسير الآية: أن الكفار يعبدون الأنبياء والملائكة على أنهم أربابهم، كما ذكر داود، وذكر هذا كما ذكر داود إلى آخره.
والمقصود أنهم يغترفون من عين واحد.
قال الشيخ في جوابه: والرجل يشتهي يأخذ ما يهوى، ويدع ما هو الأولى والأقوى، فأول عبارة البغوي ترد قوله: (ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به) لأن الشمس والقمر والنجوم لا يتأتى منهم ذلك، والملائكة وعزير وعيسى، لم يرد نقل ولا حجة ولا برهان على أن بعضهم يسأل الله ببعض، ويتوسل به، ويقصده في حاجاته وملماته، فما قاله البغوي هنا غير مسلم. وقد تقدم كلام المفسرين، وأنهم لم يرتضوا هذا، ولم يقله أحد منهم. وتقدم قول ابن كثير في تفسير قتادة أنه لا خلاف بين المفسرين في ذلك. وتقدم قول أبي
стр. 501
حفص والبيضاوي، والجلالين. فعدل العراقي عن هذا كله، وتمسك بالمتشابه، كما قال ابن القيم: وأعرض النصارى عن الأصول المحكمة، وتمسكوا بالمتشابه. على أن عبارة البغوي ليس فيها شاهد ودليل لعباد القبور، بل هي تدل على خلافه١ فإن التوسل الذي يشير إليه، وينصرف الاسم عليه عند الإطلاق، هو التوسل الشرعي، ومنه دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، كالأسباب العادية، وقد يراد بالتوسل في عرف بعض الناس: سؤال الله تعالى بحق أوليائه. وعلى كل فليس فيه دليل لدعاء الموتى والغائبين، كما يفعله عباد القبور من الضالين والمشركين، ويحتمل أنه أراد بقوله: (أن ينظرون أيهم أقرب فيتوسلون به) معنى صحيحاً شرعياً، وهو الاقتداء بهم، وسلوك سبيلهم، واقتفاء آثارهم، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام: ٩٠] وقد يتعين هذا الاحتمال لوجوب إحسان الظن بالعلماء.
وقول العراقي في معنى الآية: (إن الكفار يعبدون الأنبياء والملائكة على أنهم أربابهم) يريد به أن المشركين يعتقدون أن آلهتهم تخلق وترزق وتدبر، وهذا قد رده القرآن، وأبطله في غير موضع –كما تقدم تقريره- والعراقي يلجأ إلى
стр. 502
هذا لئلا يدخل ما فعله عباد القبور فيما نهى عنه القرآن من اتخاذ الآلهة من دون الله، وعبادتها معه، وهذا لازم لعباد القبور لا محيص عنه، والحكم يدور مع علته، والقرآن كفر المشركين، وأنكر عليهم: دعاء غير الله، ومحبة سواه، وتعظيم ما يدعى معه، بالذبح والنذر، وسائر العبادات، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه﴾ [البقرة: ١٦٥] ، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِه﴾ [المؤمنون: ١١٧] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] . وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] والآيات في المعنى كثيرة، يبين تعالى أنه كفرهم، وأنكر عليهم، وتوعدهم بالنار على عبادة غيره، ودعاء سواه. والعبادة فعل العبد الذي هو الحب مع الله، والخضوع والتعظيم والدعاء رغباً ورهباً.
وإطلاق الأرباب على الآلهة كقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ، وقوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ [آل عمران: ٨٠] ، ونحو ذلك إنما يراد به ما ذكرنا، لأن المعبود يسمى رباً، وهذا مما لا خلاف فيه بين المفسرين، بل السيد يسمى ربا،
стр. 503
فتنبه لهذا، فقد زل بهذه الشبهة كثير من المنتسبين إلى العلم والدين -ثم ذكر الشيخ كلاماً طويلاً عن شيخ الإسلام قال في آخره:
ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويدعوها ويصوم وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها المدبرة لي، فإذا جعلتها سبباً وواسطة لم أكن مشركاً، ومن المعلوم بالاضطرار من دين المسلمين أن هذا شرك. انتهى.
