← Тараджим

Тараджим · id 7669

شجرة النور الزكية في طبقات المالكية

مخلوف، محمد بن محمد

Полный текст (970 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

زروق إلى الساحل بمحلة هو أميرها ووصل الساحل في جمادى الأولى من السنة وانتصر على البغاة وظفر بالرؤساء منهم الدهماني البوجي وقتلهم وقدم عليه وفود أهل الساحل منقادين نادمين من جملتهم وفود المنستير يؤمهم العلماء أهل المجلس الشرعي فقابلهم بشدة وحكم الأغلال في أعناقهم وأرجلهم وأولهم رئيس المجلس الشرعي الشيخ أبو عبد الله محمد الجدي بوزقرو وشدد تنكيله وأمر بإزالة عمامته في ذلك لمجلس بلفظ مستهجن ووفد صفاقس فقابلهم بأقل من مقابلة أهل المنستير ورئيسهم الشيخ عبد العزيز الفراتي وسجنهم في جملة من سجن وحكم يد النهب في الأموال وتفنن في سلبها حتى بلغ السكين العظم والسيل الربا فكأنه مأمور بإيقاد فتنة من جمر رمادها وأغرمهم أموالاً أفنت الطارف والتالف ورهنوا أملاكهم عند الوافدين على المملكة وعند طائفة من اليهود وأصبحت بلاد الساحل خاوية على عروشها وذهب هذا الصقع الذي هو عمران هاته المملكة كأمس الدابر ولم يبق به إلا من هو مثقل بالديون ويده فارغة من الكسب ثم ذهب بحملته لصفاقس وقابس ثم رجع لتونس بعد استيفاء ما أفنى اللحم والشحم وانتهى إلى العظم وللشيخ مصطفى بن عزوز المذكور بهذه الطبقة يد في إطفاء هاته الثورة بتوسطه بين الدولة وابن غزاهم المذكور وازدادت المصائب وتكررت النوائب في سنة ١٢٨٤هـ والسنة بعدها بحصول المجاعة التي بعد العهد بمثلها والمرض الذي أفتك بكثير من الأهالي حتى صار وبائياً ولم يستقم حال البلاد والعباد إلا بعد عشرات من السنين ولهاته الأسباب صارت مالية الدولة في خطر من الديون التي تراكمت عليها وتداركها بتركيب لجنة تعرف بالكمسيون المالي رئيسها الوزير خير الدين وذلك سنة ١٢٨٦هـ وفي سنة ١٢٨٤هـ أمر بصنع نيشان عهد الأمان وفي سنة ١٢٨٧هـ قسم إدارة الدولة إلى أقسام وهي الوزارة الكبرى ووزارة المال ووزارة العمالة ووزارة الخارجية ولها النظر على الحرب، وفي سنة ١٢٨٨هـ وجهت له الدولة العلية بواسطة الوزارة الخيرية فرمانها العالي مع سيف مرصع ونيشان مجيدي وفي سنة ١٢٨٩ هـ أذن بمجلس النظافة يجري عمله على مقضى قانون ذي فصول وفي السنة بعدها أقام مجلساً للصحة يجري عمله على مقتضى قانون ذي فصول وفي سنة ١٢٩١هـ جعل قشلة العطارين سجناً وجعل له حفظة لتنظيفه وأجرى عليه مؤنة كافية وجعل لذلك قانوناً خاصاً وفيها جعل قانوناً للفلاحة وفيها أضاف إلى خزائن جامع الزيتونة ست خزائن وملأها بالكتب النفيسة وأجراها على قانون المشير أحمد باشا وصار به أكثر من عشرة آلاف مجلد وفي السنة أحدث مكتباً عاماً أوقف عليه أوقافاً لها بال وسمي بالصادقية وأجراه على نظام المكاتب الحديثة لتعليم أبناء الأهالي العلوم الدينية

стр. 912

واللغات الأجنبية والمعارف الأوروبية وجعل لذلك قانوناً اجتمع على ترتيبه أعيان علماء العصر مشتمل على فصول وأجرى به ما يلزم للتلامذة من أكل وكسوة وفراش وفيها أصدر قانوناً مؤلفاً من ستين فصلاً لتنظيم ديوان الشريعة المطهرة اجتمع على تأليفه شيوخ المجلس الشرعي وبه تعينت مراسم خطة القضاء والإفتاء بالحاضرة وبلدان المملكة والأعمال التي يجري عليها عمل الوكلاء والأعوان والخصماء وفيها وضع قانوناً لضبط حجج الإشهاد في دفاتر خاصة يجري عليها عمل شهود المملكة وفي السنة أذن بجمع أوقاف المملكة لنظارة جمعية بالحاضرة تجعل من تحت نظرها وتصرفها وكلاء يقومون بلوازم شعائر الأوقاف وما يفضل من ذلك يدخل في خزينة الجمعية تدفع منه مرتبات مشايخ المجالس الشرعية والقضاة بالمملكة وعملها يجري على مقتضى قانون مؤلف من فصول. وفي السنة كان إجراء لنور الكهربائي بالحاضرة ولما رأى النقص الحاصل في مداخيل الدولة والفتور الحاصل في العلم أمر بجمع المدرسين وشيوخ المجلس الشرعي بجامع الزيتونة واستنهض همتهم العلمية وزاد لهم في الجراية وذلك في سنة ١٢٨٧هـ ثم في ١٢٩٢هـ استدرك ذلك بقانون علمي يؤلف من ٦٧ فصلاً اجتمع على تأليفه أعيان علماء العصر وجعل النظارة العلمية لنظر حسين الجركسي وزير الاستشارة والمعارف والنافعة وجعل للنظارة العلمية نائبين عنه من أعيان المدرسين يباشران النظر على أعمال الجامع كل يوم وعن الامتحان العام لسائر طبقات التلامذة للحصول على شهادة في ماي من كل سنة ومن أحرز بعد الامتحان على رتبة التطويع وهي رتبة تؤهل صاحبها لإقراء العلوم تطوعاً بجامع الزيتونة بعد استصداره إذناً من شيوخ النظارة العلمية وهم شيخا الإسلام والقاضيان الحنفي والمالكي وتخول صاحبها تعاطي الشهادة بعد الحصول على أمر علي من أمير البلاد وبذلك تكاثرت الدروس والمدرسون وأقبل الطلبة على العلم والمدرسون الذين لهم جرايات والمتطوعون على التعليم وهي مزية فاخرة له خالدة. وحاصل ما قدمناه في شأن العلم والعلماء أن جامع الزيتونة أدام الله عمرانه هو الكلية الوحيدة بإفريقية والكعبة التي يؤمها طلبة العلم من الجهات ومنها يتخرج الفحول من العلماء والمدرسون به هم الذين يبثون في الأمة روح الشرع العزيز وقواعد الدين الحنيف والتمكين من اللغة العربية الفصيحة التي أصلها مكين وموردها عذب معين. وفي السنة وقع إحياء المكتبة المعروفة بالعبدلية نسبة لأبي عبد الله الحفصي التي بصحن الجنايز من الجامع المذكور وضع فيها ما يزيد على الثلاثة آلاف مجلد من نفائس الكتب منظمة على أسلوب عجيب وترتيب غريب حتى أن الراغب للكتاب يتناوله ويطالعه أو ينسخه بأيسر وجه وحصل بذلك نفع عظيم للطلبة

стр. 913

لا سيما الغرباء وجعل لها ثلاثة قيمين تستمر إقامتهم سائر اليوم على التناوب وأجرى عليهم الجرايات الكافية وجعل لذلك قانوناً به ستة عشر فصلاً. وفي السنة واصل بين المملكة التونسية وسائر ممالك الدنيا بسلك البرق الذي يبلغ به الخبر في طرفة عين ومد سكة الحديد بين تونس وحلق الوادي وباردو ثم من تونس إلى أطراف الحدود الغربية. وفيها كانت الدولة العلية في حرب مع الروسيا فوجهت إليا إعانة بالمال وغيره لها بال. وفيها وقع تحرير قانون في خدمة العمال وقانون للمتعينين للأعراب وغيرهم تجري عليه إدارة خدمة العمال ومقدار ما يأخذه المتعينون من المجرمين. وفي سنة ١٢٩٦هـ وقع منه زيادة الاهتمام بحفظ الصحة فعين قشلة البشامقية مستشفى وأقام بها أطباء ومرافق وتحسينات وعين له ما يلزم لإقامة شؤونه من أوقاف صاحبة الخيرات الرفيعة الشأن والمكانة عزيزة عثمانه فجاء على أحسن نظام وأكمل إحكام على مقتضى قانون ذي فصول ٤١ وهو المعروف بالمستشفى الصادقي. وفي السنة صدر الإذن بإقامة مجلس شورى تحت رياسة الوزير الأكبر للنظر في مهمات الدولة الداخلية والخارجية وهاته التأسيسات خلدت له جميل الذكر وغالبها كان بسعي من الوزير السياسي الخطير أبي الخيرات خير الدين مؤلف كتاب أقوم المسالك في أحوال الممالك ومن مأثره مبانيه البالغة في الرونق الغاية وفي الإتقان والاحتفال النهاية منها زاوية الشيخ أبي محفوظ محرز سنة ١٢٧٩هـ وزاوية الشيخ إبراهيم الرياحي سنة ١٢٩٠هـ وقصره المعروف بقصر السعيد بباردو عدم لنظير بهذا القطر وقد باشر الحكم بنفسه بإنصاف وكان محباً للعلماء والأولياء وتعظيم الأشراف وفي سنة ١٢٩٨هـ احتلت دولة فرنسا المملكة ونصبت حمايتها عليها بمقتضى معاهدة انعقدت بباردو وكانت وفاة هذا الأمير سنة ١٢٩٩هـ. تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء محمد البحري والسنوسي وابن سلامة وإبراهيم الرياحي ومحمد النيفر وأخوه صالح والطاهر بن عاشور وابن ملوكة ومحمد البنا وأحمد الغماري وابن أبي الضياف وعلي العفيف. الطبقة السابعة والعشرون لما توفي المشير محمد الصادق باي بويع لأخيه المولى أبي الحسن علي باشا باي في ذي الحجة سنة ١٢٩٩هـ وكان من أفاضل أمراء هاته الدولة محط الرحال ومنبع صالح الأعمال عارفاً برجال دولته مطلعاً على أحوال مملكته محباً للعلماء والصلحاء كريم الأخلاق مساعداً على إحداث كثير من الإدارات على النظام المعهود الآن وكذلك من أتى بعده. وعلى عهده أسست المدرسة الخلدونية وشحنت بعدد

