← Акыда

Акыда · id 7664

الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق

سليمان بن سحمان

Полный текст (691 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

نوالهم، فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فلا فرق بينه وبين الاستغاثة بهم، بهذا الاعتبار فهو من الشرك سواء كان المدعو حياً أو ميتاً، وسواء اعتقد التأثير أو لم يعتقد، كما تقدم بيانه بأدلته فيما مضى.

стр. 562

فصل في حقيقة غلو الناس في الصالحين وغيرهم ... فصل قال العراقي الملحد: (وأما قول العامي من المسلمين: يا عبد القادر أدركني، ويا بدوي المدد مثلاً، فيحمل على المجاز العقلي، كما يحمل عليه قول القائل: هذ الطعام أشبعني، وهذا الماء أرواني، وهذا الدواء شفاني، فإن الطعام لا يشبع والماء لا يروي. والدواء لا يشفي حقيقة، بل المشبع والمروي والشافي الحقيقي هو الله تعالى وحده، وإنما تلك أسباب عادية ينسب لها الفعل، لما يرى من حصوله بعدها في الظاهر) . والجواب أن يقال: قد تقدم في كلام شيخ الإسلام قوله: فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال أن هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، إلى آخر كلامه. وتقدم قوله: "وأيضاً فإن من جعل بينه وبين الله

стр. 563

وسائط يتوكل عليهم، ويدعوهم، ويسألهم: كفر إجماعاً". وقال صنع الله الحلبي: فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح، أو غير ذلك في كشف كربة، وقضاء حاجة تأثيراً، فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير، وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان، كذا أخبر الرحمن: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [يس:٢٣] ، فإن ذكر من ليس من شأنه النفع، ولا دفع الضر، مع نبي وولي، وغيره على وجه الأمداد منه: إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره. انتهى. وقال الإمام ابن عقيل في "فنونه": لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وتخليقها، وطلب الحوائج، وطلب الحوائج من الموتى، ودس الرقاع في القبور فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا. انتهى.

стр. 564

وقوله: (فيحمل على المجاز العقلي) . فيقال لهذا الملحد: الجواب من وجوه: الأول: أن هذه الألفاظ دالة دلالة مطابقة على اعتقاد التأثير من غير الله تعالى. والثاني: لو سلم هذا المحمل لاستحال الارتداد، وانسد باب الردة، الذي يعقده الفقهاء في كل مصنف، وكتاب من كتب أهل المذاهب الأربعة، وغيرها، فإن المسلم الموحد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز، والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز. والثالث: أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين، فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق، الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام، لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أن المراد بالعبادة ليس معناه الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي، أي: التكريم مثلاً، فما هو جوابكم، فهو جوابنا. والرابع: أن هؤلاء الذين أولتم عنهم في تلك

стр. 565

الألفاظ الدالة على تأثير غير الله، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله، والاستغاثة والنذر والذبح، فإن الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركاً، سواء اعتقد ذلك الغير مؤثراً أم لا. وقد تقدم الكلام على الأسباب العادية، وما يقال فيها، فيما مضى. وأما قوله: (ومعظم الأمة أجمعوا على جواز التوسل به ﷺ ، وبغيره من الصحابة والصالحين، فقد صدر من كثير من الصحابة والعلماء من السلف والخلف) . فأقول: أما أجماعهم على جواز التوسل بهم التوسل الشرعي بدعائهم وشفاعتهم في حال حياتهم فهذا حق، وأما بعد وفاتهم فمعاذ الله، وقد تقدم بيانه. وأما التوسل الشركي فهم مجمعون على كفر فاعله، بعد قيام الحجة عليه، لا ينكره إلا مكابر. وقوله: (واجتماع أكثرهم على الحرام والإشراك لا يجوز لقوله ﷺ في الحديث الصحيح، وقيل المتواتر: "لا

стр. 566

تجمع أمتي على ضلالة " ولقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس﴾ [آل عمران: ١١٠] ، فكيف تجتمع كلها أو أكثرها على ضلالة) . فأقول: المقصود بالأمة في الحديث١ هم أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية المنصورون إلى قيام الساعة وهم المعنيون بقوله في الحديث٢ الصحيح: "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: "من كنا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، فمن كان على مثل ما كان عليه أصحاب

стр. 567

...............................................................................................................

