فصل في زيارة القبور الشركية، والشفاعة
...
فصل
قال الملحد: (لا يخفى على البصير أن زائر القبور يقصد بزيارتها، إما الاستشفاع والتوسل إلى الله بأصحابها، والتبرك بهم، كما في زيارة قبور الأنبياء والأولياء، وإما الاعتبار بالقوم الماضين، تمكيناً للخضوع من قلبه، ونيلاً للأجر بقراءة الفاتحة، والدعاء لهم بالمغفرة، كما في زيارة قبور المسلمين، أو يقصد تذكر من مات من ذويه الأقربين، وأحبائه الراحلين، وأعزته الذين غالتهم يد المنون، فأسكنتهم القبور بعد القصور، فذهبوا عنه ذهاباً ليس وراءه إياب، وغادروه كئيباً يندب الأسى، ولسان حاله يقول:
ألا يا راحلاً عنا مجداً ... على مهل فديتك من مجد
فلا تعجل وسر سير الهوينا ... لأنك راحل من غير عود
وتدفعه إحساساته إلى زيارة قبورهم، فيقف على
стр. 597
دوارس أجداثهم، حزيناً يسكب على ترابها عبرات الأسف، ولسان حاله ينشد:
ذهب الذين أحبهم ... وبقيت مثل السيف فردا
كم من أخ لي صالح ... بوءته بيدي لحدا
وليس في كل هذا ما يستلزم تكفير المسلم، الذي شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ولا أظن أن الجاهل الغر من الناس، فضلاً عن العالم المتشرع، تدفعه جهالته أن يقصد بزيارة القبر عبادته، وأن يعتقد كونه يقضي حاجته، فيخلق له ما يريد) .
والجواب أن يقال: لا يخفى على البصير أن زائر القبور الذي يقصدر بزيارتها الاستشفاع والتوسل إلى الله بأصحابها، والتبرك بهم، كما في زيارة قبور الأنبياء والأولياء، أنها هي الزيارة الشركية، التي ذكرها العلماء، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "إغاثة اللهفان".
وأما الزيارة الشركية فأصلها مأخوذ من عباد الأصنام، قالوا: الميت المعظم الذي لروحه قرب، ومنزلة، ومزية عند الله تعالى، لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى، ويفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به،
стр. 598
وأدناه منه، فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية، والماء، ونحوه على الجسم المقابل له.
قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره، وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم، كان أقرب إلى انتفاعه، وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها، وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية، فاض عليها منها النور، وبهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنف لها الدعوات، واتخذ الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعياداً، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله، ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه، فوقف المشركون في طريقة، وناقضوه في قصده، وكان ﷺ في شق وهؤلاء في شق، وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها، وتشفع لهم عند الله تعالى.
قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه
стр. 599
المقرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه، صار بينه وبينه اتصال، يفيض به عليه من نصيب، مما يحصل له من الله، وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاة وحظوة، وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به، فما يحصل لذلك السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق بحسب تعلقه به، فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذين بعث الله رسله، وأنزل كتبه، بإبطاله، وتكفير أصحابه، ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم، وسبي ذراريهم، وأوجب لهم النار.
والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر:٤٣-٤٤] , فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض وهو الله وحده، فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده، فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه، فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره، بعد شفاعته سبحانه، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده، وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهي التي أبطلها سبحانه في كتابه بقول: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا
стр. 600
شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١] . وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] .
فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه، كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣] . وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيعاً من دونه، بل شفيع بإذنه، والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المأمور، فالشفاعة التي أبطلها شفاعة الشريك، فإنه لا شريك له، والتي أثبتها شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع، ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له، ويقول: اشفع في فلان، ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة: أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد، وأخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه، قال تعالى:
стр. 601
﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٨] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه:١٠٩] فأخبر أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاه قول المشفوع له، وإذنه للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله: (فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه) فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له وإذنه للشافع، فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة.
وسر ذلك أن الأمر كله لله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده هم الرسل، والملائكة المقربون، وهم عبيد محض، لايسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولايفعلون شيئاً إلا بعد إذنه لهم، وأمرهم، ولا سيما ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ [الانفطار:١٩] فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه، فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ظناً منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه، وما يجب له، ويمتنع عليه، فإن هذا ممتنع، شبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج.