فتأمله فإن فيه حكاية قول سلف هذا العراقي. وفيه أن ما قاله العراقي شرك يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، والله المستعان.
وأما قول العراقي: (فيقول الله تعالى: أولئك الذين تعبدونهم يتوسلون إلي بمن هو أقرب، يعني: فهو محتاجون) فقد كذب على الله، ما عنى بهذا المعنى، ولا أراده تبارك وتقدس، عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ما أجرأ هذا المتكلم على الله، وعلى كتابه، وعلى دينه ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣، والمعارج: ٤٢] ، وتقدم قول المفسرين، وقول شيخ الإسلام: إن هؤلاء المدعوين عبيده، كما أن الداعين عبيده، وأنهم يرجون رحمته، ويخافون عذابه. نعوذ بالله من اقتحام هذه المهالك، والتوثب على تلك
فصل في آية: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾
...
فصل
قال العراقي: (ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء: ٦٤] فقد علق الله تعالى قبول استغفارهم باستغفاره ﵊، وفي ذلك صريح دلالة على جواز التوسل به ﷺ ، وقبول المتوسل به، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء: ٦] وأنت تعلم أن استغفاره ﷺ لأمته لا يتقيد بحال حياته، كما دلت عليه الأحاديث الواردة، مما سننقله، لا يقال: إن الآية وردت في قوم معينين، فلا عموم لها، لأنا نقول: إنها وإن وردت في قوم معينين في حال حياته ﷺ ، تعم بعموم العلة كل من وجد فيه ذلك الوصف، سواء كان في حال حياته، أو بعد موته ﷺ .
والجواب أن نقول: قد سبق هؤلاء إلى الاستدلال بهذه الآية السبكي بنحو مما قال هذا، وأجابه الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي –رحمه الله تعالى- فقال١:
стр. 506
أما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] الآية، فالكلام فيها في مقامين:
أحدهما: عدم دلالتها على مطلوبه.
الثانية: بيان دلالتها على نقيضه. وإنما يتبين الأمران بفهم الآية، وما أريد بها، وسيقت به، وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانية، وهم سلف الأمة، ومن سلك سبيلهم.
ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم، وقد ذم تعالى من تخلف عن هذا المجيء، إذ ظلم نفسه، وأخبر أنه من المنافقين، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥] .
وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف وغيره من الطواغيت، دون حكم رسول الله ﷺ ، فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم، حيث لم يجيء إلى رسول الله ﷺ يستغفر له، فإن المجيء إليه يستغفر له توبة وتنصل من الذنوب، وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة، جاء إليه فقال: يا رسول الله إني فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، وهذا كان فرقاً بينهم وبين المنافقين.
стр. 507
فلما استأثر الله بنبيه ﷺ ، ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته، لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أفترى: عطل١ الصحابة والتابعون -وهم خير القرون على الإطلاق- هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه، وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق٢ له من لا يؤبه له من الناس، ولا يعد في أهل العلم. فكيف أغفل هذا أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير، ومن لهم لسان صدق في الأمة، فلم يدعوا إليه، ولم يحضوا عليه، ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله إحد منهم ألبتة؟ بل المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية.
ولما كان هذا المنقول شجى في حلوق الغلاة، وقذى في عيونهم، وريبة في قلوبهم، قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل، ومن استحيا منهم من أهل العلم بالآثار قابله بالتحريف والتبديل. ويأبى الله إلا أن يعلي منار الحق، ويظهر أدلته ليهتدي المسترشد، وتقوم الحجة
стр. 508
على المعاند فيعلي الله بالحق من يشاء، ويضع برده وبطره وغمص أهله من يشاء.
ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها بين أظهرها موجود، وقد دعيت فيه إلى المجيء إليه ليستغفر١ لها، وذم من تخلف عن المجيء٢، فلما توفي ﷺ ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه٣ ليستغفر له.
وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأوله عليه المعترض هذه الآية تأويل بطال قطعاً، ولو كان حقاً لسبقونا إليه علماً وعملاً، وإرشاداً ونصيحة.
ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة، لم يكن على عهد السلف، ولا عرفوه، ولا بينوه للأمة، فإنه يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا، وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر، فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه.
وبطلان هذا التأويل أظهر من أن يطنب في رده، وإنما ننبه عليه بعض التنبيه.
стр. 509
ومما يدل على بطلانه قطعاً: أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله ﷺ في حياته، وقد ظلم نفسه ليستغفر له، فأعرض عن المجيء وأباه، مع قدرته عليه، كان مذموماً غاية الذم، مغموصاً بالنفاق. ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين، وبين المدعوين، وبين الدعوتين، فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء١ دينه غير الحق.
وأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤] وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له، ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم قط إن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره، ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة، وعطلوها، ووفق لهذا هؤلاء الغلاة العصاة، وهذا بخلاف قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم ما جاء به حياً وميتاً، ففي
стр. 510
حياته كان هو الحكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاءه، يوضح ذلك أنه قال: "لا تجعلوا قبري عيداً "١ ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه، وما جاء به، ولو كان مشروعاً لأمر به أمته، وحضهم عليه، ورغبهم فيه، ولكان الصحابة وتابعوهم بإحسان أرغب شيء فيه، وأسبق إليه.
ولم ينقل عن أحد منهم قط وهم القدوة بنوع من أنواع الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكا إليه، ولا سأله.
والذي صح عنه مجيء القبر للتسليم فقط، هو ابن عمر، وكان يفعل ذلك عند قدومه من السفر، ولم يكن يزيد على التسليم شيئاً ألبتة، ومع هذا فقد قال عبيد الله بن عمر العمري الذي هو أجل أصحاب نافع، أو من أجلهم: ما نعلم أحداً من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر.
ومعلوم أنه لا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم لرسول الله فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدرة فوق معرفتهم، فمن خالفهم إما أن يكون أهدى منهم، أو يكون مرتكباً لنوع من البدع، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ لقوم رآهم اجتمعوا على ذكر يقولونه: لأنتم أهدى من أصحاب محمد ﷺ ... أو أنتم على شعبة الضلال.
فتبين أنه لو كان استغفاره لمن جاءه مستغفراً بعد موته ممكناً أو مشروعاً، لكان كمال شفقته ورحمته بالأمة تقتضي ترغيبهم في ذلك، وحضهم عليه. انتهى.
وأما قوله: (فقد علق تعالى قبول استغفارهم باستغفاره) ، وهذا حق، ولكنه في حال حياته لا بعد وفاته.
وقوله: (وفي ذلك صريح دلالة على جواز التوسل به ﷺ ، وقبول المتوسل به) .
стр. 514
فأقول: نعم، هذا حق، فقد كان الصحابة ﵃ يتوسلون به في حال حياته، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: اللهم إنا١ كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا.
فلو كان التوسل به بعد وفاته جائزاً لما عدل الفاروق إلى عمه العباس، مع إمكان التوسل به عند قبره -لو كان جائزاً- ومن المعلوم أن التوسل المشروع إنما هو بدعائه، كما تقدم بيانه، وكما سيأتي إن شاء الله.
بل في ذلك أصرح دلالة على المنع من التوسل به الشرعي بعد وفاته، بدليل أنه لا أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم للرسول ﷺ فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، ومع ذلك لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره، ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا، فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت.
وأما قوله: (وأنت تعلم أن استغفاره ﷺ لأمته لا يتقيد بحال حياته، كما دلت عليه الأحاديث الواردة مما سننقله) .