стр. 568

رسول الله ﷺ فهو من الأمة الذين إجماعهم حجة، وهم الفرقة الناجية، قليلاً كانوا أو كثيراً، بخلاف عباد القبور المتخذين الأنبياء والأولياء والصالحين ولائج يدعونهم مع الله، ويشركونهم في عبادته، ويستغيثون بهم في المهمات والملمات، ويطلبون منهم الحاجات وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، فهؤلاء ليسوا من أمة الإجابة الذين استجابوا لله وللرسول، بل هؤلاء مجتمعون على خلاف الكتاب والسنة، مخالفون لما عليه الأمة من أهل السنة والجماعة، مجمعون على الضلالة. وقد قال الفضيل بن عياض ما معناه، الزم طرق الهدى، ولا يغرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين. وقال بعض السلف: إذا وافقت الشريعة، ولا حظت الحقيقة، فلا تبال، وإن خالف رأيك جميع الخليقة. قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في "إغاثة اللهفان": فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق، ولا من

стр. 569

فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء: ٦٩] فتفرد العبد في طريق طلبه دليل على صدق طلبه إلى أن قال: وما أحسن ما قال أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل في كتاب "الحوادث والبدع": حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلاً والمخالف له كثيراً، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ ، وأصحابه، ولا تنظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم. قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذاً باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوماً من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها، فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، فقلت: يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة، وتحضني عليها، ثم تقول: صل الصلاة وحدك، وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي النافلة. قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك أفقه أهل هذه القرية. تدري ما

стр. 570

الجماعة؟ قلت: لا. قال: إن جمهور الناس الذي فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك. وقال نعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ. وعن الحسن قال: السنة -والذي لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها، رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في أترافهم، ولا مع أهل البدع، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا. وكان محمد بن أسلم الطوسي -الإمام المتفق على إمامته- من أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: ما بلغني سنة عن رسول الله ﷺ إلا عملت بها، ولقد حرصت أن أطوف بالبيت راكباً فما مكنت من ذلك. وسئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذي جاء فيهم الحديث: "إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم" من السواد الأعظم؟ قال: محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم. انتهى. وكلام العلماء في الجماعة الذين هم السواد الأعظم كثير جداً، وذكروا أنهم هم الذين كانوا على ما كان عليه

стр. 571

أصحاب رسول الله ﷺ ، ولو ذهبنا نذكر أقوالهم لخرجنا عن المقصود بالاختصار. والمقصود أن الأمة التي لا تجمع على ضلالة هم أهل السنة والجماعة، وإن قلوا وأن الأكثرين هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] ، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] .

стр. 572

فصل في الإستغاثة وقصة هاجر ... فصل قال العراقي: (ومن أدلة جواز الاستغاثة: ما رواه البخاري في "صحيحه" من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ ذكر في قصة هاجر أن إسماعيل ﵇ "أنها لما أدركها وولدها العطش جعلت تسعى في طلب الماء، فسمعت صوتاً ولا ترى شخصاً، فقالت: أغث إن كان عندك غوث" فلو كانت الاستغاثة بغير الله شركاً لما طلبت الغوث، ولما ذكر النبي ﷺ ذلك لأصحابه، ولم ينكره، ولما نقله الصحابة من بعده، وذكر المحدثون) . والجواب أن نقول: الكلام فيمن يستغاث به عند الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، أو سؤال ما لا يعيطه إلا الله، ولا يمنعه إلا الله، وأما ما عدا ذلك مما يجري فيه التعاون والتعاضد بين الناس، واستغاثة بعضهم ببعض، في الأمور العادية، فهذا لا نمنع منه، ونقول به، وليس الكلام فيه. ولفظ الاستغاثة لفظ مشترك بين ما يجوز، وبين ما لا

стр. 573

يجوز، فأما ما يجوز فما قدمنا ذكره مما هو في مقدرو العبد، والذي لا يجوز، وفاعله يكون مشركاً، هو طلبها من الأموات والغائبين، من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كما نطقت بذلك الآيات والأحاديث النبوية. وقصة هاجر قد أوردها البخاري في باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥] من –كتاب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام١- والمقصود من

стр. 574

القصة أن هاجر ﵍ لم تطلب إلا من حاضر محسوس، وليس ما طلبته مما اختص طلبه بالله سبحانه، فإنها طلبت من المصوت ما يسد جوعتها، ويروي غلتها، كما يقول المنقطع في الطريق العادم الزاد والماء إذا مر عليه أحد وأحس به: أغثني بما عندك من ماء وطعام، وأعطني مما تفضل الله به عليك من الأنعام، أفيقال لهذا إنه طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، والتجأ في شدته إلى من سواه؟ فقاتل الله أهل الكفر والضلال، كيف لعب الشيطات بعقولهم، حتى أوردهم المهالك، انتهى باختصار من قول بعض أهل التحقيق من أهل العلم.