стр. 602
وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي.
والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق، والرب [والمربوب، والسيد] ١ والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره.
فالشفعاء عند المخلوقين: هم شركاؤهم. فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم، [الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم] ٢ ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم، وإن لم يأذنوا فيها، ولم يرضوا عن الشافع، لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم فتنقض طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم، فلا يجدون بداً من قبول شفاعتهم على الكره والرضا.
فأما الغني الذي غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وكل من في السموات والأرض عبيد له، مقهورون بقهره، مصرفون بمشيئته، لو أهلكهم جميعاً لم
стр. 603
ينقص من عزه وسلطانه، وملكه وربوبيته وآلهيته مثقال ذرة -وذكر آيات في المعنى- ثم قال:
فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية، التي يعرفها الناس، ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة بناء على أنه هي المعروفة المتعاهدة عند الناس، ويقيدها تارة بأنه لا تنفع إلا بعد إذنه ... إلى أن قال:
فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه، ومعبوده ومحبوبه، ومرجوه، ومخوفه، الذي يتقرب إليه، ويطلب رضاه، ويتباعد من سخطه: هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه. وذكر الآيات في ذلك، وذكر كلاماً حسناً، تركناه لطلب الاختصار.
وأما قوله: (وأما الاعتبار بالقوم الماضين ... ) إلى آخره.
فأقول: قد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى الزيارة الشرعية -وليس لنا أن نتقدم بين يديه، لأنه قد جاء بما يكفي ويشفي، وهو من أئمة المسلمين والعلماء
стр. 604
المجتهدين- قال رحمه الله تعالى بعد ذكر المفاسد العظيمة باتخاذ القبور أعياداً:
ومنها أن الذي شرعه الرسول ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له١، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسناً إلى نفسه، وإلى الميت. فقلب المشركون هذا الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه، والدعاء به، وسؤالهم حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى نفوسهم، وإلى الميت، ولو لم يكن إلا [بحرمانه بركة] ٢ ما شرعه الله من الدعاء له، والترجم عليه، والاستغفار له.
فاسمع الآن زيارة أهل الإيمان، التي شرعها الله تعالى على لسان رسوله ﷺ ، ثم وازن بينها وبين زيارة أهل الإشراك، التي شرعها لهم الشيطان، واختر لنفسك.
قالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ إذا كان ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول:
стр. 605
"السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" رواه مسلم١.
وفي صحيحه عنها -أيضاً- أن جبريل أتاه فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: قولي: "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ٢.
وفي صحيحه أيضاً عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: "السلام على أهل الديار" وفي لفظ: " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية" ٣.
وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم
стр. 606
عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجراً" ١ رواه أحمد والنسائي.
وكان رسول الله ﷺ قد نهى الرجال عن زيارة القبور سداً للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجراً، فمن زارها على غير الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله، فإن زيارته غير مأذون فيها، ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولاً وفعلاً.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "زوروا القبور فإنها تذكركم الموت" ٢، ثم ذكر أحاديث نحواً مما تقدم، ثم قال:
فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ لأمته، وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئاً مما يعتمده أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟
وما أحسن ما قال مالك بن أنس ﵀: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"، ولكن كلما
стр. 607
ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك.
ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي ﷺ ، ثم أراد الدعاء١، استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جدار القبر، ثم دعا.
فقال سلمة بن وردان: رأيت أنس بن مالك ﵁ يسلم على النبي ﷺ ، ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو.
ونص على ذلك الأمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء، حتى لا يدعو عند القبر، فإن الدعاء عبادة.
وفي الترمذي وغيره مرفوعاً " الدعاء هو العبادة". [فجرد السلف العبادة لله] .
ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه رسول الله ﷺ [من] ٢ السلام على أصحابها، والاستغفار لهم، والترحم عليهم.
وبالجملة: فالميت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من يدعو له، ويشفع له، ولهذا شرع في الصلاة عليه من
стр. 608
الدعاء له، وجوباً أو استحباباً، ما لم يشرع مثله من الدعاء للحي.
