Полный текст (970 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
المقلصون المجاورون لقرطبة يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة بقرطبة ويسلمون عليه ويخبرونه بأحوال بلدهم ويجعلون في مساجدهم نواباً يصلون بالناس الجمعة. وقال: الأندلس ينقسم إلى مشرق ومغرب ومتوسطة وكل واحد من الأقسام الثلاثة مشتمل على مدائن عظيمة كل مدينة منها مملكة مستقلة مشتملة على أعمال وقرى ومزارع وبساتين وأقطار واسعة وخلائق لا يحصون في غاية التنعم والرفاهية. فمن المتوسطة قرطبة وطليطلة وجيان وقسطلة وغرناطة والمرية ومالقة وغير ذلك مما يطول ذكره، ومن شرق الأندلس مرسية وبلنسية وشاطبة ودانية والسهلة والثغر الأعلى وسرقسطة وغير ذلك مما يطول ذكره، ومن غريب الأندلس إشبيلية وماردة وأشبونة وشلب وشريش ولبلة والخضراء وبطليوس وغير ذلك مما يطول ذكره. ولما ضعف أمر الخلافة وافترق أمر الأندلس وكثر الخلاف بينهم وانتشرت الفتن صارت الممالك بيد ملوك كثيرة - يسمون ملوك الطوائف- لكل مملكة ملك مستقل ينفذ أمره ونهيه فيما كان تحت يده وهم مختلفون في اتساع ممالكهم وعدم اتساعها وكان ابتداء تفرق الممالك من سنة ٤٠٧هـ وصار يقاتل بعضهم بعضاً فيتغلب بعضهم على بعض وكان عدد أولئك الملوك خمسة عشر لا حاجة لذكر أسمائهم وأعظم تلك الممالك قرطبة بيد المعتضد بن عباد المتوفى سنة ٤٦١ هـ وصارت وراثة في بنيه. انتهى محل الحاجة باختصار. وغرناطة التي انحاز المسلمون لها بعد تغلب العدو على غالب الأندلس صارت كرسي المملكة مأوى المسلمين المتشتتين لكثرة خيراتها الجاذبة وكثرة المهاجرين لها حين أخذ الملك جاك يطرد المسلمين مما استولى عليه، وقد أحسن ملوك غرناطة الترتيب السياسي فرتبوا في كل بلدة خفراء منها وأعطوا جميع سكانها سلاحاً يستعملونه حالة هجوم العدو عليهم فرفعوه مرات على ملوكهم الممتنعين من أداء واجباتهم الملوكية أو الذين لا يعبأون بمشاورة الأمة وجعلوا للعساكر المحافظين بالثغور إقطاعات من الأرض تكفيهم وعائلتهم لتبعثهم على الوقاية من الأعداء ورتبوا في غرناطة التي دائرتها أكثر من ثلاثة فراسخ ضبطي في كل ثمن منها ضابطاً ورتبوا عساكر تدور ليلاً وعملوا قوانين لزمن إغلاق المحال العامة كالأسواق وخصصوا كل حرفة بطائفة ومنعوا شرب الخمر والربا وابتكروا في كتابة الحجج والصكوك طرائق واضحة تمنع المنازعة وشغلوا العلماء بتأليف رسائل في الصنائع العملية وانقاد الأئمة والفقهاء لقوانينهم النظامية وأحدثوا لتادية العبادية قوانين تنبئ عن كمال إيمانهم وعلو أفكارهم وشرف التأديب والتهذيب الديني، منها انعزال النساء عن الرجال في المساجد وإكثار الطاعة في رمضان وتوزيع الزكاة والصدقات على الفقراء أو إبقاؤها لتنفق في عمارات عامة وغير ذلك، وبما سلف
стр. 877
يعلم أن مملكة غرناطة نظراً لما كانت عليه من الأمور الجليلة تستحق أن تعتبر في التاريخ من الممالك الشريفة لكن ساء حظها حيث لم يكن توارث سلطنتها مقرراً على قواعد متينة فتولاها بعد الملوك الجديرين الذين يتعجب الأجيال المتغلبة من عدلهم وحسن سياستهم ملوك جبابرة ليسوا بكفء للسلطنة التي عجلوا زوالها من الأندلس ولا حاجة لذكر سلسلة هؤلاء الملوك وسيأتي ذكر هذا الزوال والملك لله ذي العزة والجلال.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء ابن التين والبرجيني وابن شقر والبرقي والمسراتي والرعيني السوسي.
الطبقه الرابعة عشر
لما هلك أبو زكرياء بايع الملأ ابنه محمداً ولقبوه بالمستنصر ودعوه بالأمير واشتهر بالفضل والاعتدال وحسن السيرة والعلم وحميد الخصال وطار صيته في الآفاق وكان العلم في أيامه بحراً زاخراً وقمراً باهراً وعلت دولته ومدت إليه ثغور القاصية يد الاعتصام واجتمع بحضرته من أفاضل أعلام العلماء الوافدين عليه وعلى أبيه وخصوصاً الأندلس من شاعر مفلق وكاتب بليغ وعالم نحرير وملك أورع متفيئين ظل مملكته لائذين به منهم حازم ومدحه بمقصورته المشهورة وأبو الحسن بن سعيد وابن الأبار وأضرابهم وأبو محمَّد عبد الحق بن برطلة وقد عليه ببيعة أهل مكة شرفها الله وتلا قصيدة من إنشاء أبي محمَّد عبد الحق بن سبعين الصوفي المشهور ووقف القاضي أبو القاسم بن البراء المذكور على منبر جامع الزيتونة يوم قراءتها موقفاً مشهوراً وذلك سنة ٦٥٩ هـ واتسع ملكه وقوي سلطانه وأباد مخالفيه وقيل في هاته البيعة:
اهنأ أمير المؤمنين ببيعة ... وافتك بالإقبال والإسعاد
فلقد حباك بملكه رب الورى ... فأتى يبشر بافتتاح بلاد
وإذا أتت أم القرى منقادة ... فمن المبرة طاعة الأولاد
وفي السنة قبلها قبض على ابن الأبار المذكور وكان كاتباً له ولأبيه من قبله وأمر بقتله وحرق جثته وتآليفه وكتبه وفي سنة ٦٥٩ هـ قبض أيضاً على وزيره الفقيه العالم أحمد بن اللياني شارح المدونة ومات تحت العذاب وأحرق جثته والكمال متعذر إلا فيمن عصمه الله وغزاه صاحب فرنسا سان لويز الغزوة الشهيرة آخر سنة ٦٦٨ هـ ونزل قرطاجنة واستوسع فيها بجنوده وذخائره وعظم الخطب على أهل تونس
стр. 878
واتصل القتال نحو الأربعة أشهر وضاق الخناق ثم تدارك الله أهالي المملكة بهلاك هذا الملك بالطاعون وعرضوا على أبي عبد الله المنتصر الصلح فصالحهم بما غرموه في حركتهم وكانم بلغاً جسيماً على يد القاضي ابن زيتون المذكور وانعقد بإنشائه وخرج الفرنسيس من قرطاجنة لبلاده وهنأ هذا الأمير بهذا النصر الذي لم يكن في الحساب.
قلت: وفي هذا العهد بقرطاجنة كنيسة ضخمة تعرف بسان لويس بها جماعة من الرهبان وبها دير مملوء بالآثار العتيقة العجيبة والتحف المستظرفة الغريبة التي هي في الحقيقة كنز من الكنوز المدخرة، ولم يزل هذا الأمير على حاله من علو الكتب وبعد الصيت واتساع السلطان واتخاد المصانع الباقية آثارها إلى هذا العهد وتوفي عالي الكتب آمن السرب سنة ٦٧٥ هـ كان يقول ما يسألني الله عن أمور الأمة بعد أن قدمت عليهم للقضاء أبا عبد الله محمَّد الخباز. وقد أفرد ولي الدين بن خلدون فصلاً في أخباره يكتب بماء العيون ولا يتعلق بأذياله الطامعون وبويع لابنه يحيى ولقب بالواثق، فرفع المظالم وأفاض العطايا ثم فسدت بطانته من استبداد وزيره ابن الغافقي وسوء سيرته وبلغ ذلك عمه أبا إسحاق فسار من الأندلس وأخذ بجاية وبايعه الموحدون ووقع خلع الواثق ثم قتل سنة ٦٧٩ هـ وكان دخول أبي إسحاق لتونس في ربيع الثاني سنة ٦٧٨ هـ وتمت له البيعة ثم قام عليه أحمد بن مرزوق المسيلي البجائي وزعم أنه المهدي واستولى على طرابلس وغالب بلاد إفريقية وأخيراً استولى على تونس ثم قصد بجاية وغيرها وظفر في وجهته هاته بأبي إسحاق، وقتله في أخبار طوال وذلك سنة ٦٨٢ هـ ولما ساءت سيرة هذا الدعي بايع العرب أخاه أبا حفص عمر وهو إذ ذاك بقلعة سنان ولما بلغ ذلك الدعي خرج لقتاله واتصلت بينهما الحرب ثم لما انحلت عصبيته اختفى وكان كذاباً سفاكاً للدماء ظلوماً لم يأت يحسنه إلا أحداث جامع الخطبة خارج باب بحر من تونس. ولما اختفى دخل أبو حفص تونس وطهر سرير ملكه من هذا الدعي الخبيث ثم وقع العثور عليه ومثل به وطيف بشلوه سنة ٦٨٣ هـ وحصل الاطمئنان واستقام أمر السلطان وبادر الناس بطاعته من طرابلس إلى تلمسان ولقب بالمنتصر بالله ثم خرج عليه أبو زكرياء بن أبي إسحاق المذكور وانضمت إليه الأعراب وأطاعته بجاية والجزائر وبسكرة والثغور الغربية وانقسمت الدولة لدولتين وفي أيامه استولى صاحب صقلية على جربة وعهد بالولاية لأبي عصيدة محمَّد بن الواثق بإشارة من معتقده الولي الصالح أبي محمَّد المرجاني وتوفي في ذي الحجة سنة ٦٩٤هـ وكان ملكاً عاقلاً كريماً فاضلاً لم تحدث منه عقوبة لأحد يعظم العلماء والصلحاء ويبرهم وكانت أيامه أيام عدل وهناء وأمن وسرور.
стр. 879
تنبيه: قال ولي الدين بن خلدون: لا وثوق في الحرب بالظفر وان حصلت أسبابه من العدة والعديد وإنما الظفر فيها من قبيل البخت والاتفاق انتهى. قلت: يؤيده حرب ابن مرزوق المذكور وأشباهها والله يؤيد بنصره من يشاء.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء ابن عريبة وابن بزيزة وابن البرا وابن الخباز وابن زيتون وابن الأبار وابن سعيد وابن الغماز.
الطبقة الخامسة عشر
تقدم أن أبا حفص عهد بإفريقية لأبي عصيدة المستنصر محمَّد بن الواثق وتمت له البيعة لما توفي أبو حفص وانشرح الناس لها وكانت أيامه مواسم وتوفي سنة ٧٠٩ هـ وبويع لأبي بكر الشهيد عبد الرحمن بن أبي بكر بن يحيى بن المنتصر بالله بن أبي زكرياء ولما بلغت هاته البيعة خالد بن أبي زكرياء بن أبي إسحاق إبراهيم وهو إذ ذاك أمير قسنطينة وغيرها خرج لتونس وخرج له أبو بكر في جنده غير أن غالب الجند مال لخالد فانهزم ثم وقع القبض عليه وقتل ولذا سمي الشهيد وكانت ولايته سبعة عشر يوماً ودخل خالد الحاضرة وتمت له البيعة ولما استوثق أمر خالد لقب الناصر لدين الله وأفتك برجال الدولة وثار عليه أخوه أبو بكر وكان خلفه والياً بقسنطينة واضطرب الحال بإفريقية ولما بلغ هذا الاضطراب لأبي يحيى زكرياء بن أحمد بن محمَّد اللحياني وهو بطرابلس عزم على تملكها وبايعه أهل طرابلس وراسله الثائر أبو بكر المذكور مظاهراً له على أمره فاشتد به عضده وقصد الحاضرة فصبحها وانحلت عرى خالد وأشهد على نفسه بالخلع وكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر وبويع لأبي يحيى المذكور في رجب سنة ٧١١ هـ وهادن الأمير أبا بكر ثم استعجل أمر أبي بكر وانضمت في طاعته زناتة وقصد إفريقية سنة ٧١٦ هـ فهابه أبو يحيى وكان قد أسن فأشرك رؤساء الأعراب في سلطانه ولما لم يتم له معهم أمر قبض يده على الخلافة وشرع في بيع ذخائره وجمع القناطير من الذهب والكثير من نفائس الدر والياقوت وخرج لقابس موارياً بتفقد جهاتها سنة ٧١٧ هـ ثم ارتحل لطرابلس وأخرج رجال دولته ابنه المعتقل من السجن أبا ضربة محمداً وبايعوه والأعراب في اضطراب وقصده الأمير أبو بكر المذكور سنة ٧١٨ هـ فالتفت القيروان على أبي بكر وخلعوا أبا ضربة ودخلوا تونس فملكوها وكانت ولايته تسعة أشهر وتم الأمر لأبي بكر وهو أبو بكر ابن الأمير أبي زكرياء ابن الأمير أبي إسحاق وله مع أبي ضربة وغيره حروب يطول جلبها وكان الظفر له فيها وعز سلطانه وعلا كعبه ورسخت قدمه وطالت مدته وابتهجت به حضرته وعهد بالولاية لابنه أبي العباس وفاجأه المحتوم
стр. 880
في رجب سنة ٧٤٧ هـ ولما توفي تمت البيعة لابنه أبي حفص وعدل عن ولاية ابنه أبي العباس ثم ثار أبو العباس هذا عليه وقدم الحاضرة فملكها سنة ٧٤٧ هـ ثم ظفر به أخوه أبو حفص وقتله وأبو حفص قتله السلطان المريني الآتي ذكره سنة ٧٤٨ هـ وكان قتله بقابس وولايته عشرة أشهر وكان قدوم السلطان أبي الحسن المريني من المغرب إلى الحاضرة في السنة في جند عظيم وصحبته الكثير من علماء المغرب وأدبائه منهم السطي والإبلي وابن الإِمام وابن عبد المهيمن وابن الصباغ ودخل تونس في أعظم أبهة وأحسن احتفال وله في إقامته بإفريقية أخبار طوال وأصلح الفساد ومحا دولة بني أبي حفص واستقام له الحال ثم دارت عليه الدوائر من الأعراب وحلت به نوائب وأهوال وآل أمره للرجوع للمغرب في أساطيله سنة ٧٥٠ هـ وقاسى في طريقه الشدائد والمصائب وأحاطت به النوائب وغرق أسطوله وبه الكثير من أفاضل العلماء منهم السطي. وفي مدة إقامته بإفريقية كان الوباء الجارف ضارباً خيامه بها وبأثر خروج هذا السلطان من الحاضرة دخلها وإلى بونة أبو العباس الفضل بن أبي بكر بن أبي زكرياء الحفصي واستقل بالأمر وجدد الرسوم الحفصية ثم قتل في جمادى الأولى سنة ٧٥١ هـ.
تنبيه: من مآثر أبي زكرياء اللحياني المذكور تجديد أبواب جامع الزيتونة الجوفية من عود الساج سنة ٧١٧ هـ ولا زالت على حالها إلى هذا العهد ورحلة التجاني المشهورة كانت صحبته. وكان عالماً معظماً للشريعة فاضلاً أميراً عادلاً ومن عدله أنه مكن القاضي ابن عبد الرفيع من ابنه أبي ضربة للقصاص في نفس قتلها وأقر بالقتل وحكم القاضي بالقصاص ولما عفا الأولياء بقي في حبس القاضي على مقتضى المذهب المالكي من سجن القاتل عاماً ثم ضربه مائة إن لم يقع القصاص كفارة للقتال إذا كان القتل بإقراره ولبث في السجن حتى أخرجه أهل الحل والعقد منه وبايعوه لما نفض أبوه يده من السلطنة وهو من الذين خرجوا على القانون الشرعي فإنه لما أخذ البيعة وثب على القاضي الذي سجنه ونفاه للمهدية واعتقله بها في ماجل بقي فيه ما ينيف عن العامين فانظر إلى الأب كيف سلّم ولده للأحكام الشرعية وآدابها وإلى الابن لما قدر كيف عاقب القاضي على فعل يجب عليه فعله وكان قاضياً إلى أربعة من أسلافه وأسلافه لهم أخبار دالة على توطين نفوسهم على الأحكام الشرعية وآدابها مع ملازمة الجماعة في الصلوات في المساجد وفي قصورهم وبساتينهم وقراءة الحديث والميل إلى سماع المواعظ والعمل بها والأخبار الدالة على أن بعضهم ومنهم أبو ضربة المذكور وآخر ملوك دولتهم بعكس ذلك كالجراءة على القتل والعقاب بالسجن لمن فعل ما وجب عليه فعله شرعاً. وقد عقد
стр. 881
ولي الدين بن خلدون فصلاً في مقدمته قال الذي آخره: "إذا أذن الله سبحانه بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طريقتها فتفقد منهم الفضائل ولا تزال في انتقاض إلى أن يخرج الملك من أيديهم وتبدل بسواهم ليكون نعياً عليهم في سلب ما قد أتاهم من الملك ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ الآية. ومن استقرأ ذلك وتتبعه في الأمم السابقة يعلم علم يقين ما ذكرناه والأمر كله لله".