стр. 575

فصل الإستغاثة وشفاعة القيامة ... فصل قال العراقي: (ومنها ما رواه البخاري في حديث الشفاعة: إن الخلق بينما هم في هول القيامة استغاثوا بآدم ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وكلهم يعتذرون، ويقول عيسى: اذهبوا إلى محمد، فيأتون إليه ﷺ فيقول أنا لها ... الحديث. فلو كانت الاستغاثة بالمخلوق ممنوعة لما ذكرها النبي ﷺ لأصحابه ﵃، وأجاب المانعون أن هذا يكون يوم القيامة، حيث يكون للنبي ﷺ قدرة، ورد عليهم أنهم في حياتهم الدنيوية لا قدرة لهم إلا بنوع التسبب، فكذلك بعد الموت، على أنهم أحياء في قبورهم يتسببون) . والجواب أن نقول: قال بعض المحققين من أهل العلم في جوابه: إن استغاثة الناس بالنبي ﷺ وقبله بآدم ثم بنوح ... إلى آخر حديث الشفاعة، فهذه شفاعة بالدعاء.

стр. 576

والاستغاثة بما يقدر عليه المستغاث مستحسنة عقلاً وشرعاً، ومن ذلك الرفقة يستغيث بعضهم بعضاً أي في مهماتهم التي يقدرون عليها، وكذلك ما طلب الناس منه، وهي الشفاعة التي هي الدعاء، ولذلك يقول سيد الشفعاء ﷺ في آخر الحديث: "فأجيء فأسجد" وأنه يلهمه الله من الثناء والدعاء شيئاً لم يلهمه لغيره ﷺ ، فعند ذلك يأذن الله بالشفاعة، ويقول له كما ورد في الحديث: " يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع، واشفع تشفع" وهذا ظاهر جداً. وأما ما أورده على الجواب من أن للمستغاث بهم قدرة كسبية وتسبباً فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى، سواء كانوا أحياء أو أمواتاً، وسواء كانت الاستغاثة بما يقدر عليه المستغاث، أم لا، مدفوع بأن كون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية، لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يستعان به، ولا يتوكل عليه، ولا يلجأ في ذلك إليه، فلا يقال لأحد حي أو ميت، قريب أو بعيد: ارزقني أو أمتني، أو أحي ميتي، أو اشف مريضي، إلى غير ذلك مما هو من الأفعال الخاصة بالواحد الأحد، الفرد الصمد، بل يقال لمن له قدرة كسبية قد جرت العادة بحصولها ممن أهله الله لها: أعني في حمل متاعي، أو غير ذلك

стр. 577

والقرآن ناطق بحصر الدعاء عن كل أحد لا من الأحياء ولا من الأموات، سواء كانوا أنبياء أو صالحين أو غيرهم، وسواء كان الدعاء بلفظ الاستغاثة أو بغيرها، فإن الأمور غير المقدورة للعباد لا تطلب إلا من خالق القدر، ومنشيء البشر، كيف والدعاء عبادة، وهي مختصة به سبحانه. بقي ما أدلى به العراقي وأضرابه علينا من حياة الأنبياء، ليتوصلوا به إلى ترويج مدعاهم، من استحسان دعائهم، وطلب إغاثتهم، وأولوه بأن مرادهم من ذلك الاستشفاع: طلب أن يدعوا لهم. فنقول: هذا حق ثابت، فنعتقد حياتهم صلى الله تعالى عليهم وسلم حياة برزخية، فوق حياة الشهداء، وأن نبينا ﷺ قد جعل عند قبره الشريف ملك يبلغه سلام المسلمين الذين عند ضريحه المكرم والنائبين عنه. وأن الأنبياء جميعهم طريون، لا تأكل الأرض أجسامهم الشريفة. ولكنا نمنع أن يطلب منهم شيء، فلا يسألوا شيئاً بعد وفاتهم، سواء كان بلفظ الاستغاثة، أو توجه أو استشفاع، أو غير ذلك، فجميع ذلك من وظائف الألوهية، فلا يليق جلعلها لمن يتصف بالعبودية من البرية. فإن ادعى أحد أن حياتهم صلى الله تعالى عليهم وسلم إذا ثبتت الرواية بها حقيقة- كما هو الأصل في

стр. 578

حمل الألفاظ على حقائقها- ولم تثبت قرينة على التجوز بها فتبقى على حقيقتها. أجبناه قائلين: لا شك أنه لا يراد بهذه الحياة الحقيقية، ولو أريدت لاقتضت جميع لوازمها، من أعمال وتكليف وعبادة، ونطق وغير ذلك من وظائف الحياة، وحيث انتفت حقيقة هذه الحياة الدنيوية بانتفاء لوازمها، وبحصول الانتقال بالموت الحال به ﷺ -وأرواحنا له الفداء- كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] ، وقال عز من قائل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِل﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية، وحلول الموت به ﷺ أمر لا يمكن إنكاره -إلى أن قال- نثبت الحياة الأخرى البرزخية، وهي متفاوتة، فحياة الشهداء فوق حياة المؤمنين، وحياة الأنبياء أعلى من حياة الشهداء، فنقتصر على ما يثبت لها في النصوص القطعية من الأحوال المستحسنة المرضية ... إلى آخر كلامه. وقد تقدم الكلام على قوله: (فكذلك بعد الموت على أنهم أحياء في قبورهم يتسببون) ، وأن الميت قد انقطع عمله، فلا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فكيف بمن استغاث به، وهذا ظاهر ولله الحمد والمنة.