стр. 914

غير قليل من نفائس الكتب في فنون من العلوم الدينية والعصرية. وعلى عهده كان تجديد منارة جامع الزيتونة فجاءت على أبدع شكل وأجمل منظر وكان الاحتفال عند انتهاء البناء في ٢٦ رمضان سنة ١٣١٢هـ حضره هذا الأمير وآل بيته والخاصة والجمهور وأرخها شيخنا أبو النجا سالم بو حاجب وكتب ذلك على جدرانها في قصيدة أولها: نال فوزاً بمناه كل ساع ... كي يرى شمول فضل ذي اتساع في بيوت أذن الله بأن ... ترفع الأركان فيها ليطاع ومنها في مدح هذا الأمير: ثم في أيام مولانا الذي ... ملأت غرُّ مزاياه الرقاع حضرة الباشا عليّ من له ... في قلوب الخلق للود ازدراع ومنها بيت التاريخ: ولسان الصدق قد أرخه ... لمنار الدين حق الارتفاع قيل إن هذا الجامع لا يخلو من رجل موصوف بعلم ظاهر أو شرف زاهر أو صلاح باهر ولهذا الأمير تأليف سماه مناهج التعريف بأصول التكليف وتوفي في ربيع الأول سنة ١٣٢٠هـ وبويع لابنه المولى محمد الهادي باشا باي وكان شهماً هماماً عالي الهمة كريم الأخلاق ذكياً ميالاً للعدل ومحبة العلماء وعلى عهده كانت زيارة رئيس الجمهورية الفرنسوية للإيالة التونسية المفخم مسيو لوبي في أبريل سنة ١٩٠٣هـ الموافق لأوائل سنة ١٣٢١هـ وأقام ثلاثة أيام كانت مواسم بواسم ورد له هذا الأمير الزيارة في صائفة العام التالي وما حصل لهذين الزائرين جمع في مجلد وتوفي في ربيع الأنور سنة ١٣٢٤هـ وارتقى كرسي المملكة الأمير المحبوب المولى محمد الناصر باشا باي ابن المشير محمد باشا باي وعلى عهده في ٢٥ شعبان سنة ١٣٢٨هـ صدر منشور من الشيخ القاضي المالكي محمد القصار لقضاة الجهات بثبوت الأهلة على طريق سلك البرق وجرى به العمل وهذا المنشور خلد له جميل الذكر وفي سنة ١٣٢٩هـ كانت الدولة العلية في حرب مع إيطاليا في طرابلس وانتهت باحتلالها لهاته الأيالة وفي السنة بسطت دولة فرنسا حمايتها على المغرب الأقصى وفيها كانت زيارة فخامة رئيس الجمهورية الفرنساوية مسيو فليار للمملكة التونسية فقوبل بالتبجيل والتكريم وللعالم المؤرخ محمد ابن الشيخ الأكتب البشير بن الخوجة تأليف حافل في هاته الرحلة في مجلد سماه

стр. 915

الرحلة الفليارية وزار في أثنائها بعض المدن والمتلوي من عمل قفصة الذي به الفسفاط وهو عبارة عن طبقة من الأرض مادتها ترابية صالحة لتسميد الغروس والمزروعات وهي من الكنوز التي حصلت بها ثروة عظيمة لهاته المملكة قال بعضهم: هذ كنز لا يفنى وثروة لا تبلى، وأسست لها شركة أسست سككاً حديدية رابطة بصفاقس وغيرها. وفي سنة ١٣٤٠هـ موافق ١٩٢٢م كانت زيارة رئيس الجمهورية الفرنساوية لإفريقية الشمالية وهي عبارة عن المغرب الأقصى والجزائر والمملكة التونسية فقام بهاته الرحلة أعظم عظماء هاته الجمهورية مسيو ميلران ابتدأها من الدار البيضاء مرسى مدينة على البحر المحيط وأنهاها بجربة الغربية من الحدود الطرابلسية في أبهة وحفل عظيم ساقت المقادير هذا الرئيس الخطير لهاته الجهات التي منظرها جميل زاهر وعمرانها في تزايد باهر حافلة كالعروس آهلة بنحو الثلاثة عشر مليوناً من النفوس ووصل القطر التونسي الذي لا يقل سكانه عن المليونين في غرة رمضان الموافق للرابع والعشرين من أبريل سنة ١٣٤٠هـ موافق ١٩٢٢م ولقي من الإقبال فوق ما يقال. وما حصل له في هاته الرحلة لو تتبع لملأ مجلداً ضخماً. وفي يوم الاثنين السادس عشر من ذي القعدة وفي ١٠ يولية من السنة انتقل إلى رحمة الله هذا الأمير المحبوب فكان انتقاله روح الله روحه من أعظم الرزايا وأشد البلايا، كان كريم الأخلاق والسجايا، سخياً كثير العطايا، عادلاً محباً للرعايا، سائلاً عن أحوالهم ميالاً لإجابة مطالبهم وسماع أقوالهم. محباً لدولة فرنسا، وهو أول مساعد لها ومعاضد على تجنيد العساكر التونسية لاحتلالها المغرب الأقصى وخصوصاً في الحرب الكبرى فإنه عاضدها بما عنده من النفس والنفيس ووقع الاعتراف له بهذا الفضل. نقلت جريدة الزهرة في عددها ٦٤٨٦ المؤرخ في التاسع عشر من ذي القعدة المذكور ما نصه: ورد في رسالة برقية من باريس أن صحف العاصمة الفرنسوية برزت طافحة بالثناء على حضرة سيدنا محمد الناصر باي الذي كان معيناً صادقاً لفرنسا في أصعب الظروف وأشدها عليها، وقد ذكرت جريدة الجورنال أن باريس كانت استقبلت الباي المتوفى بمزيد الحفاوة والانعطاف. ثم قالت: إنه قام بوظيفته على غاية ما يرام، حتى إذا جاءت ساعة الخطر العظيم نهضت المملكة التونسية جمعاء للدفاع عن فرنسا المتهددة فجهزت خمساً وستين ألف مقاتل وثلاثين ألف شغال وتكبدت خسائر لا تقل عن خمس وأربعين ألفاً بين قتيل وجريح فهذه قائمة يمكن أن يفتخر بها قوم لا يكاد يبلغ عدد الرجال القادرين منهم على حمل السلاح ثلاثمائة ألف. انتهى.

стр. 916

وفي اليوم الموالي لوفاته كان الحفل بجنازته بالغاً الغاية ودفن بتربة أسلافه الكرام مأسوفاً عليه من الخاص والعام وفي عشي يوم الوفاة وقعت البيعة بقصر باردو المعمور بغاية من الإجلال والفرح والسرور لابن عمه الأمير الجليل الحري بالتعظيم والتبجيل المولى الأمير محمد الحبيب باشا باي ابن المأمون بن حسين باشا باي وهو حفظه الله من الأمراء الذين يفتخر بهم أمراء هذا البيت مملوء الجراب بالمعارف والآداب، موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال، وقام بالأمر على الوجه المطلوب ومالت لمحبته القلوب إلا أن الإمارة وافته على كبر سن مع مرض أنهك قواه واستمر على حاله إلى أن توفاه الله صبحية يوم الاثنين ثالث رمضان سنة ١٣٤٧هـ وبعد زوال اليوم جرى انعقاد البيعة في سراية باردو المعمورة في حفل عظيم وموكب فخيم لولي النعم المستجمع لمكارم الأخلاق والشيم المفكر الكثير الفضائل، الأمير المعظم والملك المفخم مولانا أحمد باشا الثاني ابن المولى الباشا علي ابن المولى الباشا حسين، وقد دبت وقتئذ حميا المسرة في الضمائر وجالت أفراس الأفراح في ميادين الأكابر والأصاغر وقامت خطباء الأقلام تصدح بالبشائر وصحف الجهات تعلق بالبشارات أجرى الله على يده الصالحات ثم تلقى الجناب العالي بيعة الوفود التي وردت إليه وأمانيها سعادة دولته ورفاهية مملكته في احتفالات فائقة وأنشدت بين يديه الخطب والقصائد الرائقة لو جمعت لكانت مجلداً. رحم الله السلف، وأدام دولة الخلف. تنبيه: من أعيان العلماء المعاصرين لهؤلاء الأمراء: أحمد الورتناني والشاذلي بن صالح وأحمد الشاهد والطاهر النيفر وأخوه الطيب وعمهما محمد وحسين بن أحمد وعمر ابن الشيخ ومحمد النجار وسالم بو حاجب والطيب النيفر.

стр. 917

خلاصة بها الأدوار التي حصلت لدول إفريقية قد انتهى ما جمعته بهذه التتمة ومن وقف عليها علم الأدوار التي حصلت في دول إفريقية والأطوار. إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب والاعتبار. وخلاص ذلك وما وقع من الأدوار هنالك هو أن إفريقية يسكنها البربر منذ عهد بعيد جداً ولم يحفظ لهم تاريخ على وجه التحقيق وفيهم من زعماء الرجال ما قد علم وتداولتها دول بعد دول والمعروف منهم (القرطاجنيون) ومنهم هنبال البطل الشهير الذي ناصب الرومان العداوة على ضخامة سلطانهم ومناعة بنيانهم فاجتاز إليهم جبال البرنية بجيوش جرارة وجند كثيف ينازعهم في صميم بلادهم ويستنزل أقيالهم من منصات مجدهم فالرومان فالوندال فالروم البيزنطيون فالإسلام. أول أمير دخل إفريقية عبد الله بن سعد بن أبي سرح البطل الجليل شهد فتح مصر واختط بها وكان صاحب الميمنة في الحرب مع عمرو بن العاص وكانت له مواقف محمودة وكانت ولايته سنة ٢٥ هـ بعهد من الخليفة الثالث سيدنا عثمان ﵁ وفتح إفريقية سنة ٢٧هـ وهي من أعظم الفتوح. ثم معاوية بن حديج ثم عقبة بن نافع ثم مسلمة بن مخلد وهو أحد الرجال الأربعة الذين قال فيهم الخليفة الثاني سيدنا عمر: مقامه من الرجال مقام الألف، الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت ﵃. وهو أول من جمعت له إمارة مصر وإفريقية وبعث مولاه أبا المهاجر لإفريقية عوض عقبة المذكور ثم رجوع عقبة ثم زهير بن قيس البلوي بعهد من عبد الملك بن مروان الخليفة العظيم الذي استقصى لنفسه الخلافة وأجرى أمور الملك مجرى السداد والطمأنينة ثم حسان بن النعمان ثم موسى بن نصير ومولاه طارق اللذين دوخا ممالك هنبال القديمة في إفريقيا الشمالية وقطعا بجندهما القليل البالغ اثني عشر ألف مقاتل مضيق القارة الأوروبية ففتحا مملكة الأندلس وقضيا على دولة القوط بالدمار. ثم محمد بن يزيد ثم إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر ثم يزيد بن أبي مسلم ثم بشر بن صفوان ثم عبيدة بن عبد الرحمن ثم عبد الله بن الحبحاب ثم كلثوم بن عياض ثم حنظلة بن صفوان ثم تغلب على إفريقية عبد الرحمن بن حبيب ثم محمد بن الأشعث ثم الأغلب بن سالم ثم المهالبة ثم هرثمة بن أعين ثم محمد بن مقاتل ثم الأغالبة ثم العبيديون ثم

