← Тараджим

Тараджим · id 7669

شجرة النور الزكية في طبقات المالكية

مخلوف، محمد بن محمد

Полный текст (970 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

منهم ليدفع بالخطبة الواحدة من الملمات ما لا يدفع بالبيض المرهفات، ويملك بها من قلوب الرجال ما لا تملكه البدر كما صنع أبو بكر ﵁ في خطبته يوم السقيفة التي امتلك بها قلوب المهاجرين والأنصار وصرف عن الأمة فتنة هي من الأمور الكبار، وكان الخطباء في صدر الإِسلام يخطبون الناس عند طروء كل حادث جلل فلا تقييد لوقت ولا تكليف لقول فكانوا يجمعون المسلمين تارة لإعلان خبر عليهم، وتارة لاستشارتهم ووقتاً لتحذيرهم وآخر لوعظهم وتذكيرهم. الشعر أما الشعر فقد كان له أعظم التأثير في قلب العربي يحركه كما يحرك الهواء ريشة في الجو وكان عندهم بمثابة الجرائد في هذا الوقت؛ ينطق الشاعر عندهم بكلمته فتتلقاها الأسماع وتدور بعد ذلك على ألسنتهم، وكانت أسواقهم التي بها يجتمعون لإلقاء أشعارهم ومبادلة متاجرهم بالقرب من البيت الحرام وهي عكاظ ومجنة وذو مجاز. وبالجملة فإن للقرآن تأثيراً عظيم الأهمية لم يوفق لغير القرآن من الكتب الدينية في الأمم الأخرى وفي آداب اللغة العربية الفصحى وفي أخلاق أصحابه ممن سواه لأنهم مكلفون بحفظه قبل كل علم وهم أطفال وهو داخل في كل شيء من الأمور الدينية والدنيوية وأساس شرائعهم القضائية وقاعدة معاملاتهم اليومية وأحوالهم العائلية حتى الطعام والشراب واللباس والنوم والغسل وكل شيء يمكن استنباطه منه وتجد له مثالاً فيه. وهذا لا تراه في غيره من الكتب السماوية. فصل أذكر فيه الوازع والحرية فأقول: إن الإنسان مثال بطبعه للسعادة إذا أرشد إليها وحثّ عليها. والشرائع إنما شرعت للسعادة البشرية وقوام الحالة الاجتماعية فالوازع الذي يزع الناس بالشريعة لا يحاول بما يزع به قهراً للنفوس ولا حجراً على الإرادة بل يماشي الإرادة ويساعد النفوس على نيل السعادة لهذا فطاعة الوازع من مستلزمات السعادة لا يأباها العقل ولا يهضم فيها حق من حقوق الحرية ما دامت طاعته يراد بها طاعة القانون الذي هو أصل في السعادة لا طاعة الوازع نفسه من حيث كونه أمراً بهواه وشهواته لا مأموراً من القانون ومهيمناً عليه فالحرية مقيدة بقيدين نفسي وخارجي فالنفسي هو الزاجر المديني والفضيلة الذاتية ففي مطاوعة الزاجر النفسي مطاوعة للفضيلة ووقوف

стр. 737

عند حد الإنسانية والخارجي هو الوازع وفي مطاوعتها للوازع مطاوعة للشرع وخضوع للقانون وليس في كلا القيدين معنى العبودية أو منع للحرية وإنما هو إمساك النفس عن الاندفاع في تيار الهوى الذي يلحق الإنسان بالبهائم فهاته الفضيلة وسط وطرفاها رذيلة إفراط وتفريط وكلاهما رجوع للبهيمية فالحرية بالقيد المذكور فضيلة معناها تخلص الإنسان من الأسر وتخلصه من ضيق الحجر وجواز تصرفه في كل حق من حقوق الإنسانية التي سوّغها العقل وقفت بها أصول الاجتماع والتعاون بحيث يكون الإنسان مالكاً لإرادته لا بهيمة تتحرك بإرادة سواه مالكاً لثمرة عمله لا حق لآخر بحرمانه منها مالكاً لا منه لا لسلطان آخر يسلب منه ذلك، ومتى فقد الشخص واحدة من هذه الثلاث سلب منه معنى الحرية وصار كالحيوان يتعب ليأكل سواه ويشقى ليسعد غيره ويسعى ليموت هو ويحيى مَن عداه. البشارة بالسعادة والنذارة بالشقاوة والبشارة المطلقة لا تكون إلا بخير والإنذار الإبلاغ ولا يكون إلا في التخويف. إذا علمت ذلك فاعلم أن الشريعة جاءت بها الرسل لتدعو الناس إلى السعادة والنجاة من الشقاوة، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨]، فالسعادة تكون بالإقرار لله تعالى بالوحدانية ولمحمد بالرسالة والاتباع لما جاء به وسنة من فعل المأمورات واستجلاب الفضائل واجتناب الرذائل وجمع الكلمة وبسط العدل ورفع مقام العلم واستعمال غاية الجهد في اتخاذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال عزّ كماله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال: (﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠] ما من شيء يحتاج إليه الناس في أمر دينهم مما يجب أن يترك أو يؤتى إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية. في روح المعاني أن الآية كما أخرج البخاري في الأدب والبيهقي في شعب الإيمان والحاكم وصححه عن ابن مسعود: أجمعُ آية للخير والشر. وأخرج أبو نعيم عن عبد الملك بن عمير قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي ﷺ فأراد أن يأتيه فأتى قومه فانتدب رجلين فأتيا رسول الله ﷺ فقالا: نحن رسل أكثم يسألك مَن أنت وما جئت به؟ فقال النبي ﷺ : "أنا محمَّد بن عبد الله عبد الله ورسوله" ثم تلا عليهم هذه الآية. قالوا: ردِّد علينا هذا القول، فردّد ﵊ حتى حفظوه فأتيا أكثم فأخبراه، فلما سمع الآية قال: إني لأراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهي عن مذامها فكونوا في

стр. 738

هذا الأمر رأسآ ولا تكونوا فيه أذناباً. وروي عن ابن عباس أن هذه الآية كانت سبب استقرار الإيمان في قلب عثمان بن مظعون بعد أن أسلم محبة في النبي ﷺ ولجمعها ما جمعت أقامها عمر بن عبد العزيز حين آلت الخلافة إليه مقام ما كان بنو أمية يجعلونه في أواخر خطبهم من سب علي كرّم الله وجهه وكان ذلك من أعظم مآثره ﵁. وقال غير واحد: لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية الكريمة لكفت في كونه تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. ولعل إيرادها عقب قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا﴾ [النحل: ٨٩] للتنبيه عليه. انتهى باختصار. أما الشقاوة فإنها تكون باجتناب المأمورات وارتكاب الرذائل والمحرمات واتباع البدع والشهوات وإيثار اللذات كالفجور وقول الزور وشرب الخمور وحب الظهور والدخول تحت معاصي الله ومساخطه جهلاً باستدراج الله وأمناً لمكره. قال جلّ ذكره: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] في روح المعاني: المراد بالفتنة الذنب. وفسر بنحو إقرار المنكر والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وافتراق الكلمة وظهور البدع. وفيه عند قوله عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] أخرج أبو الشيخ وأبو نعيم والخطيب والديلمي وغيرهم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: "ثلاث هن رواجع: المكر والنكث والبغي" ثم تلا ﵊: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] وأخرج ابن مندويه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو بغى جبل على جبل لدك الباغي" والبغي هو الظلم الظاهر الذي لا يخفى قبحه على أحد. وفي ذلك من الزجر ما لا يخفى اهـ. لا يأمن الدهرَ ذو بغي ولو ملكا ... جنوده ضاق عنها السهل والجبل فصدور مثل تلك المخالفات سالبة للنعم جالبة للنقم وإثارة الفتن والمصائب والإحن وفقد الراحة والهوان وقلة العمران وخراب الديار والمنازل والفناء في الشعوب والقبائل. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ والخلاصة أن السعادة والشقاوة مقترنتان بالعمل الفاسد والصالح وتترتب عليهما في الدنيا ما قد علم وفي الآخرة الجنة وجهنم.

стр. 739

خلاصة فيما حصل لرسول الله ﷺ وهو بمكة عندما أعلن بالرسالة وما حصل لمن آمن به في كتاب الاعتصام أن رسول الله ﷺ بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل وفي جاهلية جهلاء لا تعرف من الحق رسماً ولا تقيم به في باب مقاطع الحقوق حكماً، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها وما استحسنه أسلافها من الآراء المنحرفة والنحل المخترعة والمذاهب المبتدعة. فحين قام فيهم بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر وغيروا في وجهه صوابه بالإفك والمكر ونسبوا إليه إذ خالفهم في الشرعة ونابذهم في النحلة كل محال ورموه بأنواع البهتان، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق الذي لم يجربوا عليه قط خبراً بخلاف مخبره، وآونة يتهمونه بالسحر وفي علمهم أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه، وكرة يقولون إنه مجنون مع تحققهم بكمال عقله وبراءته من مس الشيطان وخبله، وإذا دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] مع الإقرار بمقتضي هذه الدعوة الصادقة ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] إذا أنذرهم بطشة يوم القيامة أنكروا ما يشاهدون من الأدلة على إمكانه وقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق: ٣] وإذا خوّفهم نقمة الله قالوا: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] اعتراضاً على صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة، وإذا جاءهم بآية خارقة افترقوا في الضلالة على فرق واخترقوا فيها لمجرد العناد ما لا يقبله أهل التهدي إلى التفرقة بين الحق والباطل كل ذلك قصداً منهم إلى التأسي بهم والموافقة على ما ينتحلون إذا رأوا خلاف المخالف لهم في باطلهم رداً لما هم عليه ونبذاً لما شدوا عليه يد الظنة واعتقدوا إذا لم يتمسكوا بدليل أن الخلاف يوهو الثقة ويقبح جهة الاستحقاف وخصوصاً حين اجتهدوا في الانتصار بعلم فلم يجدوا أكثر من تقليد الآباء، ولذا أخبر الله تعالى عن إبراهيم ﵇ في محاجة قومه ﴿مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾ [الشعراء: ٧٠ - ٧٥] فحادوا كما ترى عن الجواب القاطع المورد مورد السؤال إلى الاستمساك بتقليد الآباء. وقال الله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا

стр. 740

وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢﴾ [الزخرف٢١و ٢٢] فرجعوا عن جواب ما ألزموا به إلى التقليد. فقال تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤]، فأجابوا بمجرد الإنكار ركوناً إلى ما ذكروا من التقليد لا بجواب السؤال، فكذلك كانوا مع النبي ﷺ فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم لأنه خرج عن معتادهم وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم حتى أرادوا أن يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم ليوقعوا بينهم وبينه المؤالفة والموافقة ولو في بعض الأوقات أو في بعض الأحوال أو على بعض الوجوه ويقنعوا منه بذلك ليقف لهم بتلك الموافقة واهى بنائهم فأبى ﵇ إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب، وأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ [الكافرون: ١، ٢] إلى آخر السورة فنصبوا له عند ذلك حرب العداوة ورموه بسهام القطيعة وصار أهل السلم كلهم حرباً عليه وعاد الولي الحميم عليه كالعذاب الأليم، فاقربهم إليه نسباً كان أبعد الناس عن موالاته كأبي جهل وغيره وألصقهم به رحماً كانوا أقسى قلوباً عليه؛ ومع ذلك فلم يكله الله إلى نفسه ولا سلطهم على النيل من أذاه إلا نيل المصلوفين، بل حفظه الله وعصمه وتولاه بالرعاية والكلاءة حتى بلّغ دعوة ربه، ثم ما زالت الشريعة في أثناء نزولها وعلى توالي تقريرها تبعد بين أهلها وبين غيرهم وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا لكن على وجه من الحكمة عجيب وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل الدين الأول الأصيل. ففي العرب نسبتهم إلى أبيهم إبراهيم ﵇ وفي غيرهم لأنبيائهم المبعوثين فيهم كقوله تعالى بعد ذكر كثير من الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ [الشورى: ١٣]، وما زال ﵊ يدعو إليها فينوب إليه الواحد بعد الواحد على حكم الاختفاء خوفاً من عادية الكفار زمان ظهورهم على دعوة الإِسلام فلما اطلعوا على المخالفة أنفوا وقاموا وقعدوا فمن أهل الإِسلام من لجأ إلى قبيلة فحموه على إغماض أو على دفع العار في الإخفار ومنهم مَن فرّ من الإذاية وخوف الغرة هجرة إلى الله وحباً في الإِسلام ومنهم من لم يكن له وزر يحميه ولا ملجأ يركن إليه فلقي منهم من الشدة والغلظة والعذاب أو القتل ما هو معلوم ثم لما وقعت المؤامرة على قتله وأعلمه الله بذلك وأمره بالخروج لدار هجرته وهي المدينة المنورة هاجر إليها ﷺ واستمر تزيد الإِسلام واستقام طريقه مدة حياة النبي ﷺ ومن بعد موته اهـ اعتصام.