стр. 579

فصل في حديث: "يا عباد الله احبسوا " ... فصل قال العراقي: (ومنها ما رواه الطبراني، عن زيد عن عتبة بن غزوان، عن النبي ﷺ قال: " إذا أضل أحدكم شيئاً أو أراد عوناً، وهو بأرض ليس فيها أنيس، فليقل: يا عباد الله أعينوني، فإن لله عباداً لا يراهم" لا يقال: إن المقصود بعباد الله هم الملائكة، أو مسلمو الجن، أو رجال الغيب، وهؤلاء كلهم أحياء، فلا يستدل بالحديث على الاستغاثة بالأموات والكلام فيهم، لأنا نقول: لا صراحة في الحديث بأن المقصود بعباد الله هم من ذكر، لا غير، ولو سلمنا، فالحديث حجة على الوهابية من جهة أخرى، وهي: نداء الغائب الذي لم يجوزوه، كنداء الميت، ولا يفيد الوهابية طعنها ببعض رواة هذا الحديث، فإنه قد روى بطرق شتى يعضد بعضها بعضاً، فقد رواه الحاكم في "صحيحه" وأبو عوانة، والبزار بسند صحيح عن النبي ﷺ بهذا اللفظ أنه قال: "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا" وقد ذكر هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "الكلم الطيب"

стр. 580

عن أبي عوانة في صحيحه. وابن القيم في "الكلم الطيب" له، والنووي في "الأذكار" والجزري في "الحصن الحصين" وغيرهم ممن لا يحصى من المحدثين. وهذا لفظ رواية ابن مسعود مرفوعاً، ورواية ابن مسعود موقوفاً عليه: "ليناد أعيونوني يا عباد الله") . والجواب أن نقول: كل أسانيد هذه الروايات لا تخلو من مقال١، وعلى تقدير صحتها فليس فيه إلا نداء

стр. 581

الأحياء، والطلب منهم، ما يقدر هؤلاء الأحياء عليه، وذلك مما لا يجحده أحد، وأين هذا من الاستغاثة بأصحاب القبور الأولياء والصالحين، وكون المراد بعباد الله رجال الغيب كما يزعم بعض المتصوفة فهو مردود، بل هو من الخرافات، ومثله زعم وجود الأوتاد والأقطاب، والأربعين، وما أشبه ذلك. وأما قوله: (ولو سلمنا فالحديث حجة على الوهابية من جهة أخرى. وهي: نداء الغائب الذي لم يجوزه، كنداء الميت) . فأقول: هذا مرودو أيضاً بما سبق، بأن هؤلاء العباد ليسوا بغائبين، وعدم رؤيتهم لا يستلزم غيبتهم، فإنا لا نرى الحفظة، ومع ذلك فهو حاضرون، ولا نرى الجن، ومع ذلك فهم حاضرون، وكذلك الشياطين، والهواء، ونحو ذلك، فإن علة الرؤية ليس هو الوجود فقط.

стр. 582

قال العراقي: (ونقل عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، أنه قال: سمعت أبي يقول: حججت خمس حجج، فضللت في إحداهن عن الطريق، وكنت ماشياً، فجعلت أقول: يا عباد لله دلونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق. فقل للوهابية التي تدعي نسبتها إلى الإمام أحمد: كيف جاز له أن يطلب الدلالة على الطريق من غير الله وهو غائب من غير أن يراه؟) . والجواب أن نقول: هكذا ذكره هذا العراقي، ولم يعزه إلى كتاب، وقد رأيته في "الآداب الكبرى" لابن مفلح عن الإمام أحمد١. وجوابه ما تقدم، وهو: أن هؤلاء العباد ليسوا بغائبين، وعدم رؤيتهم لا يستلزم غيبتهم، كما تقدم، وهذا لا يفيده شيئاً غير ما تقدم إيضاحه. ثم قال العراقي: (ومن شبه الوهابية في تكفير من استغاث ونادى غائباً من نبي أو ولي قد مات. أن الذين

