← Тараджим

Тараджим · id 7669

شجرة النور الزكية في طبقات المالكية

مخلوف، محمد بن محمد

Полный текст (970 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

يوم حنين. وقال النبي ﷺ : "مَن آذى العباس فقد آذاني فإن عم الرجل صنو أبيه" أخرجه الترمذي. وكان أعظم الناس عند رسول الله ﷺ والصحابة يعترفون له بالفضل ويشاورونه ويأخذون رأيه، وفي حديث أنس: إن عمر كان إذا قحطوا استسقى بالعباس. مات بالمدينة في رجب أو في رمضان سنة ٣٢ وله بضع وثمانون سنة. سيدنا جعفر ﵁ هو أبو عبد الله جعفر بن أبي طالب وكان أكبر من شقيقه علي ﵁ بعشرين سنة وهو من السابقين الأولين هاجر الهجرتين ونشر الدين بالحبشة وعلى يده كان إسلام النجاشي وقدم من الحبشة سنة سبع على رسول الله ﷺ وعانقه وقال: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر، وأسهم له ولأهل السفينة من فيء الفتح المذكور كما في الصحيحين واختط له رسول الله ﷺ إلى جنب المسجد وقال له: "أشبهت خلقي وخلقي". ثم غزا غزوة مؤتة بضم الميم وسكون الواو وبهمز وبدونه وهي بحدود الشام وكانت سنة ثمان وقتل فيها بعد أن قاتل حتى قطعت يداه معاً فقال رسول الله ﷺ : "إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء" فمن ثم قيل له ذو الجناحين. ولما بلغ النبي ﷺ نعي جعفر أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزاها فيه، فدخلت فاطمة تبكي وتقول: واعماه، فقال رسول الله ﷺ : على مثل جعفر فلتبكِ البواكي. وجدت فيه نحو تسعين جراحة ليس فيها شيء في ظهره. وهاته الغزوة من أعجب ما سطره التاريخ للإسلام كان المسلمون ثلاثة آلاف خاضوا بحراً من جيش الروم يتجاوز مائة ألف وهي فاتحة المعارك بين الإِسلام والروم وأول نصر عليهم. في البخاري أن رسول الله ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: أخذ الراية زيد فأصيب

стр. 807

ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان ثم أخذها سيف من سيوف الله تعالى حتى فتح الله عليهم. وفي رواية: ثم أخذها سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح عليهم. سيدنا زيد بن حارثة ﵁ هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي أصابه سبي في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة فوهبته للنبي ﷺ قبل أن يوحى إليه وزيد حينئذ ابن ثمان سنين فأعتقه ﷺ وكان من أحب الناس إليه وتبناه وكان يطوف به على حلق قريش ويقول: هذا ابني وارثاً وموروثاً. قال الزهري: لا أعلم أحداً أسلم قبله. وقال ابن عمر: ما كنا ندعو زيداً إلا زيداً بن محمَّد حتى نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] كما في البخاري ولم يذكر أحد في القرآن باسمه من الصحابة سواه. هاجر وشهد بدراً وكان ﷺ يؤمره على الجيوش وأمره على جيش مؤتة فقاتل حتى قتل قبل جعفر فلما أتى النبي ﷺ موت جعفر وزيد بكى وقال: أخواي ومؤنساي ومحدثاي. استشهد وهو ابن خمس وخمسين سنة. سيدنا عبد الله بن رواحة ﵁ هو أبو عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي أحد قواد الإِسلام في البعوث والسرايا وفي النقباء شهد بدراً وما بعدها وكان الخليفة بعد جعفر في غزوة مؤتة فاستشهد بعد الأميرين قبله وكان من شعراء الصحابة ينافح عن رسول الله ﷺ بسنانه ولسانه. ومن ذلك أنه أنشد بين يدي رسول الله ﷺ عند دخوله مكة: خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تأويله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله

стр. 808

فقال عمر: يا ابن رواحة أفي حرم الله وبين يدي رسول الله ﷺ تقول هذا الشعر؟ فقال: خلِّ عنه يا عمر فوالذي نفسي بيده لكلامه عليهم أشد من وقع النبل. وفي الزهد لأحمد أن النبي ﷺ قال: "رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة". سيدنا خالد بن الوليد ﵁ هو أبو الوليد خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي يجتمع مع النبي ﷺ في مرة أسلم على الأصح سنة سبع لم يشهد مع النبي ﷺ إلا ما كان بعد الفتح، كان موصوفاً في قومه بالشجاعة محبباً فيهم مقدماً عندهم بالحروب موفقاً للنصر عارفاً بأحوال الحرب، شهد وقعة مؤتة المذكورة آنفاً وأخذ الراية بعدما استشهد أمراء ثلاثة قبله وأبلى فيها البلاء الحسن حتى اندق يومئذ في يده سبعة أسياف، ثم ما زال يدافع القوم حتى انحازوا عنه ثم عاد بجيشي المسلمين. وفي هذه الوقعة سماه رسول الله ﷺ سيفاً من سيوف الله. له رواية في الصحيحين وغيرهما، وشهد مع رسول الله ﷺ مشاهد ظهرت فيها نجابته، وهو الذي أخضع أهل الردة، وقتل مسيلمة الكذاب ومن أبى من دفع الزكاة وكان على يده فتوح الكثير من البلاد الكبار بالعراق والشام وكان له بعد من جميل الأثر ما رأيت في فضائل أبي بكر وكان فتحه للعراق تمهيداً إلى تدويخ فارس وإدالة دولة الأكاسرة، وقد كانت أعظم الدول حينئذ شأناً وأرقاها مكاناً إلا أنها بلغت من الكبر عتياً ومن فشل السياسة مكاناً قصياً فجاءها جند الإِسلام بادي الشباب ناعم الأعصاب فأسس ملكه الجديد. وكانت حروب العراق أيام خالد أشد ما لقي المسلمون من حرب الفرس لاجتماع قبائل العرب بالعراق وجند فارس على حرب المسلمين، وبعدما تم له ذلك الفتح أمره أبو بكر بالمسير إلى الشام فسار وحصل له من الفتح هناك ما قد علم. قال بعض المؤرخين: قلّ أن يوجد فارس في العالم يوفق للنصر في كل واقعة كما وفق خالد ﵁ فإن التاريخ لم ينبئن عن انخذاله ولا في وقعة واحدة من وقائعه مع أهل الردة أو في العراق أو في الشام وهذا إنما هو من نتائج الحزم والشجاعة والبصيرة بأمور الحرب. وقد علمت كيف فلّ جموع الروم في اليرموك وكشف عن المسلمين سحب الضيق والحيرة منذ سلّموا قيادتهم له مع أن فيهم من

стр. 809

الصيد الصناديد وأهل البصيرة والرأي كعمرو بن العاص وأبي عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وأضرابهم من كماة الإِسلام وقادة الجيوش العظام. اتخذ ﵁ بعد تمام تلك الفتوحات مقراً له حمص وفيها توفي سنة ٢١ ومدفنه هناك لم يزل معروفاً يزار إلى الآن. ولما حضرته الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أنا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء. وما من عمل أرجى من لا إله إلا الله وأنا مترس بها. سيدنا خالد بن سعيد ﵁ هو خالد بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي من أشراف قريش وأعيانهم وهو أول مَن كتب بسم الله الرحمن الرحيم ومن السابقين الأولين، أسلم بعد أربعة وهاجر الهجرتين وصلّى الركعتين ورجع من الحبشة هو وزوجه وأخوه وابنته مع جعفر بن أبي طالب وكان استعمله النبي ﷺ على صدقات مذحج وأمره أبو بكر على مشارف الشام في الردة، استشهد في أجنادين أو مرج الصفر. سيدنا سالم مولى أبي حذيفة ﵄ هو أبو عبد الله سالم بن معقل كان من فضلاء الصحابة وخيارهم وكبرائهم من السابقين الأولين هاجر مع عمر ونفر مع الصحابة فكان يؤمهم لأنه أكثرهم قرآناً وكان يؤم المهاجرين وفيهم عمر شهد بدراً. روى البخاري ومسلم والنسائي والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه "خذوا القرآن من أربعة: ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبيّ بن كعب بن معاذ بن جبل" وروي عن عائشة ﵂ "احتبست على النبي ﷺ فقال: ما حبسك؟ قلت: سمعت قارئاً يقرأ فذكرت من حسن قراءته فأخذ رداءه وخرج فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة فقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك" شهد بدراً فما بعدها وكانت بيده راية المهاجرين اليمامة فقطعت يده اليمنى فأخذها باليسرى فقطعت أيضاً. مات فيها هو ومولاه حذيفة وجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر وذلك سنة ١٢.

стр. 810

سيدنا معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي ﵁ يكنى أبا عبد الرحمن إمام الفقهاء وسيد العلماء. شهد بدراً والعقبة وكان أميراً للنبي ﷺ على اليمن وخرج معه رسول الله ﷺ ماشياً ومعاذ راكباً منعه رسول الله ﷺ من أن ينزل. أخرج ابن حبان والترمذي من طريق أبي هريرة رفعه: نعم الرجل معاذ بن جبل. كان عقبياً بدرياً من فقهاء الصحابة وأخرج الترمذي وابن ماجه "أرحم أمتي أبو بكر وفيه وأعلمهم بالحلال الحرام معاذ" وفي الصحيح "استقرئوا القرآن من أربعة: ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل" وصح عن عمر أنه قال: مَن أراد الفقه فليأت معاذاً، وقال أيضاً: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ ولولا معاذ لهلك عمر، وقال: مَن أراد الفرائض فليأتِ زيد بن ثابت وكان من أجمل الرجال قانتاً عابداً مجتهداً ورعاً محققاً شهد اليرموك ومات شاباً عن نيف وثلاثين سنة في طاعون عمواس سنة ١٨هـ. سيدنا يزيد بن أبي سفيان ﵁ هو أبو خالد يزيد الخير بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي كان من فضلاء الصحابة من مسلمة الفتح استعمله النبي ﷺ على صدقات بني فراس وكانوا أخواله. أحد أمراء الأجناد بالشام وممن كان تحت رايته أبوه أبو سفيان وأخوه معاوية. وأمره عمر على فلسطين ثم على دمشق. مات في طاعون عمواس سنة ١٨ وقيل ١٩.

стр. 811

سيدنا أبي بن كعب ﵁ هو أبو المنذر أبيُّ بن كعب بن قيس النجاري الخزرجي أسلم قديماً شهد العقبة الثانية وبايع فيها وشهد بدراً والمشاهد بعدها وهو أول من كتب الوحي لرسول الله ﷺ بعد الهجرة وكان من فقهاء الصحابة وقرائهم وحسبك أن الله أمر نبيه ﷺ أن يقرأ عليه القرآن وقال فيه ﷺ : "أقرأكم أبي" وقال: "خذوا القرآن عن أربعة" وعدّ منهم أبياً وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ وكان عمر يسميه سيد المسلمين ويسأله عن المعضلات ويتحاكم إليه إذا وقع خلاف بين الصحابة وتوفي في خلافة عمر على الأكثر سنة ١٩ وقيل سنة ٢٠. تنبيه تخصيص هذه الأربعة بالذكر دون غيرهم ممن حفظ القرآن وهم كثير لأنهم هم الذين تفرغوا لتعليمه دون غيرهم ممن اشتغل بغير ذلك من العلوم أو العبادات أو الجهاد. ويحتمل لأنه ﷺ علم أنهم هم الذين ينتصبون لتعليمه فأحال عليهم لعلمه بأن الأمة ترجع إليهم كما أظهر الوجود إذ هم أئمة القراء وإلى روايتهم ينتهي غالب أسانيد الأئمة الفضلاء. اهـ من الأبي. سيدنا عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ يكنى أبا عبد الرحمن هو سادس من أسلم، كان يلج على رسول الله ﷺ ويلبسه نعله ويمشي معه وأمامه ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا نام، وقال له: إذنك عليّ أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي - بكسر السين أسراري - حتى أنهاك. وكان يشبه في هديه وسمته رسول الله ﷺ شهد له بالجنة. هاجر إلى الحبشة مرتين ثم إلى المدينة وصلّى القبلتين وشهد المشاهد كلها، شهد له كثير من الصحابة أنه

стр. 812

أعلمهم بكتاب الله تعالى قراءة وعلماً وكان من أعظم الأمور عليه أن الصحابة لما عزموا على كتب المصحف عيّنوا لذلك أربعة ولم يكن منهم ابن مسعود وكتبوه على لغة قريش ولم يعرجوا على ابن مسعود لأنه كان هذلياً وكانت قراءته على لغتهم وبينها وبين لغة قريش تباين عظيم فلذلك لم يدخلوه معهم. حدّث عن النبي ﷺ بالكثير وروى عنه الكثير من الصحابة والتابعين وكان يقول: أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة. أخرجه البخاري وهو أول من جهر بالقرآن بمكة وفي البخاري خذوا القرآن عن أربعة: عن ابن أم عبد ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة. وشهد فتوح الشام وسيّره عمر إلى الكوفة ليعلمهم أمورهم وبعث عمار بن ياسر أميراً وقال إنهما من النجباء من أصحاب محمَّد ﷺ فاقتدوا بهما ثم أمره عثمان على الكوفة ثم عزله واستقدمه إلى المدينة، قال حذيفة: ما أعلم أحداً سواه أشبه دلاً وهدياً برسول الله ﷺ ، وكان زاهداً صالحاً له مزايا كثيرة. وقد انتشر العلم والدين عن أصحاب أربعة من أعلام الصحابة ابن مسعود وأصحابه وهم أهل العراق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأصحابهما وهم أهل المدينة وابن عباس وأصحابه وهم أهل مكة. توفي بالمدينة سنة ٣٢ هـ. سيدنا أبو ذر ﵁ هو أبو ذر جندب بن عمرو الغفاري من كبار الصحابة أسلم بعد أربعة وقصة إسلامه في الصحيحين ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم عام الحديبية بعد أن مضت بدر وأحد والخندق. غلب عليه التعبد والتزهد فكان يعتقد أن جميع ما يفضل عن الحاجة كنز فإمساكه حرام، ودخل الشام بعد موت النبي ﷺ وهو ممن نشر العلم به والدين، وكان في رتبة ابن مسعود في العلم ووقع بينه وبين معاوية نزاع في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية فشكاه معاوية إلى عثمان فأقدمه عثمان المدينة واستأذن عثمان في إقامته بالربذة موضع منقطع عن المدينة ومات هناك سنة ٣٢ هـ وهو أول من حيى النبي ﷺ تحية الإِسلام وهي السلام عليكم وذلك لما دخل عليه ليسلم روى ابن عساكر عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر".

