Полный текст (970 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
أن أرسل إلى أبي موسى الأشعري وقد شدد في العقوبة على بعضهم يهدده بالعقاب إذا عاد إلى مثلها.
لما انتهى فتح دمشق أخذ أمراء الأجناد في فتح بقية الشام قرية قرية ومدينة مدينة كعجلون وبيسان وطبرية ومرج الروم وحمص وبعلبك وبيروت وأجنادين وغزة ونابلس وبيت جبرين وإيليا -أي بيت المقدس-. والذي عقد الصلح مع أهل بيت المقدس الخليفة عمر ﵁ قدم بطلب من الأهالي وصلّى الصبح ببيت المقدس وعقد الصلح بنفسه إجابة لمطلبهم ثم وقع فتح حماه واللاذقية وقنسرين وأنطاكية وغيرها من البلاد السورية وتم هذا الفتح بعد حروب طويلة استمرت ثلاث سنين ولاقى جند المسلمين في غضونها من العناء أشده وبذلوا من الدماء ما جعل ثمن هذه البلاد غالياً ومقامها في نظرهم عالياً وكان لرجالات قريش وأشرافها في حرب الشام خاصة من الأثر العظيم والبلاء الجسيم ما لم يكن لقوم غيرهم في الفتوحات الأخرى وقتل منهم عدد كثير لا سيما في وقعة اليرموك وممن قتل منهم عكرمة بن أبي جهل وابنه وخالد بن سعيد وهشام بن العاص وسهيل بن عمرو وأبان بن سعيد وأضرابهم من صناديد قريش وأشرافها وكان للنساء القرشيات من النبلاء ما كان للرجال. روى الطبراني أن النساء المسلمات قاتلن يوم اليرموك وخرجت جويرية ابنة أبي سفيان وهند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان وبالجملة فقد لاقى المسلمون أشد الأهوال وصادموا عدواً استمات في حوزة الدفاع عن حوزته والذب عن سلطانه.
القواد الذين حضروا هاته الفتوحات وهم من أنجاد قريش وسادتها وممن كان له البلاء الحسن خالد بن الوليد وأبو عبيدة وخالد بن سعيد وعمرو بن العاص ويزيد ومعاوية ووالدهما أبو سفيان وحبيب بن مسلمة وعياض بن غنم وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وأبان بن سعيد والذين هم من غير قريش فذو الكلاع الحميري وشرحبيل ابن حسنة والقعقاع بن عمرو والسمط بن الأسود الكندي وعلقمة بن مجزز وعلقمة بن حكيم وعبادة بن الصامت ومالك بن الأشتر النخعي وأبو أيوب المالكي ومعاذ بن جبل وغيرهم وقد كان لهم حسن ترتيب للجيوش وإلمام بطرق البلاد وتفنن بأساليب الحرب وكان الخليفة وهو بالمدينة يصدر أوامره للأمراء كيف يسيرون وأي المسالك يسلكون وأي البلاد يقصدون كأنما ينظر إلى القطر على خريطة مصورة بين يديه.
стр. 772
جغرافية سوريا
يحد سوريا شمالاً ولاية أدنه -أي كيليكيا- من آسيا الصغرى وشرقاً الفرات والبادية وجنوباً جزء من بلاد العرب ويقال له تنبيه بني إسرائيل وغرباً البحر المتوسط وقد قام في هذا القطر حكومات كثيرة تعددت بتعدد الأقوام القاطنين فيه كالفينيقيين والحثيين والآشوريين والكنعانيين وغيرهم من الشعوب ثم رحل إليه بنو إسرائيل من مصر وزاحموا سكان البلاد وأخذوا قسماً عظيماً منه وغزاه كثير من الدول القديمة كدولة الفراعنة المصريين والماديين والفرس والرومانيين واليونانيين وعرب الإسلام ولم تثبت فيه قدم دولة من الدول الفاتحة كما ثبتت دولة الرومانيين ودولة الإسلام فقد كان ابتداء دولة الرومان من سنة ٦٥ قبل المسيح إلى سنة ٦٣٣ م حيث ابتدأ الفتح الإِسلامي في البلاد السورية وكانت نهايته سنة ٦٣٨ م أو سنة ١٧ هـ وفيها تقلص ظل الروم عن هذا القطر وكان على عهد الرومانيين مقسوماً إلى ثلاثة أقسام كبيرة وهي: فلسطين وتوابعها، وأنطاكية وتوابعها، ودمشق وتوابعها، وكان القسم الشمالي منه يسمى سورية والجنوبي يسمى فلسطين فأطلق عليه اسم سورية منذ تملكه الرومان ولما تملكه الإِسلام أطلقوا عليه اسم الشام وقسمه عمر إلى أربعة أقسام:
الأول: قسم الثغور وهي حمص وقنسرين وحلب وأنطاكية وقاعدته حمص.
والثاني: دمشق.
والثالث: الأردن وحاضرته طبرية.
والرابع: فلسطين، وهذا ينقسم إلى قسمين قسم حاضرته الرملة وقسم حاضرته إيليا -أي القدس-.
انتداب عمر ﵁ لفتح العراق وفارس
اعلم أن عمر أول عمل قام به أيضاً انتداب الناس لحرب الفرس وذلك أن المثنى بن حارثة ﵁ كان منذ وفوده على أبي بكر ﵁ في أول خلافته يهون عليه أمر الفرس حتى ولاه قتالهم ثم ولى خالداً فقاتل تحت رايته ثم لما سافر خالد إلى الشام وبقي المثنى أميراً على ما وقع فتحه من العراق دفعه الإقدام إلى أن يتوسع في الفتح ويرمي بسهم المسلمين مملكة الأكاسرة ويدوخ ذلك الملك العريض فوفد على أبي بكر ﵁ في حال مرضه ففاوضه في أمر الهجوم على فارس إلا أن أبا بكر ﵁ لم يسعه إجابة مطلبه لمرضه وأوصى عمر أن يندب الناس بعد توليته الخلافة مع المثنى، وفي صبيحة الليلة التي
стр. 773
دفن فيها أبو بكر قام عمر فانتدب الناس وأول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي انتدبه ﵁ أميراً على الجيش وخرج في أوائل جمادى الآخرة سنة ١٣ ومعه سعيد بن عبيد وسليط بن قيس والمثنى بن حارثة فتقدمهم للحيرة ووقع القتال بين المسلمين والعدو بالقمارق وكان النصر حليف المسلمين، ولما انهزم العدو أخذ في أثره إلى كسكر ثم إلى الحيرة ووقعت مقاتلة على جسر الفرات انهزم فيها المسلمون وقتل فيها أبو عبيد وسليط وجرح المثنى، ولما انتهى خبر الهزيمة إلى عمر ﵁ اشتد عليه الأمر، ثم إن المثنى جمع القبائل التي حوله وبعث عمر ﵁ البعوث وأمر عليهم أمراء كعرجفة بن هرثمة من زعماء العرب. أما الفرس فإنهم لما أحسوأ باجتماع العرب جمعوا كلمتهم بعد أن كانت في حال ارتباك وجمعوا جيشاً كثيفاً بالبويب أميره مهران ثم التحم القتال بين الفريقين واشتد الحال إلى أن آل الأمر إلى اضطراب جيش العدو وقتل مهران وتم ذلك بحسن قيادة البطل الجليل المثنى بن حارثة ومات من أعلام المسلمين في هاته الوقعة ناس منهم: خالد بن هلال ومسعود بن حارثة أخو المثنى، ولما فرغ المثنى من أمر البويب وتشتت أمور الفرس وعاد جرير بن عبد الله البجلي من غزاته فرق المثنى جنوده في السواد وأخذ يستخضع البلاد التي عصت من قبل وكانت له وقائع كثيرة مع العرب ظفر بها المسلمون ما شاؤوا من متاع ومال وبلغت غارتهم شرقاً قرب مدائن فارس وشمالاً إلى الجزيرة فأوقعوا الرعب في قلوب الأعداء حتى قام لذلك الفرس وقعدوا وأجمعوا على تأمير يزدجرد والتجهيز لحرب المسلمين، ولما بلغ المثنى ذلك كتب للخليفة بذلك ولما وصل إليه الخبر كتب إلى عماله على العرب والكور يستحثهم على الاستنفار ووافاه بعض القبائل إلى المدينة وبعض القبائل انضموا إلى المثنى ورأى من السداد أن لا يفوته أمر خاصة المسلمين وعامتهم فيمن يوليه أمر هذه الحرب فاستدار العامة فأشاروا عليه بالمسير بنفسه والخاصة فأشاروا عليه بتسليم القيادة لغيره وبقائه بالمدينة وبعد استشارتهم قام خطيباً فقال:
"أما بعد فإن الله جمع على الإِسلام أهله فألّف بين القلوب وجعلهم فيه إخوانًا والمسلمون فيما بينهم كالجسد لا يخلو منه شيء من شيء أصاب غيره وكذلك يحق على المسلمين أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم وبين ذوي الرأي منهم فالناس تبع لمن قام بهذا الأمر ما أجمعوا عليه ورضوا به لزم الناس وكانوا فيه تبعاً لهم ومَن قام بهذا الأمر تبع لأولي رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم. أيها الناس، إني كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي منكم عن الخروج فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلاً وقد أحضرت لهذا الأمر من قدمت ومن خلفت" اهـ. ويعني بمن خلف
стр. 774
علياً وطلحة لأنهما لم يحضرا الرأي الأول، ولما انتهى من خطبته أشار عليه طلحة وعلي بما أشار إليه العامة ونهاه العباس وعبد الرحمن بن عوف عن هذا الرأي وقال له الثاني: أقم وابعث جنداً فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك قبل وبعد فإنه إن يُهزم جيشك ليس كهزيمتك وإنك أن تقتل أو تهزم في آنف الأمر خشيت أن لا يكبر المسلمون وأن لا يشهدوا أن لا إله إلا الله أبداً اهـ. فأخذ ﵁ برأي عبد الرحمن ﵁ وأمر على الجند سعد بن أبي وقاص ﵁ عامله على هوازن ودعاه وأوصاه بوصية ثم خرج سعد ومعه أربعة آلاف من اليمن وغيرهم وفيهم من السراة وزعماء العرب عدد وافر منهم خميصة بن النعمان البارقي وشداد بن ضمضج الحضرمي وعمرو بن معدي كرب وشرحبيل بن السمط الكندي وأضرابهم من صناديد العرب وقادتها وخطب خطبة عند مشايعتهم وسار الجند حتى انضم إلى جند العراق الذين كانوا مع المثنى فكان عدد الجند الذي شاهد وقعة القادسية ثلاثين ألفاً وفي أثناء ذلك توفي المثنى بن حارثة الشيباني أمير جيش العراق من أثر انتقاض جراحة أصابته في وقعة الجسر المتقدم ذكرها وكان ﵁ على جانب عظيم من الشجاعة والإقدام والنظر البعيد في شؤون الحرب لا يدانيه إلا خالد بن الوليد، ولما تم لسعد الاستعداد انتشب القتال بينه وبين عدوه وانتهى بفل جموع الفرس وفتح القادسية وأقام فيها بعد الفتح شهرين وكتب للخليفة فيما يفعل فكتب إليه يأمره بالمسير إلى المدائن فسار إليها لأيام بقين من شوال سنة ١٥ أو سنة ١٦ وفتح في طريقه بابل ثم دخل المدائن وهي عاصمة الأكاسرة بعد حصار شهرين وهرب منها كسرى لحلوان فغنم المسلمون من ذخائر كسرى وأموال الفرس ما لا يعد وجعل سعد إيوان كسرى مسجداً. وموقع المدائن على دجلة من الجنوب الغربي من بغداد ولم يبقَ غربي دجلة إلا أرض العرب وكلهم آمنوا واغتبطوا بملك الإِسلام ثم أرسل جيشاً بقيادة ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى حلوان وفتحها بعد أن فر كسرى منها إلى الري وفي أثناء إقامة سعد بالمدائن وقع فتح تكريت والموصل ثم تحول للكوفة بعد أن اختطها بأمر من الخليفة وسنشرح الكلام على تكريت عند التعرض لفتح الجزيرة ثم وقع فتح الأهواز وسوس وتُسْتَر. والأهواز اسم ولاية واقعة بين ولاية البصرة وولاية فارس وكان بها الهرمزان وهو أحد البيوتات السبعة في أهل فارس وكن شهد القادسية مع الفرس فانهزم بهزيمتهم فجاء إلى الأهواء فتولى أمرها وكانت وقعت منه عهود أثناء وقائع تقدمت فنقضها ولما وقع فتح الأهواز طلب الهرمزان الأمان على أن ينزل من القلعة التي اعتصم بها على حكم أمير المؤمنين عمر ﵁ فنزل على حكم ذلك واقتسموا ما أفاء الله عليهم
стр. 775
فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف وقتل في وقعة الأهواز جمع من المسلمين فيهم البراء بن مالك ومجزاة بن ثور قتلهما الهرمزان بيده وسنذكر ما آل إليه أمر الهرمزان إن شاء الله بعد. ثم وقع فتح جندي سابور بعد أن حاصرها زرّ بن عبد الله بن كليب.
