Полный текст (970 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
١٦٧٦ - الوزير رئيس الكتاب المشهور صدر الصدور أبو عبد الله محمَّد العزيز بو عتور: تقدم ذكر نسبه وأنه قرشي من بني أمية وزاويتهم بصفاقس مشهورة وبيته معروف بالعلم والنباهة وهذا الفاضل نشأ في بيت مجادته قمراً في أفق سعادته جامعاً للفضائل ناظماً برأيه محاسن الشمائل قطب ذلك السياسة ومركز دائرة أرباب الرئاسة فصيح القلم كريم الأخلاق والشيم مع رأي صائب وفكر ثاقب وعلم ووقار وإناءة واستبصار أخذ عن أعلام منهم الشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ ابن ملوكة تردد في الخطط النبيهة بالوزارة منها رئيس الكتبة ثم الصدارة سنة ١٣٠٠هـ وقام بها بجد واجتهاد. وتوفي وهو على ذلك الحال ناسج على ذلك المنوال سنة ١٣٢٥هـ[١٩٠٧م] وقد ناف عن التسعين.
١٦٧٧ - أبو عبد الله محمَّد المولدي بن محمَّد بن عاشور التميمي البو عثماني: من أحفاد الشيخ أبي عثمان صاحب الزاوية المشهورة بالساحل قرب الوردانين كان آية الله الباهرة في الذكاء والمحاضرة يقول الشعر ويجيده وحظه في العلم موفور وفي فن القراءات سعيه مشكور قدوة للطلاب في التوثيق والفرائض والحساب قد رجع علماء العصر إلى مقاله وعالهم بفرائد فوائده فأصبحوا في هاته الفنون من عياله تعاشرنا معه معاشرة صدق ووفاء وتواددنا وداد محبة وصفاء فهو أخو روحي وصديقها وريحان سريرتي وشقيقها قرأ القرآن ببلده منزل تميم ثم قدم الحاضرة وأخذ عن أعلام منهم الشيخ البشير التواتي. أخذ عنه فن القراءات وختم عليه بالسبع وأخذ العلوم عن الشيخ محمَّد جعيط والشيح المكي بن عزوز وغيرهما وتمهر في التوثيق وصار إماماً فيه وفي الفرائض ونظم في ذلك أرجوزة قرظها شيخه الشيخ المكي بن عزوز وغيره. توفي بأريانة ودفن بمقبرتها في رمضان سنة ١٣٢٥هـ[١٩٠٧ م].
١٦٧٨ - أبو محمَّد حسن ابن الشيخ محمَّد شبيل: الفقيه النبيه العالم أخذ عن الشيخ محمَّد بن ملوكة والشيخ محمَّد البنا وغيرهما. تولى الفتيا بالمنستير سنة ١٢٦٦هـ ثم القضاء سنة ١٢٨٠هـ ثم أعيد للفتيا سنة ١٣٠٣هـ وتوفي عليها سنة ١٣٢٥هـ وتولى القضاء عوضه الفقيه الفرضي الموثق الشيخ محمَّد الشريف الأنصاري من تلامذة الشيخ محمَّد الجدي ثم تخلى عنه وأعيد للفتيا وتوفي عليها سنة ١٣٠٧هـ وتولى القضاء عوضه الفقيه النبيه الألمعي الشيخ عبد الحكيم العذاري الأكودي جاور
стр. 597
بالأزهر وأخذ عن بعض أعلامه ثم تولى الفتيا بسوسة سنة ١٣١٩هـ ثم القضاء بالمهدية سنة ١٣٢٧هـ وتوفي وهو يتولاه سنة ١٣٣٣ هـ[١٩١٤م] أما قضاء المنستير فتولاه كاتبه العبد الفقير.
١٦٧٩ - شيخنا أبو الحسن علي الشنوفي: بحر المعارف وبدر اللطائف ومعدن المنح والطرف وينبوع النكت والتحف أديب زمانه وعالم أوانه فصيح العبارة حسن الإلقاء. أخذ عن أعلام كسالم بو حاجب ومحمد النجار وعمر ابن الشيخ والشاذلي ابن القاضي أقرأ العلوم وأجاد حتى صار من شيوخ الطبقة الأولى، وعنه أخذ مَن لا يعد كثرة له رسائل مكررة في أنواع من العلوم. توفي في صفر سنة ١٣٢٦هـ[١٩٠٨م].
١٦٨٠ - شيخنا أبو حفص عمر ابن الشيخ أحمد المعروف بابن الشيخ: من بلد رأس الجبل العلامة الأفضل الفهّامة الأنبل مفتي تونس ونواحيها وغيث واديها شيخ الشيوخ وعمدة أهل التحقيق والرسوخ المتكلم الجامع للمعقول والمنقول المحرر للفروع والأصول، كان في التحقيق غاية وفي حل المشكلات نهاية محط رحال الفضلاء ومقصد النبلاء أفرغ جهده في العلم والتعليم مع ذوق سديم فشاع بذلك فضله وذاع. دخل الجامع الأعظم سنة ١٢٥٩هـ وقرأ على أئمة أعلام حتى انتظم في سلك الفضلاء أي انتظام من مشايخه الذين قرأ عليهم وجثا زماناً طويلاً على ركبتيه بين أيديهم محمَّد بن الخوجة ومحمد معاوية وإبراهيم الرياحي ومحمد الخضار ومحمد بن سلامة ومحمد البنا ومحمد بن ملوكة ومحمد الشاهد ومحمود قبادو وأحمد بن الطاهر محشي التاودي على التحفة وأجازه الشيخ محمَّد الشريف بما في ثبته والشيخ محمَّد الشاذلي بن صالح بما في فهرسته درس العلوم وختم الكتب العالية كصحيح مسلم بشرح النووي وشرح الشيخ عبد الباقي الزرقاني على المختصر والمواقف وأفاد وأجاد عمر فألحق الأحفاد بالأجداد وحضر دروسه مَن لا يعد كثرة وتخرج عليه طبقات فيهم فحول منهم حسين بن أحمد ومحمد النجار ومحمد القصار وعمار بن سعيدان وأحمد بن مراد والمكي بن عزوز وعلي الشنوفي وحمودة تاج وإسماعيل الصفا يحيى ومحمد بن يوسف وصالح الشريف وإبراهيم المارغني ومحمود بن محمود وغيرهم من هذا النمط وحسن سليم وأجازه بما في فهرسته الحافلة قرأت عليه الجوهرة بشرح البيجوري والماكودي على الخلاصة وشرح الشيخ عبد الباقي على المختصر من أثناء البيوع إلى الوديعة وصحيح مسلم
стр. 598
بشرح النووي من باب الجمعة إلى كتاب الحج وأجازني بما حواه ثبت الشيخ محمَّد الشريف المذكور كانت له محبة في الطلبة وبالخصوص تلامذته يذب عنهم ويقضي حوائجهم ولما عجز عن التدريس زهد في جرايته وأوقف أوقافاً خيرية عليهم له رسائل في مسائل من العلوم مفيدة تولى الوظائف النبيهة منها النظارة العلمية وقضاء باردو والفتيا. توفي عليها سنة ١٣٢٩ هـ[١٩١٠م] مولده في حدود سنة ١٢٣٧ هـ ترجم له ولوالده شيخنا الشيخ محمَّد النجار في مؤلف خاص.
١٦٨١ - شيخنا أبو الحسن علي عرف بابن الحاج: الفقيه النبيه العلامة الألمعي الفهّامة إليه الإشارة في الفصاحة وجزالة الألفاظ وسلاستها وبراعة المعاني ونفاستها من شيوخ الطبقة الأولى، أخذ عن الشيخ محمَّد حمدة الشاهد وغيره وعنه جماعة منهم الشيخ عبد العزيز الوزير من بيت نبيه بالحاضرة وكان من أعلام الفقهاء الفضلاء، رحل للحجاز وجاور بالمدينة المنورة ونال حظوة بها وجاهاً إلى أن توفي بها في حدود سنة ١٣٣٧ هـ ومنهم العبد الفقير قرأت عليه شرح التاودي على التحفة وشرح ميارة على الزقاقية من أوله إلى منتصفه وطرأ عليه مرض انقطع بسببه عن التدريس لازمه حتى توفي في حدود سنة ١٣٣٠ هـ[١٩١١م].
١٦٨١مكرر- أبو عبد الله محمَّد ابن رئيس المفتين الشيخ محمَّد الطيب النيفر: العلامة الفقيه الماهر الفهّامة النبيه المؤرخ الشاعر كان ذا ذهن وقاد وفكر نقاد جميل المشاركة في العلوم شديد الحرص على إحياء الرسوم، قرأ على جماعة منهم والده ولازمه ملازمة تامة وأخذ عنه الحديث وغرائب الملح وانتفع به وتهذب وحصلت له بركته ولما امتلأ وطابه لازم التدريس حتى صار من شيوخ الطبقة الأولى وانتفع به جماعة، ألّف تاريخ حسن البيان فيما بلغته إفريقية في الإِسلام من السطوة والعمران في مجلدين برهن على اطلاع وأرجوزة موسومة بمرصع الزاج في سلسلة واسطة التاج فيما إليه من عيون الحكم والوصايا يحتاج قرظها الكثير من العلماء. مات ولم يستوفِ أمد أقرانه سنة ١٣٣٠ هـ[١٩١١م].
١٦٨٢ - شيخنا أبو عبد الله محمَّد بن عثمان النجار: الكريم النجار الإِمام العلامة النظار خاتمة العلماء الكبار المحققين الأخيار الذي لم تسمح بمثله الأدوار ولم يأتِ بشبهه الفلك الدوار مهذب مباحث الجهابذة ومحرر دلائل الأساتذة لسان
стр. 599
المتكلمين وحجة الناظرين وبستان المفاكهين كان مولعاً بالمطالعة جمّاعاً للدواوين زوّاراً للعلماء والصالحين عالماً بالإنساب وتراجم المؤلفين متبحراً في العلوم النقلية إماماً في العلوم العقلية يتصل نسبه بالشيخ أبي محمَّد عبد السلام بن مشيش الشريف الإدريسي الحسني وأمه بنت الشيخ محمَّد قبادو والد أبي الثناء محمود المترجم له في الماضي فهو شريف الطرفين كريم الأصلين اعتنى والده بتأديبه فحفظ القرآن وأخذ عنه مبادئ العلوم وكان يؤثره على سائر بنيه ولما توفي والده سنة ١٢٦٦ هـ كفله أخوه للأب الشيخ صالح تحت إشراف خاله أبي الثناء المذكور وبأثر ذلك التحق بتلامذة جامع الزيتونة فأتقن وجوه رواية القرآن وتفرغ بجده واجتهاده لتحصيل العلوم ولم تشغله عوائق الدهر عن نيل مراده وأخذ عن أعلام مبرزين وأئمة مهتدين كمحمد النيفر الأكبر وأخيه صالح والشيخ عاشور ومحمد الطاهر بن عاشور ومحمد البنا وعلي العفيف وجار الله عبد الله الدراجي ومحمد الشاذلي بن صالح وخاله محمود قبادو واستمر على كده وجده حتى صار نادرة عصره وواحد مصره حفظاً وتحصيلاً وإتقاناً وتصدى للتدريس وأتى بكل نفيس وختم الكتب العالية كشرح الشيخ عبد الباقي على المختصر والعضد على أصلي ابن الحاجب والمغني والمطول والقطب على الشمسية والصحيحين والموطأ والشفا والمواهب وتفسير القاضي البيضاوي بلغ فيه سورة آل عمران وغير ذلك مما يطول ذكره في فنون شتى وتخرج عليه الكثير من فحول العلماء منهم ابنه بلحسن وأجازه وحمودة تاج ومحمد بن يوسف وإسماعيل الصفايحي وعلي الشنوفي ومحمود موسى، قرأت عليه الصغرى والعضدية في آداب البحث، له مؤلفات غاية في التحصيل والإفادة منها ما أملاه على أهم أبواب صحيح البخاري بمناسبة أختامه الرمضانية بمسجدي الشيخ أحمد بن عروس والحرمل التي لا تقل عن سبعين موضوعاً ولو جمع لكان مؤلفاً مفيداً ومجموع الفتاوى نحو ثمانية مجلدات وبغية المشتاق في مسائل الاستحقاق وشمس الظهيرة في مناقب وفقه أبي هريرة ﵁ قصد به الرد على بعض المتفقهة القائل بسلب الاجتهاد عن هذا الصحابي الجليل ورسالة في حكم الحاكم المالكي بتأبيد حرمة المدخول بها في العدة وتأليف ممتع سماه تحرير المق الذي أحكام رؤية الهلال وله تقريرات على السيد على المواقف وتفسير البيضاوي والمطول وشرح الجلال المحلي على جمع الجوامع وغير ذلك، جمع ﵀ مكتبة مهمة نادرة الوجود بشمال إفريقية حوت من المخطوطات أمهات عزيزة الوجود وبما أضافه إليها ابنه الشيخ بلحسن صارت لا تقل عن ألفي مجلد، كان عصامي النفس عالي الهمة لا يحتفل بالوظائف ولا بالوجاهة لدى أهل الحل والعقد ولذا كانت المعالي تخطبه
стр. 600
والرتب السامية تحن إليه حنين الكفؤ لكفؤه ففي سنة ١٢٧١ هـ أسندت إليه خطة العدالة وفي سنة ١٢٨٤ هـ صار مدرساً من الطبقة الثانية وارتقى للطبقة الأولى سنة ١٢٨٧ هـ وأسندت إليه رواية البخاري بمقام الشيخ أحمد بن عروس وفي سنة ١٣١١ هـ أسندت إليه إمامة مسجد الحرمل ورواية الحديث به وفي سنة ١٣١٣ هـ زفت إليه الفتوى فقام بها أحسن قيام وحمده الخاص والعام وتوفي عليها عالي الكعب آمن السرب في الخامس والعشرين من رمضان سنة ١٣٣١ هـ[١٩١٢ م].
١٦٨٣ - أبو المحاسن يوسف بن أحمد بن عثمان جعيط التونسي: من بيت نبيه العلامة الفقيه النبيه الفهّامة النحرير المطلع الخبير النقاد البصير الوزير الخطير، كان كريم الأخلاق طيب الأعلاق عالي الهمة، أخذ عن أئمة منهم محمَّد النيفر الأكبر وعلي العفيف ومحمد الطاهر بن عاشور وتصدى للتدريس وأفاد وأجاد ثم انتظم في سلك الوزارة وتدرج في الخطط النبيهة حتى بلغ الصدارة فهو وزيرها الأكبر وعلمها الأشهر، له شرح على ما دار بين الخليفتين سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر وبين سيدنا أبي عبيدة ﵃ ورسالة في حكم القاضي المالكي بتأبيد حرمة المتزوجة في عدتها بأنه يجري مجرى الفتوى وللحاكم الحنفىِ أن يحكم بخلاف ذلك. مولده سنة ١٢٤٧ هـ وتوفي على صدارته سنة ١٣٣٣ هـ[١٩١٤ م].