стр. 918

الصنهاجيون ثم الحفصيون ثم الإسبان ثم الترك وهم دايات وبشوات وبايات منهم آل بيت مراد باشا ثم إبراهيم الشريف ثم حسين باشا بن علي تركي باني البيت الحسيني واستمرت باقية في عقبه بعد وفاة ابن أخيه علي باشا حتى الآن وعلى عهد محمد الصادق باشا باي نصبت فرنسا حمايتها وتولى بعده أخوه علي باشا باي ثم ابنه محمد الهادي باشا باي ثم محمد الناصر باشا باي ثم محمد الحبيب باشا باي ثم أحمد باشا باي الثاني أيده الله بالسبع المثاني. فائدة في روح المعاني ما نصه: في بعض كتب الله المنزلة أنا الله ملك الملوك مالك الملك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم. انتهى. نقل ذلك عند قوله ﷻ وعز كماله ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾. صلة اعلم أن في الإسلام الكثير من عظماء الرجال والأمراء اشتهر في التاريخ ذكرهم وعظم أثرهم كخالد بن الوليد فاتح العراق العربي وبعض الشام وأبي عبيدة بن الجراح فاتح الشام وسعد بن أبي وقاص فاتح العراق العجمي وهادم عرش الأكاسرة والأحنف بن قيس فاتح خراسان وعمرو بن العاص فاتح مصر وعبد الله بن سعد فاتح إفريقية ومسلمة بن مخلد موسى بن نصير فاتح الأندلس وأضرابهم في كل جيل إذا علمت ذلك علمت مراتب الناس في الدنيا بنسبة الأعمال وهي تتفاوت بتفاوت الرجال فرب شخص بعيد السمعة عظيم كبير وآخر لا في العير ولا في النفير. ولم أر أمثال الرجال تفاوتا ... إلى الفضل حتى عد ألف بواحد بل رب شخص تقوم به الدولة وتسعد الأمة وآخر تهلك به الدولة وتشقى الناس وإنما قامت الدول واتصلت بالشعوب أسباب السعادة بأفذاذ من الرجال مشهورين كبرت نفوسهم أن تخلد إلى الدنايا وترضى بالحقير من الشهوات فطمحت بهم إلى غايات الكمال فنالوا بذلك حياة لا تفنى وغادروا في الوجود آثاراً لن تزول. ولبعضهم آثار حسنة حتى الآن تقدم ذكرها منها جامع عقبة ﵁ بالقيروان.

стр. 919

في روح المعاني عند قوله عز من قائل: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ أي اجعل لنفسي ذكراً صادقاً في جميع الأمم إلى يوم القيامة وحاصله خلد صيتي وذكري الجميل في الدنيا وذلك بتوفيقه للآثار الحسنة والسير المرضية لديه تعالى المستحسنة التي يقتدي بها الآخرون ويذكرونه بسببها بالخير ثم قال: واستدل الإمام مالك بهذه الآية على أن لا بأس أن يحب الرجل أن يثني عليه صالحاً وفائدة ذلك بعد الموت على ما قال بعض الأجلة انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند الله تعالى زلفى وأنه قد يصير سبباً لاكتساب المثنى أو غيره نحو ما أثنى به فيثاب فيشاركه فيه المثنى عليه كما هو مقتضى مَن سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ولا يخفى عليك أن الأمور بمقاصدها انتهى. وأسأل الله العظيم أن يجعل علمي وعملي لوجهه الكريم وينفعني به إنه هو البر الرحيم. تنبيه: اعلم أن ما جمعته بالشجرة اقتطفته من: (١) روح المعاني لأبي الفضل محمود الألوسي و (٢) الموطأ للإمام مالك و (٣) شرحه لأبي عبد الله محمد الزرقاني و (٤) البخاري و (٥) شرحه فتح الباري للحافظ ابن حجر و (٦) الإصابة له و (٧) مسلم وشرحه و (٨) إكمال الإكمال لأبي عبد الله الأبي و (٩) المدارك للقاضي عياض و (١٠) الشفا له و (١١) شرح الشهاب الخفاجي عليه و (١٢) الاستيعاب للحافظ ابن عبد البر و (١٣) طبقات أبي العرب لمحمد بن تميم و (١٤) طبقات قضاة قرطبة لأبي عبد الله الخشني و (١٥) تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي و (١٦) صلته لأبي القاسم خلف بن بشكوال و (١٧) تكملتها لأبي عبد الله محمد بن الأبار و (١٨) تكملة التكملة له أيضاً و (١٩) بغية الملتمس في علماء الأندلس لابن عميرة الضبي و (٢٠) فهرسة أبي بكر بن خير و (٢١) التشوف لرجال التصوف لأبي يعقوب يوسف الشاذلي المراكشي و (٢٢) المعجب في تلخيص أخبار المغرب لأبي زكرياء يحيى المراكشي و (٢٣) البيان المعرب لابن عذاري المراكشي و (٢٤) جزء من كتاب أبي عبيد البكري و (٢٥) وفيات الأعيان للقاضي ابن خلكان و (٢٦) فوات الوفيات لأبي عبد الله محمد بن شاكر الكتبي و (٢٧) رحلة أبي الحسين بن جبير و (٢٨) رحلة أبي محمد عبد الله التجاني و (٢٩) سراج الملوك لأبي بكر الطرطوشي و (٣٠) بداية المجتهد لأبي عبد الله محمد بن رشد و (٣١) مقدمة ولي الدين بن خلدون و (٣٢) تاريخ أبي عبد الله محمد الزركشي و (٣٣) عنوان الدراية لأبي العباس الغبريني و (٣٤) معالم الإيمان لأبي القاسم بن ناجي و (٣٥) الديباج لأبي إسحاق بن فرحون و (٣٦) نيل الابتهاج لأبي العباس أحمد بابا و (٣٧) الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي و (٣٨) بغية الوعاة في طبقات النحاة للحافظ السيوطي و (٣٩) حسن

стр. 920

المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة له أيضاً و (٤٠) جذوة الاقتباس لأبي العباس بن أبي العافية و (٤١) نفح الطيب لأبي العباس المقري و (٤٢) الأول من أزهار الرياض له أيضاً و (٤٣) البستان لأبي عبد الله بن أبي مريم و (٤٤) الأنيس المطرب لأبي عبد الله العلمي و (٤٥) نزهة الحادي لأبي عبد الله اليفرني و (٤٦) خلاصة الأثر لأبي عبد الله محمد المحبي و (٤٧) المؤنس لأبي عبد الله بن دينار و (٤٨) الحلل السندسية لأبي عبد الله الوزير الأندلسي و (٤٩) بشائر أهل الإيمان لحسين خوجة و (٥٠) حجة الله البالغة لأبي العباس الدهلوي و (٥١) كشف الظنون لملا كاتب جلبي و (٥٢) رحلة أبي سالم العياشي و (٥٣) رحلة أبي العباس بن ناصر و (٥٤) رحلة الحسين الورتيلاتي و (٥٥) التاريخ الباشي لأبي محمد حمودة بن عبد العزيز و (٥٦) تاريخ أبي الثناء محمود مقديش و (٥٧) تاريخ أبي العباس بن أبي الضياف و (٥٨) رحلة الشيخ رفاعة التهطاوي و (٥٩) الخلاصة النقية لأبي عبد الله محمد المسعودي و (٦٠) خلاصة تاريخ العرب للعالم سيديو و (٦١) الفتوحات الإِسلامية لأبي العباس أحمد دحلان و (٦٢) الاستقصا لأبي العباس أحمد الناصري و (٦٣) تاريخ الشيخ عبد الرحمن الجبرتي و (٦٤) عناية أولى المجد لأبي الربيع سليمان سلطان المغرب و (٦٥) ذيله شذور العسجد لأبي محمد عبد الحفيظ الفاسي و (٦٦) تعريف الخلف برجال السلف لأبي القاسم محمد الحفناوي و (٦٧) مفتاح السنة للأستاذ محمد عبد العزيز الخولي و (٦٨) الشرب المحتضر لأبي الفضل جعفر الكتاني و (٦٩) سلوة الأنفاس لابنه أبي عبد الله محمد و (٧٠) مسامرات الظريف لأبي عبد الله محمد السنوسي و (٧١) الاستطلاعات له أيضاً و (٧٢) حسن البيان لأبي عبد الله محمد النيفر و (٧٣) أشهر مشاهير الإسلام لرفيق بك العظم و (٧٤) نور اليقين لأبي عبد الله محمد الخضري و (٧٥) التشريع الإسلامي له و (٧٦) المحاضرات له أيضاً و (٧٧) الأول من اليواقيت الثمينة لأبي عبد الله محمد البشير ظافر و (٧٨) طبقات الصوفية للعارف الشعراني و (٧٩) كشف الغمة له و (٨٠) لطائف المنن والأخلاق له أيضاً و (٨١) فهرست أبي الحسن النوري و (٨٢) فهرست أبي عبد الله الأمير و (٨٣) فهرست أبي الحسن خليفة و (٨٤) فهرست أبي حفص عمر بن الشيخ و (٨٥) فهرست أبي عبد الله المهدي الوزاني وفهرست أبي عبد الله الغرياني وتاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان وغير ذلك مما وقع العثور عليه في الشروح والحواشي والوقوف على كثير منها وقع بواسطة بعض الفضلاء جزاهم الله عنا أحسن الجزاء حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 921

الجغرافية اعلم أنه تقدم الكلام في الفريدة الأولى من المقدمة على علم الجغرافية وفضيلته وأقسامه وأنه مرتبط بعلم التاريخ ارتباطاً وثيقاً ومتعلق به تعلقاً عريقاً فهما أخوان يتعاونان وفرسا رهان يتسابقان لا يستغني بأحدهما عن الآخر. وهو علم يبحث فيه عن هيئة الأرض وأحوالها ووصف ما عليها من جبال وأنهار ومدن وسكان وما شاكل ذلك، وحيث تقدم لنا ذكر ما لزم ذكره من العلم الأول وجله يتعلق بإفريقيا ناسب أن نذكر هنا باختصار ما كان من علائق إيالة تونس من جهة العلم الثاني تتميماً للفائدة فنقول: ينقسم سطح الكرة الأرضية إلى قسمين عظيمين: يابس وماء. فاليابس يشغل ربع سطح الأرض والماء يشغل ثلاثة اْرباع سطحها. وينقسم كل من اليابس والماء إلى خمسة أقسام يعبر عن كل قسم من أقسام اليابس بالقارة. أقسام اليابس خمسة: إفريقيا، وآسيا، وأوروبا، وأمريكا، وأستراليا. فإفريقيا يحدها شرقاً المحيط الهادىء وغرباً المحيط الأطلانطيقي ويفصلها عن آسيا البحر الأحمر وترعة السويس وعن أوروبا البحر الأبيض المتوسط. التعريف بالقطر التونسي هذا القطر يسمى إفريقية وهو أحد الممالك الأربعة الواقعة في شمال قارة إفريقيا غرب القطر المصري وهي: طرابلس الغرب، وتونس، والمغرب الأوسط, والمغرب الأقصى. جغرافية إيالة تونس يحدها شمالاً وشرقاً البحر الأبيض المتوسط وجنوباً طرابلس الغرب والصحراء الكبرى وغرباً الجزائر.