ثم إن عمر بن الخطاب ﵁ اهتم بفتح بقية ممالك الفرس فأعد لذلك العدة وقسم الجيوش والأمراء، فأمر أبا موسى الأشعري أن يسير من البصرة وبعث ألوية مع سهيل بن عدي فقدم بها، ودفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء سابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي، ولواء إصطخر إلى عثمان بن العاص الثقفي، ولواء نهاوند إلى سارية بن زنيم الكناني، ولواء كرمان إلى الحكم بن عمير التغلبي، وسارت هاته الجيوش كل جيش إلى وجهته بعد أن أمدهم بإمدادات. وفي غضون خمس سنين تم الفتح الأعظم من بلاد فارس الشرقية والغربية صلحاً وحرباً فبلغت ولاية أذربيجان شمالاً وسجستان من ولاية أفغانستان ومكران من ولاية السند شرقاً وبحراً الهند وخليج فارس جنوباً وكردستان والجزيرة غرباً، واختلف في فتح خراسان هل كان في خلافة عمر أو عثمان ﵄، وكانت وقعة نهاوند أعظم الوقائع وأحسن فتح وفيها من القواد العظام وزعماء العرب جماعة منهم حذيفة بن اليمان وأميرهم البطل الجليل النعمان بن مقرن المزني، وكان فتحها بعد حصار طويل، وممن قتل في هاته الوقعة طليحة الأسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، ودخل الجيش المدينة بعد هزيمة الفرس واحتووا على ما فيها وجمعوا الأسلاب إلى أمين المال السائب بن الأقرع وجاءهم الهربذ صاحب بيت النار مستأمناً ودلهم على ذخيرة لكسرى كانت عنده على شرط أن يعطوه الأمان على نفسه وعلى مَن شاء فأعطاه حذيفة بن اليمان فأخرج له تلك الذخيرة التي كان أعدها لنوائب الزمان، فأجمع رأي المسلمين على رفعها لعمر ﵁. ولما تم الفتح طلب الفرس الأمان وأجيبوا لذلك على شروط منها: إرشاد ابن السبيل وإصلاح الطرق، وقسم حذيفة الغنائم فكان سهم الفارس ستة آلاف وسهم الرجل ألفين ورفع ما بقي من الأخماس إلى السائب بن الأقرع وهو خرج بها إلى عمر ﵁ مع ذخيرة كسرى، وتقدم الرسول بخبر الفتح وهو طريف بن سهم أخو بني ربيعة وكان عمر ينتظر أخبار نهاوند فلما جاء وأخبره خبر الفتح واستشهاد النعمان ﵁ بكى حتى اخضلت لحيته وترحّم على النعمان وكان ﵁ رقيق القلب محباً للمسلمين حريصاً على حياة القواد ويحزن حزناً شديداً إذا أصيب أحد منهم، ثم وصل السائب بالأخماس فوضعت بالمسجد وأمر
стр. 776
عمر نفراً من أصحابه منهم عبد الرحمن بن عوف بالمبيت فيه ودخل منزله فاتبعه السائب بالسفطين وهي جوهر ثمين وأخبره خبرهما وأن الناس رضوا بأن يكونا له. فقال له عمر: يا مُليكة والله ما دروا هذا ولا أنت معهم فالنجاء النجاء عودك على بدئك حتى تأتي حذيفة فيقسمهما على من أفاءهما الله عليه. فأقبل راجعاً حتى انتهى إلى حذيفة فباعهما فأصاب أربعة آلاف ألف (أربعة ملايين) وذلك غاية في عفة عمر ﵁.
قلت: وأخلاقه ﵁ كأخلاق الأنبياء ﵈ الذين استهانوا بالدنيا ومتاعها وفي قصة الهرمزان الآتية قريباً ما يصدق ذلك، فإنه لما رأى عمر ﵁ ورأى ما رأى من أخلاقه قال: إن عمر ينبغي أن يكون نبياً. فقالوا: ليس بنبي ولكنه يعمل عمل الأنبياء. فقد بان لك من تلك المقالة أخلاق هذا الخليفة العظيم الذي دوّخ ملك فارس والروم وأرهبت سطوته الأمم وامتد ظل سلطانه إلى حدود الهند شرقاً وإفريقية الشمالية غرباً ومنحه الله هذا الملك العريض والسلطان ومع هذا فإنه لا يرضى لنفسه منزلة فوق منزلة الناس حتى من أدنى رعاياه وإن هذا لهو العدل الذي ليس فوقه عدل، فبمثل ذلك عظم قدره وشاع ذكره وملأ الأذهان خبره حتى عده المؤرخون من أعظم رجال الإِسلام وحتى أننا لنفخر به على ملوك الأرض ﵁ وأرضاه.
رجوع إلى خبر الهرمزان
تقدم أن الهرمزان نزل من القلعة التي تحصن بها بامان على حكم أمير المؤمنين وبعد نزوله أوفد أبو سبرة إلى المدينة وفداً فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس ومعهم الهرمزان فلما اقتربوا من المدينة ألبسوه حلته الملوكية وتاجه، ودخلوا به المدينة ليراه المسلمون على هاته الصفة وانطلقوا إلى المسجد يطلبون أمير المؤمنين فوجدوه نائماً في ميمنة المسجد متوسداً برنسه فجلسوا دونه وليس في المسجد غيره فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا. فقال: أين حرسه وحجابه؟ فقالوا: ليس له حارس ولا حاجب ولا ديوان، فقال: ينبغي أن يكون نبياً، فقالوا: يعمل عمل الأنبياء، وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالساً ثم نظر إلى الهرمزان فقال: الهرمزان؟ فقال: نعم، فتأمله وتأمل ما عليه وقال: الحمد لله الذي أذل بالإِسلام هذا، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدي نبيكم ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرّارة. هيه يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله. فقال: يا عمر، إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلّى بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم
стр. 777
يكن معنا ولا معكم فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا.
وحاصله أن استقلال الأمم وتفرقها تابع لاجتماع الكلمة وتفرقها.
فتح الجزيرة
وهي القسم الشمالي من الأرض الواقعة بين الفرات ودجلة والجنوبي منها هو العراق العربي وكلاهما كان من منازل العرب من بكر وربيعة ومضر وكان رحيل العرب لهذه البلاد من أزمنة متطاولة قيل إنها تمتد إلى ما بعد سيل العرم وقاعدة الجزيرة الموصل وكان فتحها وفتح تكريت على يد عبد الله بن المعتم وربعي بن الأفكل وكان بعثهما سعد بن أبي وقاص من العراق وقيل بل كان فتح الموصل على يد عياض بن غنم الفهري القرشي لما فتح الجزيرة سنة ١٨ وهو من أكبر الفاتحين وأبو عبيدة بن الجراح بن عمه وهو أمير الجيوش ولما توفي أبو عبيدة في طاعون عمواس في السنة ١٨ تولى عياض عمل أبي عبيدة وهو حمص وقنسرين وأضاف إليه عمر الجزيرة وأمره بفتحها ففتحها. ولحاصل أن فتحها قيل كان من قبل سعد وهو بالراق وقيل من قبل أبي عبيدة وبلغ عياض في الفتح بادية الشام غرباً وأرمينيا وكردستان شرقاً وتوفي سنة ٢٠. ولما تم الفتح صلحاً كتب لأهل الرها بذلك ونصه:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب عياض بن غنم لأسقف الرها أنكم إن فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدوا إلى على كل رجل ديناراً ومدي قمح فأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم ومن تبعكم وعليكم إرشاد الضال وإصلاح الجسور والطرق ونصيحة المسلم. شهد الله وكفى بالله شهيداً.
فتح مصر وبرقة
كان عمرو بن العاص ﵁ شديد التطلع إلى مصر راغباً فتحها لأنه جاءها مرة في الجاهلية ورأى من ثروة أهلها وسهولة أمرها ما أطمعه في فتحها فلما قدم الخليفة عمر ﵁ الجابية في سنة ١٨ اختلى به وفاتحه بما في نفسه وهوّن عليه أمر مصر ورغب إليه أن يوليه فتحها فتردد عمر ﵁ في الأمر لأن جيوشه متفرقة في الشام والجزيرة وفارس تكافح دولة الفرس والروم فما زال به عمرو حتى استرضاه وأذن له بقصدها وجهز معه أربعة آلاف فارس كلهم من عك وقال له سر وأنا مستخير الله في مسيرك ثم أمده بأربعة آلاف ثم بأربعة آلاف آخرين وكتب إليه إني قد أمددتك بأربعة آلاف رجل منهم رجال مقام الألف الزبير بن العوام
стр. 778
والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد وإن معك اثني عشر ألفًا ولا تغلب اثنا عشر ألفًا من قلة وكان القبط في مصر يكرهون سيادة الروم ويودون التخلص منها ولو بسيادة المسلمين فلما بلغ عمرو مصر وظفر بجنود الروم تواطأ على صلحه المقوقس مع قومه وصالحوه على شيء معلوم وبعد أن تم الصلح شخص عمرو بجنده إلى الإسكندرية وكان فيها جمع كثيف من الروم فحاصرها مدة طويلة ثم أخذها عنوة وكتب بالفتح إلى عمر واستقرت قدمه في البلاد فأخذ في تنظيم شؤونها وترتيب خراجها وتقرير أسباب الراحة والأمان بين أهلها وما زال والياً عليها حتى عزله عثمان بن عفان ﵁ وستأتي ترجمة هذا الفاتح العظيم.
وزبدة القول في هذا الفتح أن المقوقس لما أحس بالغلبة فرّ بجنده من حصنه بعد حصار شديد إلى منف وبعث لعمرو كتاباً طالباً فيه توجيه رجال ليكون الاتفاق على يدهم فأرسل عمرو كتاباً مع عشرة نفر رئيسهم عبادة بن الصامت وكان هائل المنظر أسود اللون طوله عشرة أشبار فتقدم إليه عبادة في صدر أصحابه فهابه المقوقس وطلب تقديم غيره فأجابوا أن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً وهو سيدنا وخيرنا ونرجع جميعاً إلى قوله ورأيه وقد أمر الأمير أن لا نخالف له فقال المقوقس لعبادة تقدم وتكلم برفق فألقى عبادة خطبة أتى فيها على المراد بأفصح عبارة وألطف إشارة ولما انتهى كلامه قال المقوقس لمن حوله بلغتهم ما سمعت مثل كلام هذا الرجل قط لقد هبت منظره وإن قوله لأهيب. ثم قال له عبادة: بيننا وبينك خصلة من ثلاث خصال فاختر أيها شئت ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير وبها أمره أمير المؤمنين وهو عهد رسول الله من قبل إلينا: أما الإسلام الذي هو الدين القيم الذي لا يقبل الله غيره وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمر الله أن نقاتل من غالبه ورغب عنه حتى يدخل فيه فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا وكان أخانا في دين الله فإن قبلت أنت وأصحابك فقد سعدتم في الدنيا والآخرة ورجعنا عن قتالكم ولم نستحل أذاكم ولا التعرض لكم وإن أبيتم إلا الجزية فأدوها إلينا وأن نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدًا ما بقينا وبقيتم وأن نقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا وكان لكم به عهد علينا وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت عن آخرنا أو نصيب ما نريد منكم هذا ديننا ولا يجوز لنا غيره فانظروا لأنفسكم. وبعد محاورات دارت في النازلة تركنا ذكرها اختصاراً، قال المقوقس: أعلم أميرك أني لا أزال حريصاً على إجابتكم إلى خصلة من تلك الخصال وإني أريد أن نجتمع به مع جماعة من أصحابي فإن استقام الأمر بيننا تمّ
стр. 779
وإلا رجعنا إلى ما كنا عليه. ثم اجتمع عمرو بالمقوقس وكتبوا الصلح بأن يعطوا الأمان للمصريين وهم يدفعون الجزية. ولما استتب لعمرو الأمر بمصر صار إلى برقة وتسمى قديماً أنطابلس وهي واقعة بين مصر وطرابلس الغرب ومن فرضها الشهيرة بنغازي فصالحه أهلها على الجزية وصار إلى طرابلس الغرب ففتحها وكتب إلى الخليفة عمر ﵁: أما بعد، إنا قد بلغنا طرابلس وبينها وبين إفريقية تسعة أيام فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في غزوها فعل. فنهاه عمر وولى على برقة عقبة بن نافع الفهري. هاته خلاصة أخبار هذا الفتح في خلافة عمر ﵁.
