Полный текст (970 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الحجاج بن يوسف وكاتبه وقدمها سنة ١٠٢ هـ وكان ظلوماً غشوماً وسار السيرة الحجاجية فثار عليه حرسه وقتلوه ثم عهد يزيد لبشر بن صفوان بن نوفل قدم إفريقية سنة ١٠٣ وغزا صقلية بنفسه فأصاب سبياً كثيراً ورجع للقيروان وبها توفي سنة ١٠٩ هـ وتولى بعده عبيدة بن عبد الرحمن بعهد من هشام بن عبد الملك قدم إفريقية سنة ١١٠ هـ ثم عزله هشام بعد أن أقام بها أربع سنين وتولى بعده عبيد الله بن الحبحاب بعهد من هشام المذكور وكان رئيساً نبيلاً وأميراً جليلاً وخطيباً مصقعاً قدم إفريقية سنة ١١٤ هـ وهو الذي بني دار الصناعة بتونس وهي عبارة عن المكان الذي تنشأ به السفن وهو الذي خرق البحر من مرسى رادس إلى دار الصناعة بتونس في طول اثني عشر ميلاً وصارت من يومئذ ميناء عظيمة وهو الذي بني جامع الزيتونة وقيل أول مختط له حسان بن النعمان وأتمه عبيد الله المذكور وقد ظهرت في آخر أيامه فرق من الخوارج منهم الأباضية والصفرية وجاءت من قبلهم مصائب وكوارث ونوائب وكانت هاته الفتن إحدى البواعث والأسباب في خرق ستار الهيبة على الخلفاء ورفع الحجاب وكانت أقوى سبب في انتقاض البربر على العرب ومزاحمتهم في سلطانهم فاختلت على ابن الحبحاب وآل الأمر إلى اتفاق الكلمة على عزله وكان ذلك سنة ١٢٣ هـ ثم إن هشاماً لما بلغه ذلك وحسنة عوضه كلثوم بن عياض وقدم في السنة في جموع كثيرة وجنود عظيمة وانتشب القتال بينه وبين زناتة وغيرها من القبائل وكانت الدائرة عليه بعد قتله ووجوه أصحابه ورجعت الصفرية إلى القيروان في أخبار طوال وحروب وأهوال ثم وجه هشام حنظلة بن صفوان وقدم القيروان ووقع القتال بينه وبين الثائرين وكان النصر حليف حنظلة ومات في هاته الواقعة مائة وثمانون ألفاً ولم يزل والياً عليها على أحسن حال إلى أن تغلب على المغرب عبد الرحمن بن حبيب بن عبيدة بن عقبة الفهري واستولى عليه سنة ١٢٩ هـ وفيها رجع حنظلة للمشرق وإذ ذاك بنو أمية في تراجع ونقصان مع دعاة بني العباس إلى أن آل أمر الخلافة إلى السفّاح. في البيان المغرب في أخبار المغرب لابن العذاري، وفي سنة ١٣٢ هـ انقطعت الدولة الأموية ومدتها واحد وتسعون سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام وهم أربعة عشر رجلاً منها أيام ابن الزبير تسع سنين واثنان وعشرون يوماً وتفرقت بنو أمية في البلاد هرباً بأنفسهم وهرب عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس فبايعه أهلها وجددت لهم دولة استمرت إلى ما بعد الأربعمائة وأربع وعشرين وكان دخوله الأندلس سنة ١٣٧ هـ قال ابن حزم: وانقطعت دولة بني أمية وكانت على علاتها دولة عربية لم يتخذوا قاعدة ولا قصبة إنما كان سكنى كل أمير منهم في داره وضيعته التي كانت له قبل خلافته ولا كلفوا المسلمين أن يخاطبوهم بالعبودية ولا تقبيل أرض ولا
стр. 842
رجل ولا يد إنما كان غرضهم التولية والعزل من أقاصي البلاد منهم في الأندلس والصين والسند وخراسان وأرمينية واليمن والشام والعراق والمغرب وغيرها من بلاد الدنيا وانتقل الأمر إلى بني العباس فكانت دولتهم أعجمية سقطت فيها دواوين العرب وغلب عجم خراسان على الأمور وعاد الأمر ملكاً عضوضاً كسراوياً إلا أنهم لم يعلنوا بسب أحد من الصحابة رضوان الله عليهم وافترقت في دولة بني العباس كلمة المسلمين فتغلب على البلاد طوائف من الخوارج وغيرها. اهـ.
واعلم أن البلاد الإِسلامية كانت تدار بمعرفة أمراء يختارهم خلفاؤهم وهم نواب عنه وكانت منقسمة إلى إمارات كبرى منها مصر وإفريقية والأندلس وهاته تارة تضم إلى إفريقية وكان الأمير يقوم مقام الخليفة أحياناً يقيم الصلاة بنفسه ويقود الجنود ويختار من رجاله قائداً للجيش ويعين جابياً لَلخراج يصرف منه حاجات الإمارة وأعطيات الجنود ويرسل ما بقي للخليفة ويعين مَن شاء للقضاء بين الناس وتارة يقصرون الولاة على الصلاة والحرب والقضاء ويعين الخليفة عاملاً على الخراج يرجع إليه رأساً والأمراء الذين كانت لهم النيابة العامة كانوا متمتعين بما يسمى في هذا الوقت بالاستقلال الإداري، والذي دعا إلى تمتع هؤلاء الأمراء بهذا الاستقلال هو صعوبة المواصلات بين حاضرة الخلافة وبين حواضر الولايات فلو ألزم الأمير أن يستشير في كل ما يقع في دائرته لطال عليهم وبقيت المشاكل من غير حل زمناً طويلاً وهذا يدعو إلى الاضطراب الكثير.
خلاصة فيما حصل مدة الدولة الأموية
اعلم أن عصرها كله زمن فتوحات ممتدة فاتسعت حدود المملكة شرقاً وشمالاً وغرباً وكان عصرها مع هذا زمن حروب داخلية مستمرة إلا في مدة الوليد بن عبد الملك مؤسس الجامع الأموي بدمشق فإنها كانت غرة في جبين الدولة، وكانت همة الدولة تقوية الجيوش البرية والبحرية فقد كان لهم أسطول قوي في البحر المتوسط يحمل البلاد الإِسلامية من غارات الروم المتواصلة ويغير على بلادهم ولم تكن أمراء البحر في الدولة تقل مهارة وإقداماً على أمراء البحر الروميين فهي دولة حربية ظهرت بمظهر القوة القاهرة أمام الدول التي تجاورها من الشرق والشمال والغرب في جميع أدوارها وكانت السيادة في الجنود للعنصر العربي لأن الدولة كانت عربية محضة لم ينازعها دخيل وامتاز أفراد كثيرون بقيادة الجيوش إلى حومة الوغى واشتهرت بالثبات ومضاء العزيمة وحسن التدبير في الحرب، من أولئك الأمراء العظام: عبد الله بن سعد بن أبي سرح وعقبة بن نافع والمهلب بن أبي صفرة
стр. 843
الأزدي وابنه يزيد وقتيبة بن مسلم الباهلي وأسد بن عبد الله القسري ومحمد بن قاسم الثقفي وموسى بن نصير، فظهرت بذلك في مظهر الملك وعظمته وسطوته ولحقها الترف في آخر مدتها. في العقد الفريد: سمر المنصور ذات ليلة فذكر خلفاء بني أمية وسرتهم وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين. وكانوا مع عظم شأن الملك وجلالته همهم الشهوات وإيثار اللذات والدخول في معاصي الله ومساخطه جهلاً منهم باستدراج الله وأمناً لمكره فسلبهم العز ونقل عنهم النعمة.
الطبقة الرابعة
قد علمت أن المغرب استولى عليه عبد الرحمن بن حبيب وأن دولة بني أمية انقرضت وأن عبد الرحمن بن معاوية دخل الأندلس في أواخر ذي الحجة سنة ١٣٧ هـ وتغلب عليه فملكه واستقل به وصار وراثة في بنيه وأن أمر الخلافة آل إلى بني العباس وأولهم عبد الله السفاح ثم أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور ومن أخباره أنه لما بلغه ما حلّ بإفريقية من الثوار أمر والي مصر محمَّد بن الأشعث الخزاعي بإنقاذها فوجّه أبا الأحوص العجلي سنة ١٤٢ هـ ولما بلغ القيروان هزمه الثوار ورجع مفلولاً فكتب المنصور لابن الأشعث بأن يسير بنفسه فسار في أربعين ألف مقاتل وقتل كثيراً من الثوار والبربر ورؤسائهم ودخل القيروان سنة ١٤٦هـ وضبط إفريقية أحسن ضبط ثم لما قام عليه بعض الثائرين خرج منها سنة ١٤٨هـ، ولما بلغ المنصور ذلك عهد بولاية إفريقية إلى الأغلب بن سالم بن عقال التميمي وكان ذا رأي وشدة فقدم القيروان واستقام أمره، ثم لما قتل في حرب مع الثائرين عهد المنصور لعمر بن حفص بن قبيسة بن أبي صفرة المهلبي وكان بطلاً سمحاً قدم القيروان سنة ١٥١هـ فاستقام أمره ولما قتل في حرب كالذي قبله وجه المنصور أبا خالد يزيد بن حاتم المهلبي وهو واسطة عقد هذا البيت وأخباره في السخاء والنجدة والشهامة معروفة وكان من خواص المنصور ووجوه ولاته قدم القيروان في ستين ألف مقاتل سنة ١٥٥هـ فمهد الأمور ورتب أسواق القيروان وأفرد لكل صناعة مكاناً وجدد بناء حامعها وأوقع بالمخالفين وله مع البربر وقائع شهيرة وضبط الأحوال أحسن ضبط واستم ناسجاً على ذلك المنوال إلى أن توفي سنة ١٧١هـ ولما مرض استخلف ابنه داود وباشر الولاية بعد والده وكانت له وقائع مع البربر إلى أن قدم عمه روح بن حاتم بعهد من الرشيد وكان حاجبه وصدراً من صدور ولاته وهو أسن من أخيه يزيد فدخلها أواخر عمره وأفاض فيها سجال عدله وكرمه، وفي
стр. 844
أيامه انكسرت شوكة البربر واستكانوا للتغلب وأطاعوا الدين فضرب الإِسلام بجرانه وتوفي روح سنة ١٧٤هـ وتولى بعده نصر بن حبيب المهلبي بعهد من الرشيد وكان حسن السيرة يؤثر العدل ثم جاء كتاب الرشيد بعزله وولاية الفضل بن روح ولم يستقم له أمر وقتل سنة ١٧٨ هـ وانقرضت بانقراضه دولة المهالبة، وفي سنة ١٧٩هـ عهد الرشيد لهرثمة بن أعين وقدم إفريقية في السنة بعدها واستقام أمره وبنى القصر الكبير بالمنستير ثم استقال الرشيد فأقاله ورجع للمشرق لسنتين ونصف من ولايته، وكان قائداً محنكاً وله مع المأمون يد في تخميد الثوار وتسكين الهرج والفضل له في ذلك وله مقامات يحمد عليها ويشكر وقتل في حدود سنة ٢٠٠ هـ وبعث الرشيد لإفريقية عوضه محمَّد بن مقاتل العكي وهو أخوه من الرضاعة وكان اتهم البهلول بن راشد بالقيام عليه وبسبب ذلك أراد إضراره فمنعه الأهالي من ذلك وتوعدوه الثورة إن فعل في خبر تركناه اختصاراً.
في خلاصة تاريخ العرب: كان بالإيالات الشمالية من إفريقية مسلمون مسمون بالبربر مختصون بالحرية السياسية لعدم حاكم عليهم حتى ذهب إليهم من آسيا عرب أجروا عليهم حكم الخلفاء العباسيين ثم أخذ عبد الرحمن بن حبيب يستميل العرب والبربر حتى اتخذ منها أحزاباً زمن محاربة الأموية والعباسية من سنة ٧٤٦ هـ إلى سنة ٧٥٢ ميلادية واستقل بالحل والعقد لاشتغال العباسية ثم انتصروا فانقاد لهم سنة ٧٥٣ هـ حتى حلفه الخليفة المنصور بمطالب أفضت به إلى الإعلان بالاستقلال والخطبة باسمه في جامع القيروان ثم طمع أخوه إلياس وأوقع بين العرب والبربر فتنة سفك فيها كثير من الدماء حتى انتهت سنة ٧٧١ هـ بنصر العرب فاجتهد الأمير أغلب في جبر الجميع على الانقياد للمنصور، ثم عصت البربر المهدي والرشيد مرات خسرت فيها العباسية خسارات عظيمة آلت إلى استقلال الأغلبية بإفريقية وخلطوا دم البربر بدم العرب بالتصاهر وزال ما بينهما من التباغض والشقاق وانقاد الحكم لإبراهيم بن الأغلب وفيه لم تهتم العباسية بممالكها الغربية وتركوا مَن بشمال إفريقية يديرون أحوالهم كما شاؤوا وأطلقوا للعائلة الأغلبية التصرف في إفريقية مكتفين بذكر أسمائهم وقبل ذلك إبراهيم بن الأغلب من الرشيد اهـ.
فصل
اعلم أن العباسية تولت الخلافة سنة ١٣٢ هـ وأولهم أبو العباس عبد الله السفاح بن محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس ﵄ واستمرت فيهم الخلافة إلى سنة ٦٥٦ هـ استخلف فيها منهم سبع وثلاثون خليفة ومكثت هاته الدولة
стр. 845
مائة سنة لخلفائها الكلمة العليا والسيادة التامة على جميع العالم الإِسلامي ما عدا بلاد الأندلس، يقولون: فيسمع لهم ولا يجسر أحد على مخالفتهم والوقوف في وجه جنودهم. وقام في هذا العصر الزاهر الباهر من العباسية ثمانية خلفاء أولهم السفاح، وتوفي سنة ١٣٦هـ وقام بالأمر بعده أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور وكانت وفاته سنة ١٥٨هـ وقام بالأمر بعده ابنه محمَّد المهدي وتوفي سنة ١٦٩هـ وقام بالأمر بعده ابنه موسى الهادي وتوفي سنة ١٧٠هـ وقام بالأمر بعده أخوه هارون الرشيد وكان ديناً محافظاً على التكاليف الشرعية يغزو سنة ويحج سنة وهو واسطة عقد المدة العباسية وصلت فيها الخلافة إلى أفخم درجاتها سلطاناً وسطوة وثروة وعلماً وأدباً وكانت وفاته سنة ١٩٣هـ وقام بالأمر بعده ابنه محمَّد الأمين إلى أن قتل في محرم سنة ١٩٨ هـ وقام بالأمر بعده أخوه عبد الله المأمون إلى أن توفي سنة ٢١٨ هـ وقام بالأمر بعده أخوه المعتصم إلى أن توفي سنة ٢٢٧هـ.
قد علم مما مضى أن نظر الخلفاء منسحب على المغرب وظلهم ممتد إليه وهم قادد الأمم الإِسلامية في كل شيء من أمور الدنيا والآخرة وذلك حينما كان أمر الخلافة ممتداً وحكمها مجتمعاً وكلمتها نافذة في جميع ممالك الإِسلام شرقاً وغرباً بحيث لا يخرج قطر من الأقطار ولا مصر من الأمصار فيما بعد أو دنا من الأرض عن نظر الخليفة الأعظم وقد كان ذلك ديناً متبعاً وحكماً مجتمعاً ولا تصح لأحد إمارة ولا ولاية إلا بإسناد إليه حتى إذا طال العهد وضعف أمر الخلافة وتقلص ذكرها من القاصية تفرقت ممالك الإِسلام البعيدة عن دارها وتوزعها الثوار واستبدوا بها كل بما غلب عليه وصار أمر الوحدة إلى الكثرة وحكم الاجتماع إلى التفرقة وسيتضح لك ما قررناه مما سيأتي في محله إن شاء الله.