стр. 922

جبالها هذا القطر جزء من سلسلة جبال الأطلس التي تخترق هذا القطر وغيره ينقسم إلى عدة فروع أشهرها جبل مطماطة وجبل عين دراهم وجبل الرقبة وجبل الرصاص وجبل زغوان وهو أعلاها يبلغ ارتفاعه نحو ١٣٠٠ متر. أنهارها وبحيراتها ليس بها إلا نهر واحد يذكر وهو نهر مجردة الذي ينبع من ولاية قسنطينة التابعة للجزائر ثم يخترق هذا القطر من الغرب إلى الشرق ويصب في البحر الأبيض المتوسط بقرب غار الملح ولا يحمل القوارب، وفيها عدة جداول وعيون وثلاث بحيرات وهي بحيرة الحاضرة وبحيرة بنزرت وبحيرة الكلبية بين القيروان والساحل. هواؤها معتدل في الجهة الشمالية ويغلب الحر في الجهة الجنوبية وإذا هبت ريح الجنوب على أي جهة في أي وقت تحدث الحرارة. ويشتد البرد في الشتاء ولكن لا لدرجة تجمد المياه ولا ينزل الثلح إلا نادراً في بعض الجهات. مساحتها تبلغ ٤٥ ألف ميل مربع. عدد سكانها أكثر من المليونين منها بعاصمة الإيالة نحو المائتي ألف نفس غالبهم مسلمون. معادنها قليلة ويستخرج منها الرصاص والفضة والقصدير والزئبق والحديد والفحم الحجري والرخام الأحمر والأخضر والفسفاط وهو كنز لا يفنى حصل منه نفع عظيم للعملة وغيرهم. حيواناتها: يوجد بها من الأهلية الخيل والبغال والحمير والبقر والضأن والمعز والإبل ومن غيرها الغزال والخنزير ومن الوحوش الضبع والنمر والذئب والوعل وغير ذلك. زراعتها: تنقسم أراضي الإيالة باعتبار الخصب إلى ثلاثة أقسام: فالجهة الشمالية الجبلية هي الأكثر خصباً وتربتها جيدة ويزرع فيها القمح والشعير والفول وغير ذلك وأهم جبالها عين دراهم ونفزه والمقعد بها غابات كثيفة غنية تستخرج منها الخفاف والأخشاب الصالحة لبناء السفن أو غيرها.

стр. 923

والجهات الوسطى والشرقية الجنوبية خصبها باعتبار قلة الأمطار وكثرتها ولكن الأرض من طبعها منبتة للغاية وبها غابات واسعة بالزيتون والمعاصر كثيرة لعصره وهي السبب في ثروة أهالي تلك الجهة أعني بذلك الساحل الذي مبدأه قرية أبي فيشة ومنتهاه قرية المحرص ويزرع بها غالب الأشجار ذات الثمار الطيبة كالبرتقال والتفاح والخوخ والإجاص والتين والعنب واللوز وغير ذلك والحبوب كالقمح والشعير والفول والبطاطس واللوبيا والحمص والعدس وكافة أصناف البقول. أما الأنحاء الجنوبية فهي عبارة عن أراضي شاسعة ولا تمطر فيها السماء إلا نادراً وببعضها واحات ماؤها منهمر بها أشجار كثيرة وأغلبها النخيل الجيد الثمرة الرائجة داخل الإيالة وخارجها وهاته الواحات ذات منظر طبيعي بهيج وهي قفصة وتوزر ونفطة وقابس ونفزاوة وجرجيس. صناعتها: الصنائع المحتاج إليها كثيرة وأكثرها الاعتماد فيها على الآلات القديمة والعصرية آخذة في التقدم وأشهرها استخراج الروائح الطيبة ونسج الحرير المتقن والشاشية واستخراج زيت الزيتون من معاصره الكثيرة بالآلات العصرية وفي الزيت والمنسوجات العمومية والقمح والشعير والفول رواج وما عدا ذلك انحط رواجه لمزاحمته بما يرد من خارج الإيالة. والبضائع الواردة من الخارج كثيرة جداً منها المنسوجات القطنية والحريرية وآلات النقل وجر الأثقال وآلات الفلاحة وجلب المياه والأخشاب والحديد وآلات الأسلحة والفحم الحجري والنحاس والفضة والذهب والفخار بأنواعه وزيت الغاز والسكر والشاي والبن والفلفل وغير ذلك مما هو كثير. وليس للحكومة ولا للأهالي سفن تجارية وأغلب التجارة داخلاً وخارجاً بيد الإفرنج واليهود. طرقها منظمة عمت الجهات وكذلك المواصلات بالسكك الحديدية وغيرها وبذلك حصلت الراحة في السفر ونقل البضائع وراجت التجارة في الجهات وعمّ النفع سائر سكان المملكة. معارفها ولغتها وديانتها تدرس العلوم الدينية مقاصد ووسائل كالقرآن العظيم والتفسير والحديث رواية ودراية والفقه وأصوله والمنطق واللغة والنحو والمعاني والبيان والبديع والصرف

стр. 924

والآداب والحساب والتاريخ في جامع الزيتونة وبه من التلامذة نحو ألفي تلميذ وقليل من العلوم الدينية بالحواضر وبعض القرى و الحكومة أنشأت مكاتب بالعاصمة وجهات الإيالة لتعليم اللغة الفرنساوية ومبادىء العلوم العصرية وأما المعارف العصرية العالية فهي قليلة. لغة الأهالي العربية الشريفة والديانة الإِسلامية وغالبهم على مذهب الإمام مالك. أشهر مدنها بنزرت وهي مرفأ أمين جداً تحميه حصون قوية والقيروان وكانت عاصمة البلاد ولم تزل موضع احترام وسكانها ما يقرب من العشرين ألف نفس. وصفاقس وهي مرسى تجارية عصرية رتبتها ثانية بالنسبة للعاصمة وسكانها بأحوازها يربون على خمسة وسبعين ألف نفس ويليها مرسى سوسة وسكانها يربون على عشرين ألف نسمة ثم المنستير والمهدية وقابس وهي موانىء على البحر المتوسط وجرسيس ومدنين وحومة السوق بجربة وقفصة وتوزر ونفطة والكاف وباجة وسوق الأربعاء وتبرسق وتستور ومجاز الباب وماطر ورأس الجبل وطبربة وزغوان ونابل وقليبية ومنزل تميم والحمامات وقرنباليا وسليمان والنفبضة والقلعة الكبرى وجمال وقصور الساف وواجم الذي به المسرح الروماني العجيب البناء والصنع. وهاته البلدان يتراوح سكانها من الخمسة آلاف نفس إلى اثني عشر. أما بلد مساكن وبلد المكيتن بالساحل فكل واحد منها سكانه نحو الخمسة عشر ألف نفس. الحكومة إيالة تونس حكومة ملوكية وراثية للأكبر سناً من العائلة المالكة وهي تحت الحماية الفرنساوية من جمادى الآخرة عام ١٢٩٩هـ ومايو سنة ١٨٨١م بمقتضى معاهدة باردو المنعقدة بين دولة الحماية ودولة الصادق باشا باي واتفاقية المرسى الإضافية المنبرمة مع دولة الحماية ودولة علي باشا باي في شعبان عام ١٣٠١ هـ وفي يونية سنة ١٨٨٣هـ وبمقتضى ذلك فإن إدارة الشؤون التونسية ترتبط بوزارة خارجية فرنسا التي ينوب عنها بالمملكة التونسية مفوض يسمى المقيم العام مولى من طرف رئيس الجمهورية الفرنساوية ويسمى وزير الخارجية للحكومة التونسية بأمر من سمو الباي. صاحب السيادة والملك هو الملك المعظم الملقب بالباشا باي الذي له حق وراثة الملك وعند انتصابه على كرسي المملكة يحتفل به ليقر له بالملك سراة الأمة من علماء ووجهاء وغيرهم ولحكومة فرنسا حق المراقبة على أعمال سموه والإدارات التونسية وإذا رأت بعض إصلاحات أو تنقيحات تعرض ذلك على سموه

стр. 925

بواسطة جناب المقيم العام فإذا سمح بذلك ورآه سداداً يصدر أمره المطاع بتنفيذها ويراقب أعمال التنفيذ جناب المقيم العام الذي له النظر على كافة رؤساء الإدارات وله السلطة على القوة الحامية للبلاد البحرية والبرية. تاريخ إيالة تونس اعلم أنا بينا في التتمة تاريخ الإيالة بأبين بيان وأشبعنا القول في ذلك وأتينا في آخرها على خلاصته ولنأت هنا على خلاصة الخلاصة وهي الخاتمة فنقول: هذا القطر توالت عليه دول أربع قبل الإسلام وهي القرطاجنيون فالرومان فالوندال فالروم البزنطيون. وبعد الفتح الإِسلامي تولاه أمراء من الصحابة والتابعين ثم سبع دول وهي دولة المهالبة من عام ١٥١هـ إلى عام ١٨١ هجرية وكانت تابعة للعباسيين مع التصرف المطلق داخلاً ثم دولة الأغالبة من عام ١٨١هـ إلى عام ٢٩٧ هـ ثم دولة الفاطميين من عام ٢٩٧هـ إلى عام ٣٦٥ هـ وكانت الإيالة حينئذ مستقلة تماماً ثم دولة صنهاجة من عام ٣٦٥ هـ إلى عام ٦٠٢هـ إلا أنها كانت تظهر الخضوع تارة للفاطميين وطوراً للعباسيين وفي سنة ٦٠٢ هـ خلفتها دولة الحفصيين الذين كانوا مستقلين ثم دولة الترك في عام ٩٨١ هـ وتركت لها استقلالها الداخلي ولقب حكامها بالداي والباشا الذين انتهى حكمهم سنة ١١١٧هـ حيث تولتها العائلة الحسينية وأولها حسين باشا بن علي تركي وهي في قبضتها إلى أن دخلت تحت حماية دولة فرنسا وفي هذا الوقت أميرها الأفخم ومليكها الأعظم سمو أحمد باشا باي الثاني المؤيد بالسبع المثاني.