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء ابن جماعة والتجاني وابن عبد الرفيع وابن راشد والصفاقسي وابن هارون وابن عبد السلام وابن جابر.
الطبقة السادسة عشر
لما قتل أبو العباس الفضل بويع لأخيه أبي إسحاق بن أبي بكر عقد له البيعة أبو محمَّد بن تافرجين وهو غلام مناهز واستبد عليه وأسخط الأعراب وجرت بينه وبين سلطان المغرب أبي عنان المريني حروب باشر أكثرها بنفسه ثم وجه أسطوله للحاضرة فأخرج منها ابن تافرجين واستولى عليها في رمضان سنة ٧٥٨ هـ وأبو عنان إذ ذاك في قسنطينة وظهر له الدخول للحاضرة ثم أعرض عن ذلك وثنى عنانه إلى غربه ورجع السلطان وحاميه ابن تافرجين للحاضرة وفي سنة ٧٦٦ هـ توفي الحاجب المذكور ودفن بمدرسة قرب حوانيت عاشور وأقام هذا السلطان بعد ذلك بالحاضرة بين فتنة وهدنة مع أعرابها حتى توفي بغتة في رجب سنة ٧٧٠ هـ وفي أيامه استولى طاغية جنوة على طرابلس حتى افتداها منهم ابن مكي صاحب قابس وبويع لابنه أبي البقاء خالد وهو صبي ولم يستقم أمره حتى مال الأعراب من بني كعب إلى أبي العباس أحمد بن محمَّد بن أبي بكر الحفصي صاحب قسنطينة لما علموا من كفاءته وعدله فتوجهوا إليه وقدموا به بعد ترادف الوفود عليه لنصرته ودخل الحاضرة وتمت له البيعة واعتقل أبا البقاء وكانت ولايته سنة وتسعة أشهر ثم التفت لاسترجاع ما تغلب عليه الثائرون فاسترجع الجريد وقابس وجربة ودخلت طرابلس والزاب في طاعته وعلت يده وعز سلطانه وكانت له أساطيل في غاية المنعة لنكاية العدو وتوفي في شعبان سنة ٧٩٦ هـ وهو من مفاخر ملوك هاته الدولة وممن يوصف بالعدل والإنصاف وأسلم على يده عبد الله الترجمان وكان قسيساً وهو مؤلف تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب وأثنى فيها على هذا السلطان. وعلى عهده تقدم ابن عرفة للفتيا والخطابة بالجامع الأعظم وفي أوائل دولة أبي فارس الآتي ذكره أنهى ولي الدين ابن خلدون خبر بني أبي حفص.
стр. 882
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء ابن علوان وأحمد الغبريني والبطرني وابن عرفة وابن خلدون.
الطبقة السابعة عشر
لما توفي أبو العباس بويع لابنه أبي فارس وقام بالملك أتم قيام وانتظم أمره أي انتظام ورتب الأحوال وأعطى الأموال وأصلح البلاد وقمع أهل الفساد، وكان شجاعاً حازماً فطناً ذكياً، تقياً عالماً موقراً للعلماء، محباً للصالحين، كثير الصدقات محباً للخير. ومن حسناته خزائن الكتب المشتملة على أمهات الدواوين وجعل لها مقصورة بمجنبة الهلال من جامع الزيتونة وأوقفها على طلبة العلم ينتفعون بالنظر والكتب بشرط أن لا يخرج منها شيء عن محله وجعل لها قيمين يقومون بها في نفضها ومناولتها للطلبة وردها لمكانها ووقت وقتاً من كل يوم، وكان ملازماً لقراء العلم بين يديه سفراً وحضراً وأقام العدل في جميع رعاياه بالكتاب والسنة وإنصاف المظلوم من الظالم. وفي أيامه عظم شأن المولد الشريف وكان قاضي عساكره ابن الشماع المتوفى سنة ٨٣٣ هـ وكانت له وقائع شديدة مع إخوته وغيرهم ودوخ النواحي وقمع الثوار وجاءته الوفود من الشرق والغرب ووافته بيعة فاس، وانضم له ملك المغرب. وبالجملة فهو درة سلكهم ومجد ملكهم. وتوفي قرب جبل ونشريس من عمل تلمسان فجأة يوم الأضحى سنة ٨٣٧ هـ فكتم حفيده وولى عهده موته حتى تمت بيعته، ودفن بتربة أسلافه الغربية من مقام أبي محفوظ محرز بن خلف. والحفيد المذكور هو محمَّد المنتصر بن المنصور بن أبي فارس ودخل تونس في أبهة عظيمة يوم عاشوراء من سنة ٨٣٨ هـ وجددت له البيعة وأفاض العطاء وعمّ إحسانه، وله حروب مع الثائرين ومآثر منها ابتداء المدرسة المنتصرية وأتمها أخوه بعده وتوفي في صفر سنة ٨٣٩ هـ وعلى عهد السلطان أبي فارس انتهى تأريخ ابن الشماع المذكور. وله مع الإِمام البرزلي المذكور نزاع في شأن العقوبة بالمال فابن الشماع يقول بالمنع وخصمه يقول بالجواز وألَّف كل منهما رسالة في الرد على صاحبه وتأييد مقالته.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء عيسى الغبريني والوانوغي والأبي والزعبي وابن الشماع والقلشانيان محمَّد وعمر والبرزلي وابن ناجي وابن عقاب.
стр. 883
الطبقة الثامنة عشر
لما توفي محمَّد المنتصر بويع لأخيه أبي عمرو عثمان، ولما استقام أمره خالفه الأعراب وحاصروا الحاضرة وله حروب مع الثائرين وأخيراً كان الظفر حليفه واستقام أمره وهو اخر رجال دولة بني أبي حفص وتتمة أنجادهم وفرسان جدالهم وصاحب المآثر الباذخة مثل ميضاته المعروفة إلى الآن بميضاة السلطان جو في جامع الزيتونة وإتمام مدرسة أخيه المنتصر ومدرسة جوار مقام الشيخ محرز وخزائن الكتب بالمقصورة الشرقية من جامع الزيتونة وغير ذلك مما عفت رسومه. وبالجملة فهو ختام الدولة الحفصية ونظام المحاسن الفاخرة بلاد إفريقية. وتوفي أواخر رمضان سنة ٨٩٣ هـ وعلى عهده سنة ٨٧٢ هـ كان وباء جارف بلغ مَن مات به في اليوم أربعة عشر ألفاً وعلى عهده كانت وفاة الشيخ فتح الله العجمي في شوال سنة ٨٤٧ هـ وكان انتهاء تاريخ الزركشي سنة ٨٨٢ هـ.
فصل
تقدم أن الطاغية الإسباني استولى على معظم الأندلس أواسط المائة السابعة وانحاز المسلمون إلى غرناطة وجنوب الجزيرة، وبعد ذلك صارت هاته الجهة محل مطامع هذا العدو، والأمراء المسلمون هناك إلى الانقسام والتنافر وتعارض الأغراض والشهوات من الأمراء والثوار بتلك الجهات الذين لم يعتبروا ما في الانقسام من المضار وفعلاً وقع فإن الطاغية اغتنم الفرصة وأخذ في محاصرة جهات غرناطة. ولله در خاتمة أدباء الأندلس أبي الطيب الشريف الرندي، إذ قال يندب بلاد الأندلس، ويحرك العزائم من أهل الإِسلام لنصرة الدين؛ القصيدة المشهورة التي أولها:
لكل شيء إذا ما تمّ نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان
وقد ألف في الغرض العالم النحرير الوزير الشهير أبو يحيي بن عاصم كتاباً سماه "جنة الرضى في التسليم بما قدر وقضى" وهو كتاب مفيد عجيب ومضى الكلام على هذا في المقصد في ترجمة هذين الشيخين. وجرت أمور وحروب بين المسلمين والطاغية حتى استولى على ما بقي بالأندلس شيئاً فشيئاً فكان الاستيلاء على مالقة سنة ٨٩٣ هـ وعلى غرناطة والحمراء سنة ٨٩٧ هـ بعد حصار أصاب المسلمين فيه شدة الجوع وتكاثر الكروب وتفاقم الخطوب فكاتبوا الطاغية في الصلح واشترطوا شروطاً وهي سبعة وستون شرطاً منها التأمين على النفس والمال
стр. 884
والأهل ومنها إقامة شريعتهم على ما كانت ولا يحكم على أحد منهم إلا بشريعتهم ومنها أن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك إلى غير ذلك من بقية الشروط. ثم إنهم نقضوا تلك الشروط شيئاً فشيئاً ونكثوها عروة عروة إلى أن آل الأمر إلى تمكين الكردينال كيمينيسي من إعدام جميع آثار المسلمين وأمر بإحراق ثمانين ألف كتاب بخط اليد في ميادين الرحبات العامة بغرناطة ولما حلّ بالمسلمين ما حلّ خرجوا إلى فاس ومليلة والريف وغيرها منهم ابن الأزرق وبنو داود المذكورون في فهرسة ابن غازي وأبو عبد الله الوادي آشي. ثم وقع إكراه الباقي على التنصر أو الخروج فخرج الكثير منهم ووصلوا لإفريقية الشمالية سنة ١٠١٧ هـ والتي بعدها، وكانوا خلقاً كثيراً وانتشروا في المغرب الأقصى والأوسط وإفريقية وسيأتي إن شاء الله مزيد كلام عليهم في الطبقة الحادية والعشرين. ولم يبقَ بالأندلس، بعد إكراههم على ما ذكر، مَن يجهر بكلمة التوحيد والأذان وجعلت في المساجد والمآذن النواقيس والصلبان بعد ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن فلا راد لما قضاه الملك الديّان.
في خلاصة تاريخ العرب: المطرودون من إسبانيا منذ فتح النصارى غرناطة إلى سنة ١٦٠٩ هـ ثلاثة ملايين، كانوا نخبة المسلمين وأعظمهم صناعة. فدرست معالم عز إسبانيا.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء أحمد القلشاني وأحمد حلولو والرصاع ومحمد الزنديوي.
الطبقة التاسعة عشر
لما توفي السلطان أبو عمرو في التاريخ المذكور بويع لحفيده أبي زكرياء يحيي بن محمَّد المسعود بن أبي عمرو فقام بالأمر وخرج لتمهيد النواحي وفي أثناء اشتغاله بما ذكر اشتغل بأمر تونس عمه عبد المؤمن حين وقع الافتراء بموته وشاع حتى تواتر في رجب سنة ٨٩٤ هـ ثم تبين خلافه وقدم من مغيبه ودخل الحاضرة وجددت بيعته وفر عمه عبد الموفق ثم وقع الظفر به وقتل في خبر طويل ووافته بيعة أهل الأطراف واستقام أمره إلى أن هلك في طاعون سنة ٨٩٩ هـ وبويع لأبي عبد الله محمَّد بن الحسن بن محمَّد المسعود وكان فطناً ذكياً محباً للخير وأهله إلا أن دولتهم بلغت سن الهرم وأذنت بالانقراض لخروج الأكثر عن طاعته فملك عروج باشا أخو خير الدين الآتي ذكره الجزائر وملك النصارى طرابلس سنة ٩١٤ هـ وبقيت
стр. 885
تحتهم حتى فتحها درغوث باشا كما ملكوا بجاية سنة ٩١٠ هـ وبقيت لهم أيضاً حتى أفتكها صالح باشا واضطربت أحوال الدولة من يومئذ. ومن آثار هذا السلطان المقصورة الشرقية بالجامع الأعظم وأوقف بها كتباً جمة وهي المعروفة الآن بالعبدلية نسبة له وتوفي وإفريقية في اضطراب سنة ٩٣٢ هـ وبويع لابنه الحسن وسار سيرة حسنة ثم انقلب لأسوأ سيرة فازداد الارتباك والاضطراب في البلاد وخرج عن طاعته سوسة والقيروان وملك صاحب الجزائر وقسنطينة وتغلب العرب على البلاد وقويت شوكتهم وكان خير الدين وأخوه عروج قدماً من جزيرة مدلس للحاضرة على السلطان المذكور فقبلهما بالجميل ولهما وقائع وغزوات برية وبحرية شهيرة وبعد فتح الجزائر وغيرها أقام خير الدين والياً عليها ووقع توجيه البيعة للسلطان سليم العثماني وانتشر ذكره وبعد صيته بالمشرق والمغرب ثم قصد تونس واستولى علي بنزرت وخطب بها للسلطان العثماني ولما بلغ ذلك الحسن الحفصي أيقن بالغلبة وفر بما خف ودخل خير الدين الحاضرة بلا قتال سنة ٩٣٥ هـ ثم لما ثار عليه بعض أهل تونس خرج منها بعد أن سكن الثائرة وأمن الناس وبأثر ذلك رجع الحسن لتونس ووقعت حروب بينه وبين خير الدين وأخيراً انتصر عليه خير الدين ووقع الإعلان بطاعة السلطان سليمان وساس خير الدين الرعية ولما أيس الحسن من نصرته على خير الدين ذهب لإسبانيا مستصرخاً بطاغيتها وأجابه لذلك وأمده بأسطول وقدم الحاضرة وقامت الحرب على ساق حتى انهزم خير الدين لأن غالب الناس مالوا لسلطانهم سليل ملوكهم ودخل الحسن الحاضرة والنصارى وأمنوا الناس فلم يرعهم وهم في أمان إلا هجوم النصارى عليهم على حين غفلة فاستباحوهم قتلاً وأسراً ونهباً. يقال: قتل في هاته الواقعة ثلث أهل تونس وأسر الثلث ونجا الثلث وكل ثلث ستون ألفاً وهاته الواقعة تسمى بوقعة الأربعاء وأشار إليها العالم ابن سلامة في قصيدته التي يتشوق فيها إلى تونس ويندب أطلالها ويذكر أيامها الرافلة في حلل الدعة وكيف تغيرت وتبدلت أحوالها وبقي الحسن مع النصارى تحت الذل والهوان وشاركوه في البلد وملكوا حلق الوادي وشيدوا به حصناً أقاموا في بنائه نحواً من أربعين سنة ثم خرج الحسن لاسترجاع القيروان من الثائرين عليه ولما هزموه شر هزيمة ذهب لإسبانيا طالباً من الطاغية الإعانة على استرجاع القيروان كإعانته على أهل تونس قبل فخيب الله سعيه. وستأتي بقية أخباره.