١٦٨٤ - أبو عبد الله محمَّد القصار: كان من العلماء الأخيار فصيح العبارة حسن الاستحضار عالماً جليلاً فقيهاً نبيهاً نبيلاً يته بتونس نبيه وسلفه لهم ذكر في التاريخ والتآليف العلمية كبيت الرصاع وبيت القلشاني وبيت العصفوري وبيت الغماد وتداول بنو هذا البيت الخطط النبيهة بالجامع الأعظم، أخذ عن أعلام منهم الشيخ سالم بوحاجب والشيخ عمر ابن الشيخ تصدى للتدريس وأفاد وأجاد وانتفع به جماعة وصار من شيوخ الطبقة الأولى ثم تولى قضاء الحاضرة فحمدت سيرته وزكت سريرته. ومن مآثره الخالدة ثبوت رؤية الأهلة بالتلغراف بشروط مقررة في منشور بعثه لقضاة الجهات مؤرخ في شعبان سنة ١٣٢٨ هـ موافق عليه من طرف الدولة ثم تخلى عن القضاء سنة ١٣٣١ هـ وتولى الفتيا وتوفي عليها سنة ١٣٣٣ هـ[١٩١٤ م].
١٦٨٥ - أبو عبد الله محمَّد المكي بن مصطفى بن عزوز: المترجم لوالده وجده فيما مضى فهو إمام نشرت ألوية فضله على الآفاق وفاضل ظهرت براعة علومه فتحلى بها الفضلاء الحذّاق له عناية بالأسانيد والرواية واليد الطولى في العلوم
стр. 601
العقلية والنقلية والراحة البيضاء في تعاطي أنواع التعاليم الرياضية الرحَّال الأديب الشاعر اللغوي الأريب الماهر العارف بأشعار العرب وأخبارها والنوادر، أما التصوف فقد رزق فيه الذوق الغريب والحذق العجيب، كان عالي الهمة كريم الأخلاق مع كرم يضرب به المثل، اعتنى به والده وأحسن تربيته وأخذ عنه وورث سره. وعن غيره منهم الشيخ عمر ابن الشيخ والشيخ بشير التواتي وأجازه بما حواه ثبته في القراءات وتولى الفتيا بنفطة ثم تخلى عنها وقدم تونس وتصدى للتدريس وأتى بكل نفيس وانتفع به جماعة له رسائل كثيرة في فنون من العلم منها رسالة في الربع المجيب والسيف الرباني رحل للمشرق وأقام ببني غازي مدة ثم انتقل لمصر والحجاز والشام واجتمع بكثير من الأعلام واستجاز وأجاز وأفاد واستفاد وأخيراً استقر بالآستانة مرشداً وظهرت علومه وأسراره، وبها توفي في صفر سنة ١٣٣٤ هـ[١٩١٥م].
١٦٨٦ - أبو عبد الله محمَّد ابن الشيخ حمودة بن أحمد بن عثمان جعيط: جمال العلماء وأستاذ الأدباء شيخ المحدثين والفقهاء، كانت أوقاته معمورة بالتدريس والإفادة والتلاوة والعبادة. أخذ عن الشيخ الشاذلي بن صالح والشيخ علي العفيف والشيخ حمدة الشاهد والشيخ صالح التبرسقي والشيخ الطاهر النيفر والشيخ سالم بو حاجب. وعنه جماعة منهم الشيخ محمَّد المولدي بن عاشور كان يقول الشعر له ديوان معظمه في مدح مقام النبوة؛ وله رسائل وتآليف منها اختصار أجوبة الشيخ عظوم وشرح البردة ورسالة في صلاة الوتر ورسالة في الأضحية وحاشية على التنقيح مفيدة طبعت في مجلدين وتقارير على صحيح مسلم وتأليف في تراجم علماء تونس مولده سنة ١٢٦٨ هـ وتولى الفتيا سنة ١٣٣١ هـ وتوفي عليها في ربيع الأنور سنة ١٣٣٧ هـ[١٩١٨ م] ورثاه شيخنا حمودة تاج بقصيدة غراء بها نحو الأربعين بيتاً:
لك الله من خطب وما رد وارده ... ولا صدمنا بالفدا عنه واجده
وآخر بيت التاريخ:
وأن نتلقى فيك قول مؤرخ ... إلا في جنان الخلد أنت لماجده
١٦٨٧ - أبو العباس أحمد ابن الشيخ محمَّد بن محمَّد بن عبد الكبير: وهلم جراً إلى الوصول إلى أصل الوجود ﷺ فهو الإِمام فخر آل بيت السادات الكرام نقيب الأشراف دوحة الإنصاف ناهيك من صفوة صفت مشاربه وعزت مآربه
стр. 602
كان من الفقهاء وأعلام الفضلاء إمام الأئمة عالي الهمة مع جاه لم يشاركه فيه أحد غير أنه بخيل به، أخذ عن أعلام منهم علي العفيف وحمدة الشاهد والشاذلي بن صالح، مولده سنة ١٢٥١ هـ وتولى الفتيا سنة ١٢٩٢ هـ ثم رياستها سنة ١٣٠٢ هـ ثم الإمامة الكبرى بجامع الزيتونة سنة ١٣٠٧ هـ وتوفي على ذلك عالي الكتب آمن السرب في جمادى الثانية سنة ١٣٣٧ هـ[١٩١٨ م] وكانت جنازته مشهودة حضرها الأمير فمَن دونه ورثاه جماعة منهم شيخنا حمودة تاج بقصيدة بارعة بها سبع وأربعون بيتاً أولها:
سابق الفردوس نجل المصطفى ... حل فيه باحتفال واصطفا
وآخرها بيت التاريخ:
إذا أتاك الفأل من مؤرخ ... سابق الفردوس نجل المصطفى
١٦٨٨ - شيخنا أبو محمَّد حمودة بن محمَّد تاج: تاج الأذكياء والبلغاء ولسان الأدباء والشعراء بحر المعارف وبدر اللطائف ومعدن الملح والطرف وينبوع النكت والتحف ذو الفكر الثاقب والرأي الصائب والشعر الرائق والنثر البليغ الفائق مع كرم سجية ونفس أبية وما أدري ما أقول لأني عاشق له والعاشق معذور فيما يقول، تحمل العلم عن فحول لازمهم مدة مديدة واستفاد منهم علوماً عديدة منهم حسين بن أحمد وسالم بو حاجب وعمر ابن الشيخ والشاذلي ابن القاضي ومحمد النجار وعمار بن سعيدان، تصدى للتدريس وأتى بكل نفيس وانتفع به جماعة، قرأت عليه الشيخ خالد على الأجرومية وشرح القطر لمؤلفه وشرح الماكودي على الألفية من أوله إلى منتصفه والسلم والكافي والسمرقندية ولامية الأفعال وفي أثناء قراءة القطر طرأ علىّ ما أوجب السفر إلى المنستير مسقط رأسي ومنبت غرسي ومجمع أهلي وأنسي وهو المرض الذي لوالدي عرض ولما بلغه الترحال بعث في الحال كتاباً يقول فيه بالحرف الواحد: الجناب الذي أنار بالأفق العلمي هلاله وحمدت في مدارجه خلاله فما برح فيومه خير من أمسه وفجره مؤذن ببلوغ شمسه، جناب أخينا الفاضل الشيخ سيدي محمَّد مخلوف أمنه الله من كل مخوف، أما بعد سلام يلطف مزاره ويترنم على دوح المودة هزاره، فقد بلغني النبأ الذي أجزعكم وأوجب جزعكم ما ألمّ بوالدكم عافاه الله من الألم وحكم بذلك رب اللوح والقلم وهو يا بني وإن ردع سر بي وكدر بشهادة سركم شربي إلا أني أرجو من الكريم سبحانه أن تنطفىء بعين الألطاف ناره وتمحى في قليل من الأيام آثاره:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه .... يكون وراءه فرج قريب
стр. 603
وكأني بالعافية وقد ضربت عليه قبابها وأذاقته بإذن الله لبابها والله المسؤول أن يصحب كتابي هذا بعاطر الأرج من نسيم السلامة والفرج لا مسؤول سواه. حرره حمودة بن محمَّد تاج في رجب سنة ١٣٠٢ هـ. ثم انتظم المترجم في سلك العدلية وتدرج حتى صار رئيسها بالقسم الجنائي وتوفي عليها حميد السيرة طيب السريرة في صفر سنة ١٣٣٨ هـ[١٩١٩ م] ورثاه صديقه الملاطف المملوء الوطاب بالآداب والمعارف العلامة الفهّامة الشيخ محمَّد بن يوسف المفتي الحنفي بقصيدة وبيت التاريخ:
ودونك ما أمليت فيه مؤرخا ... إلا بعُلى الفردوس طالت منازله
ورثاه تلميذه العلامة الشاعر المطبوع الحامل راية المنقول والمسموع أخبرنا الشيخ محمود موسى المفتي بالمنستير بقصيدة رائقة أولها:
كدر الصفو عندنا من نعاك ... رفع الصوت جهرة وعناكا
١٦٨٩ - أبو الفلاح الشيخ صالح الشريف: علامة الزمان واحد الأقران المشار إليهم بالبنان في المعارف والبيان زين الأكابر الأماثل ورأس الأعيان الأفاضل ومقصد الملتمس والسائل. كانت له في العلم منزلة عالية مع همة سامية غيوراً متين الدين شديد الحرص على مصالح المسلمين. أخذ عن جلة منهم الشيخ حسين بن أحمد وانتفع به وحصلت له بركته وحضر الدروس التي حضرتها عليه والشيخ سالم بو حاجب والشيخ عمر ابن الشيخ والشيخ محمَّد بن يوسف والشيخ محمَّد النجار، جد في الطلب حتى بلغ الغاية في العلم والأدب وتصدى للتدريس وأتى بكل نفيس وختم الكتب العالية وحصلت له بذلك منزلة سامية وصار من أعيان شيوخ الطبقة الأولى ونجب عليه جماعة صاروا من أعيان المدرسين وأعاظم النابغين منهم الشيخ محمَّد الطاهر بن عاشور والشيخ محمَّد الخضر بن الحسين والشيخ صالح المالقي والشيخ محمَّد ابن الحاج ثم تخلى عما لديه من الخطط النبيهة ورحل للمشرق وطاف البلاد واستفاد وأفاد وأقام بدمشق وبها ظهر علمه واشتهر فضله وفهمه ودخل الآستانة ومنح وظيفة مرشد ولما قامت الحرب على ساق بطرابلس بين تركيا وإيطاليا سنة ١٣٢٩ هـ كان في صف المجاهدين ثم وضعت الحرب أوزارها بصلح تسبب عنه احتلال إيطاليا لها وبعد ذلك قامت الحرب الكبرى على ساق وكان في صف المقاتلين وبعد أن وضعت الحرب أوزارها استقر بسويسرة ومات بأحد
стр. 604
مستشفياتها في سبيل مطاوعة اغتراب في جمادى الأولى سنة ١٣٣٨ هـ[١٩١٩ م] وحمل جسده لتونس ودفن بالجلاز.
١٦٩٠ - أبو عبد الله الشيخ محمَّد النخلي القيرواني: العلامة الذي ليس له في عصره ثاني كان نقاداً خبيراً أستاذاً كبيراً ميّالاً لتحقيق المباحث نابغة شعلة في الذكاء وفي المحاضرة آية بالغة مع فصاحة التعبير والإجهار بما في الضمير، ذا همة عاصمية ونفس أبية كان يقول الشعر ويجيده. دخل جامع الزيتونة سنة ١٣٠٤ هـ فأسهر جفونه واقتطف من أزاهر العلم أصوله وفنونه فبرز على الأقران وحمد الإصدار والإيراد في الرهان. أخذ عن شيوخ جلة منهم عمر ابن الشيخ وسالم بو حاجب ومحمود بن محمود وأحمد بن مراد والطيب النيفر ومصطفى رضوان ومحمد النجار. تصدر للتدريس وتخرج عليه الكثير من الفحول منهم من زان المناصب الشرعية والمحاكم العدلية والخطط التدريسية وبالجملة فإنه أستاذ متضلع وعالم متطلع من أعيان شيوخ الطبقة الأولى قضى جل عمره قراءة وإقراء وختم الكتب العالية في فنون شتى فشاع بذلك ذكره وارتفع قدره. توفي بتونس في رجب سنة ١٣٤٢ هـ وكانت جنازته مشهودة حين إرادة حمل جسده للقيروان وكذلك بالقيروان ودفن بالجناح الأخضر ورثاه بعض طلبته بقصائد فرائد.