стр. 813

سيدنا المقداد بن الأسود ﵁ هو أبو الأسود المقداد بن عمرو بن ثعلبة الحضرمي تبناه الأسود واشتهر بذلك فلما نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ قيل له المقداد بن عمرو. أسلم قديماً وهاجر الهجرتين وشهد بدراً وما بعدها وكان فارساً يوم بدر ولم يثبت أنه كان فيها على فرس غيره. روى الترمذي مرفوعاً عن النبي ﷺ "إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم والمقداد وأبو ذر وسلمان" شهد فتح مصر وهو أحد الرجال الأربعة الذين بعثهم عمر مدداً لمصر وقال الواحد منهم مقام الألف مسلمة والمقداد والزبير وعبادة بن الصامت، مات سنة ٣٣ هـ. سيدنا عبادة بن الصامت ﵁ هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي أحد النقباء شهد بدراً وما بعدها كان من أعلام الصحابة وقضاتهم وشهد فتح مصر وكان أمير ربع المدد وقال فيه عمر مقامه من الرجال مقام الألف في الصحيحين قال: أنا من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الحديث وروى ابن سعد أنه ممن جمع القرآن على عهد النبي ﷺ كتب يزيد بن أبي سفيان إلى عمر قد احتاج أهل الشام إلى مَن يعلّمهم القرآن ويفقههم فأرسل معاذاً وعبادة وأبا الدرداء فقام عبادة بفلسطين وهو أول من تولى القضاء بفلسطين، مات بالرملة سنة ٣٤ هـ. سيدنا أبو الدرداء ﵁ هو عويمر بن عامر الأنصاري الخزرجي أسلم يوم بدر وشهد المشاهد كلها وآخى ﵊ بينه وبين سلمان فكانا من الزهّاد العبّاد وهو معدود من الفقهاء الحكماء قال فيه النبي ﷺ : "إنه حكيم هذه الأمة" وقال فيه: "ما حملت ورقاء ولا أظلت خضراء أعلم منك يا أبا الدرداء" تولى قضاء دمشق في خلافة عمر وعثمان وقيل إن عمر ولاه قضاء المدينة أيام خلافته، توفي سنة نيف وثلاثين.

стр. 814

سيدنا حذيفة بن اليمان ﵄ هو حذيفة بن اليمان بن جابر بن عمرو العبسي حليف بني عبد الأشهل من الأنصار من كبار الصحابة له ولأبيه صحبة من السابقين الأولين شهد أحداً وما بعدها وبها استشهد أبوه وله أياد في الإِسلام بعلمه وسيفه وكان على يده فتح الكثير من البلاد كالدينور وهمذان والري وغيرها وهو الذي أشار على عثمان بنسخ المصاحف وجمع الناس على مصحف واحد وتحريق ما سواه روى عن النبي ﷺ الكثير تولى بعض أمور الكوفة وولاه عمر المدائن وبقي بها إلى أن مات بعد قتل عثمان بيسير سنة ٣٦ هـ. سيدنا سلمان الفارسي ﵁ يكنى أبا عبد الله ويعرف بسلمان الخير وكان ينسب إلى الإِسلام فيقول: أنا سلمان ابن الإِسلام ويعد من موالي رسول الله ﷺ لأنه كان السبب في عتقه ونسبه ﷺ إلى بيته فقال: "سلمان منا أهل البيت" أصله فارسي وأبوه مجوسي فنبهه الله تعالى إلى قبح ما كان عليه أبوه وقومه وجعل في قلبه التشوف إلى طلب الحق ففر عن أرضه إلى أرض الشام فلم يزل يجول في البلدان ويختبر الأديان ويكشف الأحبار والرهبان إلى أن دل على راهب الوجود بالوصول إلى المقصود بعد الصبر على المشاق والمكاره حسبما ذلك منقول في إسلامه في كتب السير وأول مشاهده الخندق وهو الذي أشار بحفره ولم يفته بعد ذلك مشهد وكان خيراً فاضلاً عالماً حبراً زاهداً متقشفاً قال الحسن: كان عطاء سلمان خمسة آلاف وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به ويأكل من عمل يده حال كونه أميراً على المدائن عاصمة الأكاسرة وقال النبي ﷺ : "لو كان الدين في الثريا لناله سلمان" وفي رواية "رجال من الفرس" وعن عائشة كان لسلمان مجلس من رسول الله ﷺ ينفرد به من الليل حتى كاد يغلبنا عن رسول الله ﷺ . وقال رسول الله ﷺ : "إن الله أمرني أن أحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم: علي وأبو ذر والمقداد وسلمان" وعن علي ﵁ "إن سلمان مثل لقمان" وعن أبي هريرة قال: "كان سلمان صاحب الكتابين" قال قتادة:

стр. 815

يعني الإنجيل والفرقان. له أخبار حسان وفضائل جمة، توفي في آخر خلافة عثمان سنة خمس أو ست وثلاثين. قال الشعبي: وتوفي بالمدائن، قيل: عاش مائتين وخمسين سنة وقيل أكثر. سيدنا عمار بن ياسر ﵁ هو أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر العنسي حليف بني مخزوم، شهد المشاهد كلها من السابقين الأولين هو وأبواه وكانوا ممن يعذب في الله وماتت أمه في ذلك التعذيب وكان النبي ﷺ يمر عليهم فيقول: "صبراً آل ياسر موعدكم الجنة" وأول مَن أظهر إسلامه سبعة منهم ياسر، وعن علي ﵁ قال: "استأذن عمار على النبي ﷺ فقال: أذنوا له مرحباً بالطيب المطيب" وفي رواية أن علياً قال ذلك وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن عماراً ملىء إيماناً إلى حشاشته" أخرجه الترمذي وابن ماجه. كان من أعلام الصحابة وفقهائهم، روى عن النبي ﷺ الكثير وعنه جماعة من الصحابة والتابعين منهم ابن عباس. وفي الترمذي مرفوعاً "ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أيسرهما" وأخرج الترمذي عن حذيفة رفعه "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار" وتواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أن عماراً تقتله الفئة الباغية وأجمعوا على أنه قتل مع علي ﵁ بصفين سنة ٣٧ هـ وعمره ٩٣ عاماً. سيدنا عمرو بن العاص ﵁ هو أبو عبد الله أو أبو محمَّد عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي وأخوه لأمه عقبة بن نافع الفهري داهية العرب عقلاً ورأياً ولساناً وكانت له مكانة عند قومه لشهرته بالدهاء والمكيدة وكان حريصاً على الإمارة يحب الظهور ويميل إلى الإتيان بالأعمال الكبار ليكون كبيراً عند الناس جامعاً بين أجري الدنيا والآخرة. تأخر إسلامه وكان قبل فتح مكة بستة أشهر وكذلك خالد بن الوليد وكان حسن لصحبة محباً لرسول الله ﷺ شديد الحياء منه لا يرفع طرفه إليه إجلالاً له كما في الصحيح روي عنه أنه قال "ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد بن الوليد أحداً من أصحابه في حربه منذ أسلمت" رواه ابن عساكر وذلك بلا ريب لثقته بإسلامهما

стр. 816

في أمور الحرب وحسبهما فضيلة فتوحها العظيم بالعراق والشام ومصر. بعثه رسول الله ﷺ رئيساً على جيش فيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وذلك في غزوة ذات السلاسل وأرسله ﷺ إلى عمان والياً على الصدقة وأن يدعو الناس إلى الإِسلام فذهب ودعاهم إلى الإِسلام فآمنوا وحسبه الفضيلة العظيمة فتحه مصر وطرابلس الغرب وحروبه مع الأمراء بالشام كما رأيت فيما مر من هذا الكتاب إلا أنه عيب عليه دخوله غمار الفتنة العظمى وكونه اليد القوية فيها ومن مكائده في الفتنة إشارته برفع المصاحف في وجوه أصحاب علي وخداعه لأبي موسى الأشعري يوم التحكيم وبعد أن تم له فتح مصر والإسكندرية جعل مقره الفسطاط بأمر من أمير المؤمنين عمر بعد أن أقره والياً عليها فكان خير وال وأعظم قائد وأحب الولاة إلى الرعية وأشدهم قياماً على العدل والنظر في عمران البلاد وراحة أهلها فتألف بدهائه وحسن سياسته قلوب القبط حتى جعلهم عوناً للمسلمين وتمهدت له البلاد فأحبها وأحبه أهلها لذلك كان شأن مصر عنده عظيماً وإمارتها إليه محببة، وفي إمارته وقع حفر الخليج المعروف بخليج أمير المؤمنين الذي كان يمتد من الفسطاط إلى السويس وكان الصلة العظمى بين مصر والبحر الأحمر والهند وهذا الخليج قديم جداً قبل الإِسلام وتعطل قبل الفتح وسبب فتحه أن الناس أصابهم جهد شديد في خلافة عمر عام الرمادة فكتب إلى عمرو بن العاص "سلام عليك أما بعد فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومَن معك وأهلك ومَن معي، فيا غوثاه ثم يا غوثاه" فكتب إليه "من عبد الله عمرو إلى أمير المؤمنين أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك فقد بعثت إليك بعير أولها عندك وآخرها بمصر يتبع بعضها بعضاً" فلما قدمت على عمر وسع بها على الناس وأصاب كل بيت بعيراً بما عليه من الطعام فلما رأى عمر ذلك حمد الله وكتب إلى عمرو أن يقدم إليه مع جماعة من أهل مصر ولما قدموا قال لهم: "إن الله قد فتح على المسلمين مصر وهي كثيرة الخير والطعام وقد ألقى في روعي لما أحببت من الرفق لأهل الحرمين التوسعة عليهم حين فتح الله مصر وجعلها قوة لهم ولجميع المسلمين أن أحفر خليجاً من نيلها حتى يسيل في البحر فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة فإن حمله على الظهر يبعد ولا نبلغ به ما نريد" وأجابوه لذلك فانصرف عمرو وجمع الفعلة فاحتفر في حاشية الفسطاط مسافة من النيل إلى السويس فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن فحمل عليها ما أراد من الطعام إلى الحرمين وسمي خليج أمير المؤمنين ولم يزل على ذلك إلى مدة عمر بن عبد العزيز ثم ضيّعه الولاة بعده أما الخليج المعروف بالبرزخ وهو يصل البحر الأحمر بالبحر الأبيض فأبى عمر فتحه خوفاً من وصول الروم إلى البحر الأحمر

стр. 817

وهذا الخليج كان موجوداً في عهد البطالسة وآثاره باقية إلى عهد عمر ولم يزل عمرو والياً على مصر إلى خلافة عثمان فعزله وولاها عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم وليها في زمن معاوية وتوفي عليها يوم الفطر سنة ٤٣ هـ وهو ابن ٩٠ سنة ودفن بالمقطم وترك دنيا عريض وثروة واسعة ولما حضرته الوفاة بكى فقال له ابنه عبد الله: ما يبكيك وأجابه بما هو مذكور في حديث قصة إسلامه بطوله في صحيح مسلم. سيدنا زيد بن ثابت ﵁ هو أبو سعيد زيد بن ثابت الأنصاري النجاري الخزرجي شهد أُحداً فما بعدها وأعطاه ﷺ راية بني النجار في غزوة تبوك، وهو الذي تولى قسم غنائم اليرموك، وكان كاتب رسول الله ﷺ الوحي وغيره، ثم استكتبه أبو بكر فعمر، وهو الذي باشر جمع المصحف الشريف أيام أبي بكر كما في الصحيح، وتولى نسخ المصاحف زمن عثمان ومعه عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن حارث بن هشام القرشي المخزومي المتوفى سنة ٤٣ هـ: كان زيد رأساً بالمدينة في القضاء والفتوى والفرائض قال فيه ﵊: "أفرضكم زيد" كان عمر يستخلفه وكذلك عثمان واستعمله أميناً على بيت المال، وكان من الراسخين في العلم، وهو أحد الذين جمعوا القرآن في عهد النبي ﷺ . قال مالك: كان إمام الناس بالمدينة بعد عمر زيد بن ثابت، وكان إمام الناس بعده عبد الله بن عمر وقد أخذ بركابه يوماً ابن عباس وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقبَّل زيد رأسه وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا. توفي سنة نيف وأربعين وفي تحرير النيف أقوال وفي خمس وأربعين قول الأكثر. ولما مات قال أبو هريرة: مات حبر هذه الأمة، وعسى أن يجعل الله في ابن عباس منه خلفاً. ورثاه حسان بقوله: فمن للقوافي بعد حسان وابنه ... ومن للمعاني بعد زيد بن ثابت سيدنا سعيد بن العاص ﵁ هو أبو عثمان سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي كان من فصحاء قريش ولهذا ندبه عثمان فيمن ندب لكتابة القرآن، قال ابن أبي داود