стр. 926

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وسلم الخاتمة الكلام على المنستير الذي فضله شهير وقدره خطير ومحله في النفوس أثير وهو مسقط رأس العبد الفقير ومنبت غرسه ومجمع أهله وأنسه ومحل استقرار الأخيار كابن يونس والمازري وابن العطار نوه المؤرخون وغيرهم بشأنه وبالخصوص التواريخ المختصة بالمملكة التونسية ووقفت على بعضها وسنقص ما اقتطفته منها. في الشفا عند ذكر ما يتعلق بمكة المشرفة ما نصه: حكي أن قوماً أتوا سعدون الخولاني بالمنستير وأعلموه أن كتامة قتلوا رجلاً وأضرموا عليه النار طول الليل فلم تعمل فيه وبقي أبيض البدن فقال: لعله حج ثلاث حج حرم الله شعره بالثلاث حجج قالوا نعم قال حدثت أن من حج حجة أدى فرضه ومن حج ثانية داين ربه ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره وجسده على النار. انتهى. قال الشهاب الخفاجي قوله المنستير بميم ونون وسين مهملة ومثناة فوقية وراء مهملة وهو لفظ رومي معناه عندهم خانقاه للرهبان على الطريق ينزل فيه أبناء السبيل والذي سمعناه منهم بفتح الميم وألف مع سكون السين وكسر التاء الفوقية وياء تحتية وقد يخفف بحدق الألف والياء وهو مما لاشبهة فيه عندهم فقوله في القاموس منستير بضم الميم وفتح النون موضع بإفريقية معبد الزهاد والمنقطعين وبلد آخر بإفريقية أهله من قريش بينه وبين القيروان ست مراحل وموضع بشرق الأندلس. انتهى. مخالف لما صح سماعاً فإن ظنه عربياً فهو خطأ وإن قال عُرّب وغُير كان عليه أن ينبه عليه. وقال التلمساني إنه بضم الميم والنون ويجوز كسر نونه والعامة تفتحها وعليه اقتصر الشمني وهي بلدة بساحل البحر أو حصن رباط بإفريقية له سور بناه هرثمة بن أعين بعثه الرشيد لإفريقية سنة ١٧٩هـ. انتهى شهاب. وقال ابن خلكان

стр. 927

عند ترجمة الحافظ النظار أبي القاسم هبة الله بن علي بن مسعود بن ثابت الخزرجي المنستيري المعروف بالبوصيري المتوفى سنة ٥٦٨ هـ ما نصه: منستير بضم الميم وسكون السين وكسر التاء بلدة بإفريقية بناها هرثمة بن أعين الهاشمي سنة ١٨٠هـ وكان الرشيد ولاه إفريقية وقدم إليها في ربيع الآخر سنة ١٧٩هـ. وقال أيضاً المنستير معبد بين المهدية وسوسة يأوي إليه الصالحون والمنقطعون للعبادة، فيه قصور شبهة بالخانقاهات وعلى تلك القصور سور واحد ذكره ياقوت في كتابه. انتهى. قلت: ما حققه الشهاب من أن لفظ منستير رومي هو الصواب يؤيده أن بالقرب من القصر شرقيه جزيرة منحوت بها بيوت كانت قبل الفتح الإسلامي مقر الرهبان والمنقطعين للعبادة فيه وبالقرب منه بالقراعية داموس منحوت في جبل على شاطئ البحر يعرف الآن بالكحلية كان أيضاً مقراً للرهبان وقيل كان مقراً في المصيف لبعض أمراء الرومان. أول مَن ألّف في فضيلة المنستير الشيخ الإمام أبو زكرياء يحيى بن عمر المترجَم في الطبقة السادسة ومن تلامذته العالم المؤرخ أبو العرب محمد بن تميم المترجم له في الطبقة السابعة من تآليفه طبقات علماء إفريقية تعرض فيه لفضيلة المنستير وذكر أحاديث وإليك بعضها: قال: قال فرات بن محمد العبدي: حدثني أبو زكرياء الخراز بن سليمان قال: سمعت البهلول بن راشد يقول: إن هرثمة بن أعين استشاره في بناء المنستير وعدّد له هرثمة ما بناه في أرمينية وفي غير موضع فقال له البهلول: ما ذكرت شيئاً إلا والمنستير أفضل منه وذلك أنه بلغني عن النبي ﷺ أنه باب من أبواب الجنة. وحدثني فرات قال: حدثني أبو الشيخ المفسر عن عبد الرحمن بن زياد عن مطرف عن عبد الله رفعه إلى النبي ﷺ قال: "المنستير باب من أبواب الجنة يقال له الأنف ودونه قنطرة من قناطر الأولين" وحدثني فرات قال: حدثني خلف بن محمد القابسي قال: حدثنا بهلول بن راشد قال: حدثنا عباد بن كثير عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "بساحل قمونية باب من أبواب الجنة يقال له المنستير من دخله فبرحمة الله ومن خرج عنه فبعفو الله". وحدثني فرات قال: حدثنا عبد الله بن أبي حسان اليحصبي عن أبيه عن سفيان بن عيينة عن عبد الله بن دينار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن رابط بالمنستير ثلاثة أيام وجبت له الجنة" قال أنس: بخ بخ يا رسول الله قال: "نعم يا أنس وله في هذه الثلاثة أيام كأجر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين".

стр. 928

قلت: فهاته الأحاديث كما ترى مروية عن فرات وقد أثبت في ترجمته المذكورة في الطبقة السادسة أنه كان أعلم الناس بالناس وأوقع الناس بالناس حتى نسب للكذب. وهاته الأحاديث ذكرها ابن الشباط والتجاني في رحلته وذكرها ابن ناجي وقال: سمعت من شيخنا البرزلي يقول عن شيخه وشيخنا ابن عرفة يغلب على الظن أنها موضوعة. قلت: وإذا ثبت أنها موضوعة فالمظنون أن واضعها قصد بها الترغيب في المرابطة لما يترتب عليها من مصلحتي الدنيا والآخرة أما في الدنيا فإن فالمراد منها ملازمة النظر في موضع المخافة من العدو وفي الآخرة حصول الثواب الموجب لدخول الجنة. أخرج الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها" وأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "مَن مات مرابطاً في سبيل الله تعالى أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن من الفتان وبعثه الله آمناً من الفزع" والرباط والمرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم بحيث يكون ملازمة النظر في موضع المخافة من العدو. وأصل المرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم بحيث يكون الفريقان مستعدين لإنزال فيحارب كل منهما الآخر ثم أطلق على كل مقيم بثغر يدفع عمن وراءه مرابطاً وإن لم يكن له ما يربط من الخيل. وقوله بخ بخ كلمة تقال عند المدح للشيء والرضى به وتكرر للتأكيد وهي إما مبنية على السكون للوقف وإما للوصل فتكسر وتنون وقد تشدد. والقنطرة لم يزل أثرها قائماً وبالقرب منها من الجهة الجوفية أثر بلدة رومانية بعضها غمره البحر والباقي هو بساتين متابعة للمنستير تعرف بالقديمة هواؤها نقي وحكى بعض المؤرخين أنه كان هناك قصر يعرف بشقانص لا أثر له الآن. وزبدة القول إن للمنستير الشرف العظيم وقد صرح بذلك غير واحد من المؤرخين قالوا لا شك أن للمنستير فضلاً وشأناً. وفي الحلل السندسية والبيان المغرب في أخبار المغرب لابن عذاري الإشارة لذلك وفي رحلة الشيخ الورتيلاتي أنه دخل سوسة ولم يدخل المنستير وهي مدينة عظيمة قوية البركة عظيمة في الزيارة لاحتوائها على طبقة من العلماء وأهل الترجيح من المؤلفين كالإمامين ابن يونس والمازري وغيرهما فإن الوفود تأتي إليها من كل جانب. انتهى وقد ذكرها جماعة من الأدباء منهم أبو عمرو عثمان بن عتيق المعروف بابن عريبة المترجم له في الطبقة الرابعة عشر ذكرها متشوقاً في قصيدة مدح فيها الأمير أبا زكرياء الحفصي منها:

стр. 929

ذكرت جمة الذكري تهيج لي ... فأين جمة مني والمنتسير وما مناي لياليها التي سلفت ... وما مناي محانيها المعاطير والمراد بجمة المهدية. فصل فيما يتعلق بالقصر قال البكري: إن محرس المنستير المعروف بالقصر الكبير له في يوم عاشوراء موسم عظيم وجمع كبير فخيم وبالمنستير الطواحن الفارسية ومواجل الماء وهو حصن عال متقن البناء والعمل وفي الطبقة الثانية منه مسجد لا يخلو من خير فاضل يكون مدار القوم عليه وفيه جماعة من الصالحين والمرابطين قد حبسوا أنفسهم فيه منفردين عن الأهل والعشائر وقال محمد بن يوسف: هو قصر كبير عال بداخله ربض واسع وفي الربض حصن ثانٍ كبير كثير المساكن والمساجد في طبقات عالية بعضها فوق بعض وفي القبلة منه حصن فسيح فيه قباب عالية متقنة تنزل حولها النساء المرابطات تعرف بقباب جامع وبها جامع متقن البناء وبها حمامات كثيرة وكان أهل القيروان يخرجون إليهم بالأموال والصدقات الجزيلة وبالقرب من المنستير ملاحة عظيمة تشحن منها السفن بالملح إلى البلاد وبقربها محارس متقنة البناء معمورة بالصالحين وليس بإفريقية أجل من محرس المنستير. انتهى. وفي حسن البيان القصر المذكور سامي بضخامته قصر أجم من الهياكل لما تقدم من الأمم وفاق بإضافة الغرض ومتانة المقصد لأنه بني لمصلحة وهو الرباط وهو قصور ثلاثة شامخة ذات طبقات تشمل مئات من البيوت وقد بنيت بالحجارة العظيمة بأحكم صنعة وإتقان على غاية من الأحكام وفي وسطها مخازن للطعام ومواجل الماء ومستودعات آلات الحرب ومرابط الخيول وحولها القلاع الحصينة والحصون المنيعة يحيط بها أسوار شامخة التي تكاد تطرد الطير عن بلوغ أعلاها سمواً وشحنها العرب بالقوات والخيل والرجال فكان يقصده من جهات إفريقية أهل التقوى والفضل والإحسان. وقال الشيخ مقديش المهدية لم يكن لها جنات ولا بساتين وإنما يجلب إليها من المنستير ما تحتاج من الثمار. وبالمنستير قصور ثلاثة يسكنها العلماء والصالحون والأعراب لا تضرهم في شيء من ثمرهم ولا من عمارتهم لأنها محل رباط وعبادة وأهل المهدية يدفنون موتاهم فيها تبركاً وهاته القصور أبراجها منتظمة مع قرب بعضها بها بيوت بعضها على بعض محكمة البناء وحولها دور يحيط بها سور قد رصص بناؤه.