١٦٩١ - شيخنا أبو النجاة سالم بن عمر بو حاجب البنيلي: نسبة لقرية قرب المنستير من ذرية الشيخ شبشوب دفين الساحل وجده الذي ينتهي إليه نسبه هو الشيخ مهذب دفين عمل الصخيرة فهو الأستاذ الأكبر العلم الأشهر الذي أضحى إمام الأئمة الأعلام والحبر الذي قصرت عن استيفاء فضائله الأرقام والبحر الذي لا تكدره الدلاء ولا يدرك ساحله والبر الذي لا تطوى مراحله أمام المنقولات والمعقولات والمبرهن على حدودها وبراهينها والمقولات حلاّل المشكلات المرجوع إليه في المهمات حامل لواء البلاغة والنحو والأدب المطلع على أسرار كلام العرب سارت بأخباره الرفاق ونال من فضله علماء الآفاق إذا تكلم في المجالس أظهر من درر بحره النفائس وإن حرر أصاب شاكلة الصواب وأتى بفصل الخطاب وإن نظم أزرى بعقد الثريا وإن نثر أخجل زهر الروض الباسم المحيا آية الله الباهرة في التحرير والحجة البالغة في التقرير. كان زكي الأخلاق كريم المعاشرة
стр. 605
أنيس المحاضرة جميل المذاكرة، نشأ في حجر أبيه ساعياً فيما يعنيه وحفظ القرآن ثمّ جوده على الشيخ ابن رئيس ودخل جامع الزيتونة فأسهر جفونه واقتطف من أزاهر العلم أصوله وفنونه وأخذ عن أعلام مهتدين من أئمة الدين كأحمد عاشور قاضي باردو وابن ملوكة والخضار وابن طاهر وابن سلامة والشاذلي بن صالح ومحمد النيفر الأكبر وإبراهيم الرياحي ومحمد معاوية وكان غالب تحصيله على أبي الحسن العفيف وشيخي الإِسلام محمَّد بن الخوجة ومحمد بيرم الرابع وعمه مصطفى فامتلأ بالعلم وطابه وكثر لديه طلابه وانتصب للتدريس وأتى بكل نفيس وأفاد وأجاد وألحق الأحفاد بالأجداد ونجب عليه كثير من علماء الدين الذين صاروا من أكابر المدرسين وأعاظم النابغين انحصر جامع الزيتونة في تلامذته وتلامذة تلامذته فلا تجد طالباً إلا وله عليه شيخوخة إما مباشرة أو بواسطة فالزيتونيون عيال عليه ومرجعهم في العلم إليه فمن الفضلاء الأعلام الذين أخذوا عنه الشاذلي ابن القاضي ومحمد القصار ومحمد النجار وحسين بن أحمد ومحمود بيرم وابن أخيه أحمد وأحمد بن الخوجة ومحمد جعيط ومحمد بن يوسف ومحمد السنوسي وإسماعيل الصفائحي وجماعة من هذا النمط الذين لا يشق لهم غبار وظهروا ظهور الشمس في رابعة النهار. قرأت عليه الأشموني على الخلاصة وأوائل الموطأ وأوائل البخاري، ختم الكثير من الكتب العالية كالبخاري والموطأ والعضد على أصلي ابن الحاجب والمغني والمزهر والمطول وصحيح مسلم بشرح الإِمام أبي عبد الله محمَّد المازري المسمى بالمعلم ومدح بقصائد فرائد عند ختمها، جالس الأمراء والوزراء والعلماء والأدباء واجتمع بأعلام من أهل المشرق والمغرب واعترفوا له بالعلم والفضل كالشيخ محمَّد عبده والشيخ عبد الحي الكتاني والشيخ محمَّد يحيى الولاتي الشنجيطي. رحل لتركيا وفرنسا وإيطاليا في مهمات وأقام بإيطاليا نحواً من ست سنين بمعية صديقه أمير الأمراء حسين وزير المعارف وله في ذلك رحلة وكان العضد المتين والمرشد المعين لأمير الأمراء الوزير الأكبر خير الدين صاحب المزايا الخالدة المجيدة والمشاريع النافعة الحميدة وذكر بعضها في التتمة. من تآليفه أنه شارك في تحرير أقرب المسالك في معرفة أحوال الممالك وشرح على ألفية ابن عاصم الأصولية وتقريرات على البخاري ابتدأها من كتاب العلم وأضاف إليها أختامه الرمضانية وهي نحو السنين ختماً جامعة لغرر من المسائل مع ما فيها من التوفيق بين الشريعة المطهرة والتمدن العصري وله رسائل في كثير من الفنون وشعره كله عيون لو جمع لكان ديواناً وله ديوان خطب غاية في الإجادة خطبها في جامع سبحان الله فامتلأ المنبر بها نوراً واهتز سروراً وله تقارير على الأشموني على الخلاصة، تولى الخطط النبيهة
стр. 606
شرعية وإدارية منها التدريس بجامع الزيتونة ثم الفتيا سنة ١٣٢٣ هـ ثم كبير أهل الشورى المالكية سنة ١٣٣٧ هـ. مولده سنة ١٢٤٣ هـ ولما قرب الأجل المحتوم نظم أبياتاً وهي آخر منظوم:
ابني لا تأسوا لفقد أبيكم ... فرضاه يكفل بالمنى المستقبله
ما مات من أبقى رجالاً مثلكم ... فحياتكم لحياته كالتكمله
أوصيكمو بالاتحاد وإن تروا ... إخوانكم في البر مني مبدله
وأوصى بكتب بيتين على قبره وهما:
إلهي لا تقطع عن العبد ما به ... تعود من إحسانك المتجدد
بإرشاده في خدمة العلم يرتجي ... لدى الحتف في تاريخه مرشد
ومرشد اسمه الأول وفيه تاريخ ولادته لأنه توفي بعد التاريخ المذكور وهو سنة ١٣٣٧ هـ[١٩١٨ م] بست سنين فيكون عمره تسعاً وتسعين سنة وتوفي عالي الكعب آمن السرب في ذي الحجة سنة ١٣٤٢ هـ[١٩٢٣ م] شهد جنازته الأمير والمأمور والخاصة والجمهور دفن والتأسف عليه بالغ غايته والتلهف نهايته وترك أبناء من رجال الكمال منهم ابنه المفضال العلم الحري بالتكريم والتبجيل أمير الأمراء أبو المودة خليل وزير القلم ثم أسندت إليه الصدارة فهو الآن وزيرها الأكبر وعلمها الأشهر ورثاه بعض تلامذته بقصائد منها قصيدة فريدة جادت بها قريحة أخينا العلامة الألمعي الفهّامة ذي الرأي الصائب والفكر الثاقب القاضي بعين دراهم الشيخ أبي عبد الله محمَّد بو شارب بها أبيات ومستهلها:
عمر الفتى إن طال فهو قصير ... وسروره إن جل فهو حقير
وحياته تحكي المنام وإنما ... ريب المنون لحلمها تعبير
فيم الوقوف مع الظواهر وهي في ... نظر البصير إلى الفناء تصير
ومنها:
أمعلمي ما قد جهلت ومثقلي ... منناً ينوء يحملهن ثبير
مهلاً فُديت فإن بين جوانحي ... قلباً يكاد إذا نأيت يطير
من ذا أعاطيه العزاء وكل من ... فوق التراب إلى العزاء فقير
لكنهم ألفوا السكون على الأسى ... ثقة بأنك في غد مسرور
سر آمناً تقفوك ألوية الثنا ... سيرً مداه جنة وحرير
وكواعب ما إن ظمئن وأكؤوس ... ما إن صرفن مزاجها كافور
стр. 607
من كف أمثلة الجمال كأنهم ... بين الحدائق لؤلؤ منثور
ومقاعد للصدق يخفق حولها ... نور وملك فوق ذاك كبير
هذا الجزاء وذا مقال مؤرخ ... مالت لإنسك في الجنان الحور
١٦٩٢ - شيخنا أبو عبد الله محمَّد الطيب ابن الشيخ محمَّد النيفر الأكبر: العلم الأشهر بركة عصره وواحد دهره خاتمة المسندين والمحدثين وقدوة العلماء العاملين والفضلاء المحققين الحامل لواء مذهب مالك باليمين من أوعية العلم فروعاً وأصولاً معقولاً ومنقولاً كانت له عناية بالرواية ومنزلة سامية بالدراية نشأ في كفالة والده في مروءة وديانة وعفاف وأمانة وأخذ عنه وانتفع به وأجازه بما حواه ثبته وعن عمه صالح والشيخ البنا والشيخ محمَّد بن صالح بن ملوكة وأجازه والشيخ إبراهيم الرياحي وأجازه بما حواه ثبت الشيخ محمَّد الأمير وبما حواه ثبت الشيخ محمَّد عابد المسمى بحصر الشارد في أسانيد الشيخ عابد وأجازه أيضاً شيخ الإِسلام محمَّد بن أحمد بن الخوجة وشيخ الإِسلام الرابع محمَّد بيرم والشيخ أحمد دحلان شيخ مشايخ الحرمين في وقته المتوفى سنة ١٣٠٤ هـ[١٨٨٦ م] والشيخ منة الله الأزهري أحد تلامذة الشيخ الأمير وأجازه بما حواه ثبت شيخه المذكور والشيخ عمر الخطيب الأزهري والشيخ محمَّد الكتبي شيخ الإِسلام بمكة المكرمة والشيخ محمَّد كمون شيخ مشايخ رواق المغاربة بالأزهر وغيرهم اجتهد في خدمة العلم الشريف وحمل لواءه الزاهي المنيف فأقبل عليه وسعى سعي المحب إليه تصدى للتدريس وأتى بكل نفيس وأفاد وأجاد عمر فألحق الأحفاد بالأجداد، دروسه عذبة المورد مشتملة على آداب يلقيها وحكايات لطيفة يمليها بأبين بيان وألطف إشارة وأفصح عبارة وهي في الحقيقة درر وفرائد غرر وختم الكثير من الكتب العالية وأتى في إقرائها بما زاد في منزلته السامية كالموطأ والبخاري وشرح الزرقاني على المختصر والتاودي على التحفة تخرج عليه الكثير من فحول العلماء وأعيان الفضلاء منهم ابناه محمَّد المترجم له فيما مضى والأكتب الأنبه الأنبل الشيخ زين العابدين واستجازه جماعة منهم شيخنا محمَّد عبد الحي الكتاني وشيخنا بلحسن الجار وأجازه بما حواه ثبته قرأت عليه أوائل شرح التاودي على التحفة له أحفاد عقود سوددهم بالعلم اتسقت جواهره اتساقاً وبدوره لا تخشى كسوفاً ولا محاقاً له فتاوى غاية في التحرير وتقارير على البخاري في غاية الإجادة والتحبير تولى الخطط النبيهة منها التدريس من
стр. 608
الرتبة الأولى ثم القضاء ثم الفتيا فزانها بعلمه وفهمه ثم رياستها ولم يزل مشكور السيرة محمود السريرة إلى أن توفاه الله في ١٧ رجب سنة ١٣٤٥ هـ[١٩٢٦] م، مولده سنة ١٢٤٧ هـ.
وتولى عوضه رئاسة الفتوى العالم المشهور الشيخ أبو عبد الله محمَّد الطاهر ابن الشيخ محمَّد ابن قاضي الجماعة الشيخ محمَّد الطاهر بن عاشور المترجم لجديه في الماضي فهو الآن بتونس غيث واديها ومصباح ناديها وقطب رحاها وشمس ضحاها.
١٦٩٣ - شيخنا أبو محمَّد بلحسن ابن الشيخ المفتي محمَّد النجار: العلامة النظار الفهّامة الذي لا يشق له غبار الكريم النجار فرد الدنيا في العلوم كلها الجامع لمنطوقها ومفهومها المالك لمجهولها ومعلومها واحد الدهر في التحصيل والذكاء وثقوب الفكر. نشأ في كفالة والده في أطيب وصف وأحسن رصف، أخذ عنه وبه تهذب وانتفع به وتأدب وأجازه كما أجازه الشيخ محمَّد الطيب النيفر والشيخ عمر ابن الشيخ والشيخ المهدي الوزاني والشيخ أحمد بن محمَّد الخياط الفاسي بما في فهارسهم وبالجملة فإنه أخذ عن أساتذة أعلام حتى انتظم في سلك العلماء أيّ انتظام وامتلأ بالعلم وطابه وتصدى للتدريس فأكثر عليه طلابه وأتى في إقرائه الكتب العالية بالعجب العجاب بما يدل على أنه أخذ في الفنون بلب اللباب مع حسن التأدية والتفسير وسعة الملكة ولطف التقرير، إليه الإشارة في الفصاحة وجزالة الألفاظ وسلاستها وبلاغة المعاني ونفاستها جميل المعاشرة عظيم المذاكرة ولم يزل يرتع في رياض الفضائل ويطبق أصول المسائل على الدلائل حتى عمّ نفعه واشتهر وذاع وملأ الأسماع والبقاع، تخرّج بين يديه أساتذة فحول جهابذة أجازني بما حوته فهرسته، تولى التدريس من الرتبة الأولى ورواية الحديث بجامع الحرمل ثم حنت إليه الرتب السامية وخطبته وتعطشت إليه المناصب العالية وطلبته لفضائله المنتشرة الظاهرة حتى زفت إليه الفتيا عروساً فاخرة في ذي الحجة سنة ١٣٤٢ هـ فحضرته الآن في الشهباء فارس ميدانها فضلاً وناظر إنسانها علماً وذكاءً ونبلاً مذكور بكل لسان ممدوح لكل إنسان حفظه الله وشكره.
стр. 609
فرع فاس
١٦٩٤ - أبو عبد الله محمَّد بن المدني جلون: العلامة الجامع لكثير من الفنون القدوة الفهّامة الكبير الصيت والباع المخصوص بالحظوة التامة ومزيد الارتفاع، كان معروفاً بالعدالة ذا مهابة وجلالة دؤوباً على الإرشاد ونصح العباد من أعيان الصوفية الزهاد انتهت إليه الرئاسة في الفقه، أخذ عن الشيخ محمَّد بن عبد الرحمن الحجرتي المختصر بسنده لمؤلفه وعن الشيخ محمَّد الصالح الرضوي والوليد العراقي وأبي بكر بن كيران والبدر الحمومي وعبد السلام بو غالب والطالب بن سودة وجماعة وانتفع بهم وحج وزار ولقي كثيراً من الفضلاء وتبرك بهم واستفاد منهم وبه انتفع الكثير من الشيوخ منهم محمَّد بن قاسم القادري والمهدي الوزاني له تآليف منها اختصار حاشية الرهوني على المختصر وحاشية على شرح بنيس على فرائض المختصر والدرر المكنونة في النسبة الشريفة المصونة في آل البيت والزجر والأقماع في تحريم آلات اللهو والسماع نصيحة الأكياس فيما يتعلق بخلطة الناس وتأليف في الغيبة والنميمة والبهتان وحاشية على الموطأ وغير ذلك. توفي سنة ١٣٠٢ هـ[١٨٨٤ م] وكان الاحتفال بجنازته بالغاً الغاية.
١٦٩٥ - أبو العباس أحمد ابن شيخ الجماعة محمَّد بن عبد الرحمن الفلالي الحجرتي الفاسي: قاضيها الإِمام العلامة الفقيه النحوي الفهّامة، كان ذا عفة ومروءة وحياء وأناة وسكينة وبهاء أخذ عن والده ومحمد جنون وغيرهما، وعنه محمَّد بن جعفر الكتاني وغيره. توفي سنة ١٣٠٣ هـ[١٨٨٥ م].
١٦٩٦ - أبو العباس أحمد بن الطالب بن سودة: قاضي الجماعة بمكناسة الزيتون العلامة الفهّامة المشارك في جميع الفنون فقه وأصول معقول ومنقول، أخذ عن أعلام من آل بيته وغيرهم، روى البخاري بأعلى سند يوجد عن الشيخ مصطفى
стр. 610
الجزائري عن الشيخ محمَّد الأمير عن الصعيدي عن عقيلة عن حسن العجمي عن أبي الوفاء العجل اليمني عن يحيى بن مكرم الطبري عن البرهان إبراهيم بن صدقة عن عبد الرحمن الفرغاني وكان عمره ١٤٠ عاماً عن عبد الرحمن محمَّد شاذبخت الفرغاني الفارسي بسماعه لجميعه بسمرقند عن أحد الأبدال أبي لقمان يبيح بن عمار بن مقبل وكان عمره ١٤٣ عاماً وقد سمع جميعه عن أبي عبد الله محمَّد بن يوسف البربري عن مؤلفه الإِمام البخاري، ودخل صاحب الترجمة تونس سنة ١٢٦٨ هـ مع البعض من أعلام بيته وغيرهم واجتمع بأعلام واستفاد وأفاد وأجازه الشيخ محمَّد النيفر الأكبر بما صحت له روايته من الحديث الشريف إجازة عامة كما أجازه بذلك شيخ الإِسلام الرابع محمَّد بيرم المتقدم ذكره في ترجمة شيخنا عمر ابن الشيخ وحج في السنة بعدها، وأخذ عن أعلام بالحرمين الشرفين منهم الشيخ محمَّد بن علي السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي وأجازه بجميع ما رواه من التآليف وبالمذاهب الأربعة والطرق وكتب له بذلك بخط يده وألبسه الخرقة وأذنه بالتلقين للأوراد، وعن صاحب الترجمة أخذ أعلام منهم شيخنا المهدي الوزاني وأجازه بمروياته في جمادى الأولى سنة ١٣٠٤ هـ. لم أقف على وفاته.