تنبيه: اعلم أن العرب أمة حربية قل أن يماثلها في ذلك العصر شعب من الشعوب في الشجاعة والإقدام والتعود على أساليب القتال لدأب أفرادها منذ نعومة الأظفار على الفروسية وتعلم فنون الحرب وائتلافهم للقتال وحبهم للغارة التي تقتضيها حالهم الاجتماعية وعوائدهم البدوية إلا أنه كانت تنقصهم الجامعة والعدة أي آلات الحرب فكانوا مع كونهم أمة واحدة من جنس واحد قبائل متفرقة الأهواء والمنازع يقاتل بعضهم بعضاً ويثب بعضهم على بعض ولم يكن عندهم من آلات الحرب والقتال وأنواع السلاح إلا الرمح والسيف والدرع والسهم ولم يكن لعامتهم حظ بالجيد من أنواع هذا السلاح لفقرهم وربما كان أجودهم سلاحاً أهل اليمن لخصب أرضهم وتقدم بلادهم في الحضارة وعراقتهم في الملك من عصور التبابعة ولذلك كان الفرس في واقعة القادسية يشبهون سهام العرب بالمغازل لدقتها وسذاجة صنعها، ولما جاء الإسلام جمع هذه الأمة على كلمته وضم قبائلها إلى رايته فلم يلبثوا أن دبّ فيهم روح الاجتماع وشعروا بالحاجة إلى الطاعة والانقياد والتكاتف والاتحاد وكان من ذلك أن خضدوا شوكة الدولتين فارس والروم لما دفعهم أبو بكر وعمر إلى قتال الأمم وفتح الممالك وأظهروا في قتال جنود الدولتين من التفنن في أساليب الحرب والتعود على الطعن والضرب ما رأيت فيما تقدم مما جعل النصر حليفهم والقوة رائدهم في كل مكان.
فمن ذلك أنهم كانوا لا يقتحمون جنداً ولا يمعنون في داخل البلاد ما لم يجعلوا وراءهم ردءاً أي مدداً يحمي ظهورهم ويؤمن طريق الرجعة ولا يمكن العدو من أن يقطع على موادهم.
ومنها أنهم كانوا لا يحاصرون مدينة ما لم يقطعوا عنها طرق المواصلة مع جيش العدو.
стр. 780
ومنها أنهم كانوا يبدأون العدو بالقتال في أطراف بلاده التي تلي البادية حتى إذا أصابتهم هزيمة تكون جزيرة العرب من ورائهم فلا يسع جيش العدو تتبع أثرهم واقتحام صحارى بلادهم.
ومنها براعتهم في إقامة خطوط الدفاع على طول البلاد إذا أراد مهاجمتها العدو.
ومنها اليقظة الدائمة لحركات العدو والاستعداد لصد غاراته.
ومنها توهينهم قوة العدو بإشغال جيوشه بالحرب عن أن يمد بعضها بعضاً عند
الحاجة.
هذا وأشباهه من مكائد الحرب التي مرّ ذكرها في غضون أخبار الفتح كما تدل على براعة القواد المسلمين يومئذ، وتفوقهم في أساليب الحرب وأصول القيادة على قواد جيوش الروم والفرس لا سيما الخليفة عمر ﵁ الذي كان مع بعده عن مواقف القتال يصدر أوامره إلى القواد في الأعمال الحربية وكيفية الهجوم والدفاع على وجه يدل على أنه من أعاظم قواد الجيوش في العالم، هذا فضلاً عما كان يوصي به القواد من الرفق وحسن المعاملة مع المغلوبين وعدم التسلط بالإيذاء عليهم وبدوام اليقظة والسهر والرفق بجيوش المسلمين وعدم إلقائهم في المهالك والترتيب في الحرب والتبصر في أمور القتال إلى غير ذلك.
وأما تعبية العرب للجيوش في إبان الفتح الذي مر ذكره في هذا الكتاب فقد بلغ الغاية في الترتيب وحسن النظام والانتظام، ولنذكر لك كيفية تعبيتهم للجيوش في وقائعهم الشهيرة وهي وقعة اليرموك ووقعة القادسية ومنهما تظهر لك مرتبتهم في فنون الحرب ومكانهم من البصيرة في تعبئة الجيوش التي تشبهها من كل الوجوه تعبئة الجيوش في هذا العصر كالطلائع والمجردات (الكشاف) والميمنة والميسرة (الجناحين) والقلب والساقة والردء والمدد والرجل (المشاة) والركبان (الفرسان) وكان الغالب على العرب قبل الإسلام حب المبارزة والمهاجمة عند الالتقاء مع العدو وصاروا في الإسلام يفضلون الزحف صفوفاً (كراديس) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ وكان الأمراء والقواد يتفاوتون في المراتب فمنهم الأمير العام (المشير الآن) ويليه خليفته (الفريق الآن) ويليهما أمراء التعبئة كأمير الميمنة والميسرة والقلب وغيره (وهم الألوية الآن) ويليهم خلفاؤهم (الأمير الآيات الآن) ويليهم أمراء الكراديس (الصفوف) ويليهم العرفاء وأمراء الأعشار (الجاويش والنقباء) ولعلهم رؤساء المائة. وفضلاً عن هذا
стр. 781
فقد كان يكون مع الجيش الرائد يرتاد المواضع الموافقة لنزول الجيش والقاضي وأمير الأقباض الذي ينتهي إليه حفظ الغنائم وقسمة الفيء والترجمان والكاتب والأطباء لمداواة الجرحى.
روى الطبري في تاريخه أن خالد بن الوليد عبى جيش المسلمين يوم اليرموك تعبئة لم تعب العرب مثلها فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة وجحل الميمنة كراديس وجعل عليها عمرو بن العاص وفيها شرحبيل ابن حسنة وجعل الميسرة كراديس وجعل عليها يزيد بن أبي سفيان وجعل على كل كردوس من هذه الكراديس قائداً فجعل القعقاع عمرو على كردوس من كراديس أهل العراق ومذعوراً بن عدي على كردوس وجعل غير هذين بضعة وثلاثين قائداً كل قائد على كردوس منهم عياض بن غنم القرشي وحبيب بن مسلمة القرشي وسهيل بن عمرو القرشي وعكرمة بن أبي جهل القرشي في عدة مثلهم من قريش، وأما من كان من غير قريش فمنهم ذو الكلاع الحميري والسمط بن الأسود الكندي وضرار بن الأزور الأسدي وأضرابهم من صناديد العرب وكان القاضي أبو الدرداء وابن مسعود على الاقباض وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس ويحرض المسلمين على القتال. هكذا كانت تعبئة جيش اليرموك.
وأما القادسية فكانت أحسن من ذلك وأرقى نظاماً وترتيباً فقد ذكر الطبري أن سعد بن أبي وقاص قدر الناس وعبأهم كما أمره عمر ﵁ فأمّر أمراء الأجناد وعرّف العرفاء على كل عشرة رجلاً كما كانت العرافات أزمان النبي ﷺ . قال الطبري: وكذلك كانت إلى أن فرض العطاء وأمر على الرايات رجالاً من أهل السابقة وعشر الناس وأمر على الأعشار رجالاً من الناس لهم وسائل في الإِسلام وولى الحرب رجالاً فولى على مقدماتها ومجنباتها وساقتها ومجرداتها وطلائعها ورجلها وركبانها فلم يفصل (أي من شراف) إلا بتعبئة فأما أمراء التعبئة فاستعمل زهرة بن عبد الله بن قتادة الحوية من ملوك هجر فقدمه ففصل بالمقدمات من شراف حتى انتهى إلى العذيب واستعمل على الميمنة عبد الله بن المعتم واستعمل على الميسرة شرحبيل بن السمط الكندي وكان غلاماً شاباً وكان قاتل أهل الردة فعرف ذلك له وجعل خليفته خالد بن عُرْفُطة وجعل عاصم بن عامر التميمي على الساقة وسواد بن مالك التميمي على الطلائع وسلمان بن ربيعة الباهلي على المجردة وعلى الرجل حمال بن مالك الأسدي وعلى الركبان عبد الله بن ذي السهمين الخثعمي فكان أمراء التعبئة يلون الأمير - أي بعده في المرتبة - والذين يلون أمراء التعبئة أمراء الأعشار والذين يلون أمراء الأعشار أصحاب الرايات والذين يلون أصحاب الرايات
стр. 782
والقواد رؤوس القبائل. قال الطبري. وبعث عمر ﵁ الأطباء وجعل على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النور وجعل إليه الاقباض وقسمة الفيء وجعل داعيتهم ورائدهم سلمان الفارسي والترجمان هلال الهجري والكاتب زياد بن أبي سفيان.
وبالجملة فإن تعبئة الجيش على عهد عمر ﵁ كانت وافية بالغرض من كل الوجوه وصرف العناية في كل ما يعود بالقوة والعز على المسلمين، ويرفع شأن الخلافة ويضاف إليه براعة القواد المسلمين وتفوقهم في أساليب الحرب واعتقاد المسلمين بالنعيم الأخروي الذي كان يحبب إليهم الموت في ميادين الحرب ونيل الشهادة بين صفوف الأعداء وصبرهم على المكاره وتحملهم لشظف العيش، ورضاهم بالكفاف من القوت، واستخفافهم بجنود الأعداء قلوا أو كثروا واعتقادهم بالحصول على النصر الذي وعدهم الله به إذا نصروا الحق وعدلوا بين الناس.
وهذا من أهم الأسباب التي رجحت جانب المسلمين على جانب الأعداء، ومهدت طرق الغلبة بجيوش من العرب والذي وفر هذه الأسباب إنما هو اجتماع العرب بعد التفرق واتحادهم على كلمة الإِسلام بعد التخاذل والانقسام.
أولياته - فمنها كتابة التاريخ الهجري
لم يكن للعرب قبل الإِسلام تاريخ يؤرخون به إلا الحوادث الشهيرة عندهم فإنها كانت بمثابة التاريخ فكانوا يقولون حدث ذلك في عام الفيل مثلاً وولد فلان بعد عام الفجار بكذا وهلم جراً واستمر ذلك في الإِسلام إلى مضي سنتين ونصف من خلافة عمر ﵁ فرأى لزوم وضع التاريخ لضبط الحوادث حيث انتشر الإِسلام وكثر الفتح ومست الحاجة لضبط الشؤون والأعمال في الحكومة الإِسلامية، فجمع الصحابة واستشارهم في ذلك وسألهم من أي يوم نكتب التاريخ؟ فأشار عليه علي ﵁ بأن يجعل التاريخ من السنة التي هاجر فيها رسول الله ﷺ إلى المدينة ففعل.
ومنها: تدوين الدواوين وفرض العطاء
من البديهي أن حاجات الدولة تترقى بترقي العمران وامتداد السلطان وقد كانت دولة الإِسلام في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر في مبادئ الظهور وعدم اتساع السلطان ولم يكن لها من الدخل والخرج إلا الصدقة التي كانت تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء، وأما المغانم والفيء فكانت قليلة لم تحوج أخماسها
стр. 783
التي يبعث بها إلى المدينة إلى صرت العناية في ترتيب الشؤون الإدارية على أصول الدول المترقية يومئذ كفارس والروم. وإنما كانت العناية منصرفة إلى الشؤون الحربية والفنون العسكرية، ولما توسع المسلمون في الفتح انتشروا في الممالك وكثرت موارد الدولة وتبسطت في مناحي العمران وأخذ يزداد الفيء من الخراج والجزية زيادة لا طاقة للخليفة وأمرائه بضبطها, ولا قبل لهم بإحصاء مستحقيها، وتوزيع الأعطيات (المرتبات) على أربابها بالعدل إلا بضبطها وترتيبها على أصول ثابتة وقيدها في قيود خاصة. دعا عمر ﵁ الصحابة واستشارهم في تدوين الديوان، وحيث كانت النتيجة الموافقة على رأيه دعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من نبهاء قريش فأمرهم بتدوين الديوان ففعلوا. والديوان هو الدفتر أو مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية كما في القاموس، وتوسعوا بمسماه فأطلقوه على كل دفاتر الحكومة الإدارية وغيرها ثم على المكان الذي يكون فيه الديوان فسموه ديواناً.
ومنها ترتيب العمال وتقسيم الولايات، ومنها اتخاذ دار الدقيق يعين به المنقطع، ومنها توسعة المسجد النبوي، ومنها ضرب النقود. كان العرب قبل الإِسلام تتعامل بالنقود الفارسية والرومية من الدراهم واستمر ذلك إلى صدر من خلافة عمر فلما كانت سنة ١٥ هجرية ضرب عمر الدراهم على نقش الكسروية وشكلها، غير أنه زاد في بعضها الحمد لله. وفي بعضها محمد رسول الله وجعلها كل عشرة دراهم بزنة سبعة مثاقيل ذكر ذلك المقريزي في النقود الإِسلامية، ولم يضرب ﵁ الدينار وضربُه إنما كان على عهد عبد الملك بن مروان. ومنها اتخاذ بيت المال، ومنها قيام شهر رمضان، ومنها العقاب على الهجاء، ومنها الجلد في الخمر ثمانين، ومنها وضع البريد وهو اسم للمسافة التي بين كل محطة من محطات البريد وهي أربعة فراسخ أو اثنا عشر ميلاً ثم أطلق على حامل الرسائل وتوسعوا فيه الآن فأطلقوه على أكياس البريد وأصله من وضع الفرس في القرن الخامس قبل الميلاد ثم استعمله الرومان وغيرهم من الأمم ثم استعمل في الإِسلام وأول من استعمله عمر ﵁، ثم إن معاوية بن أبي سفيان رتبه على أصول مرعوفة ووضع له الخيل وأقام له المحطات، ومنها جمع الناس في صلاة الجنائز، ومنها تمصير الأمصار، ومنها التسمية بأمير المؤمنين، ومنها إقامة الجسور والطرق وحفر الترع وإرشاد الضال. في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له" أي رضي فعله وقبله منه وأثنى عليه. وفي صحيح مسلم
стр. 784
عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا نبي الله علمني شيئاً أنتفع به، قال: "اعزل الأذى عن طريق المسلمين" الأبيّ: عزل الأذى عن الطريق من شعب الإيمان, ويلحق بالشوك كل مؤذ من حجر يعثر به أو جيفة أو قذر أو غير ذلك ويدخل فيه كل من أدخل نفعاً على المسلمين أو أزال عنهم ضرراً لأن ذلك من النصيحة الواجبة للمسلمين بعضهم على بعض التي بايع النبي ﷺ -أصحابه على النصح لكل مسلم في حضرته وغيبته فيما يرجع لدينه ودنياه اهـ ومنها إقامته والياً للحسبة ومنها استقضاء القضاة في الأمصار.
