Полный текст (970 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
العرب يعرفون أكثر ما يقول وما جهلوه سألوه عنه فيوضحه لهم واستمر عصره ﷺ إلى حين وفاته على هذا السنن المستقيم وعليه سلك الصحابة في عصرهم وكان اللسان العربي عندهم صحيحاً محروساً من الدخيل إلى أن فتحت الأمصار وخالط العرب غير جنسهم من الروم والفرس والحبش والقبط وغيرهم من أنواع الأمم الذين فتحت بلادهم للمسلمين ورفرف عليها علم الموحدين فاختلطت الفرق وامتزجت الألسن وتداخلت اللغات ونشأ بينهم الأولاد فتعلموا من اللسان العربي ما لا بد لهم في الخطاب والمحاورة منه وتركوا ما عداه لغنيتهم عنه واستمر الأمر على هذا النهج إلى أن انقرض عصر الصحابة القرن الأول وجاء التابعون لهم بإحسان فسلكوا سبيلهم وإن كانوا في الإتقان دونهم ولم ينقض زمانهم سنة ١٥٠هـ إلا واللسان العربي قد استحال أعجمياً أو كاد فلا ترى المستقل به والمحافظ عليه إلا الآحاد فجهل الناس من هذا اللهم ما كان يلزمهم معرفته وأخروا منه ما كان يجب عليهم تقدمته فلما أعضل الداء وعزّ الدواء ألهم الله جماعة من أولي المعارف والنهى أن يصرفوا إلى هذا الشأن طرفاً من عنايتهم فشرعوا للناس موارده وقعدوا لهم قواعده فقيل إن أول مَن جمع في هذا الفن شيئاً أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري المتوفى سنة ٢١٠هـ فجمع من ألفاظ غريب الحديث والآثار كتيباً صغيراً ولم تكن قلته لجهله بغيره من غريب الحديث وإنما كان ذلك لأمرين أحدهما أن كل مبتدع لأمر لم يسبق إليه بأن يكون قليلاً ثم يكثر والثاني إذ الناس يومئذ كان فيهم بقية وعندهم معرفة فلم يكن الجهل قد عمّ ثم جمع أبو الحسن النضر بن شميل المازني المتوفى سنة ٢٠٣هـ كتاباً أكبر من كتاب أبي عبيدة بسط فيه القول على صغر حجمه ثم جمع عبد الملك بن قريب الأصمعي المتوفى سنة ٢١٤ هـ وكان في عصر أبي عبيدة كتاباً أحسن فيه الصنع وأجاد وكذلك محمَّد بن المستنير المعروف بقطرب المتوفى سنة ٢٠٦ هـ وغيره من أئمة اللغة والفقه جمعوا أحاديث وتكلموا على لغتها ومعناها واستمر الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة ٢٢٣ هـ فجمع كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار وإنه لكتاب حافل بالحديث والآثار والمعاني اللطيفة والفوائد الجمة وبقي كتابه معتمد الناس إلى عصر أبي عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ٢٧٦ هـ وهو كتاب مثل كتاب أبي عبيد أو أكثر منه ثم أكثر الناس من التصانيف في هذا الفن كالمبرد المتوفى سنة ٢٨٥ هـ وثعلب المتوفى سنة ٢٩١ هـ ومحمد بن قاسم الأنباري وسلمة بن عاصم النحوي وعبد الملك بن حبيب المتوفى سنة ٢٣٨ هـ وغيرهم من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث واستمر الحال إلى عهد الإِمام محمَّد بن أحمد الخطابي البستي فألّف كتابه المشهور في غريب الحديث سلك فيه
стр. 702
نهج أبي عبيد وابن قتيبة فكانت هذه الكتب الثلاثة في غريب الحديث والأثر أمهات الكتب وعليها عوّل علماء الأمصار وأبو عبيد أحمد بن محمَّد الهروي المتوفى سنة ٤٠١هـ وهو من طبقة الخطابي ومعاصريه ألّف كتابه السائر جمع فيه بين غريب القرآن والحديث ورتبة ترتيباً لم يسبق إليه مرتباً على حروف المعجم وذاع صيت هذا الكتاب بين الناس واتخذوه عمدة في الغريب واقتفى أثره كثيرون واستدرك ما فاته آخرون وما زالت الأيام تنقضي عن تصانيف وتبرز تآليف إلى عهد الإِمام أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري فألّف كتابه الفائق في غريب الحديث وإنه لكتاب قيم ولكن في العثور على معرفة الغريب منه مشقة فكان لذلك كتاب الهروي أقرب منه متناولاً وألّف أبو بكر محمَّد بن أبي بكر المديني كتاباً جمع فيه على طريقة الهروي وكذلك صنف أبو الفرج عبد الرحمن الجوزي كتاباً في غريب الحديث خاصة ولمهذب الدين بن الحاجب تأليف في عشر مجلدات ثم جاء مسجد الدين مبارك المعروف بابن الأثير الذي لخص ما تقدم من مقدمة نهايته فجمع ما في كتاب الهروي والمديني من غريب الحديث والأثر وأضاف إليه ما عثر عليه في كتب السنة من صحاح وسنن وجوامع ومصنفات ومسانيد سالكاً في الترتيب منهج أصله فكان من ذلك كتابه النهاية في غريب الحديث والأثر وقد اختصر النهاية عيسى بن محمود الصفوي وكذلك الجلال السيوطي في كتابه الدر النثير تلخيص نهاية ابن الأثير وقد طبعت النهاية وبالهامش الدر النثير.
قلت: ومن الكتب المؤلفة في غريب الحديث مشارق الأنوار للإمام القاضي عياض في تفسير غريب حديث الموطأ والبخاري ومسلم وضبط الألفاظ والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات وضبط أسماء الرجال وهو كتاب لو كتب بالذهب ووزن بالجوهر لكان قليلاً في حقه.
علم رجال الحديث
١٨١٣ - هذا فن جليل القدر عظيم الأثر، الحاجة إليه داعية والضرورة به قاضية وليس من عظيم في الحديث وهو عنه بعيد أو باعه فيه قصير وكيف لا يكون كذلك وهو نصف علم الحديث فإنه سند ومتن والسند عبارة عن الرواة فمعرفة أحوالهم نصف هذا العلم بلا ريب والكتب المصنفة فيه كثيرة الأنواع متشعبة الأغراض فمن مؤلف في أسماء الصحابة خاصة أو في رواة الحديث عامة ومن خاص بالثقات أو الضعفاء أو الحفاظ أو المدلسين أو الوضاعين ومن مبين للجرح والتعديل وألفاظهما ومراتب كل منهما من كاشف عن المؤتلف والمختلف أو المتفق
стр. 703
والمفترق من الأسماء والإنساب ومن قاصر على ذكر الوفيات أو موضح لرجال كتاب معين أو عدة كتب مخصوصة وكل كتب فيه العلماء فأحسنوا الكتابة وبلغوا فيها الغاية كما ترى بعد.
أسماء الصحابة
١٨١٤ - الصحابي كل مَن لقي النبي ﷺ مؤمناً ومات على ذلك ولو تخللت ردة في الأصح، وأول مَن يعرف عنه التصنيف في هذا النوع الإِمام أبو عبد الله البخاري أفرد أسماء الصحابة في مؤلف وجمعها مضمومة إلى مَن بعدهم جماعة من طبقة مشايخه كخليفة بن الخياط المحدّث النسّابة ومحمد بن سعد الذي بلغ مؤلفه خمسة عشر مجلداً ومن قرنائه كيعقوب بن سفيان وأبي بكر بن أبي خيثمة وصنف في الصحابة خاصة جمع بعدهم كالحافظ البغوي والحافظ عبد الله بن أبي داود ثم علي بن السكن ثم عمر بن شاهين وأبو حاتم الرازي والطبراني ثم عبد الله بن منده المتوفى سنة ٣٥٥ هـ والحافظ أبو نعيم ثم ابن عبد البر ألّف الاستيعاب فذيّل عليه أبو بكر بن فتحون ذيلاً حافلاً وذيّل عليه جماعة في تصانيف لطيفة وذيّل المديني على ابن منده ذيلاً كبيراً وما زال الناس يؤلفون في ذلك إلى أن كانت تباشير القرن السابع فجمع عز الدين بن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ هـ كتاباً حافلاً سماه أسد الغابة جمع فيه كثيراً من التصانيف المتقدمة إلا أنه تبع من قبله فخلط مَن ليس صحابياً بهم وأغفل كثيراً من الأوهام الواقعة في كتبهم ثم جرّد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الحافظ أبو عبد الله الذهبي في كتابه التجريد، واعلم بمن ذكر غلطاً وبمَن لا تصح صحبته ولم يستوعب ذلك ولا قارب. ثم جاء الحافظ ابن حجر فألّف كتابه الإصابة جمع فيه ما في الاستيعاب وذيّله وأسد الغابة وقد استدرك عليهم كثيراً وقد اختصره تلميذه الجلال السيوطي في كتاب سماه عين الإصابة وقد ألّف كل من البخاري ومسلم كتاباً في أسماء الوحدان أي الصحابة الذين ليس لهم إلا حديث واحد وكذلك ألّف يحيى بن عبد الوهاب بن منده الأصبهاني المتوفى سنة ٥١١ هـ كتاباً فيمن عاش من الصحابة عشرين سنة ومائة.
علم الجرح والتعديل
١٨١٥ - هو علم يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة وعن مراتب تلك الألفاظ والكلام في الرجال جرحاً وتعديلاً ثابت عن رسول الله ﷺ ثم عن كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وجوّز ذلك صوناً للشريعة لا طعناً في
стр. 704
الناس وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة والتثبت في أمر الدين أولى من التثبت في الحقوق والأموال فلهذا افترضوا على أنفسهم الكلام في ذلك وقد تكلم في الرجال خلق لا يتهيأ حصرهم وقد سرد ابن عدي المتوفى سنة ٣٦٥ هـ في مقدمة كتابه الكامل جماعة إلى زمنه فمن الصحابة ابن عباس وعبادة بن الصامت وأنس. ومن التابعين الشعبي وابن سيرين وسعيد بن المسيب وهم قليل بالنسبة لمن بعدهم وذلك لقلة الضعف فيمن يروون عنهم إذ أكثرهم صحابة وهم عدول وغير الصحابة منهم أكثرهم ثقات إذ لا يكاد يوجد في القرن الأول من الضعفاء إلا القليل وأما القرن الثاني فقد كان في أوائله من أواسط التابعين جماعة من الضعفاء وضعف أكثرهم نشأ غالباً من قبل تحملهم وضبطهم للحديث فكانوا يرسلون كثيراً ويرفعون الموقوف وكانت لهم أغلاط وذلك مثل أبي هارون العبدري ولما كان عصر التابعين وهو حدود الخمسين ومائة تكلم في التعديل والتجريح طائفة من الأئمة فضعف الأعمش جماعة ووثق آخرين ونظر في الرجال شعبة وكان متثبتاً لا يكاد يروي إلا عن ثقة ومثله مالك وممن كان في هذا العصر إذا قال قبل قوله معمر وهشام الدستوائي والأوزاعي وسفيان الثوري وابن الماجشون وحماد بن سلمة والليث بن سعد المتوفى سنة ١٧٥ هـ وبعد هؤلاء طبقة منهم ابن المبارك وهشيم بن بشير وأبو إسحاق الفزاري والمعافى بن عمران الموصلي وبشر بن المفضل وابن عيينة وقد كان في زمنهم طبقة أخرى منهم ابن علية وابن وهب ووكيع بن الجراح وقد انتدب في ذلك الزمان لنقد الرجال الحافظان الحجتان سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وكان للناس وثوق بهما فصار من وثقاه مقبولاً ومن جرحاه مجروحاً ومن اختلفا فيه وذلك قليل رجع الناس فيه إلى ما ترجح عندهم ثم ظهرت بعدهم طبقة أخرى يرجع إليهم في ذلك منهم يزيد بن هارون وأبو داود الطيالسي وعبد الرزاق بن همام وأبو عاصم الضحاك النبيل بن مخلد.