تنبيه: اعلم أنه بانتهاء المائة التاسعة أخذ العلم بتونس في القهقرى والرجوع إلى الوراء بعد أن كان سوقه نافقة في دولة أبي عمرو المذكور وتداول في مدته ومدة أخيه محمَّد خطط العلم جماعة وافرة منهم أبو عبد الله بن قليل الهم وأبو عبد الله
стр. 886
محمَّد الزواغي وأبو البركات بن عصفور وأبو عبد الله البنوتي وتداول خطط القضاء والفتيا جماعة منهم أبو عبد الله الرصاع وأبو عبد الله القلشاني وأبو عبد الله الزنديوي وابنه أبو الحسن وغيرهم من فرائد تاج تونس وزينة جمالها المونس ثم في أوائل المائة العاشرة كانت دولة السلطان أبي عبد الله محمَّد بن الحسن الحفصي وهو الذي بني المقصورة المعروفة بالعبدلية وملأها بالخزائن وملأ الخزائن كتباً وجعل عليها نظاراً وجعل النظر في ذلك لإمام الجامع وهو يومئذ أبو البركات بن عصفور وتوفي هذا السلطان وتولى بعده ابنه الحسن وفي أيامه دخل خير الدين تونس ثم خرج منها في خبر طويل الذيل وكان من رجال الدنيا والآخرة وفي أخباره تأليف مستقل، ثم انقطع الخبر وعمي الأثر وطوي بساط أخبار العلماء والفضلاء لما دهم إفريقية عموماً والحاضرة خصوصاً أواسط المائة العاشرة من الفتن والإحن فتقلص ظل الدولة الحفصية عنها وبلوغها غاية الهرم حتى تجاسر عليها الثوار من كل جانب وامتدت يد الطاغية الإسباني ولا زالت في ارتباك الأحوال ومكابدة المصائب والأهوال وخرج منها في ذلك الكثير من العلماء والفضلاء إلى المشرق والمغرب منهم أبو عبد الله ماغوش المذكور بهاته الطبقة هاجر إلى المشرق وأبو الفضل خروف الآتي اسمه في الطبقة الآتية هجر إلى فاس وفي نزهة الحادي نقلاً عن المنجور في فهرسته أن أبا الطيب الظريف التونسي كان واعظاً بجامع الزيتونة رحل لفاس بعد أخذ تونس فخاطبه قاضي الجماعة بفاس أبو الحسن علي بن هارون بمنظومة منها:
جادك الغيث إذا الغيث انهمرْ ... حضرةَ الأنس البديع المؤنسِ
لم يكن إلا كلمح بالبصر ... أو بريق لاح لي من تونس
فأجابه أبو الطيب بأبيات منها:
أيها الشيخ الفقيه المعتبر ... سيد القطر وصدر المجلس
قد تفضلتم بنظم كالدرر ... حل من قلبي محل النفس
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء أبو الحسن الزنديوي وأبو عبد الله ماغوش.
الطبقة العشرون
قد ذكرنا فيما تقدم البعض من أخبار الحسن الحفصي، ولنرجع لذكر بقيتها والاستيلاء العثماني باختصار فنقول: إن الحسن لما ذهب لإسبانيا مستعيناً بطاغيتها
стр. 887
على فتح القيروان وخاب سعيه اغتنم ابنه أبو العباس فرصة مغيب والده وقدم من بونة وهو يومئذ عامل عليها إلى تونس ودخل قصبتها على حين غفلة ولما اتصل الناس بخبره بايعوه وسار سيرة حسنة ولما بلغ والده خبره عظم عليه ذلك وبذل مالاً جسيماً للطاغية فوجه معه أسطولاً لنصره ونزل بحلق الوادي ووقع القتال بين المسلمين والنصارى وكانت الدائرة على عسكر الطاغية وأما الحسن فمر بجزيرة شكى فأدركه أبو الهول أحد رؤساء الأعراب وأخذه وأتى به إلى ابنه فاعتقله ثم أذهب بصره ثم فر وهو على تلك الحالة إلى القيروان ومات هناك واستقل ابنه أبو العباس وظهرت كفاءته لولا هرم الدولة ثم قدم للحاضرة علي باشا صاحب الجزائر واستولى عليها وأخذ البيعة للسلطان سليم ورتب حراستها، وأما أبو العباس فإنه فر بما خف من أهله وذخائره إلى حلق الوادي وذلك سنة ٩٧٧ هـ ولبثوا على ذلك ثلاث حجج فالعرب مالكة للضاحية والنصارى للثغور ثم جاء أسطول عظيم من قبل الطاغية بسعي من أبي العباس المذكور ولما وصل أطلعه قائده على كتاب من موجهه ومضمونه يعينه على طلبه بشرط المقاسمة في الحكم والجباية فأنكر ذلك وأنف منه وانتقل إلى بلومو من صقلية وبها توفي ثم حمل إلى مدفنه بزاوية الشيخ الجليزي بالحاضرة. والشرط المذكور قبله أخوه محمَّد وآل الأمر بعد ذلك إلى دخوله الحاضرة مع العدو وقاسمه الملك مقاسمة الغالب مع المغلوب واشتد الخطب بما آل بالمصائب العظيمة والنوائب الجسيمة على العباد والبلاد من هتك الأستار والعبث بالفساد حتى خرج أهل تونس إلى الجبال والغابات والبوادي ونالهم من الجوع والعطش ما هو مبسوط في كتب التاريخ تقشعر منه الجلود وعاثت عساكر الإسبان في الأرض وربطوا خيولهم بجامع الزيتونة واستباحوا ما به وبالمدراس من الكتب العلمية وألقوها في الطرقات يدوسها العسكر بخيولهم وهذا هو السبب في قلة وجود تآليف الفحول من هذا القطر فإنها ذهبت شذر مذر وفي هاته الواقعة نبشوا قبر ولي الله أبي محفوظ محرز بن خلف وستر الله جسده الكريم فلم يجدوا به إلا التراب إلى غير ذلك مما ينبو عنه السماع ويبكي العيون دماً ويذيب القلوب ألماً وفعلوا مثل ذلك بالمدائن المهدية والمنستير وغيرهما من المحارس والقصور تخريباً وقتلاً وأسراً ومات نحو الثمانين ألفاً وأسر مثلها الطاغية المذكور ثم تداركها الله بالتفات السلطنة العثمانية فأنقذتها من مخالب هذا الطاغية في جمادى الأولى سنة ٩٨١ هـ وهذا الفتح من أهم الفتوحات الإِسلامية والمآثر الخالدة في إفريقية لهاته الدولة السنية خلد الله ذكرها وأيد ملكها وفخرها وكان هذا الفتح على يد وزيرها الشائع الصيت المعروف بالفضل والنجدة والشجاعة والثبات والرأي الصائب والفكر
стр. 888
الثاقب سنان باشا بعد قتال استشهد فيه الكثير من الأبطال وأمراء الأجناد وكانت الدائرة على الأعداء والبغاة وظفر هذا الوزير بمحمد الحفصي المذكور واعتقله إلى أن هلك في اعتقاله وانقرضت بانقراضه هاته الدولة، والله الفعال لما يريد لا راد لأحكامه وأفعاله فكان ابتداؤها سنة ٦٠٣ هـ وانقراضها سنة ٩٨١ هـ وسبحان الباقي الذي لا يحول ولا يزول. والسبب في ذلك هو ما أشرن إليه فيما سلف، وهو أنه لما فسدت طباعهم واختل حالهم وامتلأ صاعهم وكانت دولتهم على حالة الهرم واستغاثوا بأعداء الدين فكان مآلهم سلب النعم وإحاطة النقم. فانظر واعتبر لحال هاته الدولة على ضعف ساحة أرضها، وقلة أنهارها وأشجارها كيف ابتداء أمرها واتساع مجال ملكها وأملها من أملها من أهل المشرق والمغرب ومدوا إليا يد البيعة ودانوا لها بالطاعة، واعتصموا بالانتساب إلى سلطانها، وأتته بيعة الأشراف من بيت الله تعالى وحرمه الآن ومهبط الوحي حيث كانت أقرب إلى خلال الخير وأثل ملوكها في الحاضرة المصانع الواسعة والأبنية النافعة كالزوايا في الطرق لأبناء السبيل والتكايا والمساجد والمدارس والمكاتب لقراءة القرآن العظيم ورتبوا الكتب العلمية في أماكن محفوظة على قانون خاص إعانة لأهل العلم وطلابه والمستشفيات، إلى غير ذلك مما بقي أثره ولم ينسَ خبره. وفي أيامهم نفق سوق العلم وظهر من الراسخين فيه من هذا القطر أعلام مصنفاتهم تشهد لهم بذلك. وكان من الحضارة بتونس ما اقتضاه طبع العمران والثروة وحال البلاد بما لا ينافي سذاجة الدين فتوالت الوفود على سكنى هاته الحاضرة من سائر الجهات على اختلاف الملل والنحل والأصناف يجذبهم مغنطيس العدل فزادوا في أسباب العمران من البناء والغراسة وغير ذلك. وانظر واعتبر كيف كانت عاقبة أمرها وانقلاب أحوالها بعد تلك القوة وعزة السلطان وعلو الكعب من انتقاض الجهات وكثرة الثوار واستطالة أيدي الأعراب في البلاد بالنهب والبغي والفساد حتى استعان آخر ملوكهم بالعدو الأجنبي وآل أمره كالمسجون في حجرة لا يملك إلا موضع قدميه ثم إلى سجنه وموته تحت أقفاله عقاباً له وزجراً لأمثاله الناسجين على منواله وما قررناه في حق ملوك هاته الدولة وعلمائها هو ملخص ما أسلفناه.
واعلم أن ملوك بني أبي حفص كانوا يجلون العلماء، ومجالسهم بهم عامرة وموائدهم مزدانة بهم باهرة وفي ذلك مصلحة لهم عظيمة ومنزلة رفيعة فخيمة إذ بوجودهم والالتفات إليهم وتعظيمهم تنشر راية العلم وتحفظ الشريعة المطهرة واللغة العربية الفصيحة. وكان غالبهم محافظاً على الشرع العزيز ممتثلاً لأوامره. وكان بتونس أربعة قضاة قاضي الجماعة هو المعبر عنه في الشرق بقاضي القضاة وكان بها
стр. 889
مفتون منهم من يكون متصدراً لها كتابة ومنهم من يتصدر للأخبار فقط والأحكام جارية في مجاري عزها الشامخ يرتاح لها ويخضع القوي والضعيف والأمير والأمور والخاصة والجمهور وتنفذ على يد قاضي الجماعة. وفي المائة التاسعة ظهرت رتبة المفتي وصارت أرفع درجة من رتبة القاضي وإذا أشكل على القاضي بعث للمفتي يسأله. وكان هؤلاء الملوك يجعلون يوم الخميس لاجتماع القاضي والمفتين بمجالسهم وتنفذ بين أيديهم الأحكام الشرعية في كل أسبوع وكانت لهم عناية تامة واهتمام خاص بجمع الكتب العلمية على اختلاف أنواعها والتغالي في اقتنائها وحفظها في الخزائن بقصورهم للمطالعة وبالمدارس وجامع الزيتونة لنفع العموم بها وتقدمت الإشارة إلى ذلك وأنه كان في خزانة أبي عبد الله المنتصر ستة وثلاثون ألف مجلد وما وقع تحبيسه من أبي فارس وأبي عمرو وأبي عبد الله فليراجع في محاله وفي الرزنامة التونسية أن جامع الزيتونة كان مستبحراً بالعلوم على اختلاف أنواعها عقلية ونقلية مقاصد ووسائل حتى كان يقال إن حذاء كل سارية من سواريه مدرساً وفي خزائنه ما يزيد على المائتي ألف مجلد وأبو فارس عبد العزيز حبس وحده ما يزيد على الثلاثين ألف مجلد ووضعها في خزائن زين بها جامع الزيتونة حبسها على العلماء والمتعلمين وحبس عليها ما تحتاج إليه للإصلاح وعلى المناول والمتعهد لها أرضين وزياتين ونوه المؤرخون بشأنها. ثم تلاه السلطان أبو عمر وعثمان فجمع خزائن أخرى تقارب خزائن أبي فارس وبنى لها مقصورة متسعة وملأها بالخزائن وملأ الخزائن كتباً وحتى الآن تعرف بمقصورة الكتب وفي هذا الزمان يخزن بها الزيت وتلاهما السلطان أبو عبد الله محمَّد بن الحسن فبنى مقصورة متسعة وهي المعروفة بالعبدلية وملأها بالخزائن وملأ الخزائن كتباً وجعل نظرها لإمام الجامع ثم على عهد آخر ملوكهم ألقيت تلك الكتب بالطرقات فداستها أقدام الرجال وحوافر الخيل والبغال وذهبت شذر مذب وبقيت المدارس والمساجد خالية من كتب العلم وضعف العلم بذهاب رجاله وضعفت الدولة باستيلاء الطاغية. وانتهى الخبر عن هؤلاء باستيلاء العساكر التركية. وسنقص عليك خبرهم إن شاء الله.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء محمَّد خروف ومحمد الأندلسي وأحمد العيسي.
الطبقة الحادية والعشرون
تقدم أن الدولة العثمانية احتلت إفريقية سنة ٩٨١ هـ ومن الواجب ذكر رجال هاته الدولة وما آل إليه حال إفريقية بعد تلك النوائب والكوارث ليكون المطالع
стр. 890
على بصيرة من ذلك فنقول: اعلم أن بهذا الفتح رفع الله عن أهالي هذا الوطن النوائب والمصائب والإحن ولسان حالهم يقول: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وذلك أنه لما مهد الوزير سنان الراحة وقطع دابر البغاة والمثيرين للفتن وعزم على الرجوع لدار الخلافة هو وأركان حربه وأمراء أجناده رتب عسكراً لحراسة البلاد وتأمينها وجعل على كل مائة أميراً يسمى الداي ومعناه بالعربية خال كناية عن تعظيم المنادى ورتب أمير لواء لضبط الوطن وجباية المال يسمى الباي ومعناه بالعربية العامل وعين لذلك رمضان باي وجعل النظر في العسكر إلى الآغا ومعناه السيد والنظر العام لحيدر باشا وخطب باسم السلطان سليم ابن السلطان سليمان وضرب السكة باسمه وسافر بعد ذلك لدار الخلافة واستمر الحال على ذلك إلى أن ثار الجند على كبار الديوان سنة ٩٩٩ هـ وطلبوا إقامة داي للنظر في حال عموم العسكر وقدموا أحد أبطالهم إبراهيم رودسلي (آغا) في تلك الخطة نحو الخمس حجج ولم يستقم له أمر وسافر للحج وتولى بعده موسى فمكث سنة وسافر للحج ثم تولى داياً عثمان داي وخرج لتمهيد النواحي وجباية المال ورتب قوانين الرعايا في دفتر سموه بالميزان وباشر الأمور بنفسه وكانت فيه شهامة وسياسة وشجاعة واتخذ الأساطيل وصار في منعة من العدو وله آثار حميدة وكان على عهده طاعون جارف وعلى عهده في سنة ١٠١٧ أهـ والسنة بعدها قدمت الأمم الجالية من الأندلس فأوسع لهم العطاء وأباح لهم السكنى بالحاضرة وبلدان المملكة وبناء القرى في أراض استعمروها فبنوا أكثر من عشرين قرية واغتبط بهم أهل الحاضرة وتعلموا حرفهم وقلدوا ترفهم ولم يزل هذا الداي عزيزاً مطاعاً إلى أن توفي سنة ١٠١٩هـ ودفن بجوار الشيخ أحمد بن عروس وفي خلال مدته ارتفع صيت رمضان باي المذكور وعظمت كفاءته في قمع الثوار وتمهيد الجهات وجباية الأموال واستخلف جماعة على الأعمال وسماهم بيات جمع باي منهم رمضان هذا وحسين باي ومراد باي جد بني مراد الآتي ذكرهم ولما توفي تولى عوضه دايا صهره يوسف وهو مشهور بالفضل والسؤدد وله آثار كثيرة شاهدة بذلك منها جامعه المعروف بجامع سيدي يوسف بسوق الترك ولم يزل حميد الحال حسن السيرة إلى أن توفي سنة ١٠٤٧ هـ عن سن عالية ودفن بجامعه المذكور ورمضان باي المذكور توفي سنة ١٠٢٢هـ وتولى مكانه مراد باي المذكور وكان ذا صرامة وكفاءة ثم سمت همته لرتبة الباشا فراسل في ذلك الدولة العلية فأسعفته وأتاه التقليد ونزل لابنه حمودة عن سفر الإمحال سنة ١٠٤١ هـ وتوفي في هذه السنة ودفن بتربة جوار الشيخ أحمد بن عروس.