стр. 741

وزبدة القول إن رسول الله ﷺ مكث في مكة من وقت النبوة إلى أن هاجر إلى المدينة اثني عشر سنة وخمسة أشهر وأياماً إذا اعتبرنا آخر يوم لها هو يوم الوصول إلى قباء أنزل عليه في أثنائها معظم القرآن والذي نزل منه بمكة ثلاث وتسعون سورة والباقي وهو اثنان وعشرون سورة نزلت بالمدينة ويمتاز المدني من القرآن عن المكي بأمرين الأول ما فيه من قصص الغزوات وأسبابها وما كان فيها مما يصح درساً نافعاً للمسلمين والثاني ما تناول من الشرائع الاجتماعية والدينية والمراد بالدينية ما شرعه لإصلاح النفوس وتهذيبها وهي التي يطلق عليها المسلمون العبادات. والاجتماعية ما شرعه ليكون أساساً لمعاملات الناس بعضهم مع بعض وأهم ما جاءت به الآيات المكية التوحيد ورفض الأوثان والأصنام فلا يكون بين العبد وربه واسطة وإثبات يوم آخر يجازى فيه كل امرئ بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر وبيان الخصال التي تقرب إلى الله ولا تبعد منه وعبادات عملية تربطهم باللهِ وتوجههم إلى نحو الخير وفي آخر أيامه بمكة أذن له بالقتال والإذن به لم يشرع إلا دفعاً عن أنفسهم وتأميناً للدعوة من أن تقف الفتنة في طريقها اهـ باختصار من محاضرات الخضري. وقوله إذا اعتبرنا كان وصوله ﷺ إلى قباء يوم الاثنين وأقام بها إلى يوم الجمعة ثاني عشر ربيع. واعلم أن من المقرر أن وظيفة الرسل تبليغ الشرائع وتقريرها على وجه يجمع إليها شملهم ويتكفل بسعادتهم وبعد هذا لا يبقى من وظيفة الرسل لمن يخلفه إلا حماية هذه الشرائع والحكم بينهم بما أنزل الله وسنّة الرسل. ومن المعلوم أن مؤازرة القوة للشرائع قاعدة كلية لا تتخلف سواء عن الشرائع الإلهية أو الأوضاع البشرية وقد ترتب عليها قيام الدول في كل ملة من الملل لضرورة وجود الوازع الذي يزع الناس بالكتاب والميزان ويردهم ولو بالقوة إلى حدود الشرع وذلك بدليل قوله تعالى فيمن سبق عن الرسل أولي الشرائع: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] وفي ذلك من الإشارة إلى ملازمة القوة للدين ما لا يخفى إرهاباً للناس وكبحاً للنفوس التي يقودها مجرد الإرشاد واللين وهاته القوة إنما تقوم بالوازع وأعوانه ومنهمِ تتألف الدولة. قال الزهري: أول آية نزلت في الإذن بالقتال قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩] فشرع ﷺ حينئذ في تهيئة الجيوش وبعث البعوث والسرايا فغز بنفسه الكريمة هو وأصحابه حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً وكان عدد مغازيه ﵊ ثمانياً وعشرين، قاتل في ثمان أو تسع منها بنفسه بدر واحد والمريسيع والخندق وقريظة وحنين وفتح مكة الذي هو الفتح الأعظم وخيبر والطائف

стр. 742

وغزوة بدر الكبرى وهو يوم الفرقان الذي أعزّ الله فيه الإِسلام وأهله وأذل فيه الشرك وأهله. ومغازيه وسراياه مذكورة في كتب السير وغيرها، غزوة غزوة، وسرية سرية، آخرها سرية أسامة بن زيد التي جهزها ﷺ في مرضه الذي توفي فيه ونفذها بعده أبو بكر ﵁ وسيأتي خبرها. وما أشير إليه من الغزوات والسرايا وتبليغ الدعوة وأسباب النزول ومعجزاته وفضائله وشمائله وسيرته وغير ذلك مما شرفه الله به وما حصل له من نشأته إلى وفاته مذكور على وجه التفصيل في كتب السنة والسير المختصة لهذا الشأن بأبين بيان وأفصح لسان. خطبته ﵊ في حجة الوداع في التاسع من ذي الحجة من السنة العاشرة توجه ﷺ إلى عرفة وهناك خطب خطبته الشريفة. وإليك نصها: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت اللهم اشهد فمَن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. إن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب. وان دماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث. وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية. والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحرقون بل تحقرون من أعمالكم. أيها الناس، إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض منها أربعة حرم ثلاث متواليات وواحد فرد ذو القعدة وذو الحجة والحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت اللهم اشهد. أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق أن لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع

стр. 743

وتضربوهن ضرباً غير مبرح فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً أخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً. ألا هل بلغت اللهم اشهد. أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرىء مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ألا هل بلغت اللهم اشهد فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده كتاب الله ألا هل بلغت اللهم اشهد. أيها الناس، إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى ألا هل بلغت اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب. أيها الناس، إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا تجوز لوارث وصية ولا تجوز وصية في أكثر الثلث والولد للفراش وللعاهر الحجر من ادعى لغير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. والسلام عليكم ورحمة الله. وفي هذا اليوم امتن الله على المؤمنين بقوله في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فلا غرابة إن اتخذه المسلمون عيداً ويوماً سعيداً يظهرون فيه شكر الله على هذه النعمة الكبرى. انتهى نور اليقين. ذكر مرضه ووفاته ﷺ - روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: إن عبداً خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر ﵁ وقال: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال: فعجبنا له وقال الناس: انظروا لهذا الشيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيّره الله بين أن يؤتيه الله من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا؟ قال: فكان رسول الله ﷺ هو المخير- وكان أبو بكر أعلمنا به- فقال النبي ﷺ : "إن من أمن علي بصحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإِسلام لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر" وكانت هذه الخطبة في ابتداء

стр. 744

مرضه الذي مات فيه ولما اشتد به وجعه ﷺ قال: "مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس، قالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء. قال: مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس. فعاودته مثل مقالتها، فقال: إنكن صواحبات يوسف مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" رواه الشيخان وأبو حاتم واللفظ له. وعند سالم بن عبد الله الأشجعي قال: "لما مات رسول الله ﷺ كان أجزع الناس كلهم عمر بن الخطاب ﵁ فأخذ بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحداً يقول مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي هذا. قال: فقالت الناس: يا سالم اطلب لنا صاحب رسول الله، قال: فخرجت إلى المسجد فإذا أنا بأبي بكر ﵁ فلما رأيته أجهشت البكاء أي تهيأت. فقال: يا سالم أمات رسول الله ﷺ ؟ فقلت: إن هذا عمر بن الخطاب يقول: لا أسمع أحداً يقول مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي هذا. قال: فأقبل أبو بكر حتى دخل على رسول الله ﷺ وهو مسجى فرفع البرد عن وجهه ووضع فاه على فيه واستنشى الريح ثم سجاه، والفت إلينا فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠] أيها الناس: مَن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال عمر: فوالله لكأني لم أقل هذه الآيات قط" رواه الترمذي. قال الحافظ ابن رجب: كان ابتداء مرضه ﵊ في أواخر صفر وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يوماً في المشهور. وفي نور اليقين: لحق بربه يوم الاثنين ١٣ ربيع لأول سنة ١١ الموافق ليونيه سنة ٦٣٣ وعمره ثلاث وستون سنة وثلاثة أيام وتقدم في صدر المقصد ذكر نسبه وولادته كانت في يوم الاثنين التاسع من ربيع الأول عام حادثة الفيل ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان ويوافق العشرين من شهر إبريل سنة ٥٧١ حسبما حققه العالم الفلكي محمود باشا في رسالة سماها نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإِسلام، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لثمان وهو اختيار أكثر أهل الحديث.

стр. 745

الحالة الاجتماعية على عهده ﷺ - اعلم أن الإِسلام جاء قاضياً بتوحيد الله وتوحيد الاجتماع وتوحيد الأفكار وتوحيد المقاصد في عصر غلبت فيه نزغات الأهواء البشرية على النفوس ونزع الأمم كافة منازع الوثنية، فشوّه مؤمنهم وجه الدين وانحرف عن وجهة الكتاب، وأوغل كافرهم في مناحي الخيال فخلق من ضعيف التصور أشكالاً من العبادة تختلف باختلاف المنازع والأقطار، فتشكلت بأشكالها الأخلاق وتنوعت المقاصد وتخالفت الوجهة وتناكرت النفوس وتجزأت الوحدة عند كل أمة في الاجتماع والسياسة والدين، فأصبح أهل الكتاب اليهود منهم بين قرائين وربانيين وسامريين وغيرهم، والنصارى بين يعاقبة وآريوسيين ونسطوريين وما لا يعد من الفرق وغير أهل الكتاب من الأمم الأخرى بين صابئة ومجوس وبراهمة وما لا يعد من الفرق أيضاً. فكان الانقسام والتجزؤ في الاجتماع والسياسة تبعاً للنحل قائماً مع الأهواء، فباتت الدول المجاورة للعربية وهي فارس والروم وما أدراك ما فارس والروم أعرق الدول في المدنية وأقصاها غاية في التاريخ وأرهبها قوة في الأرض وأمدها ظلاً عليها أشبه بشجرة تأصلت جذورها وتسامقت فروعها في الفضاء، فجاءتها ريح عاصف تعنعت أصلها وتلاعبت بأغصانها فقصفتها قصفاً وعصفت فيها عصفاً، فزوت أفنانها وتفرقت مع الريح بأغصانها، فكانت دولة الووم غرضاً ترمي إليها الأهواء بسهامها وفريسة تتنازعها العناصر المنفردة منها والأقوام المنشقة عنها والشاغبة عليها كالعرب والأرمن واليونان والرومان والصقالبة وغيرهم، ودولة الفرس كذلك تفككت أعضاؤها وتجزأت وحدتها، فاستبد عمالها بالأطراف وتنازعوا سلطان الأكاسرة وتوثبوا على الملك وتعسفوا بالحكم وظلموا الرعية، ومن ثم انحلت من تلك الأمم عرى وحدتها وتفرقت أهواء أهلها وتباينت مقاصد قادتها وزعمائها، فانزوت شموس مدنيتها وكادت تندثر من الوجود آثار الحضارة والعلم التي انتهت إلى دولتي الفرس والروم وتعود حالة البشر إلى أقبح ماكانت عليه قبل تاريخ الحضارة وبعثة الأنبياء هداة الأمم من فوضى الاجتماع وتفرق الأهواء وانحطاط المدارك والعقول ويأبى الله إلا أن يتم كلمته في خلقه ويجعل الإنسان مظهر قدرته ويديم عليه سوابغ رحمته، لهذا أرسل الله محمداً ﷺ إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وأنزل عليه القرآن فيه هدى ونور ورحمة للعالمين لينذر به من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فامتثل محمَّد ﷺ أمر ربه ودعا الناس إلى دينه، دعاهم إلى توحيد الله فلا يشركون به شيئاً وإلى توحيد الاجتماع فلا يتفرقون

стр. 746

شيعاً ينابذ بعضهم بعضاً وإلى توحيد الأفكار فلا يجادلون في الحق وإلى توحيد المقصد فلا يتخبطهم شيطان الأهواء وتفرقهم عن الحق نزغات النفوس وإلى توحيد اللغة فلا يتناكرون وبلسان واحد يتفاهمون. دعا أولاً أهله وعشيرته ثم قومه ثم سائر العرب ثم عامة الناس بما كتب لملوكهم الذين ينتهي إليهم أمر الهمم بل الأمم وبهم تقوم الدعوة حتى قامت لله على الناس الحجة ولله الحجة البالغة على الناس أجمعين وأجاب دعوة نبيه من أجاب وأقبل عليها من أقبل وكان جلهم من العرب الذين لم يلبثوا أن تلقوا هذا الدين حتى ظهر أثره فيهم ظهوراً يبشر بمصير السيادة على الأمم إليهم لما أصبحوا عليه من الإخاء بعد التنافر والاجتماع بعد التفرق والتوحيد بعد الشرك والتنبه بعد الغفلة والإيمان بعد الكفر والتحابب بعد التناكر يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون في الله وينصرون دينه ويقيمون حدوده ويواسون الفقير ويؤدون الحق ويرغبون في القناعة بالكفاف عما بأيدي الناس ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. على هذا الأساس قامت حياة المسلمين الاجتماعية وبتلك الأخلاق وصف الله أتباع النبي محمد ﷺ في كتابه العزيز: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تمثل حالة المسلمين يومئذ تمثيلاً وتدل على مبلغ تأثير الإِسلام في نفوس تلك الأمة البدوية التي أخرجها القرآن من ظلمات الفوضى والجهل إلى نور العلم والاجتماع.