ثم صنفت الكتب في الجرح والتعديل والعلل وبينت فيها أحوال الرواة وكان رؤساء الجرح والتعديل في ذلك الوقت جماعة منهم يحيى بن معين ومن طبقته أحمد بن حنبل وقد تكلم في هذا الأمر محمَّد بن سعد كاتب الواقدي في طبقاته وأبو خيثمة زهير بن حرب وأبو جعفر عبد الله بن محمَّد النبيل حافظ الجزيرة الذي قال فيه أبو داود: لم أرَ أحفظ منه وعلي بن المديني وله التصانيف الكثيرة في العلل والرجال ومحمد بن عبد الله بن نمير الذي قال فيه أحمد هو درة العراق وأبو بكر بن أبي شيبة صاحب المسند وعبد الله بن عمر القواريري وإسحاق بن راهويه إمام خراسان وأبو جعفر محمَّد بن عبد الله بن عمار الموصلي الحافظ وأحمد بن صالح
стр. 705
حافظ مصر وهارون بن عبد الله الحمال وكل هؤلاء من أئمة الجرح والتعديل ثم خلفهم طبقة أخرى متصلة بهم منهم إسحاق الكوسج والدارمي والبخاري والعجلي الحافظ نزيل المغرب ويتلوهم أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ومسلم وأبو داود الجسستاني وبقي بن مخلد وأبو زرعة الدمشقي ثم عبد الرحمن بن يوسف البغدادي وإبراهيم بن إسحاق الحربي ومحمد بن وضاح حافظ قرطبة وأبو بكر بن أبي عاصم وعبد الله بن أحمد وأبو بكر البزار ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة ثم أبو بكر الفريابي والنسائي وأبو يعلى وأبو الحسن سفيان وابن خزيمة وابن جرير الطبري والدولابي وأبو عروبة الحراني وأبو الحسن أحمد بن عمير وأبو جعفر العقيلي ثم ابن أبي حاتم وأحمد بن نصر البغدادي شيخ الدارقطني وآخرون ثم أبو حاتم بن حبان البستي والطبراني وابن عدي الجرجاني وكتابه في الرجال إليه المنتهى في الجرح والتعديل وقد جاء بعد ابن عدي وطبقته جماعة منهم الحسين بن محمَّد النيسابوري وله مسند معلل في ألف جزء وثلاثمائة وأبو الشيخ ابن حبان وأبو بكر الإسماعيلي وأبو أحمد الحاكم والدارقطني وبه ختمت معرفة العلل ثم من بعدهم جماعة منهم ابن منده وأبو عبد الله الحاكم وعبد الرحمن بن فطيس قاضي قرطبة له دلائل السنة وعبد الغني بن سعيد وأبو بكر بن مردويه الأصبهاني ثم من بعدهم جماعة منهم محمَّد بن أبي الفوارس البغدادي وأبو بكر البرقاني وأبو حاتم العبدري وخلف بن محمَّد الواسطي وأبو مسعود الدمشقي وأبو فضل الفلكي له كتاب الطبقات في ألف جزء ثم من بعدهم جماعة منهم الحسن بن محمَّد الخلال البغدادي وأبو يعلى الخليلي ثم من بعدهم جماعة منهم ابن عبد البر وابن حزم والبيهقي والخطيب ثم من بعدهم جماعة منهم ابن ماكولا وأبو الوليد الباجي وأبو عبد الله الحميدي ثم من بعدهم جماعة منهم أبو الفضل بن طاهر المقدسي والمؤتمن بن أحمد وشهرويه الديلمي ثم من بعدهم جماعة منهم أبو موسى المديني وأبو القاسم ابن عساكر وابن بشكوال ثم من بعدهم جماعة منهم أبو بكر الحازمي وعبد الغني المقدسي والرهاوي وابن مفضل المقدسي ثم من بعدهم جماعة منهم أبو الحسن بن القطان وابن الأنماطي وابن نقطة ثم من بعدهم جماعة منهم ابن الصلاح والزكي المنذري وأبو عبد الله البرزالي وابن الأبار وأبو شامة ثم من بعدهم جماعة منهم ابن دقيق العيد والشرف الميدوي وابن تيمية ثم من بعدهم جماعة منهم المزي وابن سيد الناس والذهبي والشهابي بن فضل الله ومغلطاي والشريف الحسني الدمشقي والزين العراقي ثم من بعدهم جماعة منهم الولي العراقي والبرهان الحلبي وابن حجر العسقلاني وآخرون من كل عصر إلا أن المتقدمين كانوا أقرب للاستقامة وأبعد من
стр. 706
موجبات الملامة ولعلك سئمت الإكثار من ذكر الأسماء وإن كان مقتضى الحال وعين ما يتطلبه المقام لكن لنا في ذلك غرض جليل ومغزى نبيل وهو أنكم أفواه أولئك الذين تقوّلوا على السنة أنه دخل فيها الغريب عنها إذ قد طال العهد عليها وتناولتها عصور الجهالة وبعثرت منها إحن الزمان وطوارىء الحدثان فنحن تقدم لهم دليلاً بيِّناً وبرهاناً ساطعاً أن السنة خدمها المسلمون خدمة جليلة لم تعهد لدى أمة من الأمم ولا في ملة من الملل وأن ذلك كان ديدن المسلمين في كل عصر فلم يغفلوها فترة من الزمن حتى يعبث بها أولو الأغراض وينال منها ذوو الإلحاد بل لا زالت محفوظة من يد العائثين مخدومة من جهابذة المحدثين فلهم الكلمة على المتقولين والثناء من عامة المسلمين.
كتب الجرح والتعديل
١٨١٦ - الكتب المؤلفة في الجرح والتعديل ذات مسالك مختلفة فمنها خاص بالثقات أو الضعفاء أو المدلسين ومنها جامع لكل أولئك ثم منها ما لا يتقيد برجال كتاب معين أو كتب مخصوصة ومنها ما يتقيد بذلك ونحن ذاكرون من كل نوع كتبه المشهورة إن شاء الله.
الكتب الجامعة بين الثقات والضعفاء
١٨١٧ - منها طبقات محمَّد بن سعد الزهري البصري المتوفى سنة ٢٣٠ هـ وهو من أعظم ما صنف جمع فيه الصحابة والتابعين فمن بعدهم وكذلك طبقات خليفة بن خياط المتوفى سنة ٢٤٠ هـ ومسلم بن الحجاج وتاريخ ابن أبي خيثمة المتوفى سنة ٢٧٩ هـ وهو كثير الفوائد وتواريخ البخاري وهي ثلاثة كبير ووسط وصغير ولمسلمة بن قاسم ذيل على الكبير ولابن أبي حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ جزء كبير انتقد فيه على البخاري وله الجرح والتعديل مشى فيه خلف البخاري ولعلي بن المديني تاريخ في عشرة أجزاء ولابن حبان كتاب في أوهام أصحاب التواريخ في عشرة أجزاء أيضاً ولأبي محمَّد بن عبد الله بن علي بن الجارود كتاب في الجرح والتعديل ولمسلم رواة الاعتبار وللنسائي التمييز ولأبي يعلى الخليلي الإرشاد وللعماد بن كثير التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل جمع فيه بين تهذيب المزي وميزان الذهبي مع زيادات وتحرير في العبارات وهو أنفع شيء للمحدث والفقيه التالي لأثره ومنها تاريخ الذهبي والتكملة في أسماء الثقات والضعفاء لإسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ وطبقات
стр. 707
المحدثين لعمر بن علي بن الملقن المتوفى سنة ٨٠٤ هـ ذكر فيها المحدثين إلى زمنه والكم الذي معرفة الرجال له.
كتب الثقات
١٨١٨ - منها كتاب الثقات للعجلي المتوفى سنة ٢٦١ هـ وكتاب الثقات لخليل بن شاهين والثقات لأبي حاتم بن حبان البستي وكتاب الثقات الذين لم تذكر أسماؤهم في الكتب الستة لزين الدين قاسم بن قطلوبغا المتوفى سنة ٨٧٩ هـ وهو في أربع مجلدات ومن هذا النوع الكتب المبينة لطبقات الحفاظ وقد ألّف فيها جمع منهم الذهبي وابن الدباغ المتوفى سنة ٥٤٦ هـ وابن المفضل وابن حجر العسقلاني وللسيوطي ذيل على الذهبي وتفىِ الدين بن فهد.
كتب الضعفاء
١٨١٩ - كتاب الضعفاء للبخاري والضعفاء والمتروكين للنسائي ولأبي الفرج الجوزي كتاب كبير اختصره الذهبي ثم ذيّله كما ذيّله علاء الدين مغلطاي والضعفاء لمحمد بن عمرو العقيلي كتاب مفيد وللإمام حسن بن محمَّد الصنعاني ولمحمد بن حبان البستي كتاب كبير ولأبي أحمد بن عدي كتاب الكامل وهو أكمل الكتب وأجلها وعليه اعتماد الأئمة وله ذيل يقال له الحافل ولأبي العباس أحمد بن محمَّد الإشبيلي المعروف بابن الرومية المتوفى سنة ٦٣٧ هـ والضعفاء للدارقطني وللحاكم وميزان الاعتدال للذهبي وهو أجمع ما جمع طبع وذيل عليه الزين العراقي في مجلدين وللحافظ ابن حجر لسان الميزان وله كتابان آخران تقويم اللسان وتحرير الميزان ويوجد عدا ذلك كتب كثيرة.
كتب المدلسين
١٨٢٠ - المدلس مَن لا يذكر اسم شيخه بل يروي عمن فوقه بلفظ يوهم السماع منه ولا يكون كذباً قطعياً كقوله عن فلان وقال فلان والحديث المدلس بفتح اللام من أقسام المنقطع.
وأول مَن أفرد المدلسين بالتصنيف الإِمام حسين بن علي الكرابيسي صاحب الشافعي ثم صنف فيه النسائي ثم الدارقطني ونظم الذهبي في ذلك أرجوزة وتبعه تلميذه أحمد بن إبراهيم المقدسي فزاد عليه من جامع التحصيل للعلائي شيئاً كثيراً مما فاته ثم ذيّل الحافظ زين الدين العراقي المتوفى سنة ٨٠٦ هـ في هوامش كتاب
стр. 708
العلائي أسماء وقعت له زائدة ثم ضمها ولده ولي الدين إلى مَن ذكره وصنّف إبراهيم بن محمَّد الحلبي كتابه التبيين في أسماء المدلسين وللسيوطي رسالة في المدلسين.
المصنفات في رجال كتب مخصوصة
١٨٢١ - منها رجال البخاري لأحمد بن محمَّد الكلاباذي ورجاله أيضاً لمحمد بن داود الكردي ورجال مسلم لأحمد بن علي بن منجويه ورجاله أيضاً لأحمد بن علي الأصبهاني وممن جمع بين رجالهما محمَّد بن طاهر المقدسي جمع بين كتابي ابن منجويه والكلاباذي وأحسن في ترتيبه على الحروف واستدرك عليهما وممن أفرد رجال السنن لأبي داود حسن بن محمَّد الحبائي وجمع رجال الموطأ السيوطي ورجال المشكاة لصاحبها محمَّد بن عبد الله الخطيب ورجال الأربعة موطأ مالك ومسند الشافعي ومسند أحمد ومسند أبي حنيفة لابن حجر العسقلاني ورجال السنن الأربع سنن الترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه لأحمد بن أحمد الكردي وممن جمع رجال الكتب الستة أبو محمَّد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠ هـ في كتابه الكم الذي معرفة الرجال وتهذيبه لجمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ وهو كتاب كبير في ثلاثة عشر مجلداً لم يؤلف مثله وإكمال التهذيب لعمر بن علي بن الملقن وزوائد الرجال على تهذيب الكمال للسيوطي وللتهذيب مختصرات كثيرة منها الكاشف للحافظ الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ قال فيه: هذا مختصر رجال الكتب الستة الصحيحين والسنن الأربع مقتطف من تهذيب الكمال للمزي ومنها تهذيب التهذيب لابن حجر وهو أكمل من كاشف الذهبي كما اختصره في كتابه تقريب التهذيب وقد جمع الحافظ أبو المحاسن الدمشفي في كتابه التذكرة رجال العشرة.
وفيات المحدثين
١٨٢٢ - قد أفرد الوفيات بالتأليف جمع من العلماء فقد ابتدأ أبو سليمان محمَّد بن عبد الله الحافظ فجمع وفيات النقلة من وقت الهجرة إلى سنة ٣٣٨ هـ ثم ذيّل على كتابه أبو محمَّد بن عبد العزيز الكتاني الحافظ المتوفى سنة ٤٦٦ هـ ثم ذيّل على الكتاني هبة الله بن أحمد الأكفاني ذيلاً صغيراً وصل فيه إلى سنة ٤٨٥ هـ ثم ذيّل على الأكفاني علي بن مفضل المقدسي إلى سنة ٥٨١ هـ ثم ذيّل على ابن المفضل عبد العظيم المنذري ذيلاً في ثلاث مجلدات سماه التكملة لوفيات النقلة ثم ذيّل على
стр. 709
المنذري تلميذه عز الدين أحمد بن محمَّد إلى سنة ٦٧٤ هـ وذيّل على العز أحمد بن أيبك الدمياطي إلى سنة ٧٤٩ هـ وذيّل على ابن أيبك الحافظ الزين العراقي والكل مرتب على حسب وفياتهم في السنين والشهور لا على ترتيب حروف الهجاء ومن الكتب المفردة بوفيات النقلة تاريخ البرزالي القاسم بن محمَّد الإشبيلي الدمشقي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ وذيّله تقي الدين بن رافع من سنة ٧٣٧ هـ إلى سنة ٧٧٤ هـ وذيّل الذيل ابن حجر. ومنها وفيات الشيوخ لمبارك بن أحمد الأنصاري ولإبراهيم بن إسماعيل الحبال كتاب الوفيات.