قال عوف بن مالك صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر" -أو من عذاب النار- حتى تمنيت أن أكون أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت١ رواه مسلم. وذكر أحاديث نحو هذا، ثم قال:
فهذا مقصود الصلاة على الميت، وهو الدعاء له، والاستغفار له، والشفاعة فيه.
ومعلوم أنه في قبره أشد حاجة منه على نعشه، فإنه حينئذ معرض للسؤال وغيره.
وقد كان ﵊ يقف على القبر بعد الدفن، فيقول: "سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" ٢.
стр. 609
فعلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن، فإذا كنا على جنازته ندعو له، لا ندعو به، ونشفع له، لا نستشفع له فبعد الدفن أولى وأحرى.
فبدل أهل البدع والشرك قولاً غير الذي قيل لهم، بدلوا الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحساناً إلى الميت، وإحساناً إلى الزائر، وتذكيراً بالآخرة: سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها، وخشوعه أعظم منه في المساجد وأوقات الأسحار.
ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم، أو الدعاء عندهم، مشروعاً وعملاً صالحاً، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ ، ثم يرزقه الخلوف الذي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.
فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعاً وعشرين سنة، حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن بشراً على وجه الأرض أن يأتي عنهم بنقل صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منقطع: أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها،
стр. 610
وتمسحوا بها، فضلاً أن يصلوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم. فليوقفونا على أثر واحد، أو حرف واحد في ذلك، [بلى] ١ يمكنهم أن يأتوا على الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك مصنفات ليس فيها عن رسول الله ﷺ ، ولا عن خلفائه الراشدين، ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك. [بلى] ٢ فيها من خلاف ذلك كثير، كما قدمناه من الأحاديث. وأما آثار الصحابة فأكثر من أنا يحاط بها- ثم ذكر ﵀ قصة الرجل الذي وجد في بيت مال الهرمزان، ثم قال:
ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره، لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده، والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور أوثاناً من لا يداني هذا ولا يقاربه، وأقاموا له سدنة، وجعلوا معابد أعظم من المساجد، فلوا كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها، والتبرك بها، فضيلة أو سنة، أو مباحاً: لنصب المهاجرون والأنصار لهذا القبر علماً لذلك، ودعوا عنده،
стр. 611
وسنوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله، ودينه، من الخلوف التي خلفت بعدهم.
وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا عنده، ولا استسقى به، ولا استنصر به. ومعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه، وحينئذ فلا يخلو: إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه في غير ذلك البقعة، أو لا يكون، فإن كان أفضل فكيف حفي علماً وعملاً عن الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، وتظفر به الخلوف علماً وعملاً، ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه مع حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه كراهة ما، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه، هذا محال طبعاً وشرعاً، فتعين القسم الثاني، وهو أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا مشروع، ولا مأذون فيه بقصد الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من المفاسد، ومثل هذا مما لا يشرعه الله ورسوله
стр. 612
البتة، بل استحباب الدعاء عندها شرع عبادة لم يشرعها الله، ولم ينزل بها سلطاناً ... إلى آخر الفصل.
فهذا كلامه ﵀ في الدعاء عندها، والدعاء بأربابها فكيف بدعائهم، وطلب الحوائج منهم، والاستغاثة بهم؟ كما تقدم في أول كلامه.
стр. 613
فصل في عبادة القبور
...
فصل
ونذكر نموذجاً من معتقد عباد القبور والصالحين، وحقيقة ما هم عليه من الدين، ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن، إن كان الواقف ممن اختصه الله بالفصل والمن، ولئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم: تشفعاً وتوسلاً.
قال ابن القيم ﵀ في "إغاثة اللهفان": فمن مفاسد اتخاذها أعياداً: الصلاة إليها. والطواف بها. وتقبيلها، واستلامها. وتعفير الخدود على ترباتها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات، التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم.
فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيداً وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه وقبلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباركوا حتى تسمع لهم النشيخ،
стр. 614
ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الميت ورضواناً، وقد ملأوا أكفهم خيبة وخسراناً، فلغير الله بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، ثم انبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركاً وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام، ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين.
قلو رأيتهم يهنيء بعضهم بعضاً، ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجراً وافراً وحظاً، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحج المتخلف
стр. 615
إلى البيت الحرام، فيقول: لا، ولو بحجك كل عام.
هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم، ولا استقصينا جميع بدعتهم وضلالهم، إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال. وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح -كما تقدم- وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه، ومايؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه، وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته. والشر والضلال في معصيته ومخالفته، ثم ذكر ﵀ كلاماً طويلاً.
وقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف -قدس الله روحه-: ومما بلغنا عن بعض علماء زبيد أن رجلين قصدا الطائف، فقال أحدهما لصاحبه -والمسئول ممن يترشح للعلم-: أهل الطائف لا يعرفون الله إنما يعرفون ابن عباس، فأجابه: بأن معرفتهم لابن عباس كافية، لأنه يعرف الله. فأي ملة -صان الله ملة الإسلام- لا تمانع هذه الكفريات، ولا تدافعها.
وذكر الزبيدي أيضاً: أن رجلاً كان بمكة عند بعض المشاهد، قال لمن عنده: أريد الذهاب إلى الطواف. فقال بعض غلاتهم: مقامك ها هنا أكرم.
стр. 616
ومن وقف على كتاب "مناقب الأربعة المعبودين بمصر" وهم: البدوي والرفاعي، والدسوقي، ورابعهم فيما أظن أبو العلاء: فقد وقف على ساحل كفرهم، وعرف صفة إفكهم.
قال: وقد اجتمع من الموحدين من أهل الإسلام في بيت رجل من أهل مصر، وبقربه رجل يدعي العلم، فأرسل إليه صاحب البيت فسأله بجمع من الحاضرين، فقال له: كم يتصرف في الكون؟ قال: يا سيدي سبعة، قال: من هم؟ قال: فلان وفلان، وعد أربعة من المعبودين بمصر، فقال صاحب الدار لمن بحضرته من الموحدين: إنما بعثت لهذا الرجل، وسألته لأعرفكم قدر ما أنتم فيه من نعمة الإسلام، أو كلاماً نحو هذا.
قال: وقد ذكر هذا شيخ الإسلام في "منهاجه" عن غلاة الرافضة، في عليٍّ، فعاد الأمر إلى الشرك في توحيد الربوبية، والتدبير والتأثير، ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، بل ذكر الله جل ذكره أنهم يعترفون له بتوحيد الربوبية، ويقرون به، ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية والتدبير، على ما أنكروه من الإلهية.
ومن ذلك وهو من عجيب أمرهم ما ذكره "حسين بن محمد النعمي" في بعض رسائله: أن امرأة كف بصرها،
стр. 617
فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى، ولم يبق إلا حسبك. انتهى.
قال الشيخ: وحدثني سعد بن عبد الله بن سرور الهاشمي ﵀ أن بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج، فذهبوا إلى الضريح المنسوب إلى الحسين ﵁ بالقاهرة، فاستقبلوا القبلة، وأحرموا ووقفوا وركعوا وسجدوا لصاحب القبر، حتى أنكر عليهم سدنة المشهد، وبعض الحاضرين، فقالوا: هذا محبة في سيدنا الحسين.
وذكر بعض المؤلفين من أهل اليمن: أن مثل هذا وقع عندهم.
وحدثني الشيخ خليل الرشيدي -بالجامع الأزهر- أن بعض أعيان المدرسين هناك قال: لا يدق وتد في القاهر إلا بإذن أحمد البدوي، قال: فقلت له: هذا لا يكون إلا لله، أو كلاماً نحو هذا، فقال: حبي في سيدي أحمد البدوي اقتضى هذا.
وحكى أن رجلاً سأل: كيف رأيت الجمع عند زيارة الشيخ الفلاني؟ فقال: لم أر أكثر منه إلا في جبال عرفات، إلا أني لم أراهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة ثلاثة أيام، فقال السائل: قد تحملها الشيخ.
стр. 618
قال بعض الأفاضل: وباب تحمل الشيخ مصراعاه ما بين بصري وعدن، قد اتسع خرقه، وتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد. انتهى.
قلت: وحدثني الشيخ إسحاق: أنه رأى أيام رحلته إلى مصر -للطلب- هذا المجمع العظيم الذي يسمونه: مولد أحمد البدوي، فذكر أعظم مما رآه في جبال عرفات. قال: ورأيت فيه سوقاً طويلاً للبغايا اللواتي أوقفن أنفسهم١ للزنا في هذا المجمع صدقة لسيدهن أحمد البدوي.