стр. 747

الطبقة الثانية طبقة الصحابة ﵃ في البخاري باب فضائل أصحاب النبي ﷺ ومن صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه قال الحافظ ابن حجر العسقلاني قوله أصحاب أي بطريق الإجمال ثم التفصيل أما الإجمال فيشمل جميعهم وأما التفصيل فلمن ورد فيه شيء بخصوصه وقوله أو رآه هو الراجح اهـ وقال الأبي في شرح صحيح مسلم: الصحابة كلهم عدول لظاهر الكتاب والسنة وإجماع مَن يقتدي بإجماعه. القرطبي لم يختلف السلف في أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر. أبو منصور البغدادي أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على ترتيبهم في الخلافة ثم تمام العشرة ثم أهل بدر ثم أهل أحد ثم بيعة الرضوان ومعنى التفضيل كثرة الثواب ورفع الدرجة وذلك لا يدرك بالقياس وإنما يدرك بالنقل اهـ باختصار ولشدة اعتناء الله تعالى بنبيه ﷺ وخصوصيته إليه وصف أتباعه في كتابه العزيز فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي القرن الذين يلوني ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" وفي البخاري عن أبي سعيد قال: قال النبي ﷺ : "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" قال البيضاوي: ومعنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهباً من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه اهـ. واعلم أن فضل الصحابة لا مطمع فيه لمن جاء بعدهم لأنهم حازوا قصبة

стр. 748

السبق بصحبته ﷺ قال ابن حجر الهيتمي في شرح الهمزية أفضلية الصحابة لا يعادلها عمل انظره عند قوله: ليته خصني برؤية وجهٍ ... زال عن كل من رآه الشقاء وفي الاعتصام أن أصحابه ﷺ كانوا مقتدين به مهتدين بهديه وقد جاء مدحهم في القرآن العظيم وأثنى على متبوعهم ﷺ الذي كان خلقه القرآن العظيم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] القرآن إنما هو المتبوع في الحقيقة وجاءت السنة مبينة له فالمتبع للسنة متبع للقرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية الداخلة للجنة بفضل الله وهو معنى قوله ﵊: "ما أنا عليه وأصحابي" فالكتاب والسنة هو الطريق المستقيم وما سواهما من الإجماع وغيره فناشىء عنهما هذا هو الوصف الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وهو معنى ما جاء في الرواية الأخرى من قوله "وهي الجماعة" لأن الجماعة في وقت الأخبار كانوا على ذلك الوصف إلا أن في لفظ الجماعة معنى ستراه بعد إن شاء الله. وفي الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة ومَن شذّ شذّ إلى النار" وأخرج أبو داود عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإِسلام من عنقه" وعن عرجفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في أمتي هنات وهنات، فمَن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جمع فاضربوه بالسيف كائناً من كان" واختلف الناس في معنى الجماعة المرادة في هذه الأحاديث على خمسة أقوال: الأول: إنها السواد الأعظم من أهل الإِسلام وهو الذي يدل عليه كلام أبي غالب أن السواد الأعظم هم الناجون من الفرق بما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق ومن خالفهم مات موتة جاهلية سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في

стр. 749

إمامهم وسلطانهم فهو مخالف للحق قال بهذا أبو مسعود الأنصاري وابن مسعود فروي أنه لما قتل عثمان سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة فقال: عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمَّد ﷺ على ضلالة واصبر حتى تستريح أو يستراح من جائر، وقال: وإياك والفرقة فإن الفرقة هي الضلالة. وقال ابن مسعود: عليكم بالسمع والطاعة فإنها الحبل الذي أمر به ثم قبض يده وقال: إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذين تحبون في الفرقة. وعن الحسين قيل له: أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ فقال: أي والذي لا إله إلا هو مما كان ليجمع أمة ﷺ ضلالة. فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها ومَن سواهم داخلون في حكمهم لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم فكل مَن خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة لم يدخلوا في سوادهم بحال. الثاني: إنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين فمن خرج عما عليه علماء الأمة مات ميتة جاهلية لأن جماعة الله العلماء جعلهم الله حجة على العالمين وهم المعنيون بقوله ﷺ : "لن تجتمع أمتي على ضلالة" وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها وإليها تفزع في النوازل وهي تبع لها فمعنى قوله "لن تجتمع أمتي" لن يجمع علماء أمتي على ضلالة وممن قال بهذا عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وجماعة ممن سلف وهو رأي الأصوليين، قيل لعبد الله بن المبارك: مَن الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ فقال: أبو بكر وعمر، ولم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمَّد بن ثابت الحسين بن واقد فقيل: هؤلاء ماتوا فمن الأحياء؟ فقال: حمزة العسكري، فعلى هذا القول لا مدخل في النوازل بل في السؤال عمن ليس بعالم مجتهد لأنه داخل في أهل التقليد فمَن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية ولا يدخل أيضاً أحد من المبتدعين لأن العالم لا يبتدع وإنما يبتدع مَن ادعى لنفسه العلم وليس كذلك ولأن البدعة قد أخرجته عن نمط من يعتمد بأقواله وهذ بناء على القول بأن المبتدع لا يقتدى به في الإجماع وإن قال بالاقتداء به ففي غير المسألة التي ابتدع لأنهم في نفس البدعة مخالفون للإجماع فعلى كل تقدير لا يدخلون في السواد الأعظم رأساً.

стр. 750

الثالث: إن الجماعة هي الصحابة على الخصوص فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلاً وقد يمكن فيمن سواهم. ألم تر قوله ﵇: "ولا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله" وقوله. "ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" فقد أخبر ﵇ أن من الأزمان زماناً يجتمعون فيه على ضلالة وكفر قالوا: وممن قال بهذا عمر بن عبد العزيز فروى ابن وهب عن مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: سنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سنناً لأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر فيما خالفها من اهتدى بها مهتد ومن انتصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. قال مالك: فأعجبني عزم عمر. فعلى هذا القول فلفظ الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله ﵇: "ما أنا عليه وأصحابي" فكأنه راجع لما قالوه وما سنوه وما اجتهدوا فيه حجة على الإطلاق وبشهادة رسول الله ﷺ بذلك خصوصاً في قوله: "فعلكيم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" وأشباهه أو لأنهم المتلقون لكلام النبوة المهتدون للشريعة الذين فهموا أمر دين الله بالتلقي من نبيه مشافهة على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال بخلاف غيرهم فإذا كل ما سنوه فهو سنة من غير نظر فيه بخلاف غيرهم فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالاً للنظر رداً وقبولاً فأهل البدع إذاً غير داخلين في الجماعة قطعاً على هذا القول. الرابع: إن الجماعة هي جماعة الإِسلام إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم وهم الذين ضمن الله لنبيه ﵇ أن لا يجمعهم على ضلالة فإن وقع بينهم اختلاف فواجب تعرف الصواب فيما اختلفوا فيه. قال الشافعي: الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله ولا عن سنّة ولا قياس وإنما تكون الغفلة في الفرقة وهذا القول يرجع إلى الثاني وهو يقتضي أيضاً ما يقتضيه أو يرجع للقول الأول وهو الأظهر وفيه من المعنى ما في الأول من أنه لا بد

стр. 751

من كون المجتهدين فيهم وعند ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلاً فهم إذاً الفرقة الناجية. الخامس: ما اختاره الإمام الطبري من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا أجمعوا على أمير فأمر ﵇ بلزومه ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم ثم نقل ما يؤيد ما ذهب إليه وحاصله أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإِمام الموافق للكتاب والسنة. ثم قال: فهذه خمسة أقوال دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع وأنهم المرادون بالحديث فلتأخذ ذلك أصلاً. اهـ اعتصام ببعض اختصار. فصل في خلافة أبي بكر ﵁ ونبذة من فضائله تقدم ذكر نسبه في أول المقصد وسماه رسول الله عبد الله وصديقاً لأنه بادر بتصديق النبي ﷺ ولقبه عتيقاً لجمال وجهه أو لأن رسول الله ﷺ قال له: "أنت عتيق من النار" كما في حديث رواه الترمذي، فهو الصاحب في الغار وفي السر والجهار في الليل والنهار والسابق الأول في الإِسلام لم يعبد صنماً قط توفيقاً من الله وفطرة فطره الله عليها ولا شرب الخمر قط، والمقدم للصلاة في الحياة النبوية والذي قدّم نفسه وماله كله لله، والخليفة الأول بعده بإجماع مَن يعتد به، والذي أنقذ الإِسلام بعد الوفاة النبوية بعلمه وتوفيقه وعدله وصرامته في الحق أنفذ وصايا رسول الله ﷺ كان قوّالاً بالحق صادعاً بالأمر سالكاً سبيل الصدق غير مائل ولا متجاف قائماً بالعدل لا تأخذه في الله لومة لائم عفيفاً لم يستأثر بحال ولا مال قط عن سنن الرسول، وكان يوليه الرسول إمرة الجيوش موصوفاً بأصالة الرأي خطيباً مصقعاً، وقد وجهه ﵇ أمير الحاج سنة تسع ولا يوجه إلى هذه الوظيفة إلا من كان بالمكانة العليا فقهاً وإفتاء ليعلمهم مناسكهم ويفتيهم فيما لم يعلموا. قال ﵊ فيما رواه الترمذي عن حذيفة "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" الحديث. قال أبو سعيد الخدري: كان أبو بكر أعلمنا. وقال الأبي في شرح مسلم: هو أول من أسلم من الرجال ثم أسلم على يديه من العشرة المشهود لهم بالجنة عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وجملة ما حفظ عنه من الأحاديث مائة واثنان وأربعون حديثاً في الصحيحين منها ثمانية عشر القرطبي ومن المقطوع به أنه حفظ من الأحاديث ما لم يحفظ غيره وحصل له من العلم ما لم يحصل لغيره لأنه الصفي والملازم في الحضر والسفر والليل والنهار

стр. 752

وإنما لم يتفرغ للحديث والرواية لاشتغاله بالأهم ولأن غيره قام عنه بذلك اهـ أجمعت الأمة أنه هو المعني بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ [الليل: ١٧]، قال الفخر الرازي: إذا ضمت هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] أنتج لنا أنه أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ . وقد ذكر البخاري واحداً وعشرين حديثاً في فضائله منها: "ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً" وتقدم نصه قريباً. وأخرج عبد الرحمن بن حميد في مسنده وأبو نعيم وغيرهما "ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد أفضل من أبي بكر إلا أن يكون نبياً". قد علم مما تقدم قريباً أنه اقتضت حكمة هذا الدين أن يكون الخليفة رئيسه الديني والسياسي لذا كان أول مقاصد المسلمين وأهل السابقة والمهاجرين بعد وفاة النبي ﷺ واجتماع المسلمين على كلمة التوحيد متوجهاً إلى وجوب نصب خليفة يجمع الأمة الإِسلامية على كتاب الله وسنة رسوله ويأخذ بالقوة على ذوي العبث بالنظام لأنهم اختلفوا فيمن يولونه هذا الأمر اختلافاً ليس فيه ما ينافي المصلحة الإِسلامية بل غايتها تمحيص الفكر ومحض النصيحة فيمن تجتمع على تأميره كلمة الجمهور الأعظم من المسلمين ليكون أثبت قدماً في الخلافة وأشد حجة على المخالفين فاختاروا لهذا المنصب الرفيع أبا بكر ﵁ وقالوا: نرضى لدنيانا ما رضيه ﷺ لديننا حيث قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" وخلاصة القول في انعقاد البيعة له ﵁ أنه بينما كان الناس مشتغلين بوفاة النبي ﷺ وتجهيزه ودفنه جاء مخبر فأخبر باجتماع الأنصار بسقيفة بني ساعدة بقصد المفاوضة في شأن الخلافة وأسرع إليهم أبو بكر وعمر وجماعة من المهاجرين ليتداركوا هذا الأمر قبل افتراق الكلمة، فأتوا الأنصار وقد اجتمعوا بالسقيفة لمبايعة سعد بن عبادة فأعجلهم المهاجرون عن أمرهم وغلبوهم عليه وتكلم يومئذ أبو بكر فأدلى بالحجة. وكان مما قاله: "يا معشر الأنصار إنكم لا تذكرون فضلاً وإلا وأنتم له أهل وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش هم أوسط العرب داراً ونسباً وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين" وأخذ بيد عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح. فأكثر حينئذ اللغط بين الأنصار ومنهم بشير بن سعد يرون رأي المهاجرين بجعل الخلافة في قريش وأن

стр. 753

الأمر إذا أجل النظر فيه ربما صعب حله، فقام إلى أبي بكر وقال: ابسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعه وبايعه عمر وسائر الناس. في البخاري عن إسماعيل بن عبد الله مرفوعاً إلى عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسنح - قال إسماعيل: تعني بالعالية- فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ . قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ فقبّله، فقال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً، والله الذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك. فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا مَن كان يعبد محمداً فإن محمداً ﷺ قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ قال: فنشج الناس يبكون. قال: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا: منا أمير ومنكم أمير. فذهب إليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أنني قد هيأت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر. ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال الذي كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. فقال حباب بن المنذر: ألا والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب داراً وأعرفهم أحساباً، فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح. فقال عمر: بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس. فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة. فقال عمر: قتله الله". البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه سلم له النظر في أمر نفسه وفي أمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره. في صحيح مسلم "بايعنا رسول الله ﷺ السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره على أن لا أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم".