قضاؤه
كان ﵁ يتولى القضاء بنفسه وينيب غيره لما هو معروف من أن القضاء في الإِسلام وظيفة من وظائف الإِمام له أن يتولاها بنفسه وأن ينيب بها عند الحاجة غيره؛ وكان تحريه للعدالة في انتخاب القضاة كتحريه في انتخاب الولاة لا يراعي في كليهما إلا الأهلية والاستعداد والتقوى والعدل ويعلم أن إثم الظالم إذا ظلم على موليه، فقد أخرج ابن الجوزي في المناقب عن عبد الملك بن عمير قال: قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: من استعمل رجلاً لمودة أو لقرابة لا يستعمله إلا لذلك فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.
وكما كان يتحرى في انتقاء العمال والقضاة التقوى والعدالة يتحرى العلم والمعرفة والذكاء وكان لا يحب تعجيل الفصل في الخصومة رجاء أن يصطلح الخصمان وتمحى آثار الضغائن من النفوس. ففي كنز العمال عنه ﵁ أنه قال: رددوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل الخصومة يورث الضغائن بين الناس.
كتابه في القضاء إلى أبي موسى الأشعري
اعلم أن الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا. فصاحب الشرع يتصرف في الأمرين: أما في الدين فبمقتضى التكاليف الشرعية التي هو مأمور بتبليغها وحمل الناس عليها؛ وأما في سياسة الدنيا فبمقتضى رعايته لمصالحهم في العمران البشرى وهو ضروري للبشر وأن رعايته مصالحه كذلك لئلا يفسد إن أهملت. وتصرفه الديني يختص بخطط ومراتب لا تعرف إلا للخلفاء الإِسلاميين، منها: الصلاة والقضاء والجهاد والحسبة. وأول خليفة دفع القضاء لغيره وفوضه فيه عمر ﵁ فولى أبا الدرداء معه بالمدينة وولى شريحاً بالبصرة وكبت إليه كتاباً تركنا إيراده هنا اختصاراً وولى أبا موسى الأشعري بالكوفة وكتب له الكتاب المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاء ونصه:
стр. 785
أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلى إليك، وانفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وسوّ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس وراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه إلى الحق فإن الحق قائم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم عند ما يتلجلج في صدرك ما ليس في كتاب ولا سنة اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور عند ذلك ثم اعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى، واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينة أمداً ينتهي إليه فإن أحضر بينته أخذت له بحقه وإلا وجهت عليه القضاء فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى وأبلغ للعذر، المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور أو ظنيناً في ولاء أو قرابة فإن الله سبحانه قد تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالشبهات، وإياك القلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن بها الذخر فإنه مَن يخلص نيته فيما بينه وبين الله تعالى ولو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس ومَن تزين للناس بما يعلم الله خلافه هتك الله ستره وأبدى فعله. اهـ بعد التحري.
وقد نقل هذا الكتاب غير واحد منهم ابن خلدون والتسولي والبيان والتبيين.
وله ﵁ كتب كثيرة بارعة وخطب عزيزة غزيرة نافعة تركنا ذكرها اختصاراً.
إلى هنا انتهى ما أردت إيراده من أخبار عمر ﵁. ومنها تعلم كيف كان هذا الرجل العظيم والشهم الهمام الفخيم فيتمثل لك في صورة من النور وجسم من الفضيلة والكمال وعلم من أعلام الرجال الذين تفتخر بحياتهم الأمم ويقتدي بسيرتهم أرباب الهمم، فالجد والصبر والثبات والجلد والقوة والعدل والتقوى والتواضع والرفق والحلم والبصيرة والرأي كلها أخلاق قلّ أن تجتمع في عدد عديد من الرجال وقد اجتمعت في عمر بن الخطاب وكل أخلاقه تكاد تكون فطرية لا يظهر عليها شيء من التصنع والتكلف وأخباره كثيرة لا يمكن استقصاؤها.
وكانت فيه خلال ﵁ جعلت الأمة تحبه فقد عرفوا منه قبل كل شيء أنه فنى في مصلحة أمته لا يهمه في أمر نفسه شيء إلا أن يكون مع الله في جميع أمره لا يرى لنفسه حقاً أن يتمتع في هذه الدنيا بأكثر مما يتمتع به أفقر رجل من
стр. 786
أمته، تجد ذلك في مأكله وملبسه ومشربه، ثم عرفوا منه أنه للعامة قبل الخاصة يكل هؤلاء إلى ما لهم من الحول والحيلة في الحياة الدنيا ويقبل على عامة الناس وضعفتهم فيقويهم ويسودهم وينظر في صغار أمورهم وكبارها, لا يبالي بما يصيبه من تعب الجسم فيما هو بسببه، لذلك كانت قوة الأمة معه، وعرفوا منه أيضاً خلالاً أدّبه فيها القرآن وهي: الحق والعدل والصدق والصبر على البأساء والضراء والوفاء بالعهد وهي صفات تحلّى بها عمر ﵁ فأتعب من بعده، وكان من أخص صفاته الجد المصحوب بالحزم مع التأني في الأمور والاستشارة في جليلها وصغيرها, لهذا من تتبع سيرته لا يراه فشل في أمر من الأمور، من ذلك الفتح العظيم الذي كان على عهده الذي توفق إليه صاحبه من أول عهده بالخلافة إلى وفاته. وسبب هذا التوفيق هو الجد والحزم وعدم التردد في الأمر وتمحيص الأشياء، شأن كل رجل عظيم يريد ما يقول وينال ما يريد، ولو بحثنا في التواريخ القديمة والحديثة لوجدنا في كل أمة رجلاً أو رجالاً من رجال السياسة والحرب تفتخر بهم لكن ليس من هؤلاء الرجال من اجتمعت فيهم الخصال السامية والأخلاق الحميدة التي اجتمعت في عمر ﵁.
نعم إن من مشهوري الرجال رجالاً أسسوا ملكاً عظيماً أوسع من ملك عمر وافتتحوا من الممالك ما لم يفتحه ونالوا من السيادة على الشعوب الكثير فوق ما نال، لكن هل كان منهم مَن كان كعمر جباراً غير ظالم كريماً غير مسرف عادلاً لا عن ضعف شجاعاً غير متهور قنوعاً غير شره زاهداً بغير تصنع حليماً من غير جبن تقياً غير متنطع؟ كلا لا سيما إذا نشأ بين قوم كقومه حالهم من البداوة معروف. والحاصل أن التاريخ حكم عدل وقد جاء تاريخ عمر حافلاً بالخصال الحميدة والأمور الجسام التي جعلته سابقاً على كل من أتى بعده وجعلت كبار أصحاب رسول الله ﷺ يشعرون بأن الإِسلام فقد بفقده أثبت أركانه.
وفاته ﵁
استشهد ﵁ من طعنة بخنجر من أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وقت صلاة الغداة روى المؤرخون أنه شكا إلى عمر ارتفاع الخراج الذي ضربه عليه مولاه المغيرة ورجاه في تخفيفه واختلف المؤرخون في جواب عمر ﵁ فقال بعضهم إنه وعده خيراً وعزم أن يذاكر المغيرة في تخفيف الخراج عنه. وهناك روايات أخرى تختلف في جوهرها عن هذه، ويؤخذ من أقوال المؤرخين أن قتل عمر لم يكن نتيجة حقد الغلام عليه وعدم تخفيف الخراج عليه ولكنه كان نتيجة
стр. 787
مؤامرة سياسية كان أكبر العاملين فيها الهرمزان وجفينة وكعب الأحبار الذين حقدوا على عمر تدويخه لبلادهم مما هو مفصل في التاريخ وقد اصطنعوا أبا لؤلؤة لتنفيذ غرضهم.
في العقد الفريد عن ابن عباس ﵄ قال: دخلت على عمر في أيام طعنته وهو مضطجع على وسادة من أدم وعنده جماعة من أصحاب النبي ﷺ فقال له رجل: ليس عليك بأس، قال: لئن لم يكن على اليوم ليكونن بعد اليوم، وإن للحياة نصيباً من القلب وإن للموت لكربة وقد كنت أحب أن أنجي نفسي وأنجو منكم وما كنت من أمركم إلا كالغريق يرى الحياة فيرجوها ويخشى أن يموت دونها فهو يركض بيديه ورجليه وأشد من الغريق الذي يرى الجنة والنار وهو مشغول ولقد تركت زهرتكم كما هي ما لبستها فأخلقتها وثمرتكم يانعة في أكمامها ما أكلتها وما جنيت ما جنيت إلا لكم وما تركت ورائي درهماً ما عدا ثلاثين أو أربعين درهماً ثم بكى وبكى الناس معه فقلت: أمير المؤمنين أبشر فوالله لقد مات رسول الله ﷺ وهو عنك راض ومات أبو بكر وهو عنك راض وإن المسلمين راضون عنك، قال ﵁: المغرور والله مَن غررتموه أما والله لو أن لي ما بين المشرق والمغرب لافتديت به من هول المطمع.
وفيه عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما طعن عمر قيل له: أمير المؤمنين لو استخلف قال إن تركتكم فقد ترككم من هو خير مني وان استخلفت فقد استخلف عليكم من هو خير مني ولو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً لاستخلفته فإن سألني ربي أقلت سمعت نبيك يقول إنه أمين هذه الأمة ولو كان سالم مولى حذيفة حياً لاستخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول إن سالماً يحب الله حباً لو لم يخفه ما عصاه قيل له لو أنك عهدت إلى عبد الله فإنه أهل في دينه وفضله وقديم إسلامه قال: فحسب آل الخطاب أن يحاسب منهم رجل واحد عن أمة محمد ولوددت أني نجوت من هذا الأمر كفافاً لا لي ولا علي ثم قالوا: يا أمير المؤمنين لو عهدت فقال: كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أولي رجلاً أمركم أرجو أن يحملكم على الحق وأشار إلى علي بن أبي طالب ثم رأيت أن لا أتحملها حياً ولا ميتاً فعليكم بهؤلاء الرهط الذين قال فيهم النبي ﷺ أنهم من أهل الجنة وذكر السبعة واستثنى من الشورى سعيد بن زيد وقال عن الستة فليختاروا منهم رجلاً فإذا ولوكم والياً فأحسنوا مؤازرته - أي معاونته -.
стр. 788
وروي أنه لما ثقل قال لابنه عبد الله: ضع خدي على الأرض، فوضعه على الأرض فجعل يقول: ويلي وويل أمي أن لا يغفر لي ربي، ثم مات، ولما توفي صلي عليه في المسجد وحمل على سرير رسول الله ﷺ ودفن بجنب أبي بكر وغسله ابنه عبد الرحمن وصلّى عليه صهيب وكان تقدم قبل ذلك علي وعثمان للصلاة عليه فقال عبد الرحمن: لا إله إلا الله ما أحرصكما على الإمرة أما علمتما أن أمير المؤمنين قال: ليصلِّ بالناس صهيب.
وفي أسد الغابة روى أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد قال: طعن عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ٢٣ ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة ٢٤ وكانت خلافته عشر سنين وخمسة أشهر وواحداً وعشرين يوماً وقال غيره: هذا وهم، توفي لأربع ليال بقيت من ذي الحجة وبويع عثمان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة وكانت ولادته بمكة سنة ٣٧ قبل الهجرة.
وصيته لمن يخلفه
أخرج ابن الجوزي وغيره من الحفاظ والمحدثين عن ابن عمر أنه قال: دفع إليّ عمر كتاباً فقال: إذا اجتمع الناس على رجل فادفع إليه هذا الكتاب واقرأه مني السلام فإذا فيه أوصى الخليفة من بعدي بتقوى الله وأوصيه بالمهاجرين الأولين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أن يعرف حقهم ويحفظ لهم كرامتهم وأوصيه بالأنصار خيراً ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وأن يشركوا في الأمر وأوصيه بذمة الله وذمة محمد ﷺ "وهم أهل الذمة" أن يوفي بعهدهم ولا يكلفوا فوق طاقتهم يقاتل من وراءهم "أي يحميهم" اهـ.