стр. 930

قلت: القصر الكبير متركب من قصور ثلاثة على الوصف الذي تقدم نقله عن الشيخ محمد بن يوسف ولم ينقص منه إلا القباب وله بابان قبليا المفتح واحد مفتحه في صحن الجامع الكبير الذي هو الآن مطموس والآخر هو مدخل القصر. وبالمنستير قصران غير القصر الكبير أثبتهما بعض المؤرخين. أحدهما: يعرف بقصر السيدة وقبرها بمقصورة بمسجد يعرف بالسيدة يزار إلى هذا الوقت أما القصر فلم يبق له أثر ومحله الآن دور بعض بيوتها عتيق جداً باقية على حالها إلى الآن ومن مشمولاته مسجد يشبه في البناء والقدم مسجد السيدة به مغارة تحت الأرض ومقصورة بها قبر والأقرب أنه قبر بعض ملوك صنهاجة ويعرف هذا القبر بسيدي عامر يزار حتى الآن. حكى لي شيخ مسن أنه يسمع سماعاً فاشياً أنه كان وقع شروع في حفر حذو القبر فإذا بنداء من القبر يقول: عامر عامر فمن ذلك الوقت عرف بسيدي عامر ومن مشمولاته أيضاً مسجد يشبه في البناء والقدم مسجد السيدة يعرف هذا المسجد بمسجد الرز والأقرب أنه حرف وأصله المعز ومن مشمولاته أيضاً قبة فيها قبر أبي الحسن علي السراج ويعرف الآن بسيدي السراج يزار. ثانيهما: القصر الذي به الزاولة المعروفة بسيدي ذويب وفيها قبر معروف به يقال إنه من بيت ملوك بني الأغلب وفيها مسجد عتيق يظهر أنه أقدم من مسجد السيدة ولم يبق من هذا القصر إلا هاته الزاوية وباقيه هو الآن دور وهذان القصران والقصر الكبير ودور تعرف بالزريبة كانت مسورة بسور لم يبق له أثر إلا من الجهة الشرقية فلم يزل قائماً إلى هذا العهد وكان بين هذين القصرين داموس تحت الأرض ممتد إلى الجهة الغربية لا يعرف له حد وبعض الدور مواجلها مقتطعة منه. عود إلى الكلام على القصر الكبير: قال الشيخ مقديش: وقف لمصالح المرابطين جميع الأراضي المتصلة بالقصر لمرعى الدواب والزراعة لمن يروم ذلك وغرست جنات عظيمة بكل مثمر، وكانت بساتين قصر الرباط قشمل آلافاً من تلك الأراضي ينتفع بها أهل الرباط جميعاً لا فضل لأحدهم على الآخر، وكان معظم غزاة البحر يركبون منه وقد أحدث العرب عند قصر الرباط مدينة لها عمران عظيم وجنات وزياتين بكيفية عجيبة حتى كانت مدينة المهذية في عنفوان عمرانها وسطوة ملكها وقت الخلفاء العبيديين وملوك صنهاجة عالة على المنستير فيما تحتاجه من الثمار والفواكه وغير ذلك.

стр. 931

في حسن البيان نقلاً عن حاوي البرزلي بعد نقل جواب الإمام المازري عن مخازن بالمسنتير بالقصر الكبير مملوءة قمحاً وشعيراً لرجال مقيمين بالقصر ولآخرين غيب وعن زوار يغلقون مخازنهم ويخرجون فيقيمون شهرين ونحوهما وعمن له بيت بالقصر وهو يبيت خارجه ويأخذ من المعروف مثل من يبيت بالقصر وعن قوم من المرابطين بأيديهم من الأراضي أكثر مما بيد غيرهم وعن قوم غرسوا غراسة بأرض المنستير ما الحكم فيها؟ وهل إن من حقوق الغارس أن لا يخرج من يده ما غرس في حياته وهل يكون للناظر في ذلك إخراجها من يده في حال دون حال أو لا يكون له ذلك؟ وهل يورث عنه من الغرس ما غرسه؟ قال بعد نقل جواب الإمام عن هذا السؤال ما نصه: دخلتُ رباط المنستير في حدود عام ستين وسبعمائة فرأيته محفوظاً لا تدخله الناس، وكانت أحباسه محفوظة، وكان العرب لا يتعرضونه إلا بخير في دنياهم. ثم بعد ذلك جرت أمور على ما سمعت من تعرض العرب للحبس والدور وثمرات القصر ووقع الانتقاض منهم في المال والرجال وافتتن أهلها مع العرب حتى أدى الأمر إلى تلاشي غرسها ورحيل أهلها حتى صارت الآن لأمير المؤمنين فهي الآن على ما سمعت في عز وعافية، وعادة الله أن قصر الرباط لا يتحمل التخليط بوجه فمتى حدث فيه ذلك عوقبوا، وأما بقية غرسها وبياضها فهم اليوم يملكونه ولا أدري هل توصلوا إليه بحق أو هو كما قال الإمام فعلى هذا في أكل ثمار الموضع نظر إذ هو حبس إلا أن يكون جاء بقصد الرباط فيستحقه من هذه الحيثية، وكذلك تملك رباع البلد الدائرة بالقصر وجميع ما حوله من الأراضي مما ينسب إلى المنستير الذي يسمى القرطين وهو جميع دخلة القصر منسوب إليه انتهى حسن البيان. قلت: جواب الإمام عن السؤال طويل الذيل اشتمل على فوائد كثيرة نقله الونشريسي في معياره بنصه والقرطين مكان بعيد عن المنستير بنحو ثلاثة أميال أراضيه خصبة وقع الاعتناء بغراستها وزراعتها منذ عهد قديم وبها آبار كثيرة ودور اندثرت ومسجد لم يزل قائماً إلى هذا الوقت. أول من تولى النظر على هذا القصر الأمير أحمد أحد ملوك بني الأغلب حين امتلأ القصر بالمرابطين وأجرى عليهم ما يلزم من النفقة وقد بلغ عدد المرابطين به في مدة سعدون الخولاني شيخ القصر المترجم له في الطبقة السابعة زهاء أربعة آلاف مرابط بين عالم وزاهد وصالح، وكانت ملوك الشيعة تخشاه ولما ضاق القصر على سكانه أضيفت الأراضي التي حوله حتى القرطين للقصر فبنى المرابطون دوراً حوله وغرسوا الأراضي التابعة له للانتفاع بها، وأول دور بنيت هي الدور المعروفة بالزريبة وكانت قليلة في زمن سحنون ولذا قال: إن إقامة الجمعة لا تجب على

стр. 932

أهلها، ثم استمر الحال على ذلك إلى أن آل أمر القصر والأراضي التابعة له إلى ما رأيت في السؤال الوارد على الإمام المازري ثم استمر تزايد بناء الدور والعمران إلى أن صارت مدينة مسورة بسور وذلك أواسط المائة السابعة ثم آل الأمر إلى ما رأيت في حكايته الإمام البرزلي، وفي أوائل المائة التاسعة كان شيخ القصر أبا عبد الله محمد بن أبي زيد المترجم له في الطبقة السابعة عشر وكان به من التلامذة ما يزيد على المائة رحلوا إليه من الآفاق وكل مَن حلّ به يجد مسكناً يأوي إليه ومعلماً يؤدبه ويعلمه القرآن والعلوم الدينية ويجد ما يلزم من أمر المعيشة وهي أمور تعين على طلب العلم ولا يخفى أن أكبر الأعوان وأهمها فراغ البال من أمر المعيشة وكانت الاْرزاق تأتي إليهم وإلى من به من المرابطين من أوقافه ومن جهات إفريقية كقفصة ونفزاوة وقابس والجزيرة والقيروان وغيرها ثم قام ابنه أحمد واستمر الحال على ذلك إلى أن استولى عليه الإسبان أواسط المائة العاشرة فهدم منه جانباً بعد ما قتل وأسر مَن لا يعد كثرة نقل ذلك الشيخ عظوم في أجوبته ثم أصلحه وأصلح المنار الذي به، وقيل هو الذي أسسه ثم أفتكه منه الترك وصار أمره إلى الانحلال والتقهقر تحت نظر حفدة الشيخ ابن أبي زيد إلى أوائل القرن الثالث عشر صيره الأمير حمودة باشا معقلاً حربياً ونقل الطلبة الذين به لزاوية سيدي ذويب المتقدم الذكر وأجرى على عشرة منهم النفقة من أوقاف زاوية الشيخ أحمد بن أبي زيد المذكور وجعل لهم مؤدباً يعلّم القرآن ومدرّساً يقرىء مبادئ العلوم الدينية جرايتهما من الأوقاف المذكورة ونظرهم لقاضي المكان، ثم إن الباشا حسين بن محمود باي جعل به سنة ١٢٤٦هـ العساكر النظامية وشحنه بآلات الحرب، وفي أيام المشير أحمد باشا كان به من العساكر النظامية نحو ثلاثة آلاف واستمر الحال على ذلك إلى أن نصبت فرنسا حمايتها على الإيالة التونسية سنة ١٢٩٨هـ فأزالت ما به من الذخائر وآلات الحرب حيث صارت غير صالحة للدفاع وأغلقته واستولى عليه الخراب واعتبرته وأسوار المدينة الحكومة من الآثار العتيقة وصدر أمرها بالمحافظة عليها تحت نظر جمعية الأوقاف والإدارة الحربية. ولما قامت الحرب الكبرى المشار لها آخر التتمة وقع إسكان جماعة به من أسارى الألمان وتسخيرهم لإصلاح الخراب الذي به وأقاموا به أشهراً ثم نقلوا وسكن به طائفة من جالية دولة الروسيا عند استيلاء جمهورية السوفيات على بلاد القريم مع طائفة من عساكر الاحتلال ثم خرجوا وبقيت به العساكر إلى هذا الوقت، والحاصل أن القصر إلى هذا العهد آثاره تدل على أنه كان في العهد القديم آية دالة على عظمة العرب خالدة إلى الآن. تلك آثارن تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار

стр. 933

وهو إلى هذا الوقت على طبقات ثلاث به منارة سامية الارتفاع قامت كأنها عمود مخروط يستطلع منها المستطلع فيرى ما يملأ النفوس بهجة وحسناً فيرى المدينة وما حولها من حدائق الزيتون والبساتين الملتفة كأنها بسيط أخضر جميل المنظر مد البصر يتخلل ذلك البسيط قرى تحف بها حدائق الزيتون يرف غضارة ونضارة ويرى مدينة سوسة العروسة القريبة منها بنحو أحد عشر ميلاً بحراً ويشاهد مبانيها الأنيقة. وبالجملة فإنه لا إشراف كإشرافه حسناً وجمالاً واتساع منظر يروق ويرمي الأبصار بهجة ونوراً، وبالقصر قبور كثير من العلماء والصلحاء وغالبهم مجهول الاسم أو محرّف والمعروف منهم أبو عبد الله بن أبي زيد وأبو الفضل يوسف بن نصر وسعدون الخولاني والشيخ الشريف وبهذا يعرف والشيخ جابر المهدوي وبخارج القصر على يسار الداخل له بيت به قبر الإِمام أبي عبد الله بن يونس الصقلي ويعرف بسيدي الإمام وبالقرب منه قبة بها قبر يعرف بسيدي مفتاح عتيقة. هذا ما يتعلق بالقصر أما ما يتعلق بالمدينة فقد تقدم أن القصور الثلاثة كانت مسورة بسور ثم أزيل وذلك بعد حصول زيادة كثيرة في الدور وأضيفت للقصور وما حولها من الدور وسورت بسور وهي المعروفة الآن بحومة المدينة بها مساجد كثيرة عتيقة منها مسجد يعرف بمسجد الإِمام المازري ومسجد يعرف بمسجد أبي يوسف الدهماني به قبر يزار وبالجهة الغربية من هذه الحومة ربض يعرف بالربض الأوسط وبابه يعرف بالباب الجديد به سوق واسع الفناء زاهي البناء وهو مجتمع الناس للتجارة وغيرها وبه الجامع الحنفي ومن الجهة الجوفية منه مسجد عتيق يعرف بمسجد المرأة الصالحة عافية ويشمل هذا الربض حومتين الجبانة والشراقة وبه مقام أبي بكر الحنفي المترجم له في الطبقة الرابعة عشر والشيخ الحياص قديم العهد ومقام الشيخ الهلالي قديم العهد أيضاً ومقام الشيخ المجدوب بو طارة الحنفي من أهل المائة الثانية عشر وبالجهة الغربية من هذا الربض ربض يعرف بالربض الأقصى ويشمل حومتي باب الفرج والطرابلسية به تربة الشيخ عمر القلال من أهل القرن الثاني عشر وفي القديم كان على كل منها سور ثم أزيلت الأسوار الفاصلة بين الربضين وحومة المدينة ولم يبقَ منها إلا السور المحيط بجميعها وأما الربض الجوفي من هذين الربضين فمسور بسور على عهد علي باشا ابن حسين باشا وبذلك صارت مدينة فسيحة الأرجاء لها ربضان جوفي ويعرف بربض الخروبي وبقربه مسجد يعرف بمسجد السراة غمره البحر ولم يبق له أثر وقبلي ويعرف بالقراعية على شاطئ البحر به آلاف المباني الأنيقة فللعين هناك منظر وانشراح وللنفس مزيد انبساط

стр. 934

وانفساح وبه مقام الشيخ منصور بيزيد ومقام الشيخ مسعود الخزرجي قبل مقام الشيخ العربي وهو عتيق جداً وعلى شاطئ البحر داموس منحوت في جبل يعرف بالكحلية يقال إنه كان معداً لمصيف بعض أمراء الرومان أو مقراً لطائفة من الرهبان وبالجهة الغربية من المدينة مع انحراف إلى جهتي القبلة والجوف حدائق الزيتون والبساتين ذات الأشجار الملتفة اليانعة يحيط بجميع ذلك قبلة وشرقاً وجوفاً لبحر في شبه شكل مثلث زاويته المدينة ولتلك الأشجار ومنها التي ببساتين شقاقص ثمرات طيبة النكهة سيما التفاح له خاصية من الفضل عجيبة لأن رائحته من أعطر الروائح وأطيبها يدخل به الداخل عليك فتجد رائحته العبقة قد سبقت إليك فيكاد يشغلك الاستمتاع بطيب رياه وحسن منظره عن أكلك إياه يهدي للأحبة والأمراء والخاصة من الفضلاء وبالجملة فتربتها نقية وهواؤها صحيح منعش للنفوس والأبدان في كل وقت وزمان وبغالب دورها المواجل والآبار منها ما هو صالح للشرب ومنها ما هو غير صالح وفي سنة١٣٢١هـ أسست الحكومة شركة تعرف بشركة مياه الساحل لجلب الماء المنهمر المتسرب من عيون معينة من ولجة أبي حفنة بعمل القيروان في قنوات الحديد وأنابيب الرصاص يتفرع إلى فرعين كل فرع ينقسم إلى مذانب يخترق بسائط وعمائر وقرى وما من قرية مرّ عليها إلا ولها نصيب من ذلك الماء. فرع ينتهي إلى سوسه، وفرع ينتهي إلى المسنتير وحصل بذلك نفع عظيم ومنحت الشركة الاشتراك فيه لأصحاب الدور والبساتين والحمامات وغيرها بثمن معين من المال يدفع سلفاً في كل ستة أشهر والقدر المستهلك منه يعرف بمنقالة الماء وهي آلة تشبه منقالة الساعة الزمنية. أهلها معروفون بالذكاء وكرم الأخلاق والتواضع فلا تلقى منهم إلا وجهاً طلقاً وكلمة لينة ولهم كرامة للغرباء وإقبال عليهم. سنتهم في المعاشرة عجيبة وسيرتهم في التزام رتبة الخدم غريبة مع الكد والجد والوفاء بالعهد. محافظون على عوائد أسلافهم ومعتنون بتهذيب أخلاق أولادهم ولهم اعتدال في معاملاتهم وليس لهم الآن كبير حظ في التجارة لقربها من سوسه المقصودة براً وبحراً لتحسين مرساها التحسين العصري. أما قبل هذا التحسين فقد كان للمسنتير الحظ الأوفر في تجارة الزيت وغيره براً وبحراً. سكانها زهاء عشرة آلاف نفس ومع قلة هذا العدد بالنسبة للحواضر غيرها فإن كثيراً من الخطط النبيهة بأيديهم فلا يخلو منهم ديوان من دواوين الحكومة وفيها كثير من ذوي البيوتات النبيهة كبيت ابن أبي زيد وبيت مخلوف وبيت مزالي وبيت نويرة وبيت بوزقرو وبها مجلس شرعي متركب من قاض ومفتيين وبها مدرسون خمسة

стр. 935

يقرؤون العلوم الدينية وواحد يقرىء فن القراءات وفيها مكتب تبرع به بعض أهل البر لتعليم أبناء المسلمين القرآن العظيم وبعض مبادئ العلوم الدينية به الآن ما يربو على مائة تلميذ. وفيها مكتب ذو طبقتين حفيل ينقسم إلى قسمين قسم للذكور وقسم للإناث لتعليم أولاد الأهالي على اختلاف أديانهم مبادئ اللغة الفرنساوية ومبادىء بعض العلوم العصرية به نحو سبعمائة تلميذ وفي سنة ١٣٢٧هـ أحدث بها مستشفى غاية في الاحتفال مع الاتساع وكثرة المرافق جار الآن على استقامة لاهتمام الحكومة به. أوقف عليه الأهالي ما يربو على ألفي أصل زيتوناً وألفت رسالة لطيفة سميتها بالمازري في فضيلة المستشفيات والطب وتعرضت فيها لترجمة بعض المشهورين بعلم الطب وما لهم من المؤلفات فيه كابن رشد وابن زهر والمازري. وبالمنستير معمل وآلات لصيد الحوت المعروف بالتن شهرته تغني عن التعريف به والمنستير معدودة عند الحكومة من الحواضر الأربع التي لها مزيد اعتبار القيروان وسوسه وصفاقس وقريب عهد كانت هاته الحواضر الأربع وتونس معفاة من أداء المجبا. ذكر من بالمقبرة من الفضلاء المقبرة بفتح الميم وتثليث الباء موضع السرور ومقبرة المنستير بالجهة الجوفية بها قبور كثير من العلماء والزهاد والصلحاء والكثير منهم ذهب اسمه أو غيّر اسمه ورسمه وغالب قبور هؤلاء الأفاضل بالعتيقة غمرها البحر ولم يبق لها أثر فدثرت بسبب ذلك مشاهدهم المباركة وذهب على أهل البلد أسماؤهم ولنذكر ما أمكن معرفة اسمه أو قبره منهم أبو زكرياء الحداد وأبو الحسن الكانشي وابن العطار وابن سعدي وأبو إسحاق الصفاقسي وهؤلاء تقدم ذكرهم في المقصد وابن الفرس من بيت عبد المنعم بن الفرس الأندلسي وأبو علي الدبوسي وأبو الفضل الغدامسي الذي مقامه بالجزيرة قرب المقبرة وتقدم ذكره في المقصد وبالقرب منه قبر الشيخ السنفاج وبالمقبرة مقام الشيخين عبد الغني المزوغي وأبي علي يونس بن السماط وتقدمت الإشارة إليه في المقصد مع أخيه أبي يعقوب يوسف ونقلاً من مدفنيهما الأول إلى المقام المذكور حين خشي عليهما من البحر ومقام الإمام المازري منقوش بحجر فوق الباب أنه نقل ومعه كثير من العلماء وتقدم نقله بنصه في ترجمته بالمقصد وذلك حين خيف عليهم من البحر على عهد الباشا علي ابن الباشا حسين وعلى عهده كان