стр. 754

خطبة أبي بكر ﵁ لما استقرت الخلافة لأبي بكر صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة والكذب خيانة والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ معه الحق والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق إن شاء الله، لا يدع أحد منكم الجهاد فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله. هذا كلام صدر من أول خليفة في الإِسلام يمثل معنى الرئاسة العامة في الإِسلام تمثيلاً تستكن أمامه القلوب التي اشرأبت إلى حب العدل. الكلام على جيش أسامة ﵁ أول جيش بعثه أبو بكر ﵁ جيش أسامة بن زيد ﵄ الذي كان جهزه رسول الله ﷺ وتوفي قبل بعثه وارتدّت العرب حول المدينة بعد وفاته ﵊، وقبل بعثه اجتمع أصحاب النبي ﷺ وقالوا لأبي بكر ﵁ رد هذا الجيش كيف توجه هؤلاء وقد ارتدت العرب حول المدينة فأجابهم بقوله: والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تخطفني ما رددت جيشاً جهزه رسول الله ﷺ ولا حللت له لواء. وكأن بعض الصحابة استصغر أسامة أمير الجيش وقالوا لعمر ﵁: امض إلى أبي بكر وأبلغه عنا واطلب منه أن يولي أمرنا أقدم سناً من أسامة. فلما بلغه عمر ذلك قال له: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب استعمله رسول الله ﷺ وتأمرني أن أعزله؟ ثم خرج أبو بكر للجيش وأشخصهم وشيّعهم وهو ماش وأسامة راكب. فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن؟ فقال أبو بكر ﵁: والله لا نزلتَ ولا ركبتُ وما عليّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله. فلما أراد أن يرجع أوصى أسامة ومَن معه فقال: لا تخونوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوا ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا

стр. 755

لأكله. فسار أسامة فجعل لا يمر بقبيلة يريدون الارتداد إلا قالوا لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوهم فهزموهم وأغار أسامة على ابني موضع في الجنوب الغربي من الشام وغنم وعاد بعد أربعين يوماً وقيل بعد سبعين يوماً. وهذا يدل على علو كعب أبي بكر ﵁ في السياسة وبعد نظره في مهمات الأمور فإنه ظهر به للعرب بمظهر القوة واستهان بإنفاذه بخطب الردة فنفث في روع العرب روح الرهبة فكانوا بين مقبل على الردة ومدبر عنها ومتردد بين الأمرين. فصل الكلام على أهل الردة وقتالهم اعلم أن من أعظم فضائل أبي بكر ﵁ قتال العرب الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ والذين منعوا الزكاة وقال والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف بيدي وإن منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ . فقال له عمر ﵁: وكيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فمَن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابه على الله تعالى" فقال أبو بكر ﵁: والله لأقاتلن مَن فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال وقد قال "إلا بحقها" قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. قال الشيخ محيي الدين بن العربي في المسامرة: لما توفي رسول الله ﷺ وطلب أبو بكر ﵁ الزكاة كفر بها قوم وقالوا: قد كنا ندفع أموالنا إلى محمَّد فما بال ابن أبي قحافة يسألنا! والله لا نعطيه منها شيئاً أبداً. فاستشار أبو بكر أصحاب رسول الله ﷺ فأجمع القوم على التمسك بدينهم في أنفسهم وأن يتركوا الناس مع ما اختاروه لأنفسهم، وتخيلوا أنهم لا يقدرون على من ارتد من المسلمين فقال أبو بكر ﵁: لو لم أجد أحداً يؤازرني لجاهدتهم بنفسي وحدي حتى أموت أو يرجعوا إلى الإِسلام، ولو منعوني عقالاً مما كانوا يعطونه رسول الله ﷺ لجاهدتهم حتى ألحق بالله تعالى. فلم يزل أبو بكر ﵁ يجاهد بأصحاب رسول الله ﷺ حتى عاد الناس جميعاً إلى الإِسلام ودخلوا فيه كما خرجوا منه.

стр. 756

نهض ﵁ بعزيمة ماضية، وحكمة سامية، ونهض لنهضته رجال قريش فاستقبلت بصدورها حوادث الردة المريعة ونيرانها المتأججة، وأخذت على عاتقها استخضاع العرب وقد ارتدت قبائلها عامة وخاصة إلا ثقيفاً وقريشاً فاقتحمت رجالات قريش بالمهاجرين والأنصار وثقيف وبعض الأحلاف ذلك العجاج الذي يرتج بأهل الردة ارتجاجاً وخاضت بخيلها ورجلها حروب القوم بحراً أجاجاً. ولم يلبث أبو بكر ﵁ أن أطفأ نيران الردة برجال قريش وأمثالهم حتى رمى بهم جيوش القياصرة وجنود الأكاسرة وتابعه على ذلك عمر ﵁ فكان من قوادهما في استخضاع تلك الجيوش الجرارة وتدويخ تلك الممالك العظيمة الشاسعة التي شيدت فيها صروح الإِسلام وذكر على منابرها اسم محمَّد ﵊ منهم خالد بن الوليد وخالد بن سعيد وعمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وأخوه معاوية وعياض بن غنم وحبيب بن مسلمة الفهري وسعد بن أبي وقاص وأضرابهم من صناديد قريش ورؤسائها الذين ذللوا الصعاب وقطعوا من العقبات ولاقوا من الأهوال، ما لا يحلم بذكره إنسان، ولا يدانيهم فيه من مشاهير العالم مدان. كما سترى إن شاء الله. بلغ بعزيمة أبي بكر ﵁ وعظيم رأيه بعد إذ رأى ما أصاب المسلمين من الغم أن آلى على نفسه أن لا يدع العرب يقر لهم قرار إلا والسيف آخذ برقابهم والإِسلام ضارب بينهم بجرانه. وبينما هو يطاول في الأمر انتظاراً لرجوع أسامة وجيشه أعجلته عبس وغطفان وأسد وطيىء، وكان بعضهم نازلاً بذي القصة وبعضهم بالأبرق فأرسلوا إليه وفداً يبذلون الصلاة ويمتعون الزكاة فردهم خائبين فرجعوا وأخبروا القوم بقلة المسلمين وضعفهم وقد غرتهم كثرتهم وأعماهم الجهل عن أن مع المسلمين قوة الإيمان واليقين وفيهم من الصناديد وليوث الحرب الشجعان مثل عمر وعلي وطلحة والزبير الذين لا يفل لهم حد ولا يدرك لهم جد خشي أبو بكر بعد مسير الوفد من البيات فجعل على أنصار المدينة علياً وطلحة والزبير وابن مسعود وأمرهم بملازمة المسجد خوف إغارة من العدو فما لبثوا ثلاثاً حتى طرق العدو المدينة غارة ليلاً وخلفوا بعضهم بذي حسى ليكونوا لهم ردءاً. فوافوا ليلاً الأنقاب وعليها المقاتلة فمنعوهم وأرسلوا إلى أبي بكر فخرج بالمسلمين على النواضح فردوا العدو واتبعوهم حتى بلغوا ذا حسى فخرج عليهم أهل الردة بانحاء قد نفخوها وفيها الحبال ثم دهوها على الأرض فنفرت إبل المسلمين وهم عليها ورجعت بهم إلى المدينة ولم يصرع أحد منهم ثم خرج أبو بكر ليلاً على تعبئة فما طلع الفجر إلا وهم والعدو على صعيد واحد فما شعروا بالمسلمين حتى وضعوا

стр. 757

فيهم السيوف فولوا الأدبار واتبعهم أبو بكر ﵁ حتى نزل بذي القصة وكان أول الفتح ووضع فيها النعمان بن مقرن في عدد ورجع للمدينة، وقدم في أثناء ذلك أسامة بن زيد بجيش المسلمين فاستخلفه أبو بكر على المدينة وجنده معه ليستريحوا ويريحوا ظهورهم ثم خرج فيمن كان معه فقام عليه علي والمسلمون وناشدوه الله ليقيم فأبى وقال: والله لأواسينكم بنفسي. وصار إلى ذي حسى وذي القصة حتى نزل بالأبرق فقاتل من به فهزمهم وغلب علي بني ذبيان وبلادهم وحماها لدواب المسلمين ثم رجع للمدينة. فلما استراح أسامة وجنده بادر أبو بكر ﵁ إلى تسيير الجيوش إلى أهل الردة فعقد أحد عشر لواء. الأول: لخالد بن الوليد وأمره بطليحة الأسدي ومالك بن نويرة. والثاني: لعكرمة بن أبي جهل وسيّره لمسيلمة. والثالث: للمهاجر بن أبي أمية المخزومي القرشي وأمره بجنود العنسي في اليمن ومعونة الأبناء على قيس ثم يمضي إلى كندة بحضرموت. الرابع: لخالد بن سعيد بن العاص وبعثه إلى مشارف الشام. الخامس: لعمرو بن العاص القرشي وأرسله إلى قضاعة. السادس: لحذيفة بن محصن وأمره بأهل دبا. السابع: لعرجفة بن هرثمة الأزدي وأمره بمهرة. الثامن: لشرحبيل ابن حسنة حليف بني زهرة وأرسله في إثر عكرمة بن أبي جهل وإذا فرغ يلحق بقضاعة. التاسع: لمعن بن جابر السلمي وأمره ببني سليم وهوازن. العاشر: لسويد بن مقرن وأمره بتهامة. الحادي عشر: للعلاء بن الحضرمي حليف بني أمية ووجهه إلى البحرين. سيّر أبو بكر ﵁ هؤلاء الأمراء وكتب لهم عهداً كما كتب للمرتدين تركنا ذكرهما اختصاراً. ثم انتهت حروب الردة بعد تذليل عقبات وأهوال في أخبار طوال بانتصار جيوش المسلمين في كل الوقائع انتصاراً باهراً وذهبت دعوة النبوة التي ظهرت بين العرب كأمس الدابر وهي التي ادعاها أربعة رجال وامرأة على عهد الرسالة إلى نهاية أيام الردة وهم: الأسود العنسي في اليمن، وطلحة في أسد وغطفان، ومسيلمة في بني حنيفة، ولقيط بن زرارة في عمان، وسجاح في أخوالها من بني بكر ورهطها من بني تميم. ورجع العرب للركون بعد أن علموا أن الإِسلام