صلة
قال ولي الدين بن خلدون: هؤلاء الملوك الذين أتوا بعد الخلفاء الراشدين لم يكن مذهبهم في الملك مذهب أهل البطالة والبغي إنما كانوا متحرين مقاصد الحق جهدهم إلا في ضرورة تحملهم على بعضها مثل خشية افتراق الكلمة الذي هو أهم لديهم من كل مقصد يشهد لك ما كانوا عليه من الاتباع والاقتداء وما علم السلف من أحوالهم فقد احتج مالك في الموطأ بفعل عبد الملك بن مروان وكان من الطبقة الأولى من التابعين وعدالتهم معروفة ثم تدرج الأمر في ولد عبد الملك وكانوا من الدين بالمكان الذي كانوا عليه وتوسطهم عمر بن عبد العزيز فنزع إلى طريق الخلفاء الأربع والصحابة بعدهم ثم جاء خلفهم واستعملوا طبيعة الملك في أغراضهم
стр. 846
الدنياوية ومقاصدهم ونسوا ما كان عليه سلفهم من تحري القصد فيها واعتماد الحق في مذاهبها فكان ذلك مما دعا الناس إلى أن نقموا عليهم بأفعالهم وأدلوا بالدعوة العباسية وتولى رجالها الأمر فكانوا من العدالة بمكان وصرفوا الملك في وجوه الحق ومذاهبه ما استطاعوا حتى جاء بنو الرشيد بعدهم فكان منهم الصالح والطالح ثم أفضى الأمر إلى بنيهم فأعطوا الملك والترف حقه وانغمسوا في الدنيا وباطلها ونبذوا الدين وراءهم ظهرياً فتأذن الله بحربهم وانتزاع الأمر من أيدي العرب جملة والله لا يظلم مثقال ذرة. اهـ.
في سراج الملوك: إن أدعى خصال السلطان صلاح الرعية وأقواها تمسكهم بأديانم وحفظهم لمروءتهم وإصلاح السلطان نفسه وتنزيهه عن سفاسف الأخلاق وبُعده عن مواضع الريب وترفيع نفسه عن استصحاب أهل البطالة والمجون واللهو والإعلان بالفسوق.
إذا ما غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب
أما ترى الشمس في الميزان طالعة ... لما غدا وهو برج اللهو والطرب
وقد كانت صحبة محمَّد الأمين لأبي نواس الشاعر وصمة عظيمة عليه أوهى بها سلطانه ووضع عند العامة والخاصة قدره وأطلق لسان الخلف بالشتم والثناء القبيح عليه فخلفه بذلك أخوه المأمون على الولاية وأبو نواس هذا هو القائل:
ألا فاسقني خمراً وقيل لي هي الخمر ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر
وبح باسم من أهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر
فريدة أذكر فيها نبذة من حضارة بغداد في عهد المنصور والرشيد وابنه المأمون
اعلم أن بغداد وصلت في عهد هؤلاء الأمراء إلى قمة مجدها ومنتهى فخارها. أما من حيث العمارة فقد فاقت كل حاضرة عرفت لعهدها: بنيت فيها القصور الفخمة التي أنفق علي بناء بعضها مئات الألوف من الدنانير وتأنق مهندسوها في إحكام قواعدها وتنظيم أمكنتها وتشييد بنيانها وصارت قصور الجانب الشرقي بالرصافة تناطح قصور الجانب الغربي كان في الشرق قصور البرامكة وما أنشأوه هناك من الأسواق والجوامع والحمامات وبالجانب الغربي كانت قصور الخلافة التي كانت تبهر الناظرين اتساعاً وجمالاً وامتدت الأبنية امتداداً عظيماً حتى صارت بغداد كأنها مدن متلاصقة تبلغ الأربعين علي جانبي دجلة واستبحر العمران فيها لما جاءها
стр. 847
من الثناء وصار سكانها نحو ألفي ألف نسمة حتى ازدحمت بساكنيها. وكانت متاجر البلدان القاصية تصلها براً وبحراً تجيئها من خراسان وما وراءها والهند والصين والشام والجزيرة، والطرق إذ ذاك آمنة والسبل مطمئنة.
وأما من حيث ثروة الدولة فقد كان يرد على الخليفة ببغداد ما يبقى من خراج الأقاليم الإِسلامية ويدخل بيت مال الخليفة يصرف منه مرتبات الوزراء والمساعدين له والباقي يتصرف فيه حسبما يرى وهو شيء جسيم وكان الرشيد أسمح خلفاء بني العباس بالمال يعطي عطاء من لا يخشى فقراً للقصاد والشعراء والفقهاء والمنجمين والكتّاب وجرى على سننه كبار وزرائه وشيوخ دولته ورؤساء قواده حتى امتلأت الأسفار بذكر عطاياهم التي يتردد الإنسان في صحتها وراجت التجارة واشتد الترف وتغالى الناس في حاجاتهم وتأنقوا في معايشهم وأنغمسوا في الملاذ واللهو والخلاعة وذلك شأن كل أمة سالت عليها سيول الثروة.
وأما العلم فإن بغداد صارت قبلة لطلاب العلم من جميع الأمصار الإِسلامية يرحلون إليها ليتمموا ما بدأوا فيه من العلوم والفنون فهي المدرسة العليا لطلاب العلوم الدينية والعربية على اختلافها فقد كان فيها كبار المحدثين والفقهاء وحفاظ اللغة وآداب العرب والنحويين وكلهم قائمون بالدروس والإفادة لتلاميذهم في المساجد الجامعة التي كانت تعتبر مدارس عليا لتلقي هذه العلوم وقلما كان يتم لإنسان وصف عالم أو فقيه أو محدث أو كاتب إلا إذا رحل إلى بغداد وأخذ عن علمائها وجميع هؤلاء العلماء كانوا يعيشون عيشاً رغداً مما كان يفيضه عليهم الرشيد والبرامكة ومن دونهم من الخير الواسع والبر العميم ولم تكن بغداد بالمقصرة في علوم الدنيا كالطب والحكمة وغيرها من سائر الصناعات فقد حشد إليها الأطباء والمهندسون وسائر الصناع من الأقاليم المختلفة وحصل بذلك نعيم عظيم ونهضة علمية بقي أثرها خالداً.
أما الدولة الأموية فلم يكن في عهدها لترجمة الكتب كبير حظ ولا عظيم أثر لأنها أقرب إلى من قبلها في السذاجة الصناعية فلما جاءت الدولة العباسية وكان لها اختلاط كبير بالفرس وهذا الاختلاط قد جعل نفوس العباسيين تصبو إلى الاطلاع على شيء مما عند الفرس واليونان من آثار مقدميهم من العلماء والحكماء والفلاسفة وأول مَن عني بترجمة تلك الكتب أبو جعفر المنصور ثم الرشيد. أما أوروبا في ذلك الوقت فكانت مهد جهالة لأنه بانقراض الرومانيين وغفلة الأمم المتبربرة على أوروبا انطفأ مصباح العلم وأما الحال في البلاد الإِسلامية فكانت على العكس من
стр. 848
ذلك علماً وعملاً ببغداد وقرطبة فسعى شارلمان في إصلاح قوانين دولته مقلداً الرشيد وبعث وفداً إليه مصحوباً بهدايا ثم رجع الوفد ومعه هدايا منها ساعة وفيل وشطرنج وبعض أقمشة نفيسة فلما نظرها رجال شارلمان ظنوها من الأمور السحرية وأوقعهم في حيرة حتى همُّوا بكسر الساعة. كانت العلوم في عهد المأمون أرقى عهود العلم في العصر العباسي وظهر في وقته جمهور من فطاحل العلماء توغلوا في البحث عن أصول الدين والعقائد وكان المأمون محباً للعلم ولزيادة نشره ومغرى بعلوم الأوائل وتحقيقها وله جولة في العلوم الدينية كما كانت له جولة في العلوم الصناعية وكان أثره في هذا أظهر من أثره في تلك وكانت له حركة قوية ونشاط عظيم بترجمة الكتب اليونانية وغيرها إلى اللسان العربي وكان لعهده جماعة ذوو يسار اعتنوا بنقلها إلى اللسان العربي وبذلوا الرغائب وأنفذوا جماعة إلى بلاد الروم فجاؤوهم بطريف الكتب وغرائب المصنفات في الفلسفة والهندسة والموسيقى والطب والنجوم فكثرت الكتب المترجمة في جميع العلوم الصناعية ولما نقلت إلى العربية اشتغل بها ناس كثيرون علماً وعملاً ووجد منهم فلاسفة عظام ألّفوا كتباً عظيمة في هاته العلوم وكانت الأمة في استعداد تام لتلقي هاته العلوم والتصرف فيها والبناء عليها والزيادة فنفقت بسبب ذلك هذه العلوم وكان المأمون المساعد الأكبر في نفاقها والفضل له في ذلك مع حفظ الفضل لمَن سبقه كأبيه الرشيد وجده المنصور فإنهما وضعا الأساس اهـ. من محاضرات الخضري.
وفي خلاصة تاريخ العرب أن الصدر الأول من خلفاء بني العباس استعملوا شوكتهم في تزكية العقول وتنمية المعاش فأحدثوا كثيراً من المكاتب والمدارس التعليمية والإكمالات الإحسانية وحضُّوا على اكتساب التجارة وسائر الفنون واختص المنصور منهم بأنه أول مَن حثّ على الاشتغال بالعلوم واقتدى به من بعده في نشرها وتوسعتها بجلبهم من الأقاليم التي فتحوها علماء لترجمة أعظم كتب اليونان وإنشائهم كتبخانات ومدارس يتعلم فيها الخاص والعام العلوم الفلكية والرياضية والطبية والفلسفية مع تعلم القرآن العظيم وتدريس تفسيره وخصصوا مدرسة رتبوا لها خمسة عشر ألف دينار يتعلم بها مجاناً ستة آلاف تلميذ من الفقراء والأغنياء وانتشرت اللغة العربية في كثير من الجهات واعتاد المأمون ومَن اقتدى به حضور الدروس العامة التي يلقيها المدرسون ويمتحن مَن أراد أن يوظف عدة امتحانات وصرف مبالغ من النقود على ذلك وعلى جميع العلماء لحل مشكلات المسائل ومهر في زمنه كثير من العلماء في العلوم والفنون على اختلاف أنواعها واطلعوا شموس العلوم الرياضية وبنوا الأرصاد التي بها آلات عجيبة للاستكشاف الفلكي ومستشفيات
стр. 849
ومعامل كيماوية لاستكشاف النباتات ومكثت تلك المدرسة على رونقها الباهر نحو مائتي سنة فكان للعباسيين في ذلك أسعد حظ واستخرجوا معادن الحديد ونسجوا الأقمشة في كثير من المدن واستخرجوا الغاز والنفط وطينة الأواني الصينية والملح الأندراني والكبريت وتقدموا في فنون النقش والعمارة والجبر والموسيقى والمنطق وظهر بين أولئك العلماء مؤلفات كثيرة بارعة في فنون شتى وأظهر دور الفنون الميكانيكية تقدمات يشهد بها ما بعثه لرشيد إلى شرلمانية ملك الفرنسيين من الساعة الكبيرة الدقاقة التي تعجب منها أهل ديوانه ولم يمكنهم معرفة كيفية تركيبها ومع ذلك لم يكن في عصر العباسية أهم من صناعة الفلاحة ولما حصلت التوسعة في الممالك مع غزارة المحصول وتنوع الأقطار توجه النظر إلى رواج التجارة تتميماً للتمدن وامتثالاً لأمر الشارع بالتكسب فاجتهدوا في أمن الطرق وحفر الآبار والصهاريج في محطات القوافل فانتشرت التجارة فكانت غلات الأندلس والبربر ومصر والحبشة والفرس والروس والهند والصين وغير ذلك من الممالك تأتي إلى مكة والمدينة والشام والعراق ويستبدلون البضائع الموجودة في جهة بالبضائع المفقودة بها وكان بينهم بسبب ذلك علائق تعارف وكذلك اتسعت بالسواحل الشمالية من إفريقية دائرة التجارة وكان بها معامل كثيرة وكانت القوافل التجارية تسافر من طرابلس إلى الأقيانوس الإطلنطيقي غير خاشية من سيرها في وسط الصحراء الكبرى اهـ. وفيه قد حفظ العرب مؤلفات اليونان واستعدوا لتجديد المعارف في أوروبا فكانوا رباطة بين هذين الزمنين وبذا يثبت فضل العرب على الفرنج الذين حاول بعضهم خفض فضائل العرب الواضحة كالشمس في رابعة النهار ويعلم أن لا موقع لافتخار المتأخرين من أهل أوروبا بتصورات أكثرها للعرب وسبق لك ما كان لعلماء المدرسة البغدادية من التحكم النافذ بالمشرق والمغرب اهـ.
وزبدة القول إن الحضارة اتسعت في عصر هؤلاء الخلفاء وتمت العلوم الدينية والصناعية والاقتصادية نمواً باهراً فهو عصر النهضة العلمية وتزكية العقول فقد أسس أبو جعفر المنصور مدينة بغداد وتعاون علي بنايتها العقل العربي والفارسي والرومي وتأنق في ذلك بوجه جعلتها تفوق جميع مدن العالم في ذلك العصر وحشر لها العلماء من جميع الأمصار والتجار والصناع وإذا أطللت على منتهى المملكة الإِسلامية من جهة الغرب وجدت مدينة قرطبة تستعد إلى مساماة بغداد وتجد في إفريقية مدينة القيروان التي ورثت عظمة المدن الإفريقية الرومانية وانتقل إليها جمالها وتجد مدينة الفسطاط حاضرة مصر وقد جمع مسجدها الأعظم حلقات العلماء الذين أبقوا أكبر الآثار في الاجتهاد والاستنباط والذين أظهروا للناس كافة فقه الأئمة
стр. 850
المجتهدين على اختلاف مذاهبهم من أصحاب مالك والشافعي وظهرت حركة علمية ونمت نمواً عظيماً بما كان من وصول المدنيات القديمة التي ترجمت كتبها إلى رؤوس المفكرين من العرب وأول مَن اهتم بذلك أبو جعفر المنصور ثم جاء دور ثان على عهد المأمون فبلغ العلم إلى أرقى درجاته وكان مغرماً جداً بالآداب اليونانية فانتشرت تلك الكتب انتشاراً عظيماً وصار ما فيها عاملاً مهماً في تكوين معلومات كثيرة صناعية وفي هذا الدور ازداد حفاظ القرآن واشتهروا في جميع الأقطار إلا أن المسلمين في كل قطر اعترفوا بالتبريز للقراء السبعة المترجم لهم في المقدمة وهذا الدور كان عصراً مجيداً للسنة فقد تنبه رواتها إلى وجوب تصنيفها وتدوينها وقد وجدت هذه الفكرة في جميع الأمصار الإِسلامية في أوقات متقاربة فكان من مدونيها في الدور الأول مالك بن أنس.
تنبيه: من أعيان علماء الدين وأئمة المسلمين في عصر هؤلاء الخلفاء إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁.
الطبقة الخامسة
اعلم أن هارون الرشيد عهد بولاية إفريقية لإبراهيم بن الأغلب، فباشر أمرها واشتغل بها، وصارت وراثة في عقبه، وكان فقيهاً أديباً شجاعاً أريباً حافظاً للقرآن عارفاً به، سمع الليث بن سعد فمهّد الأمور وطوّع البربر وكانت له معهم وقائع مشهورة ووقائع بالمغرب الأقصى مع أهل الدعوة لإدريس العلوي مؤسس فاس. وتوفي هذا الأمير سنة ١٩٦ هـ وبويع لابنه أبي العباس عبد الله. وكان سيىء السيرة. وتوفي سنة ٢٠١ هـ وبويع لأخيه زيادة الله بن إبراهيم وكان ملكاً جليلاً فصيحاً أديباً، وهو الذي شيّد جامع القيروان وبنى سور سوسة ووجّه له المأمون بعهد الولاية سنة ٢٠٣ هـ وتوفي سنة ٢٢٣ هـ. وبويع لأخيه أبي عقال الأغلب بن إبراهيم وكانت سيرته حسنة وله فتوحات بصقلية، وتوفي سنة ٢٢٦ هـ.
صلة
لما توفي القاضي أبو محمَّد عبد الله بن غانم سنة ١٩١ أشخص إبراهيم بن الأغلب أبا محرز محمَّد بن عبد الله الكناني وقال له: إني عزمت على توليتك القضاء. فقال له أبو محرز: لست أصلح لهذا ولا أطيقه، فقال له إبراهيم: لو كان الأغلب بن سالم ويزيد بن حاتم باقيين لم أكن أميراً، ولو كان عبد الله بن غانم وابن فروخ باقيين لم تكن أنت قاضياً، ولكل زمان رجال، وعلى الأمير الاختيار.