стр. 818

في المصاحف إن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص أنه كان أشبههم لهجة برسول الله ﷺ . ولي الكوفة وغزا طبرستان وجرجان وكان في عسكره حذيفة وغيره من كبار الصحابة وولى المدينة لمعاوية وكان حليماً وقوراً مشهوراً بالكرم والبر. روى عن ابن عمر أنه قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ببردة فقالت: إني نذرت أن أعطي هذه البردة لأكرم العرب. فقال: أعطيها لهذا الغلام وهو واقف يعني سعيداً هذا. مات بقصره بالعقيق سنة ثلاث وخمسين. سيدنا أبو موسى الأشعري ﵁ هو عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري من علماء الصحابة وأعيانهم ومن السابقين الأولين هاجر الهجرتين، استعمله النبي ﷺ على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالهما واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة فافتتح الأهواز وأصبهان وغيرهما ثم استعمله عثمان على الكوفة وبه تفقه أهلها. روي له من الحديث ستمائة وستون حديثاً في الصحيحين منها ثمانية وستون حديثاً كان حسن الصوت بالقرآن. وفي الصحيح: "لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود" وكان عمر إذا رآه قال: شوقاً إلى ربنا يا أبا موسى فيقرأ عنده. قال الشعبي: انتهى العلم إلى ستة فذكره فيهم. وقال ابن المديني: قضاة الأمة أربعة: عمر وعلي وأبو موسى وزيد بن ثابت. شهد فتوح الشام، وكان أحد الحكمين بصفين وخدع فيه حتى كان ما كان، ثم اعتزل الفريقين. مات سنة اثنتين أو أربع وأربعين أو ثلاث وخمسين قيل بمكة وقيل بالكوفة وهو ابن نيف وستين. سيدنا الحسن وسيدنا الحسين ابنا سيدنا علي ﵃ قال الحافظ ابن حجر وقع جمعهما لما لهما من الاشتراك في كثير من المناقب وكان مولد الحسن في رمضان سنة ثلاث من الهجرة عند الأكثر ومات

стр. 819

بالمدينة مسموماً سنة خمسين وقيل قبلها وقيل بعدها ودفن بالبقيع إلى جنب قبر أمه، وصلّى عليه سعيد بن العاص. وقد تواترت الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ قال في الحسن: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين" الحديث. كان حليماً فاضلاً ورعاً دعاه فضله وورعه إلى ترك الملك رغبة فيما عند الله تعالى، وظهر صدق ذلك فإنه لما قتل أبوه علي بايعه أكثر من أربعين ألفاً وكثير ممن تخلف عن أبيه ومن نكث بيعته. فبقي خليفة بالعراق وما وراءها من خراسان خمسة أشهر. ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز وسار إليه معاوية في أهل الشام فلما التقى الجمعان بالأنبار كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى يهلك أكثر الأخرى فسلّم الأمر إلى معاوية على شروط. وأما الحسين فكان فاضلاً كثير الصوم والصلاة حجّ خمساً وعشرين حجة ماشياً. وقال ﷺ فيه وفي الحسن "سيدا شباب أهل الجنة" وقال: "هما ريحانتاي في الدنيا". شهد مع أبيه الجمل ثم صفين ثم قتال الخوارج وبقي معه إلى أن قتل. ثم مع أخيه إلى أن سلّم الأمر إلى معاوية فتحول مع أخيه إلى المدينة واستمر بها إلى أن مات معاوية فخرج إلى مكة ثم أتته كتب أهل العراق بأنهم بايعوه بعد موت معاوية فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب فأخذ بيعتهم وتوجه إليهم وكان من قصة قتله ما كان وقتل معه جماعة من أهل البيت في موضع يقال له كربلاء ويقال له الطف قرب الكوفة في يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ. مولده في شعبان سنة أربع على قول الأكير. سيدنا أسامة بن زيد ﵄ تقدم ذكر نسبه في مناقب والده يكنى أبا محمَّد ويسمونه حِب رسول الله ﷺ وتربى في بيت النبوة مع أولاده وكان يجعله في حجره هو وسبطه الحسن ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما" توفي النبي ﷺ وهو ابن عشرين سنة وولاه على جيش عظيم فيه أبو بكر وعمر فمات النبي ﷺ قبل أن يتوجه فأنفذه أبو بكر وتقدم الكلام على هذا الجيش في فضائل أبي بكر. وكان أسامة ممن اعتزل الفتنة. وتوفي آخر أيام معاوية.

стр. 820

سيدنا عبد الله بن سعد ﵁ هو أبو يحيى عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث القرشي العامري أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، شهد فتح مصر واختط بها وكان صاحب الميمنة في الحرب مع عمرو بن العاص وله مواقف محمودة في الفتوح براً وبحراً وأمره عثمان على مصر وافتتح إفريقية زمن عثمان وكانت ولايته مصر سنة ٢٥ هـ، وكان فتح إفريقية من أعظم الفتوح بلغ سهم الفارس فيه ثلاثة آلاف دينار وذلك سنة ٢٨ هـ وقيل كانت ولايته على مصر سنة ٢٧ هـ بعد عزل عمرو بن العاص، فغزا إفريقية ومعه العبادلة، وقيل: كانت ولايته سنة ٢٥ هـ وغزوة إفريقية سنة سبع وكان محمود السيرة ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان ولم يبايع لأحد. روى البغوي بإسناد صحيح عن يزيد بن أبي حبيب قال: خرج ابن أبي سرح إلى الرملة فلما كان عند الصبح قال: اللهم اجعل آخر عملي الصبح، فتوضأ ثم صلّى فسلّم عن يمينه ثم ذهب ليسلّم عن يساره فقبض الله روحه. وذكره البخاري من هذا الوجه، وأخرج السراج عن عبد العزيز بن عمران قال: مات ابن أبي سرح سنة ٥٩ هـ في آخر سني معاوية. سيدنا معاوية ﵁ هو أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان تقدم ذكر نسبه في مناقب أخيه يزيد. كان من كتبة الحسبة الفصحاء حليماً وقوراً، قال المديني: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي ومعاوية يكتب للنبي ﷺ فيما بينه وبين العرب، ولاه عمر الشام بعد أخيه يزيد وأقره عثمان ثم استمر فلم يبايع علياً ثم حاربه واستقل بالشام ثم أضاف إليها مصر ثم تسمى بالخليفة بعد الحكمين ثم استقل لما صالح الحسن واجتمع إليه الناس فسمي ذلك العام عام الجماعة، مات في رجب سنة ٦٠ هـ على الصحيح. سيدنا مسلمة بن مخلد ﵁ هو أبو سعيد مسلمة بن مخلد على وزن محمَّد الأنصاري الخزرجي. قال: ولدت حين قدم النبي ﷺ المدينة، وهو أحد الرجال الأربعة الذين بعثهم عمر

стр. 821

رضي الله عنه مدداً لفتح مصر وقال: الواحد منهم مقام الألف، وهو أول مَن جمعت له إمارة مصر والمغرب، مات سنة ٦٢ هـ. سيدنا مروان بن الحكم ﵁ هو أبو عبد الملك مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي وهو ابن عم عثمان وكاتبه في خلافته. ولد بعد الهجرة بسنتين وقيل بأربع كان يعد من الفقهاء، شهد فتح إفريقية وكان من أسباب قتل عثمان وشهد الجمل مع عائشة ثم صفين مع معاوية ثم ولى إمرة المدينة لمعاوية ولم يزل بها إلى أن أخرجه ابن الزبير في أوائل إمرة يزيد بن معاوية فبايعه بعض أهل الشام في قصة طويلة ثم كانت الوقعة بينه وبين الضحاك بن حنين وكان أميراً لابن الزبير فانتصر مروان وقتل الضحاك واستوثق له ملك الشام ثم توجه لمصر فاستولى عليها ثم بغته الموت فعهد إلى ولده عبد الملك فكانت مدته في الخلافة نحو نصف عام ومات في رمضان سنة ٦٥ هـ وهو أول من ضرب الدنانير الشامية وكتب عليها ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. سيدنا عبد الله بن العباس ﵁ هو أبو العباس عبد الله بن العباس ابن عم رسول الله ﷺ وأمه أم الفضل لبنانة بنت الحارث الهلالية. ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وهو أثبت الأقوال، كان من أعيان علماء الصحابة ومن أعلمهم بتفسير القرآن وكان عمر يقدمه مع الأشياخ وهو شاب. أورد في حديثه قال: ضمني النبي ﷺ وقال: "اللهم علَّمه الحكمة" وفي لفظ "علَّمه الكتاب" وفي رواية "فقهه في الدين" وفي رواية "فاغمسه في الدين وعلَّمه التأويل" وفي رواية "اللهم بارك فيه وانشر عنه واجعله من عبادك الصالحين" واختلف في تفسير الحكمة هنا فقيل الكتاب وقيل الإصابة في القول، وقيل الفهم عن الله، وقيل ما يشهد العقل بصحته، وقيل نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل سرعة الجواب بالصواب، وقيل غير ذلك، وكان ابن مسعود يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وكان ابن عمر يقول: ابن عباس فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول. وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت أجمل الناس

стр. 822

وإذا تكلم قلت أفصح الناس وإذا تحدث قلت أعلم الناس، وكان يسمى الحبر لغزارة علمه والبحر لاتساع حفظه ونفوذ فهمه، وجملة ما روي عن رسول الله ﷺ ألف حديث وستمائة وستون، في الصحيحين منها مائتان وأربعة وثلاثون، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ أبو هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة. وأحد العبادلة الأربعة عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير؛ والحاصل أن دعوات رسول الله ﷺ فيه قبلت وظهرت بركاتها عليه فاشتهرت علومه وفضائله فارتحل طلاب العلم إليه وازدحموا عليه ورجعوا عند اختلافهم لقوله وعولوا على نظره ورأيه، وكان يقال له حبر العرب ويقال إن الذي لقبه بذلك جرجير ملك الغرب وكان قد غزا مع عبد الله بن أبي سرح إفريقية فتكلم مع جرجير فقال له: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب، ذكر ذلك ابن دريد في الأخبار المنثورة. قال ابن يونس: وكانت هاته الغزوة سنة ٢٧ هـ فضائله جمة وتوفي بالطائف وفي وفاته أقوال والصحيح وهو قول الجمهور سنة ٦٨ هـ. ... شقيقه أبو محمَّد عبيد الله كان من فضلاء الصحابة وكان جميلاً سخياً جواداً، استعمله علي على اليمن وحجّ بالناس سنة ٣٦ هـ ومات بالمدينة سنة ٥٨ هـ وبه جزم أبو نعيم. سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ تقدم ذكر نسبه في مناقب والده يكنى أبا عبد الله وأبا عبد الرحمن أسلم قبل أبيه وفي الصحيحين قصته مع النبي ﷺ في نهيه عن مواظبة قيام الليل وصيام النهار وأمره بصيام يوم بعد يوم وبقراءة القرآن في كل ثلاث وهو مشهور وفي بعض طرقه أنه لما كبر كان يقول: يا ليتني كنت قبلت رخصة رسول الله ﷺ وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة حديثاً في البخاري عن أبي هريرة ما أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب روى

стр. 823

عن النبي ﷺ وجماعة من الصحابة وعنه الكثير من الصحابة والتابعين. شهد فتح مصر وإفريقية ومات سنة ٦٩هـ على أحد الأقوال وهو ابن اثنين وستين. سيدنا عبد الله بن الزبير ﵄ تقدم ذكر نسبه في فضائل والده يكنى أبا عبد الله أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ولد عام الهجرة وحفظ عن النبي ﷺ وهو صغير وحدّث عنه بجملة من الحديث وعن أبيه وأبي بكر وعمر وعثمان وخالته عائشة وغيرهم وهو أحد العبادلة وهو أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة حنكه النبي ﷺ بتمرة مضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبي ﷺ ودعا له وبرك عليه وهو أحد الأربعة الذين اقتدى بهم عثمان لنسخ المصاحف. شهد اليرموك مع أبيه والجمل مع عائشة ثم أعتزل حروب علي وشهد فتح إفريقية وبويع له بالخلافة سنة ٦٤ هـ عقب موت يزيد بن معاوية ولم يختلف عنه أحد إلا بعض أهل الشام ثم جهز عبد الملك بن مروان جيشاً أميره الحجاج إلى ابن الزبير فقاتله إلى أن قتل في جمادى الأولى سنة ٧٣ هـ في خبر طويل الذيل. سيدنا عبد الله بن جعفر ﵄ مر ذكر نسبه في مناقب والده يكنى أبا محمَّد ولد بالحبشة لما هاجر أبوه إليها. روى عن النبي ﷺ وعن أبويه وعمه وأبي بكر وعثمان وعمار بن ياسر وعنه جماعة روي عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "وأما عبد الله فيشبه خلقي وخلقي" ثم أخذ بيدي فقال: "اللهم اخلف جعفراً في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" قالها ثلاث مرات، وكان كريماً وأخباره في الكرم كثيرة شهيرة. شهد فتح إفريقية والمشهور أنه مات سنة ٨٠ هـ.