هكذا كانت حياة هذا الرجل العظيم الطاهر السريرة الذي فتح الممالك ورفع منار الإِسلام وبسط العدل وبثّ روح الجد والنشاط في العرب وأسس لهم ذلك الملك العريض وفلّ بهم جيوش فارس والروم ورباهم على العفاف وكف يد الظلم واحترام العهود والوفاء بالذمة كما أمر به الإِسلام وقررته شريعة محمد ﵊ سعدت بحياته الرعية ودخل الأمم في طور جديد من الحرية والعدل والأمن والراحة وبلغ به الحرص على ذلك البذار الطيب الذي بذره في المسلمين الذي يدل على الهمة العالية والشيم الطاهرة والأخلاق البارة التي اكتسبها من النبي ﵊ فكان خير قدوة للمسلمين وذكرى الفخر الخالد لهم بين الناس أجمعين.
стр. 789
الحالة الاجتماعية على عهده
كانت الحالة الاجتماعية على عهد عمر غيرها على عهد أبي بكر ﵄ إذ توطد على عهد الثاني للمسلمين الملك وشيدت دعائم الدولة وصارت تلك الأمة العربية المشهورة بالانقسام والتفرق والجهل بأمور الدولة والانغماس في الجهالة وسذاجة الفطرة سائسة ملك وربة سطوة ومجد ومقننة قانون وصاحبة دين جعلها أمة تذكر في التاريخ بأنها أعظم الأمم وكانت تلك الحياة العربية والجامعة الملية مع أنها بادية الظهور تنمو بسرعة وتؤذن بانقلاب عظيم يحدث في أنحاء العالم وتهتز له أركان الدول العظمى يومئذ حيث اندفعت هذه الأمة بقوة الجامعة الإِسلامية والاتحاد القومي على أطراف الممالك المجاورة لها وهي فارس والروم على نحو ما تقدم ذكره.
ثم خالط العرب تلك الأمم ودال إليهم ذلك الملك العريض ورأوا أبهة الحضارة واستشعروا بلزوم الحالة المدنية للأمم الغالبة وليس لديهم من ذلك إلا الاستعداد الفطري لقبول الخير والشر والشرع الإلهي الذي دعاهم إلى الخروج من ظلمات البداوة فأخذوا بحكم الضرورة يقلدون مجاوريهم في العادات وبدأوا يبارزونهم في مضمار الحياة وكان مطمح نظرهم وأول عملهم بالطبع تقليد مجاوريهم في الأمور الحربية واستعمال آلات القتال الفارسية والرومية ليقابلوا القوة بمثلها ويعدوا لهذه الفتوح عدتها ثم تطرقوا من ذلك إلى الأمور السياسية والإدارية فوضع الخليفة التاريخ ودوّن الدواوين ثم أقبل على ترتيب الولايات وتقسيم الأعمال وانتقاء العمال ثم فرض الأعطيات وقرر مصروف الفيء في غير سرف ولا تقتير ونشر جناح الأمن وأقام ميزان العدل وقرر أصول الجباية بلا إجحاف في حقوق الرعية ولا غبن للدولة فعمّ الرخاء وبدت مظاهر العمران تتجلى في أنحاء المملكة وانهال الغنى والثروة على الفاتحين وخطوا خطى خفيفة إلى ميدان الراحة والنعيم مع الأخذ على الشكائم والتخوشن في المأكل والملبس والتوسط في العيش والقصد في الإنفاق والإمساك عن البذل خوف الأخذ على أيديهم من عمر ﵁ كما أخذ على يد خالد بن الوليد إذ وصل بعشرة آلاف من الدراهم شريفاً من أشراف العرب هذا من وجه ومن وجه آخر فإن عمر ﵁ لم يدع للعرب بعد إذ دفع بهم في غمار الحضارة وقذف بهم في مضمار الحروب وقتاً للإخلاد إلى الراحة والإيواء إلى ظل التنعم والسكون تحت كنف الأمصار بل شغلهم عن ذلك بالفتح وألهاهم بادخار الغنائم عن التمتع بها ريثما يأمن غائلة الأمم المغلوبة وله بهذا مآرب أخرى وهي
стр. 790
إشغال العرب بالحرب وزجهم في مضمار الفتح ليأنسوا بأصول الاجتماع والحضارة وتتبدل أخلاقهم الجافية وتزول من نفوسهم أسباب التنافر والانتماء إلى العصبية الداعية إلى الشقاق والفرقة.
بسط المسلمون على عهده يد السلطة على الشرق واستفتحوا أغلاق الكنوز وملكوا ما ملكوا من البلاد ومع هذا فلم تأخذهم الدنيا بزخارفها ولم يغرهم الغنى والسلطان بالنعيم ولم يبطرهم المال ولم تخط بهم الحضارة إلا خطى قليلة إلى الأمام فكانوا وسطاً في المعيشة في كل الأمور لأن عمر ﵁ يريدهم على البطء في السير في طريق الترقي ويحملهم على التوسط في العيش فلا يمنعهم منعاً ولا يدفعهم دفعاً اللهم إلا الأمراء والعمال فإنه كان يحملهم على طريقته في التقشف وشظف العيش. وبالجملة فإن الحالة الاجتماعية على عهد عمر ﵁ على حداثة عهد أهلها في تسنم ذرى الارتقاء تمثلها سيرته في قالب الجد والاستقامة والعزيمة وتظهرها لديك في مظهر النهوض إلى ارتقاء قمم المجد التي انتهى إليها المسلمون فيما بعد بسيرهم سيراً حثيثاً مدة تزيد عن جيلين وقفوا بعدها وقفة المستريح من وعثاء السفر الشاق المتلذذ بجني ثمرات الجد والنشاط والعمل وهكذا حتى تغير الحال وانقلب الجد والنشاط إلى فتور وإهمال.
فضائل عثمان ﵁
هو الخليفة الثالث أمير المؤمنين سيدنا عثمان بن عفان القرشي الأموي. تقدم ذكر نسبه في صدر المقصد يكنى أبا عمرو وأبا عبد الله لم يختلف في صحة خلافته وكان من حديثها ما هو مسطر في كتب السنة وغيرها في البخاري في باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان عن عمرو بن ميمون ونص محل الحاجة منه قال: قال عمر ﵁ لابنه عبد الله: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً وقيل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ولأؤثرنه به اليوم على نفسي. فلما أقفل قيل:
стр. 791
هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ فقال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله ما كان شيء أهم إلى من ذلك فإذا أنا قُبضت فاحملوني ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ساعة واستأذن الرجل فولجت داخلاً لهم "أي مدخلاً كان في الدار" فسمعنا بكاءها من الداخل فقالوا: أوصِ يا أمير المؤمنين استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض. فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذلك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. وقال: أوصى الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار خيراً الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم وأوصيه بأهل الأمصار خيراً فإنهم ردء الإِسلام وجباة المال وغيظ العدو وأن لا يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم وأوصيه بالأعراب خيراً فإنهم أصل العرب ومادة الإِسلام أن يأخذ من حواشي أموالهم وترد على فقرائهم وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله ﷺ أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم. فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلّم عبد الله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فوضع هناك مع صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: اجعلوا إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه -أي رقيب- وكذا الإِسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فسكت الشيخان فقال عبد الرحمن: أتجعلونه إلى والله على أن لا آلو عن أفضلكم قالا نعم فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإِسلام ما قد علمت بالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن. ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك. فلما أخذ الميثاق فقال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه وبايع له عليّ وولج أهل الدار فبايعوه.
كان ﵁ من السابقين للإسلام هاجر الهجرتين وصلى القبلتين يقال له ذو النورين لأنه تزوج ابنتي رسول الله ﷺ رقية فلما ماتت زوّجه أم كلثوم فلما ماتت قال: لو كان عندي ثالثة لزوجتكها وهو أحد العشرين المبشَّرين بالجنة ومن أصحاب
стр. 792
النبي ﷺ الذين توفي وهو عنهم راض وكان في قريش يوصون إليه ويعظمونه وكانت المرأة في العرب لترفع صبيها وهي تقول:
أحبك والرحمن ... حب قريش عثمان
وكان عادلاً في بيت المال لا يأخذ لنفسه منه شيئاً لأنه كان غنياً وغناه مشهور في حياة النبي ﷺ وبعده كثير الإنفاق في نهاية الجود والسماحة والبذل في القريب والبعيد وكان من أكبر المساعدين للنبي ﷺ بكثير من ماله عند شدة احتياج الإِسلام إليه ومآثره في ذلك مشهورة جهز في جيش العسرة ثلاثمائة بعير بأسلاحها وأقتابها وأنزل الله فيه ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢] روى الحكم عن أبي هريرة ﵁ قال: اشترى عثمان الجنة من النبي ﷺ مرتين حين حفر بئر رومة وحين جهز جيش العسرة ولما قدم النبي ﷺ المدينة لم يكن بها ماء مستعذب غير بئر رومة فقال ﷺ : مَن يشتر بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتراها عثمان ﵁ بخمسة وثلاثين ألف درهم وجعلها للمسلمين وكانت بقعة إلى جنب المسجد فقال النبي ﷺ : مَن يشترها ويوسعها في المسجد فله مثلها في الجنة. فاشتراها عثمان ﵁ بعد ذلك فوسعها في المسجد وقال ﷺ : رحم الله عثمان تستحيه الملائكة وكان كثير العتق للرقاب وجملة ما أعتقه ألفان وأربعمائة وكان يطعم طعام الإمارة ويدخل بيته ويأكل الخل والزيت وينام في المسجد ورداؤه تحت رأسه ويخطب الناس وعليه رداء غليظ ثمنه أربعة دراهم أو خمسة يصوم النهار ويقوم الليل ويختم القرآن في ليلة. كان ذا عقل رصين وشرف أثيل وعلم غزير ولم ينقل عنه الكثير منها لاشتغاله بغير ذلك شديد الحياء والحلم مائلاً إلى السلم زاهداً في الدنيا فقد صحّ عنه ﷺ أنه قال: "رحمك الله يا عثمان ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك".
ومن أعظم آثاره جمعه الناس على مصحف واحد بعد أن تعددت القراءات واختلف فيها أهل الأمصار. وفضله في ذلك كفضل أبي بكر ﵁ في جمع القرآن وقد مرّ بيان ذلك في مقدمة هذا المؤلف وكثرت الفتوحات في مدته فقد فتح إفريقية وسواحل الأردن وسواحل الروم وإصطخر وطبرستان وسجستان والقوقاز وغير
стр. 793
ذلك من الأقطار والأمصار وكثرت أموال الصحابة في خلافته حتى بيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف ونخلة بألف. قال الحسن البصري: كانت الأرزاق في زمن عثمان وافرة وكان الخير كثيراً وظهر الرفه الكثير في الأمة بما لم ير مثله، لم يحضر بدراً بإذن من النبي ﷺ ولا بيعة الرضوان وذلك لما أرسله رسول الله ﷺ إلى أهل مكة رسولاً ليخلوا بينه وبين العمرة وجاءه الخبر الكاذب بأن عثمان قتل فجمع أصحابه فدعاهم إلى البيعة فبايعوه على قتال أهل مكة يومئذ ثم جاءه الخبر بأن عثمان لم يقتل وهذا يدل على مكانته عنده وحبه له. أخرج الترمذي عن أنس قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسولَ رسول الله ﷺ إلى أهل مكة فبايع الناس. فقال النبي ﷺ : "إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله" فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله ﷺ خيراً من أيديهم لأنفسهم.
إلا أنه ﵁ كبر سنه وضعف جسمه وكان له ثقة في قرابته بني أمية فتغلبوا على أمره وتولوا أعظم الولايات وانتفعوا وراء ذلك بسعة العيش ووجاهة في الدولة حسدها عليهم غيرهم، فوجدت الجمعيات السرية التي كانت تكيد الإسلام بالطعن فيه مع استغنائه ببني أمية عن مشاورة أكابر المهاجرين والأنصار ونقم الطاعنون عليه أشياء بعضها لها مخرج وبعضها مكذوب عليه ذكرها الأبي في شرح مسلم؛ ولجماعة من العلماء كلام طويل الذيل في الاعتذار عن عثمان منهم حافظ الحجاز المحب الطبري في كتباه الرياض النضرة في فضائل العشرة ومنهم محمد بن يحيى الأشعري المعروف بابن بكر في كتابه التمهيد والبيان في مقتل عثمان استوفى فيه الكلام على ما نسب لعثمان من الأحداث وبين كل ما يمكن الاعتذار عنه من تلك الأحداث التي تسبب عنها حصره في داره وطلبوا منه التخلي عن الخلافة فامتنع واستشهد ﵁ لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكانت خلافته ثنتي عشر سنة إلا اثني عشر يوماً وكان عمره اثنين وثمانين على أحد الأقوال. أخرج الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة يقتل فيها هذا مظلوماً لعثمان ﵁. وأخرج أيضاً: أن النبي ﷺ قال
стр. 794
لعثمان: "إن الله مقمصك قميصاً فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني" فلما حصره المنافقون وأرادوا منه أن يخلع نفسه امتنع لهذا الحديث وقال إن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهداً فأنا صابر عليه. قال الأبي نقلاً عن ابن العربي: كانت قتلة عمر مصيبة في الإسلام خاصة وقتلة عثمان مصيبة في الإِسلام عامة عزاؤها المصيب برسول الله ﷺ . قتل ﵁ ورحمه وطالبوه أربعة آلاف وفي المدينة أربعون ألفاً كلهم لا يريد قتله ويريد نصره لكن منع الكل واستسلم الأمر للعهد الذي كان من رسول الله ﷺ ولم يرض أن يراق بسببه دم ورضي أن يكون عند الله المظلوم ولا يكون عنده الظالم وكل من في المدينة برىء من دمه إلا أربعة آلاف المكاشفين بالحصار والإنكار وما أنكروا إلا معروفاً. وقد وصف المؤرخون في كتبهم أخبارهم فحذاراً أيها الرهط المتطلبون العلم أن تعولوا على تاريخ فإنكم تلاقون الله متقدمين في الجهل متأخرين في العلم.