стр. 891
تنبيه: قد علمت ما حلّ بإفريقية من المحن وأن العلم ضعف بذهاب رجاله وبأثر ذلك وقع الاحتلال العثماني فابتدأت حينئذ ترجع عمرانها وتستجد شبيبتها وصادف وفود مئات آلاف من الأندلس وجالية غرناطة وعمروا نيفاً وعشرين قرية بين كبيرة وصغيرة لكن التراجع كان بطيئاً بالنسبة لبث العلوم لأنه لما آل الأمر لهاته الدولة وكان الذين قدموا من الأتراك لإفريقية غير منتظمي التصرف إلا القليل منهم لم يقع منهم التفات لتدارك العلم الذي كاد أن يضمحل في ذلك العهد ثم عاد لهذا القطر المأنوس ما انقطع عنه شيئاً فشيئاً إلى هذا الوقت على ترتيب الطبقات الآتية فكل طبقة هي أرقى من التي قبلها. قال الشيخ حمودة بن عبد العزيز في باشيه: خرج من الأندلس ألوف لفاس وألوف لوهران وتلمسان وجمهورهم جاء لتونس فعمروا بها القرى الخالية واستحدثوا فرى سكنوها واستقرت حاضرتهم بالحاضرة فاستحكمت فيهم الحضارة التي عوائدها مرتكزة في طبائعهم واستحدثوا بها صناعة الشاشية التي تقصدها التجار من سائر الأقطار وقصدها الترك من بلاد الخلافة وغيرها ومن مصر فارتفعت بهم أوج العلا ووردت عليهم العلماء من الآفاق فتخرج بهم الكثير من العلماء وشرع أمراؤها في اتخاذ المصانع وتوفير الملك. انتهى بتصرف واختصار. وقال: قد كان العلم لأول دولة الترك مرتفعاً منها بالمرة حتى ورد عليها المولى أحمد أفندي من أرض الروم في أول المائة الحادية عشر على عهد عثمان داي وكان متفنناً في العلوم فأخذ عنه جماعة من أهلها منهم الشيخ محمَّد الغماد وأبو يحيى الرصاع والشيخ محمَّد براو وارتحل للمغرب الأقصى وافداً على سلطانها مولاي أحمد الذهبي فوجده يقرىء المطول للمولى سعد الدين بالجامع كل يوم فأوسعه مبرة وإكراماً ثم عاد لتونس فكان يقول: وجدت بجامع القرويين سبعة عشر كرسياً يقرأون التفسير وكلهم عن التفسير بمعزل إلا أن ملكهم يفهم الخطاب ثم ارتحل بعد ذلك إلى بلاده فكانت بها هاته الطبقة التي ذكرناها ومَن عاصرهم كأبي الفضل عظوم وغيره وانتشر بها العلم. انتهى.
وكانت القضاة تجيء إلى تونس من دار الخلافة والغالب عليهم المعجمة ومذهبهم مذهب أبي حنيفة ﵁ فاحتاجوا حينئذ إلى نائب يكون بين يدي القاضي فيكون بمثابة قاضي الخصومات والقاضي التركي بمثابة قاضي الجماعة واحتاجوا أيضاً لمجلس كما جرت به العادة في دولة بني أبي حفص يجعلونه بين يدي الباشا في هذه الدولة وكان يحضر بالمجلس أربعة من المفتين والمراد من حضورهم الأخبار بالأمور الشرعية إذا سئلوا عنها والقاضي ينفذها وأول مَن تصدر بتونس مفتياً حنفياً الشيخ أبو الحسن علي الشريف وباحتلال الدولة التركية أخذ
стр. 892
المذهب الحنفي في الظهور بعد انقطاعه من مدة المعز الصنهاجي حسبما تقدمت الإشارة إلى ذلك في ترجمته.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء أبو الفضل عظوم وأبو النجاة النفاتي وأبو الغيث القشاش وأبو الحسن الرصاع وتاج العارفين البكري.
الطبقة الثانية والعشرون
لما توفي مراد باشا المذكور سنة ١٠٤١ هـ قام مقامه ابنه حمودة باشا فمهد الأمور ورتبها أحسن ترتيب وكان كريماً حسن السيرة والتدبير محباً للعلماء مقرباً لهم مؤثراً مجالستهم ومباحثتهم شجاعاً قمع الثوار ودوّخ جميع العرب ورتب أوجاق الصبايحية بتونس والقيروان وباجة والكاف لتأمين السبل واتسعت الجباية وله مآثر مأثورة وآثار ضخمة مشهورة منها بناؤه الجامع المشهور قرب ضريح الشيخ أحمد بن عروس ومنارته الغريبة الشكل العجيبة الإنشاء لا نظير لها في المغرب ومنها المستشفى بحومة العزاقين واعتنى بتشييد باردو أحد منتزهات بني أبي حفص وطلب من الدولة العلية تقليد منصب الباشا فأتاه سنة ١٠٦٨هـ ونزل عن سفر الإمحال لابنه مراد واستخلفه مكانه وعقد لابنه محمَّد الحفصي على القيروان وسوسة والمنستير وصفاقس وعقد لابنه حسن على باجة وفي آخر الأمر طلب الاستعفاء فأعفي ومال للراحة وتخلى عن البلاد لأولاده إلى أن توفي في شوال سنة ١٠٧٦ هـ ومن شعرائه أبو عبد الله محمَّد العروي السوسي وله فيه القصائد الطنانة وكان أديب وقته وشاعره من غير مدافع وله ابن نجيب قدمه والده في حياته للفتيا وكان يروي البخاري بحضرة والده لمجلس الباشا والحاصل أن هذا الباشا حسنة من حسنات الزمان وهو المؤسس المجد لبنيه والآثار الخالدة بعده ولما توفي استقل بالأمر بعده ابنه مراد باي المذكور وانفرد بالكلمة واستقام أمره وضعف أمر الدايات في وقته وصاروا أتباعاً له وسنذكر أسماء الدايات في فصل خاص. ومن مآثره المدرسة المنسوبة له غربي الجامع الأعظم وأول مدرس أقيم بها الشيخ محمَّد الغماد وتوفي سنة ١٠٨٦ هـ وبويع لابنه الأكبر محمَّد ثم إن عمه محمَّد الحصفي أغرى أخاه علياً بطلب المشاركة فأصغى له وطلبها فأنف محمَّد من ذلك ولهذا الخلاف اتفق الأعيان على أن يكون الأمير العم محمَّد الحفصي وبايعوه بعد خلع محمَّد المذكور وفراره للكلف وذلك في رجب من السنة ١٠٨٦هـ ونفذت أوامره بعد ذلك ثم اضطرب أمره وأشهد على نفسه بالخلع وراسل محمداً بذلك وقدم الحاضرة وجددت له البيعة بباردو في شوال من السنة وتوجه العم بعد ذلك للآستانة وأما علي فإنه توجه لقسنطينة وأخذ
стр. 893
في جمع الجنود لقتال أخيه ثم قدم العم من الأستانة ومعه سبعة مراكب مشحونة بالعساكر ومتقلداً منصب الباشا من السلطان محمَّد خان فجمع محمَّد باي أهل الحل والعقد بجامع الزيتونة للنظر في هاته النازلة وكان من أمرهم الاتفاق على رد العم وكاتبوا الدولة بأن سبب عدم قبوله هو عدم أهليته وبناء على ذلك رجع العم لدار الخلافة وكان من أمره ما سنذكره وأما علي فإنه قدم بجند من الأعراب وخرج له أخوه محمَّد في جنده ووقع القتال بينهم فكانت الهزيمة على محمَّد وفرّ إلى الكاف ودخل علي لتونس وتمت له البيعة وبعد ذلك وقعت بينه وبين أخيه حروب واضطرب الحال وبينما هم كذلك إذ قدم العم محمَّد الحفصي من دار الخلافة متقلداً منصب الباشا من السلطان محمَّد أيضاً ودخل الحاضرة في حفل عظيم ووفد عليه علي وهنأه بذلك وصارا على وفاق ثم صارت بينهما وحشة وخرج العم لقتاله باتفاق مع أخيه محمَّد وبعد قتال كانت الهزيمة عليهما وفرّ العم للقيروان والأخ للمنستير وفي أثناء ذلك قدم صاحب الجزائر لإطفاء نار الفتنة وعقد الصلح بين ثلاثتهم وانعقد على تمليك علي وإقامة العم باشا تبعاً لأمر السلطان واستقرار محمَّد بالقيروان ويبقى ابنه أحمد رهناً عند عمه علي وبناء على ذلك رجع علي والعم للحاضرة ثم صدر الإذن من الدولة العلية سنة ١٠٩٠ هـ بإبعاد العم لأرض الروم وأبعد لتلك الجهة إلى أن توفي سنة ١٠٩٧هـ وصفا الجو لعلي ثم أساء السيرة بعد ذلك وتحرك له أخوه محمَّد في جموع ووقع القتال وفي أثناء القتال اغتال علي ابن أخيه الرهين وفرّ إلى الكاف واتبعه أخوه محمَّد بحملة عظيمة وانضمت له محلة الجزائريين الذين جاؤوا لنصره وفرّ علي لصفاقس بعد انهزامه ودخل محمَّد الحاضرة ولما رأى ما يشعر باستبداد الذاي راسل أخاه علياً في الصلح واصطلحا على مقاسمة البلاد فكانت حصة محمَّد باجة والقيروان والمنستير وحصة على الكاف ووسلات وسوسة وبقية الساحل وارتحل محمَّد لتلقيه وعزما على قتال الداي حيث استبد بالحاضرة وهو أحمد شلبي وخرج هذا الداي بمحلة لقتال محمَّد وآلت بعد القتال بانهزام محمَّد وراسل الأخوان بعد ذلك صاحب الجزائر إبراهيم خوجة واشترطا له شروطاً على إعانتهما فخرج بنفسه في حملة وعامل قسنطينة في محلة أخرى وسار إليه الأخوان واجتمعوا بالحريرية وألحوا في الحصار على تونس إلى أن استولوا عليها وأسروا الداي شلبي وجددت البيعة للأخوين وذلك في رجب سنة ١٠٩٧ هـ وولوا الحاج بقطاش دفايا وبعد أيام قلائل ظهر للجند عدم إمكان الشركة ونادوا بلسان واحد بولاية محمَّد وقتلوا علياً وأحمد شلبي وارتحل بعد ذلك الجزائريون بعد توصلهم بما اشترطوا وانفرد محمَّد باي بالأمر وصفا له الجو وخرج لتدويخ النواحي وجباية
стр. 894
الأموال وتأمين السبل ثم ثار عليه محمَّد بن شكر ووقعت له حروب معه آل الأمر إلى انهزامه وفراره للصحراء واستولى على تونس وسائر البلاد بإعانة من صاحب الجزائر وتصرف في العباد بالقتل والنهب والفساد وآسف الناس فراق محمَّد باي واستكانوا تحت سطوة هذا الجبار ثم ثار عليه أهل سوسة والقيروان وبعثوا لمحمد باي ينادونه وقدم وانضم إليه خلائق لا يحصون وخرج إليه ابن شكر فالتقوا على وادي برق الليل فكانت الدائرة على ابن شكر ومات مذموماً مدحوراً وذلك سنة ١١٠٦ هـ واستولى محمَّد باي على جميع ما معه ودخل القيروان ثم تونس وسر الناس بقدومه واستبشروا وهادن صاحب الجزائر بواسطة الولي العالم الشيخ علي عزوز ومن مآثره المباني الضخمة القاطعة بعلو مقداره منها جامعه الفخيم البديع المنظر والشكل أمام ضريح ولي الله الشيخ محرز ومات قبل إتمامه فأتمه أخوه رمضان باي وله مدارس بالكاف وباجة والقيروان ونفطة وتوزر وقابس وأسواق الشواشية الثلاث والزيادة في قصور باردو والقنطرة على وادي مجردة وأقام علي بنائها بنفسه وهي شاهدة له بالمزية العظيمة والرتبة الشامخة وكان مؤثراً للعدل والإنصاف قامعاً لأهل الجور والظلم من عماله وعساكره محباً لأهل الفضل والعلم وبقي في أمن ودعة إلى أن وافاه أجله في ربيع الأنور سنة ١١٠٨ هـ وعظم المصاب به وفي مدة أخيه علي أنهى صاحب المونس تاريخه وقد استوفى في مونسه أخبار رجال هاته الدولة وعلمائها وكانت مشاهدة عيان كما استوفاها الشيخ حمودة بن عبد العزيز في باشه.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء أبو الحسن النفاتي وأبو بكر البكري وأبو الفضل المسراتي وأبو العباس الشيف وأبو الحسن الغماد.
الطبقة الثالثة والعشرون
لما توفي الأمير محمَّد باي سنة ١١٠٨ هـ تمت البيعة لأخيه رمضان فأقر الناس على مراتبهم ومهد البلاد وجبى الأموال وكان عاكفاً على الملاهي، وكان له مغن اسمه مزهود استولى عليه وفوض أمره إليه وأقبل على لهوه وتصرف مزهود بالقتل وغيره وتمادى على ذلك حتى قتل العلامة حمودة ابن الشيخ محمَّد فتاتة افتياتاً على سيده فنفرتهما القلوب وارتفعت الأكف بالدعاء بهلاكهما فهلكا وسنقص عليك خبرهما، وكانت أم رمضان كافرة ماتت على دينها فبنى لها الكنيسة قرب باب قرطاجنة ودفنها بها والشيخ حمودة المذكور كان مختصاً برمضان باي قبل الولاية وبعدها سفراً وحضراً لحسن محاضراته ولطف آدابه ووثوق علمه وذوقه وفهمه. ثم سعى مزهود في إبعاده عنه وخلا له الجو وكان في عهد الإِمام تاج العارفين البكري
стр. 895
وابنه أبي بكر يقع تدريس البخاري بجامع الزيتونة رواية ودراية في رجب وشعبان ورمضان إلى السادس والعشرين منه ولما توفي أبو بكر تغيرت تلك القاعدة وصارت رواية لا غير تبركاً لأن ولديه أبا الغيث وأبا الحسن لم يبلغا مبلع والدهما وجدهما، ولما أبعد الشيخ حمودة المذكور عن رمضان باي رجع لأصله وتصدى لإقرائه دراية وغيره من العلوم بالجامع على حين لم يكن به من يقرأه دراية وكان راويه يومئذ الشيخ محمَّد زيتون فاجتمع عليه خلائق لا يحصون وصار له بذلك صيت. ولما رأى مزهود ذلك تغير وأرسل إلى أبي الغيث المذكور إمام جامع الزيتونة ليمنعه من إقراء الحديث بالجامع إذ ربما يؤول به الأمر إلى طلب الإمامة بالجامع فأرسل له أبو الغيث بإبطال درس الحديث وأظهر الغضب منه حيث لم يمتثل لإبطاله بعدم إقامة صلاة العصر بالجامع فلم يمتثل لإبطاله وانتقل لإقرائه بمسجد سوق البلاط فازداد مزهود بذلك بغضه وأغرى به رمضان باي ومنعه من الخروج من داره ولم يكفه ذلك حتى أرسل إليه حرساً هجموا على دار الشيخ وأخرجوه بترويع أمه وأبيه وأهله وبنيه وأوقعوا به ما بلغ به الشهادة ولاقى من الله الحسنى وزيادة. ورمضان باي لا علم له بشيء من ذلك غير أنه لما بلغه الخبر لم ينكر على مزهود ولا عاتبه. وجمع مزهود في تلك الليلة طائفة من الأوباش أصحابه وصنع صنيعاً اجتمعوا فيه على كل فاحشة فرحاً بقتل الشيخ وكان قتله سنة ١١٠٩ هـ من الأهوال العظيمة والمصائب الجسيمة وتأسف عليه والده العالم المشهور والخاصة والجمهور. وقابلوا تلك المصيبة بالصبر والابتهال بالدعاء إلى الكبير المتعال عليه وعلى سيده وتوسل والده في دعائه بسيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام في قصيدة أولها:
إليك رسول الله وجهت آمالي ... وألقيت يا سؤلي ببابك أحمالي
فاستجاب الله دعاءهم فلم يمضِ قليل من الأشهر حتى شتت الله أمر مزهود وسيده وأشياعه كما سنذكره إن شاء الله وذلك أنه لما قتل الأمير الباشا أبو الحسن عليّ ترك ابناً اسمه مراد تحت كفاله عمه محمَّد باشا ثم تحت عمه رمضان المذكور ثم خوّفه منه مزهود وأشار عليه بالقبض عليه فحبسه وسمل عينيه وعالجه طبيب سراً وفرَّ من السجن لسوسة وقام بنصره بعد ذلك أهل وسلات وغيرهم ومالت المجموع إليه وبايعوه في رمضان سنة ١١١٠ هـ ووجه حينئذ من أخرج رمضان وقتله ثم أحرقه وألقى رماده في البحر فلا خبر له وكانت مدته ثلاثين شهراً فأعمل أولاً السيف في مزهود وشيعته وعزل أبا الغيث البكري عن الإمامة ثم أقبل على سيرته الشهيرة من قتل الإنسان والحيوان وانتهاك الحرمات والمجاهرة بالفواحش وقتل بنفسه الشيخ المفتي محمَّد العواني الشريف وشوى من لحمه وأكله مع ندمائه ولما أراد قتله قال
стр. 896
له: أنصحك أن من قتل عالماً آيس من الحياة وفعل بغيره مثل ذلك وقد نزع الله من قلبه الرحمة يؤتى إليه بالرجل فيقوم إليه بنفسه ويجذبه ويقطع أعضاءه ويشق بطنه ويدخل يده لإخراج أمعائه وكبده وكان له سيف يسمى البالة فلا يكاد يخليه يوماً من إراقة دم وإذا لم يقتل أحدًا يقول إن البلة جاعت فيقتل من يعرض له، وله حروب مع الجزائريين كانت الدائرة فيها عليه "وعلى الباغي تدور الدوائر" ولم يستقم له حال إلى أن أفتك به إبراهيم الشريف بمواطأة من أمراء الجند وذلك في محرم سنة ١١١٣ هـ وأرسل من قتل بقية آل مراد وكانت مدته ثلاثة أعوام وأربعة أشهر وانقرضت بانقراضه دولة آل مراد وكانت مدتها ألف شهر.