стр. 824

خلاصة اعلم أن الفتوحات الإِسلامية امتدت واتسعت في الجهات الشرقية والغربية زمن الخلفاء الراشدين لطهارة سيرتهم وصفاء سريرتهم ولعدلهم في بيت المال وغيره وكان الصحابة ﵃ هم الواسطة العظمى في انتشار الدين وتبليغه بنقل أقواله وأفعاله وأحواله وأخباره وبث العلم وانتشاره وبهم أشرقت على العالم أنوار النبوة المحمدية على صاحبها أشرف السلام وأزكى التحية واعترفت الأمة لله الواحد القهار بالوحدانية وبلغت من الرقيّ أعلاه ومن المجد أسناه وبسطت الخلافة الإِسلامية يدها على مشارق الأرض ومغاربها كل ذلك بواسطة الصحابة ثم التابعين رضوان الله عليهم أجمعين فهم الذين مهّدوا لنا المسالك وفتحوا لنا الأقطار والممالك وذلوا الأمم وأقاموا منار العدل ومحوا آثار الفساد والبغي والظلم وقد كانوا أسود نزال وعلماء حرب وقتال وكانت لهم الحرية الحقيقية لا يسكتون على منكر ولا يقرون على ضيم وكانوا غير مستبدين في الأعمال لا يبرمون أمراً من أمور الدولة إلا بعد المشاورة فيه مع عظماء الأمة وكان اختيار الأعمال المنوطة بهم يوكل إليهم والخليفة ينفذ ما استقر عليه رأيهم لأنه أرجى في نجاح الأمور لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة فكانت الأعمال منظمة والرياسة في أهلها والنجاح متأصل الأطراف مأمون مما يخاف. واعلم أني أشرت فيما تقدم للفتوحات الشرقية والغربية التي وقعت زمن الخلفاء الراشدين وهي في الحقيقة تمهيد للفتوحات الغربية وذكر أمراء إفريقية. وحيث كان ذلك هو الغرض الوحيد من تأليف هاته التتمة وقد آن الأوان فلنشرع في الغرض المقصود، مستعيناً بالواحد المعبود، فنقول: الفتوحات الغربية على يد الصحابة أول أمير تأمّر على جيوش إفريقية هو البطل المشهور المجاب الدعوة سيدنا عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعهد من الخليفة الثالث سيدنا عثمان بن عفان ﵁ وتحرير الخبر في ذلك كان استعمل على الحرب في مصر عبد الله بن سعد وأمره بغزو إفريقية سنة ٢٤ هـ أو ٢٥ هـ وقال له: إن فتح الله عليك فلك خمس الخمس من الغنائم، فأمر عقبة بن نافع بن عبد القيس القرشي الفهري الصحابي بالمولد على جند وعبد الله بن نافع بن الحارث على آخر وسرحهما فخرجوا إلى إفريقية في عشرة آلاف وصالحهم أهلها على مال يؤدونه ولم يقدروا على التوغل فيها

стр. 825

لكثرة أهلها، ثم إن عبد الله بن سعد شكا عمرو بن العاص إلى عثمان لخلاف وقع بينهما فاستقدمه عثمان واستقل عبد الله بن سعد على إمارتي الخراج والحرب في مصر، وكتب عبد الله يستأذن عثمان في قصد إفريقية ثانية ويستمده فجمع عثمان أصحاب رسول الله ﷺ واستشارهم في ذلك فأشاروا عليه بغزوها فندب الناس إلى ذلك فتسارعوا وخرج المهاجرون الأولون وفيهم جماعة أعيان الصحابة وأبناء الصحابة منهم العبادلة الأربعة ابن عباس وابن الزبير وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن والحسين ومروان بن الحكم. ولما اجتمع المسلمون على المسير جمع عثمان الناس وخطب خطبة قال فيها بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد، فإني قد عهدت إلى عبد الله بن سعد أن يحسن إلى محسنكم ويتجاوز عن مسيئكم وأن يرفق بكم ولا حول ولا قوة إلا بالله وقد استعملت عليكم الحارث بن عبد الحكم حتى تقدموا إلى عبد الله، فلما قدموا خرج بمن كان معه وبمن قدم عليه وذلك سنة ٢٦ هـ ولقيهم عقبة بن نافع فيمن معه من المسلمين ببرقة ثم ساروا إلى طرابلس فقاتلهم الروم قتالاً خفيفاً وبعث عبد الله السرايا في كل ناحية وساروا إلى إفريقية تونس فقابله عند مدينة يعقوبة - وفي رواية سبيطلة - حاكم إفريقية الشمالية من قبل إمبراطور القسطنطينية واسمه غريغوار ويسميه العرب جرجيراً بمائة وعشرين ألف مقاتل واشتبك بينهما القتال وجاءهم عبد الرحمن بن الزبير مدداً من قبل عثمان بفتح الزاي وهو غير الزبير بضم الزاي ابن العوام فشهد الحرب وقد غاب عنهما عبد الله بن سعد فسأل عنه فقيل له إنه سمع منادي جرجير يقول: من يقتل ابن أبي سرح فله مائة ألف دينار وأزوجه ابنتي، فخاف وتأخر عن حضور القتال فقال له عبد الله بن الزبير: تنادي أنت بأن مَن قتل جرجيراً نفلته مائة ألف وزوجته ابنته واستعملته على بلاده، وقد كان جرجير لما سمع بوصول المدد سقط ما في يده إلا أنه جالد المسلمين جلاداً عظيماً فلما أبطأ عليهم الفتح أشار عبد الله بن الزبير على عبد الله بن سعد أن يترك جماعة من أبطال المسلمين متأهبين للحرب ويقاتل العدو بباقي العسكر إلى أن يضجروا فيحمل عليهم بالآخرين على غرّة ففعل وركبوا من الغد إلى القتال وألحوا على الأعداء حتى اتبعوهم ثم افترقوا وقد أنهكهم التعب فركب عبد الله بن الزبير مع الفريق المستريحين وحملوا حملة واحدة حتى غشوا عسكر جرجير في خيامهم فانهزموا وقتل عبد الله بن الزبير جرجيراً وأخذت ابنته سبية فنفلها ابن الزبير وحاصر عبد الله بن سعد سبيطلة ففتحها وكان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألفاً وهو فتح عظيم لم يفتح على أحد مثله، ثم إن عبد الله بن سعد بعث سراياه إلى أنحاء البلاد وعليها القواد ومنهم ابن الزبير فجالوا

стр. 826

في أقطار المغرب غرباً وشرقاً وجنوباً، فأغاروا من جهة الجنوب على إقليم بين أسنة المعروف ببلاد النخل أو الجريد ومن الشمال والغرب على إقليمي نوميدايا وموريتانيا في الجزائر ثم بلاد فاس ومراكش المعروفة بموريتانيا الطنجية وهكذا حتى انقادت لهم البلاد إلى بوغاز جبل طارق ودفع أهلها لهم الجزية التي كانوا يؤدونها لقيصر الروم كما ذلك في خلاصة تاريخ العرب. أما مؤرخو الإِسلام فقد اختصروا أخبار هذا الفتح وذكروا الصلح الذي عرضه عظماء إفريقية على ابن سعد وهو أن يعطوه ثلاثمائة قنطار من الذهب أي مليونين وخمسمائة ألف دينار ونيفاً فقبل ذلك منهم وأرسل ابن الزبير بالفتح والخمس إلى أمير المؤمنين عثمان فاشتراه مروان بخمسمائة ألف دينار، ولما أصاب ابن سعد من إفريقية ما أصاب ورجع إلى مصر جهز قسطنطين بن هرقل أمبراطور القسطنطينية أسطولاً كبيراً مؤلفاً من ستمائة مركب أراد أن يهاجم به الإسكندرية على قول ابن خلدون وابن الأثير لم يذكر الجهة التي كان يريدها قسطنطين والظن أنه كان يريد إفريقية بدليل التجاء الأمبراطور إلى جزيرة صقلية بعد انكساره في هذه الغزوة وهي قريبة من تونس، ولما بلغ المسلمين خروج هذا الأسطول خرج لملاقاته في البحر أسطولان أسطول من الإسكندرية مع عبد الله بن سعد وأسطول من سورية مع معاوية بن أبي سفيان والتقيا معه في عرض البحر فقرنوا السفن إلى بعضها واقتتلوا قتالاً شديداً حتى استحر القتل فانهزم قسطنطين جريحاً إلى صقلية بما بقي معه من الروم ولما علم أهل صقلية فراره قتلوه وسمى المسلمون هذه الغزوة غزوة ذات الصواري والمكان كذلك لكثرة ما كان فيها من الصواري، ثم إن الأمبراطور فونستانس الثاني غضب على أهل إفريقية لما أعطوه من المال لابن سعد لأنه أكثر مما كانوا يعطوه لأمبراطورة الروم واغتنم فرصة اضطراب المسلمين وانقسامهم في التنازع على الخلافة فأرسل من قبله بطريقاً ليأخذ منهم مثله فأبوا فقاتلهم وطرد البطريق الذي ولوه عليهم من قبل المسلمين بعد جرجير فالتجأ إلى معاوية بن أبي سفيان وقد كان اجتمع له الأمر فنصره وبعث جيشاً أميره معاوية بن حديج بالحاء المهملة مصغراً الكندي له صحبة ورواية ووفادة وذلك سنة ٤٥ هـ لتدويخ البلاد وطرد الروم عنها ثانية ولما وصل الجيش إفريقية انتشب القتال بينه وبين جيش العدو قرب قصر أجم وكان النصر حليف المسلمين، وبعد هذا الفوز بعث معاوية بن حُديج عبد الله بن الزبير لسوسة ففتحها وفتح بنزرت وجلولا ووجه أسطولاً مهولاً لصقلية وغنم غنائم كثيرة ثم رجع معاوية لمصر بعد أن خلّد آثاراً حسنة وعزله الخليفة معاوية عن إفريقية وأقره على مصر ثم عزل عن مصر سنة ٥١ هـ وتوفي بها في السنة بعدها. أخرج ابن عبد الحكم عن سليمان بن سفيان قال:

стр. 827

غزونا إفريقية مع ابن حديج ومعنا بشر كثير من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار ثم غزا إفريقية عقبة بن نافع ومعه جماعة من الصحابة، وفي هذه الغزوة استشهد أبو زمعة عبيد الله بن أرقم البلوي نسبة لبلي كعلي قبيلة من قضاعة وهو صاحب المقام المعروف به خارج القيروان ودفنت معه شعرات من شعر النبي ﷺ فعظم بذلك قدر إفريقية واختط عقبة القيروان وبنى بها الجامع الأعظم المشهور وكان تأسيسه لها سنة ٥٠ هـ وتم سنة ٥٥ هـ وقاتل البربر وشردهم ثم عزله معاوية وولى مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد الأنصاري فوجه لإفريقية مولاه أبا المهاجر ديناراً سنة ٥٦ هـ وغزا جزيرة شريك وغيرها ولما توفي الخليفة معاوية وبويع لابنه يزيد رجع هذا الخليفة عقبة المذكور إلى عمل إفريقية ووصل القيروان سنة ٦٢ هـ. غزا كثيراً من الجهات وفتحها وشتت جموع البربر وغيرهم. قال ولي الدين بن خلدون: وصل عقبة إلى جبال درن وقاتل المصامدة بها وكانت بينه وبينهم حروب وحاصروه بجبال درن فنهض إليهم جموع زناتة وكانت خالصة للمسلمين منذ إسلام مغراوة فأفرجت المصامدة عن عقبة فأثخن فيهم حتى حملهم على طاعة الإِسلام ودوّخ بلادهم ثم دخل السوس لقتال مَن بها من صنهاجة وهي يومئذ على دين المجوس فأثخن فيهم وهزم جموع البربر وقفل راجعاً وكان كسيلة الأروبي في جيوش عقبة قد استصحبه في غزواته وكان يستهين به ويمتعضه حتى صار في نفسه شيء بسبب ذلك على عقبة وبلغ ذلك أبا المهاجر وهو معتقل عند عقبة فبعث إليه ينهاه ويقول له: كان رسول الله ﷺ يتألف جبابرة العرب وأنت تعمد إلى رجل جبار في قومه وبدار عزه وحديث عهد بالشرك فتستفسده وأشار عليه بأن يتوثق منه وخوّفه غائلته فتهاون عقبة بقوله. فلما قفل من غزاته هاته وانتهى إلى أرض الزاب، وكسيلة أثناء هذا كله في صحبته، صرف العساكر إلى القيروان أفواجاً ثقة بما دوخ من البلاد وأذل من البربر وبقي في قليل من الجند فلما وصل إلى تهودة وأراد أن ينزل بها الحامية نظر إليه الفرنجة وطمعوا فيه فراسلوا كسيلة ودلوه على الفرصة فيه فانتهزها وأرسل بني عمه ومَن تبعهم من البربر فاقتفوا أثر عقبة وأصحابه حتى إذا غشوهم بتهودة ترجل القوم وكسروا أجفان سيوفهم ونزل الصبر واستلحم عقبة وأصحابه فلم يفلت منهم أحد وكانوا زهاء الثلاثمائة من كبار الصحابة والتابعين، واستشهدوا في مصرع واحد، فيهم أبو المهاجر دينار. وأجداثهم ﵃ بمكانهم بأرض الزاب لهذا العهد، واتخذ على المكان مسجد يعرف باسم عقبة هو في عداد المزارات ومظان البركات بل هو أشرف مزور من الأجداث في بقاع الأرض لما توفي فيه من عدد الشهداء من الصحابة والتابعين الذين لا يبلغ