стр. 758

يعلو ولا يعلى عليه وأن المسلمين قوم نصروا الله فنصرهم على أعدائهم ومكن لهم السلطان في الأرض وحصل لهم بذلك سعادة الدنيا والآخرة. لا ينكر ما لأبي بكر ﵁ من حسن الاختيار بمن ولاهم حروب الردة من القواد العظام الذين أمعنوا بجيوش المسلمين القليلة في أحشاء بلاد العرب وجابوا أنحاءها القاصية حتى بلغوا مشارف الشام والجزيرة شمالًا وشطوط البحر الهندي جنوباً والعراق العربي وخليج فارس شرقاً وشطوط البحر الأحمر ومضيق باب المندب غرباً. ولم تكن غيبتهم إلا كما يغيب المرتاد للمناجع ثم انقلبوا ظافرين وقد عمموا في جزيرة العرب دعوة القرآن وجمعوا سكانها على كلمة الإيمان ونتج عن ذلك أن وقعت هيبة الإِسلام في قلوب العرب وأيقنوا أنه الدين الحق الذي لا يفلح مناوئه ولا ينجح شانئه. فأقبلوا بأجمعهم إليه، وجمعوا كلمتهم المتفرقة عليه. ثم التفت أبو بكر ﵁ للفتوحات ورأى أن لا يدع لبعض المنافقين الذين لا يروق لهم سمو شأن الإِسلام وقتاً لدس سموم الفتنة في جسم تلك الأمة العظيمة التي جمعتها كلمة الإِسلام وأن يشغلهم مع الجيوش الإِسلامية بالفتح تعميماً للدعوة الإِسلامية وبثاً لروح العدل والحرية بين الأمم، فما هو إلا أن ولج بالعرب هذا الباب حتى انكفؤوا على الأمم التي مزقت أحشاءها سيوف الأهواء والأوهام وقضى على مجدها القديم ظلم أرباب السيطرة على النفوس والأجسام فلم يلبث أن وافاها المسلمون يحملون لفريق أهل الكتاب منها ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ ولفريق الصابئة ومَن على نحلتهم من المشركين الإِسلام أو الجزية أو السيف حتى اشرأبت لعدل سلطانهم أعناق الناس ودانت لدينهم الشعوب وخضعت لسلطانهم فعمروا المسالك وشادوا الممالك ومصروا الأمصار وكانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون القسطاس ويأخذون من أنفسهم للمظلوم حتى يرضى كما يأخذون على الظالم متى يتعدى. أول ما التفت إليه أبو بكر ﵁ فتح العراق والذي حركه لذلك هو البطل الجليل المثنى بن حارثة بن ضمضم الشيباني بن بكر بن وائل وهو ممن لم يتابع بكراً على ردتها وبقي وقومه على الإِسلام وسهل إليه الأمر ورغّبه بغزوهم فكتب إليه أبو بكر ﵁ عهداً وسار إلى بلاده ثم إن أبا بكر ﵁ استدعى خالد بن الوليد في اليمامة سنة ١٢ وأمره بالمسير إلى العراق وأن يبدأه من أسفله وكتب إلى عياض بن غنم الفاتح الشهير الذي كان على يده فتح الجزيرة

стр. 759

وأرمينيا أن يأتي العراق من أعلاه ويسير حتى يلقى خالداً وأوصى أبو بكر خالداً وعياضاً ﵃ أن لا يضرا بفلاحي العراق وأهل السواد حرصاً منه على منابع الثروة وعلماً بأن العمران لا تقوم بدونه الدولة والفلاحة كما لا يخفى مصدر حياة الناس وتقدمها أساس عمران الممالك. لما سار خالد إلى العراق كان معه من الجند عشرة آلاف واستقبله المثنى بثمانية آلاف ثم أمدّ أبو بكر خالداً بالقعقاع بن عمرو بطل المسلمين المغوار فقيل له أتمده برجل واحد فقال: لا يهزم جيش فيه مثل هذا. وأمدّ عياضاً بعبد يغوث الحميري وكتب إلى المثنى يأمره بالسمع والطاعة لخالد وأمر مذعوراً بن عدي العجلي أن ينضم مع قومه إلى خالد وكذلك سويد بن قطبة الذهلي من بكر وائل واستنفر ﵁ العرب وأذن لعامتهم بالانضمام إلى جيوش الفتح، وكان لزعماء الردة منهم -كطليحة الأسدي وعمرو بن معدي كرب والسمط بن الأسود الكندي والأشعث بن قيس وأمثالهم- البلاء الحسن في فتوح العراق والشام والإخلاص العظيم في إعلاء كلمة الإِسلام ومعظمهم استشهد في أيام الفتوح. واختلف المؤرخون في أول بلد قصده خالد فقيل الأبلة وقيل الحيرة وإن الأبلة كان على عهد عمر ﵁ وعليه فالحيرة هي أول فتح بعد وفاة النبي ﷺ ثم إن خالداً بعد أن استخضع أهل الحيرة وقضى على دولة المناذرة التي كانت تحكم العراق من قبل الأكاسرة وقاعدتها الحيرة وأتم فتح العراق العربي بلداً بلداً وكان كلما فتح فتحاً وتوفرت لديه الغنائم يبعث بالخمس إلى أبي بكر مع خبر الفتح. ثم انصرف خالد بعد هذا الفتح إلى الشام واستخلف المثنى بن حارثة على جند العراق. لما انتهى فتح العراق العربي وجاس المسلمون خلال ديار الفرس واستقر لهم في تخوم فارس الملك والسلطان واتخذوا بها الثغور يدخرون بها معدات القوة للإجهاز على ممالك الفرس انصرفت همة أبي بكر ﵁ إلى الشام التي هي مركز التجارة بين الشرق والغرب ومدخر الخيرات، وكانت الشام يومئذ متابعة لمملكة الروم وكان سلطانهم في تقلص ونفوذهم في اضمحلال ولما توجهت أنظاره إلى فتحها استنفر المسلمين من أطراف البلاد العربية وأخذوا يفدون عليه من كل فج ويعسكرون بالجرف قرب المدينة، وفي مستهل صفر سنة ١٣ عقد ألوية فلواء ليزيد بن أبي سفيان ووجهه إلى البلقاء ولواء لعمرو بن العاص ووجهه لفلسطين ولواء لشرحبيل ابن حسنة ووجهه إلى الأردن ولواء لأبي عبيدة بن الجراح ووجهه إلى حمص وكان العقد في بدء الأمر لكل أمير على ثلاثة آلاف فلم يزل أبو بكر يتبعهم

стр. 760

الإمداد حتى صار مجموعهم أربعة وعشرين ألفًا ساروا ولهم قوة العزيمة والصبر والاعتماد على الله في السر والجهر وعدم المبالاة بالحياة في سبيل إعلاء كلمة الدين ونصرة الإِسلام والتعفف عما بأيدي الناس وحماية المال والنفس وإطلاق الحرية في العوائد والدين وأضف إلى هذا ما يصاحب أولئك المجاهدين من حسن الرأي بمَن يصاحبهم من رجال الإِسلام وأقطاب السياسة والحرب يومئذ كعمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح ومعاوية ويزيد ابني أبي سفيان ﵃ ومن ورائهم مثل أبي بكر ﵁ يمدهم بالرأي ويتابع النصائح وحسبهم من وصاياه وصيته ليزيد المذكور التي تعجز أقطاب السياسة وتنفع قادة الجيوش وساسة الأمم في كل عصر، أوصاه بها لما شايعه ماشياً كما أوصى سائر الأمراء، ونصها: "إني قد وليتك لأبلوك وأجربك فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك وإن أسأت عزلتك فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي يرى من ظاهرك وإن أولى الناس بالله أشدهم تولياً له وأقرب الناس من الله أشدهم تقرباً إليه بعمله وقد وليتك عمل خالد بن سعيد فإياك وعبية الجاهلية فإن الله يبغضها ويبغض أهلها وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسى بعضه بعضاً وأصلح نفسك يصلح لك الناس وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم واقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ولا تريثهم فيروا خللك ويعلموا عملك وأنزلهم في ثروة عسكرك وامنع من قبلك من يحادثهم وكن أنت المتولي لكلامهم ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك واسهر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عنك الأستار وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك وأكثر مفاجآتهم في محارسهم بغير علم منهم بك فمَن وجدته غفل عن حرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط واعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسر لهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق ولا تلجن فيها ولا تسرع إليها ولا تخذلها مدفعاً، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده ولا تجسس عليهم فتفضحهم: ولا تكشف الناس عن أسرارهم واكتفِ بعلانيتهم، ولا تجالس العبّاثين وجالس أهل الصدق والوفاء وأصدق اللقاء ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له اهـ.

стр. 761

لما سار أمراء الأجناد المتقدم ذكرهم وكتبوا إلى هرقل عظيم الروم يدعونه إلى الإِسلام أو الجزية أو الحرب -وهو يومئذ بالقدس- جمع له البطارقة وكبار القواد وشاورهم في أمر المسلمين وأشار عليهم بصلحهم فأبوا عليه إلا الحرب، ولما لم يوافقوه على رأيه أخذ في إعداد الجنود والعدة وأرسل لكل أمير جيشاً ليشغل كل طائفة من المسلمين بطائفة من قومه. أما أمراء المسلمين فإنهم أوغلوا بجيوشهم في أحشاء البلاد ولهم وقائع كثيرة قبل وقعة اليرموك كوقعة مرج الصفر على وزن سكر ووقعة أجنادين التي بشر أبو بكر بظفر المسلمين فيها وهو بآخر رمق ووقعة العربة من فلسطين وبصرى وحوران وغيرها. اقتحم المسلمون بجيوشهم البلاد اقتحام المجربين في الحرب العارفين بمواقع الخطر الواقفين على عورات العدو الخبيرين بطرق البلاد، فإنهم أوغلوا في جنوب الشام على شكل مثلث متقارب الخطوط رأسه في البلقاء مع يزيد بن أبي سفيان مما يلي الحجاز وطرفا الواحد في الجنوب الغربي في فلسطين وهو مع عمرو بن العاص والآخر في الجنوب الشرقي في حوران وهو مع أبي عبيدة بن الجراح وفي الوسط بميلة إلى الغرب وهو مع شرحبيل وهو في الأردن بحيث يمد بعضهم من بعض بقرب ومن ورائهم يزيد يحفظ خط الرجوع ويديم النظر في طرق المواصلات على هاته الصفة افتتح كل أمير ما مر عليه من البلاد صلحاً أو حرباً حتى أخذت الصيحة الروم من كل مكان فانتبهوا من غفلتهم فضرب هرقل البعث على العرب الذين هم تحت حمايته والروم فاجتمع لديه منهم زهاء مائة وخمسين ألفاً ولما تفرق المجاهدون في البلاد وراعهم ما جمعه هرقل من المجموع استشاروا عمرو بن العاص فأشار عليهم بالاجتماع فاجتمع الأمراء والجيوش باليرموك وكتبوا إلى أبي بكر ﵁ فأمدهم بخالد بن الوليد ولما وصل تأمر عليهم ورتب الجيوش ترتيباً على غاية من النظام وتعبئة يعجز عنها حذّاق الأمراء ثم نشب القتال بين الفريقين وكانت حركة عظيمة انجلت عن انكسار الروم وانهزامهم شر هزيمة بعد أن قتل منهم مقتلة عظيمة وأصيب من المسلمين بين قتيل وجريح زهاء الثلاثة آلاف فيهم من وجوه المهاجرين وجلة قريش عدد كبير منهم عكرمة بن أبي جهل وابنه وسعيد بن الحارث بن قيس بن عدي وخالد بن سعيد وهم ممن أبلى بهذه الحرب ومنهم أبو سفيان بن حرب ذهبت فيها عينه وبينما هم في اليرموك في أشد حالات الحرب قدم البريد بخبر وفاة أبي بكر وتولية عمر ﵄ ومعه أمر بعزل خالد وتأمير أبي عبيدة فكتم هذا الخبر على المسلمين ريثما تضع الحرب أوزارها وتولى الروم أدبارها. وقد اختلف المؤرخون هل جاء الخبر بموت أبي بكر

стр. 762

والمسلمون في اليرموك أو على دمشق كما اختلفوا هل فتح شيء من الشام قبل اليرموك في خلافة أبي بكر ﵁ أو لا. ومما لا ريب فيه أن جيوش المسلمين لما أوغلت في القسم الجنوبي من الشام افتتحت كل ما مرت عليه من البلاد وربما بلغت حمص شمالاً، إلا أن انجلاءهم بعد عن البلاد وتقهقرهم لليرموك جعل ذلك الفتح الأول كأن لم يكن لانتقاض البلاد بعد خروج المسلمين عنها وعدم استطاعتهم ترك الحامية فيها لقلة عددهم وكثرة جنود عدوهم، لهذا عوّل المؤرخون في سياق أخبار الفتح على ما كان منه بعد اليرموك في خلافة عمر ﵁. وفي كلا الحالين فإن الفتح الحقيقي للديار الشامية تم في زمن عمر. ولأبي بكر الفضل العظيم في سبقه إليه وإعداده مثل جيش اليرموك له، وأما عزل خالد بن الوليد فالأصح أنه جاء وهم على دمشق كما سترى بعد إن شاء الله. واختلف في اليرموك هل كانت قبل وقعة أجنادين أو بعدها واليرموك من عمل الأردن وهو واد بناحية الشام وأجنادين من عمل فلسطين. فصل كان أبو بكر ﵁ كثيراً ما يعمل بما يشير به علي ﵁ عند بعث الجنود ولا يأذن له في الخروج مع المجاهدين حرصاً على بقائه معه للانتفاع برأيه ومشورته، وكذلك لم يأذن في الخروج لعمر وعثمان ﵄ للاستعانة بكل منهما على تدبير أمور المسلمين ولا يفعل شيئاً إلا بعد مشورتهم مع غيرهم من وجوه أصحاب النبي ﷺ . وكان ﵁ من العلم بقوانين الشريعة والخبرة بوجوه السياسة في منزلة لا يطاولها سماء ومع هذا لا يبرم أمراً في حادثة إلا بعد أن تتداولها آراء الجماعة من الصحابة. أخرج البغوي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها فإن أعياه خرج يسأل المسلمين وقال أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا، فإن أعياه أن يجد في سنة رسول الله ﷺ جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به. وكان عمر ﵁ يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان فيه لأبي بكر قضاء فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رؤوس المسلمين فإذا أجمعوا على أمر قضى به.