стр. 515
فأقول: لو كان طلب الاستغفار منه ﷺ جائزاً بعد وفاته عند قبره، أو من مكان بعيد منه، أو كان مشروعاً لأمر به أمته، وحضهم عليه، ورغبهم فيه، ولكان الصحابة ﵃ وتابعوهم بإحسان أرغب شيء فيه، وأسبق إليه، ولم ينقل عن أحد منهم قط -وهم القدوة- بنوع من أنواع١ الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكا إليه، ولا سأله، وقد تقدم بيان هذا.
وأما قوله: (لا يقال إن الآية وردت في قوم معينين، فلا عموم لها ... ) الخ.
فأقول: نعم، الأمر كما أقر به الخصم في هذا٢ المقام، من أن الآية وردت في قوم معينين من أهل النفاق، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء:٦١] فهي تعم ما وردت فيه، وما كان مثله، فهي عامة في حق كل من ظلم نفسه من كل منافق قيل به: تعال إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، فصد عن الرسول صدوداً، وتحاكم إلى الطاغوت، ثم جاء الرسول في حياته،
стр. 516
فاستغفر الله واستغفر له الرسول في حياته، وأما المؤمن الذي عصى وظلم نفسه، فجاء قبر الرسول ﷺ فاستغفر الله، فليس مثله، لما تقدم بيانه.
стр. 517
فصل في آية: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته﴾
...
فصل
قال العراقي: (ومنها قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] فنسب الله تعالى الاستغاثة إلى غيره من المخلوق، وكفى به دليلاً على جوازها، فإن قيل: إن المستغاث في هذه الآية حي وله قدرة، وإنما كلامنا في الميت. أجيب: بأن نسبة القدرة إليه إن كان استقلالاً فهي كفر، وإن كانت بقدرته تعالى على أن يكون هو السبب والوسيلة ليس إلا فلا فرق بين الحي والميت، فإن الميت له كرامة، وإذا لم تنسب إلى الله حقيقة وإلى غيره مجازاً كانت الاستغاثة ممنوعة، ومن هنا تعلم سر نفي النبي ﷺ الاستغاثة عن نفسه عندما قال أبو بكر الصديق ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال ﵇: " لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله" ١ مع أن النبي ﷺ كان
стр. 518
حينئذ حياً، وله قدرة، فإنما قصد ﷺ نفي الاستغاثة الحقيقية، فأراد تعليم أمته أنها لا تكون إلا بالله) .
والجواب أن يقال: هذه شبهة داود. وإنما تصرف فيها هذا، ولم يخرج عن مقصوده بشيء. فقال شيخنا ﵀:
وقوف أهل البصائر على هذا الكلام يكفي في رده وإبطاله، وبيان ما فيه من الجهل الغليظ. وهذا الصنف من
стр. 519
الناس إنما أتوا١ من بعدهم عما جاءت به الرسل، وكونهم أجانب عنه، ليسوا من أهل الوراثة النبوية، فهم في ظلمات بعضها فوق بعض.
وهذه الآية الكريمة فيها الخبر٢ عن الإسرائيلي، لأنه استغاث موسى على القبطي الذي هو من عدوه، والأفعال العادية القائمة بفاعلها تنسب إليه، وتضاف إليه حقيقة، من إضافة الفعل إلى فاعله، فيقال: أكل وشرب، وقام وقعد، وقال وحكى، ودعا واستغاث، حقيقة لا مجازاً، بإجماع العقلاء، ولم يخالف في إضافة الأفعال إلى فاعلها حقيقة إلا من هو أجهل الناس، وأضلهم عن سواء السبيل، وهذا لم نقل بمنعه حتى يستدل علينا بالنسبة التي في الآية. مع أن الاستدلال بها يترجم عن جهل المعترض، وعدم فهمه عن الله، وقد نسب الرب ﵎ إلى أعدائه ما نسبوه إليه من اتخاذ الصاحبة والولد، وجعل الشركاء معه، والنسبة لا يستدل بها من يعقل ما يقول، بل الدليل في حكايته على وجه التقرير، وعدم الإنكار، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة:١١٦] ، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه﴾ [التوبة: ٣٠] ،
стр. 520
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢] ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] ، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس:٧٤] فهذا كله منسوب إلى فاعله حقيقة، أفيقال بجوازه؟ وأنه لو كان ممنوعاً لما جازت النسبة، ويقال: هذا مجاز أيصح نفيه عنهم؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
والعراقي جاهل١ الدين والمذهب واللسان، بل الجاهلية لا تقول إن النسبة إلى الفاعل مجاز، ولا تقول إنها تدل على عدم المنع مما نسب٢ إلى الفاعلة.