تنبيه: اعلم أن الخلق عيال الله ومتى استعمل على الرعية الأراذل والسفهاء وأهل البطالة والإعلان بالشهوات كان ذلك داعياً إلى فساد نياتهم وضعف ديانتهم وانهماكهم في شهواتهم. في سراج الملوك: أقوى الأسباب في إصلاحهم أن يستعمل عليهم الخاصة منهم وذوي الأحكام الراجحة والمروءات القائمة والأذيال الطاهرة فمتى كانت رياسة العامة بيد سراتهم حصلت سعادتهم:
لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وفيه: إن أدعى خصال السلطان إلى صلاح الرعية وأقواها أثراً في تمسكهم بأديانهم وحفظهم لمروآتهم إصلاح السلطان نفسه وتنزهه عن سفاسف الأخلاق وبُعده عن مواضع الريب وترفيع نفسه عن استصحاب أهل البطالة والمجون واللعب واللهو والإعلان بالفسوق.
إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب
أما ترى الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا وهو برج اللهو والطرب
رجوع وانعطاف
لما أفتك إبراهيم الشريف بمراد بايعه رؤساء الأجناد وقدم الحاضرة وتم له لأمر وجاءه تقليد منصب الباشا وكان كاهيته المولى حسين بن علي تركي وله حروب مع الجزائريين وغيرهم وأخيراً هزموه وأسروه فكانت ولايته ثلاثة أعوام وشهرين وكانت سيرته أولاً حسنة ثم طفق في ظلم الرعية فذبح أبناءهم ونساءهم واستصفى أموالهم وكاد أن يستأصل العرب وإبلهم وخيلهم لشدة بغضه لهم ولظلمه لم تطل مدته ولو دامت لأهلك الحرث والنسل، ومعلوم أن الظلم إذا دام دمر والعدل إذا دام عمر. قال أبو العتاهية:
стр. 897
أما والله إن الظلم لوم ... ولكن المسيء هو الظلوم
إلى ديّان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
سل الأيام عن أمم تقضت ... فتخبرك المعالم والرسوم
ولما وقع بإبراهيم الشريف ما ذكرناه وقع الاتفاق على تولية كاهيته حسين بن علي تركي وقبلها بإلزام بعد تمنع وتمت له البيعة في ربيع الأنور سنة ١١١٧ هـ. كان والده علي تركي وبه يلقب قدم من جزيرة كندية إلى الحاضرة في أوائل دولة بني مراد فولاه قيادة أزمة الأعراب وكان من أهل الكفاءة والنجدة وتوفي سنة ١١١٣ هـ ونشأ ابنه المذكور في خدمة الأمراء المراديين وتقلد الولايات الجليلة وتسنم الخطط الرفيعة كخطة خزنة دار وكاهية الخلافة وولاية الأعراض والجريد وهو باني الملك الحسيني جعلها الله كلمة باقية في عقبه أبد الآبدين. توارث الملك بنوه كابراً عن كابر إلى هذا الوقت على الترتيب الآتي بيانه وله حروب مع القائمين عليه كان الظفر حليفه ورسخت قدمه وكانت أيامه مواسم ثم ثار عليه كفيله ابن أخيه علي باشا بن محمد بن علي تركي. كانت ولادته سنة ١١٠١م فتبناه عمه الأمير المذكور وأحسن تربيته وتهذيبه وليس له إذ ذاك أولاد وأولاده أمير أمراء الأمحال سنة ١١٨ هـ وزوّجه ابنته وأجراه مجرى الأولاد إلى أن وهب الله له ولياً من لدنه يرث ملكه فولد له المولى محمد باي ولما بلغ من العمر خمسة عشر عاماً أولاه باي الامحال وأولى ابن تربيته باشا فأنف علي باشا من ذلك وهرب هو وابنه يونس إلى وسلات وذلك سنة ١١٤٠هـ وخرج عمه لقتال آل أمره لفراره مع ابنه للجزائر وساءت حاله ثم أمده صاحب الجزائر بعسكر قدم به سنة ١١٤٧هـ ولما قدم هذا العسكر الحاضرة خرج الأمير بعسكره ووقع القتال بين العسكرين آل الأمر بانهزام الأمير وفراره إلى القيروان ولحق به أبناؤه واعتصموا بها ودخل غالب بلاد الساحل في طاعتهم ودامت الحرب بينهم وباشر أكثرها يونس باي ولما ضاق الخناق على أهل القيروان بطول الحصار خرج الأمير منها بمن بقي معه وبأثر خروجه استشهد وذلك في صفر سنة ١١٥٣هـ وحمل ودفن بتربته بالحاضرة وأما أبناؤه فإنهم توجهوا للمغرب وسيأتي خبرهم وهذا الأمير هو الذي أحيا رسوم العلم بعد إعفائها وأيقظ أجفان طلبته بعد إغفائها بالتفاته إلى أهل العلم بالصلات المتوالية والإكرام لهم والتعظيم والمجالسة وله في التزام الأحكام الشرعية قدم راسخة يحمل العامة والخاصة عليها فيما يجري بينهم من المعاملات وكانت أيامه كالخصب بعد الجدب والأمن بعد الرعب والسلم بعد
стр. 898
الحرب. سعدت المملكة وأهلها به وامتلأت أيديهم بالمكاسب فأثاروا الأرض وعمروها وأغرى عن العمل ما قوي به الأمل ووقع التنافس في الصنائع وغيرها مما هو محمود والناس على دين ملوكهم، وفي أيامه كان سوق العلم نافقاً والعلماء الفحول كثيرون منهم الشيخ محمد زيتونة المذكور كان يبعث إليه ويستشيره فكان إذا أتاه يخرج إليه لتلقيه خارج البيت ويأخذ بيده ويقوده ويجلس حذوه ولا يحضر معهما ثالث في الغالب، ومن مآثره الجليلة إحياء مدينة القيروان ومساجدها وزواياها وبناء مدرسة النخلة والمدرسة الحسينية وجامعه الشهير، وأول صلاة أقيمت به ظهر يوم الأحد رابع عشر شوال سنة ١١٢٩هـ وأنشأ مدارس بصفاقس ونفطة والقيروان وفسقية الملاسين وغير ذلك مما هو كثير وقد ذكرت ترجمته مفردة ومضافة وأتى على أكثرها أبو عبد الله محمد سعادة في كتابه المسمى بقرة العين في فضائل الأمير حسين والمؤرخ الشيخ حسين خوجة المتوفى سنة ١١٦٩هـ في تاريخه بشائر أهل الإيمان والشيخ عبد الرحمن الجامعي في الدرر المديحية في الدولة الحسينية والوزير حمودة بن عبد العزيز في باشيه قال فيه: قد ألمّ أبو عبد الله محمد الوزير السراج في حلله السندسية بأخبار المولى حسين بن علي باي بلغ فيه إلى سنة ١١٤٤هـ غير أن الجزء الرابع أحرقه علي باشا لما اشتمل عليه من أن القصد منه في قيامه على عمه بجبل وسلات فلا يوجد منه عين ولا أثر. انتهى.
وفي الاستطلاعات البريزية اتفق لي أني تذاكرت مع أحد علماء باريز في التواريخ العربية المختصة بالمملكة التونسية ومنها تاريخ الوزير السراج وأنه لا توجد منه نسخة كاملة عندنا لوقوع إحراق الجزء الأخير ولما ذكرت له ذلك أطلعني على ديوان كتب مكتبة المونيك في البافرة من ألمانية فإذا به نسخة تامة مؤلفة من أربع مجلدات.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء سعيد الشريف ومحمد قويسم ومحمد الغماد ومحمد فتاتة وعلي النوري وعبد العزيز الفوراتي وإبراهيم الجمني ومحمد زيتونة والوزير السراج ومحمد الخضراوي.
الطبقة الرابعة والعشرون
لما بلغ أهل الحاضرة انهزام الأمير الباشا حسين في الواقعة التي قدمنا ذكرها بايعوا ابن أخيه الأمير الباشا علي باي في صفر سنة ١١٤٨هـ ولما استقل بالأمر أرهف الحد وحكم السيف في شيعة عمه واشتدت سطوته وعظم سلطانه وصادر
стр. 899
الأمة بالمال الكثير وعرضت في مدته محاربات فاز فيها بالظفر ووقعت بينه وبين دولة فرنسا وحشة آلت إلى صلح، وفي سنة ١١٥٩هـ قدم الإخوة أبناء الأمير حسين من الجزائر ومعهم محلة أميرها باي قسنطينة إلى الكاف وامتدت أعناق الآمال إلى الإسعاف ووافتهم نجوع العرب بالمدد وبالرجال والعدد لولا ما غدر به أمير المحلة فردها بدون كبير قتال وغره في ذلك ما وصله من المال وتفرقت جموع الحاشدين وأسفوا من شماتة الحاسدين ومات من شدة الأسف أحد أبناء الأمير محمود وكان بطلاً مقداماً شهماً هماماً ثم تفرقت كلمة أبناء علي باشا بسبب الحسد وأدت هاته التفرقة إلى حصول وحشة بين الأمير يونس ووالده وبسبب ذلك باشر لسعي بنفسه بمعاضدة ابنه سليمان ويونس نبذ بالعراء ثم قام على أبيه وانقسم الناس إلى قسمين قسم مع الباشا وقسم مع ابنه يونس وقامت الحرب على ساق داخل الحاضرة وصوبت المدافع على الدور والمساجد والجوامع ونال الناس الرعب من كور المدافع وأصابت قنبلة سارية من سواري جامع الزيتونة وعظم الخطب وآل الأمر إلى انخذال يونس وفراره إلى قسنطينة ثم إن ثالث الإخوة محمد فوق سهمه لأخيه سليمان لما خشي من وراثته الملك بعد أبيه لما يرى لأبيه من إيثاره عليه لما فيه من الأهلية فعاجله بالإطعام فمرض أسبوعاً وفاضت نفسه على حين لم يكن والده متوقعاً ذلك فتوفي مسموماً سنة ١١٦٨هـ وأعلم أبوه بصنيعه بأخيه وتحقق أن الله أذاقه بأس ولده محمد لإعدامه لعضدي نصرته يونس بالفرار وسليمان بالممات وكان ذلك من مبادئ انتقام الله منه والله عزيز ذو انتقام ولازمه الأسف. وهذا الباشا كان مع سفكه للدماء وامتهانه للخاصة وإضراره للمملكة بمظالمه معدوداً من العلماء وله شرح مهم على تسهيل ابن مالك ويقال إن شيخه أبا عبد الله الخضراوي كانت له يد في تأليفه وقرظه علماء عصره منهم أبو الحسن علي البارع بقوله:
لله شرح للأمير موضح ... لم يتصف بصعوبة التلويح
سهل التناول بالخفاء مصرح ... قد فاق في التسهيل والتصريح
فإذا افتقرت إلى كتاب موضح ... فكتابه المغني عن التصريح
وله ولوع بجمع الكتب واكتسابها وله مآثر جليلة منها تربته التي بالقشاشين ومدرسته الباشية والسليمانية نسبة لولده سليمان وقدم لمشيختها الشيخ محمد الغرياني وهاته الأبنية حول الجامع الأعظم ومدرسة بير الأحجار ومدرسة حوانيت عاشور وقدم لمشيختها الشيخ عبد الله السوسي وأوقف على جميع ذلك أوقافاً وجعل جرايات للشيوخ والتلامذة إعانة على طلب العلم الشريف واعتنى بتحصين البلاد
стр. 900
وجهز الثغور وأجرى السقايات العظيمة النفع وهدم الحانات ومنع بيع العنب لمن يعصره خمراً وبنى مباني ضخمة بباردو ولما امتلأ مكياله ولاقى من عقوق بنيه ما صنعه لعمه جزاء وفاقاً وقيدته هموم فقد ولديه وصارت النفوس شعاعاً من تصرفات ابنه محمد باي حنوا إلى بني ملكهم حنين الغريب إلى الوطن وكاتبهم الكثير من أهل الحل والعقد يحثونهم على القدوم للقيام بشأنهم فقدموا ومعهم محلة من الجزائر بما انضم إليهم من العشائر حتى نزلوا قبلي الحاضرة ولج الباشا وابنه محمد في القتال حتى انهزما معاً وقتل محمد قرب الملاسين وأسر الباشا ثم قتل بعد أيام في ذي الحجة سنة ١١٦٩هـ وقد استكمل استقصاء خبره وخبر عمه وأبناء عمه المؤرخ الشيخ محمد بن يوسف الحنفي الباجي في تاريخه المسمى المشرع المكي بدولة أبناء علي تركي ودفن بتربته ورثاه كاتبه الشاعر المفلق محمد الورغي بقوله:
مضت دولة الباشا علي كانه ... من الدهر يوماً في البرية ما عاشا
أتته المنايا وهو في عظم قوة ... وجيش كثيف مثله قط ما جاشا
فصار دفيناً بعد ما كان دافناً ... فقلت وقد أرخته دفن الباشا
وبأثر ذلك دخل الحاضرة الأمير الباشا محمد بن حسين باي وأخوه علي في يوم مشهود خفقت فيه الرايات والبنود في ذي الحجة سنة ١١٦٩هـ فهرعت الخاصة والعامة إلى بيعتهما واطمأنت الأنفس وقرت العيون بعود الدر إلى معدنه وجلس محمد على كرسي المملكة فزانه بعدله وإحسانه وكان من سمحاء الملوك وصدور الأدباء وفحول الشعراء له ديوان شعر بديع وقصائد نبوية وتوسلية تدل على حسن وثوقه بالله وأوليائه أما قصيدتاه الميمية والقافية فهما غاية في الإبداع وقد سمى أولاهما محركات السواكن إلى أشرف الأماكن ومطلعها:
هل زورة تشفي فؤاد متيم ... يا أهل مكة والحطيم وزمزم
وشرحها قاضي محلته وأستاذه الشيخ محمد بن محمد الشافعي الشريف بجزأين ضخمين التزم في شرح كل بيت منها خمس فنون اللغة والنحو والمعاني والبيان والبديع فهو شرح مشحون علماً وأدباً وأما القصيدة القافية فشرحها الشيخ صالح الكواش وقيل ابنه محمد الكواش وكانت أيامه على قصرها مواسم بواسم وتوفي في جمادى الثانية سنة ١١٧٢هـ ورثاه الشيخ محمد الورغي المذكور بقصيدة مطلعها:
هذا ضريح للإمام الأمجد ... فخر الملوك السيد ابن السيد
стр. 901
وآخرها:
بشرى له إذ جاء في تاريخه ... يا حسن حور زينت لمحمد
وأطال الثناء عليه الوزير حمودة بن عبد العزيز في باشية بما هو أهله وبعد انتقاله للدار الآخرة اجتمع أهل الحل والعقد على بيعة أخيه الأمير الباشا علي ولما تمت له أقر رجال دولة أخيه على مناصبهم وقرر الأمور على ما كانت عليه واستعمل من الرفق والحنان ما جلب به جمع القلوب واصطفى بمجلسه العلماء ودخل في زمرتهم ما يوسعهم براً وإكراماً مؤدياً لحقوق احترامهم الواجب مع ما له من الذكاء والمشاركة في العلوم وحب المحاورة وملازمة صحيح البخاري بنفسه وحصل على إجازات عامة من الشيخ عبد الحفيظ تلميذ الشيخ أحمد بن نصر وغيره وبالجملة فإنه كان ملكاً شجاعاً عاقلاً ذا صيانة وعفاف ونجدة وحلم وكرم أقام في دولته سوق العلم والأدب فكثرت فيه الشعراء وتنافسوا في مدائحه بدواوين من الشعر وأولاهم من الجوائز والصلات ما هو كثير أفرد له وزيره أبو محمد حمودة بن عبد العزيز تأليفه الباشي في مجلد ضخم جمع فيه مفاخر مملكته ودولته واستوفى من خصاله الحميدة وقصائد مديحه ما لم يخطه غيره من المؤرخين وفي سنة ١١٧٣هـ ثار عليه إسماعيل ابن الأمير يونس وتحصن بجمال شيعتهم من قبل وكانت له حروب معه شاقة بجمال ووسلات وآل الأمر إلى فراره وانحلال عرى عصابة أهل وسلات وبعدما دانوا له بالطاعة فرقهم على قرى إفريقية وأصبح جبلهم خاوياً على عروشه من يومئذ إلى هذا العهد وأما إسماعيل المذكور فإنه فر إلى الجزائر وتوفي هناك سنة ١١٨٤هـ ووقع بينه وبين دولة فرنسا حرب ثم وقع صلح بينهما، من مآثره الأثيرة الخالدة مدرسته الشهيرة وتربته حذوها وهي مدفن آل هذا البيت إلى هذا العهد ومنها تكيتان مشهورتان للفقراء والمساكين وبناء المحكمة الشرعية والمياه العذبة التي أجراها للحاضرة وبناء سور القيروان ونظم مكتبة بالكتب أنيقة بمسجد دار الباشا حصل بها النفع وغير ذلك ومن مآثره بالمنستير الإصلاحات بالجامع الأعظم وتأسيس الجامع الحنفي وبناء سور الربط لجوفي وبناء مقام الإمام المازري بعد نقله من مدفنه الأول وإقامة مدرس به وبناء مقام أبي علي يونس بن السماط بعد نقله أيضًا من مدفنه الأول وفي أيامه وقع إبطال تولية القضاء من الحضرة العلية ونصب قاضياً حنفياً من الحاضرة وقاضياً مالكياً يفصلان ما خف من القضايا ويراسلان بما أشكل عليهما المفتين من المذهبين ويعقد في كل أسبوع مجلساً لفصل تلك القضايا
стр. 902
ومن مفاخره تعطيل الخمر والتنكيل بالخمارين وهدم الحانات وإجراء الصدقات وعهد بالولاية لابنه حمودة وراسل الدولة العلية في ذلك وجاءته الخلعة والتقليد في محرم سنة ١١٩١هـ وتمت له البيعة وتوفي آمن السرب عالي الكتب سنة ١١٩٦هـ.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء حمودة الريكلي ومحمد سعادة ومحمد الشحمي وقاسم المحجوب ومحمد الغرياني ومحمد الورغي ومحمد بن سعيد ومحمد الطوير.