١٦٩٧ - أبو العباس أحمد بن أحمد البناني: شيخ الجماعة الإِمام في علوم المعقول في عصره المبرر فيها على جميع أقرانه من أهل مصره المسن البركة الكامل المحدّث الأصولي الفاضل العلامة المحقق المشارك المدقق، أخذ عن جلة منهم الوليد العراقي وعبد السلام بو غالب واظب على التدريس والإفادة والتحقيق والإجادة وتخرج به جماعة من الأعيان منهم محمَّد جعفر الكتاني حضر مجلسه في الأصول والبيان والحديث وقرأ عليه أوائل الكتب الستة والموطأ وشمائل الترمذي وأجازه بها وبغيرها بالقول إجازة تامة بجميع مروياته كما أجازه أشياخه بالقول منهم الوليد المذكور وهو عن أبي بكر بن كبران وحمدون ابن الحاج وإدريس بن زيان العراقي ثلاثتهم عن الشيخ التاودي وحج وزار وحصل له هناك ظهور واشتهار وطال عمره توفي في جمادى الأولى سنة ١٣٠٦ هـ[١٨٨٨ م] وكان جنازته غاية في الاحتفال.
١٦٩٨ - أبو عبد الله محمَّد الصديق بن أحمد الديسي: بيته شهير بالعلم والصلاح كان من العلماء الأفاضل والفقهاء الأماثل أخذ عن الشيخ محمَّد داود
стр. 611
والشيخ المازري بن أبي القاسم وعنه أبو القاسم محمَّد الحفناوي مؤلف تعريف الخلف. توفي سنة ١٣٠٦ هـ[١٨٨٨ م].
١٦٩٩ - أبو محمَّد الحاج صالح ابن الفقيه الحاج المعطي التادلي الفاسي: الفقيه العلامة الإِمام العارف بالتاريخ والمنطق والأصول الفهّامة كان محباً للمنتسبين زواراً للصالحين ميّالاً للمذاكرة والتصوف والمحاضرة أخذ عن الشيخ أحمد المنجرة والشيخ بدر الدين الحمومي والشيخ محمَّد بن عبد الرحمن الفلالي والحاج الداودي التلمساني وأجازه وجماعة وعنه جماعة منهم الشيخ المهدي الوزاني وأجازه. توفي سنة ١٣٠٧ هـ[١٨٨٩ م].
١٧٠٠ - أبو عبد الله محمَّد بن حمدون البناني: الفقيه الأجل الخير الزكي الأعدل العلامة المدرس الأفضل أخذ عن أعلام وتولى قضاء طنجة والصويرة وغيرها وأحسن الناس الثناء عليه. توفي سنة ١٣٠٧ هـ[١٨٨٩ م].
١٧٠١ - أبو عبد الله محمَّد العربي بن محمَّد الهاشمي المدغري: الشريف الحسني الفقيه المرشد النبيه الشهير الذكر في الآفاق الواقع على جلالته وولايته الاتفاق العارف بالله الدال بحاله ومقاله على الله. أخذ عن الشيخ أحمد زويتين وانتفع به وورث سره. له تأليف في التعريف بشيخه المذكور. توفي في جمادى الثانية سنة ١٣٠٩هـ[١٨٩١م].
١٧٠٢ - أبو عبد الله محمَّد المدعو العتيك بن محمَّد فاضل الشنقيطي: الحوصي منشأ المتوطن الساقية الحمراء كان ذا أدب وفقه ومشاركة في بعض العلوم ذاكراً خاشعاً قوّاماً صوّاماً خاضعاً أخذ العلم والأدعية والأوراد عن خاله الشيخ مصطفى ماء العين وبه ترقى وتهذب وتخلق وتأدب. توفي سنة ١٣١٠ هـ[١٨٩٢ م].
١٧٠٣ - أبو محمَّد عبد القادر بن عبد الكريم الورديغي الشفشاوني: الفقيه العالم المستوسع البارع المحقق النحوي المطلع، كان حاد الذهن خيراً من المتواضعين كثير الدفاع والمناضلة عن المنتسبين لله سيفاً صارماً على المنكرين.
стр. 612
أخذ عن أئمة منهم عبد القادر بن عجيبة ومحمد المدني جنون، ألّف كتاب سعد الشموس والأقمار وزبدة شريعة النبي المختار في المذاهب الأربعة سالكاً فيه مسلك قوانين ابن جزي وكتاب بغية المشتاق لأصول الديانة والمعارف والأذواق ونهاية سير السباق إلى حضرة الملك الخلاق وسلوة الأخوان ونصرة الخلان للرد على أهل الجحود والعدوان وشرح نفيس على الصلاة المشيشية وشمس الهداية لتذكار أهل النهاية وإرشاد أهل البداية وهو في القضاء على المذاهب الأربعة وغيرهم من المذاهب ذوي الأحكام المتبعة وله غير ذلك. توفي سنة ١٣١٣ هـ[١٨٩٥ م] بمصر وصلي عليه بالأزهر ودفن بمقبرة المجاورين.
١٧٠٤ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حامد بن حماد بن محمَّد الكبير ابن أحمد بن محمَّد الصغير ابن محمَّد بن ناصر الدرعي: البيت الشهر بالمغرب بالعلم والولاية والعدالة والسؤدد والجلالة ترجمنا فيما تقدم للبعض من آل هذا البيت فهو العلامة النابغة آية في الذكاء بالغة رفيع النسب عين الأدب وترجمان لسان العرب الأستاذ الورع المؤرخ المطلع وحيد زمانه وفريد عصره وأوانه. أخذ عن أعلام منهم محمَّد محبوبة وانتفع به وعادت عليه بركته وأبو بكر محمَّد بن عواد، ختم عليه البخاري عشر مرات ومسلماً ثلاث مرات وغير ذلك من الكتب والفنون له تآليف دلت على فضل واطلاع ونبل، منها الاستقصى في أخبار المغرب الأقصى جمع فأوعى وشرح الأرجوزة المعروفة بالشمشقية أولها:
مهلاً على رسلك حادي الأينق ... ولا تكلفها بما لم تطق
قال: وهي من النظم الفائق والشعر البديع الرائق إبان منشئها وهو الأديب البليغ اللوذعي الأريب فريد الأوان الشيخ أحمد الونان عن باع طويل واطلاع غزير على أخبار العرب وأيامها وحكمها وأمثالها من حفظها وعرف مقاصدها أغنته عن غيرها من كتب الأدب اهـ وتقدم أنه مدح بها مولاي السلطان محمَّد بن عبد الله. ولد صاحب الترجمة سنة ١٢٥٠ هـ وتوفي سنة ١٣١٣ هـ[١٨٩٥ م].
стр. 613
١٧٠٥ - أبو زيد عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد بن محمَّد بن عبد القادر الفاسي: الفقيه العلامة الإِمام النبيه الفهّامة عمدة المحصلين وقدوة المحدثين مع الورع والدين المتين والاغتراف من عين اليقين. حفظ القرآن وجوّده رسماً وأداءً وقرأ العلم على أشياخ الوقت. مولده سنة ١٢٥٤ هـ وتوفي سنة ١٣١٣ هـ[١٨٩٥ م].
١٧٠٦ - أبو محمَّد عبد السلام بن علي بن عبد الله بن المجذوب الفاسي: المتقدم الذكر أحد الجهابذة المشهورين والأساتذة المذكورين. له وجاهة عند الملوك والأمراء وأعيان الفضلاء مع مروءة وتؤدة وجلالة وثقة وعدالة نشأ في كفالة والده وأخذ عن أبي عبد الله بدر الدين الحمومي وأبي العلاء البكراوي وأدرك جده أبا زيد المجذوب والعارف أبا حفص عمر بن المكي الشرقاوي وأجازه. توفي في جمادى الثانية سنة ١٣١٣ هـ[١٨٩٥م].
١٧٠٧ - أبو زيد عبد الرحمن بن العباس العراقي الحسني: العالم الماهر المدرس الناظم الناثر. قرأ على أخيه محمَّد بن العباس والشيخ محمَّد قنون وغيرهما، له همزية عارض بها همزية البوصيري لم تكمل ومنظومة في آداب الدعاء وأخرى في التوحيد وأخرى في شمائل المصطفى وأخرى تائية في المديح وغير ذلك. توفي سنة ١٣١٤ هـ[١٨٩٦ م].
١٧٠٨ - أبو المجد الطيب بن أبي بكر ابن الشيخ الطيب بن كيران: الشيخ الفقيه النوازلي فريد العصر والأوان وواحد الزمان كان يحفظ مختصر خليل على ظهر قلب ويلازم درسه وكان كريم النفس جواداً سخياً ضابطاً زكياً ذا همة علية ونفس أبية وكانت بينه وبين الشيخ جعفر الكتاني إلفة ومحبة. أخذ عن أبيه ومحمد بن حمدون ابن الحاج ومحمد بن عبد الرحمن الفلالي وأحمد المرنيسي، وعنه الشيخ محمَّد بن جعفر المذكور وغيره حج وزار وله في ذلك رحلة ضمنها مناسك الحج وله تآليف عديدة. مات في شعبان سنة ١٣١٤ هـ[١٨٩٦ م].
стр. 614
١٧٠٩ - أبو عبد الله الشيخ محمَّد مصطفى ماء العينين ابن الشيخ محمَّد فاضل الشريف الحسني الإدريسي الشنقيطي: الشيخ الشهير القدوة الكبير من ظهر ظهور شمس الظهيرة وانتشرت أياديه انتشار الكواكب المستنيرة صاحب التآليف الكثيرة والكرامات الظاهرة الأثيرة العلامة المشارك الذي لا يداركه في علومه من أهل عصره متدارك له أوراد وأدعية وأتباع كثيرون أخذ عن أعلام وعنه جماعة منهم ابن أخته أبو عبد الله العتيك الشنقيطي وأجاز جماعة منهم الشيخ المهدي الوزاني، كان حياً سنة ١٣٢٠ هـ[١٩٠٢م].
١٧١٠ - أبو الفضل جعفر بن إدريس الحسني الكتاني: العلامة القدوة الفهّامة العمدة المحدث النظار الذي لا يجارى بعلمه وفهمه في كل مضمار، بيته بفاس معروف بالصلاح والعلم والعدالة والسؤدد والجلالة، وفي سلوة الأنفاس ذكر جماعة من آل هذا البيت. أخذ عن جماعة منهم أبو بكر بن الطيب بن كيران وعبد الهادي بن التهامي ومحمد بن حمدون ابن الحاج وأحمد المرنيسي ومحمد بن الطالب بن سودة وأخوه المهدي ومحمد بن عبد الرحمن المدغري. وعنه أخذ أئمة منهم ابنه محمَّد وابن أخته عبد الحي الكتاني، له تآليف منها الشرب المحتضر في أهل القرن الثالث عشر. وله فهرسة. توفي سنة ١٣٢٣ هـ[١٩٠٥ م].
١٧١١ - أبو الجمال محمَّد الطاهر بن عبد الكبير بن المجذوب الفاسي: المتقدم الذكر الإِمام الفقيه العمدة الفاضل الزكي القدوة المتفنن المحقق المتقين كان ذا همة عالية شديد الشكيمة لا تأخذه في الله لومة لائم تربى في حجر والده في مروءة وعفاف وصيانة وعدالة وأمانة. أخذ عن والده وأجازه وأبي عبد الله جنون وأبي العباس أحمد البناني وأبي عبد الله محمَّد بن عبد الواحد بن سودة وأبي القاسم محمَّد القادري وغيرهم وحج سنة ١٢٨٧ هـ وأخذ عن أعلام منهم الشيخ السقا والشيخ دحلان والشيخ رحمة الله والشيخ حسن بن إبراهيم الأزهري مفتي المالكية والشيخ عبد الغني بن سعيد الدهلوي وأجازه بعضهم وأفاد واستفاد وتصدى
стр. 615
للتدريس. وأخذ عنه جماعة وانتفعوا به منهم ابناه محمَّد المهدي وعبد الحفيظ وأبو سالم عبد الله الأمراني وأبو الفيض الكتاني والمحدّث أبو الإقبال عبد الحي الكتاني والقاضي أبو عبد الله محمَّد بن الطالب الفاسي ومحمد بن إدريس القادري وأبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد الكتاني وغيرهم عرَّف به ابنه عبد الحفيظ المذكور في تأليف خاص به وبسلفه. مولده سنة ١٢٧٠ هـ وتوفي سنة ١٣٢٤ هـ[١٩٠٦م].
١٧١٢ - ابنه محمَّد عبد الحفيظ: الإِمام النبيه العلامة المؤرخ المؤلف الفهّامة نشأ في كفالة والده في عفاف وصيانة وأخذ عنه وانتفع به وعن عمه أبي جيدة وخاله عبد الكبير الكتاني وعبد الرحمن المرادي وعبد الله الأمراني ولازمه وابن عمه القاضي محمَّد بن الطالب الفاسي والقاضي عبد السلام الهواري ومحمد بن قاسم القادري والشيخ الإِمام أبي العباس الخياط والمحدّث محمَّد بن جعفر الكتاني وعبد العزيز البناني وأبي عبد الله محمَّد جنون وأبي الفيض الكتاني لازمه وانتفع به وأجازه إجازة عامة كما أجازه أبو العباس أحمد بن سودة والقاضي عبد الله حميد، وأبو الفضل جعفر الكتاني والشيخ عبد الله بن إدريس السنوسي والشيخ ماء العين وغيرهم، كتب له بالإجازة أئمة من علماء الحرمين والشام والعراق والهند والآستانة وغيرهم ممن ذكرهم في معجمه الأقيانوسي وهو في مجلدين، ومن مؤلفاته الترجمان المعرب عن أشهر فروع الشاذلية بالمغرب والروضة المنيفة في نسب شيخه الكتاني وتأييد الحقيقة جواباً عن أسئلة مختلفة وأربع رسائل في إبطال المهدوية وشذور العجسد في ذيل عناية أولي المجد بذكر آل الفاسي بن الجد فرغ منه سنة ١٣٢٩ هـ. قلت: وعنه اقتطفت هاته الترجمة وتراجم بعض فضلاء هذا البيت. وقوله الفاسي: أي لقباً. وقوله ابن الجد: هو أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن الجد الفهري المالقي الأصل الإشبيلي الوفاة المترجم له في الطبقة الثانية عشرة وكان انتقال أحفاده من الأندلس إلى العدوة أواسط القرن التاسع الهجري وظهر منهم جماعة أشرقوا إشراق الأقمار وظهروا ظهور الشمس في رابعة النهار ترجمت لكثير منهم فيما سلف.