стр. 763

أولياته من مناقبه الكريمة ومآثره العظيمة جمعه القرآن ولا يعلم قدر فضله بهذا العمل الجليل إلا من عانى أمر الحديث وعرف مقدار ما اجترىء فيه على الكذب على رسول الله ﷺ وهم جماعة القصاص والوعاظين الذين شوّشوا على الأمة في الدين والسياسة والأخلاق تشويشاً الله أعلم بما جر على الأمة من النبلاء ولو لم ينهض أئمة الحديث وحفاظه أواخر القرن الثاني وما بعده إلى تلافي هذا الخطب وتتبع الأسانيد الصحيحة وترتيب درجات الحديث وتفريق الموضوع من الصحيح لكان الخطب أعظم والمصيبة أشد. أما القرآن فلله الحمد والمنة على أنه سبحانه تكفل بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢] لهذا كان أول ما ألهم إليه أبو بكر النهوض إلى جمعه من صدور الرجال وبعض الصحف فجمع وكتب بين الدفتين دون أن يلحق حرفاً واحداً منه تغيير أو تبديل وقد تقدم شرح ما ذكر في المقدمة، وهو أيضًا أول مَن سمي خليفة وأول من أسلم من الرجال وأول من وضع بيت المال. ولما مرض ﵁ مرضه الذي توفي فيه عهد بالخلافة لعمر ﵁. وكتب له عهداً في ذلك ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم "هذا ما عهد أبو بكر خليفة محمد ﷺ عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتقي الفاجر إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب فإن بر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت فلا علم لي بالغيب ولكل امرئ ما اكتسب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. توفي ﵁ في مرضه المذكور. روى الحاكم أن سبب موته وفاة رسول الله ﷺ كمداً بما يجري -أي ينقص- حتى مات. قال الحافظ ابن حجر: وهو مرض السل. وأخرج الإِمام أحمد عن عائشة ﵂ "أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين. قال: فإن من في ليلتي فلا تنظروا في الغد فإن أحب الأيام والليالي إلى أقربها من رسول الله ﷺ ، وتوفي من ليلته تلك وهي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة في السنة الثالثة عشر من الهجرة وله من العمر ثلاث وستون سنة وغسلته امرأته أسماء كما أوصى وصلى عليه عمر بين القبر والمنبر وكبر أربعاً ودفن إلى جنب رسول الله ﷺ ". وأخرج ابن هشام عن ابن عروة عن أبيه: أن أبا بكر صلى عليه ليلاً ودفن ليلاً وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وبضعة أيام، وكان نقش خاتمه: نعم القادر الله.

стр. 764

وكان فصيح اللسان قوي الحجة إذا خطب كثير التذكير بالله والتخويف منه والترغيب فيه روي عن الزبير بن بكار أنه قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: أفصح خطباء رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب. خطبة علي في تأبين أبي بكر ﵄ أجمع الرواة أن أبا بكر لما قبض ارتجت المدينة ودهش القوم كيوم قبض رسول الله ﷺ وجاء علي مسرعاً باكياً مسترجعاً حتى وقف بالباب وهو يقول: رحمك الله يا أبا بكر كنت والله أول القوم إسلاماً وأخلصهم إيماناً وأشدهم يقيناً وأعظمهم غنى وأحفظهم على رسول الله ﷺ وأحدبهم على الإِسلام وأحماهم عن أهله وأنسبهم برسول الله خلقاً وفضلاً وهدياً وصمتاً فجزاك الله عن الإِسلام وعن رسول الله ﷺ صدقت رسول الله حين كذبه الناس وواسيته حين بخلوا وقمت معه حين قعدوا وسماك الله في كتابه صديقاً فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يريد محمدًا ويريدك، كنت والله للإسلام حصناً وللكافرين ناكياً، لم تضلل حجتك ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك، كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله ﷺ ضعيفاً في بدنك قوياً في دينك متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله جليلاً في الأرض كبيراً عند المؤمنين، لم يكن لأحد عندك مطمع ولا هوى، فالضعيف عندك قوي والقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق من القوي وتأخذ للضعيف، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك. تنبيه: اعلم أن الأخبار عن علي ﵁ بصحة خلافة أبي بكر وعمر ﵄ وكونهما خيري الأمة بعد النبي ﷺ ثبتت عنه من طرق كثيرة بروايات كثيرة من الثقات العدول منهم: ابنه محمد ابن الحنفية بحيث يجزم من يتتبعها بصدور ذلك القول من عليك ﵁ جزماً قاطعاً ليس فيه شك ولا ريب. قال الحافظ الذهبي: تواتر ذلك عن علي ﵁ ورواه عنه نيف وثمانون من أصحابه وصرح بذلك في الخلوة والملأ وخطب بذلك على منبر الكوفة زمن خلافته مع حضور الجمع العظيم، ولهذا اتفق الأئمة الأربعة وأئمة الحديث مثل البخاري ومسلم وبقية أصحاب الكتب الستة وغيرهم وأئمة السلف وبقية أهل السنة والجماعة على اعتقاد صحة خلافته. قال سفيان الثوري: من قال إن علياً ﵁ كان أحق بالخلافة من أبي بكر فقد خطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار وما أراه يرتفع له مع هذا الاعتقاد عمل إلى السماء. وأخرج الدارقطني عن عمار بن ياسر ﵄ مثل ذلك.

стр. 765

الحالة الاجتماعية على عهد أبي بكر اعلم أن الحالة الاجتماعية التي كانت على عهد الرسالة كانت كذلك في عهد أبي بكر ﵁، وقد نهض أبو بكر بعد الرسول ﷺ بإتمام نشر الدعوة وتوحيد كلمة الشعوب نهوضاً يعلم من سيرته. فرمى ﵁ بالجيوش الإِسلامية فارس والروم ليكونوا حماة الدعوة بعد إذ لم تنجح فيهم الدعوة مجردة على القوة في عهد رسول الله ﷺ . فخالط المسلمون تلك الأمم البالغة منتهى درجات الرفاهة والتنعم المنغمسة في حمأ الشهوات النفسية ودوّخوا بلادهم واستفتحوا كنوزهم ومع هذا فلم يؤثر ذلك في أخلاقهم ولم تدعهم تلك الزخارف إلى تنكب المحجة الواضحة التي تركهم عليها نبيهم لا سيما وأن القرآن بين أيديهم يهتدون بهديه وأبو بكر من ورائهم يحملهم على طريقته ويؤدبهم بأدب نفسه، وكان جل أمره منصرفاً إلى إقامة شعائر الدين، والتأدب بآداب النبي ﷺ خصوصاً في خشونة العيش وكبح جماح النفوس والقناعة بالكفاف، هذا مع علمه بأن الله أحلّ الطيبات للمؤمنين، وإنما هو كان حريصاً على تأدب المسلمين بآداب النبوة وآدابه كي لا يشغلهم عن بث الدعوة والجهاد في الله وتوحيد كلمة الشعوب شاغل الإخلاد إلى الراحة والرغبة بنعيم الحياة الفانية وأنى يشغلهم شيء عن أمر الله وهم خير أمة أخرجت للناس وعصرهم خير العصور. وكيف لا يكون خير العصور وقد كان فيه المؤمنون على جانب من سلامة الفطرة وطهارة الأخلاف وتآلف القلوب، ونصرة العدل والحق، ومواساة الضعيف والقيام بواجب الإخاء وتبادل الثقة والحب لم تبلغ مبلغهم في أمة حديثة عهد في الدين من قبل ولن يأتي أمة سواهم من بعد. روى الغزالي في الأحياء: أن تبادل الثقة والحب بين المسلمين يومئذ بلغ بهم أن كانوا خلطاء بالمال يأخذ فقيرهم من مال الآخر مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. كان أبو بكر ﵁ خير قدوة للمسلمين وكان على جانب من التواضع وشظف العيش وخشونة الملبس مع غناه ووفرة دخله من أملاكه فقد اقتدى به المسلمون وتخوشنوا في مأكلهم وملبسهم وتعفف كبارهم حتى عن التنعم بدخلهم. في تاريخ المسعودي: لما قدم على أبي بكر زعماء العرب وأشرافهم وملوك اليمن وعليهم الحلل وبرد الوشي المثقل بالذهب والتيجان والحبرة وشاهدوا ما عليه من اللباس والزهد والتواضع والنسك وما هو عليه من الوقار والهيبة، ذهبوا مذهبه

стр. 766

ونزعوا ما كان عليهم. وكان ممن وفد عليه من ملوك اليمن ذو الكلاع ملك حمير ومعه ألف عبد دون ما كان معه من عشيرته وعليه التاج وما وصفنا من البرود والحلي فلما شاهد من أبي بكر ما وصفنا ألقى ما كان عليه وتزيا بزيه حتى إنه رؤي يوماً في سوق من أسواق المدينة وعلى كتفيه جلد شاة ففزعت عشيرته وقالوا له فضحتنا بين المهاجرين والأنصار قال: أفأردتم أن أكون ملكاً جباراً في الإسلام لا والله لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع والزهد. قال المسعودي: وتواضعت الملوك ومن ورد عليه من الوفود بعد التكبر وذلوا بعد التجبر لا جرم أن قدوة الأمم رؤساؤها، وقادتها إلى الخير والشر ملوكها ولم يرنا التاريخ مصارع قوم هلكى بشقاء الحياة إلا بملوكهم كما لم يرنا تسود قوم وتمتعهم بسعادة الحياة إلا إذا استقام ملوكهم. هذه كانت الحالة الاجتماعية على عهد أبي بكر ﵁ على وجه الإجمال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾. خلافة سيدنا عمر ﵁ ونبذة من سيرته الخليفة الثاني الفاروق الأعظم أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ تقدم ذكر نسبه في صدر المقصد. شبّ على الشجاعة والنجدة. كان المسلمون في أوائله في حاجة إلى ذوي العصبية والإقدام من رجالات قريش ليستطيعوا إعلان دينهم والذب عن نبيهم وكان ممن عرف في قريش بنفوذ الكلمة والبطش وسمو المكانة عمر بن الخطاب وأبو جهل وكان النبي ﷺ يتوقع خيراً للمسلمين بإسلام أحد هذين الرجلين لهذا قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمر بن هشام" يعني أبا جهل. فاستجاب الله سبحانه دعاء نبيه ﷺ بأحب الرجلين إليه عمر بن الخطاب فأسلم في ذي الحجة لمضي