الطبقة الخامسة والعشرون
لما تخلى المولى علي باشا عن الملك لابنه حمودة بايعه أهل الحل والعقد في التاريخ المذكور فاستقام أمره ورسخت قدمه وكان والده بلغ الغاية في تربيته وتهذيبه وتأهيله للإمارة على يد فحول من علماء دولته عارفين بالرياسة والسياسة منهم وزيره حمودة بن عبد العزيز فنشأ في دوحة الإمارة شهماً ورمى في كل غرض من أغراضه سهماً فكان في سلسلة الجيد الحسيني واسطة عقد ودرة يتيمة ذا همة باذخة وحال شامخة حازماً حامياً للذمار غير متحمل للعار خبيراً بسياسة البلاد نصوحاً لها حسن التدبير محباً للعلماء والصالحين يباشر المهمات بنفسه مقتصداً في شخصياته حافظاً لأموال المسلمين عن غير مصالحهم لا تأخذه في الله لومة لائم وحارب البلنسيان سنة ١٢٠٤هـ ثم انفصل معهم على صلح وأرسل وزيره يوسف صاحب الطابع إلى دار الخلافة فأحكم وصلته معها سنة ١٢١٠هـ وفي سنة ١٢١٨هـ لما كانت مجاعة كبرى بإفريقية وجه العالم الطائر الصيت الشيخ إبراهيم الرياحي لحاضرة فاس بمكتوب إلى سلطانها الشريف المولى سليمان في استمداد الميرة فأعظم السلطان مقدمه وأمده بمطلبه. وتقدمت الإشارة إلى ذلك في ترجمة هذا الشيخ وكانت له حروب مع الجزائريين آلت بانهزام جيشه، ولما بلغه خبر الهزيمة هاله الأمر فنهض رجال دولته كالوزير يوسف صاحب الطابع ومن تابعه من الوجوه كالهمام محمد الجلولي وهوّنوا عليه الخطب وجهزوا في الحين من أموالهم محالاً أخرى وخرجت تلك الأمحال لنظر وزيرهم المذكور في احتفال مشهود في أفخم شارة وأحسن زي والتقى بجيش الجزائريين وبعد قتال انتصر هذا الوزير واستولى على محلتهم بما حوت من الذخائر والنفائس ورجع مؤيداً منصوراً غانماً في ربيع الأنور سنة ١٢٢٢هـ وزينت البلاد وتوالت الأفراح ومن ذلك اليوم نزعت البلاد أطمار مهانة الجزائريين ولبست ثياب العز وأصبحت رافلة في جلابيب أمنها وهو
стр. 903
الذي حكَّم المذهب المالكي في ثبوت الأهلة وكان يشق على المتعمقين من مقلديه تقليد المذهب الحنفي حتى كانوا يصومون ويفطرون سراً إذا لم يكن ثبوت ذلك على قواعد مذهبهم وهم السواد الأعظم قال: كلهم على هدى من ربهم ورحمة وحسبنا تقليد إمام دار الهجرة لا سيما وأهل مذهبه هم السواد الأعظم في المملكة فأمر القاضي المالكي بمباشرة ذلك ولم يزل العمل جارياً بذلك إلى هذا العهد، وله مآثر كثيرة كالأبراج الضخمة والقشل الكثيرة داخل الحاضرة وخارجها والسوق القريب من سوق التركي، وقصره المطل عليه البالغ الغاية في الاحتفال وهو من أفخم الآثار يباهي به في الأقطار، وكانت له أساطيل لنكاية العدو في غاية المنعة وبالجملة فإن هذا الأمير تصرف في المملكة تصرف الأب الشفوق على أبنائه، وأحيا لها ذكراً وفك لها أسراً. وتوفي عالي الكتب عظيم الجاه بعيد الصيت فجأة ليلة الجمعة مفتتح شوال سنة ١٢٢٩هـ وفي يوم الجمعة الموافق ليوم المولد النبوي من السنة أقيمت صلاة الجمعة بجامع الحلفاوين الذي أنشأه وزيره أبو الخيرات يوسف صاحب الطابع وحضر هذا الأمير الصلاة به في وجوه دولته وكان يوماً مشهوداً ووضع به أربع خزائن من نفائس الكتب العلمية في يوم كان جامع الزيتونة لا كتب به وأوقف عليه وعلى المدرسة المؤسسة حذو هذا الجامع أوقافاً طائلة وله غير ذلك من الآثار الخالدة والمرافق الجليلة والسبل النافعة والصدقات الجارية مع ما اشتهر به من محبة العلماء والصالحين ومات شهيداً في خبر طويل في صفر سنة ١٢٣٠هـ على عهد المولى محمود بأي الآتي ذكره وفي ليلة العيد التي مات فيها المولى حمودة تمت البيعة لأخيه عثمان باتفاق من أهل الحل والعقد وكانت أيامه على قصرها أيام خصب ورخاء واستشهد بعد خلعه ليلة عاشوراء سنة ١٢٣٠هـ وبويع لابن عمه الأمر محمود باشا ابن المولى الباشا محمد ابن المولى حسين بن علي صبيحة الليلة المذكورة وباشر الأمر برفق وأمنت في أيامه السبل ودانت لطاعته القلوب وكان مفضالاً ذا حلم وحنان محمود الأخلاق طيب الأعراق سمحاً مشتهراً بالكرم وفعل الخير إلا أن الإمارة وافته على كبر سن مع المرض فمال للراحة وفوض الأمر لبنيه. ومن آثاره البيت الذي أنشأه بقصر باردو الذي لم يسبق نظيره في البلاد جعل سقفه من البلور المعقود بالصفائح المذهبة بإتقان بديع وألبس حيطانه الرخام المنمق المرونق على أبدع شكل وأجمل منظر وأنفق الأموال العظيمة في جلب الأقوات الكافية لسد خلة المملكة في مجاعة عام ست وثلاثين وذلك عقب الطاعون الفتاك الذي دام أكثر من عامين. وكانت مدته في أمن وسرور إلى أن توفي في رجب سنة ١٢٣٩هـ بعد أن عهد بالإمارة لابنه المولى حسين باشا وتمت له البيعة بعد وفاة
стр. 904
والده وقام بالأمر أحسن قيام. ومن الحوادث التي كانت في أيامه إمداد الحضرة السلطانية بالعساكر والميرة. إعانة على قتال العدو المحارب لها. ومنها عقد صلح مع دولة الصاردو بعد وقوع الوحشة. وفي محرم سنة ١٢٤٦هـ استولت فرنسا على الجزائر ثم على باقي الثغور شيئاً فشيئاً وقدم بعض أهلها لحضرته فأوسع لهم الكنف وأحلهم على الغبطة والأمان وفي سنة ١٢٤٧هـ رتب الجند النظامي وأحكم أساسه ورتب قوانينه وابتنى لسكناه قشلة المركاض وهي من المباني الضخمة، وفي السنة وافته الخلعة النظامية السلطانية وكان لباسه لها في يوم مشهود ومحفل عظيم وهو المجدد لرباط المنستير وفي أيامه وقع مسك الغيث وجزع الناس من ذلك وطاشت أفكارهم ولما رأى هذا الأمير شدة الحال أمر العلماء بقراءة صحيح البخاري بجامع الزيتونة فاجتمعوا وفرقوا أسفاره في جماعتهم وختموه في يوم واحد وهو أول مَن سنّ هاته السنة وجرى العمل إلى هذا الوقت بقراءته على نحو ما ذكر عند الشدة. وكان شهماً هماماً وقوراً محباً لمعالي الأمور محافظاً على شارات الملك كريم النفس لطيف الأخلاق شجاعاً كثير العطايا أمنت في دولته العباد والبلاد، توفي في محرم سنة ١٢٥١هـ.
تنبيهات
الأول: كان في عهد الأمير المولى محمود باشا المذكور طاعون جارف دام أكثر من عامين مات فيه في بعض الأيام آلاف ثم أعقبته مجاعة. وللدول في شأن الطاعون قوانين جرى بها العمل براً وبحراً لاتخاذ ما يلزم لقطع عدواه على زعمهم وتعرف بالكرنتينة ووقعت محاورة في أن ذلك بين أبي عبد الله محمد المناعي المذكور بهاته الطبقة وبين العلامة الهمام العمدة الإمام محمد بيرم شيخ الإسلام الثاني فهو يقول بالجواز والمناعي يقول بالمنع وألّف كل رسالة حافلة في الاستدلال على رأيه بالنصوص الفقهية. والحاصل في ذلك أن العلماء افترقوا في هذا الطاعون إلى قسمين: قسم يرى الاحتفاظ وعدم الخلطة وربما ساعده بعض ظواهر الشرع العزيز منها "فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد" مع دليل التجربة فإن غالب من تحفظ حفظه الله مع اعتقاد أن المؤثر هو الفاعل المختار وكان هذا ينظر إلى رأي سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وإلى هذا مال شيخ الإسلام. ومنهم مَن لا يرى هذا الاحتفاظ وربما ساعده بعض ظواهر الشرع العزيز كقوله: ﴿لا عدوى﴾ ويرى التسليم إلى ما جاء في القدر. ومن القدر لا يغني الحذر. وهذا رأي سيدنا أبي عبيدة ﵁ وإليه مال المناعي. وهاته المحاورة أشار إليها الشيخ رفاعة الطهطاوي
стр. 905
في صدر رحلته وتعرض للمسألة مؤلف الاستقصاء في استقصائه ومال إلى المنع، كما تعرض لها الشيخ محمد السنوسي في استطلاعاته. والشيخ رفاعة المذكور اجتمع به الشيخ أحمد بن أبي الضياف في باريز سنة ١٢٦٣هـ حين توجه لها مع الأمير أحمد باشا باي.
الثاني: وقعت محاورة أيضاً بين هذين الشيخين في كورية الأرض وبسطها فالبسط للمناعي والكوربة لخصمه ورجح بأدلة ذكروها، وهذا الخلاف مبسوط في روح المعاني عند قوله عزّ ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ وقد مال الكثير من المتأخرين إلى الكورية ومنهم الشيخ محمد الكنتاوي بأرض أزوات بالمغرب من بلاد تنبكتو وكان من أعلام العلماء الأئمة الفضلاء، ألف مختصراً في فقه مالك ضاهى به مختصر خليل وألفية ضاهى بها ألفية ابن مالك، وله مصنفات في كثير من العلوم الظاهرية والباطنية وله أوراد وأحزاب كأحزاب الإمام الشاذلي. مات سنة ١٢٢٩هـ وخلفه حفيده المسمى باسمه.