١٧١٣ - أبو جيدة بن عبد الكبير الفاسي: الفقيه المحدّث المسند الراوية المتفنن العالم المتقين كان جليل القدر واسع الصدر سالكاً سبيل الأخيار معمراً أوقاته بالتلاوة والأذكار كلامه حكم وأمثال ومواعظ واستدلال. أخذ عن والده
стр. 616
وشيخ الجماعة محمَّد بن عبد الرحمن وأبي العباس المرنيسي وعبد السلام بو غالب وأبي العباس بناني وأبي عبد الله جنون وأبي القاسم القادري وأبي حفص عمر بن سودة وغيرهم وحج سنة ١٢٩٤ هـ ولقي أعلاماً وأجازه الشيخ دحلان والشيخ عبد الغني الدهلوي وابن أخيه الشيخ محمَّد بن مصطفى بن أحمد سعيد وغيرهم سمع منه جماعة منهم عبد الحفيظ بن محمَّد الطاهر وأجازه إجازة عامة والعلامة أبو العباس بن الخياط وأبو عبد الله محمَّد بن جعفر الكتاني، تولى خطابة القرويين بعد والده. مولده سنة ١٢٧٠ هـ وتوفي سنة ١٣٢٨ هـ[١٩١٠م].
١٧١٤ - أبو القاسم محمد الحفناوي ابن أبي القاسم الديسي ابن الشيخ إبراهيم الشهير بالقعلول: من بيت عريق في الفضل والصلاح النبيه العلامة الفاضل المؤرخ المطلع الأديب الكامل. أخذ عن والده المتوفى سنة ١٣١١ هـ[١٨٩٣م] وأجازه وعن الشيخ محمَّد الصديق الديسي وغيرهما ألّف تعريف الخلف برجال السلف في مجلدين دلّ على نبل واطلاع وفضل فرغ منه سنة ١٣٢٦هـ.
١٧١٥ - أبو عبد الله محمَّد بن يحيي الولاتي الشريف الشنجيطي: خاتمة المحققين وعمدة العلماء العاملين وحيد عصره حفظاً وعلماً وأدباً جامع لصفات الكمال موهوباً ومكتسباً بقية السلف وقدوة الخلف. أخذ عن أعلام رحل وحج ودخل تونس سنة ١٣١٥ هـ وأقام بها سبعة أشهر ولقي من الإقبال فوق ما يقال واجتمع في رحلته بكثير من رجال الكمال منهم الشيخ سالم بو حاجب واعترف كل منهما بالفضل لصاحبه وأخذ عنه جماعة منهم الشيخ محمَّد باش طبجي الحنفي وأجازه إجازة عامة، له تآليف كثيرة بين مطول ومختصر ورسائل منها شرح صحيح البخاري، ترجم له تلميذه الشيخ أبو العباس بن المأمون الحسني العلامة أحد أعلام علماء فاس وقال ما ملخصه: هو العلامة العلم الهمّام المهتم بتحرير العلوم أي اهتمام الحافظ الحجة السالك في اقتفاء السنة أوضح محجة أبو عبد الله الشيخ محمَّد يحيى الولاتي، وكان مع اشتغاله بالإفادة تأليفاً تعليماً يتجر في البر وغيره مع قدمه الراسخ في العلم والعمل. توفي في شعبان سنة ١٣٣٠ هـ[١٩١١م].
١٧١٦ - أبو عبد الله محمَّد ابن الشيخ قاسم القادري الحسني الفاسي:
стр. 617
الأستاذ المحقق النقاد المؤلف المدقق ذو الهدى الواضح والذهن الوقاد الإِمام ابن الإِمام سلالة الأفاضل الأعلام آية الله في التحرير والتقرير. أخذ عن أعلام منهم والده ومحمد بن سودة وأخوه المهدي والشيخ التازي والمهدي ابن الحاج ومحمد المدني جنون أخذ عنه المختصر وهو عن محمَّد بن عبد الرحمن الحجرتي عن اليازمي عن محمَّد البناني عن محمَّد بن عبد السلام البناني عن الشيخ عبد القادر الفاسي بسنده، وعنه أخذ الكثير، له تآليف منها حاشية على شرح الشيخ الطيب بن كيران على توحيد المرشد المعين في مجلدين دل على اطلاع وفضل. توفي سنة ١٣٣١ هـ[١٩١٢ م].
١٧١٧ - شيخنا أبو عبد الله محمَّد المهدي بن محمَّد بن خضر الحسني الوزاني الفاسي: مفتيها العلامة وفقيهها الفهّامة أستاذ الأساتذة وخاتمة العلماء المحققين الجهابذة صاحب التآليف المفيدة والرسائل العديدة العمدة الفاضل العارف بمدارك الأحكام والنوازل ومسائل المذهب والمنقول والمعقول. أخذ عن أعلام منهم محمَّد جنون ومحمد كنون والطالب حمدون ابن الحاج ومحمد بن عبد الرحمن الفلالي وأحمد بناني وعمر وأحمد والمهدي أبناء سودة والحاج صالح المعطي والقادري وماء العينين وغالبهم أجازه وسنذكر سندهم، له تآليف كثيرة أبان فيها عن كثرة الاطلاع ورزق في غالبها القبول، منها حاشية على شرح التاودي على التحفة ونوازل في مجلدات جمع فيها فتاوى المتأخرين من علماء المغرب ومعيار جمع فيه فتاوى المتأخرين والمتقدمين في مجلدات وشرح العمل الفاسي وغير ذلك مما هو كثير، وفد على تونس سنة ١٣٢٣ هـ وبالغ في إكرامه الكثير من الفضلاء ونزل ضيفاً كريماً بدار شيخنا محمَّد الطاهر النيفر وانتفع به ابنه محمَّد الصادق وأقرأ العلوم وانتفع به الكثير وأجاز الكثير بما حوته فهرسته الحافلة منهم محمَّد الصادق المذكور وأخونا في الله الشيخ الفقيه النبيه الحاج صالح العسلي وشيخنا الشيخ المفتي محمَّد النجار والعبد الفقير وسنشرح ذلك في فصل خاص يأتي، كان مفتياً مقصوداً في المهمات من سائر الجهات وتوفي عن سن عال في المحرم سنة ١٣٤٢ هـ[١٩٢٣ م].
стр. 618
١٧١٨ - أبو العباس أحمد بن محمَّد بن عمر الزكاري عرف بابن الخياط الفاسي: العلامة المتفنن الفهّامة الصوفي الفرضي الأصولي من وعاة الفقه المالكي وحملته العارفين بأصوله وفروعه الخائضين فيه جليل القدر شهير الذكر محمود السيرة طيب السريرة مع دماثة أخلاق وطيب أعلاق عمر فأحق الأحفاد بالأجداد خاتمة علماء فاس أدرك شيوخ أواخر القرن المنصرم وأخذ عنهم قراءة وسماعاً منهم محمَّد بن عبد الرحمن الحجرتي والمرنيسي وأبو غالب والحاج الداوي وعبد الرحمن السوادي المتوفى سنة ١٢٦٥ هـ والوليد العراقي المتوفى سنة ١٢٦٨ هـ ولو استجازهم لكان غرة في جبهة الراوين. والذي أجازه عامة قاضي سجلماسة محمَّد الصادق بن الهاشمي المدغري وأحمد بن أحمد بناني ومحمد بن الطيب البناني المتوفى بمراكش سنة ١٣١٧هـ[١٨٩٩ م] وعبد الملك بن محمَّد العلوي الضرير وأحمد بن محمَّد بن حمدون ابن الحاج والقاضي حميد بن محمَّد بناني وجعفر الكتاني وماء العينين وأبو جيدة الفاسي وعبد الله بن إدريس السنوسي وغيرهم، وعنه أخذ الكثير من الفضلاء منهم عبد الحفيظ بن محمَّد الطاهر الفاسي ومحمد عبد الحي الكتاني وأجازه وأجاز شيخنا المفتي بلحسن النجار. له فهارس ثلاث أكبرها في ثلاث كراريس وثانيها في ثلاث ورقات وثالثها ألّفها باسم قاضي فاس أبي فارس عبد العزيز بناني وله من التصانيف في الحديث حاشية على الطرفة، في المصطلح طبعت بفاس وله شرح على أبيات الشيخ الرهوني في الأحاديث الأربعة التي في الموطأ ولم توجد مسندة. مولده سنة ١٢٥٢ هـ وتوفي في ١٢ رمضان سنة ١٣٤٣ هـ[١٩٢٤ م] بفاس ودفن بالرملية.
١٧١٩ - شيخنا جار الله أبو عبد الله محمَّد ابن الشيخ جعفر الكتاني الشريف الحسني: الأستاذ العارف بالله الرباني جمع الله له المناقب فاختار منها وانتقى ورأى أن أحسنها وأكرمها التقوى الرجل الصالح والإمام الناصح خاتمة المحدثين والعلماء العاملين. أخذ عن أعلام منهم والده وبه انتفع وتأدب وتهذب وأبو جيدة الفاسي والطيب بن كيران وأحمد بن أحمد البناني وأجازه إجازة عامة وغيرهم مما هو كثير، وعنه الكثير من أهل المشرق والمغرب. له تآليف كثيرة منها سلوة الأنفاس وتحفة الأكياس فيمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس طبع في ثلاث
стр. 619
مجلدات وله فهرسة. رحل للمشرق وجاور بالمدينة المنورة واستفاد وأفاد واستجاز وأجاز واشتهر هناك بالعلم والصلاح. في جواهر البحار للعلامة الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني البيروتي ما ملخصه حضر إلى بيروت في شهر رمضان سنة ١٣٢٦ هـ سيدي الإِمام العلامة الكبير الشريف الشيخ محمَّد ابن العلامة الشيخ جعفر الكتاني قادماً من المدينة المنورة بعد حجه في العام السابق وإقامته في جوار جده الأعظم ﷺ يقرىء العلم وينفع الجمهور وكان قد حضر إلى بيروت قبل ذلك بثلاث سنين وشرفني بزيارته منزلي مع جماعة وحصلت لي بركته فلما بلغني قدومه إلى بيروت في هاته المرة زرته في محل إقامته وفزت بتقبيل يده ودعوته إلى منزلي فأجاب دعوتي واستفدت من علمه وبركته فوائد جمة وأجازني إجازة عامة بمؤلفاته وروايته وكان قد سبق لي إجازته بذلك في الاجتماع السابق. مؤلفاته كثيرة نافعة اهـ قلت: وقد استجزته بواسطة أخينا البارع الحكيم في الطب وإليه المرجع في ذلك أحمد بن محمَّد الشريف المكني حين إقامته ببيروت وأجابه لذلك وأجازني إجازة عامة وسنشير إليها فيما يأتي مؤرخة في ٢٨ صفر سنة ١٣٤٥ هـ ثم رجع لفاس المحروسة وبها توفي في ١٧ رمضان سنة ١٣٤٥ هـ[١٩٢٦ م] وكانت جنازته من المحافل العظيمة.
١٧٢٠ - شيخنا المسند الرحال أبو الإقبال محمَّد عبد الحي ابن الشيخ أبي المكارم عبد الكبير الكتاني: الشريف الحسني بيته بفاس شهير بالعلم والصلاح. أخذ عن والده وانتفع به وسمع منه وأجازه إجازة عامة وعن خاله أبي المواهب جعفر الكتاني وابنه أبي الفضل محمَّد والأخوين أبي جيدة ومحمد الطاهر ابني الشيخ عبد الكبير الفاسي المترجم لهم قريباً وغيرهم من أعلام المشرق والمغرب. جمع بين شرفي الاكتساب والنسب. قدم الحاضرة ولقي من الإقبال فوق ما يقال وذلك في المحرم سنة ١٣٤٠ هـ وفي الثامن والعشرين منه حل بالقيروان وتلقاه أعيانها بما يليق بفضيلته. وفي صبيحة اليوم بعده حلّ بسوسة وعشيته حلّ بالمنستير قاصداً زيارة الإمامين الجليلين أبوي عبد الله محمَّد بن يونس ومحمد المازري وبمعيته العمدة الألمعي الماجد سلالة الأماجد الحبيب الجلولي عامل القيروان ومفتيها العالم الفاضل الشيخ محمَّد ابن قاضيها العادل وعالمها العامل الشيخ صالح
стр. 620
الجودي فتلقاهم بالمبرة والإجلال في مجمع حافل عاملها العمدة الكامل حسن السقا ومفتيها وشاعرها الشيخ محمود موسى والعبد الفقير وهو بذلك جدير فكانت عشية سرور ومؤانسة وغبطة بحديثه ومنافسه واستفدنا في تلك اللحظة الوجيزة إنه كريم الأخلاق طيب الأعلاق وفي أثناء الذهاب لزيارة الإمامين المذكورين جرى الحديث على صحيح مسلم وشرحه المسمى بالمعلم المشحون بكثير من عيون المسائل معقول ومسنون والموطأ وما فيه من الثنائيات وشرح أبي عبد الله الزرقاني وما فيه من التحقيقات ولما اغتنمت الفرصة عقب الحديث والقصة استجزته وحصلت الإجازة قائلاً أجزتك بمروياتي وسنحررها لك كتابة وفي الحين امتطى عربة بخارية قبيل الغروب قاصداً الحاضرة لأنّ مبيته بها هو المطلوب وأقام بها أياماً ثم رجع لمسقط رأسه ومنبت غرسه وفي أثناء إقامته بالحاضرة طالع هذا التأليف وقرظه بما سنذكره عند التعرض للتقاريظ حفظه الله وشكره.
١٧٢١ - ومن الفضلاء الذين تشرفنا بزيارتهم من علماء فاس المحروسة الشيخ أحمد ابن نقيب الأشراف بمدينة فاس الشيخ المأمون البلغيثي العلوي الحسني: سلطان النجباء وسحبان الأدباء العلامة المؤلف المطلع المفضال النحوي اللغوي الفقيه الرحال. أخذ عن أعلام منهم محمَّد قنون وأحمد الخياط ومحمد الولاتي الشنجيطي المترجم لهم في الماضي، وعنه أخذ جماعة منهم الشيخ محمَّد بن عبد القادر بن سودة والشيخ الطاهر بن محمَّد السوسي اليفرني وفي ثاني ليلة من رمضان سنة ١٣٤٧ هـ دخل المنستير قاصداً زيارة الإمامين أبوي عبد الله محمَّد بن يونس الصقلي ومحمد المازري وبات بمنزلي ضيفاً كريماً وكنت سعيداً وبعض الفضلاء بزيارته واقتبسنا من لطف حديثه وجزالة عبارته فوائد جمة حين امتزجنا امتزاج الماء القراح بصرف الراح وحكي أنه تولى قضاء الصويرة في كرتين والدار البيضاء في مرتين ومكناسة الزيتون مرة ورحل للمشرق مرات ثلاث وحج وزار واستفاد وأفاد وله في رحلته للحجاز تأليف نظماً به أبيات ٥٦٨ هـ وهو تحت الشرح وله منظومة في علم التوحيد وله تنسم عبير الأزهار بتبسم ثغور الأشعار في شعره في مجلدين وغير ذلك وغالبها طبع منها شرح أرجوزة في آداب المتعلم والعالم في مجلد ضخم وسافر للحاضرة نصف نهار تلك الليلة وقد ترك فينا ذكراً خالداً لا تفنيه الأيام والليالي والأعوام وهذا الشرح سماه شرح الابتهاج بنور السراج أنبأ عن غزارة
стр. 621
مادة وقريحة حادة ومنزلة سامية في علم الأدب وقدم راسخة في التصنيف مع جزالة المبنى ورشاقة الألفاظ والمعنى والأرجوزة لناظمها الفقيه النبيه الأديب البارع الألمعي الأريب الكوثر البخاري الشيخ أبي حامد العربي بن أبي يحيي المساري. تولى القضاء في نواحي وطنه وله شعر سهل المأخذ عذب المورد، من شيوخه أبو عبد الله التاودي المتوفى سنة ١٢٠٩ هـ ورثاه بقصيدة بارعة رحم الله الجميع رحمة واسعة وقد استفدت أن المترجم له توفي بفاس في رجب سنة ١٣٤٨ هـ[١٩٢٩م].