معرفة الأسماء والكنى والألقاب
١٨٢٣ - من رواة الحديث مَن يكون مشهوراً باسمه دون كنيته أو لقبه أو مشهوراً بكنيته أو لقبه دون اسمه وقد ألّف العلماء في بيان أسماء ذوي الكنى وبيان كنى المشهورين بالأسماء وكذلك ألفوا في بيان ألقاب ذوي الأسماء كما ألفوا في نحو ذلك حتى لا يشتبه راو بآخر ولا يظن لقب شخص أو كنيته اسماً لثان فيعد الثقة ضعيفاً أو الصادق كاذباً أو يعكس الأمر فمَن ألّف في النوع الأول علي بن المديني والنسائي والحاكم وابن عبد البر وكثيرون غيرهم وللحافظ الذهبي كتاب المقتنى في سرد الكنى وهو من أجل الكتب المؤلفة في هذا النوع.
وممن كتب في بيان كنى المعروفين بالأسماء أبو حاتم بن حبان البستي.
وممن صنف في الألقاب أبو بكر الشيرازي المتوفى سنة ٤٠٧ هـ وأبو الفضل الفلكي في كتابه منتهى الكمال وابن الجوزي وابن حجر العسقلاني.
الموتلف والمختلف والمتفق والمفترق والمشتبه من الأسماء والأنساب
١٨٢٤ - من الأسماء والإنساب ما يأتلف في الخط صورته ويختلف في اللفظ صيغته كسلام بتخفيف اللام وسلاّم بتشديدها ويسمى المؤتلف والمختلف ومنها ما يتفق خطه ولفظه ولكن يفترق شخصه كالخليل بن أحمد اسم لعدة أشخاص ويسمى المتفق والمفترق. ومنها ما تتفق فيه الأسماء خطاً ونطقاً وتختلف الآباء أو النسب نطقاً مع ائتلافها خطاً أو بالعكس كمحمد بن عَقيل بكسر القاف ومحمد بن عُقيل بفتحها وشريح بن النعمان وسريج بن النعمان الأول بالشين المعجمة والحاء المهملة والثاني بالسين المهملة والجيم ويسمى هذا النوع بالمشتبه ومعرفة هذه الأنواع مهمة.
стр. 710
قال علي بن المديني: أشد التصحيف ما يقع في الأسماء ووجهه بعضهم بأنه شيء لا يدخله القياس ولا قبله شيء يدل عليه ولا بعده ولأنه يخشى أن يظن الشخصان شخصاً واحداً إذا اتفقت الأسماء وفي ذلك ما فيه من الخلط بين الرواة.
ولقد ألّف المحدثون في كل هذه الأنواع فصنف في النوع الأول أبو أحمد العسكري لكنه أضافه إلى كتاب التصحيف له ثم أفرده بالتأليف عبد الغني بن سعيد المتوفى سنة ٤٠٦ هـ فجمع فيه كتابين كتاباً في مشتبه الأسماء وكتاباً في مشتبه النسبة وجمع شيخه الحافظ الدارقطني كتاباً حافلاً ثم جمع أحمد بن علي الخطيب ذيلاً سماه المؤتلف تكملة المختلف ثم جمع الجميع أبو نصر علي بن هبة الله بن ماكولا في كتاب حافل سماه الإكمال واستدرك عليهم ما فاتهم في كتاب آخر جمع فيه أوهامهم وبيّنها وكتابه عمدة كل محدث بعده وقد استدرك عليه محمَّد بن عبد الغني المعروف بابن نقطة ما فاته أو تجدد بعده في مجلد ضخم ثم ذيّل عليه منصور بن سليم في مجلد لطيف وأبو محمَّد بن علي الدمشقي وذيّل على ذيلهما علاء الدين بن مغلطاي لكن أكثره في أسماء الشعراء وأنساب العرب وقد جمع الذهبي في ذلك كتاباً مختصراً جداً اعتمد فيه على الضبط بالقلم فأكثر فيه الغلط والتصحيف المباين لموضوع الكتاب وقد وضحه الحافظ ابن حجر في كتابه تبصير المنتبه بتحرير المشتبه وهو مجلد ضبطه بالحروف وزاد عليه شيئاً كثيراً مما أهمله الذهبي أو لم يقف عليه وألّف فيه أيضاً جماعة غير مَن ذكر.
وممن ألّف في النوع الثاني أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في كتابه المتفق والمفترق وكذلك ألف الخطيب في النوع الثالث في كتابه تلخيص المتشابه ثم ذيّل عليه هـ أيضاً بما فاته وهو كثير الفائدة.
علم ناسخ الحديث ومنسوخه
١٨٢٥ - إذا سلم الحديث المقبول من المعارضة سمي محكماً وإن عورض بمثله وأمكن الجمع بين المتعارضين بلا تعسف فذلك مختلف الحديث وإن لم يمكن الجمع وثبت تأخر أحدهما فالمتأخر يقال له الناسخ والمتقدم يطلق عليه المنسوخ.
وقد ألّف في ناسخ الحديث ومنسوخه جمع كثير منهم أحمد بن إسحاق الديناري ومحمد بن بحر الأصبهاني وأحمد بن محمَّد النحاس وقاسم بن أصبغ ومحمد بن عثمان المعروف بالجعد الشيباني وهبة الله بن سلامة ومحمد بن موسى الحازمي في كتابه الاعتبار وعمر بن شاهين وقد اختصر كتابه إبراهيم بن علي المعروف بابن عبد الحق في مجلد.
стр. 711
علم تلفيق الحديث
١٨٢٦ - هو علم يبحث فيه عن التوفيق بين الأحاديث المتناقضة ظاهراً إما بتخصيص العام تارة أو بتقييد المطلق أخرى أو بالحمل على تعدد الحادثة إلى غير ذلك من وجوه التأويل ويطلق عليه مختلف الحديث، وممن ألّف فيه الإِمام الشافعي وأبو يحيى زكريا ابن يحيى الساجي والطحاوي ولأبي الفرج بن الجوزي التحقيق في أحاديث الخلاف وقد اختصره إبراهيم بن علي بن عبد الحق.
علل الحديث
١٨٢٧ - معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها ولا يقف عليها إلا مَن رزقه الله فهماً ثاقباً وحفظاً واسعاً ومعرفة تامة بمراتب الرواة وملكة قوية بالأسانيد والمتون ولهذا لم يتكلم فيه إلا الفليل من أهل هذا الشأن وعلل الحديث عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه من وصل منقطع أو رفع موقوف أو إدخال حديث في حديث أو نحو ذلك وكل هذا مما يقدح في صحة الحديث وممن كتب في هذا النوع ابن المديني وابن أبي حاتم وكتابه قيم والخلال والإمام مسلم والدارقطني والحاكم وأبو علي حسن بن محمَّد الزجاجي وابن الجوزي.
علم مصطلح الحديث
١٨٢٨ - قد كتب أئمة في بعض فنون الحديث ومصطلحاته ثم توسع العلماء في ذلك وأول مَن تصدى لذلك الحاكم وقد اشتمل كتابه على خمسين نوعاً وتلاه أبو نعيم الأصبهاني فعمل على كتابه مستخرجاً ثم جاء أحمد بن علي المعروف بالخطيب فصنّف في قوانين الرواية كتاباً سماه الكفاية وفي آدابها كتاباً سماه الجامع لآداب الشيخ والسامع وقلّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً فكان كما قال ابن نقطة كل مَن أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه وهو حافظ المشرق المتوفى سنة ٤٦٣ هـ وفيها توفي حافظ المغرب ابن عبد البر ثم جاء بعده الخطيب القاضي عياض وألّف كتاب الإلماع ثم ألّف الحافظ أبو عمرو وعثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ هـ كتابه الشهير المطبوع ذكر فيه خمسة وستين نوعاً وقد اعتنى به العلماء عناية عظيمة بين معارض له أو منتصر أو ناظم أو مختصر أو شارح له أو مستدرك عليه ومن المختصرين له
стр. 712
يحيى النووي في كتابه الإرشاد ثم اختصر مختصره في كتابه التقريب والتيسير وقد شرح السيوطي التقريب بكتابه تدريب الراوي وهو من أجل الشروح وقد عمل الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى سنة ٨٠٥ هـ ألفية لخص فيها علوم ابن الصلاح وزاد عليها وعمل عليها شرحاً وقد عمل برهان الدين إبراهيم البقاعي حاشية عليه سماها النكت الوفية بما في شرح الألفية وشرح الألفية كثيرون منهم محمَّد بن عبد الرحمن السخاوي وقد نظم السيوطي ألفية جمعت كثيراً من الفوائد ومن المتون الجامعة الممتعة نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر للحافظ ابن حجر وقد شرحها بكتابه نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر وتوجيه النظر في أصول الأثر للشيخ طاهر الجزائري فإنه كتاب جمع تحقيقات لطيفة ومسائل دقيقة ووفى المصطلح من الإبانة حقه وهو من أهم الكتب التي عوَّل في الرجوع إليها مؤلف مفتاح السنة الذي نحن بصدد تلخيصه.
فهؤلاء الأعلام وأمثالهم من أئمة الإِسلام قاموا للسنة بخدمات جليلة أحسن قيام وزادوا الناس التفاتاً وشغفاً بها فلهم منا الثناء الجميل ومن الله الشكر والثواب الجزيل.
تخريج أحاديث مولفات مخصوصة
١٨٢٩ - اعلم أن علماء الحديث سعوا في توفير الراحة لطلاب العلم فسهّلوا لهم عسيره وكشفوا لهم عن غوامضه وكفوهم العناء ومؤنة البحث والتنقيب ولما علموا أنك ستتناول كتاباً من كتب التفسير الشهيرة أو من كتب الفقه السائرة أو مَن نحا نحو ذلك وأن سيمر بك أحاديث مختلفة لم يذكر لها مسند ولم تنسب لأصل من أصول السنة وأنك ستقف عند ذلك تطلب درجة الحديث لتعرف قيمة الاستدلال به وإيصاله إلى الغرض الذي سبق له وأنهم إن وكلوك إلى نفسك كلفوك شاقاً وأوردوك صعباً وربما لم يكن لك في فنون الحديث باع أو مسكوا بالكتاب وجمعوا ما فيه من الأحاديث وعزوها إلى رواتها وبيّنوا درجاتها فما عليك سوى نظرة تحظى فيها بالبغية وسأتلوها عليك:
١ - تخريج أحاديث الكشاف في التفسير لجمال الدين محمَّد عبد الله الحنفي في مجلد.
٢ - الفتح السماوي بتخريج أحاديث البيضاوي في التفسير للشيخ عبد الرؤوف المناوي.
стр. 713
٣ - الطرق والوسائل إلى معرفة خلاصة الدلائل شرح مختصر القدوري في فقه الحنفية لأحمد بن عثمان التركماني.
٤ - تخريج أحاديث الهداية كتاب شهير في فقه الحنفية لمحمد بن عبد الله وكذلك لعبد الله بن يوسف الزيلعي وقد طبع بالهند.
٥ - تخريج أحاديث الشرح الكبير للوجيز في فقه الشافعية لسراج الدين عمر بن علي الأنصاري في سبع مجلدات وقد لخصه ابن حجر العسقلاني في ثلث حجمه مع زيادات عليه.
٦ - تخريج أحاديث المنهاج في فقه الشافعية لسراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن.
٧ - كتاب المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار لعبد الرحيم بن حسين العراقي وقد طبعه الحلبي في مصر بهامش الأحياء فأحسن صنعاً.
٨ - إدراك الحقيقة في تخريج أحاديث الطريقة في الموعظة لعلي بن حسن بن صدقة المصري ثم اليماني فرغ من تأليفه سنة ١٠٥٠هـ.
فصل [في علم الحديث]
١٨٣٠ - اعلم أن الحديث ينقسم إلى مقبول فيسوغ لك الاحتجاج به أو مردود فيرفض الاعتقاد والعمل به فالمقبول ما رواه عدل ضابط لما يرويه بسند متصل مع خلوّه من الشذوذ والإعلال. والشذوذ مخالفة الثقة مَن هو أرجح منه، والإعلال وجود أمر خفي يقدح في صحة الحديث كوصل منقطع أو رفع موقوف ثم المقبول إن سلم من المعارضة يسمى محكماً وإن عورض بمثله فإن أمكن الجمع بغير تعسف فهو مختلف الحديث وإن لم يمكن الجمع وثبت تأخير أحدهما عرف المتأخر بالناسخ والآخر بالمنسوخ وإن لم يثبت فإن أمكن الترجيح بين الحديثين صيّر له وإلا توقفنا عن العمل بهما والحديث المردود ما وجد فيه أحد أمرين الأول عدم الاتصال الذي السند والثاني وجود أمر في الراوي يوجب طعناً فيه ودرجات الطعن في الراوي عشرة: الكذب والتهمة به وفحش الغلط والغفلة عن الإتقان والوهم بأن يروي على سبيل التوهم ومخالفة الثقات والفسق وجهالة الراوي والبدعة
стр. 714
وسوء الحفظ. وللعلماء تفصيل في هذه الدرجات فالمحققون يقبلون رواية المبتدع في غير ما يؤيد بدعته وقال بعضهم ما لم يكن داعية. ولهم في العمل بالحديث الضعيف الذي لم يشتد ضعفه أقول وشروط يجيزونه بها أو يقدمونه على القياس كم يعلم من كتب أصول الحديث وأصول الفقه.