والغرض بيان ما في كلام هذا من الفساد المتناهي، والآية ليست مما نحن فيه، فإن الإغاثة المثبتة ليس الدليل على إثباتها النسبة، وإنما هو ما جاءت به الشريعة الكاملة من جواز معاطاة الأسباب العادية، واستعانة الخلق بعضهم بعضاً في الجملة، والدليل من الآية ترك إنكاره وسياقه على وجه التقرير، ومسألة المخلوق محرمة في الأصل، وإنما أبيحت٣ في الأسباب العادية للضرورة والحاجة، ولهذا بايع النبي ﷺ بعض أصحابه على أن لا يسألوا
стр. 521
الناس، فكان أحدهم يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولنيه١.
وقول العراقي: (وأما ما قيل: إن هذا حي، وله قدرة، فإن كان نسبة القدرة إليه استقلالاً فهو كفر، وإن كان بقدرة الله، وهو سبب ووسيلة، فلا فرق بين الحي والميت) .
يقال: هذا تخليط وهذيان، فإن المسلمين متفقون على قول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، يؤمنون بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] خلق في الحي اختياراً ومشيئة، بها يثاب، وبها يعاقب، وبها يكلف، والميت ليس له قدرة الحي ولا يكلف، بل
стр. 522
ينقطع عمله بموته، وتطوى صحيفته، ولا يسأل، ولا يستفتى، ولا يرجع إليه في شيء مما للعباد عليه قدرة، وسائر الحيوان يفرقون بين الحي والميت.
والعراقي يقول: (لا فرق عنده بين الحي والميت) قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] واستغاثة الميت ليست سبباً كاستغاثة المخلوق فيما يقدر عليه، ولم يجعل هذا سبباً إلا عباد الأصنام الذين هم١ أضل خلق الله، يجعلون الأموات سبباً ووسيلة، والميت ليس في شرع الله وما جاءت به رسله أن يدعو٢ لمن دعاه، والكرامة ليست فعله، بل هي فعل الله، والمكرم لا يدعى، ولا يستغاث به، ولا يرجى لشيء من الشدائد، بل هذا فعل المشركين -كما تقدم- والقول بأن الله يقدره٣ ظن وخرص لا يرجع إليه في دينه إلا ضال يتمسك بالأوهام الوثنية.
وقوله: (والجميع راجع إلى قدرة الله) لا ينقذه من المحذور، فإن المشركين يعترفون بربوبية الله لآلهتهم، ويعلمون أنها لا تستقل بشيء دونه، ولا تجوز نسبة الإغاثة
стр. 523
إلى الموتى والغائبين، ولو مجازاً لاختصاصه تعالى بالعلم والقدرة والغوث الباطني، والنبي ﷺ نفي الاستغاثة عن نفسه حماية للتوحيد، وصيانة لجانبه، وأدباً مع ربه، لا لأن الإغاثة لا تنسب إلى المغيث بالتسبب العادي حقيقة، وأنها تنسب مجازاً -كما توهمه الغبي الأكبر- ولم يرد تعليم أمته: أن الاستغاثة إنما تنسب للمخلوق مجازاً، فإن ما جاء به من الكتاب والسنة دال على إضافة الفعل لمكتسبه، ومن قام به، ولذلك رتب الثواب والعقاب والجزاء والحساب.