стр. 851
فامتثل أبو محرز وكان فاضلاً ورعاً فصيح اللسان بصيراً باللغة والشعر. أخذ عن مالك وكان يميل لمذهب أبي حنيفة ثم وقع تشريك أسد بن الفرات معه في القضاء ولم يعهد مثل ذلك في مصر واحد. وتوفي أبو محرز سنة ٢١٤ هـ وكان هذا الأمير يقول: ما أبالى إن قدمت عليه يوم القيامة وفي صحيفتي أربع حسنات تجديد جامع القيروان وبناء قنطرة أبي الربيع وحصن مدينة سوسة وولاية أبي محرز قضاء إفريقية. وكانت ولاية أسد بن الفرات القضاء سنة ٢٠٤ هـ بعهد من زيادة الله. وأسد هذا مولده سنة ١٤٢هـ بحران من ديار بكر. رحل به والده وعمره عامان مع الجند العربي لقيادة ابن الأشعث ودخل معه القيروان سنة ١٤٦هـ، ثم دخل تونس وانقطع لقراءة القرآن وعلومه وروى الموطأ عن ابن زياد، وفي الثامن عشر من عمره رحل للمشرق وأقام بالمدينة مدة وأعاد رواية الموطأ على مالك، ثم رحل للعراق ولقي أعلاماً من أصحاب أبي حنيفة منهم الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأخذ عنهما علماً غزيراً، ثم رحل لمصر ولقي جماعة من أعيان العلماء منهم الإِمام عبد الرحمن بن القاسم فلزمه مدة وهناك ألّف الأسدية ثم قفل راجعاً للقيروان وبها انتشر ذكره وظهر علمه وارتفع قدره وفي سنة ٢١٢هـ جمع زيادة الله جيوشه وأسطوله لغزو صقلية وكان أمير هذا الجيش وقاضيه أسد المذكور فخرج في حفل عظيم وجمع فخيم من أهل العلم ووجوه الناس لمشايعته. ولما رأى أسد الناس خاصتهم وعامتهم بين يديه وخلفه قال بعد حمد الله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يا معشر الناس، والله ما وليَ لي أب ولا جد ولاية قط ولا أحد من سلفي رأى هذا قط. وما رأيت ما ترون إلا بالأقلام فاجهدوا أنفسكم وأتعبوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه واصبروا على شدته فإنكم تنالون به خيري الدنيا والآخرة. وهذا الاحتفال انتهى بمرسى سوسة ومنها أقلع الأسطول قاصداً صقلية ودخلها بعد مكابدة مشاق وحصل له فتح عظيم بها. ومات أثر جراحات في حصار سرقوسة ودفن بذلك الموضع سنة ٢١٣ هـ. في كتاب الاعتصام نص كتاب بعثه أسد بن موسى إلى أسد بن الفرات يشكره على اتباعه للسنة والذب عنها وطعنه في المبتدعة. وقال في خاتمته: ادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حادث فيكونون أئمة بعدك فيكون لك ثواب في ذلك إلى يوم القيامة- كما جاء في الأثر- فأعمل على بصيرة ونية حسنة فيرد الله بك المبتدع والمفتون الزائغ الجائر فتكون خلفاً عن نبيك ﷺ فأحي كتاب الله وسنة نبيه فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأَّمراء ابن فروخ وابن غانم وأبو محرز والبهلول بن أشد وأبو الحسن بن زياد وأسد بن الفرات.
стр. 852
الطبقة السادسة
لما توفي أبو عقال المتقدم الذكر بويع لأخيه أبي العباس محمَّد وكان مظفراً في حروبه، وله وقائع مع بعض آل بيته. ومن فضائله ولاية سحنون القضاء؛ راوده حولاً كاملاً على أن يوليه القضاء فأبى، ثم عزم عليه بالأيمان التي لا يخرج منها فلما رأى ذلك سحنون اشترط عليه شروطاً منها أنه قال له: إني أبدأ بآل بيتك وأعوانك فإن قبلهم حقوقاً للناس منذ زمان طويل ومنها أن آل الأغلب إذا طلبهم أحد يحضرون بأنفسهم في مجلس الحكم ولا يوكلون غيرهم لما يرون في ذلك من الردع لهم لأن الأنفة تمنعهم ذلك فلا يقع منهم التعدي ولا حجر الحقوق. وباشر بنفسه خطة الحسبة مع القضاء. رحل لمصر سنة ١٨٨هـ وقرأ الأسدية على ابن القاسم. وفي الديباج: لما ولي القضاء دخل على ابنته خديجة- وكانت من خيار النساء- وقال لها: اليوم ذبح أبوك من غير سكين. فبذلك علم الناس أنه قبل القضاء. انتهى وناهيك من قوم قاضيهم مثل الإِمام الذي لم يقبل القضاء إلا بشروط وناهيك بذلك الأمير الذي وفي له بتلك الشروط وتوفي هذا الأمير سنة ٢٤٢هـ وبويع لابن أخيه أبي إبراهيم أحمد بن محمَّد وكان فاضلاً عادلاً حسن السيرة كثير الصدقات رفيقاً بالرعية وكانت في أيامه وقائع بصقلية أكثرها للمسلمين، وله مآثر خالدة منها التوسعة في جامعي القيروان وتونس، وتوفي سنة ٢٤٥ هـ وهو ابن ثمان وعشرين سنة وبويع لزيادة الله بن أحمد بن محمَّد وكان فاضلاً عاقلاً حسن لسيرة شجاعاً جميل الأفعال. كان سليمان بن عمران القاضي يقول: ما ولي من بني الأغلب أعقل من زيادة الله هذا، وتوفي سنة ٢٥٠ هـ وبويع لأخيه محمَّد بن أحمد المعروف بأبي الغرانيق لشغفه بصيدها وكان يغلب عليه اللهو وكانت في أيامه حروب عظيمة وكان فتح جزيرة مالطة على يده سنة ٢٥٥ هـ وأسر ملكها وتوفي سنة ٢٦١ هـ وبويع لأخيه إبراهيم بن أحمد وكان عادلاً حميد السيرة وفي أيامه كان فتح سرقوسة، ثم ساءت سيرته وأفتك بكثير من إخوته وبناته وآل بيته وجواريه وخدمه في أخبار تذوب منها الأكباد وتقشعر منها الجلود وكانت أفعاله السيئة أحد الأسباب في ضعف هاته الدولة المؤدن بزوالها ثم أظهر التوبة وأقلع عما كان عليه واستنفر الناس للجهاد ووسع على المقاتلة وفرق الأموال وخرج من سوسة إلى صقلية وهو أمير الجيش سنة ٢٨٤ هـ فسبى وغنم ودخل بليرمو وبها توفي سنة ٢٨٩ هـ في ذي القعدة بعلة أصابته ودفن هناك، وقيل: نقل للقيروان وبويع لابنه أبي العباس عبد الله وكان شجاعاً ثبتاً ذا بصر بالحروب أديباً عاقلاً حسن السيرة وله وقائع في صقلية مشهورة
стр. 853
وقتله غلامان من غلمانه غدراً وكان يثق بهما بإغراء من ابنه أبي منصور زيادة الله في شعبان سنة ٢٩٠ هـ وبويع لابنه أبي منصور المذكور وإذ ذاك نار دواعي الشيعة تأكل أطراف مملكته حتى استولى عليها شيئاً فشيئاً بعد حرب كانت الهزيمة فيها عليه سنة ٢٩٦هـ ورحل عقب الهزيمة إلى المشرق بما خف من الأموال ونفيس الجواهر وتوفي بتلك الجهة سنة ٣٠٣ هـ وجرى له ما جرى فكانت عاقبته كما ترى لعقوقه والده وقتله إياه وانقرضت بانقراضه دولة بني الأغلب ومدتها مائة سنة واحد عشر سنة وثلاثة أشهر، وفي مدتهم استقل المغرب الأقصى وصار في تملك الأدارسة في أخبار طوال وأولهم إدريس بن عبد الله واستفحل أمره في تلك البلاد وأسس مدينة فاس وأخبار المغرب الأقصى من عهده إلى هذا العهد مبسوطة في الاستقصى وغيره. واعلم أن ولاة إفريقية من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا على السذاجة همهم الجهاد ودخول الناس في الدين الإِسلامي وحفظ ما فتحوه ولما آل الأمر إلى بني الأغلب اشتغلوا أيضاً بالحروب والفتوحات وجمع العساكر النافعة مع ما فيهم من السذاجة العربية والبُعد عن عزة الملك وأخلاق الحضارة فكانت قضاتهم يحكمون عليهم وينصفون الناس منهم ومن غيرهم وأخبار قضاة العدل مذكورة مضافة ومستقلة مع تقدم في إحياء العلوم والصنائع والتجارة والفلاحة. في خلاصة تاريخ العرب أدخل الأغالبة في الأقاليم الإفريقية جميع مبادئ التمدن الإِسلامي التي كانت بالشام والعراق وأخذوا يقيمون في تونس والقيروان وطرابلس فامتلأت تلك المدن مباني أبدت للناظرين الأقواس المادة والدعامة المزخرفة على حسب مبنى العمارة الروماني وبنوا قناطر على مجاري سيول سريعة التيار واجتهدوا في إحياء العلوم والصنائع والتجارة والفلاحة وأنشأوا مراكز تجارية سهّلت مخالطة سكان الصحراء بسكان السواحل وجددوا طرقاً أبدوا فيها الأمن وجعلوا نظارة محل البريد في أيدي أعيان البلاد ورتبوا بتلك المحال إبقاء التواصل التام بواسطة السعاة والبريد الخيلي من ابتداء حدود المغرب إلى حدود مملكة مصر وعمروا سفناً يحرية حكموا بها على البحر الأبيض المتوسط وغزوا سواحل مملكتي إيطاليا وفرنسا وجزائر قرقسه وسردانيا وسيسليا وبالغ مؤرخو الفرنج في الحكايات المتعلقة بتلك الغارات واستولوا على مقاطعات كثيرة ومدن شهيرة ثم ذكرها مدينة مدينة تركنا إيرادها هنا اختصاراً. ثم قال: وبالجملة أجاد العرب في ترتيب وتقسيم تلك البلاد وقدموا فيها الفلاحة والصنائع ونقلوا إليها شجر القطن من الشام وقصب السكر من طرابلس الغرب ولسان عصفور الفستق واستخرجوا ما فيها من معادن الفضة والحديد والنحاس والكبريت والملح الأندراني والمباني الموجودة منها في ضواحي بالرمة
стр. 854
تؤذن بمهارتهم في العمارة وفشا نسج الحرير بسيسليا ومنها انتشر في أوروبا. انتهى باختصار.
وفي الفتوحات الإِسلامية: كانت ولاية إبراهيم بن الأغلب إفريقية سنة ١٨٤ هـ بعهد من هارون الرشيد وتوارث الملك بعده بنوه عمالاً لخلفاء بني العباس واستمر فيهم إلى سنة ٢٩٦ هـ فزالت دولتهم وصارت للعبيديين واتسع ملكهم بإفريقية وصارت لم أموال كثيرة وخيل وجنود وافرة وملك ضخم ومراكب في البحر ولهم كثير من المآثر المحمودة والمواقف المشهودة والغزوات الكثيرة والفتوحات الشهيرة وأكثر فتوحات إفريقية كان على أيديهم بصقلية بكسرات مشددة اللام جزيرة عظيمة كثيرة البلدان والقرى والمواشي وكان أول الغزو إليها زمن معاوية بن حديج في خلافة معاوية ﵁ ولم يفتحها وتتابع الغزو إليها زمن ولاية بني الأغلب من أول دولتهم إلى آخرها وتملكوا أكثر الجزيرة ولم يزل الفتح فيها والغزو إلى أن انقضت دولتهم وتفصيل ذلك مبسوط في التواريخ. انتهى.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء الإِمام سحنون وابنه محمَّد وابن عبدوس وحمديس وعيسى بن مسكين ويحيي بن عمر.
الطبقة السابعة
لما انقرضت دولة بني الأغلب وآلت إلى بني عبيد في أخبار طوال بواسطة أبي عبد الله الصنعاني من صنعاء اليمن وكان صاحب جدل ودهاء وحذق وسياسة. كان أول ملوك هاته الدولة أبو محمَّد عبيد الله المهدي بن محمَّد الحبيب ينتهي نسبه إلى سيدنا علي ﵁ وأثبت نسبهم الكريم ولي الدين بن خلدون. وقال ابن خلكان: في نسبهم خلاف كثير وهاته الدولة تعرف بدولة الشيعة، والشيعة لغة: الصحب والاتباع، وفي عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف تطلق على أتباع علي وبيته ﵃ وهم طوائف فمنهم الضال ومنهم العاصي، وكان عبيد الله هذا رجل الدنيا دهاءً وعقلاً مهيباً ولما استقل بالإمارة سنة ٢٩٧ هـ واستقام له الحال بعد تمهيد الأمور وتفقد العمال، غزا صقلية وإسكندرية ومصر وساعده المقدور وأسس مدينة المهدية في جزيرة جمة وحصنها وانتقل إليها سنة ٣٠٨ هـ وثار عليه مخلد بن كيداد الأباضي واستولى على غالب إفريقية وتوفي في ريعان الثورة سنة ٣٢٣ هـ وبويع لابنه أبي القاسم محمَّد وكان ذا نجدة وبأس وبعث مولاه كاتبه جوهراً بأسطول عظيم في جيوش كثيرة لأرض الروم وفتح مدناً وحصوناً منها جنوة ومهد النواحي وقمع الثوار ومنهم مخلد المذكور وكان داعياً إلى الحق آخذاً بالحسبة
стр. 855
منكراً مذهب الشيعة مظهراً إقامة السنة وبذلك استمال الخاص والجمهور وقال الأمور بتجنيد الجنود لقتال الشيعة ووالى الهزائم على أبي القاسم المذكور حتى استعان بزيري ملك صُنهاجة، ومات أبو القاسم على حصار سوسة سنة ٣٣٤ هـ وبويع لابنه المنصور أبي الطاهر إسماعيل بعهد من أبيه وكان فصيح اللسان بليغاً وتوالت الحروب بينه وبين مخلد المذكور إلى أن ظفر به سنة ٣٣٦ هـ وصلب جلده محشواً قطناً على باب المهدية وبعث بأسطوله لغزو الفرنج فأتيح له فتح لا كفاء له وذلك سنة ٣٤٠ هـ وتوفي في السنة بعدها وهو أول مَن استعمل بني أبي الحسن على ملكة صقلية واتصلت بها أيامهم وفي المدارك اتفق شيوخ القيروان على الخروج على ملوك الشيعة بني عبيد وقتالهم منهم السيائي والخراط وأبو العرب والمميسي والقطان ومروان العابد وبعد الاتفاق وإلقاء الخطب المحرضة على ذلك قصدوا المهدية في جند عظيم وبعد قتال شديد كانت الهزيمة عليهم واستشهد الكثير منهم فمن العلماء والعباد خمس وثمانون منهم ربيع القطان والمميسي. انتهى. وحاصل القول إن هذا الخارجي مخلد المذكور أوهم الناس أنه منتصر للسنة وتبين بعد حروب ومصائب أنه سيىء السيرة خبيث السريرة ولما توفي المنصور بويع لابنه معد أبي تميم المعز وهو مجل بيتهم وواسطة عقدهم فأحسن السيرة ودوّخ البلاد وآمن المخالفين ورسخت قدمه وعظم سلطانه ووجه وزيره جوهراً للغرب الأقصى فمهد أحواله في أخبار شهيرة وكان له نصر وفتح في صقلية سنة ٣٤٥ هـ ثم وجه وزيره جوهر المذكور لمصر في عساكر تفوق الحصر سنة ٣٥٧ هـ وخرج لتوديعه بنفسه ودخل جوهر مصر في شعبان من السنة وشرع في بناء القاهرة وأسس الأزهر ثم وجّه عسكراً استولى على الشام والحجاز واستحث جوهر سيده المعز على القدوم فأجابه لذلك ورحل في ربيع الأنور سنة ٣٦٢ هـ بأمواله وأهله وذخائره وجنوده في احتفال لم يسمع بمثله وصاحبه في رحلته الشاعر المشهور أبو القاسم محمَّد بن هانئ الأندلسي، ومات في الطريق واسنخلف على المملكة أبا الفتوح بلكين وسماه يوسف بن زيري الصنهاجي ولما دخل المعز الإسكندرية تلقاه فقهاؤها وأعيانها بالإجلال ثم دخل مصر في شعبان من السنة واستقر بها قراره وصار له ملك الشرق والمغرب من سوس الأقصى ومضيق سبتة إلى مكة المشرفة ولم يزل عالي الكتب آمن السرب إلى أن توفي سنة ٣٦٥ هـ ومدة ملك الشيعة بالمغرب اثنان وستون سنة.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء فضل بن مسلمة وسعدون الخولاني وربيع القطان وأبو العرب تميم والأبياني وابن اللباد والكانيشي والمميسي.