فصل
اعلم أن طبقات المقصود انتهت بذكر بعض شيوخنا وشيوخ هذا العصر وهم من السادات المالكية ومن الواجب أن نذكر البعض الآخر من السادات الحنفية والذين قرأت عليهم بالمنستير لأنهم الآباء في الدين والوصلة بيني وبين رب العالمين.
١٧٢٢ - أولهم شيخنا صدر الفقهاء وأعلم العلماء شيخ الشيوخ الجهابذة وأستاذ الأساتذة من جمع الله له المناقب فاختار منها وانتقى ورأى أن أحسنها وأكرمها التقوى أبو الثناء محمود: ابن الرجل الصالح والأستاذ الناصح قاضي الحاضرة ثم مفتيها الشيخ مصطفى المتوفى سنة ١٢٧٧ هـ[١٨٦٠م]، ابن شيخ الشيوخ وعمدة أهل التحقيق والرسوخ شيخ الإِسلام الأول محمَّد بيرم المتوفى سنة ١٢١٤ هـ باني بيت آل بيرم بيتهم لهذا الوقت معمور ولواء فضلهم على كأهل الدهر منشور، لهم مناقب ومآثر ورثوها كابراً عن كابر. أخذ شيخنا المذكور هو وأخوه العلامة الهمّام شيخ الإِسلام الخامس المتوفى سنة ١٣١٨ هـ[١٩٠٠م]، عن والدهما الشيخ مصطفى وهو وابن ابن أخيه علامة عصره وفريد مصره شيخ الإِسلام الرابع المتوفى سنة ١٢٧٨ هـ[١٨٦١م]. أخذا عن جماعة منهم شيخ الإِسلام الثاني عن شيخ الإِسلام الأول عن الشيخ أحمد الماكودي بسنده ومنهم الشيخ محمَّد بن التهامي الرباطي الوافد على تونس سنة ١٢٤٣ هـ وأجازهما وهو عن الشيخ محمَّد بن عبد السلام الناصري عن الشيخ التاردي بسنده، وهذا الوافد بالغ في إكرامه جماعة من الفضلاء منهم مصطفى وابن ابن أخيه المذكوران وتقدمت الإشارة إلى ذلك وإلى بعض فضلاء البيت الخوجي في ترجمة الوافد وله شعر جيد منها قصيدة بها ما يربو على مائتي بيت ارتكب فيها الألفاظ الغريبة قرظها جماعة منهم الشيخ مصطفى المذكور بمنظوم ومنثور فالمنظوم قصيدة مستهلها:
стр. 622
سمحت بوصل بعد طول مطالها ... ودنت وقيل الشمس دون منالها
وتبسمت عند اللقاء بمدنف .... قد كان يقنع في الكرا بخيالها
حسناء تمزج لينها بقساوة .... حيناً وتوصل هجرها بوصالها
وأخذ أيضاً صاحب الترجمة عن الشيخ سالم بو حاجب وغيره، وعنه جلة منهم ابن أخيه أحمد شيخ الإِسلام السادس وهو الآن بالحاضرة قطب رحاها وشمس ضحاها وإسماعيل الصفائحي ومحمود بن محمود ومحمد بن يوسف وحمودة تاج. قرأت عليه شرح الدمنهوري على السمرقندية والماكودي على الخلاصة ومقدمة مختصر السعد والقطر بشرح مؤلفه. تولى الوظائف النبيهة منها التدريس من الرتبة الأولى ثم القضاء ثم الفتيا وتوفي عليها سنة ١٣١٦ هـ[١٨٩٨م].
١٧٢٣ - ومنهم شيخنا أبو الثناء محمود ابن شيخ الإِسلام محمَّد: المتوفى سنة ١٢٧٩ هـ ابن باني البيت الخوجي العلامة الشيخ المفتي المعروف بالصلاح والدين المتين أحمد بن الخوجة المتوفى سنة ١٢٤١ هـ فهو الإِمام العلامة الفاضل خلاصة الأفاضل همام تغلغل في شهاب العلم زلاله وماجد تسلسل حديث قديمه فطاب لراويه عذبه وسلساله خاتمة المحققين وحامل مذهب النعمان باليمين الفرد العلم الفصيح اللسان والقلم كريم المعاشرة حسن الخط والمذاكرة. أخذ عن والده وأخيه شيخ الإِسلام الثاني أحمد والشيخ قبادو والشيخ عمر ابن الشيخ والشيخ حمدة الشاهد وشيخ الإِسلام معاوية ومحمد النيفر الأكبر وتقدمت الإشارة إلى ما لآل هذا البيت من المآثر الحسنة. قرأت عليه مع جماعة مقدمة المعلول للسعد، له رسائل وفتاوى في فنون من العلم وأختام في الحديث بلغت الغاية في السبك والتحبير والتقرير منها القول المنتقى في مسألة الشرط من كتاب أبي البقا والقول النفيس في مسألة تعدد التحبيس وروضة المقل في مسألة طلاق المختبل وطب العليل في مسألة ثبوت الدين في زعم الكفيل والقول البديع في مسألة المشتري من الشفيع ورسالة في المذهبين الحنفي والمالكي في الرشد والسفه وله حاشية على الألفية سماها الحواشي التوفيقية وحاشية على الزيلعي سماها الحصين الحصين على التبيين وغير ذلك ختم الكتب العالية وتدرج في الخطط النبيهة منها التدريس من الرتبة الأولى والخطابة بجامع أبي الخيرات صاحب الطابع والنظارة العلمية والفتيا ثم مشيخة الإِسلام سنة ١٣١٨ هـ وتوفي عليها سنة ١٣٢٩ هـ[١٩١١م].
стр. 623
١٧٢٤ - ومنهم ابن شقيق المذكور شيخنا أبو عبد الله محمَّد: ابن علم الأعلام قدوة الأنام شيخ الإِسلام الثاني أحمد بن الخوجة المتوفى سنة ١٣١٣ هـ فهو عزيز إفريقية وابن عزيزها وبدر المعالي الحائز قصبات السبق في مضمار العلا وتبريزها العلامة الماهر الناظم الناثر. أخذ عن والده وعمر ابن الشيخ وجماعة. قرأت عليه نحو الثلث من شرح الدماميني على المغني، تولى التدريس من الرتبة الأولى والإمامة والخطابة بجامع سيدي محرز والفتوى وتوفي عليها سنة ١٣٢٥ هـ.
١٧٢٥ - ومنهم شيخنا محمود بن محمود: حامل رايات التحقيق وواسطة تاج التدقيق، ظهر منه ما أفعم شقائق النعمان وافتخر به مذهب أبي حنيفة النعمان، العمدة الفاضل العالم الكامل أخذ عن أعلام منهم الشيخ محمَّد النيفر الأصغر وعمر ابن الشيخ وشيخ الإِسلام أحمد بن الخوجة وعنه جماعة منهم الشيخ محمَّد النخلي ومحمود موسى، قرأت عليه مختصر السعد من أوله إلى منتصفه وأجازني تولى التدريس من الرتبة الأولى ثم القضاء ثم الفتيا وتوفي عليها سنة ١٣٤٤ هـ.
١٧٢٦ - ومنهم شيخنا أبو العباس أحمد بن مراد: ملحق الأحفاد بالأجداد العلامة المحقق الفهّامة المدقق. أخذ عن الشيخ عمر ابن الشيخ وغيره، درس وختم الكتب العالية وانتفع به جماعة منهم الشيخ محمَّد النخلي، قرأت عليه شرح المحلي على جمع الجوامع والقطب على الشمسية والكبرى من أولها إلى منتصفها وأجازني، تولى التدريس والنظارة العلمية ثم الفتيا وهو الآن بقيد الحياة حفظه الله.
стр. 624
ذكر الشيوخ الذين قرأت عليهم بالمنستير
١٧٢٧ - حفظت القرآن العظيم برواية ورش بزاوية الولي الصالح الشيخ عمر القلال على المؤدب الشيخ محمَّد خفشة ونعرض أحزابي ليلًا على الشيخ علي السخيري وحفظت كثيراً من المتون في فنون شتى وقرأت الحساب والفرائض على الثقة حسين لاز والعمل بالربع المجيب وتوحيد المرشد المعين على الموثق الشيخ علي زهرة وهما أخذا عن الشيخ محمَّد الجدي المترجم له في الماضي وعلى الشيخ الصالح الفرضي أحمد بن خود القيرواني تلميذ الشيخ إسماعيل التميمي وكانت وفاته بالمنستير في حدود سنة ١٢٧٩ هـ ودفن بمقام الإِمام المازري.
فصل
في الكليات الإِسلامية الفسطاط والأزهر وجامعي الزيتونة والقرويين
١٧٢٨ - اعلم أن أول من اتخذ تعليم العلوم بالمسجد الصحابة منهم جابر بن عبد الله وأبو هريرة وابن عباس ﵃ ثم التابعون ومنهم أبو أسامة زيد بن أسلم وجرى العمل بذلك إلى هذا الوقت وقد جمع جامع الفسطاط الذي أسسه عمرو بن العاص حلقات العلماء الذين أبقوا أكبر الآثار في الاجتهاد والاستنباط والذين أظهروا للناس كافة فقه الأئمة المجتهدين على اختلاف مذاهبهم من أصحاب مالك والشافعي ثم لما تأسس الجامع الأزهر سنة ٣٥٨ هـ صار هو الكلية الوحيدة في تلك الجهات وتخرج منه جهابذة أعلام من سائر المذاهب لا يمكن حصرهم بحال وهو جار على استقامة لهذا الوقت مقصود من سائر الجهات الشرقية وشهرته تغني عن التعريف به ونظراً لتقدم العلوم والمعارف تقدماً باهراً في هذا الوقت رأى بعض المفكرين إصلاح التعليم به وصدرت مذكرة في الغرض من الأستاذ الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر نقلها الأستاذ الشيخ طنطاوي جوهر في تفسيره سورة طه.
١٧٢٩ - أما جامع القرويين بفاس الذي أسسته أم البنين السيدة فاطمة بنت محمَّد بن عبد الله الفهري القيرواني وكان الشروع فيه في رمضان سنة ٢٤٥هـ هو إلى الآن الكلية الوحيدة تخرج منه أئمة أعلام والكلام عليه مبسوط في جذوة الاقتباس.
стр. 625
١٧٣٠ - وأما إفريقية فالكلية الوحيدة بها أولاً جامع القيروان الذي أسسه سيدنا عقبة بن نافع ﵁ سنة ٥٠ هـ، ثم لما انتقل كرسي المملكة لتونس صارت الكلية الوحيدة جامع الزيتونة وتخرج منه أئمة أعلام لا يمكن استقصاؤهم، وقد اعتنى بشأن هذا الجامع وبشأن العلوم الملوك والأمراء فجمعوا الكتب العلمية على اختلاف أنواعها وحصل منهم التغالي في اقتنائها وحفظها في الخزائن بقصورهم للمطالعة وبالمدارس وبجامع الزيتونة لنفع العموم، وكان في خزائن أبي عبد الله المنتصر ستة وثلاثون ألف مجلد وما وقع تحبيسه من أبي فارس وأبي عمرو وأبي عبد الله كثير جداً وسيأتي شرحها في التتمة، وفي الرزنامة التونسية أن جامع الزيتونة كان مستبحراً بالعلوم على اختلاف أنواعها عقلية ونقلية مقاصد ووسائل حتى كان يقال إن حذاء كل سارية من سواريه مدرساً وفي خزائنه ما يزيد على المائتي ألف مجلد، ولما دخل الإسبان تونس ربطوا خيلهم بالجامع وأستباحوا ما به وبالمدارس من الكتب وألقوها في الطرقات يدوسها العسكر بخيولهم وهذا هو السبب في قلة وجود تآليف الفحول الذين تخرجوا من هذا الجامع وكانت للمشير أحمد باشا عناية زائدة بالعلم وجمع الكتب فاشترى كتباً كثيرة لها بال وأضاف لها كتب آله الموضوعة بخزائن أسلافه ووضعت في خزائنها العشرين التي زين بها صدر الجامع على يمين المحراب وشماله ورتب به ثلاثين مدرساً نصفهم حنفية ونصفهم مالكية ثم أضاف لها المشير محمَّد الصادق باشا ست خزائن مملوءة كتباً وأحيى المكتبة المعروفة بالعبدلية بصحن الجنائز من الجامع المذكور ووضع فيها ما يزيد على الثلاثة آلاف مجلد من نفائس الكتب وزاد في الجراية للمدرسين واستنهض همتهم. قلت في هذا الوقت به من التلامذة ١٩٧٣ وعلى عهد الأمير المنعم المبرور محمَّد الحبيب باشا باي وقعت الزيادة في الجراية والمدرسين بين حنفية ومالكية في طبقات ثلاث الأولى عددها ٣٠ والثانية عددها ١٢ والثالثة عددها ٥٠ واثنان من المدرسين في فن القراءات أحدهما في المرتبة الأولى والآخر في الثانية وهاته خصصت بالتعليم الابتدائي بجامع سيدي يوسف وصيرورة هذا الجامع فرعاً لجامع الزيتونة حيث ضاق بأهله وكان ابتداء التعليم به في يوم السبت الخامس عشر من شوال سنة ١٣٤٥ هـ في احتفال عظيم وموكب فحيم حضره الأمير المذكور والخاصة والجمهور. والخلاصة أن هذا الجامع اعتنى به الأمراء وكثير من فضلاء الأمة بجعل خزائن كتب علمية وإقامة مدرسين فيه يبثون العلم الشريف وروح الشرع العزيز وقواعد الدين الحنيف وقد تخرج منه الكثير من فحول العلماء الأفاضل حاملين لواء العلوم مقاصد ووسائل، لهم مقدرة عظيمة على التقرير والتأليف والتحرير وإقامة البراهين والدلائل وحل المشكلات مع التضلع
стр. 626
في اللغة العربية الفصيحة التي أصلها مكين وموردها عذب معين وذلك من أواسط المائة السابعة إلى هذا الزمان أدام الله عمرانه ما تعاقب الجديدان فهو منبت العز والكلية الوحيدة بإفريقية والكعبة التي يؤمها الطلبة من سائر الجهات في غالب الأزمنة والأوقات.