стр. 583

ينادون نبياً أو ولياً، مستغيثين به، قد يكون نداؤهم في أماكن متعددة، في زمان واحد، ويكون عددهم كثيرا جداً، مما يبلغ مئات ألوف، وهم يعتقدون أن المستغاث به يحضر حين ندائه في ذلك الآن، وهذا -بصرف النظر عن كونه كفراً وشركاً لما فيه من جعل ذلك المنادي موصوفاً بما هو من صفات الرب ممتنع عقلاً، فمن البديهي أن الجسم الواحد لا يكون في زمان واحد موجوداً في أماكن متعددة. قال: والجواب: أنه ليس من معتقد المسلمين حضور المنادى بشخصه حين ندائه في الأماكن المتعددة، فإن ذلك المعتقد كفر، وذلك الحضور محال، وإنما المعتقد حضور البركة، بخلق الله تعالى إياها في تلك الأماكن المتعددة، لطفاً منه ورحمة بالمستغيث، لكرامة المستغاث به، وليس في ذلك محال، فإن رحمة الله تعالى واسعة ليس لها حد) . والجواب أن يقال: أولاً نعم، ليس هذا من معتقد المسلمين، وحاشا لله، بل هو من معتقد من أشرك بالله غيره في عبادته. ويقال: ثانياً دعوى حضور البركة بخلق الله تعالى إياهم في تلك الأماكن المتعددة مجردة عن الدليل،

стр. 584

وكيف يكون ذلك وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ. فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس:٢٨-٢٩] ، وهذا كما هو بين في القرآن فهو بعيد في العقل، فإذا كان المدعو في حال حياته، واجتماع حواسه وحركاته، لا يسمع من دعاه على البعد، ولو مسيرة فرسخ، فكيف يجوز في عقل من له أدنى مسكة من عقل أنه إذا مات، وفارقت روحه جسده، وذهبت حواسه وحركته بالكلية، وصار رهيناً في الثرى، جسداً بلا روح: أنه والحالة هذه يسمع من بعيد، ولو مسيرة شهر أو أكثر، ويجيب، فكل عقل صحيح يحيل ذلك، ويعلم أنه من أمحل المحال، لكن هؤلاء المشركون فسدت عقولهم وفطرهم، وزين لهم الشيطان ما يعتقدون من الكذب والمحال، والشرك والضلال، حتى آل الأمر بهم إلى أن زعموا في معتقدهم حضور البركة بخلق الله تعالى إياها في تلك الأماكن المتعددة، لطفاً منه ورحمة بالمستغيث به، لكونه أشرك في عبادة الله غيره: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ . فإن قيل: إن هذا الذي أردناه من هؤلاء الأموات يحصل لنا من أرواحهم، قيل: وهذا منتف في العقل،

стр. 585

كما نفاه القرآن، وذلك أن أرواح الأنبياء والصالحين في أعلى عليين، فيمتنع عقلاً وشرعاً وفطرة وقدراً أن الأرواح التي فوق السموات السبع، وفي أعلى عليين، أنها تسمع دعاء أهل الأرض، وتنفعهم، وتتصرف فيهم، هذا محال قطعاً وضلال مبين، فإن الله تعالى قال: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ، فكل من دعي من الأموات والغائبين والأنبياء والصالحين فمن دونهم غافل عن دعاء داعية، بنصوص القرآن العزيز ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] فسبحان من أنزل كتابه روحاً وهدى ونوراً وبرهاناً يهتدي به من هداه الله إلى صراطه المستقيم.

стр. 586

فصل في بيان شرك من يدعو غائبا في حاجاته ... فصل ثم قال العراقي: (ثم إن الوهابية لما رمت المسلمين بهذا المعتقد، الذين هم براء منه، ساقت على بطلانه ذكر الفقهاء في شرائط النكاح، وذلك أنهم قالوا: لو تزوج رجل امرأة بشهادة الله ورسوله لا ينعقد النكاح. وقالت: لو كان النبي يعلم نداء المستغيث به إذا ناداه من بعيد لكان علام الغيوب، ولصح انعقاد النكاح الذي قال الفقهاء ببطلانه) ثم لم يأت بجواب ينض على الوهابية إلا عدم حضور المستغاث عند ندائه، وأنه لا يعتقد هو، والمشركون الداعون غير الله: علم الغيب لأحد. ثم اعتذر عن عدم انعقاد النكاح أنه صيانة لحقوق الزوجة. وبما ذكر بعده مما لا ينقض على الوهابية مدعاهم [بالأدلة الصحيحة المتقدم بيانها فيما مضى] ١ لكن تجارى به كفره وعناده إلى أن قال: (وحينئذ لا يمكن لأحد الخصمين أن يثبت دعواه بشهادة الله ورسوله، إذ نحن لو فرضنا أن الله -تعالى عما يقول الظالمون- جسم ينزل إلى السماء الدنيا كما