الثالث: اعلم أنه كان للأمراء الدايات نفوذ عظيم ولبعضهم آثار مجيدة خالدة من أوائل المائة بعد الألف إلى أواخرها وتقدم ذكر بعضهم ثم انحط نفوذهم، وإليك أسماءهم على نسق تتميماً للفائدة ناقلاً ذلك من كناش بخط الإمام الهمام شيخ الإِسلام بيرم الرابع ونصه ببعض تصرف: هذا ترتيب الدايات من حين الفتح العثماني. اعلم أن ذلك الفتح لست مضين من جمادى الأولى سنة ٩٨١ هـ على يد سنان باشا وعندما أجمع على العود إلى الروم رتب بالبلد أربعة آلاف من العسكر وانتخب منهم أربعين رجلاً وجعل نظر كل مائة إلى واحد من الأربعين واستمر الأمر على ذلك الترتيب إلى سنة ٩٩٩هـ وقد ظهر من أولئك الأربعين جور عظيم فثار عليهم الجند ووقعت مقتلة عظيمة ثم حصل الاتفاق على تقديم واحد يتولى الأمر ويلقب بالداي فأول مَن ولي ذلك إبراهيم داي رودسلي فمكث نحو الخمس سنين ثم سار إلى الحج وعاش إلى ما بعد الستين وألف. وولي بعده موسى سنة ١٠٠٩هـ فمكث سنة وذهب للحج فأرسل العسكر إليه أن لا يعود وتولى عثمان دايا بعده وعلى عهده كان قدوم الأمم الجالية من الأندلس وذلك في سنة ١٠١٧هـ وهو أول مَن انفرد بالكلمة من الدايات، ومن مآثره قنطرة على طريق بنزرت وتوفي سنة ١٠١٩هـ. وتولى بعده يوسف دايا ومآثره شهيرة توفي في ٢٣ رجب سنة ١٠٤٩هـ. وتولى بعده أسطى مراد وهو من الأعلاج وله مآثر شهيرة في البحر إذ كان من رؤسائه وهو المحدث لمرسى غار الملح لحصار قليبة وتوفي سنة ١٠٥٠هـ، وتولى بعده أحمد خوجة وكان قبل ولايته رئيس خوجات الديوان ومن مآثره البرج الثاني
стр. 906
بحلق الوادي وتوفي سنة ١٠٥٧هـ وهو صاحب التربة أمام مسجد سيدي علي بن زياد، وتولى بعده الحاج محمد لاز، ومن مآثره قنطرة قرب الشيخ أبي حميدة على طريق القيروان، توفي في ١٣ شوال سنة ١٠٦٣هـ وهو صاحب التربة بالقصبة الشهيرة بتربة لاز، وتولى بعده الحاج مصطفى لاز وفي أيامه هجم الإنكليز على غار الملح وأحرق مراكب كانت بها ثم وقع صلح معه وبسبب ذلك بنيت أبراج به وجابية، ومن مآثره المسجد المعروف بمسجد لاز وتوفي في ١٠ ذي الحجة سنة ١٠٧٥هـ. وتولى بعده الحاج مصطفى قركوز وكان ظلوماً وعزل لخلل بعقله في ذي القعدة سنة ١٠٧٦هـ ودفن داخل القصبة خوفاً عليه من أولياء الذين قتلهم أن يخرجوه من قبره. وتولى بعده الحاج محمد أغلي وهو محبس الكتب على مفتي الحنفية وعزل سنة ١٠٨٠هـ، وتولى بعده الحاج شعبان خوجة وقبل ولايته كان رئيس خوجات الديوان وعزل في ذي الحجة سنة ١٠٨٣هـ وتوفي بزغوان وجيء به ودفن بتربته المقابلة لمسجد الطراز. وتولى بعده الحاج محمد منتشالي ووقع خلعه بعد أحد عشر شهراً وأرسل لزغوان وبها توفي وجيء به ودفن بدريبته المشهورة. وتولى بعده الحاج علي لاز ووقعت بينه وبين الأمير مراد بن حمودة باشا فتنة عظيمة تعرف بواقعة الملاسين فكانت الغلبة لمراد وقتل الداي في منتصف صفر سنة ١٠٨٤هـ فكانت مدته ثلاثة أشهر، ومن ذلك التاريخ استقل مراد بأي وصار الداي يولي من قبل الباي، فولى مراد دايا الحاج مامي المعروف بالجمل وهو صاحب التربة بزنقة الخمسة بسيدي القبة وعزل في فتنة الأميرين الأخوين محمد وعلي ابني مراد في أواخر ذي الحجة سنة ١٠٨٨. وتولى بعده الحاج محمد بشارة وكان رئيس خوجات الديوان وبعد ثلاثة أشهر عزل وأعيد الحاج مامي الجمل فمكث أياماً واضطربت عليه الأحوال وتكررت غلبة كل من الأخوين محمد وعلي وتعاقب العزل والنصب فسلم الحاج مامي والتجأ إلى زاوية الشيخ بلغيث القشاش وأخرج منها بصورة أمان وسير به إلى علي باي بنواحي الكاف وكان ذلك آخر العهد به، وتولى أوزن أحمد وبعد ثلاثة أيام ظهر أن علياً باي نصب دايا من جملة العسكر الذين معه بالمحلة وهو محمد المعروف بطباق، كان قبل ولايته من رؤساء البحر فلما سمع به أوزن أحمد خلع نفسه وذلك سنة ١٠٨٨هـ ثم عزل علي باي محمد طاباق سنة ١٠٩٢هـ وقتله خنقاً وولى أحمد شلبي في شوال سنة ١٠٩٣هـ فسار أولاً برفق ثم رام الاستبداد بالأمر لما رأى من الفتن بين الأخوين وإذ ذاك اصطلح الأخوان وظهرت بينهما وبين الداي محاربات فكانت الغلبة له فاستنجد الأخوان بالجزائريين وهو أول استنجاد وقع من ملوك تونس بهم فحاصروا الداي المذكور بتونس مدة تقرب من سنة إلى أن وقع فراره ثم
стр. 907
إمساكه وحبسه ثم قتله في رجب سنة ١٠٩٧هـ خنقاً وفي اليوم قتل الأمير علي باي وتولى دايا الحاج بقتاش خوجة وكان رئيس خوجات الديوان وهو صاحب التربة المجاورة للسلسلة ببطحاء القصبة، وبعد مدة من ولايته قدم عليه وظيف الباشا لك من جناب السلطنة فجمع بينه وبين الداي لك وبقي على ذلك إلى أن توفي سنة ١١٠٥هـ وتولى حفيده علي دايا وسار سيرة حسنة وبقي عليها إلى أن وقع قتال بين الجزائريين وبين محمد باي ببحيرة الكاف وكانت الهزيمة عليه وذلك في ٥ ذي القعدة سنة ١١٠٥هـ وفر الأمير إلى تونس فوجد الداي المذكور ركب البحر فاراً إلى الروم وتولى مكانه إبراهيم خوجة وأعاد الجزائريون محاربة محمد باي وحاصروه بتونس حتى فر منها وتولى صهره محمد بن شكر الإمارة وعزل الداي المذكور وولى مكانه الحاج محمود فمكث ثلاثة عشر يوماً وعزل وولى مكانه محمد طاطارا فمكث خمسة أشهر وتغلب محمد باي على ابن شكر وقتل طاطارا وولى مكانه يعقوب وكان قد طعن في السنن فعزله وولى مكانه محمد خوجة رئيس خوجات الديوان وكانت ولايته في ربيع الأول سنة ١١٠٧هـ وعزله مراد المعروف ببوباله في رمضان سنة ١١١٠هـ وولى محمد آغة الصبايحية ثم عزله في ربيع الأول سنة ١١١٢هـ وولى مكانه محمد قهواجي وعزله إبراهيم الشريف سنة ١١١٤هـ وولى مكانه قرة مصطفى وهو صاحب التربة أمام دار إسماعيل كاهية بحومة يوسف داي، ثم عزله ولقب نفسه بالوالي. ولما ولى الأمير حسين بن علي في ٢٧ ربيع الأول سنة ١١١٧هـ ولي مكانه صاري محمد خوجة وهو المعروف بالأزعر فوقعت بينه وبين الأمير حسين بن علي مخالفة أفضت إلى قيام العسكر على الداي وعزله وقتله وذلك في ١٧ رمضان سنة ١١١٧هـ؛ فولى مكانه قرة مصطفى المذكور وتوفي في تلك السنة وبعده الحاج علي سافر وهو صاحب الدار الكائنة برأس الشبارلية وقد أخبرني الجد أنه كان قبل الولاية إماماً للأمير حسين بن علي حتى إنه كان يلبس وهو داي فرجية الفقهاء أحياناً وتولى بعده الحاج محمود في سنة ١١٥٣هـ وبعده الحاج علي سنة ١١٥٤هـ وبعده عمر ولم تطل مدته وبعده محمود وتوفي أواخر صفر سنة ١١٥٦هـ وبعده حيدر خوجة وبعده الحاج عبد الله وبعده علي سنة ١١٦٦هـ وتوفي سنة ١١٦٨هـ ودفن بالجلاز أمام تربة القلاشنة وبعده علي كردغلي ووقعت وقعة الجزائريين التي قتل فيها علي باشا وعزله محمد بن حسين باي وولى مكانه الحاج حسين المورالي وتوفي سنة ١١٧٣هـ ودفن بتربته بحوانت عاشور وولي بعده الحاج حسين قارة دنغزلي وهو والد الشيخ إبراهيم الشهير بولد لاغه المشهود له بالولاية ومدفنه ومدفن ابنه بالتربة قرب السبابطية وبعده مصطفى الشهير بالزغواني وبعده حسين بن محمد وتوفي سنة ١١٩٦هـ وبعده إبراهيم
стр. 908
بوشناق سنة ١١٩٩هـ ثم عزل سنة ١٢٢٠هـ وبعده أحمد البوندي وعزل في محرم سنة ١٢٣٧هـ وتوفي بعد عزله بثلاثة أيام ودفن بتربة بحوانت عاشور وبعده فيض الله وكان قبل ولايته آغة بيت المال وتوفي بعد عزله في شعبان سنة ١٢٣٨هـ ودفن بتربة إبراهيم بوشناق وبعده عمر بن محمد وتوفي سنة ١٢٤٧هـ ودفن بتربة الحجار وبعده حسن وتوفي فجأة في ربيع الثاني سنة ١٢٤٨هـ ودفن مع الداي قبله وبعده مصطفى وعزل في جمادى الثانية سنة ١٢٥٨هـ وبعده أحمد آغه. انتهى. وقد أتى على ذكرهم صاحب الخلاصة النقية انظره.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء حمودة بن عبد العزيز وصالح الكواش وعمر المحجوب وأخوه محمد ومحمود مقديش وحسن الشريف ومحمد المناعي وإسماعيل التميمي.
الطبقة السادسة والعشرون
لما توفي المولى الأمير حسين باشا تمت البيعة لأخيه المولى مصطفى باشا فابتدأ الأمر من حيث انتهى أخوه وأقر رجال الدولة على مراتبهم وكانت أيامه أيام سكون وهدوء وأمن وعافية وأعاد المجلس الشرعي إلى عادته من الاجتماع بحضرته يوم الأحد من كل أسبوع. وكان ذا ذهن وقاد وفهم مصيب لما يرد عليه من النوازل. وهو أول من لبس النيشان من بني المولى حسين فوافاه من الدولة نيشان أمير أمراء في شعبان سنة ١٢٥١هـ ومعه سيف على ولبسهما في يوم مشهود وهو أول من صاغ نيشان الافتخار ونقش عليه اسمه بحجر الديامنت وألبسه وزير الأمور الخارجية. وفي شعبان سنة ١٢٥٢هـ استأذن الشيخ إبراهيم الرياحي في السفر لبيت الله الحرام وأسعفه لذلك حسبما تقدمت الإشارة لذلك في ترجمة هذا الشيخ. وتوفي هذا الأمير في عاشر رجب سنة ١٢٥٣هـ وفيه تمت البيعة لابنه المولى المشير أحمد باشا باي وبمجرد ما تمت له البيعة شرع في إعادة شباب الدولة وتضخيمها وباشر بنفسه دقيق أمور الدولة وعظيمها ومهد الأحوال وجنّد الجنود وجبى الأموال وخلّد آثاراً ارتقى بها مرتقى شامخاً معلوماً باذخاً وجمع من العسكر النظامي ما يزيد على الثلاثين ألفاً وبنى لهم القشل والأبراج العظيمة وأسكنهم بها. وفي سنة ١٢٥٤هـ أرسلت له الدولة العلية الخلعة السنية ونيشان المشيرية وذلك على عهد السلطان محمود خان فتلقى لباس المشيرية في موكب مشهود، وفي السنة جعل مرتباً لأهل المجلس الشرعي المالكي مثل المجلس الشرعي الحنفي وفي السنة توجه الشيخ إبراهيم الرياحي لدار الخلافة في مهم وتقدمت الإشارة إلى ذلك في ترجمة هذا
стр. 909
الشيخ. وفي سنة ١٢٥٦هـ وجه عنايته للعلم الشريف وإعانة طلابه بما بقي أثره وكتب على صفحات الأيام خبره فاشترى كتباً كثيرة لها بال وأضاف لها كتب آله الموضوعة بخزائن أسلافه وأمر شيوخ المجلس الشرعي والعلماء بالحضور بجامع الزيتونة لقبولها ولما وصلت تولى العلماء تطبيقها على أسمائها وجعل برنامج لها ثم وضعت في خزائنها العشرين زين بها صدر الجامع على يمين المحراب وشماله وكتب على كل مجلد منها رسم تحبيسه وأباح للمنتفع به إخراج الكتاب من موضعه مدة عام فقط ورتب لها وكيلين يأتي كل أحد منهما إلى الجامع على التناوب لمناولة الطلبة ما يحتاجونه وفي رمضان سنة ١٢٥٨هـ رتب ثلاثين مدرساً بهذا الجامع نصفهم من الحنفية ونصفهم من المالكية وعين لهم جراية من بيت المال كما رتب اثني عشر مدرساً ست حنفية وست مالكية هم دون الرتبة الأولى في المرتب على أن يقرىء كل واحد منهم بالجامع درسين في أي فن وفي أي وقت تيسر ومن تخلف من غير عذر شرعي لا يستحق المرتب أيام تخلفه إلا يومي الخميس والجمعة وشهر رمضان وأيام العيدين وجعل النظر في ذلك لشيخي الإِسلام الحنفي والمالكي والقاضيين الحنفي والمالكي وعين لهم جراية من بيت المال بشرط أن يأتي كل واحد من الأربعة يوماً إلى الجامع لتحريض المتكاسل وكتب في ذلك منشوراً بالذهب وعلقه عند باب الشفا من الجامع وميز هؤلاء المدرسين بأن يأتوا في الأعياد مجتمعين يؤمهم كبير أئمة الجامع ويقبلهم بعد أهل المجلس الشرعي ولم يزل يوجه إليهم العناية حتى ظهر العلم وتجدد شبابه وسال سيله وعبّ عبابه وانفتح للاجتهاد بابه وظهر بالحاضرة أعلام جلة نجوم أهلة من حنفية ومالكية هم شموس ويدور تتجمل بهم المحافل والصدور. وفي ذي القعدة سنة ١٢٦٢هـ توجه لباريس وكان الاحتفال به هناك عظيماً ورجع لتونس في محرم سنة ١٢٦٣هـ وفي السنة بعدها منحت دولة فرنسا إدخال السلك البرقي للمملكة التونسية على شروط انعقدت بينهم في ذلك ولما وقعت الدولة العثمانية في الحرب مع الروس جهز لها آلافاً من العسكر النظامي بجميع لوازمهم وجهها إعانة لخليفة الإِسلام على عهد السلطان عبد الحميد خان. وهو أول من اتخذ من ملوك هاته الدولة عمل المولد النبوي بإحياء ليلته والحضور لقراءته صباحاً بجامع الزيتونة في شارة عظيمة وحفل فخيم وهو عمل مشكور وكان شهماً حازماً ذا صولة عظيمة يعطي العطايا السنية ولم يزل في صولته ساعياً في تضخيم دولته إلى أن أصابه فالج ثم وافته المنية في رمضان سنة ١٢٧١هـ وانعقدت البيعة بوفاته لابن عمه المولى لمشير محمد ابن المولى حسين باشا ابن محمود باشا نشأ هذا في عز دولتي جده وأبيه. وفي ذي الحجة سنة ١٢٧٢هـ رجعت عساكر
стр. 910
الجهاد الذين توجهوا لدار الخلافة الإِسلامية فتلقاها بغاية البر والإنعام والمبرة والإكرام وأسقط على الرعية الكثير من الإداآت والضرائب وساعده البخت بحصول الخصب العظيم الذي بعد العهد بمثله واجتهد في تأمين الرعية في الحواضر والبوادي وحصل بذلك الاطمئنان واعتنى بالمجلس الشرعي فبنى دار الشريعة المطهرة وجعل الحكم فيها يومياً يحضر هناك القاضيان المالكي والحنفي ويحضر مع كل واحد منهما في كل يوم مفت من شيوخ مذهبه ويجتمع جميع أهل المجلس في كل يوم خميس وفتحه في الخامس عشر من ربيع الأنور سنة ١٢٧٣هـ وهو الذي أمر بجلب ماء زغوان للحاضرة وإقامة مجلس بلدي بها وبنى بين قصور باردو قصراً تجار دونه الألباب أتى فيه من بدائع الأبنية بالعجب العجاب وهو الآن خزينة الآثار العتيقة والتحف المستظرفة ويعرف بالمتحف العلوي وهو أول من ضرب سكة الذهب وكانت قبل مسكوكات الفضة والنحاس لا غير وفي محرم سنة ١٢٧٤هـ أصدر منشور عهد الأمان لسائر السكان في حفظ النفس والمال والعرض وعم بذلك أهل الملل الملك وجمع أعيان العلماء ورجال الدولة للمفاوضة في هذا العهد، وفي سنة ١٢٧٦هـ صدر الإذن بتأسيس مطبعة لصحف الأخبار والكتب وكان شهماً ثبتاً حازماً بحاثاً على الرعية كثير العطايا سليم الطوية وتوفي في صفر سنة ١٢٧٦هـ وانعقدت البيعة بعده لأخيه المولى المشير محمد الصادق باشا باي وأعمل الحزم في إنجاز مشروع أخيه بإتمام القوانين التي انبنى عليها عهد الأمان وجمع خاصة العلماء والأعيان فاستكملوا وضعها، وفي صفر سنة ١٢٧٧هـ خرج من مملكته إلى الجزائر حين قدم إليه امبراطور فرنسا لإحكام علاقة المجاورة بين المملكتين وأكرم الأمبراطور نزله ولما رجع رتب المجالس لتنفيذ قانون عهد الأمان وفي السنة كان نشر جريدة الرائد وفي السنة بعدها وصل ماء زغوان للحاضرة وفي سنة ١٢٨٠هـ رتب إعانة قدرها اثنان وسبعون ريالاً على عموم الأفراد وصدرت بذلك أوامره وحين انتشر هذا الخبر بالمملكة لم يقع قبولها واختلف صنيع الأهالي فالعقلاء رفعوا الشكوى طالبين التخفيف وغيرهم ولا سيما الأعراب وسكان الجبال تجاهروا بالعداوة وأشهروا السلاح وتعمدوا البغي والفساد في البلاد وزعيم هاته الطائفة علي بن غزاهم أصله من ماجر واشتدت بذلك وطأة الاضطرابات والإحن والهرج والفتن وقامت المملكة على ساق حتى صارت دار حرب وإذ ذاك صدر أمره بإيقاف العمل بقانون عهد الأمان وإسقاط إعانة الاثنين والسبعين ريالاً وخرج الوزير رستم بمحلة في طلب رئيس البغاة علي بن غزاهم ووقع القتال بين الفريقين وآل الأمر إلى انهزام البغاة وفرار علي بن غزاهم إلى خارج حدود المملكة وخرج الوزير أحمد