الحالة الاجتماعية على عهده
لما استكمل الفتح على عهده ونزع الناس بالضرورة على طلب الراحة وأخذوا بقسطهم من السيادة على الشعوب وجاوروا المترفين من أهل المدن واستخشنوا عيش البداوة واستغلوا ثمرة الضرع دون الحرث والزرع، وكان عثمان ﵁ ليس من الشدة عليهم والأخذ على شكائمهم بالمكانة التي كانت لعمر قبله طمحت إلى ذلك نفوسهم واتجهت بمجاورة الشعوب الأخرى رغائبهم فاستقطعوا من عثمان القطائع واستأذنوه في استثمار الأرضين التي جلا عنها أصحابها فأقطعهم إياها فقاموا على حرثها وأخذوا باستثمارها. روي أن عثمان لما ولى معاوية على الشام والجزيرة أمره أن ينزل العرب بمواضع نائية عن المدن والقرى ويأذن لهم في اعتمال الأرضين التي لا حق فيها لأحد، فأنزل بني تميم الرابية وأنزل المازحين والمديبر أخلاطاً من قيس وأسد وغيرهم وفعل ذلك في جميع ديار مضر ورتب ربيعة في ديارها على ذلك وألزم المدن والقرى والمصالح مَن يقوم بحفظها ويذب عنها من أهل العطاء ثم جعلهم مع عماله، وفي ذلك دليل على تدرج القوم في مدارج الرقي وجنوحهم إلى الكسب من طرق التجارة والفلاحة وميلهم إلى الاستعمار، وكان عثمان غنياً جداً محباً للعمران ميّالاً إلى التأنق في المعيشة والتداول في البنيان وإنفاق المال في وجوه البذل ليوسع على الناس وخصوصاً على أهله وقرابته فقد
стр. 795
ماشاه الناس في ذلك وساروا سيرته فيه، وكانوا في عصر عمر لا يجرأون على اقتناء الضياع والدور والإكثار من مظاهر الثروة والغنى مع إقبال الدنيا عليهم كما هي في عهد عثمان فقد بني لنفسه ولنسائه وأولاده بضع دور بالمدينة وشيّد داره بالحجارة والكلس وجعل أبوابها من الساج والعرعر وبنى مسجد رسول الله ﷺ بالعمد المرفوعة وتأنق في بنائه واقتنى الدور والضياع والجنات والعيون بالمدينة وأظهر بهذا أثر النعمة التي أنعمها الله على العرب وتبعه الناس في ذلك وتظاهروا بمظهر الغنى وجنحوا إلى الحصول على المال والتنعم في المعيشة، فاقتنى سعيد بن العاص ومروان بن الحكم القصور خارج المدينة وأخذ كبار الصحابة في ذلك بمذهبه، ذكر المسعودي منهم جماعة اقتنوا الضياع والدور وماتوا على مال كثير ونعم وفيرة، منهم الزبير بن العوام بني داراً بالبصرة وداراً بمصر ومثلها بالإسكندرية والكوفة واقتنى كثيراً من المال والضياع حتى ضرب المثل بغناه وأكثرها كانت من التجارة لأنه كان تاجراً محظوظاً، وكذلك طلحة بن عبيد الله وكانت ثروته من التجارة أيضاً، وكذلك عبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت ويعلي بن أمية، وأنهم بنوا الدور وشيّدوا القصور وتركوا أموالاً وضياعاً كثيرة وأن سعد بن أبي وقاص ابتنى داراً بالعقيق فرفع سمكها ووسع فضاءها ومثله فعل المقداد بداره بالجرف على أميال من المدينة وهذا دليل على سرعة انتقال القوم من حال إلى حال في عصر عثمان وجنوحهم إلى التنعم بنعيم الحضارة وهو أثر محمود من آثار الشكر للمنعم إذا لم يتجاوز حد القصد إلى السرف ولم يتناول كل الطبقات ولم يتدرج منه الناس إلى المنكرات. ومما لا ريب فيه أن عصر الصحابة مهما انطلق أهله في مجال السعة والنعيم لا يتجاوزون الحد الشرعي ولا يأخذون بغير المباح وقد فاضت عليهم الدنيا وكثر لديهم المال فلا بد من صرفه في وجوه التنعم بما أحله الله من الطيبات دون المنكر والشهوات. استكمل الفتح في عهد عثمان ودال للعرب ملك فارس وصارت إليهم سياسة الممالك فساروا في الناس سيرة جميلة أمر بها الإسلام وسلكوا من العدل والحق طريقاً توخاه الخلفاء وتبعهم فيها الولاة والأمراء، فازدهى أمر الدولة الجديدة وعمت كلمة العدل وكثر المال وامتد رواق العمران وراجت التجارة وتصاعدت أثمان السلع والعقار وكل ما يباع ويشترى بنسبة كثرة النقد، فبيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف درهم ونخلة بألف درهم. نقل هذا المحب الطبري في الرياض النضرة عن ابن سيرين. هذا غاية ما تصل إليه الممالك في ترقي العمران وتوفي أسباب الكسب ونمو الثروة بين طبقات الناس فبينما العرب في مثل هذا الرخاء والرغد من العيش يتمتعون بما أفاء الله عليهم من تراث الأمم ويتسنمون ذرى الحضارة ويتبسطون في العيش ويسيرون سيرهم الحثيث في الفتح ويرفعون لأخلافهم بنيان المجد والدنيا مقبلة عليهم وملك الفرس والروم صار إليهم وعثمان
стр. 796
في مأمن من رأفته بهم ولينه عليهم إذ صاح بهم صائح الفتنة فاستوقفهم عن سيرهم ثم قذف بهم في لج من التخاصم ما بلغوا ساحله إلا وهم أحزاب متفرقة وشيع متباينة. فكان عصر عثمان بهذا عصراً جمع بين الأضداد من الرخاء والشدة والراحة والتعب والغنى وضده والقوة والضعف ومنها بدأت سلسلة الأحزاب السياسية والدينية والجمعيات السرية والجهرية وإليه ينتهي تاريخ الانقلاب العظيم الذي طرأ على الدول الإسلامية وحول مجرى السياسة عن وجهتها الأصلية. إن الدول إذا قامت في أول نشأتها بقوة الحياة الملية والتناصر القومي ونشأت على أساس الوحدة في الاعتقاد والفكر بين أصناف الأمة وأخذت على نفسها إنصاف المغلوبين لها الخاضعين لسلطانها من الشعوب الأخرى قلّ أن تتعرض لخطر الضعف والانحلال العاجل بما يعرض لها من الفتن أو يظهر فيها من الأحزاب والشيع لهذا فإن اضطراب الدولة وتفرق أغراض الأمة في عهد عثمان لم يؤثر على مركز الدولة في أرجاء ممالكها القاصية والدانية ولم يقلل من سطوة الخلافة بين الدول المتاخمة والأمم المغلوبة بل كأن الأمم استشعرت من تلك الضوضاء القائمة أنها نتيجة حياة قومية ونشاط عظيم يراد بها تمحيص الحق وتدعيم أمر الخلافة فلبثت على الحياد تنتظر غاية الأمر ولا تمد إلى الدولة يد الغدر حتى انجلت الفتنة عن قتل عثمان وقيام علي والأحزاب الأخرى ثم مصير الخلافة إلى بني أمية ولولا ما حبب إلى الناس من خلافة الراشدين وما بهرهم من قوة أولئك الفاتحين لربما كانت اشتعلت المملكة يومئذ ناراً واستفز الطيش الأشرار، لكن الملك الذي ينهض بالعدل، والدولة التي تقوم على الأساس الذي ذكرنا لا يزعزعها تفرق المالكين إلى أحزاب وشيع ولا يطمع في جانبها الطامعون.
فضائل علي القرشي الهاشمي ﵁ -
هو الخليفة الرابع أمير المؤمنين سيدنا أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت هاشمياً أصغر أولاد أبي طالب الثلاثة جعفر وعقيل وطالب. ولد قبل البعثة بعشر سنين على الراجح وأسلم وهو ابن عشر سنين على الراجح واتفق الجمهور على أنه أول مَن أسلم من الصبيان لحديث "أولكم وارداً على الحوض أولكم إسلاماً علي بن
стр. 797
أبي طالب" وعن علي قال: "عبدت الله تعالى قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة بخمس سنين" وعنه "ما كان يصلي مع رسول الله ﷺ غيره غيري خديجة".
بويع بالخلافة في اليوم الذي قتل فيه عثمان واجتمع على بيعته أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار وتزاحم الناس عليه وتخلف عن بيعته معاوية في أهل الشام والتحمت بينهما حروب لم يسمع بمثلها في الإسلام ولم يزل له فيها الظهور على الفئة الباغية إلى أن وقع التحكيم وخدع فيه وحينئذ خرجت الخوارج فكفروه وكفروا من معه وقالوا: حكمت الرجال في دين الله والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ثم اجتمعوا وشقوا عصى المسلمين ونصبوا راية الخلاف فسفكوا الدماء فخرج إليهم بمن معه وطلبهم إلى الرجوع فأبوا إلا القتال فقاتلهم بالنهروان واستأصل جميعهم ولم ينج منهم إلا اليسير فانتدب إليه رجل من بقية الخوارج يقال له عبد الرحمن بن ملجم فدخل عليه فقتله في التاسع عشر من رمضان سنة أربعين وقصة استشهاده مشهورة فهو ﵁ أحد العشرة المبشَّرين بالجنة وأحد ستة الشورى وأحد العلماء الربانيين والشجعان والزهاد والخطباء والشعراء، ومناقبه وما أوتيه من الاجتهاد والفهم معلوم. وكان صاحب شورى عمر في أقضيته وكذلك كان مع أبي بكر وعثمان وكان عمر يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن وفي البخاري أحاديث سبعة في فضائله منها حديث عمر "علىّ أقضانا" ومنها حديث قتاله البغاة "تقتل عماراً الفئة الباغية" وكان عمار مع علي ومنها حديث قتاله الخوارج وهذان الحديثان من علامات النبوة. قال الحافظ ابن حجر بعد نقله ما ذكر وأوعب من جمع مناقبه من الأحاديث الجياد النسائي في كتاب الخصائص وأما حديث "من كنت مولاه فعلي مولاه" فقد أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً وقد روينا عن الإمام أحمد قال: ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن علي. ويروى من فضائله قوله ﵊: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" قال مسروق: شافهت أصحاب محمد ﷺ فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة علي وعبد الله بن
стр. 798
مسعود وعمر وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي بن كعب، ثم شافهت الستة فوجدت علمهم ينتهي إلى علي وابن مسعود. شهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ إلا تبوك فإنه استخلفه فيها على المدينة وقال له: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" وفي البخاري "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى" وزوّجه ﷺ ابنته فاطمة سيدة أهل الجنة، ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]، قال النبي ﷺ : "اللهم اجعلها أذن علي" قال علي ﵁: ما نسيت بعد ذلك شيئاً. وله من العلم والشجاعة والحلم والزهد والورع وكرم الأخلاق ما لا يسعه كتاب. وبالجملة فإن فضائله كثيرة قد جمعها الناس ودوّنوها وأجمعها لنعته ما وصفه به ضرار الصدائي إذ قال له معاوية: صف لي علياً، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، قال: أما إذا لا بد من وصفه: "فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يتوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن، كان منبئاً كأحدنا يجيبنا إذا سألناه وفينا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله. وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم -أي اللديغ- ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري، إليّ تعرضت أم إلى تشوفت؛ هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير وحظك قليل، آه آه من قلة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق". فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ فقال: حزن مَن ذبح ولدها في حجرها.