стр. 856
الطبقة الثامنة
لما رحل المعز استخلف على المغرب بُلُكين يقال له يوسف بن زيري بن مناد الصنهاجي ويوسف هذا أسس مدائن بالمغرب الأوسط منها مليانة والجزائر وقام بأمر النيابة أحسن قيام ورتب العمال وكان حسن السيرة جميل الخصال مع صيت طائر وكفاءة معروفة، وقصد المغرب بجيوش جرارة واستولى على فاس وسجلماسة وغيرها وشتت جموع زناتة واتسع نطاق ملكه ولم يزل على طاعة مستخلفه إلى أن توفي سنة ٣٧٢ هـ وبويع لابنه أبي الفتوح منصور بن يوسف وكان جواداً كريماً شجاعاً صارماً وكانت أيامه حسنة والظفر حليفه وكانت بينه وبين أعمامه حروب وتوفي سنة ٣٨٦ هـ وبويع لابنه أبي مناد باديس بن منصور وكانت ل حروب مع عمه حماد وغيره كان النصر فيها لباديس وعقب انتصاره مات باديس فجأة في ذي القعدة سنة ٤٠٦ هـ وأسس حماد المذكور دولة في المغرب الأوسط قاعدتها قلعة حماد وصارت لبنيه ومن يومئذ انقسمت الدولة وطرقها الخلل وهؤلاء الأمراء الذين هم في الحقيقة عمال لبني عبيد بلغوا درجة الملوك في الضخامة وبعد الصيت والسلطان. ولأبي إسحاق إبراهيم بن قاسم المعروف الرقيق القيرواني تأليف في أخبار باديس وأبيه وجده كان بين باديس وأبي محفوظ محرز بن خلف تراسل وكذلك بينه وبين ابنه المعز الآتي ذكر بعضها في خاتمة الخاتمة الآتي ذكرها.
تنبيه: قد علمت مما تقدم ما كان عليه ملوك بني الأغلب ومن قبلهم من المحافظة على الدين وعلى ما وقع فتحه والاشتغال بجمع العساكر والفتوحات وتمهيد الراحة وجاء بعدهم الفاطميون بنو عبيد وكان اشتغالهم بالحروب وبث الدعوة في الأفكار والزيادة في المملكة وعمالهم ملوك صنهاجة مثلهم. وقانون الملك الإِسلامي هو القرآن العظيم وأقوال رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وكان لهم وللمعز الآتي ذكره إلى آخر دولته التفات واهتمام بأهل العلم والأدباء بالصلات المتوالية ومجالستهم مع التعظيم والإجلال والتكريم ومكاتبتهم، فقد كان باديس يكاتب أبا محفوظ محرز وكذلك ابنه المعز وكان يبعث المال والكتب للعماء وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في ترجمة أبي بكر عتيق السوسي، وفي مدتهم كان سوف العلم نافقاً بالغاً الغاية والعلماء الفحول والأدباء والحكماء والمهندسون كثيرون جداً، كان أبو الطيب ابن بنت خلدون من علماء الحساب والهندسة دبر سوق خليج من ساحل البحر إلى القيروان والحكاية مشروحة في المقصد عند التعرض لترجمته، وكان للعلماء يد وإعانة في سياسة الملك من ذلك
стр. 857
أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر على نحو ما جاء به الشرع العزيز، ولذا كان الملوك يلاقون من شدة العلماء عليهم ما يتجرعون مرارته كسحنون وسعدون الخولاني وربيع القطان وأبي محفوظ محرز بن خلف. وسترى قريباً الخبر عن القيروان بما فيه عبرة لذوي الفضل والشأن.
فصل
قد علمت مما تقدم أن الأندلس استوى عليه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ويقال له عبد الرحمن الداخل وصار وراثة في بنيه وبقي الكلام على ما آل إليه أمرهم فنقول: إن في أيامهم استفحلت الأندلس واستبحرت بالعلوم والمعارف والصنائع مع عمران باهر وحضارة وتمدن زاهر.
في خلاصة تاريخ العرب: نصح عبد الرحمن المذكور ولده الحكم قبل وفاته بقوله: يا بنيّ، إن الممالك ملك الله وهو يؤتيها من يشاء وينزعها ممن يشاء كما يختار وحيث إنه قد أجلسنا على سرير سلطنة إسبانيا فلنشكره جزيل الشكر الأبدي ولنصنع الخير بخلقه لنكون عاملين طبق أوامره المقدسة، فإن الله تعالى لم يجعل فينا الشوكة العظمى إلا لنفعل لخير بعباده، فلنجعل عدلك مستقيماً بين الغني والفقير، وعامل جنودك برفق وبر وأمرهم بالحماية على البلاد وانههم عن الظلم والجور بين العباد. وحامِ عن الفلاحين الذين نقتات من نتائج أشغالهم واستلفت نظرك نحو مزارعهم ومحصولاتهم حتى تكون الرعية سعيدة الحال في ظل سلطانك ولتتمتع الرعية في الأمن بخيرات الحياة ونعيمها. انتهى.
ثم قال ما ملخصه: من ملوك الأموية عبد الرحمن الثالث أدخل في السياسة علوم بغداد واجتهد في تقديم العلوم والفنون، وجمّل قرطبة ومدائن الأندلس بالمباني الفاخرة، وبنى قرب قرطبة لجاريته زهراء قصراً وصفته التواريخ العربية بما لا يتصوره الذهن، وكان عصره أزهر عصر خلفاء الأموية، وبالجملة كان حائزاً للنصر الحربي والعلم الفائق والمال الوافر والزينة وجميع أسباب الاشتهار الدنيوي، ولما مات وجد في بعض أوراقه ما نصه: إنه قد مضت مدة خمسين سنة منذ توليت الخلافة وتمتعت بعلو الشأن وكثير من خزائن الأموال والملاذ والحظوظ حتى أنفذت كل ما ظفرت به منها، وإن لملوك المقارنين لي في عصري يعتبرونني ويخشونني ويغبطونني وجميع ما تشتهيه الرجال قد أنعم الله به على مَن فضله وقد أحصيت مدة خلافتي التي ظننتني فيها سعيداً فرأيتها أربعة عشر يوماً فيا أيها الناس قدروا بعقولكم
стр. 858
ما قيمة عظمة الملك عند الملوك والدنيا والحياة انتهى. قلت: عبد الرحمن هذا هو عبد الرحمن الناصر بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن الأوسط بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ولي الملك سنة ٣٠٠ هـ وتوفي سنة ٣٥٦ هـ واتسع الملك بالأندلس في مدته ومن اتساعه أنه بني تجاه قرطبة مدينة سماها الزهراء لسكناه هي من عجائب الدنيا دالة على قدر بانيها وأنفق فيها من الأموال خمسة وسبعين مائة ألف دينار وكان عدد الفتيان بالزهراء ثلاثة عشر ألف فتى وسبعمائة وخمسين فتى لهم من اللحم كل يوم ثلاثة عشر ألف رطل غير أنواع الطير والحوت، وعدد النساء بالقصر ستة آلاف وسبعمائة وثمانون والمرتب على الخبز لحيتان بحيرة الزهراء اثنا عشر ألف خبزة وأما أوصاف هاته المدينة فإنها طويلة. وما أغرب ما يحكى عن الناصر أنه أراد القصد يوماً فقعد في البهو الكبير واستدعى الطبيب لذلك فأخذ الطبيب الآلة وجس يد الناصر فبينما هو كذلك إذ أطل زرزور فصعد على إناء من ذهب وأنشد ذلك الزرزور:
أيها الفاصد رفقاً بأمير المؤمنين ... إنما تفصد عرقاً فيه محيا العالمين
وجعل يكرر ذلك المرة بعد المرة فاستظرف الناصر ذلك وسرّ به غاية السرور ووهب لمعلم الزرزور ثلاثين ألف دينار. ولما أتم بناء الزهراء وبها قبة لجلوسه مزخرفة صنع طعاماً دعا إليه العلماء وجلس في تلك القبة فلما حضر العلماء ومعهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي فلما رأى تلك القبة أنكر عليه ذلك الصنيع فأثر عليه إنكاره فقال له جزاك الله يا قاضي عنا وعن نفسك خيراً وعن الدين والمسلمين أجل جزائه وكثر في الناس أمثالك. وأمر بنقض سقف القبة الذي طلوه بالذهب وأعادها على صفة ليس بها ما ينكر عليه فيه. ومن أخباره أنه أغضب جاريته طروف فهجرته وكان يحبها، فأرسل إليها يترضاها فأبت وأغلقت باب مجلسها فأمرهم بسد الباب عليها من خارجه ففعلوا وبنوا عليها بالبدر. فأقبل حتى وقف بالباب وكلمها مسترضياً راغباً في المراجعة على أن لها جميع ما سد به الباب من البدر فأجابت وفتحت الباب فانهالت البدر ببيتها فأكبت على رجله تقبلها وحازت المال وكانت تبرم الأمور فلا يرد شيئاً تبرمه، وكانت له غزوات كثيرة شهيرة. وقد ذكر أبو العباس أحمد بن عبد ربه في العقد الفريد اثنين وعشرين غزوة من غزواته ونظم كل غزوة منها في منظومة من الرجز، وكان معاصراً له وبذلك طار صيته وانتشر ذكره وأطاعته بنو إدريس أمراء العدوة وملوك زناتة والبربر حتى صار ملكه غاية في الضخامة وعلو الشأن. ولما توفي بويع لابنه الحكم المستنصر بالله فقام بأعباء الملك خير قيام
стр. 859
وكان عالماً نبيلاً أقام للعلم والعلماء سوقاً نافقاً واجتمع عنده من خزائن الكتب ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله. في غرائب الغرب لأبي عبد الله محمَّد كرد علي: كان للأندلسيين غرام بتسبيل الكتب على المطالعة ولهم خزائن كتب عامة وخاصة وكانت قرطبة أكثر بلاد الأندلس كتباً وأهلها أشد الناس اعتناء بخزائن الكتب صار ذلك عندهم من آلات التعين والرياسة فلا يكاد يخلو دار من خزانة فيها كتب قيِّمة وقد أنشأ الحكم الثاني عدة مكاتب للمطالعين فكان يرسل وكلاءه إلى المشرق يستنسخون الأسفار فما هو إلا أن يؤلف المؤلف تصنيفه حتى تستنسخ منه نسخ أو نسخة لتحمل إلى خليفة الأندلس ولا يفوت بلاده شيء من حركة العقول، وكانت دار كتبه تحتوي على أربعمائة ألف مجلد جاء فهرسها في أربعة وأربعين مجلداً ولطالما أجزل ملوك الأندلس الصلات لبعض مؤلفي الشرق والأندلس حتى يذكروا في مقدمتها أنهم ألفوها برسم خزائنهم، ومن المؤلفين مَن كانوا يرضون بذلك ومنهم مَن لا يرضون به يقصدون أن يكون لمن يستفيد منه. وكان للعلماء والمؤرخين والشعراء والأدباء في الأندلس مجامع عالمية وأدبية أشبه بالمجامع أو الأكاديميات في هذا العصر وذلك لنشر العلم والمعارف ومفاوضة الحكمة بينهم فنتج من اجتماعهم فوائد مهمة للعلم والمدينة وكان المظفر بن الأفطس صاحب بطليوس من أعلم الملوك بالأدب وله التصنيف المترجم بالتذكرة والمشتهر بالكتاب المظفري في خمسين مجلداً في الفنون والعلوم واستأدب لبنيه أبا عبد الله بن يونس وكان يحضره وأبا الحزم بن عليم وأمثالهما للمذاكرة والمباحثة فيفيد ويستفيد وكان لأبي عامر أمير الأندلس في دولة هشام المؤيد مجلس معروف في الأسبوع يجتمع فيه أهل العلوم للكلام فيها بحضرته وقد أنشأ الحكم مجمعاً وقلّده غيره من أمراء الأندلس فأنشأوا مجامع لهم وأنشأ أحمد بن سعيد النصري مجمعاً في طليطلة فكان يجتمع عنده أربعون عالماً من طليطلة وما جاورها ثلاثة أشهر في السنة، يعقدون اجتماعاتهم في ردهة فرشت أحسن فرش يبدؤون عملهم بقراءة آيات من الكتاب العزيز ثم يتذاكرون في تفسير ما قرأوا ويأخذ بهم الاستطراد إلى البحث في فنون شتى في العلم والحكمة اهـ.
وقال ابن حزم: عدد الفهرسات التي فيها أسماء بعض الكتب أربع وأربعون فهرسة كل فهرسة ست وعشرون ورقة ليس فيها إلا أسماء الدواوين وأما غير الدواوين من سائر فنون العلوم فشيء كثير قيل إن كتبه كانت أربعمائة ألف مجلد قلما يوجد كتاب منها إلا وله فيه قراءة ونظم ومكتوب على هوامشه خطه. ولما ألف أبو الفرج الأصبهاني كتابه الأغاني بعث للحكم نسخة فاجازه بألف دينار وقد
стр. 860
تقدّم في ترجمة المعيطي وابن المكوي أن الحكم هذا كلفهما بتأليف الاستيعاب فألفاه وأجازهما على ذلك جائزة سنية وكانت مدة ولايته ستة عشر سنة وبويع لابنه هشام المؤيد وعمره تسع سنين واستوزر محمَّد بن أبي عامر الملقب بالمنصور المعافري ومعافر بطن من حمير وباشر هذا الوزير تدبير الملك بنفسه وكان ذا عقل ورأي وشجاعة وكرم وبصيرة بالحروب ودين متين وكان عالماً متفنناً وله غير ذلك من الصفات الحميدة وسيرته مشهورة في التواريخ ومفردة بالتأليف واستمر على سيرته سبعاً وعشرين سنة وذكر في نفح الطيب كثيراً من غزواته وأخباره في الكرم والعفو والحلم وحسن الخلق ثم قال: وأخبار المنصور تشمل مجلدات، وتوفي في صفر سنة ٣٩٢ هـ فقام بأمر الوزارة بعده ابناه فأولاً عبد الملك فجرى على سنن أبيه في السياسة والغزو وكانت أيامه أعياداً دامت سبع سنين ثم قام بالأمر بعده الابن الآخر عبد الرحمن وجرى على سنن أبيه وأخيه في الحجر على الخليفة هشام والاستبداد عليه ثم طلب من هشام أن يجعله ولي عهده فأجابه لذلك لتغلبه عليه وأحضر لذلك أرباب الشورى وأهل الحل والعقد وكتب عهده بذلك ثم سعى كثير من الأمويين وغيرهم في نقضه وأثاروا لذلك فتنة إلى أن قتلوا عبد الرحمن المذكور سنة ٣٩٩ هـ ثم خلعوا الخليفة هشاماً وبايعوا غيره ثم أعيد هشام ثم فقد سنة ٤٠٣ هـ وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة يطول ذكرها آل الأمر فيها إلى زوال ملكهم وافتراق كلمتهم وكل يوم يخلعون خليفة ويبايعون آخر إلى أن انقضت الدولة الأموية من الأرض سنة ٤٢٨ هـ وانتثر سلك الخلافة بالمغرب وقام الطوائف بعد انقراض الخلائف متغلبين في كل ناحية ملك مستقل وتغلب بعضهم على بعض ولا حاجة بنا إلى ذكر أسمائهم ومن أشهرهم بنو عباد ملوك إشبيلية الذين منهم المعتمد بن عباد وعند ذلك استفحل أمر النصارى بالأندلس وجرت بعد ذلك أمور ستقف على بعضها إن شاء الله وهي مبسوطة في نفح الطيب وغيره. قال ولي الدين بن خلدون: إن دولة بني أمية بالأندلس لما فسدت عصبيتها من العرب استولى ملوك الطوائف على أمورها واقتسموا خطتها وتنافسوا وتوزعوا ممالك الدولة كل واحد منهم على مكان في ولايته وشمخ بأنفه وبلغهم شأن ملك العجم من الدولة العباسية فتلقبوا بألقاب الملك ولبسوا شارته لاستيلاء الترف عليهم ولذلك يشير ابن رشيق في قوله:
مما يزهدني في أرض أندلس ... أسماء معتصم فيها ومعتضد
ألقاب سلطنة في غير مملكة ... كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد
стр. 861
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء ابن أبي زيد والقابسي والخشني وابن التبان وابن مسرور ومسرة والجبنياني ومحرز بن خلف.