انتهى ما أردنا تلخيصه من مفتاح السنة ولله الحمد والمنّة وإن أردت شرح ما لخصناه فعليك بمراجعة ألفية العراقي وشروحها وكشف الظنون.
وقد انتهى بنا القول فيما جمعناه بالمقصد واستوفينا الشرط الذي شرطناه بتحرير ما أودعنا فيه من تراجم شيوخنا المتقدمين والمتأخرين باسانيدهم المعنعنة على حسب أعصارهم وطبقاتهم كل طبقة مرتبطة بالطبقة التي قبلها ارتباط القمرين النيرين إلى إمامنا الأعظم مالك بن أنس ثم إلى عين الرحمة وينبوع كل فضيلة وحكمة سيدنا محمَّد ﷺ وشرف وكرم.
وختمناه بخاتمة قيِّمة في تاريخ تدوين الحديث وأدواره وفنونه كما انتهى ما أردنا اقتطافه من الطبقات وفق ما أشرنا إليه في الخطبة حيث قلنا ثم لخصنا المقصد في مثال شجرة بعبارات وجيزة محررة فروعه بالدرر يانعة وثمراتها طيبة نافعة وأنوارها ساطعة لامعة والباعث على تلخيصه على نحو ما ذكرناه والغرض الذي انتحيناه هو التوصل للأسانيد بسهولة عند المطالعة وتيقن المطالع ارتباطها عند المراجعة فهي غريبة الموضوع في بابها فائقة في الحسن والإحسان على أترابها جاذبة للقلوب عند خطابها دانية الجنى لطلابها تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها واقتطفنا منها ما أثبتناه في خلاصة الأسانيد من خلاصة المقصد والتمهيد وقد أفردنا في المقدمة فريدة بخصوص الكلام على فضيلة الأسانيد نقلاً عن كثير من الأئمة وأنه من خصائص هذه الأمة ومن فوائدها الكثيرة وعوائدها الغزيرة أنها موصلة بسهولة إلى معرفة طبقات علماء الأمصار والأقطار وما طرأ على العلم والعلماء والأمراء من الأطوار والأدوار وما نالهم من الضعف والانقطاع والانتشار إن في ذلك لعبرة وموعظة وحكمة لأولي الأنظار والأبصار.
والحمد الله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً على ما هدانا إليه من ترتيبه وجمعه وتهذيبه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم
стр. 715
شجرة النور الزكية في طبقات المالكية
تأليف
العلامة الجليل الأستاذ الشيخ
محمد بن محمد بن عمر بن قاسم مخلوف
المتوفى سنة ١٣٦٠هـ
خرّج حواشيه وعلق عليه
عبد المجيد خيالي
الجزء الثاني
منشورات
محمد على بيضون
لنشركتب السنة والجماعة
دار الكتب العلمية
بيروت -لبنان
стр. 716
دار الكتب العلمية
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
copyright
All rights reserved
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا.
EXcluSive rights by Dar al- kotob al- ILmiyah beriwt - lebanon. no part of this publication may be translated , reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written premission of the puplisher.
الطبعة الأولى
٢٠٠٣م - ١٤٢٤ هـ
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
العنوان: رمل الظريف شارع البحترى. بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبني دار الكتب العلمية
تلفون وفاكس:١٣/ ١٢ / ٨٠٤٨١٠ (٩٦١٥+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١بيروت-لبنان
DAR al-kotob al- ILMIYAH
Beirt-Lebanon
Address: Ramel al-zarif, Bohtory st,Melkart bldg,١st floore
Tel & Fax: ٠٠(٩٦١١(٦٠.٢١.٣٣ - ٣٦.٦١.٣٥ - ٣٦.٤٣.٩٨
P.O.Box: ١١.٩٤٢٤ Beirt-Lebanon
стр. 717
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وآله وسلم
تمهيد
ذكرنا فيما تقدم ما أمكن ذكره من التراجم والمناقب لبعض الصحابة والتابعين، والأئمة المهتدين، والعلماء المشهورين. وهم نحو الثمانية عشر ومائة. من أعز فريق وأفضل فئة، في طبقات على الترتيب الذي قصدناه، والأسلوب الذي أصَّلناه. غير أن ما ذكرناه، بالنسبة إلى ما تركناه، قليل وما لا يذكر كله لا يترك قله. وعين الرحمة، وينبوع كل فضيلة وحكمة. هو واسطة عقدهم، ومركز دائرة مجدهم ﷺ وكرم وعظم. وفي سلك تلك الطبقات الكثير من الصحابة والتابعين، والقراء والمحدثين، والأئمة المجتهدين، والعلماء المقلدين، والصوفية والمتكلمين، والشعراء واللغوين والنحويين، والقضاة والأمراء والسلاطين، والملوك العادلين. وهؤلاء السادات، قاموا بالواجبات، التي هي غاية الغايات. تهم المسلمين في دينهم ودنياهم، وبها تحصل السعادة في أخراهم. فمنهم من ساس الأمة وقادها، وبيّن ما لها وما عليها وأفادها. وجاب البلاد، وهذّب العباد، وأزال البغي والفساد، واستوسع في الفتوحات، حتى دخل الناس في هذا الدين الحنيف أفواجاً أفواجاً من سائر الجهات، ومنهم مَن حثّ على الجد والكد والاستمرار على الأعمال، بما يعود بالفائدة في الحال والمآل. وِقد امتن الله سبحانه على عبيده في غيرة آية فقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، وقال ﵊: "اعمل عمل امرئ يظن أن لا يموت أبداً، واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غداً" رواه البيهقي عن ابن عمر. ومنهم من ألف في الفن الذي جنح إليه، وعول في التحصيل عليه. ففسر وقرر ووضح، وبيَّن ورجح، ورتب وهذّب ونقح، وعدل وجرح. واستعمل ما لديه من الوسائل، وأيد ذلك بالبراهين والدلائل, والمنقول والمعقول، وكل مفيد يمكن به الوصول. فأحاط بما ألّف خبراً، ودون
стр. 718
علم الشريعة نظماً ونثراً، بأفصح عبارة، وألطف إشارة. وفصيح اللسان منهم والقلم، قام على المنابر في المحافل خطيباً في الأمر الذي يهم. فخطب الخطب البارعة المذكرة، الجامعة النافعة المؤثرة. بأبلغ لسان، وأبين بيان. ونسج الشعراء في قصائدهم الطنانة على هذا المنوال، وأتوا بما يعتمد عليه في الأقوال والأفعال. وبما تحمد عقباه في الحال والمآل، فهؤلاء الأعلام، هداة الإِسلام مهدوا للأمة طرق إرشادها، وما يفيد في أمر معاشها ومعادها. بما ذكر وبضرب الأمثال والمنصح بجوامع الكلم، والمواعظ والرقائق والحكم. قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥] كل ذلك باللغة العربية الفصيحة التي جاء بها الكتاب المبين، قال ﷻ وعز كماله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] وحثُّوا على التعليم والتعلم ليقع التفقه في الدين ويحصل المتقدم. فالعلم وسيلة النفوس الشريفة إلى المطالب، المنيفة والسبيل في الآخرة إلى السعادة وفي الدنيا إلى النحلة عادة، قال عز من قائل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] وعن كميل بن زياد أن علياً ﵁ قال: يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير. الناس ثلاث: فعالم رباني ومتعلم في سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا منه إلى ركن وثيق. العلم خير من المال. العلم يحرسك وأنت تحرس المال. العلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفقة. العلم حاكم والمال محكوم عليه. العلم دين يدان به يكسب الإنسان الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، مات خزان الأموال وهم أحياء العلماء باقون ما بقي الدهر؛ أشخاصهم مفقودة وأشباحهم في القلوب موجودة اهـ. من سراج الملوك. وفي هذا المعنى أنشد أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد ابن السيد البطليوسي:
أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم
وقال أيضاً كرم الله وجهه في بعض خطبه: اعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون وقدر كل امرئ ما يحسن. وهو كلام لم يسبق به أحد فيه حث على طلب العلم، ونظم ذلك بعضهم:
تلوم على أن رحت للعلم طالباً ... وأجمع من علم الرواة فنونه
فيا لائمي دعني أغالي بمهجتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه
стр. 719
وفي كتاب الاعتصام أن الله سبحانه شرّف أهل العلم ورفع أقدارهم وعظّم مقدارهم ودلّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع بل قد اتفق الفضلاء على فضيلة العلم وأهله وأنهم المستحقون شرف المنازل وهو مما لا ينازع فيه عاقل. واتفق أهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم وأعظمها أجراً عند الله يوم القيامة ولا علينا أسامحنا بعض الفرق في تعيين العلوم أعني العلوم التي نبّه الشارع على مزيتها وفضيلتها أو لم يسامحنا بعد إلاتفاق من الجميع على الأفضلية وإثبات المزية وأيضاً فإن علوم الشريعة منها ما يجري مجرى الوسائل بالنسبة إلى السعادة الأخروية ومنها ما يجري مجرى المقاصد والذي يجري مجرى المقاصد أعلى مما ليس كذلك بلا نزاع بين الفقهاء أيضاً كعلم العربية بالنسبة إلى علم الفقه فإنه كالوسيلة فعلم الفقه أعلى. وإذا ثبت هذا فأهل العلم أشرف الناس وأعظم منزلة بلا إشكال ولا نزاع وإنما وقع الثناء في الشريعة على أهل العلم من حيث اتصافهم بالعلم لا من جهة أخري ودل على ذلك وقوع الثناء عليهم مقيداً بالاتصاف به فهو إذاً العلة في الثناء ولولا ذلك الاتصاف لم يكن لهم مزية على غيرهم ومن ذلك صار العلماء حكاماً على الخلائق أجمعين قضاء وفتياً وإرشاداً لأنهم اتصفوا بالعلم الشرعي الذي هو حاكم بالإطلاق ثم قال بعد تفصيل وكلام طويل فعلى كل تقدير لا يتبع أحد من العلماء إلا من هو متوجه نحو الشريعة قائم بحجتها حاكم بأحكامها جملة وتفصيلاً وأن من وجد متوجهاً غير تلك الوجهة في جزئية من الجزئيات أو فرع من الفروع لم يكن حاكماً ولا استقام أن يكون مقتدى به فيما حاد به عن صوب الشريعة البتة اهـ. وقال الإِمام الغزالي أن أحكام الجراحات والحدود والغرامات وفصل الخصومات وما أشبه ذلك إنما هي قانون السياسة وضبط الجمهور الذين يتنازعون بحكم شهواتهم فالفقيه معلم السلطان ومرشده إلى قانون سياسة الخلق وهذا في الحقيقة حراسة للدنيا والدنيا بها يتم الدين، فالفقه الذي عند الأمة الإِسلامية إنما هو القانون والقانون يحفظ البلاد والعباد وبحفظ هؤلاء يتم الدين. وقال الحسن البصري ﵁: العلماء سراج الأزمنة فكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره ولولا العلماء لكان الناس في عمى كالبهائم ولولا السلطان لأكل الناس بعضهم بعضًا ولله در عبد الله بن المبارك حيث قال:
لولا الخلافة ما قامت لنا سبل ... وكان أضعفنا نهباً لأقوانا
стр. 720
وكما أن الله سبحانه شرّف العلم وأهله شرّف الحكام العادلين. في الصحيحة "سبعة يظلهم الله بعرشه يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل" والوعيد الذي جاء في حقهم إنما هو في حق غير العادل في الجامع الصغير عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحب الناس إلى الله تعالى يوم القيامة وأدناهم منه مجلساً إمام عادل وأبغض الناس إلى الله تعالى وأبعدهم منه إمام جائر" رواه الترمذي والإمام أحمد في مسنده. وقال سفيان الثوري: صنفان إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسدا فسدت الأمة الملوك والعلماء، والملك العادل هو الذي يقضي بكتاب الله ويشفق على الرعية شفقة الرجل على أهله. في الجامع الصغير عن معقل بن يسار "أيما وال ولي شيئاً من أمر أمتي فلم ينصح لهم ويجتهد كنصيحته وجهده لنفسه كبه الله تعالى على وجهه يوم القيامة في النار"رواه الطبراني في الكبير. وفي سراج الملوك: العدل النبوي بأن يجمع السلطان إلى نفسه حملة العلم الذين هم حفاظه ورعاته وفقهاؤه وهم أولياء الله تعالى والقائمون بأمر الله والحافظون لحدوده والناصحون لعباده. روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة ثلاثاً. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" وأن يتخذ العلماء شعارًا والصالحين دثاراً وأخلق بملك يدور بين هاتين الخصلتين أن تقوم عمده ولطول أمده. ثم قال: ويجب ترفيع مجالسهم وتمييز مواضعهم عمن سواهم. قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وفيه استمالة لقلوب الرعية وخلوص نياتهم لسلطانهم واجتماعهم على محبته، فواجب على السلطان أن لا يقطع أمراً دونهم ولا يفصل حكماً إلا بمشاورتهم لأنه في ملك الله يحكم وفي شريعته يتصرف، وأقل الواجب على السلطان أن ينزل نفسه مع الله منزلة ولاته ولم يأمن سطوته وإذا امتثل أوامره
стр. 721
وازدجر من زواجره حل منه محل الرضا. فهذا طريق إقامة العدل الشرعي والسياسة الإِسلامية الجامعة لوجوه المصلحة الآخذة لازمة التدبير السالمة من العيوب الممهدة لإقامة الدنيا والدين، فكما أن الملك الحازم لا يتم له حزمه إلا بمشاورة الوزراء الأخيار كذلك لا يتم له عدله إلا باستمالة العلماء الأبرار اهـ وفيه قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] هاته الآية في السلاطين على ما اقتضته من السياسة العامة التي فيها إبقاء الممالك وثبوت الدول ثم سمى المنصورين وأوضح شرائع النصر فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] فضمن الله تعالى النصر للملوك وشرط عليهم كما ترى، فمن تضعضعت قواعدهم وانتقض عليهم من أطراف ممالكهم أو ظهر عليهم عدو أو باغي فتنة أو حاسد نعمة أو اضطربت عليهم الأمور فليلجأوا إلى الله تعالى بإصلاح ما بينه وبينهم بإقامة ميزان القسط الذي شرعه الله لعباده وركوب سبيل العدل والحق الذي قامت به السماوات والأرض وإظهار شرائع الدين ونصرة المظلوم والأخذ على الظالم وكف يد القوي عن الضعيف. روي أن النبي ﷺ قال: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وفيه وينبغي للسلطان أن يولي الأفضل فالأفضل وإن كان على خلاف ذلك كان سيىء النظم، وينبغي أن يكون الأقرب إليه أهل العلم والعقل والأدب والرأي والأصالة والشرف والكمال من كل قبيلة وإن كان على خلاف ذلك كان نقصاً. انتهى.