стр. 587

زعمت الوهابية نقول: ما جرت عادته تعالى أن ينزل إلى غرفة الحاكم، فيؤدي شهادته أمامه، حسماً لنزاع المخاصمين) . فتعالى الله وتقدس عن كفر هذا العراقي وإلحاده، وجرأته على الله، وعلى شرعه، كيف تجارى به كفره إلى هذه المقالة. والوهابية لا يقولون: إن الله تعالى جسم -كما تقدم بيانه- بل يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله، ولا يشبهون الله بخلقه، فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله كفراً. ثم قال العراقي الملحد: (قد علمت أن الوهابية كفرت من نادى غير الله تعالى، كقوله: يا رسول الله ونحو ذلك، ونحن إذا أمعنا النظر رأينا أن كفر هذا الذي يقول: يا رسول الله مثلاً، لا يخلوا إما أن يكون لأنه يعتقد أن من ناداه يحضر بنفسه حين ندائه، ويسمع نداءه، ويقضي بنفسه له حاجته، وينجيه من الورطة التي ناداه من أجلها، أو يكون لأنه يعتقد أن الذي يناديه يسمع نداءه بإسماع الله إياه بمحض قدرته، وأن الله تعالى لا غيره يقضي حاجته ببركة ذلك المنادى، وأن الله تعالى ينجيه من الورطة التي هو فيها بجاه ذلك النبي، وعلى كلا التقديرين ففيه من

стр. 588

السقط ما فيه. أما الأول: فلأن من اعتقد أن أحداً غير الله تعالى يقضي الحاجة، وينجي من الورطة: فقد كفر، سواء نادى ذلك الأحد، أو لم يناده، فلا وجه لتخصيص كفره بحالة النداء، وأنت تعلم أن لا أحد من المسلمين يعتقد هذا المعتقد. وأما الثاني: فلأن من كان قلبه عريقاً بالإيمان، معتقداً أن الذي يقضي الحوائج، وينجي من المهالك، إنما هو الله تعالى لا غيره، لا يجوز أن يكون كافراً بمجرد نداء غائب، معتقداً أن الله سبحانه يخلق فيه السماع) . والجواب أن نقول: إذا نادى المشرك من يدعوه من دون الله في قضاء حاجة من حوائجه، ولينجيه من الورطة التي ناداه من أجلها، فقد أشركه مع الله في عبادته التي هو مختص بها، سواء اعتقد حضوره حين نداه وسماعه له، أو لم يعتقد، أو اعتقد أنه يقضي حاجته بنفسه، أو لم يعتقد، فمن فعل هذا فهو كافر مشرك، لأن الله تعالى قد نفى سماع من يدعونه، ونفى استجابته لهم، وأخبر أن من يدعونه غافلاً عن دعائهم، قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] ، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥-٦] .

стр. 589

والكفار الجهال يعلمون أن الله هو الخالق، وأن الأمور كلها بيده، وأنه النافع الضار، وأنه هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ولكنهم ما أرادوا إلا الجاه والشفاعة ممن يدعونه. فما يقوله هؤلاء هو كما يقوله من قبلهم من الكافرين سواء بسواء. وأما الجواب عن الثاني: فلأن من كان قلبه عريقاً بالإيمان لا يدعو مع الله أحداً، بل يخلص الدعاء لله وحده، ولا يشرك معه أحداً سواه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ١١٠] ، فإن من دعا مع الله أحداً من خلقه، وأشركه معه في عبادته، لا ينفعه اعتقاده أن الله هو القادر على خلق الأشياء، وهو يشرك معه غيره فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] .

стр. 590

فصل في دلالة ظاهر نداء المشرك غير الله ... فصل قال الملحد: (من الجهل ما قالته الوهابية هنا: من أن الشرع يحكم بالظاهر، والظاهر من نداء أحد لغير الله أنه يعتقد في ذلك الغير علماً محيطاً بالغيب، وقدرة بالغة على قضاء الحوائج، وتصرفاً تاماً في الكون، مما هو مختص بالباري ، ويكون اعتقاده في كفره كفراً وشركاً. قال: والجواب أن الظاهر من حال من نادى غير الله تعالى يدل على أنه نادى غير الله فقط، لا أنه اعتقد في ذلك الغير قدرة، وقضاء للحوائج، وغير ذلك مما ذكرته الوهابية، والاعتقاد أمر باطني قد يدل بعض الظاهر عليه، لكن النداء ليس من قبيلها، فقل للوهابية التي تجعل ظاهر النداء دالاً على الشرك والكفر: ما لكم لا تنظرون إلى ما للمسلم الذي تكفرونه من ظاهر الصلاة والصوم والزكاة، وغير ذلك من أركان الدين، فتعدونه دالاً على إيمانه وحسن اعتقاده. ومن العجيب أن ذلك المسلم الذي ينادي يصرح بعدم اعتقاده القدرة، وما شاكلها، لمن ناداه، وأنتم مع ذلك تجعلون ظاهر ندائه دالاً على ذلك