الطبقة التاسعة
لما توفي باديس بويع لابنه المعز بالمهدية وعمره ثماني حجج وذلك في ذي الحجة سنة ٤٠٦ هـ وباشرت جدته أمور الدولة إلى أن توفيت وسنذكر خبرها في الخاتمة. والمعز هذا هو واسطة عقد ملوك بني زيري توفرت في أيامه أسباب العز والثروة والعمران وكان حسن السيرة محمود الآثار أديباً مجتنباً سفك الدماء إلا في حق. حديد الذهن. له معرفة بكثير من الصنائع وله شعر جيد محباً للعلماء معظماً لأرباب الفضائل حتى قصدته الشعراء من الآفاق على بُعد الدار يجيز الجوائز السنية ويعطي العطاء الجزيل. ومن شعراء دولته ابن شرف وابن رشيق. هاداه ملوك السودان والروم واستقامت أموره وكانت بإفريقية مذاهب الشيعة والصفرية والأباضية والنكارية والمعتزلة وكانت بها من مذاهب أهل السنة مذهب أبي حنيفة النعمان ومذهب مالك فظهر له حمل الناس على التمسك بمذهب مالك وقطع ما عداه حسماً لمادة الخلاف بالمذاهب واستمر بذلك الحال إلى احتلال العساكر العثمانية إفريقية وسنذكره في محله إن شاء الله. وفي أيامه اشتدت شوكة زناتة وكانت له معهم حروب ثم إن المعز قطع العلائق مع دولة بني عبيد بمصر ودعا وخطب باسم دولة بني العباس ولذلك أضمر بنو عبيد الشر والانتقام منه فوجهوا في سنة ٤٤١ هـ قبائل من عرب الصعيد كبني هلال وبني سليم وغيرهم معروفين بالطيش وشدة البطش للتشفي من المعز وإفريقية وانتشروا كالجراد ودخلوا إفريقية وعثوا فيها بالبغي والفساد وأذاقوا أهلها لباس الجوع والخوف بما لم يعهد. قال ابن خلدون: وصارت خراباً كلها بعد أن كانت ما بين السودان والبحر الرومي كلها عمراناً تشهد بذلك آثار العمران فيه من المعالم وتماثيل البناء وشواهد القرى والمدائن. وقال البكري: كان بالقيروان ثمانية وأربعون حماماً وأحصى ما ذبح بالقيروان في بعض أيام عاشوراء خاصة فانتهى تسعمائة وخمسين رأساً من البقر وجباية سواحل القيروان سوسة والمهدية وصفاقس وتونس لبيت المال خاصة غير الدخل والخرج الذي لغير بيت المال ثمانون ألف مثقال من الذهب وفي سنة ٤٥٢ هـ سبيت القيروان وأخليت ولم يبق فيها إلا ضعفاء أهلها. انتهى. وقال ابن عذاري: كانت القيروان من أعظم مدن المغرب طراً وأكثرها بشراً وأيسرها أموالاً وأوسعها أحوالاً وكان الغالب على أهلها التمسك بالخير والتخلي عن الشبهات واجتناب المحرمات إلى أن توالت
стр. 862
الجوائح عليها بدخول العرب لها على ما يأتي ذكره فلم يبق فيها إلا أطلال دارسة وآثار طامسة، وقال: تولى المعز وهو ابن سبع أو ثمان سنين وتربى في حجر وزيره أبي الحسن بن أبي الرجال وكان عالماً ورعاً زاهداً وكانت إفريقية أكثرها على مذهب الشيعة وخلاف السنة والجماعة فحرض ابن أبي الرجال المعز وأدّبه وأدله على مذهب مالك وعلى السنة والجماعة والشيعة لا يعلمون ذلك ولا أهل القيروان فخرج المعز في بعض الأعياد إلى المصلى وهو في زينته وحشوده وهو غلام فكبا به فرسه فقال عند ذلك أبو بكر وعمر فسمعته الشيعة التي كانت بعسكره فبادروا إليه ليقتلوه فجاءه عبيده ورجاله ومَن كان يكتم السنة من أهل القيروان ووضعوا السيف في الشيعة. قال أبو الصلت: فصاح بهم في ذلك الوقت صائح الموت فقتلوا في سائر بلاد إفريقية ولم يزل المعز يعمل فكره في قطع دعوتهم وفي سنة ٤٤٠ هـ قطع المعز الخطبة لصاحب مصر. قال ابن شرف: أمر المعز بأن يدعى على منابر إفريقية للعباس بن عبد المطلب وتقطع دعوة العبيديين وأمر بلعنهم في الخطب وسبهم بأشنع السب وأمر بتبديل السكة على أسماء بني عبيد فنقش الوجه الواحد: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ وفي الوجه الآخر: "لا إله إلا الله محمَّد رسول الله" وأمر بسبك ما كان عنده من الدنانير التي عليها أسماء بني عبيد وكانت أموالاً عظيمة ثم بعث في الناس من قطع سكتهم وزوال أسمائهم من جميع الدنانير والدراهم وغيرها وتم الأمر بذلك سنة ٤٤١ هـ ولما آل الأمر إلى التصريح بلعنة بني عبيد على المنابر وأمر المعز بقتل أشياعهم أباح بنو عبيد للعرب بمجاز النيل وكان قبل ذلك ممنوعاً لا يجوزه أحد من العرب ثم أمر لكل جائز منهم بدينار فجاز منهم خلق عظيم من غير أن بأمرهم بشيء لعلمه أنهم لا يحتاجون لوصية فجازوا أفواجاً ووصلوا إفريقية وكان وصولهم الداعية العظمى والمصيبة الكبرى وبعد حروب وأهوال في أخبار طوال فرّ المعز بما خف إلى المهدية. انتهى ابن عذاري. وقال ابن خلدون: إن ملوك صنهاجة فسدت طباعهم أواسط المائة الخامسة واستمرت لهم الدولة متقلصة الظل بالمهدية حتى تأذن الله بانقراضهم وجاء الموحدون بقوة قوية من المصامدة فمحوا آثارهم انتهى.
وفي المعجب كانت القيروان دار ملك المسلمين بإفريقية منذ الفتح لم يزل الخلفاء من بني أمية وبني العباس يولون عليهم الأمراء من قبلهم إلى أن اضطرب أمر بني العباس واستبد الأغالبة بملك إفريقية بعض الاستبداد فاتخذوا القيروان دار ملكهم فلم يزالوا بها إلى أن أخرجهم عنه ابن وعبيد وملوكها ثم ولوا عليها حين ارتحلوا زيري بن مناد الصنهاجي فلم يزل زيري وبنوه ملوكاً عليها إلى أن كان
стр. 863
آخرهم تميم بن المعز فانتهبتها الأعراب وخربتها وكانت منذ الفتح إلى أن خربت دار العلم بالمغرب إليها ينسب أكابر علمائه وإليها كانت رحلة أهله في طلب العلم وقد ألف الناس في أخبار القيروان ومناقبه. وذكر علمائه ومن كان به من الزهاد والصالحين والفضلاء المتبتلين كتباً مشهورة ككتاب أبي محمَّد بن عبيد وكتاب ابن زيادة الله الطبني فلما استولى عليها الخراب تفرق أهلها في كل ناحية كمصر وصقلية والأندلس ومنهم طائفة عظيمة قصدت المغرب ونزلوا مدينة فاس اهـ باختصار. وفيه كانت العمارة متصلة من مدينة الإسكندرية إلى مدينة القيروان تمشي فيها القوافل ليلاً ونهاراً وكان فيما بين الإسكندرية وطرابلس الغرب حصون متقاربة جداً فإذا ظهر في البحر عدو نوّر كل حصن للحصن الذي يليه واتصل التنوير فينتهي خبر العدو من طرابلس إلى الإسكندرية والعكس في ثلاث ساعات أو أربع من الليل فيأخذ الناس أهبتهم ويحذرون عدوهم ولم يزل هذا معروفاً إلى أن خربت الأعراب تلك الحصون ونفت عنها أهلها أيام خلى بنو عبيد بينهم وبين الطريق للمغرب وذلك في حدود سنة ٤٤٠ هـ حين تغير ما بينهم وبين المعز الصنهاجي وقطع الدعاء لهم على المنابر ودعا لبني العباس. اهـ. معجب والحاصل أن مقدار ما وصلت إليه القيروان في أوائل ملوك بني زيري ومن قبلهم فوق ما يذكر من الحضارة والتمدن والبهجة والعمران والاستبحار في العلوم والصنائع والتجارة والفلاحة وكثرة الأدباء والشعراء والأطباء والمهندسين فما بالك بغيرهم من الفقهاء والمحدثين من علماء الدين ثم كانت على القيروان الطامة الكبرى التي صيرتها خراباً بهؤلاء الأعراب وانحدرت في تيار الانحطاط السريع وانتقل كرسي ملكها البديع إلى المهدية وتقلص ظل الدولة الصنهاجية المؤذن بالفناء والملك لله الواحد القهار الذي لا يزول ملكه ولا يفنى وصارت مرسح الفتن ومسرح الإحن خالية عن السكان فضلاً على العلماء وآخر علمائها على هذا العهد السيوري والتونسي. ولهاته الأسباب خرج غالب مَن في البلد ومنهم المعز ونجا بنفسه للمهدية بعد مشاق وعاملها يومئذ ابنه تميم فتلقاه بالمبرة والتكريم وبقي بها إلى أن توفي سنة ٤٥٤ هـ ودفن برباط المنستير وفي معالم الإيمان لم يبق بالقيروان بعد المائة الخامسة من له اعتناء بالتاريخ وغيره لتخريبها على يد المفسدين الأعراب وبقيت على ذلك إلى ظهور دولة الموحدين انتهى. قلت: ورغماً عما حل بها من النوائب فلم يزل بها من المشاهد والمعالم الإِسلامية الخالدة إلى هذا العهد مما لا يوجد بغيرها من بقية مدن إفريقية كجامع سيدنا عقبة العتيق ومنبره البديع الشكل والصنع الوثيق وهذه المعاهد أكسبت شهرة مطبقة بالعالم الأروباوي وبعد الصيت وجميل الذكر في العالم الإِسلامي ولم تجد شيئاً يبقى خالداً إلا الذكر حسناً كان أو قبيحاً.
стр. 864
فلا شيء يدوم فكن حديثاً ... جميل الذكر فالدنيا حديث
في روح المعاني عند قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾ الآية تدل على أن الإنسان يرغب في الثناء الحسن والذكر الجميل إذ لو لم يكن مرغوباً فيه ما امتن الله به على رسوله ﷺ والذكر قام مقام الحياة ولذا قيل ذكر الفتى عمره الثاني، قال ابن دريد:
وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثاً حسنًا لمن وعى
ويحكى أن الطاغية هلاكو سأل أصحابه مَن الملك؟ فقالوا له: أنت الذي دوَّخت البلاد وملكت الأرض وأطاعتك الملوك، وكان المؤذن إذ ذاك يؤذن فقال الملك هو الذي له أزيد من ستمائة سنة قد مات وهو يذكر على المآذن في كل يوم وليلة خمس مرات ريد محمداً ﷺ .
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء البرادعي وابن الضابط واللبيدي وأبو عمران الفاسي وأبو بكر بن عبد الرحمن والتونسي وابن يونس وابن العطار.
الطبقة العاشرة
لما توفي المعز بويع لابنه أبي يحيى تميم واشتغل بما بقي من المملكة وضبطه أحسن ضبط وكان شاعراً وشعره رائق مدوَّن وأبو علي بن رشيق كان من ندمائه وله فيه قصائد طنانة وكان أعلم بني مناد وأعفاهم عن الأمور العظام وكان حسن السيرة محمود الآثار محباً للعلماء معظماً لأرباب الفضائل حتى قصدته الشعراء من الآفاق على بعد الدار كابن السراج السوري ونظرائه يجيز الجوائز ويعطي العطاء الوافر، فضائله كثيرة وله أخبار ووقائع عجيبة مع الثائرين، وفي أيامه توالت على سوسة أمراء من العرب وملوكها حين استولوا على البلاد وانتزعوها من يد صنهاجة واستقرت أخيراً تحت ملك جبارة بن كامل بن سرحان بن أبي العيس البعيد الصيت المشتهر بالجود ومن يده أخذها النصارى حين أخذوا المهدية من يد الحسن الآتي ذكره واستولوا على بلاد الساحل ولما وصل عبد المؤمن استنقذها من يد النصارى وسنأتي على شرح ذلك قريباً وللشعراء في مدح جبارة قصائد طنانة منها قصيدة التراب السوسي في رحلة التيجاني قد أولع أعراب زماننا بإنشادها وكثرة تردادها ولأجل ذلك ذكرناها بكمالها وإن كان فيها بعض طول لأن الحسن غير مملول وهي نحو المائة والعشرين بيتاً، أولها:
стр. 865
سلم على ذي سلم ... مضنى الهوى المستغنم
وقف بها مسائلاً ... عن ساكن والخيم
واستمطر العين بها ... صوب دموع ودم
وفي أيام تميم هذا استولى العدو على صقلية سنة ٤٨٤ هـ ثم استولى على المهدية ثم خرج منها بعد عقد صلح وبقي على ذلك الحال وأموره معتلة إلى أن توفي سنة ٥٠١ هـ بالمهدية ونقل لرباط المنستير.
واعلم أنه قد علم مما تقدم في مواضع على وجه الاستطراد فتح صقلية وذكر بعض المآثر الحسنة التي خلدها الإسلام بها وزيادة على ما تقدم ذكره نذكر لك هنا بعض أخبارها على نسق باختصار كثير مما هو مبسوط في التواريخ فنقول إن أول من غزا صقلية معاوية بن حديج ولم تزل تغزى إلى أيام زيادة الله إبراهيم بن الأغلب وفيها حصل الاستيلاء على جانب عظيم منها وصارت مملكة متابعة لملوك إفريقية وتتابع الغزو إليها وإلى غيرها بعد ذلك حتى اتسع نطاق المملكة وأمراؤه عمال لملوك إفريقية يتولون الإمارة بعهد منهم واستمرت على ذلك المنوال أميراً بعد أمير ولا حاجة لذكر أسمائهم لأنه يؤدي إلى التطويل، وفي سنة ٣٣٦ هـ صار الوالي عليها الحسن بن علي بن أبي الحسين ثم صارت ميراثاً في عقبه إلى أن تفرقت صقلية إلى ممالك وصارت كل مملكة بي دملك متغلب عليها مستبد لا يسأل عن غيره فصار الفرنج ينتزعون تلك الممالك منهم مملكة بعد مملكة حتى كان استخلاص العدو لها تماماً سنة ٤٨٤ هـ بعد أن بقيت بيد المسلمين مائتين ونيفاً وسبعين سنة والذي تغلب عليه الملك رجار وكان عدم النظير في أبناء جنسه صاحب حزم ودهاء وسياسة ولما تم تملك صقلية تتابعت غارتهم على إفريقية فملكوا الجزائر ومالطة وجربة وطرابلس وقابس وسوسة وصفاقس والمهدية وكانت هاته الوقائع متتابعة في سنين وكان انتهاؤها سنة ٥٤٣ هـ كما ستعلم مما يأتي ذكره. وصقلية في أيام الإِسلام رحل إليها الكثير من وجوه الناس قضاة وفقهاء ومحدثين وغيرهم من الخاصة فضلاً عن العامة لرخاء أسعارها وأمن سبلها وعدل سلطانها وظهر منها الكثير من فحول العلماء والفقهاء والمحدثين والشعراء ترجمنا لبعضهم في المقصد والحاصل أنها في مدتهم بلغت غاية في الحضارة وعلو الشأن وتبحر العمران وبها كثير من المساجد وقد وصف ابن جبير في رحلته بعض مدنها وما شاهده من حالها وحال المسلمين بها بعد احتلال العدو لها حالة تبكي العيون دماً وتذيب القلوب ألماً.