الكلام على الفتنة
اعلم أن الفتنة المذكورة هي فتنة عثمان وعلي وطلحة والزبير ومعاوية التي تحزّب فيها المسلمون أحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون وهي الفتنة التي يقف دونها عقل الحكيم حائراً بين الإقدام على خوض عبابها واستكناه كنه خباياها وبين الإحجام عنها وإلقاء أخبارها على علاتها وغض الطرف عما انطوى في ثناياها لا لأنها أول بادرة بدرت في الملك وفتنة ظهرت في الدول كلا إن قيام الدول واستصفاء الملك إنما يتم
стр. 799
بوجود أحزاب ينصرون النازع إلى الملك وأعوان يتبعون القوة أو يناضلون عن صاحب الحق في كل قوم وعصر وإنما صبغ السلف لهذه الفتنة بصبغة دينية هو الذي يجعل الباحث بين إقدام وإحجام مع أنها فتنة سياسية تابعة لمجرى السنن الطبيعية في الدول إذ ما دامت شؤون البشر لا تستقيم إلا بالوازع، والمجتمعات لا تقوم إلا بحاكم يدير أمورها وينظم شؤونها وينفذ قوانينها. فالخلاف في رياسة الدول والنزاع على منصب الحكم متوقع بين الطامحين إليه القادرين عليه في كل أمة وجيل وتنازع البقاء في الملك أمرطبيعي كما هو في كل الأشياء.
خلاصة فيما عليه أهل السنة في هاته الفتنة
تقدم أن الطاعنين في عثمان ﵁ نقموا عليه أشياء وعابوه، منها ثقته في قرابته بني أمية فتغلبوا عليه وتولوا أعظم الولايات وذلك لا يعاب عليه فيه لأنه كان باجتهاد منه وطلباً لإظهار العدل لأنه رأى أن أقاربه يعينونه على إظهار العدل وإقامة الحق وهكذا جميع الأشياء التي عابوه بها كلها كانت اجتهادية وله فيها أعذار ومخارج تدل على أنه إنما أراد بذلك العدل وإظهار الحق وكلها مبسوطة في كتب السنة، ولما حصره الناقمون وقتلوه بايع الناس بعده علي بن أبي طالب وبايعه أيضاً القوم الذين حصروا عثمان وقتلوه فوقعت الفتنة بين الصحابة ﵃ لذلك فقال الذين امتنعوا من بيعته: لا نبايعك حتى تعطينا قتلة عثمان نقتص منهم، فقال علي: بايعوني أولاً ثم بعد ذلك نتبع قتلة عثمان فمَن ثبت عليه شرعاً موجب القصاص نقتص منه وأما الاقتصاص منهم قبل دخولكم في البيعة فإنه عسير جداً لأن لهم قبائل وعشائر يتعصبون لهم فتنتشر الفتنة وتزداد. هذا هو السبب في الخلاف الذي وقع بينهم فنشأ عنه وقعة الجمل ووقعة صفين وتمسك كل من الفريقين لحجج وأدلة وتعارضت الأدلة عند بعضهم وهم نحو العشرة آلاف فاعتزلوا الفريقين منهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة وبقي الأمر مشتبهاً بين الناس إلى زمن الأئمة الأربعة فنظروا في الحجج والأدلة التي تمسك بها كل فريق فظهر لهم واتضح تصويب اجتهاد علي ﵁ وتخطئة اجتهاد غيره لكن لما كان ذلك الخطأ ناشئاً عن اجتهاد لم يأثموا به لقول النبي ﷺ : "مَن اجتهد وأصاب فله أجران ومَن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد" فلا سبيل إلى الحكم بتأثيم أحد منهم فلذلك كان مذهب أهل السنة السكوت عما جرى بين الصحابة ﵃ وتأويله وحمله على أحسن المحامل تحسيناً للظن
стр. 800
بهم لأن الله تعالى أثنى عليهم وشهد لهم بالصدق وأخبر بأنه رضي عنهم ورضوا عنه وكذلك جاء عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة وزد على ذلك ما سبق لهم من الفضل على المسلمين في بث دعوة الإسلام وتدويخ الممالك والبلدان وتأسيس بنيان الدولة الذي نشر على معظم الأرض جناح السلطان ما يوجب على كل فرد من أفراد المسلمين عنده ذرة من العقل وقليل من الإنصاف أن يقدرهم قدرهم ولا يبخسهم من الثناء حقهم ويعترف على ملأ الشعوب بفضل كل فريق منهم والتنويه بكل خصلة حسنة لكبارهم وقادة الأمر منه إعلاء لشأنهم وتنويهاً بجميل عملهم وجميل صحبتهم وسداً لذرائع القدح فيهم ممن يحاول احتقار أعمالهم واستصغار أقدارهم وتكذيب الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والواجب أن يحمل ما صدر منهم على الاجتهاد الذي لا إثم فيه وإليه ذهب أهل السنة وهو المذهب الحق الذي مَن عدل عنه فقد زاغ وضلّ ومَن تمسك به فقد نجا.
وأول التشاجر الذي ورد ... إن خضت فيه واجتنب داء الحسد
فضائل الستة بقية العشرة المبشَّرين بالجنة
سيدنا أبو عبيدة (﵁ -)
هو أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري- كان إسلامه هو وعثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث بن المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة الأسدي في ساعة واحدة- أحد العشرة المبشَّرين بالجنة هاجر الهجرتين وشهد بدراً وما بعدها. في الصحيح عن النبي ﷺ "لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" قال الأبي: أصحابه فضلاء مختارون وإنما أخبر عن كل واحد بما هو الأغلب فيه، ففي الترمذي "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ وأفرضهم زيد وأقرأهم أبىّ ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة" قتل أباه يوم بدر ونزلت فيه ﴿لَا تَجِدُ
стр. 801
قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية، كانت له عند رسول الله ﷺ حظوة لصدقه وحبه واتباعه أمره وطاعته له، تقدم أنه تولى الإمارة العامة على جيوش فتح الشام وكان أكثر فتحه على يده، تولى تلك الإمارة لا لدنيا يصيبها ولا لجاه يرغب فيه ولا لمال يدخره بل لمطلق خدمة الأمة ورجاء رضا الله، مات على ولايته ولم يملك من حطام الدنيا إلا سيفه وترسه ورحله ولم يكن في بيته ما يأكل إلا كسيرات من خبز، وهو الذي قال لعمر: أتفر من قدر الله! فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، ثم نفر من قدر الله تعالى إلى قدر الله تعالى، وذلك دال على جلالته عند عمر. وبالجملة فإنه من كبار الصحابة وممن لازم النبي ﷺ وتخلّق بأخلاقه متواضعاً زاهداً تقياً عاقلاً رزيناً لين الجانب عادلاً مخفوض الجناح عالماً بالشرع ذا دربة في أمور الحروب؛ أخرج الحاكم في المستدرك قال: لما طعن أبو عبيدة قال: يا معاذ صلِّ بالناس فصلّى ثم مات أبو عبيدة فخطب معاذ فقال: إنكم فجعتم برجل ما أزعم والله أني رأيت في عباد الله قط أقل حقداً ولا أبر صدراً ولا أبعد غائلة ولا أشد حياء للعاقبة ولا أنصح للعامة منه فترحموا عليه. مات في طاعون عمواس سنة ١٨ وسنه ثمان وخمسون على أحد الأقوال وأوصى أن يُدفن حيث مات.
عمواس: بين الرملة وبيت المقدس على أربعة فراسخ من الرملة وكان ظهوره سنة ١٨ وانتشر في البلاد فاجتاح السكان. وفي رواية ابن عساكر: كان أبو عبيدة في ستة وثلاثين ألفاً من المسلمين فلم يبقَ منهم إلا ستة آلاف رجل مات به كثير من الأعلام منهم أبو عبيدة ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان.
سيدنا عبد الرحمن بن عوف (﵁ -)
هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف القرشي الزهري كان اسمه عبد الكعبة ويقال عبد عمرو فغيّره النبي ﷺ ، أحد العشرة وأحد ستة الشورى هاجر الهجرتين وشهد بدراً فما بعدها ولاه النبي ﷺ بعث دومة الجندل وهو الأمين على أزواج النبي ﷺ في حجهن، ولاه عمر ذلك وقال فيه: هو سيد من سادات المسلمين ذو رأي مسدد، وهو الذي رجع عمر بجيشه من سرغ ولم يدخل الشام من أجل الطاعون والحديث عن ذلك مذكور في الصحيحين، وهو أحد المشهورين
стр. 802
بالثروة في الإسلام كان محظوظاً في التجارة والعقل والعلم، له إعانات مالية شهيرة وصدقات وأعمال بر كبرى. في الإصابة قال جعفر بن برقان: بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف نسمة. أخرجه أبو نعيم في الحلية, وكان حرم الخمر في الجاهلية وذكر البخاري في تاريخه من طريق الزهري قال: أوصى عبد الرحمن بن عوف لكل من شهد بدراً بأربعمائة دينار فكانوا مائة رجل، وبالجملة فمناقبه جمة. مات سنة ٣٢ على الأشهر وعاش ٧٢ سنة على أحد الأقوال.
سيدنا طلحة (﵁ -)
هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان القرشي التيمي أحد العشرة وأحد الثمانية الذين سبقوا للإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر وأحد ستة الشورى، شهد المشاهد كلها إلا بدراً فإن رسول الله ﷺ كان بعثه هو وسعيد بن زيد يتجسسان على عير قريش ولقيا رسول الله ﷺ منصرفاً من بدر فضرب لهما بسهميهما وأجريهما فكانا كمن شهدها، سماه رسول الله ﷺ طلحة الخير ويوم ذات العسرة طلحة الفياض ويوم حنين طلحة الجود وثبت يوم أُحد مع رسول الله ﷺ ووقاه بيده فشلّت إصبعاه وجرح يومئذ أربعاً وعشرين جرحاً وأبلى فيها البلاء الحسن، قال فيه رسول الله ﷺ : "مَن سرّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة". قتل يوم الجمل في جمادى الأولى سنة ٣٦ وهو ابن ستين سنة على أحد الأقوال.
стр. 803
سيدنا الزبير (﵁ -)
هو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وفيه يجتمع مع رسول الله ﷺ -وهو ابن عمته ﷺ ، أسلم وهو ابن ثمان سنين وعذّبه عمه بالدخان ليرجع فأبى وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ -وهو أول مَن سلّ سيفاً في سبيل الله، وكان يوم بدر على الميمنة وعليه عمامة صفراء ونزلت الملائكة بعمائم صفر على سيماه، وهو أحد العشرة وأحد ستة الشورى ومن الشجعان المشهورين وكان له الفضل في فتح مصر مع عمرو بن العاص. وفي الصحيحين قال النبي ﷺ : "إن لكل نبي حواري وإن حواريَّ الزبير بن العوام" وقتل في جمادى الأولى سنة ٣٦ حين انصرف من وقعة الجمل تاركاً القتال، قتله غدراً عمرو بن جرموز وله ست أو سبع وستون سنة.
سيدنا سعيد بن زيد (﵁ -)
هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى العدوي. كان والده زيد يقول: إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم، وكان ترك عبادة الأوثان وترك كل ما يذبح على النصب، وكان يقول: اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على الأرض براحته. وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائماً مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموؤودة ويقول الرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها أنا أكفيك مؤونتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها.
وابنه سعيد أحد السابقين المشهود لهم بالجنة شهد أُحداً والمشاهد بعدها ولم يشهد بدراً حيث كان غائباً بالشام وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه منها، شهد اليرموك وفتح دمشق. قال سعيد بن حبيب: كان مقام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف مع النبي ﷺ واحداً كانوا أمامه في القتال وخلفه في الصلاة، وكان سعيد من فضلاء الصحابة مجاب الدعوة وقصته
стр. 804
مع أروى بنت أنيس مشهورة في إجابة دعائه عليها وهو ابن ابن عم عمر بن الخطاب وكان إسلامه عنده في بيته لأنه كان زوج أخته فاطمة. توفي بالعقيق وحمل إلى المدينة وذلك سنة ٥٠ أو ٥٢.
سيدنا سعد بن أبي وقاص ﵁
هو أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص مالك القرشي الزهري أحد العشرة وآخرهم موتاً من السابقين الأولين، مكث ثلاثة أيام وهو ثالث الإِسلام وأحد ستة الشورى وأول مَن رمى سهماً في سبيل الله ومن شجعان قريش وكماتهم من خيرة أصحاب النبي ﷺ مخلصاً في إيمانه. شهد المشاهد كلها وكان مجاب الدعوة حيث دعا له رسول الله ﷺ أن يسدد رميته ويجيب دعوته، وكان صادق الحديث والرواية لما فطر عليه من صدق اللهجة وقول الحق. روى ابن عساكر عن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين وأن ابن عمر سأل عمر عن ذلك فقال: إذا حدثك سعد عن رسول الله ﷺ فلا تسألن عنه غيره. وروى الشيخان والترمذي والنسائي من حديث عائشة قالت: لما قدم النبي ﷺ المدينة أرق فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني، إذ سمعنا صوت السلاح فقال: مَن هذا؟ قال: أنا سعد فقام" ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة، وهو الذي كوّف الكوفة وأمره عمر عليها سنة ٢١ كانت له قيادة الجيوش في حرب الفرس وقد مر الخبر عن مسيره إلى القادسية والوقائع التي وقعت هناك وكانت من أعظم الوقائع التي دوّنها التاريخ, قتل فيها من المسلمين نحو السبعة آلاف وخمسمائة وأما من قتل من الفرس فعدد كثير بالغ فيه المؤرخون وكان النصر حليف المسلمين وحصل فيها وهن للفرس ووقع بها فتح المدائن عاصمة الأكاسرة فانحدرت تلك العاصمة من شاهق عزها إلى هاوية الخراب وقامت مقامها في تلك الأصقاع بغداد دار الخلافة العباسية وانبعثت منها أشعة التمدن الإِسلامي العظيم.