واعلم أنه اقتضت حكمة هذا الدين أن يكون الخليفة رئيسه السياسي والديني وهي في هاته الأمة دينية نافعة في الدنيا والآخرة وتصرفه المديني مختص بخطط ومراتب لا تعرف إلا للخلفاء الإِسلاميين. منها الصلاة والقضاء والجهاد والحسبة وهي بهذه المثابة لم تتجاوز عهد الخلفاء الراشدين وصارت بعد ذلك ملكاً دنياوياً بحتاً إذ ترك الخلفاء أهم أصل من أصول الدين وهي الصلاة بالناس التي استخلف بها رسول الله ﷺ أبا بكر فكان الخليفة على الأمة في الدين كما صار أميراً عليها في أمور سياستها في الدنيا. وعقد ولي الدين بن خلدون فصلاً في معنى الخلافة والإمامة قال فيه: إذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الدنيا والآخرة وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط فإنها
стр. 722
كلها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء والله يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] فالمقصود منهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، فجاءت الشرائع تحملهم ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة حتى في الملك الذي هو طبيعي في الاجتماع الإنساني فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطاً بنظر الشارع. وقال في فصل الخطط الدينية: تبين أن حقيقة الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا فصاحب الشرع يتصرف في الأمرين أما في الدين فبمقتضى التكاليف الشرعية الذي هو مأمور بتبليغها وحمل الناس عليها، وأما في سياسة الدنيا فبمقتضى رعايته لمصالحهم في العمران البشري وهو ضروري للبشر وأن رعاية مصالحه كذلك لئلا يفسد إن أهملت اهـ.
إذا علمت ذلك وظهر لك هنالك علمت علم اليقين أن بين القضاة والعلماء والملوك والأمراء وأهل الرئاسة وأرباب السياسة الارتباط الشرعي الذي هو في سياسة الملك مرعي وقد ذكرنا في المقصد بعض أعيان الفريق الأول وبقي علينا ذكر البعض من الفريق الثاني الذين عليهم في إدارة الملك المعول في تتمة أذكر فيها أئمة أعيان الأعيان مرجوعاً إليهم في كل مهمة حيث كانوا رجال علم وأدب وهمم سامية كأسد بن الفرات وسحنون وسعدون الخولاني وأضرابهم من عظماء الرجال الذين تركوا ثناءً عاطراً وذكراً خالداً وهم في الحقيقة كالوزراء لمعاصريهم من الملوك والأمراء منتخبون من طبقات المقصد على مقتضى ترتيبها بألطف إشارة وأفصح عبارة تمهيداً لذكر معاصري كل طبقة منها من الملوك والأمراء في قطر إفريقية وذكرهم كذلك خلاصة نقية وتمهيداً لتنبيهات مهمة جديرة بالاعتبار عند ذوي الأنظار يعلم منها سيرة السلف وما آل إليه أمر الخلف من زمن البعثة إلى هذا الوقت، فبعضهم ارتكب ما يؤدي إلى الخسران والخذلان والمقت وبعضهم مستور الحال وبعضهم جمع الفضائل ونسجها على أحسن منوال وهذا في الحقيقة من الطراز الأول وعليه في أمور الدين والدنيا والمعول وتعلم ما حصل لتلك الأجيال في القرون الخالية من الحوادث والأحوال كبسط النعم وسلبها وما حصل في ذلك من الأطوار والأدوار وكيفية انتشار مذهب مالك بإفريقية وغيرها من الأقطار والأمصار وانتشار العلوم واتساعها وانحطاطها في بعض الجهات وانقطاعها، ومن المعلوم أن العلوم والمعارف لا تنمو وتتسع والتقلب في النعم لا يسمو ويرتفع إلا بعد الأمن والاطمئنان ومد رواق الراحة والعافية وما يؤدي إلى العمران وجمع الكلمة وبسط العدل وارتكاب الفضائل واجتناب الرذائل وعدم الغفلة عن الله وما هو عنا بغافل.
стр. 723
فائدة
في خاتمة بداية المجتهد الإشارة إلى تقسيم الفضائل ونصه ببعض اختصار الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: قسم يقضي به الحكام وجل ما ذكرناه في هذا الكتاب داخل في هذا القسم. وقسم لا يقضي به الحكام وهذا أكثره داخل في المندوب إليه، مثل رد السلام وتشميت العاطس وغير ذلك. وقد رأينا أن نذكر من هذا الجنس المشهور منه إن شاء الله. وينبغي قبل هذا أن تعلم أن السنن المشروعة العملية المقصود منها هو الفضائل النفسانية. فمنها ما يرجع إلى تعظيم من يجب تعظيمه، وشكر من يجب شكره وفي هذا الجنس تدخل العبادات وهذه هي السنن الكرامية. ومنها ما يرجع إلى الفضيلة التي تسمى عفة، وهذه صنفان السنن الواردة في المطعم والمشرب والسنن الواردة في المناكح. ومنها ما يرجع إلى طلب العدل والكف عن الجور. فهذه هي أجناس السنن التي تقتضي العدل في الأموال والأبدان. وفي هذا الجنس يدخل القصاص والحروب والعقوبات, لأن هذه كلها إنما يطلب بها العدل. ومنها السنن الواردة في الأعراض. ومنها السنن الواردة في جمع الأموال وتقويمها وهي التي يقصد بها طلب الفضيلة التي تسمى السخاء، وتجنب الرذيلة التي تسمى البخل. والزكاة تدخل في هذا الباب من وجه، وتدخل أيضاً في باب الاشتراك في الأموال، وكذلك الأمر في الصدقات. ومنها سنن واردة في الاجتماع الذي هو شرط في حياة الإنسان وحفظ فضائله العملية والعلمية، وهي المعبر عنها بالرياسة. ولذا ألزم أيضاً أن يكون سنن الأئمة والقوام بالدين. ومن السنن المهمة حين الاجتماع السنن الواردة في المحبة والبغضة. والتعاون على إقامة هذه السنن وهو الذي يسمى النهي عن المنكر والأمر بالمعروف وهي المحبة والبغضة أي الدينية التي هي إما من قبل الإخلال بهذه السنن وإما من قبل سوء المعتقد في الشريعة. وأكثر ما يذكر الفقهاء في الجوامع من كتبهم ما شذّ عن هذه الأجناس الأربعة التي هي فضيلة العفة وفضيلة العدل وفضيلة الشجاعة وفضيلة السخاء، والعبادة التي هي كالشروط في تثبيت هذه الفضائل اهـ.
стр. 724
الطبقة الأولى
منحصرة فيمن أنزل عليه القرآن وجاء بالشريعة المطهرة ﷺ وكرم وعظم
اعلم أنه ﷺ أرسل رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً على رأس الأربعين سنة وأول ما بدىء به من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. وأول ما نزل عليه من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: [العلق:١] كما في الصحيح قال الألوسي وعليه أكثر الأئمة ثم فتر الوحي ثلاث سنين ثم نزل عليه القرآن وحمى وتتابع منجماً بحسب الوقائع في ظرف عشرين سنة سمعه منه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وعملوا به وبلّغوه لقوله ﷺ : "فليبلغ الشاهد الغائب" وكذلك أخذوا عنه السنن التي سنّها ولم ينتقل ﷺ حتى ترك الدين تام الأصول. روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال ﷺ رسول الله ﷺ : "تركت فيكم شيئين لن تضلا بعدهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض". وروى أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح ولفظه: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مونع فأوصنا فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وأن تأمر عليكم عبد وأنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بستي وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". وفي جامع المعيار عن الإمام
стр. 725
المازري: "القرآن قاعدة الإِسلام وقطب الأحكام ومفزع أهل الملة ووزرهم وآية رسولهم ودليل صدق دينهم" اهـ والقرآن فيه تبيان كل شيء، جامع لكل فضيلة وناه عن كل رذيلة، يدعو إلى الإخاء والاتحاد والاجتماع والعدل والإحسان واجتناب البغي والفساد، طأطأت الرؤوس لسلطانه، وانصاع أبلغ العرب لبلاغته وبيانه، ونهض به الإِسلام نهضة لم تعهد، واستعذبته النفوس والقلوب، وحصل به غاية المطلوب. في أوائل تبصرة ابن فرحون أن الله تعالى أكمل لنبيه ﷺ دينه القويم وهدى به مَن يشاء إلى الصراط المستقيم، وأسس شرعه المطهر على أحسن الطرائق وأحكم القواعد، وشيده بالتقوى والعدل وجلب المصالح ودرء المفاسد، وأيده بالأدلة الموضحة للحق وأسبابه المرشدة إلى إيصال الحق لأربابه، وحماه بالسياسة الجارية على سنن الحق وصوابه. ولذا قال تعالى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥]. فالمراد بالكلمات القرآن العظيم تمت دلائله وحججه وأوامره ونواهيه وأحكامه وبشارته وإنذاره، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وفيها في طالعة القسم الثالث: السياسة نوعان، سياسة ظالمة الشرع يحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم وتدفع كثيراً من المظالم وترد أهل الفساد ويتوصل بها إلى المقاصد الشرعية. فالشريعة يجب المصير إليها والاعتماد في إظهار الحق عليها وهي باب واسع تضل فيه الأفهام وتزل فيه الأقدام وإهماله يضيع الحقوق ويبطل الحدود ويجرىء أهل الفساد ويعين أهل العناد والتوسع فيه يفتح باب المظالم الشنيعة ويوجب سفك الدماء وأخذ الأموال بغير الشريعة ولذا سلكت فيه طائفة مسلك التفريط المذموم فقطعوا النظر عن هذا الباب إلا فيما قلّ ظناً منهم أن تعاطي ذلك مناف لقواعد الشريعة فسدُّوا من طرق الحق سبيلاً واضحة وعدلوا إلى طريق العناد الفاضحة لأن في إنكار السياسة الشرعية رد النصوص الشرعية وتغليطاً للخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم. وطائفة سلكت في هذا الباب مسلك الإفراط فتعدوا حدود الله تعالى وخرجوا عن حدود الشرع إلى أنواع الظلم والبدع والسياسة وتوهمو أن السياسة الشرعية قاصرة عن سياسة الخلق ومصلحة الأمة وهو جهل وغلط فاحش. قال عزّ من قائل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فدخل في هذا جميع مصالح العباد الدينية والدنياوية. وقال ﷺ : "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي" وطائفة توسطت وسلكت مسلك الحق وجمعوا بين السياسة والشرع فغمصوا الباطل ودحضوه ونصفوا الشرع ونصروه. ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. انتهى.
وفي الاعتصام أن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله ﷺ فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها وتعبداتهم التي طوّقوها في أعناقهم
стр. 726
ولم يمت ﷺ حتى كمل الدين بشهادة الله تعالى حيث قال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ والمراد بالكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل والجزئيات انتهى.