стр. 866
قلت: وفي هذا العهد لم يبق بها أثر الإِسلام وعادت مساجدها كنائس وصوامعها مضارب للنواقيس.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء السوري وعبد الحق الصقلي والشقراطسي واللخمي وعبد الحميد الصائغ.
الطبقة الحادية عشر
لما توفي تميم بن المعز بويع لابنه يحيى وكان ذا رياسة وسياسة قمع الثوار ومهد النواحي وغزا بأسطوله الروم حتى وقع صلح على شروطه وكان رحيماً بالضعفاء مطالعاً لكتب السير وأخبار الزمان عارفاً بالنجوم والطب وبنظم الشعر الجيد ويجيز عليه ومن شعرائه وجلسائه العلامة الأديب المؤرخ الأريب أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الآتي ذكره في الخاتمة وكان له شعر رائق ونثر فائق ويأتي خبره وخبر بعض ملوك صنهاجة في الخاتمة. وفي أيام هذا الأمير دخل محمَّد بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية المهدية في أيام أبي الحسن علي وتقدم بعض خبره بما يفيد أنه دخل المهدية مرتين حين ذهب للمشرق وحين رجع منه انظر ترجمة أبي بكر بن العربي في الطبقة الحادية عشر من المقصد، وتوفي الأمير يحيى في ذي الحجة سنة ٥٠٩ هـ وخلف من البنين ثلاثين ومن البنات عشرين ودفن بقصره على ما جرت به العادة ثم نقل للمنستير.
ولاية ابنه أبي الحسن علي بن يحيى:
تم له الأمر بعد أبيه بإتفاق من جنده واستقام أمره وكان جواداً مفضالاً لا يميل للراحة وكان من الأذكياء محباً للعلم والعلماء. وللقاضي أبي بكر اليابري مصنفان في الأصول والفقه على مذهب مالك رد فيها على ابن حزم أحدهما المدخل والآخر سيف الإِسلام في مذهب مالك الإِمام ألفه باسم الأمير أبي الحسن المذكور في المهدية سنة ٥١٣ هـ ورحل لمكة وبها توفي. رحل إليه الزمخشري من خوارزم للأخذ عنه وقدم لمكة وأخذ عنه وترجمة هذا العالم تقدمت في الطبقة الحادية عشر من المقصد. ولأبي الصلت المذكور منزلة جليلة عند هذا الأمير وتوالت بين هذا الأمير والأعراب فتن وحاله معهم مل حال أبيه وجده وكبرت بينه وبين صاحب صقلية الوحشة وتوفي سنة ٥١٥ هـ بالمهدية ونقل للمنستير.
стр. 867
ولاية ابنه الحسن:
تم له الأمر يوم وفاة والده وعمره اثنا عشر عاماً وهو آخر ملوك هاته الدولة، وكانوا كلهم أهل نجدة وشجاعة وإحسان ومعروف. وكان فصيحاً عاقلاً حازماً لا يتزحزح لعظائم الأمور ولا يتضعضع لنوائب الدهور شجاع القلب كريم النفس ينظم الشعر، وفي سنة ٥١٧ هـ قصد صاحب صقلية المهدية في أسطول عظيم وجنود جرارة ولما وصل المهدية هاج البحر على هذا الأسطول فدمر أكثره وألحق الضرر بالباقي فقتل المسلمون الكثير من رجاله وغنموا غنائم كثيرة وانعقد عقب ذلك صلح واستولى الطاغية على جربة وصفاقس وقرقنة وطرابلس. وفي سنة ٥٤٣ هـ خرج بأسطول عظيم ودهم به المهدية على حين غفلة من أهلها فخرج الحسن منها بما خف وفجأ الناس من بلاء هذا الطاغية ما لم يكن له حساب، ولما دخل المهدية وجدها خالية فاستولى عليها من غير تعب وقتال واستولى على ذخائر الحسن، وأمن الناس وعمرها أحسن عمران ثم استولى على سوسة وصفاقس ودانت له البلاد، وأما الحسن فإنه بعد خبر طويل وصل للخليفة عبد المؤمن بن علي مستجيراً به فأكرمه وأحسن منزله، وأجاب مطالبه واستعد لذلك ثلاث سنين وتوجه لها بنفسه في صفر سنة ٥٥٤ هـ، وبين يديه الحسن المذكور بعسكره الجرار وجيشه العرمرم يقال إنه لما وصل باجة عرض العساكر فكانت الفرسان أزيد من مائة ألف والرجال لا تحصى وهي تمر بالطريق الضيقة في المزارع فلا يضرها شيء وهذه المحلة تمتد أميالاً وكلهم يصلون الصلوات الخمس بإمام واحد وتكبيرة واحدة ولا يتخلف أحد منهم عن الصلاة لأنه كان يقتل من يتأخر منهم وكانت مقدمة هذا الجيش اثني عشر ألف مقاتل قد كلفوا بحفر الآبار واستخراج المياه وتمهيد الطريق وتهيئة ذلك للجيش ولولا هذا التدبير لم يقدر على هاته الأسفار البعيدة بهاته الجيوش العظيمة فنازل تونس وأخذها صلحاً وكانت بيد أحمد بن خرسان واستخلف على تونس أبا محمَّد عبد السلام الكومي ورتب معه أشياخاً من الموحدين ثم رحل للمهدية والأسطول يحاذيه في البحر فوصل إليها منتصف رجب وكان بالمهدية ملوك الفرنج وأبطال الفرسان فحاصرها بما انضاف إليه من أهل البلاد بما يخرج عن الإحصاء وفي مدة الحصار فتح طرابلس ونفوسة وقابس وثغور إفريقية وما والاها وأقام في حصارها ستة أشهر إلى أن فتحها بكرة عاشوراء سنة ٥٥٥ هـ ولذا يقال لها سنة الأخماس، ودانت له البلاد بالطاعة واستخلف عليها أبا عبد الله محمَّد الكومي وجعل معه الحسن وأمره أن يقتدي برأيه وأقطع الحسن جانباً منها وارتحل ولبثت إفريقية في أمن ودعة واطمئنان بقية أيامه وصدراً من أيام بنيه ومدحه الشعراء على هذا الفتح منهم أبو محمَّد عبد الله بن أبي العباس التيفاشي بقصيدة أولها:
ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي
стр. 868
ولما أنشدها بين يديه أشار إليه أن يقتصر على هذا البيت ولا يتم قراءة القصيدة وأمر له بألف دينار وقيل: لمَ لم تسمع تمام القصيدة؟ فقال: وما عساه أن يقول بعد هذا البيت، أي لا يأتي بأمدح منها وأخذ يجيزه كل يوم ألف دينار على قراءة هذا البيت إلى أن بلغت أربعين ألفاً وكان عبد المؤمن هذا عاقلاً حازماً سديد الرأي حسن السياسة كثير البذل للأموال إلا أنه كان سفاكاً للدماء على الذنب المغير وكان يعظم أمر الدين ويلزم الناس في كل بلاده بالصلاة وكان الغالب على مجلسه أهل العلم والدين وكانت له معرفة بالشعر والأدب، يحكى عنه أنه مر ببعض طرق مراكش ومعه وزيره أبو جعفر بن عطية فأطلت من شباك جارية بارعة الجمال فقال عبد المؤمن:
قدت فؤادي من الشباك إذ نظرت
فقال ابن عطية:
حوراء ترنو إلى العشاق بالمقل
فقال عبد المؤمن:
كأنما لحظها في قلب عاشقها
فقال ابن عطية:
سيف المؤيد عبد المؤمن بن علي
وتوفي عبد المؤمن سنة ٨٥٨ هـ وعمره ثمان وستون سنة ومدة ملكه ثلاث وثلاثون سنة وهو أول ملوك هاته الدولة ومدتها مع مهديهم مائة واثنان وخمسون سنة وكانت من أعظم الدول الإِسلامية وكانوا يدعون على المنابر إلى مهديهم محمَّد بن تومرت ويضربون اسمه على السكة ومن أصحاب ابن تومرت عمر بن يحيى الهنتاتي صار بعد المهدي من وزراء عبد المؤمن وأعطى بنو عبد المؤمن أولاد عمر المذكور ولاية تونس فكانوا يسمون بالحفصيين وسنقص عليك خبرهم وابن تومرت هذا مضى لنا ذكره في ترجمة أبي بكر بن العربي قال بعض العلماء أنه أراد بقيامه إظهار الحق فاجتهد وأخطأ وقال بعضهم إنه كان على الأمة شراً من الحجاج ويزيد وأخباره طويلة الذيل مذكورة في التواريخ أما الأمير حسن الصنهاجي المذكور فإنه أقام بالمهدية إلى أن توفي عبد المؤمن وتولى بعده ابنه يوسف المتوفى سنة ٥٨٠ هـ فاستقدم الحسن إلى المغرب ومات بالطريق وهو آخر ملوك صنهاجة وبه انقطعت كواكب سعودهم وأجلت عن منازلهم الشموس والأقمار والملك لله الواحد
стр. 869
القهار وهذه الدنيا لا يدوم نعيمها ولا ييأس سقيمها وبهذا جرت عادة الله في خلقه إنما الدهر دول بعد دول لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون كما جرت عادته في بيوت أهل الفضل والترف والملوك وغيرهم إذا تطاول عليها الزمان واعتمد الأبناء على ما بنته الآباء ولم يحصلوا على شرف من قبلهم فلا يلبث فيهم الاشتغال بالترف ونضارة العيش أن يهدم معالمهم التي بناها آباؤهم وغفلوا عن تجديدها والذود عنها.
واعلم أن صنهاجة قبيلة من قبائل البربر والمصامدة قبيلة من قبائل البربر أيضاً ومنها عبد المؤمن بن علي، واختلف النسابون والمؤرخون في نسب البربر اختلافاً كثيرًا وتقدم الكلام على ذلك.
تنبيه: قد علمت أن العلم انقطع من القيروان بانقطاع العلماء منها وانتقال كرسي المملكة منها إلى المهدية وظهر بها فحول من العلماء والأدباء منهم ابن النحوي والإمام المازري وأبو الصلت أمية بن عبد العزيز وابن بشير وأبو محمَّد التيفاشي.
الطبقة الثانية عشر
قد علمت أن إفريقية آل أمرها إلى الخليفة عبد المؤمن بن علي باني دولة الموحدين على يد المهدي محمَّد بن تومرت ومن القائمين بدعوة هذا المهدي أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي يرجع نسبه إلى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وله القدم الراسخة في دولة عبد المؤمن والمواقف الشهيرة والمقامات الحميدة وتوفي سنة ٥٧٥ هـ ولما آلت الخلافة إلى يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن المتوفى سنة ٥٩٥ هـ استوزر أبا محمَّد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص المذكور وابنه الآخر أبو سعيد ولاه إفريقية فدخلها واشتغل بتونس واستعمل أخاه أبا علي على المهدية ولم يتم له أمر وفي خلال تلك المدة وصل أبو زيد بن أبي حفص بن عبد المؤمن إفريقية والياً عليها بدل أبي سعيد وخرجت في تلك المدة المهدية وسائر الجهات القبلية عن أبي فلد المذكور واستولى عليها يحيى بن إسحاق الميورقي من بني غانية ثم استولى على تونس وقبض على أبي زيد المذكور في ربيع الأول من أول عام من المائة السابعة ولما آل أمر الخلافة للناصر بن المنصور المذكور بوفاة والده وبلغه ما حلّ بإفريقية توجه لها في عسكره واستصحب وزيره أبا محمَّد المذكور ودخل تونس ووجه وزيره المذكور للمهدية فأفتكها وغيرها من ابن غانية سنة ٦٠٢ هـ في أخبار طوال ودانت له البلاد ثم رجع الناصر لمحل خلافته واستخلف
стр. 870
على إفريقية وزيره المذكور وكانت وفاة الناصر سنة ٦١٠ هـ وتولى بعده ابنه المنتصر يوسف المتوفى سنة ٦٢٠هـ.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء ابن الحداد وأبو الحسن السوسي وابن عوانة.
الطبقة الثالثة عشر
تقدم أن الناصر استخلف على إفريقية وزيره أبا محمَّد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص الهنتاتي وهنتاتة من قبائل المصامدة وهم القائمون بدعوة المهدي والسابقون لها وكان قبوله الاستخلاف بعد تمنع وشروط شرطها عليه وفي له بها الناصر وذلك في شوال سنة ٦٠٣ هـ متروكان عالماً ذكياً شجاعاً عاقلاً ومما يدل على ذكائه هو أنه دخل عليه يوماً أبو محمَّد عبد السلام البرجيني وكان تحت جفوة منه فقال له: كيف حالك يا فقيه؟ فقال: في عبادة، فقال له الأمير عبد الواحد: تعوضها إن شاء الله بالشكر، وأراد البرجيني بقوله في عبادة قول رسول الله ﷺ : "انتظار الفرج بالصبر عبادة" وله حروب طالت لم تهزم فيها له راية ولم يزل على ولايته في جلالة إلى أن توفي في تونس فاتحة سنة ٦١٨ هـ وتقدم للولاية ولده أبو زيد عبد الرحمن ثم قدم المنتصر عمه إدريس والياً على إفريقية ومعه ابنه أبو زيد عبد الرحمن وله مع ابن غانية حروب وتوفي سنة ٦٢٠هـ وقام مقامه أبو زيد المذكور ولم يحسن السيرة ولما تولى الخلافة عبد الله العادل بن المنصور عزله وولى أبا محمَّد عبد الله بن عبد الواحد الحفصي على إفريقية فدخلها في شعبان من السنة ومعه أخواه أبو زكرياء وأبو إبراهيم ولم يزل حميد الحال إلى أن ثار عليه أخوه أبو زكرياء المذكور ووقعت بينهما حروب آلت باستيلاء أبي زكرياء على إفريقية واستقلاله بها وذلك سنة ٦٢٥ هـ ومهد دولة فخيمة لآل أبي حفص ورفع رايتهم كما ستعلم واستقام له الأمر بعد موت ابن غانية واستولى على الجزائر وتلمسان وغيرهما وخلع دولة بني عبد المؤمن لأسباب ذكروها واتسع نطاق سلطانه ووافته بيعة ملوك شرقي الأندلس وغربيها وأطاعته سجلماسة وسبتة وطنجة ومكناسة وخطب له بنو مرين وكان من العلماء العاملين والأمراء العادلين ختم على الشيخ الرعيني السوسي المستصفى وغيره من الكتب العالية وناظر في النحو ابن عصفور وكان معدوداً من الأدباء الشعراء وله مآثر جيدة وهو الذي بني جامع القصبة والمدرسة الشماعية وجمع في خزائنه من الكتب ستة وثلاثين ألف مجلد وفي سنة ٦٤٧هـ تحرك للمغرب ومات في طريقه ودفن ببونة ثم نقل إلى قسنطينة وترك من الأولاد أربعة: محمَّد
стр. 871
المنتصر وأبا إسحاق وأبا بكر وأبا حفص، وفي هاته السنة توفي السلطان الشهير الذكر الجليل القدر صلاح الدين الأيوبي.