وليس هذا بعجيب ولا غريب من فعلهم فإنه يجري منهم في ذلك الجمع من الكفر بالله والإشراك به، ما لم يصل إلى ساحله كفر أبي جهل، وأشياعه فالله المستعان.
وأما قوله العراقي: (وأما الإعتبار بالقوم الماضين، تمكيناً للخضوع من قبله، ونيلاً للأجر بقراءة الفاتحة) .
فأقول: أما قراءة الفاتحة، فمن البدع المحدثة، ولو كان في قراءتها نيل للأجر في ذلك المكان لأمر بها رسول الله ﷺ أصحابه.
стр. 619
وأما قوله: (وليس في كل هذا ما يستلزم تكفير المسلم ... ) إلى آخره.
فيقال لهذا الجاهل: إن طلب الحوائج من الموتى، والاستشفاع بهم، والاستغاثة بهم، ناقض لشهادة: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولا تنفعه الشهادتان مع الإشراك بالله شيئاً، وقد تقدم بيان ذلك.
стр. 620
فصل في شد الرحال إلى القبور
...
فصل
ثم ذكر العراقي اختلاف العلماء في شد الرحال إلى المشاهد.
وهذه المسألة قد فرغ منها، فمن أراد الوقوف على الصحيح من كلام العلماء فهو مبسوط في رد شيخ الإسلام على "ابن الأخنائي" ورد الحافظ ابن عبد الهادي على "السبكي". والحق في ذلك واضح، فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكره، مع وضوحه في كلام العلماء المحقيقين.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما السفر إلى مجرد زيارة قبر الخليل، أو غيره من مقابر الأنبياء والصالحين، ومشاهدهم، وآثارهم، فلم يستحبه أحد من أئمة المسلمين، لا الأربعة ولا غيرهم، بل لو نذر ذلك ناذر لم يجب عليه الوفاء بهذا النذر عند الأئمة الأربعة وغيرهم، بخلاف المساجد الثلاثة، فإنه إذا نذر الحج أو العمرة لزمه باتفاق المسلمين، وإذا نذر السفر إلى المسجدين الآخرين لزمه عند أكثرهم، كمالك وأحمد والشافعي في أظهر قوليه، لقول النبي لله: "من نذر أن
стр. 621
يطع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، رواه البخاري١.
وإنما يجب الوفاء بنذر كل ما كان طاعة، مثل من نذر صلاة، أو صوماً، أو اعتكافاً، أو صدقة لله، أو حجاً، ولهذا لا يجب بالنذر السفر إلى غير المساجد الثلاثة، لأنه ليس بطاعة، لقول النبي ﷺ : "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد" ٢، فغير المساجد أولى بالمنع، مع أن قوله: "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد"، يتناول السفر إلى كل بقعة مقصودة، بخلاف السفر للتجارة، وطلب العلم، ونحو ذلك، فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كان، وكذلك لزيارة الأخ في الله، فإنه هو المقصود حيث كان.
стр. 622
وقد ذكر بعض المتأخرين من العلماء أنه لا بأس بالسفر إلى المشاهد واحتجوا بأن النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبت راكباً وماشياً. أخرجاه في "الصحيحين"١. ولا حجة لهم فيه، لأن قباء ليس مشهداً، بل مسجد، وهو منهي عن السفر إليها باتفاق الأئمة، لأن ذلك ليس بسفر مشروع، بل لو سافر إلى قباء من دويرة أهله لم يجز، ولكن لو سافر إلى المسجد النبوي ثم ذهب منه إلى قباء فهذا يستحب، كما يستحب زيارة قبور أهل البقيع، وشهداء أحد. انتهى.
ثم قال العراقي: (ويدل على جواز شد الرحال لزيارة القبور، ما قاله عمر ﵁ بعد فتح الشام لكعب الأحبار: يا كعب ألا تريد أن تأتي معنا إلى المدينة، فتزور سيد المرسلين؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أنا أفعل ذلك. وكذا يدل عليه مجيء بلال ﵁ من الشام إلى المدينة لزيارة قبره ﵊، وذلك في خلافة عمر ﵁ .
والجواب أن نقول: هؤلاء الغلاة يتعلقون بأذيال
стр. 623
الموضوعات، ويعتمدن الأقوال المكذوبات ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] .