وفي أوائل بداية المجتهد أن الطرق التي تلقيت منها الأحكام عن النبي ﷺ بالجنس ثلاثة إما لفظ وإما فعل وإما إقرار. وأما ما سكت عنه الشارع من الأحكام فقال الجمهور إن طريق الوقوف عليه هو القياس. وقال أهل الظاهر: القياس في الشرع باطل وما سكت عنه الشارع فلا حكم له، ودليل العقل يشهد بقبوله وذلك أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى اهـ. وزبدة القول إن القانون الإِسلامي هو القرآن العظيم وسنة نبيه الكريم. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ثم استنباط المجتهدين من الكتاب والسنة، وقد اعتنى المجتهدون بحفظ مقاصد الشريعة في الخلق لأنها جاءت لإخراج المكلف عن داعية هواه في جميع الأحوال من عبادة ومعاملة حتى في الملك الذي هو ضروري للاجتماع الإنساني فأجرته على قانون مستقيم ومنهاج من الدين قويم في شروط صاحبه، وما يجب عليه من العدل والدين والأمانة واتباع المصلحة وغير ذلك مما هو مقرر في كتب الدين ومن له مساس بالفقه لا يخفى عليه أن أحكام الشرع تدور مع المصالح والمفاسد وتختلف باختلاف الأحوال والأزمان. قال عمر بن عبد العزيز ﵁: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. في روح المعاني عند قوله عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] أي يعادونهما ويشاققونهما. قال ناصر الدين البيضاوي: ولضعون أو يختارون حدوداً غير حدود الله تعالى ورسوله ﷺ . وقال شيخ الإِسلام سعد الله جلبي: وعلى هذا ففيه وعيد عظيم للملوك وأمراء السوء الذين وضعوا أموراً خلاف ما حده الشرع وسموها القانون. قال شهاب الدين الخفاجي بعد نقله ما ذكر وقد صنف العارف بالله الشيخ بهاء الدين رسالة في كفر من يقول يعمل بالقانون والشرع إذا قابل بينهما وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وقد وصل الدين إلى رتبة من الكمال لا يقبل التكميل وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ولكن أين مَن يعقل انتهى. وليتني رأيت هاته الرسالة ووقفت على ما فيها فإن إطلاق القول بالكفر مشكل عندي فتأمل، ثم إنه لا شبهة في أنه لا بأس بالقوانين السياسية إذا وقعت باتفاق ذوي الآراء من أهل الحل والعقد على وجه يحسن بها الانتظام ويصلح أمر الخاص والعام ومنها تعيين مراتب التأديب
стр. 727
والزجر على معاصي وجنايات لم ينص الشارع فيها على حد معين بل فوّض الأمر في ذلك لرأي الإِمام فليس ذلك من المحادة لله تعالى ورسوله ﷺ في شيء بل فيه استيفاء حق الله تعالى على أتم وجه لما فيه من الزجر على المعاصي وهو أمر مهم للشارع ﵊ ويرشد إليه ما في تحفة المحتاج للإمام أن يستوفي التعزير إذا عفا صاحب الحق لأن الساقط بالعفو هو حق الآدمي والذي يستوفيه الإِمام هو حق الله تعالى للمصلحة وفي كتاب الخراج لأبي يوسف إشارة إلى ذلك أيضاً ولا يعكر على ذلك ونحوه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ لأن المراد كماله من حيث تضمنه ما يدل على حكمة الله تعالى خصوصاً أو عموماً ويرشد لهذا عدم النكير على أحد من المجتهدين إذا قال بشيء لم يكن منصوصاً عليه بخصوصه ومن ذلك ما ثبت بالقياس بأقسامه نعم القانون الذي يكون وراء ذلك فإن كان مصادماً لما نطقت به الشريعة الغراء زائغاً عن سنن المحجة البيضاء فيه ما فيه كما لا يخفى على العارف النبيه والآية نزلت في كفار قريش اهـ.
صلة بها أن القرآن هو الحكمة البالغة والحجة الكاملة مع الإبانة عن فضل المعنى الذي به باين سائر الكلام
اعلم أن في آي القرآن العبرة لمن اعتبر، والذكرى لمن اذكر، والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. في تفسير الإِمام المفسر المجتهد أبي جعفر محمَّد بن جرير الطبري عند تفسير الفاتحة ما نصه:
مسألة يسأل عنها أهل الإلحاد الطاعنون في القرآن إن سألنا منهم سائل فقال إنك قد قدمت في أول كتابك هذا في وصف البيان بأن أعلاه درجة وأشرفه مرتبة أبلغه في الإبانة عن حاجة المبين به عن نفسه وأبينه عن مراد قائله وأقربه من فهم سامعه. وقلت مع ذلك أن أولى البيان بأن يكون كذلك كلام الله جلّ ثناؤه بفضله على سائر الكلام وبارتفاع درجته على أعلى درجات البيان. فما الوجه إذ كان الأمر على ما وصفت في إطالة الكلام بمثل سورة أم القرآن بسبع آيات وقد حوت معاني جميعها منها آيتان وذلك قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إذ كان لا شك أن من عرف ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ فقد عرفه
стр. 728
بأسمائه الحسنى وصفاته المثلى وأن من كان لله مطيعاً فلا شك أنه لسبيل من أنعم الله عليه في دينه متبع، وعن سبيل من غضب عليه وضلّ معتدل. فما في زيادة الآيات الخمس الباقية من الحكمة التي لم تحوها الآيتان اللتان ذكرنا. قيل له إن الله تعالى جمع لنبينا محمَّد ﷺ ولأمته بما أنزل إليه من كتابه معاني لم يجمعهن بكتاب أنزله إلى نبي قبله ولا لأمة من الأمم قبلهم وذلك أن كل كتاب أنزله جلّ ذكره على نبي من أنبيائه قبله فإنما أنزله ببعض المعاني التي يحوي جميعها كتابه الذي أنزله إلى نبينا محمَّد ﷺ كالتوراة التي هي مواعظ وتفصيل والزبور الذي هو تحميد وتمجيد والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير لا معجزة في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق والكتاب الذي أنزل على نبينا محمَّد ﷺ يحوي معاني ذلك كله ويزيد عليه كثيراً من المعاني التي سائر الكتب غيره منها خال وقد قدمنا ذكرها فيما مضى من هذا الكتاب. ومن أشرف تلك المعاني التي فضّل بها كتابنا سائر الكتب قبله نظمه العجيب ووصفه الغريب وتأليفه البديع الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورة منه الخطباء، وكلّت عن وصف شكل بعضه البلغاء، وتحيرت في تأليفه الشعراء، وتبلدت قصوراً عن أن تأتي بمثله لديه أفهام الفهماء. فلم يجدوا له إلا التسليم والإقرار بأنه من عند الواحد القهار مع ما يحوي مع ذلك من المعاني التي هي ترغيب وترهيب وأمر وزجر وقصص وجدل ومثل وما أشبه ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء فمهما يكن فيه من إطالة على نحو ما في أم القرآن فلما وصفت قبل من أن الله جلّ ذكره أراد أن يجمع بوصفه العجيب ونظمه الغريب المنعدل على أوزان الأشعار وسجع الكهان وخطب الخطباء ورسائل البلغاء العاجز عن وصف مثله جميع الأنام وعن نظم نظيره كل العباد الدلالة على نبوة نبينا محمد ﷺ وبما فيه من تحميد وتمجيد ثناء عليه تنبيه للعبادعلى عظمته وسلطانه وقدرته وعظم مملكته ليذكروه بآلائه ويحمدوه على نعمائه فيستحقوا به منه المزيد ويستوجبوا عليه الثواب الجزيل وبما فيه من نعت من أنعم عليه بمعرفته وتفضل عليه بتوفيقه لطاعته تعريف عباده أن كل ما بهم من نعمة في دينهم ودنياهم فمنه ليصرفوا رغبتهم إليه ويبتغوا حاجاتهم من عنده دون ما سواه من الآلهة والانداد وبما فيه من ذكره ما حل بمن عصاه من مثلاته وأنزل بمن خالف أمره من عقوباته ترهيب عباده من ركوب معاصيه والتعرض لما لا قبل لهم به من سخطه فيسلك بهم في النكال والنقمات سبيل من ركب ذلك من الهلاك فذلك وجه إطالة البيان في سورة أم القرآن وفيما كان نظيراً لها من سائر سور القرآن وذلك هو الحكمة البالغة والحجة الكاملة. انتهى.
стр. 729
وقد وصف البيان، في أول كتابه بأبين بيان. ومحل الحاجة منه:
لا شك أن أعلى منازل البيان درجة وأسنى مراتبه مرتبة أبلغه في حاجة المبين نفسه وأبينه عن مراد قائله وأقربه من فهم سامعه فإن تجاوز ذلك المقدار وارتفع عن وسع الأنام وعجز عن أن يأتي بمثله جميع العباد كان حجة وعلماً لرسل الواحد القهار كما كان حجة وعلماً لها إحياء الموتى وإبراء الأبرص وذوي العمى بارتفاع ذلك عن مقادير أعلى منازل طب المتطببين وأرفع مراتب علاج المعالجين إلى ما يعجز عنه جميع العالمين وكالذي كان لها حجة وعلماً قطع مسافة شهرين في الليلة الواحدة بارتفاع ذلك عن وسع الأنام وتعذر مثله على جميع العباد وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين واليسير منه فاعلين فإذا كان ما وصفنا من ذلك كالذي وصفنا فبين أن لا بيان أبين ولا حكمة أبلغ ولا منطق أعلى ولا كلام أشرف من بيان ومنطق تحدى به امرؤ قوماً في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة وقيل الشعر والفصاحة والسجع والكهانة كل خطيب منهم وبليغ وشاعر منهم وفصيح وكل ذي سجع وكهانة فسفه أحلامهم وقصر معقولهم وتبرأ من دينهم ودعا جميعهم إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به والإقرار بأنه رسول إليهم من ربهم وأخبرهم أن دلالته على صدق مقالته وحجته على حقيقة نبوته ما أتاهم به من البيان والحكمة والفرقان بلسان مثل ألسنتهم ومنطق موافقة معانيه معاني منطقهم ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عجزة ومن المقدرة عليه نقصة فأقر جميعهم بالعجز وأذعنوا له بالتصديق وشهدوا على أنفسهم بالنقص. انتهى من تفسير أبي جعفر بن جرير الطبري.
وفي خلاصة تاريخ العرب أشهر معجزاته ﷺ القرآن الكريم لاشتهار البلاغة والفصاحة في زمنه عند قريش الذين كانوا يفتخرون بحسن الكلام ويتغالون فيه كما كان إحياء الموتى لعيسى والثعبان لموسى زمن اشتهار السحر والنفس الطيب لداود زمن اشتهار الموسيقى وتلا ﷺ على عباد الأصنام أول سورة فصلت وبلغ: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت: ٩] إلى أن قال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣١، ٣٢] وكان من أراد الله هدايته يسمع القرآن فيسلم كعمر ﵁ فإنه توجه بسيفه لقتل النبي ﷺ فقيل له: لا تفعل لئلا يقتلك بنو عبد مناف ولكن اردع خباباً وأختك وابن عمك سعيد بن زيد فإنهم أسلموا فقصدهم وهم يتلون سورة طه فسكتوا فسألهم عما سمعه فأنكروه فضرب أخته فشجها قائلاً: أريني ما كنتم تقرأونه وخافت على الصحيفة فعاهدها على أن يردها إليها فدفعتها وقرأها وقال ما أحسن هذا وأكرمه، ثم توجه إلى النبي فأسلم اهـ.
стр. 730
وفيها بعد نقله آياً من القرآن في الآداب ما نصه: ما فرط القرآن في شيء من الآداب التي قوامها الحكمة ورأسها العدل والإحسان وغايتها قصد سبيل الحق والصد عن محجة الضلالة والخروج من ظلمات الرذائل إلى نور الفضائل والتطهير من شوائب النقص والتحلي بزينة الكمال وما قصدنا بإيراد ما سلف إلا أن يكون لهذه الأمة الشريفة دليل تقدس غايتها وحرمة مذهبها ورفعة حكمتها وموافقتها لما نزل من قبل على الرسل الكرام فبذلك يهتدي البصير إلى فضل القرآن المجيد إذ جمع فأوعى ما أوتيه النبيون من قبل من البينات. انتهى من خلاصة تاريخ العرب للعالم المنصف سيديو وقصة إسلام عمر ﵁ سنذكرها في خلافته.
درة
اعلم أنه جرت عادة الله أن أوامره لا تخلو من حكمة فإن ظهرت فهي معقولة المعنى وإلا فتعبد وذلك لأنا استقرأنا عادة الله تعالى فوجدناها جالبة للمصالح دارئة للمفاسد ولذلك قال ابن عباس ﵄: "إذا سمعت نداء الله فهو إنما يدعوك لخير أو يصرفك عن شر كإيجاب الزكاة والنفقات لسد الخلات وأرشد جبر الجنايات المتلفات وتحريم القتل والزنا والسكر والسرقة والقذف صوناً للنفوس والأنساب والعقول والأموال والإعراض عن المفسدات" اهـ حطاب.
جوهرة
في الاعتصام أن الله أنزل القرآن عربياً لا عجمة فيه بمعنى أنه جار في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب، قال تعالى: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] وقال: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] كان المنزل عليه القرآن عربياً أفصح من نطق بالضاد وهو محمَّد بن عبد الله ﷺ وكان الذين بعث فيهم عربياً أيضاً يجري الخطاب به على معتادهم في لسانهم فليس فيه شيء من الألفاظ والمعاني إلا وهو جار على ما اعتادوه ولم يدخله شيء بل نفى عنه أن يكون فيه شيء عجمي فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣] وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] هذا وإن كان بعث للناس كافة فإن الله جعل جميع الأمم وعامة الألسنة في هذا الأمر تبعاً للسان العرب وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله تعالى إلا من الطريق الذي نزله عليه وهو اعتبار ألفاظ ومعانيها وأساليبها اهـ.