стр. 828

أحد مد أحدهم ولا نصيفه. وكان ذلك سنة ٦٣ هـ ثم بعد الوقعة زحف كسيلة إلى القيروان وبها يومئذ جمهور العرب ووجوه الإِسلام فبلغهم الخبر وعظم عليهم الأمر فقام زهير بن قيس البلوي فيهم خطيباً وقال: يا معشر المسلمين إن أصحابكم قد دخلوا الجنة فاسلكوا سبيلهم فخالفه قيس بن عبد الله الصنعاني لما علم أنه لا طاقة للمسلمين لما دهمهم هن أمر البربر ورأى أن النجاة بمَن معه من المسلمين أولى ونادى في الناس بالرحيل فاتبعوه إلا قليلاً منهم وانتقل زهير إلى برقة واجتمع إلى كسيلة جميع أهل المغرب من البربر والفرنجة وعظم أمره وتقدم إلى القيروان واستولى عليها في محرم سنة ٦٤هـ وفرّ منها بقية العرب ولحقوا بزهير ومَن بقي بها آمنه كسيلة، وثبت قدمه بالقيروان واستمر أميراً على البربر ومَن بقي من العرب خمس سنين، وقارن ذلك مهلك يزيد بن معاوية وإذ ذاك أمر الخلافة في الشرق في اضطراب إلى أن استقل عبد الملك بن مروان بالخلافة وأذهب آثار الفتنة بالمشرق فالتفت إلى المغرب وتلافى أمره على نحو ما سنذكره في الطبقة الآتية. صلة اعلم أنه دخل إفريقية مئات من الصحابة ووقع التصريح بأسماء بعض مَن دخلها غير أنهم قليلون بالنسبة لمَن دخلها وقد اقتطفت أسماءهم من الإصابة والاستيعاب والاستقصى والخلاصة النقية وغيرهم وهم نيف وأربعون من الطراز الأول وعليهم في الأمور المعول والواجب أن نطرز ما جمعته ونتوج ما أسلفته بذكر أسمائهم اهتماماً بشأنهم ﵃: عبد الله بن عمر بن الخطاب. عبد الله بن عمرو بن العاص. عبد الله بن الزبير. عبد الله بن العباس. عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. عبد الله بن مسعود. عبد الله بن سعد بن أبي سرح. الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وريحانتا رسول الله ﷺ المقداد بن الأسود. مروان بن الحكم. سعيد بن العباس. مسلمة بن مخلد. أبو لبابة.

стр. 829

هؤلاء ترجمت لبعضهم في هاته التتمة وبعضهم في الطبقة الثانية في المقصد. ولنذكر مَن لم نترجم له فيما سلف من هذا الكتاب. عبد الله بن نافع بن الحصين وجهه عثمان مع ابن أبي سرح لشدة بطشه وإصابة رأيه. أبو ذؤيب خالد بن خويلد الهذلي الشاعر المشهور كان فصيحاً متمكناً من الشعر، وعاش في الجاهلية دهراً وأدرك الإِسلام وأسلم على عهد النبي ﷺ ولم يره. روى ابن عبد البر أن أبا ذؤيب قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ عليل فاستشعرت حرباً وبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها ولا يطلع نورها حتى إذا كان قرب السحر غفيت فهتف بي هاتف يقول: خطب أجل أناخ بالإِسلام ... بين النخيل ومعقل الآطام قضى النبي محمد فعيوننا ... تذري الدموع عليه بانسجام قال: فوثبت من نومي فزعاً فنظرت إلى السماء فلم أرَ إلا سعد الذابح فتفاءلت به ذبحاً يقع في العرب وعلمت أن النبي ﷺ مات، فركبت ناقتي وسرت. وروي أنه لما وصل وجد النبي ﷺ ميتاً وحضر الصلاة عليه ودفنه، وشهد بيعة أبي بكر وسمع خطبته. ورثى النبي ﷺ بقصيدة منها: كسفت لمصرعه النجوم وبدرها ... وتزعزعت آطام بطن الأبطح كان أصاب الطاعون خمسة من أولاده فماتوا في عام ولهم بأس ونجدة فقال في قصيدته التي أولها: أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع ومنها: وتجلدي للشامتين أريهم ... إني لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها .... ألفيت كل تميمة لاتنفع والنفس راغبة إذا رغبتها .... وإذا ترد إلى قليل تقنع سئل حسان بن ثابت مَن أشعر الناس قال رجلاً أو قبيلة، قالوا قبيلة قال هذيل. في طبقات أبي العرب محمَّد بن تميم: من أعيان الصحابة الذين شهدوا إفريقية عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبو ذؤيب الهذلي وتوفي بإفريقية وقام بأمره عبد الله بن الزبير ونزل في لحده.

стр. 830

عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ يكنى أبا محمَّد وأبا عبد الله وهو أسن ولد لأبي بكر وكان صالحاً لم يجرب عليه كذبة قط شجاعاً رامياً شهد بدراً واليمامة والجمل وإفريقية كما في طبقات أبي العرب. كان من أعلام الصحابة. مات بمكان على عشرة أميال من مكة وبها دفن سنة ٥٤ هـ على أحد الأقوال. عبد الرحمن بن الزَّبير بفتح الزاي وكسر الموحدة. بعثه عثمان مع جيش مدداً لابن أبي سرح بإفريقية. عبيد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ كان من شجعان قريش وفرسانهم ولما قتل أبو لؤلؤة والده عمر عمد عبيد الله هذا إلى الهرمزان وجماعة من الفرس وقتلهم حيث اتهمهم بالمؤامرة على قتل والده عمر ﵁ في خبر تركنا إيراده خشية التطويل. شهد إفريقية وقتل بصفين مع معاوية سنة ٣٦ هـ. أخوه عاصم دخل إفريقية ومات بالربذة سنة ٦٨ هـ على أحد الأقوال. عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي استشهد بإفريقية وفي الإصابة مات سنة ٤٣ هـ وهو أحد الأربعة الذين تولوا نسخ المصاحف زمن عثمان. معبد بن العباس بن عبد المطلب استشهد بإفريقية. حمزة بن عمرو الأسلمي. أبو نعيم معاوية بن حديج بضم الحاء المهملة مصغراً كان من فضلاء الرجال. شهد فتح مصر مع عمرو بن العاص وأمره معاوية على الجيش الذي جهزه لمصر والأمير عليها محمَّد بن أبي بكر الصديق من قبل علي ﵁ ولما قتل بايع المصريون معاوية وتولى غزو المغرب مراراً آخرها سنة ٥٠ ومات بمصر سنة ٥٢ هـ. بلال بن الحارث بن عاصم المزني أبو عبد الرحمن من أهل المدينة اقتطعه النبي ﷺ العقيق وكان صاحب لواء مُزينة يوم الفتح. مات سنة ٦٠ هـ وله ثمانون سنة. جرهد بن خويلد الأسدي يكنى أبا عبد الرحمن من أصحاب الصفة مات في خلافة يزيد. جبلة بن عمر الأنصاري هو أخو أبي مسعود البدري. غزا إفريقية مع ابن حُديج، شهد أحداً وفتح مصر وصفين مع علي وكان فاضلاً من فقهاء الصحابة. حِبان بكسر الحاء المهملة وموحدة بعثه عمر بن الخطاب لمصر ليفقه الناس ومات بإفريقية.

стр. 831

خالد بن ثابت العجلاني الفهمي شهد مصر وغزا إفريقية مع مسلمة بن مخلد. رويفع بن ثابت الأنصاري النجاري ولاه معاوية على طرابلس سنة ٤٦ هـ وغزا إفريقية من قبل مسلمة بن مخلد ومات ببرقة وهو أمير عليها من قبل مسلمة المذكور. مسلمة بن الأكوع الأسلمي كان شجاعاً رامياً سابقاً يسبق الفرس على قدميه، مات بالمدينة سنة ٧٤ هـ وهو وابن ثمانين سنة. ربيعة بن عباد بكسر العين وتخفيف الباء، مات في خلافة الوليد. أبو أيمن سفيان بن وهب الخولاني ولي إمرة إفريقية زمن عبد العزيز بن مروان ومات سنة ٨٢ هـ. مسعود بن الأسود القرشي العدوي المعروف بابن العجماء. المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري له ولأبيه صحبة، مات سنة ٦٤هـ. المسيب بن حزن القرشي المخزومي والد سعيد بن المسيب له ولأبيه صحبة. المطب بن أبي وداعة القرشي السهمي له ولأبيه صحبة. المنيذر الأسلمي دخل إفريقية والأندلس ولم يدخلها أحد من الصحابة سواه. أبو المبتذر أو المبتذل دخل إفريقية. أبو زمعة عبيد الله بن أرقم وقيل عبيد بن آدم البلوي صاحب المقام المشهور خارج القيروان من أصحاب الشجرة وله رواية مرَّ ذكره قريباً. أبو المهاجر دينار كان من الشجعان وذوي الرأي المصيب ولما تولى مسلمة بن مخلد أمر مصر وإفريقية بعث مولاه أبا المهاجر سنة ٥٦ هـ لإفريقية عوض عقبة بن نافع ودخلها وتولى أمرها وقاتل البربر وفي سنة ٦٢ هـ رجع يزيد بن معاوية عقبة لإفريقية وبقي أبو المهاجر عنده معقولاً إلى أن استشهد مع عقبة سنة ٦٣ هـ ومر ذكره قريباً وفي صحبته توقف وهو عقبة بن نافع بن عبد القيس القرشي الفهري خاله عمرو بن العاص له صحبة بالمولد. شهد فتح مصر واختط بها ثم ولاه يزيد بن معاوية إمرة الغرب وغزا البربر وشردهم وهو الذي اختط القيروان وجامعها الأعظم قدم على عثمان بن عفان بفتح إفريقية، بعثه ابن أبي سرح وأوصى أولاده بأن لا يقبلوا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا من ثقة ولا يكتبوا ما يشغلهم عن القرآن. وبالجملة فإن فضائله جمة، قتله البربر هو وأصحابه سنة ٦٣ هـ ومرت الإشارة إلى ذلك قريباً.

стр. 832

أبو شداد زهير بن قيس البلوي يقال له صحبة كان من العابدين الصالحين ومن رجال الكمال. شهد فتح مصر ولما تولى عبد الملك وبلغه ما فعله كسيلة بعقبة وغيره بعث لزهير وهو ببرقة بالتوجه لإفريقية واستنقاذها من كسيلة سنة ٦٩ هـ وبعد انتصاره وقتله كسيلة خاف الفتنة بحصول ذلك الملك، رجع للشرق ولما بلغ برقة لقي الروم في عدد قليل فقاتل حتى قتل شهيداً هو ومَن معه في خبر يأتي ذكره قريباً. فقد تم لإفريقية بدخول هؤلاء السادة الفضلاء القادة مزيد الاعتبار والافتخار على كثير من الأمصار والأقطار وأول مدينة أسسوها القيروان وبها كرسي المملكة وصارت مناخ الأبرار من الصحابة والتابعين ومقر الأخيار من الأمراء والعلماء العاملين ومنها وقع تجنيد العساكر المحمدية ونشر الملة الأحمدية عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية إلى سائر الجهات الغربية الأندلس والسودان والصحراء وستعلم ذلك. جغرافية المغرب أي إفريقية الشمالية الغربية يحدها من الشمال الأوقيانوس الأطلانتيك ومضيق جبل طارق والبحر المثوسط وشرقاً بلاد مصر والبحر المتوسط أيضاً وجنوباً الصحراء الكبيرة وغرباً الأوقيانوس وكانت تنقسم في صدر الإِسلام إلى ثلاثة أقسام كبرى المغرب الأقصى وقاعدتها فاس ومراكش والمغرب الأوسط وهي المعروفة بالجزائر وقاعدتها تلمسان ومدينة الجزائر على البحر المتوسط والمغرب الأدنى وهي ولاية طرابلس وتونس وكانت قاعدتها القيروان بالقرب من تونس أما المغرب الأقصى فهو الآن تحت حماية دولة فرنسا وينقسم إلى أقسام فاس ومراكش ودرعة وتافيلات والرباط وسلا على شواطىء الأوقيانوس الأطلانتيك والسوس ومن جبالها درن وغمارة ومديونة ويحده قسم كبير يعرف بالريف تحت حماية دولة إسبانيا ومن مدنه تطاون وسبتة ومليلة وطنجة على ساحل البحر المتوسط وأما الجزائر وهي المغرب المتوسط فتنقسم إلى ثلاثة أقسام كبرى وهي الجزائر ووهران وقسنطينة وهي متابعة لدولة فرنسا ومن مدنها الشهيرة بجاية وعنابة أو بونة ووهران ومستغانم وهي على البحر المتوسط. وأما المغرب الأدنى سمي بذلك لقربه من مقر الخلافة بالمشرق وفيها ولايتا طرابلس وتونس وكانت قاعدتها القيروان بالقرب من تونس وأشهر مدنه طرابلس وبرقة وبنغازي وتونس وهي قرب أطلال قرطاجنة القديمة وتسمى قديماً إفريقية وربما سموا إقليم تونس بهذا الاسم ثم سموا القارة كلها به من باب تسمية الكل باسم