واعلم أنه لما تأسست الدولة الحفصية انتقل سرير الملك لتونس بعد أن كان بالمهدية واستقام أمرها وشاع ذكرها وتراجع العمران بإفريقية وتتابع وبلغت أوج العلاء وبسطة الملك وصارت دار علم تلقاه فحول عن فحول وصارت تونس منبت عز تشد إليها الرحال من سائر الأقطار والأمصار والفضل في ذلك لأبي زكرياء المذكور نوّه بذكره ولي الدين بن خلدون وغيره وقال: سند تعليم العلم قد كاد أن ينقطع من المغرب بإخلال عمرانه وتناقص الدولة فيه وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع أو فقدانها وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس واستبحر عمرانهما وكان فيهما من العلوم والصنائع أسواق فائقة وبحور زاخرة ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما فلما حربنا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلاً ثم تراجع. وفي كتاب اللقطة من شرح الأبي على صحيح مسلم: لم يزل الشيوخ يحكون عن كثرة ما كان بتونس من الخير.
حكي أنه بقي دينار ملقى بطريق العطارين مدة لم يرفعه أحد ثم بعد ذلك لم يوجد فقال الناس اليوم دخل لبلدنا غريب وحين كانت قاعدة الموحدين مراكش وكانت القضاة يأتون لتونس منها فاتفق أن قدم إليها قاض من مراكش فجلس للحكم فبقي أياماً لا يأتيه أحد من الخصوم فظن أن الناس لم يرضوا به ثم قدم إليه يوماً خصمان من سوق الجبة فقال أحدهما للآخر: أصلحك الله إن هذا شريكي وقد باع جبة من العرب وأنا لا أستحل دراهم العرب فحينئذ علم القاضي أن عدم إتيان الخصوم إليه إنما هو لتناصفهم واتباعهم الحق اهـ. وفي أيامه تقدم القضاء أبو زيد عبد الرحمن بن نفيس ثم استعفى فتقدم عوضه أبو زيد عبد الرحمن التوزري المعروف بابن الصايغ وفي أيامه سنة ٦٣٨ هـ توفي الولي العالم أبو سعيد الباجي بن خلف يدعى التميمي.
فصل
قد علمت مما تقدم أن الدولة الأموية انقرضت سنة ٤٢٨ هـ وتفرقت الأندلس إلى ممالك ملوكها تعرف بملوك الطوائف وبذلك رجع أمر الأندلس للقهقرى ثم جدد الموحدون الرونق الذي كان لها زمن الأموية فقد جدد كل من عبد المؤمن ويوسف ويعقوب مجدها وحاموا عن العلوم والصنائع وعملوا بالشريعة الإِسلامية وأسسوا مدارس عامة وأخرى للشبان وغمروا بعطاياهم علماء الإِسلام واشتهر في زمنهم
стр. 872
بالطب والفلسفة وقرض الشعر ابن رشد الحفيد وابن زهر وأنشأ الأمير يوسف بإشبيلية عمارات فاخرة وأوصل لها مياهاً غزيرة وبنى جامعاً صرف عليه مصاريف طائلة وأنشأ في جميع جهات المملكة مستشفيات وتكايا وحفر آباراً بالصحارى وخانات في الطرق للمسافرين وزاد في مرتبات القضاة والفقهاء للاستعانة وملوك الأندلس صارت عمالاً له ثم لما حصل ضعف لهاته الدولة اغتنم العدو الفرصة وصار يقطع كثيراً من المدائن والمعاقل والحصون ويستولي عليها حيث لم يوجد بالأندلس من الجيوش والرجال مَن يدافع العدو ويقاتله ثم في سنة ٦٢٦ هـ استولى على كورة ماردة وفي سنة ٦٢٧هـ على ميورقة وفي سنة ٦٢٩هـ على جزيرة شقرة وفي سنة ٦٣٦ هـ على قرطبة وعلى شرقي الأندلس شاطبة وغيرها سنة ٦٤٥ هـ وفي السنة قبلها على طرطوشة وما يتبعها من القلاع والحصون وفي السنة بعدها على إشبيلية وبيان الوقائع في أخذها يطول الكلام بذكره وذلك مشتمل على ما تتقرح له الأكباد وتنسجم له العيون ولما أخذت هذه المدائن انحاز المسلمون إلى قطعة من شرقي الأندلس وأول مَن قام بالأمر في هاته الجهة من بني الأحمر محمَّد بن نصر وكان أبوه نصر في دولة عبد المؤمن من أمراء الأجناد ومحمد بن نصر هذا يقال له محمَّد الشيخ وبويع له سنة ٦٢٩ هـ وخطب لأبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد الحفصي صاحب تونس ودخل مع ابن الأحمر في تلك البيعة أهل فيان وشريش والطاغية في ذلك الوقت محاصر بلنسية وذلك سنة ٦٣٦ هـ ثم أرسل ابن الأحمر جماعة من أعيان أهل الأندلس منهم ابن عصفور وحبر قضاعة ابن الأبار مستصرخين به يريدون منه النجدة في قتال العدو وعقد أبو زكرياء لتلك البيعة يوماً مشهوداً وأنشد حبر قضاعة المذكور القصيدة المشهورة التي أولها:
انجد بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست ... فلم يزل منك عز النصر ملتمسا
وهي طويلة بليغة مذكورة في نفح الطيب فأجاب أبو زكرياء بيعتهم ولبى دعوتهم وجهز لهم أساطيل فيها المال والرجال فلما وصلوا الأندلس وجدوا العدو ملك بلنسية ثم مرسية وهاته الطامة الكبرى والمصيبة العظمى على الأندلس كانت عقب واقعة العقاب الواقعة سنة ٦٠٩ هـ ثم واقعة أنجية التي استشهد فيها شيخ الجماعة وخاتمة المحدثين مؤلف السيرة أبو الربيع الكلاعي وصارت بعد هذه الهزائم والنوائب إلى الانقسام والتنافس مع كثرة الفتن والاضطراب وانحاز المسلمون لغرناطة وجنوب الجزيرة وهاجر الكثير من الفضلاء والعلماء إلى فاس
стр. 873
ومراكش وتونس وتلمسان. في خلاصة تاريخ العرب ما ملخصه فاق مسلمو الأندلس الفرنج في العلوم والصنائع والأخلاق كبذل النفيس والكرم مع ما امتازوا به من معرفة قدرها وعزتها حتى ذهب الكثير منهم إلى قرطبة يستشيرون حكماءها المشتهرين بالطب وكان المسلمون في سائر الجهات منقادين لأبي العائلة مجلين للشيوخ ذوي غيرة شديدة على مراعاة العدل أصغرهم كأكبرهم بالاعتناء بحفظ العائلة من العار لا يمنع خمول أصل أحدهم من الوصول إلى أرقى المناصب غير معولين في اعتبار الشخص على شرف حسبه ونسبه فقط بل على اعتبار فضائله وأخلاقه وكانوا متفننين في اللهم والعمل بالقرآن الدال على أهمية اكتساب الفضائل والأعمال الصالحة ولذا كان الخلفاء يشوقون الناس إلى الشغل ووقاية الأملاك من العدوان والذي ساعدهم على بلوغ شأو العظمة اتساع العلوم والفنون والفلاحة والصنائع. ذاق جميعهم لذة المعارف وتنافسوا في ابتكار ما يمتازون به وكان اقتراحهم للشعر يرفع قدر نفوسهم ولا بد لقضاتهم من حوز معلومات عويصة حتى يعتبرهم الناس زمن قيامهم بوظائفهم وكانوا يكتبون على جميع المباني الجليلة اسم المهندس والآمر بالتشييد ويجزلون الثناء على كل ماهر في فن، وقد بلغوا الدرجة العليا في فنون العمارة والموسيقى والقريض ولذا اقتفى الإفرنج أثرهم في أساليب أبنيتهم وزخارفها وأتقنوا أجناس الأصوات وما في الصوت البشرى من الدلائل والطرق النغمية ومارسوا ضروب الشعر خصوصاً نظم الحكايات المشتملة على نكت مشوقة فبرع فيها الكثير وتعلموا في المدارس علم الفلك والجغرافيا والمنطق والطب والنحو والهندسة والجبر ومبادىء علم الطبيعة والكيمياء الطبيعية والتاريخ الطبيعي وهو علم المواليد الأرضية الثلاث ملئت كتبخاناتهم نسخاً منقولة عن كتب علماء اليونانيين من كتب فلاسفة الإسكندرية واستخرجوا المعادن من الأرض واللؤلؤ والمرجان من البحر وأتقنوا صناعة الدباغة ونسج القطن والأقمشة الحريرية والصوفية ونصال السلاح والسروج والجلود وغير ذلك رغب جميع أهل أوروبا كل الرغبة في ذلك واتجروا في الزيت والعنبر الخام وبلور الصخور والكبريت وغير ذلك واستعملوا طرقة تماثل أوراق الحوالة وكانوا يرسلون البضائع إلى الممالك الشرقية فيرسلون إليها بدلها مما هو مفقود عندهم وبذلوا غاية عنايتهم بالفلاحة وكان بمدائن إشبيلية وقرطبة وغرناطة ومرسية وطليطلة وغيرها كتبخانات ومدارس جليلة تدرس فيها العلوم الرياضية وبالجملة فإن المسلمين بذلوا صادق الهمة والعزيمة في تعلم وتعليم العلوم
стр. 874
على اختلاف أنواعها رغماً عما طرأ من الحوادث والتقلبات وحوادث الحروب الصليبية وتقدموا تقدماً محسوساً باعتناء العلماء وبعض الملوك والعلوم المشار لها رياضية وهندسية وهي الفلك والأرصاد والهيأة والأسطرلاب والزيج والحساب والجبر وعلم الضوء والنظر والميكانيك والجغرافية رياضية وتخطيطية وتعرف بعلم تقويم البلدان وتحديد المسافات والخرائط على مقتضى الأطوال والعروض والعلوم الرياضية هي المتعلقة في الغالب بالأجسام العضوية وهي الحيوان والنبات وارتفعت في زمنهم إلى درجة البحث عن القوى الطبيعية والجواهر الأولية التي تحلل لإدخالها في مركبات أخرى ويعرف بعلم قواعد تحضير الأدوية وحصلت لهم براعة في ذلك وأنشأوا الأجزخانات الكيماوية وأدى إنشاؤها والمادة الطبيعية اللذان هما أول ما يلزم لفن الطب الاشتغال بعلم الكيمياء وهو عبارة عن مجرد التحليل والتركيب وبما حصل لهم من المعارف في ذلك أدخلوا في الأدوية نباتات كثيرة ومادات ترابية واعتنوا بغرس كثير من النباتات وتركيب طبقات الأرض وبعبارة أخرى أنها بلغت معارفهم في الزراعة والاقتصاد الزراعي وقواعد الطب وعملياته والتشريح والأدوية المفردة والنباتات والأحجار والمعادن والحيوانات ذوات الخواص الطبيعية أقصى درجات الكمال ونبغ في ذلك كثير من العلماء الجهابذة وألفوا التآليف البارعة حفظ التاريخ أسماء كثير منهم كما حفظ أسماء كثير من الملوك الذين يدعون العلماء والحكماء إلى دواوينهم ويمدونهم بالأموال الجزيلة للغرض المذكور وشوهدت مؤلفات كثيرة من تلك الفنون فشت بها اللغة العربية لدى الممالك الإِسلامية والأروباوية وترجم بعضها إلى اللغات الأجنبية واتخذت أصلاً من أصول التعليم في المدارس وتكون من معظم تلك التآليف الموجودة الآن علم أدبي من أوسع العلوم الأدبية المعروفة في الدنيا ولهم اختراعات واكتشافات من ذلك بيت الإبرة وصناعة الورق وبارود المدافع والأسلحة النارية وانتشارها في الدنيا. ثم قال بعض شرح ما ذكر وبما أسلفناه يظهر لك كيفية تحكم الإِسلام على جميع فروع تمدن أوروبا الحديث وكان عندهم أوسع ما سمح به الدهر من الأدبيات ونتائج أفكارهم الغزيرة واختراعاتهم النفيسة وأنهم أساتذة في جميع الأشياء كالمواد المختصة بتاريخ القرون المتوسطة وأخبار السياحات والأسفار وقواميس سيرة الرجال المشهورين والصنائع العديمة المثال والأبنية الدالة على عظمة أفكارهم واستكشافاتهم المهمة ولذا كله وجب الاعتراف برفعة شأن هذه الأمة المحمدية التي تحقرها الفرنج منذ أزمان مديدة
стр. 875
وظهر بذلك تحكم التمدن العربي المتسع ونشأ عن ذلك العمران الزاهر فكان بالأندلس ست تخوت وثمانون مدينة كبيرة وثلاثمائة مدينة أقل منها وما لا يحصى من الضياع والقرى وفي قرطبة وحدها مائتا ألف بيت وستمائة مسجد وخمسون مستشفى للمرضى وثمانون مدرسة كبرى عامة وتسعمائة حكام وعدد ساكنيها مليون وليقس ما لم يقل وجامعها المشهور زخرفة وضخامة الباقي إلى الآن يضاهي في الفخامة الجامع الأموي بدمشق انتهى باختصار كثير مع تقديم وتأخير من خلاصة تاريخ العرب، وقد أتى على أخبار الأندلس الشهاب المقرَّى في نفح الطيب وأزهار الرياض وأشبع الكلام عليها بما فيه تذكرة وعبرة لذوي الألباب.