стр. 731
فريدة
في الاعتصام أن الله بعث إلينا محمداً ﷺ رحمة للعالمين حسبما أخبر في كتابه، وقد كنا قبل طلوع ذلك النور الأعظم لا نهتدي سبيلاً ولا نعرف من مصالحنا الدنياوية إلا قليلاً على غير كمال ولا من مصالحنا الأخروية كثيراً ولا قليلاً، بل كان كل أحد يركب هواه وإن كان فيه ما فيه ويطرح هوى غيره فلا يلتفت إليه فلا يزال الاختلاف بينهم والفساد فيهم يخص ويعم حتى بعث الله نبيه ﷺ لزوال الريب والالتباس وارتفاع الخلاف بين الناس كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] ولم يكن حاكم بينهم فيما اختلفوا فيه إلا وقد جاءهم بما ينظم به شملهم وتجتمع به كلمتهم وذلك راجع إلى الجهة التي من أجلها اختلفوا وهو مما يعود عليهم بالصلاح في العاجل والآجل ويدرأ عنهم الفساد على الإطلاق فاحتفظت الأديان والدماء والعقول والإنساب والأموال من طريق يعرف مأخذها العلماء وذلك القرآن العظيم بل المنزل على النبي ﷺ قولاً وعملاً وإقراراً، ولم يردوا إلى تدبير أنفسهم للعلم بأنهم لا يستطيعون ذلك ولا يستقلون بدرك مصالحهم ولا تدبير أنفسهم، فإذا ترك المبتدع هذه المهمات العظيمة والعطايا الجزيلة وأخذ في استصلاح نفسه ودنياه بما لم يجعل الشرع عليه دليلاً فكيف له بالعصمة والدخول تحت هذه الرحمة وقد حلّ يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه فهو حقيق بالبعد عن الرحمة. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] بعد قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فاشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقاً وأن ما سوى ذلك تفرقة لقوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ والفرقة من أحسن أوصاف المبتدعة لأنه خرج عن حكم الله وباين جماعة الإِسلام. روى عبد الله بن حميد عن عبد الله: أن حبل الله الجماعة. وعن قتادة: حبل الله المتين هو القرآن وسننه وعهده إلى عباده الذي أمر أن يعتصم بما فيه من الخير والثقة وأن يتمسكوا به ويعتصموا بحبله ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] اهـ. وفيه لولا أن منَ الله على الخلق ببعثة الأنبياء لم تستقم لهم حياة ولا جرت أحوالهم على كمال مصالحهم وهذا معلوم بالنظر في أخبار الأولين والآخرين. وفيه أيضاً الشريعة موضوعة لإخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله، وهي حجة على الخلق كبيرهم وصغيرهم مطيعهم وعاصيهم برهم وفاجرهم بل إن المرسلين بها صلوات الله عليهم
стр. 732
داخلون تحت أحكامها، فأنت ترى أن نبينا محمداً ﷺ مخاطب بها في جميع أحواله وتقلباته مما اختص به دون أمته أو كان عاماً له ولأمته كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى سائر التكاليف التي وردت على كل مكلف والنبي فيهم فالشريعة هي الحاكمة على الإطلاق والعموم عليه وعلى جميع المرسلين وهي الطريق الموصل والهادي الأعظم. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] فهو ﵊ أول من هداه الله بالكتاب والإيمان ثم من اتبعه فيه والكتاب هو الهادي والوحي المنزل عليه مرشد ومبين لذلك الهدى والخلق مهتدون بالجميع. ولما استنار قلبه وجوارحه ﵇ وظاهره وباطنه بنور الحق علماً وعملاً صار هو الهادي الأول لهذه الأمة والمرشد الأعظم حيث خصه الله دون الخلق بإنزال ذلك النور عليه واصطفاه من جملة مَن كان مثله في الخلقة البشرية اصطفاءً أولياً لا من جهة كونه بشراً عاقلاً مثلاً لاشتراكه مع غيره في هذه الأوصاف ولا لكونه من قريش مثلاً دون غيرهم وإلا لزم ذلك في كل قريش، ولا لكونه من بني عبد المطلب ولا لكونه عربياً ولا لغير ذلك بل من جهة اختصاصه بالوحي الذي استنار به قلبه وجوارحه فصار خلقه القرآن حتى نزل فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] وإنما كان خلقه القرآن لأنه حكم الوحي على نفسه حتي صار في علمه وعمله على وفقه فكان للوحي موافقاً قائلاً مذعناً ملبياً نداءه واقفاً عند حكمه، وهذه الخاصة كانت من أعظم الأدلة على صدقه فيما جاء به إذ قد جاء بالأمر وهو مؤتمر وبالنهي وهو منته وبالوعظ وهو متعظ وبالتخويف وهو أول الخائفين وبالترجية وهو سائق دابة الراجين، وحقيقة ذلك كله جعله الشريعة المنزلة عليه حجة حاكمة عليه ودلالة له على الصراط المستقيم الذي سار عليه ﷺ ولذا صار عبداً لله حقاً وهو أشرف اسم تسمى به العباد. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] وما أشبه ذلك من الآيات التي وقع مدحه فيها بصفة العبودية، وإذا كان ذلك فسائر الخلق حريون بأن تكون الشريعة حاكمة عليهم ومناراً يهتدون بها إلى الحق وشرفهم إنما يثبت بحسب ما اتصفوا به من الدخول تحت أحكامها والعمل بها قولًا واعتقاداً وعملاً لا بحسب عقولهم فقط ولا بحسب شرفهم في قومهم فقط لأن الله تعالى إنما أثبت الشرف بالتقوى لا غير لقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فمَن كان أشد محافظة على اتباع الشريعة فهو أولى
стр. 733
بالشرف ومَن كان دون ذلك لم يكن أن يبلغ في الشرف مبلغ الأعلى في اتباعها. فالشرف إذاً إنما هو بحسب المبالغة في تحكم الشريعة اهـ ببعض اختصار.
خلاصة في العلوم التي تفرعت من القرآن أو نشأت لخدمته
اعلم أن العرب في صدر الإِسلام حفظوا القرآن وليس في أيديهم من الكتب غيره يقرأونه ويتعظون به ويتحاكمون إليه وقد عجبوا بأسلوبه ودهشوا ببلاغته لأنه ليس من قبيل ما كانوا يعرفونه من نثر الكهان المسجع ونظم الشعراء المقفى الموزون وقد خالف كليهما وفيه من اليلاغة وأساليب التعبير ما لم يكن له شبيه في لسانهم، فسحروا بأسلوبه وبما حواه من الشرائع والأحكام والأخبار، فأصبح همهم تلاوته وتفهم أحكامه, لأنه قاعدة الدنيا والدين وبه تتأيد السلطة والخلافة وهو أول كتاب أخذوا في قراءته وحفظه.
القراءات السبع
واختلفوا في قراءة بعض آياته. فتولدت القراءات السبع نسبة إلى سبعة من القراء- تقدم ذكرهم في المقدمة- وتفرع بتوالي الأعصر إلى سبعة علوم هي: علم الشواذ، وعلم مخارج الحروف، ومخارج الألفاظ، والوقوف، وعلل القرآن، وكتابة القرآن، وآداب كتابة المصحف. وفي كل من هذه العلوم قواعد وكتب، وأكثر العلوم الإِسلامية نشأت من القرآن أو تولدت خدمة له ولا يكاد يخلو علم من تأثير القرآن عليه رأساً أو ضمناً.
النحو
أول شيء احتاجوا إليه في ضبط القرآن النحو، وكان الباعث على التعجيل في ضبطه وضبط قواعده ما شاهدوه من لحن الناس في قراءة القرآن بعد الفتوح وانتشار العرب في الآفاق، وقد نمت قواعده ولم يتم القرن الثاني للهجرة أي نضج في قرن وبعض القرن، واليونان لم يتم علم النحو عندهم إلا بعد إنشاء دولتهم بعدة قرون، ولم يضع الرومان نحو اللغة اللاتينية إلا بعد قيام دولتهم بستة قرون. ويفتقر علم النحو في تأييد قواعده إلى معرفة كلام العرب وأساليبهم.
стр. 734
التفسير وعلم الأدب
ولما أخذ العلماء في تفسير القرآن احتاجوا أيضاً إلى ضبط معاني ألفاظه وتفهم أساليب عبارته فجرّهم ذلك إلى البحث في أساليب العرب وأقوالهم وأشعارهم وأمثالهم وهو علم الأدب المشتمل على الفنون الأدبية والعلوم المتعلقة بالألفاظ وهي تزيد على العشرين علماً كالنحو الصرف والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع والعروض، والفضل في تعجيل ظهورها للقرآن.
الحديث
واحتاجوا في تفسير القرآن أيضاً إلى تفهم الحديث لأنهم كانوا إذا أشكل عليهم فهم آية أو اختلفوا في تفسيرها أو حكم من أحكامها استعانوا بأقوال النبي ﷺ على استيضاحها، فلما تفرّق الصحابة في الأرض تفرقت الأحاديث معهم فاشتغل جماعة من المفكرين في جمعها وتدوينها وتولد من ذلك العلوم المتعلقة بالحديث وهي التي مر بيانها بخاتمة المقصد. والتفسير نفسه لما نضج تفرع إلى علوم كثرة مذكورة في مفتاح السعادة وهي تزيد على السبعين علماً ولكل منها علماء ومصنفات ومناظرات، وكان للعلوم اللغوية ارتباط بالعلوم الشرعية، لا يستطيع الطالب إتقان الواحدة إن لم يتقن الأخرى.
الفقه
ولما صار الإِسلام دولة احتاج أمراؤه إلى ما يقضون به بين رعاياهم في أحوالهم الشخصية ومعاملاتهم المدنية فكان معولهم على القرآن والحديث فاستنبطوا منهما الشريعة وأحكامها وهو الفقه بفروعه المشهورة علم النظر والمناظرة والجدل والفرائض والشروط والقضاء والتشريع والفتاوى ونحوها.
السير والتاريخ
ولما اشتغل المسلمون في جمع القرآن وجمع الأحاديث احتاجوا إلى تحقيق الأماكن والأحوال التي كتبت بها أو قيلت فيها الأحاديث فعمدوا إلى جمع السيرة النبوية ودوّنوها واضطروا لتحقيق مسائل الحديث والفقه والنحو والأدب إلى البحث في أسانيدها والتفريق بين ضعيفها ومتينها فجرهم ذلك إلى النظر في الرواة وتراجمهم وسائر أحوالهم وقسموا كل فن إلى طبقات، فتألف من ذلك تراجم
стр. 735
العلماء والأدباء والفقهاء والنحاة وغيرهم مما يعبرون عنه بالطبقات كطبقات الشعراء وطبقات المفسرين أو النحاة أو الفقهاء أو الحفاظ أو النسابين أو غيرهم. وكان ذلك أساً لعلم التاريخ وزد على ذلك ما في القرآن من الآيات الحاثة على الاشتغال بالتاريخ أو بالأخبار للعبرة والموعظة كقوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
الجغرافيا
ومن الأسباب التي ساعدت على وضع علم الجغرافيا وتقويم البلدان الأسفار في طلب الحديث من حملته والحج إلى مكة والرغبة في تطبيق القواعد الفقهية ويفتقر ذلك إلى معرفة حال البلاد وكيفية فتحها صلحاً أو عنوة وقد جرّ ذلك إلى تعرف البلاد ومواطنها ومع ذلك فإن في القرآن نصوصاً تحض على طلب هذا العلم كقوله ﷻ : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] وغير ذلك. وقد ذكرنا فضيلة التاريخ والجغرافيا في صدر المقصد من هذا المؤلف.
الخطابة
هذا ما كان من تأثير القرآن في آداب الجاهلية وهناك تأثير أحدثه القرآن أيضاً في الآداب التي كانت شائعة قبل الإِسلام فغيّر أسلوبها ورقاها وأهمها الخطابة والشعر من الفنون الأدبية الجاهلية التي زادها الإِسلام رونقاً وبلاغة وارتفعت زمن الصحابة والتابعين والفضل في ذلك عائد للكتاب المبين من وجوه منها أن القرآن وإن كان نزل بلغة القوم التي بها يتخاطبون وبفصاحتها يتفاخرون إلا أن أساليبه العالية أعجزت فصحاءهم وأخذت بمسامع قلوبهم وأكسبتهم ملكة من البلاغة في تحسين الأساليب العالية، ولذا كانوا يعيبون الخطيب المصقع إذا لم يكن في كلامه شيء من آداب القرآن. روى الحافظ عن الهيثم بن عدي أنهم -يعني العرب- كانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل وفي الكلام يوم الجمع آية من آي القرآن فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار وحسن الموقع ومنها ما جاء في القرآن من الترغيب والترهيب على الأسلوب العجيب البالغ حد الإعجاز في التأثير على الضمائر والأخذ بشكائم النفوس أعانهم على التفنن في أساليب الوعظ الخطابي عند حلول الأزمات والحاجة إلى تأليف قلوب الجماعات حتى لقد كان الخطيب البليغ
стр. 736
منهم ليدفع بالخطبة الواحدة من الملمات ما لا يدفع بالبيض المرهفات، ويملك بها من قلوب الرجال ما لا تملكه البدر كما صنع أبو بكر ﵁ في خطبته يوم السقيفة التي امتلك بها قلوب المهاجرين والأنصار وصرف عن الأمة فتنة هي من الأمور الكبار، وكان الخطباء في صدر الإِسلام يخطبون الناس عند طروء كل حادث جلل فلا تقييد لوقت ولا تكليف لقول فكانوا يجمعون المسلمين تارة لإعلان خبر عليهم، وتارة لاستشارتهم ووقتاً لتحذيرهم وآخر لوعظهم وتذكيرهم.