стр. 833

الجزء وهي على البحر المتوسط ومن مدنها الشهيرة بنزرت وسوسة والمنستير والمهدية وصفاقس وقابس وهي على البحر المتوسط والقيروان أسسها عقبة بن نافع الفهري وجعلها قاعدة البلاد فولاية طرابلس هي الآن تحت حكم إيطاليا وولاية تونس تحت حماية دولة فرنسا. الكلام على قرطاجنة في الحلل السندسية قرطاجنة بفتح القاف وسكون الراء وبعدها طاء مهملة وألف وجيم مفتوحة ونون مشددة وهي وإن تلاشت وخربت فإنها كانت من أضخم ممالك إفريقية وأكثرها عدداً وأقواهاً عدداً وأتقنها بناءً وأغربها أقباءً وأوسعها مجالاً وأشدها قتالاً وأحكمها صناعة وأرفعها بضاعة وأطبها أرضاً وأطولها أعماراً. وأول مَن وضع هذه المدينة امرأة تسمى أنسية ديدون فنيقية وتدعى عليسة من بنات بعض الملوك وكانت زوجة ملك من كبار ملوك الروم ومات ولم يكن لها ولد وكان لها أخ وكان ملكاً أيضاً فأراد الاستيلاء على ملكه وما خلفه من الخزائن والأموال فماطلته حتى ركبت البحر بجميع ذخائرها ودخلت إفريقية وأسست قرطاجنة وعمرتها وأنشأت الدور والجنان والقصور. وفي الاستقصى قرطاجنة إحدى مدن الدنيا الشهيرة هدمها الروم قبل المسيح ﵇ بمائة وستة وأربعين سنة ثم أسست ثانية وخربها العرب. وفي الحلل لما وقعت العداوة بين صاحب قرطاجنة وصاحب رومة الكبرى وقعت بينهم حروب ثلاث الأولى آلت إلى صلح بينهم وكانت الدائرة فيها على صاحب رومة ثم إن صاحب رومة جهز عمارة بحرية وقصد قرطاجنة وأول بلدة نزلها قليبية وكانت الدائرة على صاحب قرطاجنة وانفصلت على مال يؤدونه إلى صاحب رومة سنوياً ثم تجددت الحرب وهي الثالثة آل الأمر فيها باستيلاء صاحب رومة على قرطاجنة وأعاد لها عمرانها إلى أن فتحها الإِسلام. وقال ولي الدين بن خلدون: كانت الروم والفرنجة والقوط بالعدوة الشمالية من البحر الرومي وكان أكثر حروبهم ومتاجرهم في السفن وكانوا مهرة في ركوبه والحرب في أساطيله وبهذه الأساطيل دخل الروم لإفريقية والقوط إلى المغرب وملكوها وتغلبوا على البربر وانتزعوا من أيديهم أمرها وكان لهم بها المدن الحافلة مثل قرطاجنة وسبيطلة وجلولا ومرناق وشرشال وطنجة وكان صاحب قرطاجنة من قبلهم يحارب صاحب رومة ويبعث الأساطيل لحربه مشحونة بالعساكر والعدد وكانت هاته عادة لأهل البحر قديماً وحديثاً. اهـ.

стр. 834

وزبدة القول على مقتضى ما حققه بعض المتأخرين أن قرطاجنة مدينة عظيمة على البحر المتوسط أسسها الفينيقيون سكان سواحل سورية وكان لها في التاريخ القديم شأن عظيم ومنها ظهر القائد الشهير هنبال الذي غزا الرومانيين في عقر ديارهم وما زالت قرطاجنة التي كانت ضرة رومة شجى في حلق الرومانيين حتى وإلى عليها الرومانيون الغزوات وأخربها القائد سيبون سنة ١٤٩ أهـ قبل المسيح والظاهر أن الخراب لم يأتِ عليها كلها بل حفظت شيئاً من رونقها القديم إلى العصر الإِسلامي وتكرر عصيان أهلها وامتناعهم في حصونها العظيمة ولما اشتدت الفتنة الكبرى في إفريقية على عهد عبد الملك بن مروان أرسل حسان بن النعمان الغساني لاستخضاع أهلها فقصد البربر وقاتلهم ثم قصد قرطاجنة وافتتحها ولما عاد عنها امتنعت ثانية فرجع إليها وحاصر أهلها حتى ألجأهم للتسليم بعد أن فرَّ منهم من طريق البحر مَن فر ثم أمر بتخريبها فخربت وعفا أثرها ومن أنقاضها عمرت تونس وهذا التخريب وإن عد عند الأثريين سيئة لحسان إلا أنه عند السياسيين ليس بشيء لأن الدول من دأبها أن يعفي اللاحق منها أثر السابق وإذا خرب المسلمون في إفريقية هذه المدينة فقد أقاموا مدناً غيرها ربما كانت أعظم منها كتونس والقيروان والقاهرة وغيرهن وإنما تفضل قرطاجنة على غيرها باعتبار أنها أثر قديم من آثار أمة عظيمة كان لها شأن كبير في التاريخ لذا فليس ببدع أن يأتي حسان ما أتاه ويأتيه غيره في كل دولة من الدول لا سيما وإنما اعتبار البلدان التاريخي الأثري لم يكن في تلك العصور بالمنزلة التي انتهى إليها في هذا العصر. واعلم أن إفريقية تداولتها دول قبل الفتح الإِسلامي المعروف منها أربع دول ويعبر عنها ب الأطوار الأربعة: الطور الأول: دولة قرطاجنة تأسست سنة ٨٨ هـ قبل المسيح أسستها ديدون المذكورة، وقد بلغت هاته الدولة الغاية في الحضارة والعمران والقوة، لهم معرفة وحذق بأساليب الملاحة والتجارة وما وقع الاكتشاف عليه من آثارها يدل على ذلك، واستولت على جزير كثيرة وامتدت شوكتها في الأرض وبعد صيتها حتى صارت لا ترى غيرها وزعيمتها إذ ذاك في الشوكة دولة الرومان برومة وكانت على غاية في القوة فرام صاحب قرطاجنة هنبال القائد الشهير محاربتها فأول ما بدأها به استيلاؤه على صقلية ثم انتشبت الحرب بين الدولتين وتوالت وقصد الرومان قرطاجنة بأسطول مهول ونزلوا بمرسى قليبية. وأشهر الوقائع في هاته الحرب انتصار القنصل الروماني

стр. 835

ريكرلوس على جيوش قرطاجنة قرب رادس ثم انتصار قرطاجنة قرب تونس ووقوع هذا القنصل أسيراً ببد قرطاجنة وانتهت هاته الحروب بصلح تعالى قرطاجنة في شروطه ثم رجعت الحرب بين الدولتين أعظم من الحروب المتقدمة وانتهت باستيلاء الرومان على تونس وصارت متابعة لرومة بعد صلح شروطه مهينة لقرطاجنة ثم أخذ الرومان في الاستيلاء شيئاً فشيئاً حتى استولى على كامل إفريقية وأفضى الحال إلى اضمحلال قرطاجنة وذهاب مهابة الدولة ومن أعظم الأسباب على ذهابها انضمام البربر إلى جيوش الروم. الطور الثاني: دولة الرومان واستيلاؤها النهائي كان سنة ١٤٦ هـ قبل المسيح وأول شيء فعلته مع القرطاجنيين بعد تلك الوقائع والضغائن المتقدمة إبقاء ما كان على ما كان من حكومة وترتيب وتدين وغير ذلك وساروا معهم سيرة حسنة، وبذلك انقاد القرطاجنيون للرومان وصارت عوائدهم وطبائعهم واحدة وحصل بذلك الأمن والراحة، وفي مدتهم كانت إفريقية لنظر قنصل عام بولاية الأمبراطور تحت رياسة حكام آخرين من الرومان وظيفتهم مراقبة المدن وعروش البربر التي كانت أحكامها بيد عمال البربر وحماية البلد كانت منوطة بقوة كافية من العساكر بقرطاجنة لتمهيد الراحة لنظر قائد روماني بولاية من الأمبراطور أيضاً. ولما رسخ قدم هاته الدولة أخذت بجد واجتهاد في السعي بما يوجب عمران إفريقية فشيدوا المدن والهياكل الضخمة كقصر أجم ومرسم دقة وآثار قرطاجنة واعتنوا اعتناءً زائداً بالفلح من زراعة وغراسة وجلب المياه وحفر الآبار وأساليب الري واستخراج المعادن وغير ذلك من الوسائل الموصلة إلى العمران والمنافع الكبيرة حتى صارت إفريقية مصدراً للحبوب والغلال تجلب محصولاتها إلى سائر الجهات الرومانية وصاروا يسمونها مطمورة الرومان، وحصل بذلك عمران عظيم في إفريقية قيل إنها كانت في ذلك الوقت تحتوي على ستة ملايين من السكان ومن ملوك هاته الدولة فرنسا الذي نقل كرسي مملكته إلى قسطنطينية ثم اغتصب منه الملك جيوش مع بقائه تحت الرومان، ثم ظهر أغسطوس واستولى على الملك وعلى عهده ولد المسيح وكان محباً للعلم وأهله عادلاً في رعيته. قيل إنه يعرض عزل نفسه كل عام على رعيته فلا يرضون بغيره ثم بعده جوفاوا قام في الملك نحو خمسين عاماً. وفي هاته المدة أخذ دين المسيح في الظهور بإفريقية بعد أخذه في الانتشار بالمشرق وأوروبا، واستمرت إفريقية في السعادة ونمو العمران مدة ثلاثة قرون بعد المسيح وكانت سيرة ملوكهم سيرة عدل

стр. 836

حيث كانت الدولة معتدلة الأحكام سديدة الترتيب. ولما اختل نظام الدولة أوائل القرن الرابع لاستبداد الملوك وتوالي الفتن وامتد هذا الخلل لإفريقية، وزاد الطين بلة والمريض علة بما ظهر من المناقشات الدينية بين البربر ومسيح الرومان، حتى آل الأمر إلى الانقسام إلى ملوك كثيرة وفتن وحروب بين البربر وغيرهم ودام هذا الحال أعواماً كثيرة وآماداً طوالاً، فاضمحلت بسبب ذلك دولة الرومان سنة ٤٣٨ هـ بعد المسيح وانتهى سلطانها على إفريقية وغيرها وتركت آثاراً خالدة أخذ منها الأوروباويون معارف كثيرة. الطور الثالث: استيلاء الوندال - وهو اسم قبيلة من القبائل الجرمانية - على إفريقية سنة ٤٣٨ هـ ودامت سلطنته ٩٤ عاماً. الطور الرابع: استيلاء الروم البيزنطيين على إفريقية إلى أن ظهر الإِسلام وفتحها على نحو ما مرَّ شرحه وكان الوندال والروم أهل ترف وملاذ في المساكن والملبس مع تكلف وتبذير. فصل اعلم أن المؤرخين والنسّابين اختلفوا في نسب البربر اختلافاً كثيراً، وفي الاستقصى بعد ذكر أقوال في ذلك: وأشبه الأقوال بالصحة أن بني حام تنازعوا مع بني سام فانهزم بنو حام أمامهم إلى المغرب وتناسلوا به واتصلت شعوبهم من أرض مصر إلى آخر المغرب إلى تخوم السودان. وكان بسواحل المغرب الأفارقة والإفرنج فكانت ذرية حام في المداشر والخيام والأعاجم الأول في البلدان، وبقي أكثر أولاد حام في بلاد فلسطين من أرض الشام إلى زمن داود ﵇ وكان ملكهم يسمى جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلّمه مما يشاء. أمر بإجلائهم عن بلاد كنعان وفلسطين إلى أرض المغرب فساروا نحو إفريقية وانتشروا هناك حتى ضاقت بهم البلاد وامتلأت منهم الجبال والكهوف والرمال وصاروا يتبعون مواقع القطر بالإبل وبيوت الشعر ولم تقدر الإفرنج على ردهم ودفاعهم فانحازت الأعاجم في المدن وبقي البربر فيما عداها وهم مع ذلك على أديان مختلفة يدين كل واحد منهم بما شاء من الأديان فمنهم مَن تمجس ومنهم مَن تهؤد ومنهم مَن تنصّر، واستمر الحال على ذلك إلى زمن الإِسلام وكان فيهم رؤساء وملوك وكهان، ولهم حروب وملاحم