قال الحافظ ابن عبد الهادي في جوابه للسبكي: وهو مطالب أولاً: ببيان صحته. وثانياً: ببيان دلالته على مطلوبه. ولا سبيل له إلى واحد من الأمرين.
ومن المعلوم أن هذا من الأكاذيب والموضوعات على عمر بن الخطاب ﵁، وفتوح الشام فيه كذب كثير، وهذا لا يخفى على آحاد طلبة العلم، ولكن شأن هذا المعترض الاحتجاج دائماً بما يظنه موافقاً لهواه، ولو كان من المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، وليس هذا شأن العلماء، بل على المستدل بحديث أو أثر أن يبين صحته، ودلالته على مطلوبه، وهذا المنقول عن عمر ﵁ لو كان ثابتاً عنه لم يكن فيه دليل على محل النزاع، وقد عرف أن شيخ الإسلام لا ينكر الزيارة على الوجه المشروع ولا يكرهها، بل يحضها ويندب إلى فعلها. انتهى١.
стр. 624
أقول: وكذلك الوهابية لا ينكرون الزيارة على الوجه المشروع، بل هي عندهم من أفضل الأعمال، والله المستعان.
ثم ذكر العراقي أن من القائلين بالجواز الإمام النووي والقسطلاني، والإمام الغزالي.
وهؤلاء مقابلون بأفضل منهم، وأعلم وأتبع لرسول الله ﷺ ولأصحابه، والتابعين لهم ومن العلماء المانعين من شد الرحال الإمام مالك ﵀، ولم يخالفه أحد من الأئمة الثلاثة. ومنهم الإمام أبو عبد الله بن بطة، وأبو الوفاء بن عقيل، وغيرهم من العلماء الراسخين.
ثم ذكر العراقي مسئلة سماع أهل القبور، وذكر من التخليط ما لا مزيد عليه، وقد أجاب على ذلك كله محمود شكري بن عبد الله بن محمود الألوسي في "تتمته"١ وبه الكفاية، فلا نطيل بذكره، إلا أنا نقول:
إن سماع أهل القليب قليب بدر لكلام رسول الله ﷺ سماع حقيقي، وكذلك سماع أهل القبور سلام المسلم عليهم، وردهم عليه، وأن إعادة الأرواح لتلك الأشباح بعد مفارقتها إياها إنما هي إعادة عارضة، لا إعادة مستقرة
стр. 625
مستمرة، بل لسماع الكلام ورد السلام، والسؤال فقط، وأما دعوى إجابة الدعوات، وإغاثة اللهفات، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات من الأموات، فمن الممتنعات عقلاً وشرعاً، وفطرة وقدراً، كما هو صريح نصوص الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية.
ولكن قد ذكر هذا الملحد في قصة "المعراج" رؤية النبي ﷺ لعيسى وموسى وإبراهيم، فقال: (وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: " رأيت عيسى وموسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام" رواه الشيخان ومالك في "الموطأ") .
والمقصود أن هذا الملحد لما أتى إلى هذا المقام لم يذكر فيه أنه رآهم في السموات على قدر منازلهم، فأخرس عن ذلك أخرس الله لسانه- لأنه قد ذكر فيما تقدم من إلحاده أن عروج النبي ﷺ إلى الله تعالى هو بمعنى العروج إلى موضع يتقرب إليه بالطاعات فيه، لأنه ينكر أن يكون الله فوق السموات على عرشه، فلذلك جحد عروج النبي ﷺ إلى الله بذاته الشريفة.
فتقول الوهابية لهذا الملحد المعطل: كيف جاز لك ذلك أن تحتج علينا بسماع الشهداء والأنبياء نداء من ينادي وهم عند الله، وبأن النبي ﷺ رأى عيسى وموسى وإبراهيم وهم أرفع منزلة عند الله من الشهداء، وقد صحت الأحاديث بأنه
стр. 626
رأى عيسى في السماء الثانية، ورأى موسى في السماء السادسة، ورأى إبراهيم في السماء السابعة، وكل هذا عندك لا حقيقة له، فإن كانوا في السماء كما رآهم النبي ﷺ لما عرج به إلى الله بطل ما تذهب إليه من أن العروج هو إلى موضع يتقرب إليه بالطاعات لا إلى السماء، وإن لم يكن رآهم في السموات ففي أي مكان رآهم؟ ولا بد من تعيين ذلك الموضع١.