واعلم أن الأندلس اشتمل على فحول العلماء المبرزين في كثير من الفنون ترجمنا الكثير منهم في المقصد واشتمل على كثير من العجائب والمعادن وغير ذلك. في نفح الطيب: خص الله بلاد الأندلس من الريع وغدق السقيا ولذاذة الأقوات وفراهة الحيوان ودرور الفواكه وكثرة المياه وتبحر العمران وجودة اللباس وشرف الآنية وكثرة السلاح وصحة الهواء وابيضاض ألوان الأسنان ونبل الأفهام وفنون الصنائع وشهامة الطباع ونفوذ الإدراك وإحكم التمدن بما حرمه الكثير من الأقطار مما سواها. وقال أيضاً: إن الأندلس بلد كريم البقعة طيب التربة خصب الحنان منبجس الأنهار الغزار والعيون العذاب قليل الهوام وذوات السموم معتدل الهواء والجو والنسيم ربيعه وخريفه ومشتاه ومصيفه على قدر من الاعتدال متوسط الحال تتصل فواكهه أكثر الأزمنة وتدوم ملاحقة غير مفقودة. وقال أيضاً: في الأندلس من أنواع المعادن ما لا يحصى وفيه المدن الحصينة والمعاقل المنيعة والقلاع الحريزة والمصانع الجليلة وطول الأندلس ثلاثون يوماً وعرضه سبعة أيام ويشقها أربعون نهراً كباراً وبها ثمانون مدينة من القواعد الكبار وأزيد من ثلاثمائة من المتوسط وفيها من الحصون والقرى ما لا يحصى، قيل إن عدد القرى النبي على نهر إشبيلية اثنا عشر ألفاً وكانت دور قرطبة أربعة عشر ميلاً وعرضها ميلان وكانت قرطبة قبة الإِسلام وبها استقر سرير الخلافة الأموية وهي معدن العلماء وهي من الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد ومسجدها ليس له نظير في الدنيا طوله ثلاثمائة وثلاثون ذراعاً وعرضه مائتان وخمسون ذراعاً وسواريه ألف وأربعمائة وهو مزخرف بالرخام والمرمر وماء الذهب واللازوردي وبخارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية في كل واحدة منها منبر وفقيه مقلص تكون الفتيا في الأحكام إليه، وكانوا لا يكون فيهم مقلص إلا من حفظ الموطأ وقيل إلا من حفظ عشرة آلاف حديث وحفظ المدونة، وكان هؤلاء
стр. 876
المقلصون المجاورون لقرطبة يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة بقرطبة ويسلمون عليه ويخبرونه بأحوال بلدهم ويجعلون في مساجدهم نواباً يصلون بالناس الجمعة. وقال: الأندلس ينقسم إلى مشرق ومغرب ومتوسطة وكل واحد من الأقسام الثلاثة مشتمل على مدائن عظيمة كل مدينة منها مملكة مستقلة مشتملة على أعمال وقرى ومزارع وبساتين وأقطار واسعة وخلائق لا يحصون في غاية التنعم والرفاهية. فمن المتوسطة قرطبة وطليطلة وجيان وقسطلة وغرناطة والمرية ومالقة وغير ذلك مما يطول ذكره، ومن شرق الأندلس مرسية وبلنسية وشاطبة ودانية والسهلة والثغر الأعلى وسرقسطة وغير ذلك مما يطول ذكره، ومن غريب الأندلس إشبيلية وماردة وأشبونة وشلب وشريش ولبلة والخضراء وبطليوس وغير ذلك مما يطول ذكره. ولما ضعف أمر الخلافة وافترق أمر الأندلس وكثر الخلاف بينهم وانتشرت الفتن صارت الممالك بيد ملوك كثيرة - يسمون ملوك الطوائف- لكل مملكة ملك مستقل ينفذ أمره ونهيه فيما كان تحت يده وهم مختلفون في اتساع ممالكهم وعدم اتساعها وكان ابتداء تفرق الممالك من سنة ٤٠٧هـ وصار يقاتل بعضهم بعضاً فيتغلب بعضهم على بعض وكان عدد أولئك الملوك خمسة عشر لا حاجة لذكر أسمائهم وأعظم تلك الممالك قرطبة بيد المعتضد بن عباد المتوفى سنة ٤٦١ هـ وصارت وراثة في بنيه. انتهى محل الحاجة باختصار. وغرناطة التي انحاز المسلمون لها بعد تغلب العدو على غالب الأندلس صارت كرسي المملكة مأوى المسلمين المتشتتين لكثرة خيراتها الجاذبة وكثرة المهاجرين لها حين أخذ الملك جاك يطرد المسلمين مما استولى عليه، وقد أحسن ملوك غرناطة الترتيب السياسي فرتبوا في كل بلدة خفراء منها وأعطوا جميع سكانها سلاحاً يستعملونه حالة هجوم العدو عليهم فرفعوه مرات على ملوكهم الممتنعين من أداء واجباتهم الملوكية أو الذين لا يعبأون بمشاورة الأمة وجعلوا للعساكر المحافظين بالثغور إقطاعات من الأرض تكفيهم وعائلتهم لتبعثهم على الوقاية من الأعداء ورتبوا في غرناطة التي دائرتها أكثر من ثلاثة فراسخ ضبطي في كل ثمن منها ضابطاً ورتبوا عساكر تدور ليلاً وعملوا قوانين لزمن إغلاق المحال العامة كالأسواق وخصصوا كل حرفة بطائفة ومنعوا شرب الخمر والربا وابتكروا في كتابة الحجج والصكوك طرائق واضحة تمنع المنازعة وشغلوا العلماء بتأليف رسائل في الصنائع العملية وانقاد الأئمة والفقهاء لقوانينهم النظامية وأحدثوا لتادية العبادية قوانين تنبئ عن كمال إيمانهم وعلو أفكارهم وشرف التأديب والتهذيب الديني، منها انعزال النساء عن الرجال في المساجد وإكثار الطاعة في رمضان وتوزيع الزكاة والصدقات على الفقراء أو إبقاؤها لتنفق في عمارات عامة وغير ذلك، وبما سلف
стр. 877
يعلم أن مملكة غرناطة نظراً لما كانت عليه من الأمور الجليلة تستحق أن تعتبر في التاريخ من الممالك الشريفة لكن ساء حظها حيث لم يكن توارث سلطنتها مقرراً على قواعد متينة فتولاها بعد الملوك الجديرين الذين يتعجب الأجيال المتغلبة من عدلهم وحسن سياستهم ملوك جبابرة ليسوا بكفء للسلطنة التي عجلوا زوالها من الأندلس ولا حاجة لذكر سلسلة هؤلاء الملوك وسيأتي ذكر هذا الزوال والملك لله ذي العزة والجلال.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء ابن التين والبرجيني وابن شقر والبرقي والمسراتي والرعيني السوسي.
الطبقه الرابعة عشر
لما هلك أبو زكرياء بايع الملأ ابنه محمداً ولقبوه بالمستنصر ودعوه بالأمير واشتهر بالفضل والاعتدال وحسن السيرة والعلم وحميد الخصال وطار صيته في الآفاق وكان العلم في أيامه بحراً زاخراً وقمراً باهراً وعلت دولته ومدت إليه ثغور القاصية يد الاعتصام واجتمع بحضرته من أفاضل أعلام العلماء الوافدين عليه وعلى أبيه وخصوصاً الأندلس من شاعر مفلق وكاتب بليغ وعالم نحرير وملك أورع متفيئين ظل مملكته لائذين به منهم حازم ومدحه بمقصورته المشهورة وأبو الحسن بن سعيد وابن الأبار وأضرابهم وأبو محمَّد عبد الحق بن برطلة وقد عليه ببيعة أهل مكة شرفها الله وتلا قصيدة من إنشاء أبي محمَّد عبد الحق بن سبعين الصوفي المشهور ووقف القاضي أبو القاسم بن البراء المذكور على منبر جامع الزيتونة يوم قراءتها موقفاً مشهوراً وذلك سنة ٦٥٩ هـ واتسع ملكه وقوي سلطانه وأباد مخالفيه وقيل في هاته البيعة:
اهنأ أمير المؤمنين ببيعة ... وافتك بالإقبال والإسعاد
فلقد حباك بملكه رب الورى ... فأتى يبشر بافتتاح بلاد
وإذا أتت أم القرى منقادة ... فمن المبرة طاعة الأولاد
وفي السنة قبلها قبض على ابن الأبار المذكور وكان كاتباً له ولأبيه من قبله وأمر بقتله وحرق جثته وتآليفه وكتبه وفي سنة ٦٥٩ هـ قبض أيضاً على وزيره الفقيه العالم أحمد بن اللياني شارح المدونة ومات تحت العذاب وأحرق جثته والكمال متعذر إلا فيمن عصمه الله وغزاه صاحب فرنسا سان لويز الغزوة الشهيرة آخر سنة ٦٦٨ هـ ونزل قرطاجنة واستوسع فيها بجنوده وذخائره وعظم الخطب على أهل تونس
стр. 878
واتصل القتال نحو الأربعة أشهر وضاق الخناق ثم تدارك الله أهالي المملكة بهلاك هذا الملك بالطاعون وعرضوا على أبي عبد الله المنتصر الصلح فصالحهم بما غرموه في حركتهم وكانم بلغاً جسيماً على يد القاضي ابن زيتون المذكور وانعقد بإنشائه وخرج الفرنسيس من قرطاجنة لبلاده وهنأ هذا الأمير بهذا النصر الذي لم يكن في الحساب.
قلت: وفي هذا العهد بقرطاجنة كنيسة ضخمة تعرف بسان لويس بها جماعة من الرهبان وبها دير مملوء بالآثار العتيقة العجيبة والتحف المستظرفة الغريبة التي هي في الحقيقة كنز من الكنوز المدخرة، ولم يزل هذا الأمير على حاله من علو الكتب وبعد الصيت واتساع السلطان واتخاد المصانع الباقية آثارها إلى هذا العهد وتوفي عالي الكتب آمن السرب سنة ٦٧٥ هـ كان يقول ما يسألني الله عن أمور الأمة بعد أن قدمت عليهم للقضاء أبا عبد الله محمَّد الخباز. وقد أفرد ولي الدين بن خلدون فصلاً في أخباره يكتب بماء العيون ولا يتعلق بأذياله الطامعون وبويع لابنه يحيى ولقب بالواثق، فرفع المظالم وأفاض العطايا ثم فسدت بطانته من استبداد وزيره ابن الغافقي وسوء سيرته وبلغ ذلك عمه أبا إسحاق فسار من الأندلس وأخذ بجاية وبايعه الموحدون ووقع خلع الواثق ثم قتل سنة ٦٧٩ هـ وكان دخول أبي إسحاق لتونس في ربيع الثاني سنة ٦٧٨ هـ وتمت له البيعة ثم قام عليه أحمد بن مرزوق المسيلي البجائي وزعم أنه المهدي واستولى على طرابلس وغالب بلاد إفريقية وأخيراً استولى على تونس ثم قصد بجاية وغيرها وظفر في وجهته هاته بأبي إسحاق، وقتله في أخبار طوال وذلك سنة ٦٨٢ هـ ولما ساءت سيرة هذا الدعي بايع العرب أخاه أبا حفص عمر وهو إذ ذاك بقلعة سنان ولما بلغ ذلك الدعي خرج لقتاله واتصلت بينهما الحرب ثم لما انحلت عصبيته اختفى وكان كذاباً سفاكاً للدماء ظلوماً لم يأت يحسنه إلا أحداث جامع الخطبة خارج باب بحر من تونس. ولما اختفى دخل أبو حفص تونس وطهر سرير ملكه من هذا الدعي الخبيث ثم وقع العثور عليه ومثل به وطيف بشلوه سنة ٦٨٣ هـ وحصل الاطمئنان واستقام أمر السلطان وبادر الناس بطاعته من طرابلس إلى تلمسان ولقب بالمنتصر بالله ثم خرج عليه أبو زكرياء بن أبي إسحاق المذكور وانضمت إليه الأعراب وأطاعته بجاية والجزائر وبسكرة والثغور الغربية وانقسمت الدولة لدولتين وفي أيامه استولى صاحب صقلية على جربة وعهد بالولاية لأبي عصيدة محمَّد بن الواثق بإشارة من معتقده الولي الصالح أبي محمَّد المرجاني وتوفي في ذي الحجة سنة ٦٩٤هـ وكان ملكاً عاقلاً كريماً فاضلاً لم تحدث منه عقوبة لأحد يعظم العلماء والصلحاء ويبرهم وكانت أيامه أيام عدل وهناء وأمن وسرور.
стр. 879
تنبيه: قال ولي الدين بن خلدون: لا وثوق في الحرب بالظفر وان حصلت أسبابه من العدة والعديد وإنما الظفر فيها من قبيل البخت والاتفاق انتهى. قلت: يؤيده حرب ابن مرزوق المذكور وأشباهها والله يؤيد بنصره من يشاء.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء ابن عريبة وابن بزيزة وابن البرا وابن الخباز وابن زيتون وابن الأبار وابن سعيد وابن الغماز.
الطبقة الخامسة عشر
تقدم أن أبا حفص عهد بإفريقية لأبي عصيدة المستنصر محمَّد بن الواثق وتمت له البيعة لما توفي أبو حفص وانشرح الناس لها وكانت أيامه مواسم وتوفي سنة ٧٠٩ هـ وبويع لأبي بكر الشهيد عبد الرحمن بن أبي بكر بن يحيى بن المنتصر بالله بن أبي زكرياء ولما بلغت هاته البيعة خالد بن أبي زكرياء بن أبي إسحاق إبراهيم وهو إذ ذاك أمير قسنطينة وغيرها خرج لتونس وخرج له أبو بكر في جنده غير أن غالب الجند مال لخالد فانهزم ثم وقع القبض عليه وقتل ولذا سمي الشهيد وكانت ولايته سبعة عشر يوماً ودخل خالد الحاضرة وتمت له البيعة ولما استوثق أمر خالد لقب الناصر لدين الله وأفتك برجال الدولة وثار عليه أخوه أبو بكر وكان خلفه والياً بقسنطينة واضطرب الحال بإفريقية ولما بلغ هذا الاضطراب لأبي يحيى زكرياء بن أحمد بن محمَّد اللحياني وهو بطرابلس عزم على تملكها وبايعه أهل طرابلس وراسله الثائر أبو بكر المذكور مظاهراً له على أمره فاشتد به عضده وقصد الحاضرة فصبحها وانحلت عرى خالد وأشهد على نفسه بالخلع وكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر وبويع لأبي يحيى المذكور في رجب سنة ٧١١ هـ وهادن الأمير أبا بكر ثم استعجل أمر أبي بكر وانضمت في طاعته زناتة وقصد إفريقية سنة ٧١٦ هـ فهابه أبو يحيى وكان قد أسن فأشرك رؤساء الأعراب في سلطانه ولما لم يتم له معهم أمر قبض يده على الخلافة وشرع في بيع ذخائره وجمع القناطير من الذهب والكثير من نفائس الدر والياقوت وخرج لقابس موارياً بتفقد جهاتها سنة ٧١٧ هـ ثم ارتحل لطرابلس وأخرج رجال دولته ابنه المعتقل من السجن أبا ضربة محمداً وبايعوه والأعراب في اضطراب وقصده الأمير أبو بكر المذكور سنة ٧١٨ هـ فالتفت القيروان على أبي بكر وخلعوا أبا ضربة ودخلوا تونس فملكوها وكانت ولايته تسعة أشهر وتم الأمر لأبي بكر وهو أبو بكر ابن الأمير أبي زكرياء ابن الأمير أبي إسحاق وله مع أبي ضربة وغيره حروب يطول جلبها وكان الظفر له فيها وعز سلطانه وعلا كعبه ورسخت قدمه وطالت مدته وابتهجت به حضرته وعهد بالولاية لابنه أبي العباس وفاجأه المحتوم
стр. 880
في رجب سنة ٧٤٧ هـ ولما توفي تمت البيعة لابنه أبي حفص وعدل عن ولاية ابنه أبي العباس ثم ثار أبو العباس هذا عليه وقدم الحاضرة فملكها سنة ٧٤٧ هـ ثم ظفر به أخوه أبو حفص وقتله وأبو حفص قتله السلطان المريني الآتي ذكره سنة ٧٤٨ هـ وكان قتله بقابس وولايته عشرة أشهر وكان قدوم السلطان أبي الحسن المريني من المغرب إلى الحاضرة في السنة في جند عظيم وصحبته الكثير من علماء المغرب وأدبائه منهم السطي والإبلي وابن الإِمام وابن عبد المهيمن وابن الصباغ ودخل تونس في أعظم أبهة وأحسن احتفال وله في إقامته بإفريقية أخبار طوال وأصلح الفساد ومحا دولة بني أبي حفص واستقام له الحال ثم دارت عليه الدوائر من الأعراب وحلت به نوائب وأهوال وآل أمره للرجوع للمغرب في أساطيله سنة ٧٥٠ هـ وقاسى في طريقه الشدائد والمصائب وأحاطت به النوائب وغرق أسطوله وبه الكثير من أفاضل العلماء منهم السطي. وفي مدة إقامته بإفريقية كان الوباء الجارف ضارباً خيامه بها وبأثر خروج هذا السلطان من الحاضرة دخلها وإلى بونة أبو العباس الفضل بن أبي بكر بن أبي زكرياء الحفصي واستقل بالأمر وجدد الرسوم الحفصية ثم قتل في جمادى الأولى سنة ٧٥١ هـ.
تنبيه: من مآثر أبي زكرياء اللحياني المذكور تجديد أبواب جامع الزيتونة الجوفية من عود الساج سنة ٧١٧ هـ ولا زالت على حالها إلى هذا العهد ورحلة التجاني المشهورة كانت صحبته. وكان عالماً معظماً للشريعة فاضلاً أميراً عادلاً ومن عدله أنه مكن القاضي ابن عبد الرفيع من ابنه أبي ضربة للقصاص في نفس قتلها وأقر بالقتل وحكم القاضي بالقصاص ولما عفا الأولياء بقي في حبس القاضي على مقتضى المذهب المالكي من سجن القاتل عاماً ثم ضربه مائة إن لم يقع القصاص كفارة للقتال إذا كان القتل بإقراره ولبث في السجن حتى أخرجه أهل الحل والعقد منه وبايعوه لما نفض أبوه يده من السلطنة وهو من الذين خرجوا على القانون الشرعي فإنه لما أخذ البيعة وثب على القاضي الذي سجنه ونفاه للمهدية واعتقله بها في ماجل بقي فيه ما ينيف عن العامين فانظر إلى الأب كيف سلّم ولده للأحكام الشرعية وآدابها وإلى الابن لما قدر كيف عاقب القاضي على فعل يجب عليه فعله وكان قاضياً إلى أربعة من أسلافه وأسلافه لهم أخبار دالة على توطين نفوسهم على الأحكام الشرعية وآدابها مع ملازمة الجماعة في الصلوات في المساجد وفي قصورهم وبساتينهم وقراءة الحديث والميل إلى سماع المواعظ والعمل بها والأخبار الدالة على أن بعضهم ومنهم أبو ضربة المذكور وآخر ملوك دولتهم بعكس ذلك كالجراءة على القتل والعقاب بالسجن لمن فعل ما وجب عليه فعله شرعاً. وقد عقد
следующие страницы →