стр. 911
زروق إلى الساحل بمحلة هو أميرها ووصل الساحل في جمادى الأولى من السنة وانتصر على البغاة وظفر بالرؤساء منهم الدهماني البوجي وقتلهم وقدم عليه وفود أهل الساحل منقادين نادمين من جملتهم وفود المنستير يؤمهم العلماء أهل المجلس الشرعي فقابلهم بشدة وحكم الأغلال في أعناقهم وأرجلهم وأولهم رئيس المجلس الشرعي الشيخ أبو عبد الله محمد الجدي بوزقرو وشدد تنكيله وأمر بإزالة عمامته في ذلك لمجلس بلفظ مستهجن ووفد صفاقس فقابلهم بأقل من مقابلة أهل المنستير ورئيسهم الشيخ عبد العزيز الفراتي وسجنهم في جملة من سجن وحكم يد النهب في الأموال وتفنن في سلبها حتى بلغ السكين العظم والسيل الربا فكأنه مأمور بإيقاد فتنة من جمر رمادها وأغرمهم أموالاً أفنت الطارف والتالف ورهنوا أملاكهم عند الوافدين على المملكة وعند طائفة من اليهود وأصبحت بلاد الساحل خاوية على عروشها وذهب هذا الصقع الذي هو عمران هاته المملكة كأمس الدابر ولم يبق به إلا من هو مثقل بالديون ويده فارغة من الكسب ثم ذهب بحملته لصفاقس وقابس ثم رجع لتونس بعد استيفاء ما أفنى اللحم والشحم وانتهى إلى العظم وللشيخ مصطفى بن عزوز المذكور بهذه الطبقة يد في إطفاء هاته الثورة بتوسطه بين الدولة وابن غزاهم المذكور وازدادت المصائب وتكررت النوائب في سنة ١٢٨٤هـ والسنة بعدها بحصول المجاعة التي بعد العهد بمثلها والمرض الذي أفتك بكثير من الأهالي حتى صار وبائياً ولم يستقم حال البلاد والعباد إلا بعد عشرات من السنين ولهاته الأسباب صارت مالية الدولة في خطر من الديون التي تراكمت عليها وتداركها بتركيب لجنة تعرف بالكمسيون المالي رئيسها الوزير خير الدين وذلك سنة ١٢٨٦هـ وفي سنة ١٢٨٤هـ أمر بصنع نيشان عهد الأمان وفي سنة ١٢٨٧هـ قسم إدارة الدولة إلى أقسام وهي الوزارة الكبرى ووزارة المال ووزارة العمالة ووزارة الخارجية ولها النظر على الحرب، وفي سنة ١٢٨٨هـ وجهت له الدولة العلية بواسطة الوزارة الخيرية فرمانها العالي مع سيف مرصع ونيشان مجيدي وفي سنة ١٢٨٩ هـ أذن بمجلس النظافة يجري عمله على مقضى قانون ذي فصول وفي السنة بعدها أقام مجلساً للصحة يجري عمله على مقتضى قانون ذي فصول وفي سنة ١٢٩١هـ جعل قشلة العطارين سجناً وجعل له حفظة لتنظيفه وأجرى عليه مؤنة كافية وجعل لذلك قانوناً خاصاً وفيها جعل قانوناً للفلاحة وفيها أضاف إلى خزائن جامع الزيتونة ست خزائن وملأها بالكتب النفيسة وأجراها على قانون المشير أحمد باشا وصار به أكثر من عشرة آلاف مجلد وفي السنة أحدث مكتباً عاماً أوقف عليه أوقافاً لها بال وسمي بالصادقية وأجراه على نظام المكاتب الحديثة لتعليم أبناء الأهالي العلوم الدينية
стр. 912
واللغات الأجنبية والمعارف الأوروبية وجعل لذلك قانوناً اجتمع على ترتيبه أعيان علماء العصر مشتمل على فصول وأجرى به ما يلزم للتلامذة من أكل وكسوة وفراش وفيها أصدر قانوناً مؤلفاً من ستين فصلاً لتنظيم ديوان الشريعة المطهرة اجتمع على تأليفه شيوخ المجلس الشرعي وبه تعينت مراسم خطة القضاء والإفتاء بالحاضرة وبلدان المملكة والأعمال التي يجري عليها عمل الوكلاء والأعوان والخصماء وفيها وضع قانوناً لضبط حجج الإشهاد في دفاتر خاصة يجري عليها عمل شهود المملكة وفي السنة أذن بجمع أوقاف المملكة لنظارة جمعية بالحاضرة تجعل من تحت نظرها وتصرفها وكلاء يقومون بلوازم شعائر الأوقاف وما يفضل من ذلك يدخل في خزينة الجمعية تدفع منه مرتبات مشايخ المجالس الشرعية والقضاة بالمملكة وعملها يجري على مقتضى قانون مؤلف من فصول. وفي السنة كان إجراء لنور الكهربائي بالحاضرة ولما رأى النقص الحاصل في مداخيل الدولة والفتور الحاصل في العلم أمر بجمع المدرسين وشيوخ المجلس الشرعي بجامع الزيتونة واستنهض همتهم العلمية وزاد لهم في الجراية وذلك في سنة ١٢٨٧هـ ثم في ١٢٩٢هـ استدرك ذلك بقانون علمي يؤلف من ٦٧ فصلاً اجتمع على تأليفه أعيان علماء العصر وجعل النظارة العلمية لنظر حسين الجركسي وزير الاستشارة والمعارف والنافعة وجعل للنظارة العلمية نائبين عنه من أعيان المدرسين يباشران النظر على أعمال الجامع كل يوم وعن الامتحان العام لسائر طبقات التلامذة للحصول على شهادة في ماي من كل سنة ومن أحرز بعد الامتحان على رتبة التطويع وهي رتبة تؤهل صاحبها لإقراء العلوم تطوعاً بجامع الزيتونة بعد استصداره إذناً من شيوخ النظارة العلمية وهم شيخا الإسلام والقاضيان الحنفي والمالكي وتخول صاحبها تعاطي الشهادة بعد الحصول على أمر علي من أمير البلاد وبذلك تكاثرت الدروس والمدرسون وأقبل الطلبة على العلم والمدرسون الذين لهم جرايات والمتطوعون على التعليم وهي مزية فاخرة له خالدة.
وحاصل ما قدمناه في شأن العلم والعلماء أن جامع الزيتونة أدام الله عمرانه هو الكلية الوحيدة بإفريقية والكعبة التي يؤمها طلبة العلم من الجهات ومنها يتخرج الفحول من العلماء والمدرسون به هم الذين يبثون في الأمة روح الشرع العزيز وقواعد الدين الحنيف والتمكين من اللغة العربية الفصيحة التي أصلها مكين وموردها عذب معين. وفي السنة وقع إحياء المكتبة المعروفة بالعبدلية نسبة لأبي عبد الله الحفصي التي بصحن الجنايز من الجامع المذكور وضع فيها ما يزيد على الثلاثة آلاف مجلد من نفائس الكتب منظمة على أسلوب عجيب وترتيب غريب حتى أن الراغب للكتاب يتناوله ويطالعه أو ينسخه بأيسر وجه وحصل بذلك نفع عظيم للطلبة
стр. 913
لا سيما الغرباء وجعل لها ثلاثة قيمين تستمر إقامتهم سائر اليوم على التناوب وأجرى عليهم الجرايات الكافية وجعل لذلك قانوناً به ستة عشر فصلاً. وفي السنة واصل بين المملكة التونسية وسائر ممالك الدنيا بسلك البرق الذي يبلغ به الخبر في طرفة عين ومد سكة الحديد بين تونس وحلق الوادي وباردو ثم من تونس إلى أطراف الحدود الغربية. وفيها كانت الدولة العلية في حرب مع الروسيا فوجهت إليا إعانة بالمال وغيره لها بال. وفيها وقع تحرير قانون في خدمة العمال وقانون للمتعينين للأعراب وغيرهم تجري عليه إدارة خدمة العمال ومقدار ما يأخذه المتعينون من المجرمين. وفي سنة ١٢٩٦هـ وقع منه زيادة الاهتمام بحفظ الصحة فعين قشلة البشامقية مستشفى وأقام بها أطباء ومرافق وتحسينات وعين له ما يلزم لإقامة شؤونه من أوقاف صاحبة الخيرات الرفيعة الشأن والمكانة عزيزة عثمانه فجاء على أحسن نظام وأكمل إحكام على مقتضى قانون ذي فصول ٤١ وهو المعروف بالمستشفى الصادقي. وفي السنة صدر الإذن بإقامة مجلس شورى تحت رياسة الوزير الأكبر للنظر في مهمات الدولة الداخلية والخارجية وهاته التأسيسات خلدت له جميل الذكر وغالبها كان بسعي من الوزير السياسي الخطير أبي الخيرات خير الدين مؤلف كتاب أقوم المسالك في أحوال الممالك ومن مأثره مبانيه البالغة في الرونق الغاية وفي الإتقان والاحتفال النهاية منها زاوية الشيخ أبي محفوظ محرز سنة ١٢٧٩هـ وزاوية الشيخ إبراهيم الرياحي سنة ١٢٩٠هـ وقصره المعروف بقصر السعيد بباردو عدم لنظير بهذا القطر وقد باشر الحكم بنفسه بإنصاف وكان محباً للعلماء والأولياء وتعظيم الأشراف وفي سنة ١٢٩٨هـ احتلت دولة فرنسا المملكة ونصبت حمايتها عليها بمقتضى معاهدة انعقدت بباردو وكانت وفاة هذا الأمير سنة ١٢٩٩هـ.
تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء محمد البحري والسنوسي وابن سلامة وإبراهيم الرياحي ومحمد النيفر وأخوه صالح والطاهر بن عاشور وابن ملوكة ومحمد البنا وأحمد الغماري وابن أبي الضياف وعلي العفيف.
الطبقة السابعة والعشرون
لما توفي المشير محمد الصادق باي بويع لأخيه المولى أبي الحسن علي باشا باي في ذي الحجة سنة ١٢٩٩هـ وكان من أفاضل أمراء هاته الدولة محط الرحال ومنبع صالح الأعمال عارفاً برجال دولته مطلعاً على أحوال مملكته محباً للعلماء والصلحاء كريم الأخلاق مساعداً على إحداث كثير من الإدارات على النظام المعهود الآن وكذلك من أتى بعده. وعلى عهده أسست المدرسة الخلدونية وشحنت بعدد
стр. 914
غير قليل من نفائس الكتب في فنون من العلوم الدينية والعصرية. وعلى عهده كان تجديد منارة جامع الزيتونة فجاءت على أبدع شكل وأجمل منظر وكان الاحتفال عند انتهاء البناء في ٢٦ رمضان سنة ١٣١٢هـ حضره هذا الأمير وآل بيته والخاصة والجمهور وأرخها شيخنا أبو النجا سالم بو حاجب وكتب ذلك على جدرانها في قصيدة أولها:
نال فوزاً بمناه كل ساع ... كي يرى شمول فضل ذي اتساع
في بيوت أذن الله بأن ... ترفع الأركان فيها ليطاع
ومنها في مدح هذا الأمير:
ثم في أيام مولانا الذي ... ملأت غرُّ مزاياه الرقاع
حضرة الباشا عليّ من له ... في قلوب الخلق للود ازدراع
ومنها بيت التاريخ:
ولسان الصدق قد أرخه ... لمنار الدين حق الارتفاع
قيل إن هذا الجامع لا يخلو من رجل موصوف بعلم ظاهر أو شرف زاهر أو صلاح باهر ولهذا الأمير تأليف سماه مناهج التعريف بأصول التكليف وتوفي في ربيع الأول سنة ١٣٢٠هـ وبويع لابنه المولى محمد الهادي باشا باي وكان شهماً هماماً عالي الهمة كريم الأخلاق ذكياً ميالاً للعدل ومحبة العلماء وعلى عهده كانت زيارة رئيس الجمهورية الفرنسوية للإيالة التونسية المفخم مسيو لوبي في أبريل سنة ١٩٠٣هـ الموافق لأوائل سنة ١٣٢١هـ وأقام ثلاثة أيام كانت مواسم بواسم ورد له هذا الأمير الزيارة في صائفة العام التالي وما حصل لهذين الزائرين جمع في مجلد وتوفي في ربيع الأنور سنة ١٣٢٤هـ وارتقى كرسي المملكة الأمير المحبوب المولى محمد الناصر باشا باي ابن المشير محمد باشا باي وعلى عهده في ٢٥ شعبان سنة ١٣٢٨هـ صدر منشور من الشيخ القاضي المالكي محمد القصار لقضاة الجهات بثبوت الأهلة على طريق سلك البرق وجرى به العمل وهذا المنشور خلد له جميل الذكر وفي سنة ١٣٢٩هـ كانت الدولة العلية في حرب مع إيطاليا في طرابلس وانتهت باحتلالها لهاته الأيالة وفي السنة بسطت دولة فرنسا حمايتها على المغرب الأقصى وفيها كانت زيارة فخامة رئيس الجمهورية الفرنساوية مسيو فليار للمملكة التونسية فقوبل بالتبجيل والتكريم وللعالم المؤرخ محمد ابن الشيخ الأكتب البشير بن الخوجة تأليف حافل في هاته الرحلة في مجلد سماه
стр. 915
الرحلة الفليارية وزار في أثنائها بعض المدن والمتلوي من عمل قفصة الذي به الفسفاط وهو عبارة عن طبقة من الأرض مادتها ترابية صالحة لتسميد الغروس والمزروعات وهي من الكنوز التي حصلت بها ثروة عظيمة لهاته المملكة قال بعضهم: هذ كنز لا يفنى وثروة لا تبلى، وأسست لها شركة أسست سككاً حديدية رابطة بصفاقس وغيرها. وفي سنة ١٣٤٠هـ موافق ١٩٢٢م كانت زيارة رئيس الجمهورية الفرنساوية لإفريقية الشمالية وهي عبارة عن المغرب الأقصى والجزائر والمملكة التونسية فقام بهاته الرحلة أعظم عظماء هاته الجمهورية مسيو ميلران ابتدأها من الدار البيضاء مرسى مدينة على البحر المحيط وأنهاها بجربة الغربية من الحدود الطرابلسية في أبهة وحفل عظيم ساقت المقادير هذا الرئيس الخطير لهاته الجهات التي منظرها جميل زاهر وعمرانها في تزايد باهر حافلة كالعروس آهلة بنحو الثلاثة عشر مليوناً من النفوس ووصل القطر التونسي الذي لا يقل سكانه عن المليونين في غرة رمضان الموافق للرابع والعشرين من أبريل سنة ١٣٤٠هـ موافق ١٩٢٢م ولقي من الإقبال فوق ما يقال. وما حصل له في هاته الرحلة لو تتبع لملأ مجلداً ضخماً. وفي يوم الاثنين السادس عشر من ذي القعدة وفي ١٠ يولية من السنة انتقل إلى رحمة الله هذا الأمير المحبوب فكان انتقاله روح الله روحه من أعظم الرزايا وأشد البلايا، كان كريم الأخلاق والسجايا، سخياً كثير العطايا، عادلاً محباً للرعايا، سائلاً عن أحوالهم ميالاً لإجابة مطالبهم وسماع أقوالهم. محباً لدولة فرنسا، وهو أول مساعد لها ومعاضد على تجنيد العساكر التونسية لاحتلالها المغرب الأقصى وخصوصاً في الحرب الكبرى فإنه عاضدها بما عنده من النفس والنفيس ووقع الاعتراف له بهذا الفضل. نقلت جريدة الزهرة في عددها ٦٤٨٦ المؤرخ في التاسع عشر من ذي القعدة المذكور ما نصه: ورد في رسالة برقية من باريس أن صحف العاصمة الفرنسوية برزت طافحة بالثناء على حضرة سيدنا محمد الناصر باي الذي كان معيناً صادقاً لفرنسا في أصعب الظروف وأشدها عليها، وقد ذكرت جريدة الجورنال أن باريس كانت استقبلت الباي المتوفى بمزيد الحفاوة والانعطاف. ثم قالت: إنه قام بوظيفته على غاية ما يرام، حتى إذا جاءت ساعة الخطر العظيم نهضت المملكة التونسية جمعاء للدفاع عن فرنسا المتهددة فجهزت خمساً وستين ألف مقاتل وثلاثين ألف شغال وتكبدت خسائر لا تقل عن خمس وأربعين ألفاً بين قتيل وجريح فهذه قائمة يمكن أن يفتخر بها قوم لا يكاد يبلغ عدد الرجال القادرين منهم على حمل السلاح ثلاثمائة ألف. انتهى.
следующие страницы →