стр. 591

الاعتقاد الذي نفاه عن نفسه، فليت شعري أي حكم لاستدلالكم بظاهر نداء الرجل على سوء اعتقاده، في مقابلة تصريحه لكم بحسن ما يعتقده) . والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، حتى رأوا حسناً ما ليس بالحسن، فإن من نادى غير الله، ودعاه والتجأ إليه، واستغاث به، لا يدعوه، ولا يلجأ إليه، ويستغيث به: إلا لما يعتقد أنه ينفعه، ويسمع دعاءه، ويغيثه لأن الاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، وإذا طلب العبد هذا من غير الله فقد أشرك بالله في عبادته غيره، لأن الله هو المختص بهذه الأشياء، سواء اعتقد التأثير منه، أو لم يعتقد، فلا ينفعه ذلك مع وجود الشرك، والنداء المجرد من غير اعتقاد لا يتصور وقوعه إلا من مجذوب العقل الذي ينطق بما لا يعقل. وأما قوله: (ما لكم لا تنظروا إلى ما للمسلم الذي تكفرونه من ظاهر الصلاة والصوم والزكاة ... ) إلى آخره. فنقول: إذا أشرك بالله في عبادته غيره، لا ينفعه الصلاة والصوم والزكاة، وغيرها من الأعمال الظاهرة، ولا تدل على حسن باطنه، وهو عري من التقوى وإخلاص

стр. 592

الدين لله وحده، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] . يوضحه أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويصلون ويصومون، ويزكون ويجاهدون مع النبي ﷺ ولم يكن ظاهر الشهادتين، والصلاة والصوم، والزكاة، والجهاد، دالاً على حسن اعتقادهم، بل كانوا في الدرك الأسفل من النار، تحت عبدة الأوثان والصلبان. وأما جعلنا ظاهر ندائه دالاً على ذلك الاعتقاد، وإن نفاه عن نفسه، فلأنه لا يكون في العقل أن من دعا غير الله لا يعتقد أنه لا يرجو بدعائه طلب نفع، أو دفع ضر، أو قضاء حاجة من يدعوه، فإذا اعتقد ذلك فيمن يدعوه فلا ينفعه أن ذلك إنما يكون ببركة من يدعوه لجاهه عند الله، وأن الله هو الفاعل لذلك خلقاً وإيجاداً، مع وجود السبب الداعي إلى الشرك، المنافي للتوحيد، لأنه لا فرق بين الدعاء والنداء، فمن دعا أو نادى غير الله فقد أشرك ذلك المنادى المدعو مع الله في عبادته، لأن المشركين الأولين لم يريدوا إلا الشفاعة بجاه من يدعونه وببركته.

стр. 593

فصل في عقيدة أهل السنة في الصفات ... فصل قال العراقي الملحد: (الوهابية وتكفيرها من زار القبور: لو سأل سائل عما تمذهبت به الوهابية، ما هو؟ وعن غايته ما هي؟ فقلنا في جواب كلا السؤالين: هو تكفير كافة المسلمين. لكان جواباً على اختصاره تعريفاً كافياً لمذهبها، فإن من أنعم النظر فيما جاءت به رآها تتحرى في كل مسألة تكفير كافة المسلمين، الذي رضي الله لهم الإسلام ديناً، فقد كفرتهم لتنزيههم الله تعالى عن الجسمية، وكفرتهم لأخذهم بالإجماع، وكفرتهم لتقليدهم الأئمة المجتهدين في الدين، وكفرتهم لاستشفاعهم بنبيهم ﷺ بعد موته، وتوسلهم به إلى الله تعالى، وكفرتهم لزيارتهم القبور) . والجواب أن نقول: الله أكبر على هؤلاء الملاحدة، الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً ويفسدون في الأرض، والله لا يحب المفسدين، فلو سأل سائل عما تمذهبت به هؤلاء الغلاة النافون لعلو الله على عرشه،

стр. 594

المعطلون لأسمائه وصفاته، الجاحدون لصفات كماله، ونعوت جلاله، المشركون بالله في عبادتهم غيره من مخلوقاته، وعن غاية ما تريد بذلك؟ قلنا: هو الكفر الذي أجمع المسلمون على كفر من قام به ذلك، ونطق القرآن والسنة بكفر من فعل ذلك واعتقده، كما قدمناه بأدلته من الكتاب والسنة وإجماع العلماء. وأما الوهابية: فيعتقدون أن الدين الذين رضيه الله للمسلمين هو دين الإسلام، ومنه أن الله تعالى على عرشه بائن من خلقه، ويعتقدون أن الله تعالى له وجه ويدان، وأن الله تعالى يرى في الآخرة، كما يرى القمر ليلة البدر، وكما ترى الشمس صحواً ليس من دونها سحاب، وأن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل آخر ليلة، فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟ حتى ينفجر الفجر، وأن الله يشار إليه بالإصبع إشارة حسية، كما أشار إليه أعرف الخلق به من أعظم مجمع وجد على ظهر الأرض، وأن الله تعالى يوم القيامة يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، إلى غيره مما جاء في الكتاب والسنة، مما وصف الله به