стр. 767

ست سنين من البعثة. أخرج الحافظ ابن الجزري في أسد الغابة عن أسامة بن زيد عن أبيه عن جده أنه قال: قال لنا عمر بن الخطاب: أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدء إسلامي؟ قال: كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ فبينا أنا في يوم شديد الحر بالهاجرة في بعض طرق مكة إذ لقيني رجل من قريش فقال: أين تذهب يا ابن الخطاب أنت تزعم أنك هكذا وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك قال: قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد صبأت، قال: فرجعت مغضباً وقد كان رسول الله ﷺ يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوة فيكونان معه ويصيبان في طعامه وقد كان ضم إلى زوج أختي رجلين قال: فجئت حتى قرعت الباب فقيل مَن هذا؟ فقلت: ابن الخطاب، قال: وكان القوم جلوساً يقرؤون القرآن في صحيفة معهم فلما سمعوا صوتي اختفوا وتركوا أو نسوا الصحيفة من أيديهم، قال: فقامت المرأة ففتحت لي الباب فقلت: يا عدوة نفسها قد بلغني أنك صبأت، وضربتها بشيء كان في يدي فسال الدم، فلما رأت المرأة الدم بكت ثم قالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلاً فافعل قد أسلمت، قال: فدخلت وأنا مغضب فجلست على السرير فنظرت فإذا بكتاب في ناحية البيت فقلت: ما هذا الكتاب أعطينيه، فقالت: لا لستَ من أهله أنت لا تغتسل من الجنابة ولا تطهر وهذا لا يمسه إلا المطهرون، قال: فلم أزل بها حتى أعطتنيه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت ورميت بالصحيفة من يدي، قال: ثم رجعت إلى نفسي فإذا فيها ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ قال: فكلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت ثم ترجع إليّ نفسي حتى بلغت ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ حتى بلغت إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال: فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشاراً بما سمعوه مني وحمدوا الله ، ثم قالوا: يا ابن الخطاب أبشر فإن رسول الله ﷺ دعا يوم الاثنين فقال: "اللهم أعز الإِسلام بأحد الرجلين إما عمر بن الخطاب وإما عمر بن هشام" قالت: فقلت لهم: أخبروني بمكان رسول الله ﷺ . فقالوا: هو ببيت أسفل الصفا وصفوه. قال: فخرجت حتى قرعت الباب قيل: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب. قال: وقد عرفوا شدتي على رسول الله ﷺ ولم يعلموا بإسلامي، قال: فما اجترأ أحد منهم أن يفتح الباب. قال: فقال رسول الله ﷺ : افتحوا له الباب فإنه إن يرد الله به خيراً يهده، قال: ففتحوا لي وأخذ رجلان بعضدي حتى دنوت من رسول الله ﷺ ، فقال: أرسلوه، فأرسلوني فجلست بين يديه فأخذ بجميع قميصي فجذبني إليه ثم قال: أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده. قال:

стр. 768

فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنت رسول الله. فكبّر المسلمون تكبيرة سمعت بطرق مكة اهـ. وروي أن عمر لما أسلم قال: يا رسول الله علام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل؟ فقال رسول الله ﷺ : إنا قليل وقد رأيت ما لقينا. فقال عمر: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان. ثم خرج رسول الله ﷺ في صفين من المسلمين حمزة في أحدهما وعمر في الآخر حتى دخلوا المسجد فنظرت قريب إلى حمزة وعمر فأصابتهم كآبة شديدة، ومن يومئذ سماه رسول الله ﷺ الفاروق لأنه أظهر الإِسلام وفرق بين الحق والباطل. أخرج الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم، وأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]. روي عن عد الله بن مسعود أنه قال: "كان إسلام عمر فتحاً وكانت هجرته نصراً وكانت إمارته رحمة ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا". أخرجه في أسد الغابة. وأخرج البخاري عن ابن مسعود أيضاً "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر" كان قواماً على الحق منافحاً عن رسول الله ﷺ مراقباً لأعدائه حريصاً عليه من وصول أذاهم إليه مبغضاً لمن أبغضه، وكان النبي ﷺ يستشير أصحابه في بعض الأمور فكان أبو بكر وعمر أفضلهم عنده رأياً لصدق لهجتهما وعظيم إخلاصهما ولهذا قال النبي ﷺ : "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" رواه الترمذي. وفي رواية لأبي داود عن أبي ذر قال: "إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به" وكان ﵁ يرى الرأي فينزل به القرآن حتى بلغت موافقاته نيفاً وعشرين، منها آية تحريم الخمر فإنه لما قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً نزلت آية التحريم. ومنها آية الحجاب، ومنها آية الاستئذان في الدخول وذلك أنه دخل عليه غلامه

стр. 769

وكان نائماً فقال: اللهم حرم الدخول، فنزلت آية الاستئذان. وفي البخاري خمسة عشر حديثا في فضائله. وأخرج أبو يعلى عن عمار بن ياسر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : أتاني جبريل آنفاً فقلت: يا جبريل حدثني بفضائل عمر بن الخطاب، فقال: "لو حدثتك بفضائل عمر منذ لبث نوح في قومه ما نفذت فضائل عمر وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر ﵄" وقال الأبي: سمي الفاروق لأنه فرق بإسلامه بين الحق والباطل ونزل جبريل فقال: يا محمد استبشر أهل السماء بإسلام عمر. حفظ له من الحديث خمسمائة وسبعة وثلاثون حديثاً في الصحيحين منها واحد وثلاثون. قال الشعبي: إذا اختلف الناس فخذوا بما قال عمر وقال: قضاة هاته الأمة عمر وعلي وزيد بن ثابت وأبو موسى. تقدم أن أبا بكر ﵁ عهد إليه بالخلافة فوليها يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة. ولما تلا كتاب العهد على المسلمين بايعوه جميعاً ولم ينكل عن بيعته أحد من المهاجرين والأنصار، وقد قام ﵁ بهذه الوظيفة السامية قيامًا محموداً لا يجاريه فيه أحد من قادة الأمم وساسة الحكومات بل كان من عظيم أثره وأثر أبي بكر في الخلافة الإِسلامية أن كانا مثلاً لمن بعدهما يضرب بالعدل وحسن السياسة وحجة على من تنكب طريقهما من الخلفاء وخالف سيرتهما من الأمراء. في أسد الغابة عن علي ﵁ قال: إن الله جعل أبا بكر وعمر حجة على من بعدهما من الولاة إلى يوم القيامة فسبقا والله سبقاً بعيداً وأتعبا والله من بعدهما إتعاباً شديداً فذكرهما حزن للأمة وطعن علي الأئمة اهـ. وحسب عمر ﵁ من خلافته أن يكون مثلاً في العدل وحجة على الخلفاء والولاة من بعده بل حسبه من سيرته فخراً وذكراً أن كل المؤرخين سواء كانوا من المسلمين أو المنصفين من غير المسلمين أجمعوا على أنه أعدل مَن ساس الأمم وأعظم رجل في الإِسلام. روي أن معاوية ﵁ قال لصعصعة بن صوحان: صف لي عمر. فقال: كان عالماً برعيته عادلاً في قضيته عارياً عن الكبر قابلاً للعذر سهل الحجاب مصون الباب متحرياً للصواب رفيقاً بالضعيف غير كتاب للقوي وغير جاف للغريب والحاصل أن فضائله ﵁ كثيرة جداً شهيرة خصت بالتأليف وسنقص عليك بعضها.

стр. 770

فتوح الشام قد علم مما تقدم أن أول عمل قام به عمر ﵁ عزل خالد بن الوليد عن الإمارة العامة وتوسيدها لأبي عبيدة عامر بن الجراح ﵁ وعلم أن المسلمين انتصروا في وقعة اليرموك ولما هزم الله جند العدو وفرغ من المقاسم والأنفال وبعث بالأخماس وسرحت الوفود استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب بن أبي الحميري وخرج أبو عبيدة حتى نزل بمرج الصفر وهو يريد اتباع الفالة ولا يدري يجتمعون أو يتفرقون فأتاه الخبر بأنهم اجتمعوا بفحل وأن المدد قد أتى أهل دمشق من حمص فهو لا يدري أبدمشق يبدأ أو بفحل من بلاد الأردن فكتب في ذلك إلى عمر وانتظر الجواب وأقام بالصفر فلما جاء عمرَ فتح اليرموك أقر الأمراء على ما كان استعملهم عليه أبو بكر إلا ما كان من عمرو بن العاص وخالد بن الوليد فإنه ضمّ خالداً إلى أبي عبيدة وأمر عمراً بمعونة الناس حتى يصير الحرب إلى فلسطين ثم يتولى حربها وكان هرقل قبل انكسار جيشه باليرموك بأورشليم ولما جاء خبر انكسار جيشه رحل إلى حمص. لما بلغ أبا عبيدة ﵁ كتاب الخليفة بالذي ينبغي أن يبدأ به وهو دمشق امتثل وسرح عشرة قواد وبعث ذا الكلاع حتى كان بين دمشق وحمص وبعث علقمة بن حكيم ومسروقاً فكانا بين دمشق وفلسطين والأمير يومئذ يزيد بن أبي سفيان فقدم خالد بن الوليد وعلى مجنبتيه عمرو وأبو عبيدة وعلى الخيل عياض بن أبي غنم وعلى الرجل شرحبيل ابن حسنة فقدموا دمشق ونزلوا حواليها فكان أبو عبيدة على ناحية وعمرو على ناحية وخالد على ناحية ويزيد على ناحية فحاصروا أهل دمشق نحواً من سبعين ليلة حصاراً شديداً حتى تم فتحها والفضل في ذلك لأولئك الأمراء وبالخصوص خالد. واتفق كثير من الرواة والمؤرخين على أن الذي تولى عقد الصلح مع الدمشقيين هو خالد وأمضاه أبو عبيدة بعد أن أطلعه على كتاب الخليفة بعزله على إمارته وهذا يدل على أن خبر عزل خالد لم يأت وهم على اليرموك بل أتى وهم على دمشق وكتمه أبو عبيدة ريثما تم الصلح. تنبيه: ومن جميل سياسة عمر أنه كان يعلم من نفسه الشدة فلا يرضى لعماله أن يكونوا مثله لهذا عزل خالد بن الوليد عن الإمارة وجعل بدله أبا عبيدة وكان عماله جميعهم عرفوا باللين كأبي عبيدة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان وحذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف وأضرابهم ومع شدته ﵁ فقد كان يوصي عماله بالرفق والعدل وعدم الإيغال في العقوبة وبلغ به كره الإيغال في العقوبة

стр. 771

أن أرسل إلى أبي موسى الأشعري وقد شدد في العقوبة على بعضهم يهدده بالعقاب إذا عاد إلى مثلها. لما انتهى فتح دمشق أخذ أمراء الأجناد في فتح بقية الشام قرية قرية ومدينة مدينة كعجلون وبيسان وطبرية ومرج الروم وحمص وبعلبك وبيروت وأجنادين وغزة ونابلس وبيت جبرين وإيليا -أي بيت المقدس-. والذي عقد الصلح مع أهل بيت المقدس الخليفة عمر ﵁ قدم بطلب من الأهالي وصلّى الصبح ببيت المقدس وعقد الصلح بنفسه إجابة لمطلبهم ثم وقع فتح حماه واللاذقية وقنسرين وأنطاكية وغيرها من البلاد السورية وتم هذا الفتح بعد حروب طويلة استمرت ثلاث سنين ولاقى جند المسلمين في غضونها من العناء أشده وبذلوا من الدماء ما جعل ثمن هذه البلاد غالياً ومقامها في نظرهم عالياً وكان لرجالات قريش وأشرافها في حرب الشام خاصة من الأثر العظيم والبلاء الجسيم ما لم يكن لقوم غيرهم في الفتوحات الأخرى وقتل منهم عدد كثير لا سيما في وقعة اليرموك وممن قتل منهم عكرمة بن أبي جهل وابنه وخالد بن سعيد وهشام بن العاص وسهيل بن عمرو وأبان بن سعيد وأضرابهم من صناديد قريش وأشرافها وكان للنساء القرشيات من النبلاء ما كان للرجال. روى الطبراني أن النساء المسلمات قاتلن يوم اليرموك وخرجت جويرية ابنة أبي سفيان وهند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان وبالجملة فقد لاقى المسلمون أشد الأهوال وصادموا عدواً استمات في حوزة الدفاع عن حوزته والذب عن سلطانه. القواد الذين حضروا هاته الفتوحات وهم من أنجاد قريش وسادتها وممن كان له البلاء الحسن خالد بن الوليد وأبو عبيدة وخالد بن سعيد وعمرو بن العاص ويزيد ومعاوية ووالدهما أبو سفيان وحبيب بن مسلمة وعياض بن غنم وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وأبان بن سعيد والذين هم من غير قريش فذو الكلاع الحميري وشرحبيل ابن حسنة والقعقاع بن عمرو والسمط بن الأسود الكندي وعلقمة بن مجزز وعلقمة بن حكيم وعبادة بن الصامت ومالك بن الأشتر النخعي وأبو أيوب المالكي ومعاذ بن جبل وغيرهم وقد كان لهم حسن ترتيب للجيوش وإلمام بطرق البلاد وتفنن بأساليب الحرب وكان الخليفة وهو بالمدينة يصدر أوامره للأمراء كيف يسيرون وأي المسالك يسلكون وأي البلاد يقصدون كأنما ينظر إلى القطر على خريطة مصورة بين يديه.