ولم يقول قول العراقي إلا القدرية المجبرة، ومن نحا نحوهم، من الجهمية ورد عليهم أهل السنة، بما يطول ذكره نقلاً وعقلاً، وقالوا: لو كان مجازاً لصح نفي أفعال المكلفين عنهم، ولكانوا بمنزلة الجمادات التي يحركها الغير، ويفعل بها من غير قصد لها ولا اختيار١، ويكون التعذيب والثواب يرجع إلى مجرد المشيئة والإرادة، من غير فعل للعبد يستحق به الثواب والعقاب، وأما إضافة الإغاثة والإنبات إلى الغيث والريح، كما في الحديث، وكما في قولهم: "أنبت الربيع البقل" فلم يجعل الغيث فاعلاً، كما زعمه هذا الأعجمي الذي لا يعقل شيئاً من
стр. 524
اللغة غاية ما قالوا: إنه مجاز عقلي، كما يعلم من رسالة السكاكي، والإضافة قد تقع ولو إلى أدنى ملابسة.
وقول العراقي: (فجعل الغيث هو فاعل الإغاثة مع أنه عرض) هذا مما يدل على أنه لا يفرق بين العرض والجوهر، ومن بلغ جهله إلى هذا الحد سقط الكلام معه. والقصد إعلام الطالب أن أعداء شيخنا من أجهل الورى، وأضلهم ... إلى آخر كلامه، ﵀.
стр. 525
فصل في آية: ﴿لا يملكون الشفاعة﴾
...
فصل
قال العراقي: (ومنها: قوله تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٨٧] ، قال بعض المفسرين: إن العهد قول: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" وعليه: فمعنى الآية لا يشفع الشافعون إلا لمن قال: لا إله إلا الله وهم المؤمنون، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] ، وهو معنى بعيد أن يكون حينئذ تقدير الآية: لا يملكون الشفاعة لأحد إلا من اتخذ إلى آخره.
وفيه من التكلف ما فيه، والأحسن أن يكون تفسير قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ بمعنى" لا ينالون، فحينئذ يصح الاستثناء بدون تقدير شيء، وقيل معناه: لا يملك الشفاعة إلا من قال: "لا إله إلا الله" أي: لا يشفع المؤمنون، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف:٨٦] ، والشهادة بالحق هي قول: "لا إله إلا الله" وحيث كان المراد من التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين والطلب منهم هو استشفاعهم، وقد
стр. 526
أخبر أنهم يملكون الشفاعة، فأي مانع من طلب شيء مما ملكوه بإذنه تعالى، فيجوز أن تطلب منهم أن يعطوك مما أعطاهم الله تعالى، وإنما الممنوع هو طلب الشفاعة من الأصنام التي لا تملك شيئاً منها) .
والجواب أن يقال: ما أعظم جراءة هذا الملحد على كلام الله بوضعه على غير موضعه، وعلى توهين ما قررة أئمة التفسير من السلف رضوان الله عليهم، فنذكر كلام أئمة التفسير ليتبين ضلال هذا الملحد، وعدم إدراكه فنقول:
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: يقول تعالى ذكره" لا يملك هؤلاء الكافرون بربهم -يا محمد- يوم يحشر الله المتقين إليه وفداً: الشفاعة حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض عند الله، فيشفع بعضهم، إلا من اتخذ منهم، عند الرحمن في الدنيا عهداً بالإيمان به، وتصديق رسوله، والإقرار به، والعمل بما أمر به. ثم ساق بسنده إلى ابن عباس قوله: ﴿إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٨٧] ، قال: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجون إلا الله، وبسنده عن ابن جرير قال: المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء ﴿إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ قال: عملاً صالحاً، وبسنده إلى
стр. 527
قتادة قال: أي بطاعته، وبسنده إلى عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً" ومن في قوله (إلا من) في موضع نصب على الاستثناء، ولا يكون خفضاً بضمير اللام، ولكن قد يكون نصباً في الكلام في غير هذا الموضع، وذلك كقول القائل١: أردت المرور اليوم إلا العدو، فإني لا أمر به، فيستثني العدو من المعنى، وليس ذلك كذلك في قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٨٧] ، لأن معنى الكلام لا يملك هؤلاء الكفار إلا من آمن بالله، فالمؤمنون ليسوا من أعداد الكفارين، ومن نصبه على أن معناه إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، فإنه ينبغي أن يجعل قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ للمتقين، فيكون معنى الكلام حينئذ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ فيكون معناه عند ذلك: ﴿إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٨٧] ، فإذا جعل ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ خبراً عن المجرمين، فإن (من) تكون حينئذ نصباً على أنه استثناء منقطع، فيكون معنى الكلام: لا يملكون الشفاعة، لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً يملكه. انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿لا
стр. 528
يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ [مريم:٨٧] ، أي ليس لهم من يشفع لهم، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ. وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠-١٠١] ، وقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٨٧] ، هذا استثناء منقطع بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٨٧] ، قال: العهد الشهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عثمان بن خالد الواسطي، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن ابن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد، قال: اتخذوا عند الله عهداً، فإن الله يقول يوم القيامة: "من كان له عند الله عهد فليقم"، قالوا يا أبا عبد الرحمن: فعلمنا. قال: قولوا: "اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، أنك إن تكلني إلى عملي يقربني من الشر، ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهداً تؤديه إلي يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد" قال المسعودي: فحدثني زكريا، عن القاسم بن
стр. 529
عبد الرحمن، أن ابن مسعود كان يلحق بهن "خائفاً، مستجيراً مستغفراً، راهباً راغباً إليك"، ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه. انتهى.
فإذا تبين لك كلام أئمة التفسير، وأن الاستثناء في آية "مريم" لا يفيد إثبات الملك، والأكثر على أنه منقطع، وعلى القول بأنه متصل، فلا حجة فيه، بل هو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه:١٠٩] فالاستثناء دليل على حصولها ووقوعها، لا على أنها تملك كسائر الأملاك العادية، كما يظنة أهل الجاهلية، وكما يقول هذا الملحد: (إن الله ملكهم الشفاعة فأي مانع من طلب شيء مما ملكوه بإذنه تعالى؟) إلى آخر كلامه.
ومراده أنهم يملكونها كما يملك الملاك أموالهم، فيتصرفون فيها بما يشاءون، وهذا خلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وأجمع عليه علماء الأمة، فإنه قد دل القرآن والسنة وإجماع علماء الأمة على أن الشفاعة بيده سبحانه، ملكاً له خاصة، لا يتقدم أحد فيها إلا بإذنه، ولا تنال إلامن رضي قوله وعمله، من أهل الإيمان والتوحيد، والأحاديث صريحة في أنه ﷺ -وهو سيد الشفعاء- لا يشفع ابتداء، وأنه يحد له حداً، ويعين له من أراد الله رحمته، وإكرام نبيه بالشفاعة فيه، فهو عبد مأمور مدبر، لا مالك
стр. 530
متصرف، قال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ، وقوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٨٧] ، وقد تقدم الكلام فيها، وأن بعض المفسرين قرر أن الاستثناء منقطع، ليس فيه إثبات للملك، فهو بمعنى الاستدراك من مضمون الجملة، ويدل على هذا نصوص الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام: وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] فيه قولان: قيل هو استثناء متصل، وأنه يملك من ذلك ما ملكه الله، وقيل: هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً بحال، فقوله: ﴿إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ استثناء منقطع، أي: لكن يكون من ذلك ما شاء الله، كقول الخليل: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ [الأنعام:٨٠] ، أي: لا أخاف أن تفعلوا شيئاً، لكن إن شاء ربي شيئاً كان، وإلا لم يكن، وإلا فهم لا يفعلون شيئاً، وكذلك قوله: ﴿َلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقّ﴾ [الزخرف: ٨٦] فتنفعه الشهادة، كقوله: ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [طه:١٠٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعا﴾ [الزمر: ٤٤] وبسط هذا له موضع آخر. انتهى.
إذا عرفت هذا، فقول هذا الملحد: (فأي مانع من