واعلم أن أول مختط له هو الأمير الجليل حسان بن النعمان الغساني الداخل لإفريقية سنة ٧٩ هـ الفاتح لتونس وأتمه الأمير الخطيب الفصيح البارع عبيد الله بن الحبحاب الداخل لإفريقية سنة ١١٤ هـ وقيل هو أول مختط له وتم سنة ١٤١ هـ وقد جاء في تاريخه (اعلم) المرسم على الأقواس التي فوق الثوابت ثم إن زيادة الله بن الأغلب بني به الأبنية الضخمة ونقش في القبة التي فوق المحراب اسم أمير المؤمنين المستعين بالله العباسي وسقف بيت الصلاة مقام على أكثر من مائة وخمسين أسطوانة من الرخام وبعضها مرمر ووقع به بعد ذلك زيادات وتحسينات إلى أن بلغ الحالة التي عليها الآن فهو مؤسس على تقوى من الله وفيه مواضع معروفة بمحلات إجابة الدعاء فيها وأنه لا يخلو من رجل موصوف بعلم ظاهر أو شرف زاهر أو صلاح باهر ولم يزل أهل البر يوقفون عليه الأوقاف المعتبرة الإقامة شعائره وتنويره وتحصيره وغير ذلك وهي جارية على مقتضى نصوص محبسيها على أكمل وجه وأتمه والصلوات الخمس والجمعة والعيدان والدروس العلمية وتلاوة القرآن العظيم قائمة على أتم حال وأحسن منوال ولاختصاصه بهاته المزايا كانت خطة الخطابة والإمامة به أعظم الخطط زيادة على تعظيمها الشرعي تولاها الكثير من أعيان العلماء ومن رجال الكمال ذكر المؤرخون جماعة منهم منذ انتقل كرسي المملكة وإليك أيها القارئ الكريم أسماءهم:
١٧٣١ - ممن تولاها القاضي ابن عبد الرفيع المتوفى سنة ٧٣٣ هـ ثم صرف عنها وتولاها أبو موسى هارون الحميري إلى أن توفي عنها سنة ٧٢٩ هـ وتولى مكانه الشيخ محمَّد بن عبد الستار المتوفى سنة ٧٤٩ هـ والخليفة عنه الشيخ إبراهيم البسيلي وتولى مكانه الشيخ عمر بن عبد الرفيع ولما توفي الخليفة البسيلي سنة ٧٥٥ هـ تولى مكانه الإِمام ابن عرفة ولما توفي ابن عبد الرفيع سنة ٧٦٦ هـ تولى مكانه الخطابة الشيخ أحمد الغبريني المتوفى سنة ٧٧٢ هـ وتولى مكانه ابن عرفة إلى أن توفي سنة ٨٠٢ هـ وتولى مكانه الشيخ عيسى الغبريني إلى أن توفي سنة ٨١٣ هـ وتولى مكانه الشيخ أبو القاسم البرزلي إلى أن توفي سنة ٨٤١ هـ وتولى مكانه أبو القاسم القسنطيني الشهيد سنة ٨٤٦ هـ وتولى مكانه الشيخ عمر القلشاني والخليفة عنه الشيخ محمَّد المسراتي القيرواني وتوفي عمر المذكور سنة ٨٤٧ هـ وتولى مكانه المسراتي
стр. 627
المذكور وتوفي سنة ٨٥٠ هـ وتقدم عوضه الشيخ محمَّد بن عقاب وتوفي سنة ٨٥١ هـ وتولى مكانه الشيخ محمَّد الونشريسي وتوفي سنة ٨٥٣ هـ وتولى مكانه الشيخ محمَّد البحيري وتوفي سنة ٨٥٨ هـ وتولى مكانه الشيخ أحمد القلشاني وتوفي سنة ٨٦٣ هـ وتولى مكانه الشيخ أحمد المسراتي وهو الذي صلى على جنازة الشيخ أحمد بن عروس المتوفى سنة ٨٦٨ هـ وتوفي المسراتي سنة ٨٨٢ هـ وتولى مكانه الشيخ محمَّد القلشاني وتوفي سنة ٨٩٠ هـ وتولى مكانه الشيخ محمَّد الرصاع وتوفي سنة ٨٩٤ هـ وتولى مكانه الشيخ محمَّد بن عصفور وبعد ذلك توالت المحن والمصائب علي الحاضرة ولم يوجد فيها من يؤرخ رجالها ولذا عمى الخبر على المتولين للخطابة والإمامة به إلى سنة ٩٧٠ هـ فكان القائم بذلك الشيخ محمَّد الأندلسي ثم أبو الفضل البرشكي وتوفي سنة ٩٩٢ هـ وتولى مكانه الشيخ محمَّد بن سلامة وتوفي سنة ٩٩٣ هـ وتولى مكانه الشيخ محمَّد الأندلسي إلى أن توفي سنة ١٠١٧ هـ وتولى مكانه الشيخ أبو يحيى الرصاع إلى أن توفي سنة ١٠٣٣هـ وتولى مكانه الشيخ تاج العارفين البكري واستمرت الخطابة في بيته بين بنيه ١٩٣ سنة فأولهم تاج العارفين المذكور وآخرهم أبو الحسن علي بن أبي الغيث منهم مَن باشرها بنفسه ومنهم مَن باشرها بواسطة خليفة عنه وقد باشر الخلاف جماعة من علماء بيت العامري وغيرهم وفي خلال السنين المذكورة تخلفت عنهم الخطابة مدة يسيرة وكانوا معتمدين بشرفهم وفضلهم على الخطة المذكورة إلى أن بلغوا الغاية التي أخرجتها من أيديهم وقد جرت عادة الله في بيوت أهل الفضل والشرف من الملوك وغيرهم إذا تطاول عليها الزمان واعتمد عليها أبناؤها ولم يحصلوا على شرف لأنفسهم فلا يلبث بهم الاشتغال بالترف وحضارة العيش أن يهدم معالمهم التي بناها آباؤهم وغفلوا عن تجديدها. ولنرجع لما كنا بصدده لما توفي أبو الحسن علي البكري المذكور قدم عوضه للإمامة الكبرى أبو محمَّد حسن بن عبد الكبير الشريف وتوفي سنة ١٢٣٤ هـ وقدم عوضه أخوه محمَّد وتوفي سنة ١٢٥٥ هـ وقدم عوضه الشيخ إبراهيم الرياحي وتوفي سنة ١٢٦٦ هـ وقدم عوضه الشيخ محمود بن علي محسن الشريف ابن عم الشيخ حسن المذكور وتوفي سنة ١٢٨٤ هـ وتولى مكانه ابن أخيه محمَّد بن محمَّد بن علي محسن وتوفي سنة ١٢٨٩ هـ وتولى مكانه الشيخ صالح النيفر وتوفي سنة ١٢٩٠ هـ وتولى مكانه الشيخ محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن عبد الكبير الشريف وتوفي سنة ١٣٠٧ هـ وتولى مكانه ابن عمه أحمد بن حمدة الشريف وتوفي سنة ١٣٣٧ هـ وغالب هؤلاء الخطباء مترّجم لهم بالمقصد.
стр. 628
صلة
١٧٣٢ - اعلم أني ذكرت في الطبقات جماعة من أئمة الصوفية المشهورين بالعلم والعرفان والصلاح ولهم في علم التصوف والرقائق المعاني الرائقة والإشارات الفائقة والذوق السليم والفكر الثاقب المستقيم وحصل لهم بذلك بُعد الصيت والجاه العظيم وهم في سلوكهم متفرعون إلى طرق ولكل واحد منهم أتباع ومورد الجميع عذب معين وهو السنة والكتاب المبين وأستاذ طائفة منهم الإِمام الشاذلي وهناك أساتذة آخرون كالشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ الدسوقي.
واعلم أن لهؤلاء السادة خرقة يتبركون بها وتعرف بالمرقعة ولهم في ذلك سند وأدلة. وفي اختصار البوسعيدي لجامع البرزلي ما ملخصه في الموطأ أن عمر ﵁ كان يلبس ثوباً مرقعاً بين كتفيه برقع ثلاث وهو أمير المؤمنين ورأى ابن عمر أباه في جمرة العقبة وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة بعضها من أدم ولبس أبو بكر ﵁ الكساء حتى عرف به وكان علي ﵁ مخشوشناً في لباسه ومطعمه. الْبُرْزُلي ومن هذه الآثار أخذ المتصوفة لباس الخرقة المسماة بالمرقعة وقد رواها جماعة مثل الشيخ أبي العباس أحمد بن إدريس البجائي الذي أخذ عنه بعض التونسيين والشيخ أبي المحاسن يوسف العجمي بالديار المصرية وأخذها عنه جماعة. اهـ وفي خلاصة الأثر قال الصح من القرب لبس الخرقة وقد استخرج لها بعض المشايخ أصلاً من السنة وهو حديث أم خالد قالت: أتي النبي ﷺ بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة فقال: "ائتوني بأم خالد" فأتي بها قالت: فألبسنيها بيده وقال: ابلي واخلقي" وهو مخرج في الصحيح، قال: ولم يكن في الخرقة إسناد عال وذكره ثم قال: وليس بقادح فيما أوردناه من كون لبس الخرقة غير متصل السند إلى منتهاه على شرط أصحاب الحديث في الأسانيد لأن المراد ما تحصل به البركة والفائدة باتصالها بجماعة من الصالحين. اهـ وفي شرح الشفا للشهاب الخفاجي عند تعرضه لترجمة الحسن البصري اختلفوا في كونه لقي علياً ﵁ وروي عنه فذهب الكثير أنه لم تثبت رؤيته له ولا أنه ألبسه خرقة المشايخ الصوفية قدس الله أرواحهم ونفعنا بهم على الطريقة المعروفة عندهم وذهب الكثير من المحدثين إلى أنها بدعة لم تصح لكن الجلال السيوطي صنف فيها جزءاً لطيفاً وقال إنها ثابتة وأثبث أيضاً أن الحسن البصري اجتمع بعلي ﵁ وكذا ذكر الحافظ ابن حجر فلا عبرة بإنكار غيرهما وسن الحسن متحمل له والمثبت مقدم على النافي. اهـ وفي خاتمة فهرس الشيخ الأمير أن الخرقة وحدها ليست هي
стр. 629
المقصود الأصلي من الطريق بل مدار أصل الطريق مجاهدة النفس وإلزامها العمل بما جاءت به الطريقة المحمدية في الباطن والظاهر ولبس الخرقة فعله القوم للتبرك وليجتمع بخرقتهم أصحاب طريقتهم فالطريقة هي العمل بالكتاب والسنة والحقيقة أسرار وأنوار يثمرها العمل ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ اهـ ببعض اختصار.
تنبيه
١٧٣٣ - اعلم أني التزمت ذكر الوفيات وقد حصل المطلوب في الجل ومَن لم أذكر وفاته فموجبه عدم حصول العلم بها لكن ذكرهم في طبقات معاصريهم كاف في الغرض المطلوب كما أني التزمت ذكر مشيخة المترجم له والحال أني ذكرت مَن لم نذكر له مشيخة سببه عدم الوقوف عليها ولشهرتهم ذكرتهم في طبقات معاصريهم كابن شاس وابن التين وأبي زيد الأخضري وغيرهم، قال بعض الأئمة: إن العلماء أشتات متفرقون في أقطار شاسعة وأمصار بعيدة والوقوف على تراجمهم وآثارهم وقصد الصحة في ذلك يحتاج إلى تعب شديد وصبر طويل على استطلاع الحقائق من قطر المترجم له وخزائن كتب قطره. قلت: التعب أشد والصبر أطول على مَن كان في بلد خال من الكتب ومن المرشد المعين وذكرت أيضاً كثيراً من العلماء الأخيار ممن تقدم أو تأخر فيما مضى من الأعصار ولم نذكر كثيراً منهم لعدم وصول أخبارهم إلى وانبهام كثير من أحوالهم علي وذلك غاية المقدور وهو يدل على ما بي من الجهل والقصور وعدم بلوغ مراتب الكمال والظهور ورحم الله القائل:
أسير خلف ركاب النجب ذا عرج ... مؤملاً جبر ما لاقيت من عرج
فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا ... فكم لرب السما في الناس من فرج
وإن ضللت بقعر الأرض منقطعاً ... فما على أعرج في ذاك من حرج
على أن المرء وإن بلغ جهده فالإحاطة إنما تكون لله وحده وغاية القول فيمن ذكرته أو لم نذكره أنهم في الحقيقة سادات السادات الذين لهم فضائل تقصر عنها الغايات وبذكرهم تستنزل الرحمات وبصفاء أنفاسهم الزكية تنقشع غمائم الغمة والمدلهمات ورحم الله القائل:
لي سادة من عزهم ... أقدامهم فوق الجباه
إن لم أكن منهم فلي ... في ذكرهم عز وجاه
والله أسأل عطفهم علي ورضاهم والدخول تحت لواهم والتجاوز عما صدر مني من التقصير والمسامحة فيما لم أتنبه إليه من سوء أدب أو تغيير فإني أعلم أنهم
стр. 630
فوق وصفي وأني لا أقدر أن أقوم بواجب حقهم ولا أوفي، ولكن جرأني عليهم قصد التشبث بأذيالهم واستجلاب عطفهم وإقبالهم والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد واسطة عقدهم ومركز دائرة مجدهم وعلى آله وصحبه والتابعين وسائر أئمة الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فصل
١٧٣٤ - اعلم أني ذكرت فيما تقدم مشايخي الذين هم الآباء في الدين والوصلة بيني وبين رب العالمين وبقي علي ذكر أب الماء والطين، لأكون قد أديت المطلوب ووفيت بالمرغوب من الثناء عليهم والشكر لهم والله ولي التوفيق وعليه فأقول إني لما حفظت القرآن العظيم على نحو ما تقدم شرحه طرأ على والدي ما كدر حالي وغيّر بلبالي ودام ذلك نحو أربع سنوات لم يقع فيها مني التفات لقراءة العلوم وصار الالتفات إلى ذلك في حكم المعدوم لحصول ارتباك في ثروته سببه ركونه لظالم وهو الوزير مصطفى بن إسماعيل قال عز ذكره: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ وبعد ذلك تحسن الحال والحمد لله على كل حال. ووالدي ﵀ هو محمَّد بن عمر بن قاسم مخلوف الشريف ينتهي نسبه للشيخ عمر مخلوف الآتي ذكره في الخاتمة كان يؤثرني على إخوتي واعتنى بتربيتي وتهذيبي حتى حصل على مرغوبه واتصل بمطلوبه وكانت وفاته في غرة شعبان سنة ١٣٠٣ هـ ودفن حذو قبر جده عمر المذكور وكان محباً للعلماء والمنتسبين والأولياء والصالحين، كثير الزيارة لهم، والتردد عليهم، فعادت بركته وبركتهم عليّ في الدنيا وإن شاء الله في الأخرى كذلك وممن عادت بركته علينا الشيخ الصالح المجذوب المشهور إبراهيم الهبردي الورداني كان والده ذا ثروة وزهد في ميراثه فيه وذهب للمنستير وأقام به ما يربو على العشرة أعوام وغالب إقامته بدارنا ومن زهده أنه لم يعلم أنه لبس غير الحرام المرقع ولم يعلم أنه أخذ درهماً من أحد بطلب أو بدون طلب وله كرامات ظاهرة كثيرة متواترة ولما طعن في السن رفعه أهل بلده إلى مسقط رأسه وبه توفي سنة ١٣٠٤ هـ ودفن بزاويته المقصودة بالزيارة حتى الآن ولما انتهى دور تلك السنوات وتبدلت الأحوال زودني والدي بالدعاء الصالح والمال بقصد الترحال إلى الحاضرة المحروسة ويسّر الله البلوغ إلى رحابها المأنوسة في جمادى الأولى سنة ١٢٩٩ هـ وبعد أن حصلت على المنزل الذي هو الركن الأول دخلت جامع الزيتونة لأقتطف من أزاهر العلم أصوله وفنونه ووجدت به سادة أئمة قادة يهتدون بهم في ظلم الجهل المدلهمة صدور علم وفرسان، كلام في ميدان نثر ونظام أشرقت شموس فضائلهم في ميدان السعود ونظموا في سلك الفصائل تنظيم الدر في أسلاك العقود
стр. 631
رياض آداب، كلها زواهر وبحار علم كلها لآلىء وجواهر. فقرأت على مَن ترجمت لهم في الماضي وهم أفاضل أمغطوا من سائر العلوم غوارب الإنتاج وأماثل فاضت بحور علومهم كما يفيض البحر المتلاطم الأمواج، اغترفوا من حياض المعارف، نمير الحقائق واقتطفوا من رياض الآداب ثمرات اللطائف والرقائق وإذ ذاك غصن الصبا بأيام السعادات مورق وبدر الشباب في سماء الكمالات مشرق وأنا خلي البال مما يشغل البلبال لا دأب لي إلا مواسم وقود العلوم في سوق عكاظها ولا شغل لي إلا اكتشاف وسائم وجوه المعاني المخبأة تحت براقع ألفاظها واقتناص الشوارد وتقييد الأوابد فعكفت على ذلك الحال، ولازمت ذلك المنوال، حتى حصلت علي رتبة التطويع بعد الاختبار من السادات النظار وهي رتبة يكون صاحبها من العدول المبرزين وممن يمكن نظمه في سلك المدرسين وذلك سنة ١٣٠٧ هـ وأقرأت بالجامع المذكور الصغرى وصغرى الصغرى والعشماوية والمرشد المعين والرسالة والأجرومية والقطر والماكودي على الخلاصة من أوله إلى العطف وفي سنة ١٣١٣ هـ أسند إلى التدريس بالمنستير وفيها أسندت إلى خطة الفتوى بقابس ثم القضاء بها وفي سنة ١٣١٩ هـ أسندت إلى خطة القضاء بالمنستير وخطة الإمامة والخطابة بجامعها الكبير وفي أثناء الإقامة بفاس ألّفت مواهب الرحيم في مناقب الشيخ عبد السلام بن سليم المتوفى سنة ٩٨٩ هـ وطبع وانتشر وشرعت في هذا التأليف وعرضت أثناء جمعه عوائق كثيرة وحررت رسالة في فضيلة الطب والمستشفيات وتقريرات على الأربعين الثنائيات المذكورة في طبقة التابعين غير أنها محتاجة إلى التهذيب وقد عرضت موانع تمنع من الحصول على المطلوب وإن زالت وقدر الله مهلة في الأجل وتسهيلاً في العمل فإني أستأنف ذلك والله الموفق والمعين.