стр. 772

جغرافية سوريا يحد سوريا شمالاً ولاية أدنه -أي كيليكيا- من آسيا الصغرى وشرقاً الفرات والبادية وجنوباً جزء من بلاد العرب ويقال له تنبيه بني إسرائيل وغرباً البحر المتوسط وقد قام في هذا القطر حكومات كثيرة تعددت بتعدد الأقوام القاطنين فيه كالفينيقيين والحثيين والآشوريين والكنعانيين وغيرهم من الشعوب ثم رحل إليه بنو إسرائيل من مصر وزاحموا سكان البلاد وأخذوا قسماً عظيماً منه وغزاه كثير من الدول القديمة كدولة الفراعنة المصريين والماديين والفرس والرومانيين واليونانيين وعرب الإسلام ولم تثبت فيه قدم دولة من الدول الفاتحة كما ثبتت دولة الرومانيين ودولة الإسلام فقد كان ابتداء دولة الرومان من سنة ٦٥ قبل المسيح إلى سنة ٦٣٣ م حيث ابتدأ الفتح الإِسلامي في البلاد السورية وكانت نهايته سنة ٦٣٨ م أو سنة ١٧ هـ وفيها تقلص ظل الروم عن هذا القطر وكان على عهد الرومانيين مقسوماً إلى ثلاثة أقسام كبيرة وهي: فلسطين وتوابعها، وأنطاكية وتوابعها، ودمشق وتوابعها، وكان القسم الشمالي منه يسمى سورية والجنوبي يسمى فلسطين فأطلق عليه اسم سورية منذ تملكه الرومان ولما تملكه الإِسلام أطلقوا عليه اسم الشام وقسمه عمر إلى أربعة أقسام: الأول: قسم الثغور وهي حمص وقنسرين وحلب وأنطاكية وقاعدته حمص. والثاني: دمشق. والثالث: الأردن وحاضرته طبرية. والرابع: فلسطين، وهذا ينقسم إلى قسمين قسم حاضرته الرملة وقسم حاضرته إيليا -أي القدس-. انتداب عمر ﵁ لفتح العراق وفارس اعلم أن عمر أول عمل قام به أيضاً انتداب الناس لحرب الفرس وذلك أن المثنى بن حارثة ﵁ كان منذ وفوده على أبي بكر ﵁ في أول خلافته يهون عليه أمر الفرس حتى ولاه قتالهم ثم ولى خالداً فقاتل تحت رايته ثم لما سافر خالد إلى الشام وبقي المثنى أميراً على ما وقع فتحه من العراق دفعه الإقدام إلى أن يتوسع في الفتح ويرمي بسهم المسلمين مملكة الأكاسرة ويدوخ ذلك الملك العريض فوفد على أبي بكر ﵁ في حال مرضه ففاوضه في أمر الهجوم على فارس إلا أن أبا بكر ﵁ لم يسعه إجابة مطلبه لمرضه وأوصى عمر أن يندب الناس بعد توليته الخلافة مع المثنى، وفي صبيحة الليلة التي

стр. 773

دفن فيها أبو بكر قام عمر فانتدب الناس وأول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي انتدبه ﵁ أميراً على الجيش وخرج في أوائل جمادى الآخرة سنة ١٣ ومعه سعيد بن عبيد وسليط بن قيس والمثنى بن حارثة فتقدمهم للحيرة ووقع القتال بين المسلمين والعدو بالقمارق وكان النصر حليف المسلمين، ولما انهزم العدو أخذ في أثره إلى كسكر ثم إلى الحيرة ووقعت مقاتلة على جسر الفرات انهزم فيها المسلمون وقتل فيها أبو عبيد وسليط وجرح المثنى، ولما انتهى خبر الهزيمة إلى عمر ﵁ اشتد عليه الأمر، ثم إن المثنى جمع القبائل التي حوله وبعث عمر ﵁ البعوث وأمر عليهم أمراء كعرجفة بن هرثمة من زعماء العرب. أما الفرس فإنهم لما أحسوأ باجتماع العرب جمعوا كلمتهم بعد أن كانت في حال ارتباك وجمعوا جيشاً كثيفاً بالبويب أميره مهران ثم التحم القتال بين الفريقين واشتد الحال إلى أن آل الأمر إلى اضطراب جيش العدو وقتل مهران وتم ذلك بحسن قيادة البطل الجليل المثنى بن حارثة ومات من أعلام المسلمين في هاته الوقعة ناس منهم: خالد بن هلال ومسعود بن حارثة أخو المثنى، ولما فرغ المثنى من أمر البويب وتشتت أمور الفرس وعاد جرير بن عبد الله البجلي من غزاته فرق المثنى جنوده في السواد وأخذ يستخضع البلاد التي عصت من قبل وكانت له وقائع كثيرة مع العرب ظفر بها المسلمون ما شاؤوا من متاع ومال وبلغت غارتهم شرقاً قرب مدائن فارس وشمالاً إلى الجزيرة فأوقعوا الرعب في قلوب الأعداء حتى قام لذلك الفرس وقعدوا وأجمعوا على تأمير يزدجرد والتجهيز لحرب المسلمين، ولما بلغ المثنى ذلك كتب للخليفة بذلك ولما وصل إليه الخبر كتب إلى عماله على العرب والكور يستحثهم على الاستنفار ووافاه بعض القبائل إلى المدينة وبعض القبائل انضموا إلى المثنى ورأى من السداد أن لا يفوته أمر خاصة المسلمين وعامتهم فيمن يوليه أمر هذه الحرب فاستدار العامة فأشاروا عليه بالمسير بنفسه والخاصة فأشاروا عليه بتسليم القيادة لغيره وبقائه بالمدينة وبعد استشارتهم قام خطيباً فقال: "أما بعد فإن الله جمع على الإِسلام أهله فألّف بين القلوب وجعلهم فيه إخوانًا والمسلمون فيما بينهم كالجسد لا يخلو منه شيء من شيء أصاب غيره وكذلك يحق على المسلمين أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم وبين ذوي الرأي منهم فالناس تبع لمن قام بهذا الأمر ما أجمعوا عليه ورضوا به لزم الناس وكانوا فيه تبعاً لهم ومَن قام بهذا الأمر تبع لأولي رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم. أيها الناس، إني كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي منكم عن الخروج فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلاً وقد أحضرت لهذا الأمر من قدمت ومن خلفت" اهـ. ويعني بمن خلف

стр. 774

علياً وطلحة لأنهما لم يحضرا الرأي الأول، ولما انتهى من خطبته أشار عليه طلحة وعلي بما أشار إليه العامة ونهاه العباس وعبد الرحمن بن عوف عن هذا الرأي وقال له الثاني: أقم وابعث جنداً فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك قبل وبعد فإنه إن يُهزم جيشك ليس كهزيمتك وإنك أن تقتل أو تهزم في آنف الأمر خشيت أن لا يكبر المسلمون وأن لا يشهدوا أن لا إله إلا الله أبداً اهـ. فأخذ ﵁ برأي عبد الرحمن ﵁ وأمر على الجند سعد بن أبي وقاص ﵁ عامله على هوازن ودعاه وأوصاه بوصية ثم خرج سعد ومعه أربعة آلاف من اليمن وغيرهم وفيهم من السراة وزعماء العرب عدد وافر منهم خميصة بن النعمان البارقي وشداد بن ضمضج الحضرمي وعمرو بن معدي كرب وشرحبيل بن السمط الكندي وأضرابهم من صناديد العرب وقادتها وخطب خطبة عند مشايعتهم وسار الجند حتى انضم إلى جند العراق الذين كانوا مع المثنى فكان عدد الجند الذي شاهد وقعة القادسية ثلاثين ألفاً وفي أثناء ذلك توفي المثنى بن حارثة الشيباني أمير جيش العراق من أثر انتقاض جراحة أصابته في وقعة الجسر المتقدم ذكرها وكان ﵁ على جانب عظيم من الشجاعة والإقدام والنظر البعيد في شؤون الحرب لا يدانيه إلا خالد بن الوليد، ولما تم لسعد الاستعداد انتشب القتال بينه وبين عدوه وانتهى بفل جموع الفرس وفتح القادسية وأقام فيها بعد الفتح شهرين وكتب للخليفة فيما يفعل فكتب إليه يأمره بالمسير إلى المدائن فسار إليها لأيام بقين من شوال سنة ١٥ أو سنة ١٦ وفتح في طريقه بابل ثم دخل المدائن وهي عاصمة الأكاسرة بعد حصار شهرين وهرب منها كسرى لحلوان فغنم المسلمون من ذخائر كسرى وأموال الفرس ما لا يعد وجعل سعد إيوان كسرى مسجداً. وموقع المدائن على دجلة من الجنوب الغربي من بغداد ولم يبقَ غربي دجلة إلا أرض العرب وكلهم آمنوا واغتبطوا بملك الإِسلام ثم أرسل جيشاً بقيادة ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى حلوان وفتحها بعد أن فر كسرى منها إلى الري وفي أثناء إقامة سعد بالمدائن وقع فتح تكريت والموصل ثم تحول للكوفة بعد أن اختطها بأمر من الخليفة وسنشرح الكلام على تكريت عند التعرض لفتح الجزيرة ثم وقع فتح الأهواز وسوس وتُسْتَر. والأهواز اسم ولاية واقعة بين ولاية البصرة وولاية فارس وكان بها الهرمزان وهو أحد البيوتات السبعة في أهل فارس وكن شهد القادسية مع الفرس فانهزم بهزيمتهم فجاء إلى الأهواء فتولى أمرها وكانت وقعت منه عهود أثناء وقائع تقدمت فنقضها ولما وقع فتح الأهواز طلب الهرمزان الأمان على أن ينزل من القلعة التي اعتصم بها على حكم أمير المؤمنين عمر ﵁ فنزل على حكم ذلك واقتسموا ما أفاء الله عليهم

стр. 775

فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف وقتل في وقعة الأهواز جمع من المسلمين فيهم البراء بن مالك ومجزاة بن ثور قتلهما الهرمزان بيده وسنذكر ما آل إليه أمر الهرمزان إن شاء الله بعد. ثم وقع فتح جندي سابور بعد أن حاصرها زرّ بن عبد الله بن كليب. ثم إن عمر بن الخطاب ﵁ اهتم بفتح بقية ممالك الفرس فأعد لذلك العدة وقسم الجيوش والأمراء، فأمر أبا موسى الأشعري أن يسير من البصرة وبعث ألوية مع سهيل بن عدي فقدم بها، ودفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء سابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي، ولواء إصطخر إلى عثمان بن العاص الثقفي، ولواء نهاوند إلى سارية بن زنيم الكناني، ولواء كرمان إلى الحكم بن عمير التغلبي، وسارت هاته الجيوش كل جيش إلى وجهته بعد أن أمدهم بإمدادات. وفي غضون خمس سنين تم الفتح الأعظم من بلاد فارس الشرقية والغربية صلحاً وحرباً فبلغت ولاية أذربيجان شمالاً وسجستان من ولاية أفغانستان ومكران من ولاية السند شرقاً وبحراً الهند وخليج فارس جنوباً وكردستان والجزيرة غرباً، واختلف في فتح خراسان هل كان في خلافة عمر أو عثمان ﵄، وكانت وقعة نهاوند أعظم الوقائع وأحسن فتح وفيها من القواد العظام وزعماء العرب جماعة منهم حذيفة بن اليمان وأميرهم البطل الجليل النعمان بن مقرن المزني، وكان فتحها بعد حصار طويل، وممن قتل في هاته الوقعة طليحة الأسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، ودخل الجيش المدينة بعد هزيمة الفرس واحتووا على ما فيها وجمعوا الأسلاب إلى أمين المال السائب بن الأقرع وجاءهم الهربذ صاحب بيت النار مستأمناً ودلهم على ذخيرة لكسرى كانت عنده على شرط أن يعطوه الأمان على نفسه وعلى مَن شاء فأعطاه حذيفة بن اليمان فأخرج له تلك الذخيرة التي كان أعدها لنوائب الزمان، فأجمع رأي المسلمين على رفعها لعمر ﵁. ولما تم الفتح طلب الفرس الأمان وأجيبوا لذلك على شروط منها: إرشاد ابن السبيل وإصلاح الطرق، وقسم حذيفة الغنائم فكان سهم الفارس ستة آلاف وسهم الرجل ألفين ورفع ما بقي من الأخماس إلى السائب بن الأقرع وهو خرج بها إلى عمر ﵁ مع ذخيرة كسرى، وتقدم الرسول بخبر الفتح وهو طريف بن سهم أخو بني ربيعة وكان عمر ينتظر أخبار نهاوند فلما جاء وأخبره خبر الفتح واستشهاد النعمان ﵁ بكى حتى اخضلت لحيته وترحّم على النعمان وكان ﵁ رقيق القلب محباً للمسلمين حريصاً على حياة القواد ويحزن حزناً شديداً إذا أصيب أحد منهم، ثم وصل السائب بالأخماس فوضعت بالمسجد وأمر
следующие страницы →