стр. 837

عظام مع مَن قارعهم من الأمم. فالبربر جيل معروف من أعظم الأجيال وأعزها ولهم الفخر الذي لا يجهل، والذكر الذي لا يهمل. وقد تعددت فيهم الدول، وكثر فيهم الملوك العظام، وكان لهم القدم الراسخ في الإِسلام، واليد البيضاء في الجهاد، ومنهم الأئمة والعلماء والأولياء والشعراء والأمراء، وأهل المزايا والفضائل. والبربر شعبان عظيمان بحيث لا يخرج بربري عنهما. قال ابن خلدون: علماء النسب متفقون على أن البربر يجمعهم جدان عظيمان وهما برنس ومدغيس ويلقب بالأبتر فلذلك يقال لشعوبه البتر ويقال لشعوب برنس البرانيس، وبين النسابين خلاف هل هما لأب واحد أو لا؟ فعند ابن حزم هما لأب واحد والجميع من نسل كنعان بن حام، وقال سابق بن سليمان المطماطي وغيره من نساب البربر: إن البرانس فقط من نسل كنعان وأما البتر فهم من بني جرس بن قيس بن غيلان بن مضر وهذا القول مقول فيه. والحق أن الشعبين معاً عريقان في البربرية وأن الجميع من ولد مازيغ من ولد كنعان بن حام، فأما البرانس فتنقسم إلى سبعة قبائل: أروبة وصنهاجة وكتّامة ومصمودة وعجيسة وأوريغة وأرداجة ويقال ورداجة بالواو بدل الهمزة، وزاد سابق المطماطي وغيره ثلاثة قبائل وهم: لمطة وهسكورة وجزولة فتكون عشراً. فأما أروبة فكان منها كسيلة الأروبي قاتل عقبة ﵁ الذي مرّ ذكره ومنهم إسحاق بن محمَّد بن عبد الحميد الأروبي القائم بدعوة إدريس بن عبد الله. وأما صُنهاجة فهم أكبر قبائل البربر حتى زعم كثير من الناس أنهم مقدار الثلث فهم بنو زيري بن مناد ملوك إفريقية الآتي ذكرهم، والملثمون ملوك مراكش والأندلس. وأما كتامة فهم القائمون بدعوة العبيديين بإفريقية ومصر. وأما المصامدة فمنهم عمارة وكان منهم بليان النصراني صاحب سبتة وطنجة أيام دخول عقبة المذكور إلى المغرب الأقصى وهم القائمون برغواطة أهل تامسنا وما اتصل بها ومنهم أهل جبل درن وهم القائمون بدعوة محمَّد بن تومرت مؤسس دولة الموحدين. وأما باقي قبائل البربر فلم يكن لهم ملك يذكر والنسابون من العرب يقولون إن صنهاجة وكتامة من حمير وأن أفريقش الحميري تركهم حامية بإفريقية فتناسلوا بها واستحال لسانهم إلى البربري لكن المحققون من نساب البربر كسابق المطماطي وغيره ينكرون ذلك ويجزمون بأنهما قبيلتان عريقتان في البربرية. وأما البتر وهم بنو مادغيس فينقسمون لأربعة قبائل وهم: خريسة ونفوسة وأداسة وبنو لوي وهم لواتة، فأما خريسة فمنهم مكناسة ومن مكناسة بنو مدرار ملوك سجلماسة وبنو أبي العافية ملوك فاس ومن خريسة زناتة كلها ومن زناتة جراوة قوم الكاهنة دهيا صاحبة جبل أوراس التي أوقعت بحسان بن النعمان عامل الخليفة عبد الملك بن

стр. 838

مروان ومن زناتة أيضاً بنو خرز المغراوي ملوك تلمسان والمغرب الأوسط ومنهم مغراوة ملوك فاس وبنو يفرن ملوك سلا وتادلا ومنهم بنو زيان ملوك تلمسان وبنو مرين ملوك فاس فهؤلاء كلهم من زناتة وزناتة هو زان ابن يحيى بن ضري بن جيك بن مادغيس الأبتر. أما نفوسة وأداسة ولواتة فلم يكن لهم ملك يذكر وهاته القبائل الأربعة عشر تشتمل على عمائر وبطون وأفحاذ وفصائل لا حصر لها. وقال ابن خلدون: كان للبربر في الضواحي وراء ملك الأمصار المرهوبة الحامية ما شاء الله من قوة وعدة وعدد وملوك ورؤساء وأقيال وأمراء لا يرامون بذل ولا تنالهم الروم والفرنج في ضواحيهم تلك بمسخطة ولا إساءة، ثم قال: وكانوا يؤدون الجباية لهرقل ملك الروم كما كان المقوقس صاحب مصر والإسكندرية وبرقة يؤدي الجباية له وكما كان صاحب طرابلس ولبدة وصبرة وصاحب صقلية وصاحب الأندلس من القوط يؤدون الجباية له حين كان الروم قد غلبوا على هذه الأمم أجمع وعنهم أخذوا دين النصرانية اهـ استقصى.

стр. 839

الطبقة الثالثة طبقة التابعين ﵃ من أعيان فقهاء هاته الطبقة نافع مولى ابن عمر ومحمد بن شهاب الزهري وأبو عثمان ربيعة الرأي. اعلم أنه بعد تأسيس هاته الممالك الإِسلامية في الجهات الشرقية والغربية وبسط رواق العدل وإظهاره وقطع الظلم وأنصاره وتبليغ القرآن وانتشاره صار بذلك المسلمون إخواناً يتساوون في الحقوق ويتفاخرون بالتقوى وأعمال البر ومعالي الأمور ومكارم الأخلاق وذلك بواسطة الصحابة ثم التابعين وتقدم ذكر الأمراء الفاتحين من الصحابة وبقي ذكر الأمراء الذين جاؤوا بعدهم وقاموا مقامهم في نشر الدعوة والنصح للمسلمين فنقول: لما تولى الملك عبد الملك بن مروان وبلغه خبر كسيلة بعث لزهير بن قيس البلوي وهو إذ ذاك ببرقة بالتوجه لإفريقية واستنقاذ القيروان من كسيلة وأمده بالمال ووجوه العرب وفرسانها سنة ٦٩ هـ وسار زهير ودخل إفريقية بجموعه وخرج له كسيلة من القيروان في عسكره والتحم القتال ودام حتى انتصر المسلمون وقتل كسيلة ومن معه من وجوه البربر ومهد إفريقية وصار زهير بعد ذلك في ملك عظيم وكان من العابدين الصلحاء، ولما خاف الفتنة بحصول هذا الملك استقال ورجع للمشرق فلما وصل برقة وجد الروم على قتالها في جموع عظيمة وبأيديهم أسرى من المسلمين فقصدهم وقاتلهم حتى استشهد هو ومَن معه ولما بلغ خبره عبد الملك اشتد أسفه عليه ووجه حسان بن النعمان الغساني ويقال له الشيخ الأمين ودخل إفريقية سنة ٧٩ هـ في أربعين ألف مقاتل وبعد أن أقام بالقيروان قصد قرطاجنة وفتحها وهذا الفتح من الفتوحات الإِسلامية العظيمة ثم قصد دهيا الكاهنة المشهورة وكانت في جموع عظيمة ممن البربر فالتحم القتال وصبر الجمعان إلى أن هزمته وفي هذا العهد كانت إفريقية في غاية العمران وإذ ذاك أذنت دهيا بتخريب مدنها وحصونها فخربتها وعضدت أشجارها ومحت جمالها ولم تبق إلا آثارها، ثم إن حساناً نظم جيشاً عظيماً ورجع لها بعد خمس سنين بما انضم إليه فهزمها وقتلها واستقام أمره ودخل القيروان ومهد الأحوال ودوّن الدواوين، وهو الفاتح لتونس وقيل زهير بن قيس ولما جاء الأمر بعزله من قبل والي مصر عبد العزيز بن مروان رجع للمشرق وتولى بعده أبو عبد الرحمن

стр. 840

موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن زيد بن لخم من التابعين بعهد من الوليد بن عبد الملك. روى عن تميم الداري وكان أحد أفراد الدنيا ومشاهير رجالها وفرسان أبطالها لم يهزم له جيش قط. قال ابن عذاري: وفي سنة ٩٢ هـ تمّ إسلام أهل المغرب الأقصى وحولوا المساجد التي بنتها المشركون إلى القبلة وجعلوا المنابر في مساجد الجماعات. وقال أبو محمَّد عبد الله بن أبي زيد: ارتدت البرابرة بالمغرب اثني عشرة مرة ولم تستقر كلمة الإِسلام فيهم إلا بعهد ولاية موسى بن نصير فما بعده قدم إفريقية وفتح زغوان وغيرها وقتل المخالفين وغنم وسبا وبعث أسطوله لصقلية فغنم الغنائم العظيمة وغزا بلاد المغرب وطنجة ولما استقرت له القواعد بالمغرب كتب لمولاه طارق بن زياد وهو بطنجة بغزو الأندلس فغزاها وفتحها سنة ٩٢ هـ ثم لحق به موسى سنة ٩٣ هـ وكمل فتحها وجمع غنائمها الكثيرة الشهيرة ورجع للقيروان أواخر سنة ٩٥ هـ ثم توجه للمشرق واستخلف ابنه عبد العزيز على الأندلس وابنه عبد الملك على طنجة وابنه عبد الله على إفريقية ولما دخل مصر هادي جميع فقهائها وأشرافها وبأثر ذلك امتحن بالعزل وقتل أولاده وغير ذلك على يد سليمان بن عبد الملك وكانت وفاته بالمدينة سنة ٩٨ هـ ومن وقته انتهت الفتوحات الإِسلامية التي كانت للأسلاف لأنه كان يخشى اتساع الأقاليم لإنتاجه طمع قواد الجيوش في الاستقلال ولذا أفتك بالأمير موسى المذكور وأولاده وبالأمير قتيبة بن مسلم الذي ضم إلى المملكة الأموية أقاليم كثيرة وبالأمير محمَّد بن قاسم الذي أدخل جاهلية الهنود تحت حكم الأموية بحسن تدبيره وسياسته وبفقد هؤلاء القواد ذهبت قوة الدولة وشوكتها وزال حفظ وحدتها وأخذت أولاد عبد الملك من ذلك الوقت في الانحلال والانحطاط بعد ما كان لأسلافهم من الشوكة والشرف بالممالك الإِسلامية وغيرها فوق ما يقال وبلغوا بانتصاراتهم المتوالية وفتحهم البلاد الشاسعة درجات الكمال والمجد الباذخ والشرف الشامخ وسليمان المذكور عهد بولاية إفريقية لمحمد بن يزيد وقدم القيروان سنة ٩٧ هـ وغزا وسبا وكان عادلاً حسن السيرة ولما توفي سليمان كان الخليفة بعده عمر بن عبد العزيز ﵁ استعمل هذا الخليفة على إفريقية إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى قريش فوصلها سنة ١٠٠ هـ وكان خير وال حريصاً على دعاء البرابرة للإسلام ذكر أبو العرب محمَّد بن تميم أن عمر بن عبد العزيز أرسل عشرة من التابعين يفقهون أهل المغرب في الدين ومن كلامه ﵁ تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، وتوفي في السنة بعدها وبويع ليزيد بن عبد الملك وهو عهد بإفريقية ليزيد بن أبي مسلم الثقفي مولى

стр. 841

الحجاج بن يوسف وكاتبه وقدمها سنة ١٠٢ هـ وكان ظلوماً غشوماً وسار السيرة الحجاجية فثار عليه حرسه وقتلوه ثم عهد يزيد لبشر بن صفوان بن نوفل قدم إفريقية سنة ١٠٣ وغزا صقلية بنفسه فأصاب سبياً كثيراً ورجع للقيروان وبها توفي سنة ١٠٩ هـ وتولى بعده عبيدة بن عبد الرحمن بعهد من هشام بن عبد الملك قدم إفريقية سنة ١١٠ هـ ثم عزله هشام بعد أن أقام بها أربع سنين وتولى بعده عبيد الله بن الحبحاب بعهد من هشام المذكور وكان رئيساً نبيلاً وأميراً جليلاً وخطيباً مصقعاً قدم إفريقية سنة ١١٤ هـ وهو الذي بني دار الصناعة بتونس وهي عبارة عن المكان الذي تنشأ به السفن وهو الذي خرق البحر من مرسى رادس إلى دار الصناعة بتونس في طول اثني عشر ميلاً وصارت من يومئذ ميناء عظيمة وهو الذي بني جامع الزيتونة وقيل أول مختط له حسان بن النعمان وأتمه عبيد الله المذكور وقد ظهرت في آخر أيامه فرق من الخوارج منهم الأباضية والصفرية وجاءت من قبلهم مصائب وكوارث ونوائب وكانت هاته الفتن إحدى البواعث والأسباب في خرق ستار الهيبة على الخلفاء ورفع الحجاب وكانت أقوى سبب في انتقاض البربر على العرب ومزاحمتهم في سلطانهم فاختلت على ابن الحبحاب وآل الأمر إلى اتفاق الكلمة على عزله وكان ذلك سنة ١٢٣ هـ ثم إن هشاماً لما بلغه ذلك وحسنة عوضه كلثوم بن عياض وقدم في السنة في جموع كثيرة وجنود عظيمة وانتشب القتال بينه وبين زناتة وغيرها من القبائل وكانت الدائرة عليه بعد قتله ووجوه أصحابه ورجعت الصفرية إلى القيروان في أخبار طوال وحروب وأهوال ثم وجه هشام حنظلة بن صفوان وقدم القيروان ووقع القتال بينه وبين الثائرين وكان النصر حليف حنظلة ومات في هاته الواقعة مائة وثمانون ألفاً ولم يزل والياً عليها على أحسن حال إلى أن تغلب على المغرب عبد الرحمن بن حبيب بن عبيدة بن عقبة الفهري واستولى عليه سنة ١٢٩ هـ وفيها رجع حنظلة للمشرق وإذ ذاك بنو أمية في تراجع ونقصان مع دعاة بني العباس إلى أن آل أمر الخلافة إلى السفّاح. في البيان المغرب في أخبار المغرب لابن العذاري، وفي سنة ١٣٢ هـ انقطعت الدولة الأموية ومدتها واحد وتسعون سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام وهم أربعة عشر رجلاً منها أيام ابن الزبير تسع سنين واثنان وعشرون يوماً وتفرقت بنو أمية في البلاد هرباً بأنفسهم وهرب عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس فبايعه أهلها وجددت لهم دولة استمرت إلى ما بعد الأربعمائة وأربع وعشرين وكان دخوله الأندلس سنة ١٣٧ هـ قال ابن حزم: وانقطعت دولة بني أمية وكانت على علاتها دولة عربية لم يتخذوا قاعدة ولا قصبة إنما كان سكنى كل أمير منهم في داره وضيعته التي كانت له قبل خلافته ولا كلفوا المسلمين أن يخاطبوهم بالعبودية ولا تقبيل أرض ولا