وإذا نظرت إلى البلاد رأيتها ... تشقى كما تشقى العباد وتسعد
стр. 805
على أن ما ضمته بغداد تحت جناحي الخلافة الإِسلامية من الممالك الشاسعة والأمصار النائية لم تضمه المدائن على عهد الأكاسرة والفضل في ذلك لسعد وأضرابه من أقيال الصحابة السابقين ورجال الخلافة الراشدين جزاهم الله خير الجزاء عن المسلمين. مات سنة ٥٦ على الأشهر بالعقيق وحمل إلى المدينة وصلى عليه مروان والي المدينة وأدخل للمسجد وصلى عليه أزواج النبي ﷺ وهن في حجرهن وأوصى أن يكفن في جبة صوف لقي المشركين بها يوم بدر ودفن بالبقيع.
ذكر بعض السادات من أعيان الصحابة وفضلائهم
سيدنا حمزة ﵁
هو أبو عمارة حمزة بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة كما في الصحيحين، أسلم في السنة الثانية من البعثة، لازم نصر رسول الله ﷺ وهاجر معه وشهد بدراً وأبلى في ذلك وعقد له النبي ﷺ لواء وأرسله في سرية وذلك أول لواء عقد في الإِسلام واستشهد بأحد وكان ذلك في النصف من شوال سنة ٣ ولقبه رسول الله ﷺ أسد الله وسماه سيد الشهداء ودفن وعبد الله بن جحش في قبر واحد، ولما استشهد قال رسول الله ﷺ : رحمك الله أي عم، لقد كنت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات. ورثاه كعب بن مالك بأبيات منها:
بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الإلَه غداة قالوا ... لحمزة ذاكم الرجل القتيل
أخوه سيدنا العباس ﵁
هو أبو الفضل العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ وكان العباس أسن من النبي ﷺ بسنتين أو ثلاث وكان إسلامه على المشهور قبل فتح مكة وضاع وهو صغير فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير فوجدته فكست البيت الحرير فهي أول من كساه ذلك، وكان إليه في الجاهلية السقاية والعمارة وشهد الفتح وثبت
стр. 806
يوم حنين. وقال النبي ﷺ : "مَن آذى العباس فقد آذاني فإن عم الرجل صنو أبيه" أخرجه الترمذي. وكان أعظم الناس عند رسول الله ﷺ والصحابة يعترفون له بالفضل ويشاورونه ويأخذون رأيه، وفي حديث أنس: إن عمر كان إذا قحطوا استسقى بالعباس. مات بالمدينة في رجب أو في رمضان سنة ٣٢ وله بضع وثمانون سنة.
سيدنا جعفر ﵁
هو أبو عبد الله جعفر بن أبي طالب وكان أكبر من شقيقه علي ﵁ بعشرين سنة وهو من السابقين الأولين هاجر الهجرتين ونشر الدين بالحبشة وعلى يده كان إسلام النجاشي وقدم من الحبشة سنة سبع على رسول الله ﷺ وعانقه وقال: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر، وأسهم له ولأهل السفينة من فيء الفتح المذكور كما في الصحيحين واختط له رسول الله ﷺ إلى جنب المسجد وقال له: "أشبهت خلقي وخلقي". ثم غزا غزوة مؤتة بضم الميم وسكون الواو وبهمز وبدونه وهي بحدود الشام وكانت سنة ثمان وقتل فيها بعد أن قاتل حتى قطعت يداه معاً فقال رسول الله ﷺ : "إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء" فمن ثم قيل له ذو الجناحين. ولما بلغ النبي ﷺ نعي جعفر أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزاها فيه، فدخلت فاطمة تبكي وتقول: واعماه، فقال رسول الله ﷺ : على مثل جعفر فلتبكِ البواكي. وجدت فيه نحو تسعين جراحة ليس فيها شيء في ظهره. وهاته الغزوة من أعجب ما سطره التاريخ للإسلام كان المسلمون ثلاثة آلاف خاضوا بحراً من جيش الروم يتجاوز مائة ألف وهي فاتحة المعارك بين الإِسلام والروم وأول نصر عليهم. في البخاري أن رسول الله ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: أخذ الراية زيد فأصيب
стр. 807
ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان ثم أخذها سيف من سيوف الله تعالى حتى فتح الله عليهم. وفي رواية: ثم أخذها سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح عليهم.
سيدنا زيد بن حارثة ﵁
هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي أصابه سبي في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة فوهبته للنبي ﷺ قبل أن يوحى إليه وزيد حينئذ ابن ثمان سنين فأعتقه ﷺ وكان من أحب الناس إليه وتبناه وكان يطوف به على حلق قريش ويقول: هذا ابني وارثاً وموروثاً. قال الزهري: لا أعلم أحداً أسلم قبله. وقال ابن عمر: ما كنا ندعو زيداً إلا زيداً بن محمَّد حتى نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] كما في البخاري ولم يذكر أحد في القرآن باسمه من الصحابة سواه. هاجر وشهد بدراً وكان ﷺ يؤمره على الجيوش وأمره على جيش مؤتة فقاتل حتى قتل قبل جعفر فلما أتى النبي ﷺ موت جعفر وزيد بكى وقال: أخواي ومؤنساي ومحدثاي. استشهد وهو ابن خمس وخمسين سنة.
سيدنا عبد الله بن رواحة ﵁
هو أبو عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي أحد قواد الإِسلام في البعوث والسرايا وفي النقباء شهد بدراً وما بعدها وكان الخليفة بعد جعفر في غزوة مؤتة فاستشهد بعد الأميرين قبله وكان من شعراء الصحابة ينافح عن رسول الله ﷺ بسنانه ولسانه. ومن ذلك أنه أنشد بين يدي رسول الله ﷺ عند دخوله مكة:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تأويله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
стр. 808
فقال عمر: يا ابن رواحة أفي حرم الله وبين يدي رسول الله ﷺ تقول هذا الشعر؟ فقال: خلِّ عنه يا عمر فوالذي نفسي بيده لكلامه عليهم أشد من وقع النبل. وفي الزهد لأحمد أن النبي ﷺ قال: "رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة".
سيدنا خالد بن الوليد ﵁
هو أبو الوليد خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي يجتمع مع النبي ﷺ في مرة أسلم على الأصح سنة سبع لم يشهد مع النبي ﷺ إلا ما كان بعد الفتح، كان موصوفاً في قومه بالشجاعة محبباً فيهم مقدماً عندهم بالحروب موفقاً للنصر عارفاً بأحوال الحرب، شهد وقعة مؤتة المذكورة آنفاً وأخذ الراية بعدما استشهد أمراء ثلاثة قبله وأبلى فيها البلاء الحسن حتى اندق يومئذ في يده سبعة أسياف، ثم ما زال يدافع القوم حتى انحازوا عنه ثم عاد بجيشي المسلمين. وفي هذه الوقعة سماه رسول الله ﷺ سيفاً من سيوف الله. له رواية في الصحيحين وغيرهما، وشهد مع رسول الله ﷺ مشاهد ظهرت فيها نجابته، وهو الذي أخضع أهل الردة، وقتل مسيلمة الكذاب ومن أبى من دفع الزكاة وكان على يده فتوح الكثير من البلاد الكبار بالعراق والشام وكان له بعد من جميل الأثر ما رأيت في فضائل أبي بكر وكان فتحه للعراق تمهيداً إلى تدويخ فارس وإدالة دولة الأكاسرة، وقد كانت أعظم الدول حينئذ شأناً وأرقاها مكاناً إلا أنها بلغت من الكبر عتياً ومن فشل السياسة مكاناً قصياً فجاءها جند الإِسلام بادي الشباب ناعم الأعصاب فأسس ملكه الجديد. وكانت حروب العراق أيام خالد أشد ما لقي المسلمون من حرب الفرس لاجتماع قبائل العرب بالعراق وجند فارس على حرب المسلمين، وبعدما تم له ذلك الفتح أمره أبو بكر بالمسير إلى الشام فسار وحصل له من الفتح هناك ما قد علم. قال بعض المؤرخين: قلّ أن يوجد فارس في العالم يوفق للنصر في كل واقعة كما وفق خالد ﵁ فإن التاريخ لم ينبئن عن انخذاله ولا في وقعة واحدة من وقائعه مع أهل الردة أو في العراق أو في الشام وهذا إنما هو من نتائج الحزم والشجاعة والبصيرة بأمور الحرب. وقد علمت كيف فلّ جموع الروم في اليرموك وكشف عن المسلمين سحب الضيق والحيرة منذ سلّموا قيادتهم له مع أن فيهم من
стр. 809
الصيد الصناديد وأهل البصيرة والرأي كعمرو بن العاص وأبي عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وأضرابهم من كماة الإِسلام وقادة الجيوش العظام. اتخذ ﵁ بعد تمام تلك الفتوحات مقراً له حمص وفيها توفي سنة ٢١ ومدفنه هناك لم يزل معروفاً يزار إلى الآن. ولما حضرته الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أنا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء. وما من عمل أرجى من لا إله إلا الله وأنا مترس بها.
سيدنا خالد بن سعيد ﵁
هو خالد بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي من أشراف قريش وأعيانهم وهو أول مَن كتب بسم الله الرحمن الرحيم ومن السابقين الأولين، أسلم بعد أربعة وهاجر الهجرتين وصلّى الركعتين ورجع من الحبشة هو وزوجه وأخوه وابنته مع جعفر بن أبي طالب وكان استعمله النبي ﷺ على صدقات مذحج وأمره أبو بكر على مشارف الشام في الردة، استشهد في أجنادين أو مرج الصفر.
سيدنا سالم مولى أبي حذيفة ﵄
هو أبو عبد الله سالم بن معقل كان من فضلاء الصحابة وخيارهم وكبرائهم من السابقين الأولين هاجر مع عمر ونفر مع الصحابة فكان يؤمهم لأنه أكثرهم قرآناً وكان يؤم المهاجرين وفيهم عمر شهد بدراً. روى البخاري ومسلم والنسائي والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه "خذوا القرآن من أربعة: ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبيّ بن كعب بن معاذ بن جبل" وروي عن عائشة ﵂ "احتبست على النبي ﷺ فقال: ما حبسك؟ قلت: سمعت قارئاً يقرأ فذكرت من حسن قراءته فأخذ رداءه وخرج فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة فقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك" شهد بدراً فما بعدها وكانت بيده راية المهاجرين اليمامة فقطعت يده اليمنى فأخذها باليسرى فقطعت أيضاً. مات فيها هو ومولاه حذيفة وجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر وذلك سنة ١٢.
стр. 810
سيدنا معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي ﵁
يكنى أبا عبد الرحمن إمام الفقهاء وسيد العلماء. شهد بدراً والعقبة وكان أميراً للنبي ﷺ على اليمن وخرج معه رسول الله ﷺ ماشياً ومعاذ راكباً منعه رسول الله ﷺ من أن ينزل. أخرج ابن حبان والترمذي من طريق أبي هريرة رفعه: نعم الرجل معاذ بن جبل. كان عقبياً بدرياً من فقهاء الصحابة وأخرج الترمذي وابن ماجه "أرحم أمتي أبو بكر وفيه وأعلمهم بالحلال الحرام معاذ" وفي الصحيح "استقرئوا القرآن من أربعة: ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل" وصح عن عمر أنه قال: مَن أراد الفقه فليأت معاذاً، وقال أيضاً: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ ولولا معاذ لهلك عمر، وقال: مَن أراد الفرائض فليأتِ زيد بن ثابت وكان من أجمل الرجال قانتاً عابداً مجتهداً ورعاً محققاً شهد اليرموك ومات شاباً عن نيف وثلاثين سنة في طاعون عمواس سنة ١٨هـ.
سيدنا يزيد بن أبي سفيان ﵁
هو أبو خالد يزيد الخير بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي كان من فضلاء الصحابة من مسلمة الفتح استعمله النبي ﷺ على صدقات بني فراس وكانوا أخواله. أحد أمراء الأجناد بالشام وممن كان تحت رايته أبوه أبو سفيان وأخوه معاوية. وأمره عمر على فلسطين ثم على دمشق. مات في طاعون عمواس سنة ١٨ وقيل ١٩.
следующие страницы →