الشعر
أما الشعر فقد كان له أعظم التأثير في قلب العربي يحركه كما يحرك الهواء ريشة في الجو وكان عندهم بمثابة الجرائد في هذا الوقت؛ ينطق الشاعر عندهم بكلمته فتتلقاها الأسماع وتدور بعد ذلك على ألسنتهم، وكانت أسواقهم التي بها يجتمعون لإلقاء أشعارهم ومبادلة متاجرهم بالقرب من البيت الحرام وهي عكاظ ومجنة وذو مجاز.
وبالجملة فإن للقرآن تأثيراً عظيم الأهمية لم يوفق لغير القرآن من الكتب الدينية في الأمم الأخرى وفي آداب اللغة العربية الفصحى وفي أخلاق أصحابه ممن سواه لأنهم مكلفون بحفظه قبل كل علم وهم أطفال وهو داخل في كل شيء من الأمور الدينية والدنيوية وأساس شرائعهم القضائية وقاعدة معاملاتهم اليومية وأحوالهم العائلية حتى الطعام والشراب واللباس والنوم والغسل وكل شيء يمكن استنباطه منه وتجد له مثالاً فيه. وهذا لا تراه في غيره من الكتب السماوية.
فصل أذكر فيه الوازع والحرية
فأقول: إن الإنسان مثال بطبعه للسعادة إذا أرشد إليها وحثّ عليها. والشرائع إنما شرعت للسعادة البشرية وقوام الحالة الاجتماعية فالوازع الذي يزع الناس بالشريعة لا يحاول بما يزع به قهراً للنفوس ولا حجراً على الإرادة بل يماشي الإرادة ويساعد النفوس على نيل السعادة لهذا فطاعة الوازع من مستلزمات السعادة لا يأباها العقل ولا يهضم فيها حق من حقوق الحرية ما دامت طاعته يراد بها طاعة القانون الذي هو أصل في السعادة لا طاعة الوازع نفسه من حيث كونه أمراً بهواه وشهواته لا مأموراً من القانون ومهيمناً عليه فالحرية مقيدة بقيدين نفسي وخارجي فالنفسي هو الزاجر المديني والفضيلة الذاتية ففي مطاوعة الزاجر النفسي مطاوعة للفضيلة ووقوف
стр. 737
عند حد الإنسانية والخارجي هو الوازع وفي مطاوعتها للوازع مطاوعة للشرع وخضوع للقانون وليس في كلا القيدين معنى العبودية أو منع للحرية وإنما هو إمساك النفس عن الاندفاع في تيار الهوى الذي يلحق الإنسان بالبهائم فهاته الفضيلة وسط وطرفاها رذيلة إفراط وتفريط وكلاهما رجوع للبهيمية فالحرية بالقيد المذكور فضيلة معناها تخلص الإنسان من الأسر وتخلصه من ضيق الحجر وجواز تصرفه في كل حق من حقوق الإنسانية التي سوّغها العقل وقفت بها أصول الاجتماع والتعاون بحيث يكون الإنسان مالكاً لإرادته لا بهيمة تتحرك بإرادة سواه مالكاً لثمرة عمله لا حق لآخر بحرمانه منها مالكاً لا منه لا لسلطان آخر يسلب منه ذلك، ومتى فقد الشخص واحدة من هذه الثلاث سلب منه معنى الحرية وصار كالحيوان يتعب ليأكل سواه ويشقى ليسعد غيره ويسعى ليموت هو ويحيى مَن عداه.
البشارة بالسعادة والنذارة بالشقاوة
والبشارة المطلقة لا تكون إلا بخير والإنذار الإبلاغ ولا يكون إلا في التخويف. إذا علمت ذلك فاعلم أن الشريعة جاءت بها الرسل لتدعو الناس إلى السعادة والنجاة من الشقاوة، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨]، فالسعادة تكون بالإقرار لله تعالى بالوحدانية ولمحمد بالرسالة والاتباع لما جاء به وسنة من فعل المأمورات واستجلاب الفضائل واجتناب الرذائل وجمع الكلمة وبسط العدل ورفع مقام العلم واستعمال غاية الجهد في اتخاذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال عزّ كماله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال: (﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠] ما من شيء يحتاج إليه الناس في أمر دينهم مما يجب أن يترك أو يؤتى إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية. في روح المعاني أن الآية كما أخرج البخاري في الأدب والبيهقي في شعب الإيمان والحاكم وصححه عن ابن مسعود: أجمعُ آية للخير والشر. وأخرج أبو نعيم عن عبد الملك بن عمير قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي ﷺ فأراد أن يأتيه فأتى قومه فانتدب رجلين فأتيا رسول الله ﷺ فقالا: نحن رسل أكثم يسألك مَن أنت وما جئت به؟ فقال النبي ﷺ : "أنا محمَّد بن عبد الله عبد الله ورسوله" ثم تلا عليهم هذه الآية. قالوا: ردِّد علينا هذا القول، فردّد ﵊ حتى حفظوه فأتيا أكثم فأخبراه، فلما سمع الآية قال: إني لأراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهي عن مذامها فكونوا في
стр. 738
هذا الأمر رأسآ ولا تكونوا فيه أذناباً. وروي عن ابن عباس أن هذه الآية كانت سبب استقرار الإيمان في قلب عثمان بن مظعون بعد أن أسلم محبة في النبي ﷺ ولجمعها ما جمعت أقامها عمر بن عبد العزيز حين آلت الخلافة إليه مقام ما كان بنو أمية يجعلونه في أواخر خطبهم من سب علي كرّم الله وجهه وكان ذلك من أعظم مآثره ﵁. وقال غير واحد: لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية الكريمة لكفت في كونه تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. ولعل إيرادها عقب قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا﴾ [النحل: ٨٩] للتنبيه عليه. انتهى باختصار.
أما الشقاوة فإنها تكون باجتناب المأمورات وارتكاب الرذائل والمحرمات واتباع البدع والشهوات وإيثار اللذات كالفجور وقول الزور وشرب الخمور وحب الظهور والدخول تحت معاصي الله ومساخطه جهلاً باستدراج الله وأمناً لمكره. قال جلّ ذكره: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] في روح المعاني: المراد بالفتنة الذنب. وفسر بنحو إقرار المنكر والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وافتراق الكلمة وظهور البدع. وفيه عند قوله عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] أخرج أبو الشيخ وأبو نعيم والخطيب والديلمي وغيرهم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: "ثلاث هن رواجع: المكر والنكث والبغي" ثم تلا ﵊: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] وأخرج ابن مندويه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو بغى جبل على جبل لدك الباغي" والبغي هو الظلم الظاهر الذي لا يخفى قبحه على أحد. وفي ذلك من الزجر ما لا يخفى اهـ.
لا يأمن الدهرَ ذو بغي ولو ملكا ... جنوده ضاق عنها السهل والجبل
فصدور مثل تلك المخالفات سالبة للنعم جالبة للنقم وإثارة الفتن والمصائب والإحن وفقد الراحة والهوان وقلة العمران وخراب الديار والمنازل والفناء في الشعوب والقبائل. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ والخلاصة أن السعادة والشقاوة مقترنتان بالعمل الفاسد والصالح وتترتب عليهما في الدنيا ما قد علم وفي الآخرة الجنة وجهنم.
стр. 739
خلاصة فيما حصل لرسول الله ﷺ وهو بمكة عندما أعلن بالرسالة وما حصل لمن آمن به
في كتاب الاعتصام أن رسول الله ﷺ بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل وفي جاهلية جهلاء لا تعرف من الحق رسماً ولا تقيم به في باب مقاطع الحقوق حكماً، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها وما استحسنه أسلافها من الآراء المنحرفة والنحل المخترعة والمذاهب المبتدعة. فحين قام فيهم بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر وغيروا في وجهه صوابه بالإفك والمكر ونسبوا إليه إذ خالفهم في الشرعة ونابذهم في النحلة كل محال ورموه بأنواع البهتان، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق الذي لم يجربوا عليه قط خبراً بخلاف مخبره، وآونة يتهمونه بالسحر وفي علمهم أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه، وكرة يقولون إنه مجنون مع تحققهم بكمال عقله وبراءته من مس الشيطان وخبله، وإذا دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] مع الإقرار بمقتضي هذه الدعوة الصادقة ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] إذا أنذرهم بطشة يوم القيامة أنكروا ما يشاهدون من الأدلة على إمكانه وقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق: ٣] وإذا خوّفهم نقمة الله قالوا: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] اعتراضاً على صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة، وإذا جاءهم بآية خارقة افترقوا في الضلالة على فرق واخترقوا فيها لمجرد العناد ما لا يقبله أهل التهدي إلى التفرقة بين الحق والباطل كل ذلك قصداً منهم إلى التأسي بهم والموافقة على ما ينتحلون إذا رأوا خلاف المخالف لهم في باطلهم رداً لما هم عليه ونبذاً لما شدوا عليه يد الظنة واعتقدوا إذا لم يتمسكوا بدليل أن الخلاف يوهو الثقة ويقبح جهة الاستحقاف وخصوصاً حين اجتهدوا في الانتصار بعلم فلم يجدوا أكثر من تقليد الآباء، ولذا أخبر الله تعالى عن إبراهيم ﵇ في محاجة قومه ﴿مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾ [الشعراء: ٧٠ - ٧٥] فحادوا كما ترى عن الجواب القاطع المورد مورد السؤال إلى الاستمساك بتقليد الآباء. وقال الله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا
стр. 740
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢﴾ [الزخرف٢١و ٢٢] فرجعوا عن جواب ما ألزموا به إلى التقليد. فقال تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤]، فأجابوا بمجرد الإنكار ركوناً إلى ما ذكروا من التقليد لا بجواب السؤال، فكذلك كانوا مع النبي ﷺ فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم لأنه خرج عن معتادهم وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم حتى أرادوا أن يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم ليوقعوا بينهم وبينه المؤالفة والموافقة ولو في بعض الأوقات أو في بعض الأحوال أو على بعض الوجوه ويقنعوا منه بذلك ليقف لهم بتلك الموافقة واهى بنائهم فأبى ﵇ إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب، وأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ [الكافرون: ١، ٢] إلى آخر السورة فنصبوا له عند ذلك حرب العداوة ورموه بسهام القطيعة وصار أهل السلم كلهم حرباً عليه وعاد الولي الحميم عليه كالعذاب الأليم، فاقربهم إليه نسباً كان أبعد الناس عن موالاته كأبي جهل وغيره وألصقهم به رحماً كانوا أقسى قلوباً عليه؛ ومع ذلك فلم يكله الله إلى نفسه ولا سلطهم على النيل من أذاه إلا نيل المصلوفين، بل حفظه الله وعصمه وتولاه بالرعاية والكلاءة حتى بلّغ دعوة ربه، ثم ما زالت الشريعة في أثناء نزولها وعلى توالي تقريرها تبعد بين أهلها وبين غيرهم وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا لكن على وجه من الحكمة عجيب وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل الدين الأول الأصيل. ففي العرب نسبتهم إلى أبيهم إبراهيم ﵇ وفي غيرهم لأنبيائهم المبعوثين فيهم كقوله تعالى بعد ذكر كثير من الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ [الشورى: ١٣]، وما زال ﵊ يدعو إليها فينوب إليه الواحد بعد الواحد على حكم الاختفاء خوفاً من عادية الكفار زمان ظهورهم على دعوة الإِسلام فلما اطلعوا على المخالفة أنفوا وقاموا وقعدوا فمن أهل الإِسلام من لجأ إلى قبيلة فحموه على إغماض أو على دفع العار في الإخفار ومنهم مَن فرّ من الإذاية وخوف الغرة هجرة إلى الله وحباً في الإِسلام ومنهم من لم يكن له وزر يحميه ولا ملجأ يركن إليه فلقي منهم من الشدة والغلظة والعذاب أو القتل ما هو معلوم ثم لما وقعت المؤامرة على قتله وأعلمه الله بذلك وأمره بالخروج لدار هجرته وهي المدينة المنورة هاجر إليها ﷺ واستمر تزيد الإِسلام واستقام طريقه مدة حياة النبي ﷺ ومن بعد موته اهـ اعتصام.
следующие страницы →