стр. 842

رجل ولا يد إنما كان غرضهم التولية والعزل من أقاصي البلاد منهم في الأندلس والصين والسند وخراسان وأرمينية واليمن والشام والعراق والمغرب وغيرها من بلاد الدنيا وانتقل الأمر إلى بني العباس فكانت دولتهم أعجمية سقطت فيها دواوين العرب وغلب عجم خراسان على الأمور وعاد الأمر ملكاً عضوضاً كسراوياً إلا أنهم لم يعلنوا بسب أحد من الصحابة رضوان الله عليهم وافترقت في دولة بني العباس كلمة المسلمين فتغلب على البلاد طوائف من الخوارج وغيرها. اهـ. واعلم أن البلاد الإِسلامية كانت تدار بمعرفة أمراء يختارهم خلفاؤهم وهم نواب عنه وكانت منقسمة إلى إمارات كبرى منها مصر وإفريقية والأندلس وهاته تارة تضم إلى إفريقية وكان الأمير يقوم مقام الخليفة أحياناً يقيم الصلاة بنفسه ويقود الجنود ويختار من رجاله قائداً للجيش ويعين جابياً لَلخراج يصرف منه حاجات الإمارة وأعطيات الجنود ويرسل ما بقي للخليفة ويعين مَن شاء للقضاء بين الناس وتارة يقصرون الولاة على الصلاة والحرب والقضاء ويعين الخليفة عاملاً على الخراج يرجع إليه رأساً والأمراء الذين كانت لهم النيابة العامة كانوا متمتعين بما يسمى في هذا الوقت بالاستقلال الإداري، والذي دعا إلى تمتع هؤلاء الأمراء بهذا الاستقلال هو صعوبة المواصلات بين حاضرة الخلافة وبين حواضر الولايات فلو ألزم الأمير أن يستشير في كل ما يقع في دائرته لطال عليهم وبقيت المشاكل من غير حل زمناً طويلاً وهذا يدعو إلى الاضطراب الكثير. خلاصة فيما حصل مدة الدولة الأموية اعلم أن عصرها كله زمن فتوحات ممتدة فاتسعت حدود المملكة شرقاً وشمالاً وغرباً وكان عصرها مع هذا زمن حروب داخلية مستمرة إلا في مدة الوليد بن عبد الملك مؤسس الجامع الأموي بدمشق فإنها كانت غرة في جبين الدولة، وكانت همة الدولة تقوية الجيوش البرية والبحرية فقد كان لهم أسطول قوي في البحر المتوسط يحمل البلاد الإِسلامية من غارات الروم المتواصلة ويغير على بلادهم ولم تكن أمراء البحر في الدولة تقل مهارة وإقداماً على أمراء البحر الروميين فهي دولة حربية ظهرت بمظهر القوة القاهرة أمام الدول التي تجاورها من الشرق والشمال والغرب في جميع أدوارها وكانت السيادة في الجنود للعنصر العربي لأن الدولة كانت عربية محضة لم ينازعها دخيل وامتاز أفراد كثيرون بقيادة الجيوش إلى حومة الوغى واشتهرت بالثبات ومضاء العزيمة وحسن التدبير في الحرب، من أولئك الأمراء العظام: عبد الله بن سعد بن أبي سرح وعقبة بن نافع والمهلب بن أبي صفرة

стр. 843

الأزدي وابنه يزيد وقتيبة بن مسلم الباهلي وأسد بن عبد الله القسري ومحمد بن قاسم الثقفي وموسى بن نصير، فظهرت بذلك في مظهر الملك وعظمته وسطوته ولحقها الترف في آخر مدتها. في العقد الفريد: سمر المنصور ذات ليلة فذكر خلفاء بني أمية وسرتهم وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين. وكانوا مع عظم شأن الملك وجلالته همهم الشهوات وإيثار اللذات والدخول في معاصي الله ومساخطه جهلاً منهم باستدراج الله وأمناً لمكره فسلبهم العز ونقل عنهم النعمة. الطبقة الرابعة قد علمت أن المغرب استولى عليه عبد الرحمن بن حبيب وأن دولة بني أمية انقرضت وأن عبد الرحمن بن معاوية دخل الأندلس في أواخر ذي الحجة سنة ١٣٧ هـ وتغلب عليه فملكه واستقل به وصار وراثة في بنيه وأن أمر الخلافة آل إلى بني العباس وأولهم عبد الله السفاح ثم أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور ومن أخباره أنه لما بلغه ما حلّ بإفريقية من الثوار أمر والي مصر محمَّد بن الأشعث الخزاعي بإنقاذها فوجّه أبا الأحوص العجلي سنة ١٤٢ هـ ولما بلغ القيروان هزمه الثوار ورجع مفلولاً فكتب المنصور لابن الأشعث بأن يسير بنفسه فسار في أربعين ألف مقاتل وقتل كثيراً من الثوار والبربر ورؤسائهم ودخل القيروان سنة ١٤٦هـ وضبط إفريقية أحسن ضبط ثم لما قام عليه بعض الثائرين خرج منها سنة ١٤٨هـ، ولما بلغ المنصور ذلك عهد بولاية إفريقية إلى الأغلب بن سالم بن عقال التميمي وكان ذا رأي وشدة فقدم القيروان واستقام أمره، ثم لما قتل في حرب مع الثائرين عهد المنصور لعمر بن حفص بن قبيسة بن أبي صفرة المهلبي وكان بطلاً سمحاً قدم القيروان سنة ١٥١هـ فاستقام أمره ولما قتل في حرب كالذي قبله وجه المنصور أبا خالد يزيد بن حاتم المهلبي وهو واسطة عقد هذا البيت وأخباره في السخاء والنجدة والشهامة معروفة وكان من خواص المنصور ووجوه ولاته قدم القيروان في ستين ألف مقاتل سنة ١٥٥هـ فمهد الأمور ورتب أسواق القيروان وأفرد لكل صناعة مكاناً وجدد بناء حامعها وأوقع بالمخالفين وله مع البربر وقائع شهيرة وضبط الأحوال أحسن ضبط واستم ناسجاً على ذلك المنوال إلى أن توفي سنة ١٧١هـ ولما مرض استخلف ابنه داود وباشر الولاية بعد والده وكانت له وقائع مع البربر إلى أن قدم عمه روح بن حاتم بعهد من الرشيد وكان حاجبه وصدراً من صدور ولاته وهو أسن من أخيه يزيد فدخلها أواخر عمره وأفاض فيها سجال عدله وكرمه، وفي

стр. 844

أيامه انكسرت شوكة البربر واستكانوا للتغلب وأطاعوا الدين فضرب الإِسلام بجرانه وتوفي روح سنة ١٧٤هـ وتولى بعده نصر بن حبيب المهلبي بعهد من الرشيد وكان حسن السيرة يؤثر العدل ثم جاء كتاب الرشيد بعزله وولاية الفضل بن روح ولم يستقم له أمر وقتل سنة ١٧٨ هـ وانقرضت بانقراضه دولة المهالبة، وفي سنة ١٧٩هـ عهد الرشيد لهرثمة بن أعين وقدم إفريقية في السنة بعدها واستقام أمره وبنى القصر الكبير بالمنستير ثم استقال الرشيد فأقاله ورجع للمشرق لسنتين ونصف من ولايته، وكان قائداً محنكاً وله مع المأمون يد في تخميد الثوار وتسكين الهرج والفضل له في ذلك وله مقامات يحمد عليها ويشكر وقتل في حدود سنة ٢٠٠ هـ وبعث الرشيد لإفريقية عوضه محمَّد بن مقاتل العكي وهو أخوه من الرضاعة وكان اتهم البهلول بن راشد بالقيام عليه وبسبب ذلك أراد إضراره فمنعه الأهالي من ذلك وتوعدوه الثورة إن فعل في خبر تركناه اختصاراً. في خلاصة تاريخ العرب: كان بالإيالات الشمالية من إفريقية مسلمون مسمون بالبربر مختصون بالحرية السياسية لعدم حاكم عليهم حتى ذهب إليهم من آسيا عرب أجروا عليهم حكم الخلفاء العباسيين ثم أخذ عبد الرحمن بن حبيب يستميل العرب والبربر حتى اتخذ منها أحزاباً زمن محاربة الأموية والعباسية من سنة ٧٤٦ هـ إلى سنة ٧٥٢ ميلادية واستقل بالحل والعقد لاشتغال العباسية ثم انتصروا فانقاد لهم سنة ٧٥٣ هـ حتى حلفه الخليفة المنصور بمطالب أفضت به إلى الإعلان بالاستقلال والخطبة باسمه في جامع القيروان ثم طمع أخوه إلياس وأوقع بين العرب والبربر فتنة سفك فيها كثير من الدماء حتى انتهت سنة ٧٧١ هـ بنصر العرب فاجتهد الأمير أغلب في جبر الجميع على الانقياد للمنصور، ثم عصت البربر المهدي والرشيد مرات خسرت فيها العباسية خسارات عظيمة آلت إلى استقلال الأغلبية بإفريقية وخلطوا دم البربر بدم العرب بالتصاهر وزال ما بينهما من التباغض والشقاق وانقاد الحكم لإبراهيم بن الأغلب وفيه لم تهتم العباسية بممالكها الغربية وتركوا مَن بشمال إفريقية يديرون أحوالهم كما شاؤوا وأطلقوا للعائلة الأغلبية التصرف في إفريقية مكتفين بذكر أسمائهم وقبل ذلك إبراهيم بن الأغلب من الرشيد اهـ. فصل اعلم أن العباسية تولت الخلافة سنة ١٣٢ هـ وأولهم أبو العباس عبد الله السفاح بن محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس ﵄ واستمرت فيهم الخلافة إلى سنة ٦٥٦ هـ استخلف فيها منهم سبع وثلاثون خليفة ومكثت هاته الدولة

стр. 845

مائة سنة لخلفائها الكلمة العليا والسيادة التامة على جميع العالم الإِسلامي ما عدا بلاد الأندلس، يقولون: فيسمع لهم ولا يجسر أحد على مخالفتهم والوقوف في وجه جنودهم. وقام في هذا العصر الزاهر الباهر من العباسية ثمانية خلفاء أولهم السفاح، وتوفي سنة ١٣٦هـ وقام بالأمر بعده أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور وكانت وفاته سنة ١٥٨هـ وقام بالأمر بعده ابنه محمَّد المهدي وتوفي سنة ١٦٩هـ وقام بالأمر بعده ابنه موسى الهادي وتوفي سنة ١٧٠هـ وقام بالأمر بعده أخوه هارون الرشيد وكان ديناً محافظاً على التكاليف الشرعية يغزو سنة ويحج سنة وهو واسطة عقد المدة العباسية وصلت فيها الخلافة إلى أفخم درجاتها سلطاناً وسطوة وثروة وعلماً وأدباً وكانت وفاته سنة ١٩٣هـ وقام بالأمر بعده ابنه محمَّد الأمين إلى أن قتل في محرم سنة ١٩٨ هـ وقام بالأمر بعده أخوه عبد الله المأمون إلى أن توفي سنة ٢١٨ هـ وقام بالأمر بعده أخوه المعتصم إلى أن توفي سنة ٢٢٧هـ. قد علم مما مضى أن نظر الخلفاء منسحب على المغرب وظلهم ممتد إليه وهم قادد الأمم الإِسلامية في كل شيء من أمور الدنيا والآخرة وذلك حينما كان أمر الخلافة ممتداً وحكمها مجتمعاً وكلمتها نافذة في جميع ممالك الإِسلام شرقاً وغرباً بحيث لا يخرج قطر من الأقطار ولا مصر من الأمصار فيما بعد أو دنا من الأرض عن نظر الخليفة الأعظم وقد كان ذلك ديناً متبعاً وحكماً مجتمعاً ولا تصح لأحد إمارة ولا ولاية إلا بإسناد إليه حتى إذا طال العهد وضعف أمر الخلافة وتقلص ذكرها من القاصية تفرقت ممالك الإِسلام البعيدة عن دارها وتوزعها الثوار واستبدوا بها كل بما غلب عليه وصار أمر الوحدة إلى الكثرة وحكم الاجتماع إلى التفرقة وسيتضح لك ما قررناه مما سيأتي في محله إن شاء الله. صلة قال ولي الدين بن خلدون: هؤلاء الملوك الذين أتوا بعد الخلفاء الراشدين لم يكن مذهبهم في الملك مذهب أهل البطالة والبغي إنما كانوا متحرين مقاصد الحق جهدهم إلا في ضرورة تحملهم على بعضها مثل خشية افتراق الكلمة الذي هو أهم لديهم من كل مقصد يشهد لك ما كانوا عليه من الاتباع والاقتداء وما علم السلف من أحوالهم فقد احتج مالك في الموطأ بفعل عبد الملك بن مروان وكان من الطبقة الأولى من التابعين وعدالتهم معروفة ثم تدرج الأمر في ولد عبد الملك وكانوا من الدين بالمكان الذي كانوا عليه وتوسطهم عمر بن عبد العزيز فنزع إلى طريق الخلفاء الأربع والصحابة بعدهم ثم جاء خلفهم واستعملوا طبيعة الملك في أغراضهم
следующие страницы →