وقد كان من المعلوم أن أرواح الشهداء بعضها في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل تحت العرش. وبعضها على بارق بباب الجنة، ويخرج إليهم رزقهم من الجنة. وبعضهم في قباب في رياض بفناء الجنة. وفي بعض الأحاديث أن أرواح المؤمنين في عليين.
ومن المعلوم أن أرواح الأنبياء في أعلى عليين، وأنهم أرفع منزلة من الشهداء، فيمتنع عقلاً وشرعاً وفطرة وقدراً أن الأرواح التي فوق السموات السبع، وفي أعلى عليين، أنها تسمع دعاء أهل الأرض، وتنفعهم، وتتصرف فيهم، هذا محال قطعاً، وضلال مبين، فإن الله قال: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] فكل من دعي من الأموات والغائبين والأنبياء والصالحين –فمن
стр. 627
دونهم غافل عن دعاء داعيه، بنصوص القرآن العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] .
بقي من هذه المسألة مسألة، وهي: أن المسلم إذا سلم على أهل القبور رد الله على المسلم عليه روحه حتى يرد السلام، قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇" ١.
стр. 628
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " ما من رجل يزور قبر أخيه، ويجلس عنده، إلا استأنس به، ورد عليه حتى يقوم".
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (إذا مر الرجل بقبر أخيه يعرفه، فسلم عليه، رد ﵇،
стр. 629
وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه، رد ﵇ . ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب القبور.
وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" وهذه الأحاديث تدل على أنهم ليسوا بأحياء في قبورهم بدليل قوله ﷺ : "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" ففي هذا دليل على أن الأرواح قد فارقت الأشباح، وإنما ترد الأرواح لرد السلام.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد كلام سبق: على أن قوله: "ثم تعاد روحه في جسده" لا يدل على حياة مستقرة، وإنما يدل على إعادة لها إلى البدن، وتعلق به الروح لم تزل متعلقة ببدنها وإن بلى وتمزق. وسر ذلك أن الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق، متغايرة الأحكام: أحدهما تعلقها به في بطن الأم جنيناً، الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض، الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه. الرابع تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته، وتجردت عنه، فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً، بحيث لا يبقى لها التفات إليه ألبتة –وقد ذكرنا في أول الجواب من الأحاديث والآثار ما يدل على ردها إليه وقت سلام
стр. 630
المسلم- وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن إلى قبل يوم القيامة، الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجسام ... إلى آخر كلامه ﵀.
وأما قوله: (ومن الأدلة على أن الله تعالى يحيي الموتى في قبورهم فيسمعون: قوله تعالى -حكاية على سبيل التصديق-: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] فالمراد بإحدى الإماتتين الإماتة قبل مزار القبور، وبالأخرى الإماتة بعد مزار القبور، فإنهم لو لم يحيوا في القبور ثانية ما صحت إماتتهم ثانية.
وأما جواب الوهابية أن الإماتة الأولى هي حال العدم قبل الخلق. والثانية الإماتة بعد الخلق، فمما يضحك الصبيان، لأن الإماتة لا تكون إلا بعد الحياة، ولا حياة قبل أن يخلق الله الحياة. وأما جوابها أن الأماتة الأولى هي إماتة الناس بعد حياتهم في عالم الذر، فهو أوهن من جوابها الأول، لأن الناس في عالم الذر لم يكونوا غير أرواح خلقها الله تعالى، فسألهم: (ألست بربكم) ؟ فأجابوا قائلين: بلى، وأنت تعلم أن الموت عبارة عن مفارقة الروح للجسد، وحيث لا جسد فلا موت، نعم يجوز أن يفني الله الأرواح بعد خلقها في عالم الذر، ولكن ذلك ليس من الموت في شيء لما تقدم) .
стр. 631
فالجواب أن يقال: ليس هذا جواب الوهابية فقط، بل قد ذكره ابن القيم ﵀ في كتاب "الروح" فقال:
وأما قول أهل النار ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] فتفسير هذه الآية، الآية التي في البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨] ، فكانوا أمواتاً وهم نطف في أصلاب آبائهم، وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك ثم أماتهم، ثم يحييهم يوم النشور.