صلة
١٧٣٥ - اعلم أني ترجمت لنفسي فيما تقدم والمقصود هو التحدث بالنعمة والاقتداء بالسلف الصالح ونعمه جل ذكره لا تحصى ولا تعد ولا تستقصى قال عزّ من قائل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] في روح المعاني عند قوله ﷻ : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] قيل: هو من يرى عجزه عن الشكر لأن توفيقه للشكر يستدعي شكراً آخر إلى ما لا نهاية له وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله .... وإن طالت الأيام واتسع العمر
стр. 632
وفيه عند قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١] فإن التحدث بها شكر لها كما قال عمر بن عبد العزيز مرفوعاً "مَن أعطى عطاءً فوجد فليجز به فإن لم يجد فليثن به فمن أثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور" ولذا استحب السلف التحدث بما عمل من الخير إذا لم يرد به الرياء والافتخار بل بعض أهل البيت ﵃ حمل الآية على ذلك، أخرج ابن أبي حاتم عن مقسم قال: لقيت الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ فقلت له: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ فقال: "الرجل المؤمن يعمل عملاً صالحاً فيخبر به أهل بيته" وأخرج ابن أبي حاتم عنه ﵁ قال فيها "إذا أصبت خيراً فحدّث به إخوانك" اهـ روح المعاني وفي السيرة الحلبية في باب عموم بعثته ﷺ بعد أن ساف أحاديث في بعض الفضائل التي اختص بها فمنها أنه ﷺ قال: "أنا محمَّد أنا أحمد" ثم قال ما نصه في وصفه ﷺ نفسه بما ذكر وقول عيسى ﵇ ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ الآية وقول سليمان ﵇ ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ الآية دليل على جواز التحدث بالنعمة وهو الأصل في ذكر العلماء مناقبهم في كتبهم وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ ومن قوله ﷺ : "التحدث بنعمة الله شكر وتركه كفران" قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ وعن سفيان الثوري: مَن لم يتحدث بنعمة الله فقد عرضها للزوال والحق في ذلك التفصيل وهو أن من خاف من التحدث بالنعمة وإظهارها الرياء فعدم التحدث بها وعدم إظهارها أولى ومن لم يخف ذلك فالتحدث بها وإظهارها أولى وفي الشفا عند قوله السادس أمره بإظهار نعمته عليه وشكره ما شرفه به بنشره وإشادة ذكره بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ فإن من شكر النعمة التحدث بها وهذا خاص به عام لأمته، قال شارحه الشهاب الخفاجي: التحدث بالنعمة شكر لها وقد قالوا إنه يحسن من الإنسان الثناء على نفسه وذكر محاسنه وفضائله في مواضع يستثنوها من الأصل الغالب على الكل محادة من هضم أنفسهم وروي عن علي كرّم الله وجهه أنه قال: إذا أصبت خيراً فحدّث به إخوانك، ومن مواطن التحدث بالنعم ما إذا جهل قدره ونوزع في أمر وروي مثله عن كثير من الصحابة وللسيوطي رحمه الله تعالى تأليف سماه نزول الرحمة في التحدث بالنعمة وأشار بمن التبعيضية فإن من شكر النعمة التحدث بها إلا أن للشكر طرقاً أخر كإظهار الملابس والمطاعم والمراكب وفي الحديث التحدث بالنعمة شكر وفيه إذا أنعم الله على عبده بنعمة أحب أن يرى أثرها عليه اهـ شهاب. وللعارف بالله الشعراني تأليف سماه لطائف المنن والأخلاف في بيان وجوب التحدث بنعمة الله
стр. 633
على الإطلاق قال في خطبته: وكان الباعث على تأليفه أموراً منها الاقتداء في ذلك بالسلف الصالح وذكر جماعة منهم الحافظ ابن حجر وتلميذه الحافظ السيوطي فإنه ذكر مناقبه في تراجم الفقهاء وفي طبقات المحدثين وطبقات المفسرين وفي طبقات المقرئين وفي طبقات النحاة واللغويين وفي طبقات الصوفية وقال في كتابه: التحدث بالنعمة إنما ذكرت مناقبي اقتداء بالسلف الصالح وتعريفاً بحالي في العلم ليأخذه الناس علي وتحدثاً بنعمة الله تعالى لا الافتخار على الأقران ولا طالباً الدنيا ومناصبها وجاهها معاذ الله أن أقصد ذلك وأي قدر للدنيا حتى نطلب تحصيلها بما فيه ذهاب الدين واللعنة والطرد عن حضرة الله تعالى. الشعراني وكذلك أقول إني لم أقصد بما ذكرته لك من الأخلاق في هذا الكتاب الافتخار على الأقران معاذ الله أن أهدي إلى حضرته تعالى كتاباً مشتملاً على ما استحق به اللعن والطرد وهذا هو قصدي الآن وأرجو الله تعالى دوام هذه النية الصالحة إلى الممات وما ذلك على الله بعزيز اهـ والعبد الفقير قائل بمثل مقاله ناسج على منواله ومنوال أهل الفضل مثله داعياً بدعائه راجياً القبول بمنه وفضله وما ذلك على الله بعزيز.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح
فصل
١٧٣٦ - اعلم أن عقود درر الشجرة انتظم من سبع وعشرين طبقة والإمام مالك قدس الله روحه من رجال الطبقة الرابعة ومذهبه ظهر بالمدينة المنورة ثم انتشر في حياته وبعد وفاته في أقاليم كثيرة وأقطار متعددة منها الحجاز والعراق ومصر وطرابلس والأندلس وإفريقية وصقلية والسودان والمغربان الأقصى والأوسط. لكن انتشاره كان طويل المدد وذيعانه كان مديد المدد في خصوص العراق ومصر وإفريقية والأندلس والمغربين فحالته في هاته الأقطار جديرة بأن تذكر وتطلب وحقيقة أن تبسط إذ هي فروع خمسة في رجال المذهب وترتيب رجال كل فرع على مقتضى الوفيات من أوله إلى منتهاه.
١٧٣٧ - أما فرع العراق فإن المذهب فيه انتشر انتشاراً باهراً ثم ضعف ضعفاً ظاهراً واستمر الحال على ذلك حتى الآن في الديباج عند ترجمة أبي بكر الأبهري ما نصه انتشر مذهب مالك في البلاد وبعد موت أبي بكر المذكور وكبار أصحابه لتلاحقهم به وخروج القضاء عنهم إلى غيرهم من مذهبي الشافعي وأبي حنيفة ضعف مذهب مالك بالعراق وقيل طالبه لاتباع الناس أهل الساسة والظهور اهـ.
стр. 634
١٧٣٨ - وأما فرع مصر فإن المذهب انتشر فيه انتشاراً قوياً ثم انقطع نحو القرنين انقطاعاً كلياً ثم تراجع وذاع أتم ذيعان واستمر على ذلك حتى الآن في حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة عند ذكر من كان بمصر من أئمة الحنابلة ما نصه أن مذهب الإِمام لم يبرز خارج العراق إلا في القرن الرابع وفي هذا القرن ملك العبيديون مصر وأفنوا من كان بها من أئمة المذاهب الثلاثة قتلاً ونفياً وتشريداً وأقاموا مذهب الرفض والشيعة إلى أواخر القرن السادس فتراجعت إليها الأئمة من سائر المذاهب اهـ.
١٧٣٩ - وأما فرع إفريقية فإن المذهب استفاض فيه أمداً ثم ضعف مُدداً ثم تراجع إلى انتشاره واستفاضته ولم يزل حتى اليوم على حالته في جذوة الاقتباس كان الغالب على أهل المغرب مذهب الكوفيين إلى أن دخل ابن زياد التونسي وابن أشرس والبهلول بن راشد وأسد بن الفرات وغيرهم من الحفاظ لمذهب مالك فأخذه الكثير من الناس ولم يزل ينتشر إلى أن جاء سحنون ففض حلق المخالفين واستمر المذهب بعده في أصحابه فشاع في أقطار المغرب إلى وقتنا هذا اهـ وانتشر أيضاً العلم بإفريقية واستبحر خصوصاً بالقيروان واستمر على ذلك مدة مديدة وسنين عديدة ثم ضعف ضعفاً بيناً أواخر الدولة الصنهاجية ثم تراجع أوائل دولة بني أبي حفص ونما وانتشر ثم ضعف وكاد ينقطع أواخر هاته الدولة وأوائل دولة الترك ثم أخذ في التراجع والنمو شيئاً فشيئاً إلى هذا العهد وقال ولي الدين بن خلدون: سند تعلم العلم كاد ينقطع من المغرب بإخلال عمرانه وتناقص الدولة وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس واستبحر عمرانهما وكان فيهما من العلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما فلما خربتا انقطع التعليم بالمغرب. اهـ وفي مسامرات الظريف أنه بانتهاء المائة التاسعة انقطع الخبر وعمي الأثر وطوي بساط أخبار العلماء والفضلاء مما دهم إفريقية وخصوصاً الحاضرة أواسط المائة العاشرة بتقلص ظل الدولة الحفصية عنها وبلوغها سن الهرم مع ارتباك الأحوال وتراكم النوائب والأهوال. اهـ وفي تاريخ الشيخ حمودة بن عبد العزيز كاد العلم أواخر هاته الدولة وأوائل دولة الترك يرتفع منها بالمرة ثم تراجع شيئاً فشيئاً طبقة بعد طبقة كل طبقة هي أكثر عدداً من التي قبلها. اهـ.
١٧٤٠ - وأما فرع الأندلس فإن المذهب شبّ فيه وانتشر ودام على ذلك قروناً كثيرة واستمر ثم شاب وانقطع أواخر القرن التاسع واندثر. في جذوة الاقتباس كان رأيهم منذ فتحت على مذهب الأوزاعي إلى أن رحل زياد بن عبد الرحمن
стр. 635
شبطون وغيره فجاؤوا بعلم مالك وبيّنوا للناس فضله حتى عرفوا حقه واقتدوا به وأخذه أمير الأندلس هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن عبد الملك وألزم الناس به وصيّر القضاء والفتيا عليه وذلك في عشر السبعين ومائة في حياة مالك. اهـ واستمر المذهب في الانتشار والعلم في الاستبحار إلى الطبقة الرابعة عشرة فأخذ في الرجوع إلى الوراء والضعف والقهقرى حتى انقطع بالمرة أواخر المائة التاسعة وانتهى الحديث عنهم بتاتاً.
١٧٤١ - وأما فرع المغربين الأقصى والأوسط فإن أهله كانوا تابعين لإفريقية ثم ظهر لمذهب بينهم وكثر انتشاره واشتد ساعده وعلا مناره واستمر على انتشاره الباهر ونموه الزاهر إلى يومنا الحاضر في جذوة الاقتباس أول من أدخل مذهب مالك المغرب دراس بن إسماعيل المتوفى سنة ٣٥٧ هـ وفي المعجب اجتمع بمدينة فاس علم القيروان وقرطبة إذ كانت حاضرة الأندلس والقيروان حاضرة المغرب فلما اضطرب أمر إفريقية بعبث العرب فيها واضطرب أمر قرطبة آخر ملوك بني أمية رحل من هذه وهذه من كان فيهما من العلماء والفضلاء من كل طبق فراراً من الفتنة فنزل أكثرهم مدينة فاس. اهـ.
следующие страницы →