стр. 595

نفسه، ووصفه به رسوله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تكييف ولا تعطيل. وأما الجسمية فلا يقولون بها نفياً ولا إثباتاً، لأنه يراد بها معنى صحيح، ومعنى باطل، ولأنه لم يرد بذلك قرآن ولا سنة، ولا نطق بذلك الصحابة، ولا التابعون، ولا الأئمة المهتدون. وأما زعمه أنهم كفروا من أخذ بالإجماع، وكفروا من قلد الأئمة بالمجتهدين، فمن الكذب الواضح، والإفك الفاضح. وأما تكفيرهم من دعا الأنبياء والأولياء والصالحين، والتجأ إليهم، واستغاث بهم، في مهماته وملماته، وسمى ذلك تشفعاً وتوسلاً، فلكون ذلك هو الشرك الصريح المخرج من الملة، بدلائل الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، من أئمة السلف، ومن تبعهم بإحسان، بعد قيام الحجة على من فعل ذلك.

стр. 596

فصل في زيارة القبور الشركية، والشفاعة ... فصل قال الملحد: (لا يخفى على البصير أن زائر القبور يقصد بزيارتها، إما الاستشفاع والتوسل إلى الله بأصحابها، والتبرك بهم، كما في زيارة قبور الأنبياء والأولياء، وإما الاعتبار بالقوم الماضين، تمكيناً للخضوع من قلبه، ونيلاً للأجر بقراءة الفاتحة، والدعاء لهم بالمغفرة، كما في زيارة قبور المسلمين، أو يقصد تذكر من مات من ذويه الأقربين، وأحبائه الراحلين، وأعزته الذين غالتهم يد المنون، فأسكنتهم القبور بعد القصور، فذهبوا عنه ذهاباً ليس وراءه إياب، وغادروه كئيباً يندب الأسى، ولسان حاله يقول: ألا يا راحلاً عنا مجداً ... على مهل فديتك من مجد فلا تعجل وسر سير الهوينا ... لأنك راحل من غير عود وتدفعه إحساساته إلى زيارة قبورهم، فيقف على

стр. 597

دوارس أجداثهم، حزيناً يسكب على ترابها عبرات الأسف، ولسان حاله ينشد: ذهب الذين أحبهم ... وبقيت مثل السيف فردا كم من أخ لي صالح ... بوءته بيدي لحدا وليس في كل هذا ما يستلزم تكفير المسلم، الذي شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ولا أظن أن الجاهل الغر من الناس، فضلاً عن العالم المتشرع، تدفعه جهالته أن يقصد بزيارة القبر عبادته، وأن يعتقد كونه يقضي حاجته، فيخلق له ما يريد) . والجواب أن يقال: لا يخفى على البصير أن زائر القبور الذي يقصدر بزيارتها الاستشفاع والتوسل إلى الله بأصحابها، والتبرك بهم، كما في زيارة قبور الأنبياء والأولياء، أنها هي الزيارة الشركية، التي ذكرها العلماء، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "إغاثة اللهفان". وأما الزيارة الشركية فأصلها مأخوذ من عباد الأصنام، قالوا: الميت المعظم الذي لروحه قرب، ومنزلة، ومزية عند الله تعالى، لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى، ويفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به،

стр. 598

وأدناه منه، فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية، والماء، ونحوه على الجسم المقابل له. قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره، وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم، كان أقرب إلى انتفاعه، وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها، وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية، فاض عليها منها النور، وبهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنف لها الدعوات، واتخذ الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعياداً، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله، ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه، فوقف المشركون في طريقة، وناقضوه في قصده، وكان ﷺ في شق وهؤلاء في شق، وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها، وتشفع لهم عند الله تعالى. قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه

стр. 599

المقرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه، صار بينه وبينه اتصال، يفيض به عليه من نصيب، مما يحصل له من الله، وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاة وحظوة، وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به، فما يحصل لذلك السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق بحسب تعلقه به، فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذين بعث الله رسله، وأنزل كتبه، بإبطاله، وتكفير أصحابه، ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم، وسبي ذراريهم، وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر:٤٣-٤٤] , فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض وهو الله وحده، فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده، فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه، فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره، بعد شفاعته سبحانه، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده، وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهي التي أبطلها سبحانه في كتابه بقول: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا

стр. 600

شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١] . وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] . فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه، كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣] . وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ [البقرة: ٢٥٥] . فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيعاً من دونه، بل شفيع بإذنه، والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المأمور، فالشفاعة التي أبطلها شفاعة الشريك، فإنه لا شريك له، والتي أثبتها شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع، ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له، ويقول: اشفع في فلان، ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة: أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد، وأخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه، قال تعالى:
следующие страницы →