فصار جوابك هو الذي يضحك منه الصبيان، لأنه مكابرة للقرآن، لأن الله وحده قد أخبر أنهم كانواً أمواتاً وهم نطف في أصلاب آبائهم، وفي أرحام أمهاتهم ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٨٧] ثم أحياهم سبحانه بإخراجهم إلى دار الدنيا، ثم أماتهم سبحانه، ثم يحييهم يوم النشور.
وبما ذكره ابن القيم ﵀ قال أهل التفسير:
قال الحافظ ابن كثير ﵀ على هذه الآية: يقول الله تعالى مخبراً عن الكفار أنهم ينادون يوم القيامة، وهم في غمرات النيران يتلظون، وذلك عندما باشروا من
стр. 632
عذاب الله تعالى ما لا قبل لأحد به- إلى أن قال:
أما قوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود ﵁: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨] ، وكذا قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وأبو مالك.
وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية.
وقال السدي: أميتوا في الدنيا، ثم أحيوا في قبورهم، فخوطبوا، ثم أميتوا، ثم أحيوا يوم القيامة.
وهذان القولان من السدي وابن زيد ضعيفان، لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات.
والصحيح قول ابن مسعود، وابن عباس، ومن تابعهما ... إلى آخر كلامه ﵀.
فإن كان ما قال أصحاب رسول الله ﷺ يضحك الصبيان، فليس على وجه الأرض كلام صحيح إلا ما صححه هذا الملحد بمعقوله الذي هو بكلام المجاذيب أشبه به من كلام المجانين، وحيث نسب تفسير أصحاب رسول الله ﷺ إلى الوهابية، فأهلاً به أهلاً، فإنا به قائلون، وعلى ما أثبوته معتمدون، ولما سواه نافون.
стр. 633
وأما قولة العراقي: (وأما جوابها أن الإماتة الأولى هي إماتة الناس بعد حياتهم في عالم الذر، فهو أوهن من جوابها الأول، لأن الناس في عالم الذر لم يكونوا غير أرواح ... ) الخ.
فأقول: هذا الجواب ليس هو للوهابية، بل هو كلام ابن زيد، وقد ضعفه ابن كثير كما تقدم، وهو مبني على خلاف العلماء في خلق الأرواح، هل هو مقدم على أبدانها أم متأخر، والصحيح الذي تشهد له النصوص من الكتاب والسنة أن خلقها بعد خلق الأبوين، وذلك بعد إرسال الله ملك الأرواح إلى النطف في بطون الأمهات ينفخ فيها الروح، والذي ثبت إنما هو إثبات القدر السابق، وتقسيمهمم إلى شقي وسعيد.
وأما الأحاديث التي وردت في تقدم خلقها على أبدانها، فلا يصح منها شيء، والصحيح الثابت هو ما ذكره ابن القيم من الوجوه التي ذكرها في الفصل الذي ذكر فيه الأدلة على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق الأبدان، وبه الكفاية، فمن أراد تحقيق المسألة فهي مبسوطة في كتاب "الروح" في هذا الفصل.
وإذا تقرر هذا فليس للوهابية كلام على هذه المسألة منسوب إليها، فيكون هذا الجواب جواباً له، بل هو جواب
стр. 634
باطل فاسد على أصل لا يصح بدليل شرعي ثابت، فإن كان تكلم في هذه المسألة أحد ممن تنسبونه إلى الوهابية فربما.
وأما الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه فليس لهم فيها كلام معروف، غير ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى، والقول الذي نعتمده في هذه المسائل كلها هو ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" قال رحمه الله تعالى:
стр. 635
فصل
في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم
ولأجل هذا رام ناصر قولكم ... ترقيعه يا كثرة الخلقان
قال الرسول بقبره حيّ كما ... قد كان فوق الأرض والرجمان
من فوقه أطباق ذاك الترب واللـ ... ـبنات قد عرضت على الجدران
لو كان حيا في الضريح حياته ... قبل الممات بغير ما فرقان
ما كان تحت الأرض بل من فوقها ... والله هذي سنة الرحمن
أتراه تحت الأرض حياً ثم لا ... يفتيهموا بشرائع الايمان
ويريح أمته من الآراء والـ ... ـخلف العظيم وسائر البهتان