стр. 936

إصلاح الجامع الكبير وتأسيس الجامع الحنفي وبناء سور الربض الجوفي ومقام أحمد بن أبي زيد المترجم له بالمقصد نقل إليه سنة ١٣١٠هـ من مقامه الأول وكان عليه بناء حفيل ضمه البحر إليه بعد النقل ولم يبق له أثر الآن ومقام الصالحة البرقاوية وقبور تحت السور تعرف بقبور بنات السلطان ومقام الشيخ الطرودي وصدر الإذن بنقلته حيث تهيأ البحر لجذبه ومقام جد العبد الفقير الشيخ عمر مخلوف الشريف وهو من فريق أولاد مخلوف الذين ينسبون أنفسهم لذلك وينسبهم الناس إليه خلفاً عن سلف وكان بأيديهم ظهير من أمراء إفريقية في إعفائهم من المطالب الدولية ومن هذا الفريق الشيخ مخلوف الشرياني الذي قبره بشريانة القريبة من صفاقس، قال الشيخ مقديش: ومن مشايخ صفاقس الشيخ مخلوف الشرياني أصله مغربي صحب الشيخ العياشي بطبلبة وهو من أكابر الصالحين والعلماء العاملين له تخميس على بردة المديح وله عقب بأيديهم ظهير من أمراء الحفاصة وأمراء العساكر العثمانية. انتهى. وقوله مغربي يعني من فرقة بالمغرب أشار لها الشيخ العياشي في آخر رحلته حيث قال: ثم مررنا بأولاد سيدي مخلوف هم فقراء أشراف. انتهى. والجد عمر مخلوف المذكور مقامه متبرك به كان معتقداً من أكابر الصالحين كثير الكرامات وكان بالحياة أوائل القرن الحادي عشر ومن أخص أصدقائه الشيخ عبد الرحمن الجندولي ومقامه بالمقبرة والشيخ منصور بيزيد الذي مر ذكره قريباً والمرأة الصالحة عائشة الفتحية التي مقامها قريب من مقام الجد وهم معروفون بالصلاح معاصرون للشيخ المربي المعتقد الكثير الاتباع أبي شامة عامر ابن الشيخ سالم الشهير بالمزوغي صاحب الزاوية الشهيرة بالساحل بين سوسة والمنستير المتوفى سنة ١٠٤٩هـ المتولد سنة ٩٢٩ هـ ووالدته ريانة بنت الشيخ نصر الشارف الذي مقامه ببلد الساحلين وبالمقام قبر الشيخ سالم المذكور وكانت طريقة الشيخ عامر جزولية وكان من أصحاب أبي الغيث القشاش وتاج العارفين البكري وتقدم ذكرهما في المقصد وأقام بصفاقس نحو الخمسين عاماً ومنها انتشر ذكره. وبالمقبرة ألواح وأعمدة من حجر كثيرة منقوش عليها بالقلم الكوفي مبعثرة وأكثر من ذلك ما دس في القبور والحيطان وجعل أعمدة سقف عليها كما هو مشاهد الآن بمقام الإِمام المازري وبمقام أبي علي السماط وغيرهما وبعضها مكسر لا يمكن حصول نفع منه بحال.

стр. 937

عود إلى الكلام على قصر السيدة: في المؤنس أن بني زيري دار ملكهم أولاً المنصورية ثم انتقلوا إلى المهدية في زمن المعز بن باديس ومدفنهم بالمنستير بقصر السيدة وكان لهم ناموس وعساكر عديدة وبلغوا رتبة السلاطين، وقال ابن خلكان نقلاً عن كتاب الجمع والبيان لأبي محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز أنه جرت العادة أن كل أمير من هذا البيت يدفن في قصره ثم ينقل بعد سنة إلى قصر السيدة بالمنستير. قلت: ومن المقبورين بهذا القصر الذي مر وصفه قريباً وقبرها غير معروف أم ملال قال ابن العذاري هي أخت نصير الدولة باديس بن منصور عمة المعز، وهي أول مَن بايعته وهنأته بالولاية في المهدية، وتوفيت سنة ٤١٤هـ انتهى. ومن المقبورين بالقصر وقبرها معروف لهذا الوقت في مقصورة بمسجد يزار يعرف بالسيدة، قال ابن العذاري: وفي سنة ٤١٢هـ توفيت السيدة زوجة نصير الدولة وكفنت فيما لم يذكر أن ملكاً من الملوك كفن بمثله فحكى من حضره من التجار أن قيمته مائة ألف دينار وجعلت في تابوت من عود هندي قد رصع بالجواهر وكانت جنازتها لم ير مثلها وكانت مسامير التابوت بألفي ديار وفي سنة ٤١٣هـ أعرس المعز فكان له عرس ما تهيأ لأحد قط من خلفاء الإِسلام وشرحه الرقيق في كتابه تركناه اختصاراً. انتهى. وفي المؤنس أنها جدة المعز توفيت سنة ٤١١هـ وكفنها بما قيمته مائة ألف دينار وعمل لها تابوتاً من العود الهندي مرصعاً بالجوهر وصفائح الذهب وسمر التابوت بمسامير الذهب وزنها ألف مثقال وأدرجت في مائة وعشرين ثوباً وذر عليها من المسك والكافور ما لا حد له وقلد التابوت بإحدى وعشرين سبحة من نفيس الجوهر وحملت إلى المنستير ودفنت بها وأمر المعز بخمسين ناقة ومائة رأس من البقر وألف شاة فنحرت وفرق في مأتمها على النساء عشرة آلاف ديار. انتهى. قلت. ما صرح به ابن العذاري من أنها والدة المعز مخالف لما في المؤنس من أنها جدته والذي صرح به ابن عذاري هو الصواب وما في تاريخ الشيخ مقديش يؤيده ومحل الحاجة منه كتب الشيخ سيدي محرز بن خلف كتاباً إلى باديس ولما وصل إليه قرأه وعمل بما فيه من النصائح ثم بعثه إلى السيدة وقال لحامله: قل لها هذا كتاب سيدي محرز فاحتفظي عليه ولعل بركته تعود عليك، ولما وصل لها قرأته ثم طيبته وخرزت عليه وكانت حاملاً فولدت المعز في جمادى الأولى سنة ٣٩٨ هـ انتهى.

стр. 938

والمعز تقدمت ترجمته في التتمة وكان ملكاً جليلاً عالي الهمة محباً لأهل العلم كثير العطاء وكان واسطة أهل بيته ولما توفي نقل من قصره ودفن بقصر السيدة وذكرنا قريباً أن المسجد المعروف بالدز محرف والصواب المعز ومن المقبورين بالقصر وقبره غير معروف أبو يحيى تميم بن المعز كانت له فضائل وأشعار كثيرة ومن شعره قوله: إن نظرت مقلتي لمقلتها ... تعلم مما أريد نجواه كأنها في الفؤاد ناظرة ... تكشف أسراره وفحواه وقوله: فكرت في نار الجحيم وحرها ... يا ويلتاه ولات حين مناص فدعوت ربي أن خير وسيلتي ... يوم المعاد شهادة الإخلاص ولابن رشيق فيه مدائح وكان يجيز الجوائز السنية ولعطي العطاء الجزيل وقصدته الشعراء من الآفاق على بعد الدار كابن السراج السوري وأنظاره مولده سنة ٤٢٢ هـ وتوفي سنه ٥٠١ هـ ودفن بقصره ثم نقل لقصر السيدة بالمنستير وخلف من البنين أكثر من مائة ومن البنات ستين على ما ذكر حفيده عبد العزيز بن شداد بن تميم ومن المقبورين بقصر السيدة أبو الطاهر يحيي بن تميم المذكور لما تمت له البيعة قام بالأمر وعدل في الرعية وفي أيامه وصل للمهدية محمد بن تومرت قادماً من الحج فنزل بالمهدية وشرع في تغيير المنكر ثم انتقل إلى المنستير ثم إلى بجاية، وقيل إن إقامته بالمهدية كانت في أيام تميم المذكور وتقدم بعض خبره في ترجمة يحيى المذكور في التتمة وفي ترجمة أبي بكر بن العربي في المقصد وكان الأمير يحيى المذكور كثير المطالعة لكتب الأخبار والسير عارفاً بها مقرباً لأهل العلم والفضل وله نظر حسن في صناعة النجوم والأحكام وكان عنده جماعة من الشعراء قصدوه ومدحوه وخلدوا مدحه في دواوينهم، ومن جملة شعرائه أبو الصلت أمية بن عبد العزيز. وتوفي يوم عيد النحر سنة ٥٠٩ هـ، ودفن بقصره ثم نقل لقصر السيدة على ما جرت به العادة وقام مقامه ابنه أبو الحسن علي وكان جواداً مفضالاً من الأذكياء محباً للعلم والعلماء. وتوفي سنة ٥١٥ هـ بالمهدية ثم نقل لقصر السيدة على ما جرت به العادة. ولأبي الصلت المذكور منزلة جليلة عنده. ومن شعر أبي الصلت في أبي الطاهر يحيى المذكور القصيدة التي مستهلها: قضى الله أن تفنى عداك وأن تبقى ... وتخلد حتى تملك الغرب والشرقا

стр. 939

قال: أنشدت يحيى بن تميم هاته القصيدة وخاصته بين يديه وعبد العزيز بن عمار في الجملة وكان في هاته الصناعة أبصر الجماعة. فقال له يحيى: كيف ترى ما تسمع؟ قال: حسن الحوك محكم السرد. فقال له: أتعرف قائله؟ قال: لا. قال: هو ذلك الجالس يشير إليّ. فعلاه بسبب ذلك فتور ونفور عن الاستماع بحسب ما يعرض من العوام الرعاع عندما ينشدون لمن جمعهم وإياه مكان وزمان وإنما عنوا بامتداح القديم وتعظيم العظم الرميم وسببه الحسد وكثيراً ما يعدون الصواب محالاً والصداء آلاً والقوام اعوجاجاً والعذب ملحاً أجاجاً. انتهى. قلت: قال بعضهم: المعاصرة أصل المنافرة. وقال شيخنا حسين بن أحمد: المعاصرة حجاب. وأبو الصلت هذا مقبور بالمنستير وقبره غير معروف وهو ابن الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي يكنى بالأديب الحكيم. في صلة ابن الآبار: خرج من بلاده ابن عشرين سنة يطلب العلم فتفنن في العلم والآداب والعروض والتاريخ وسجن أثناء ذلك ثم تخلص من اعتقاله فنزل بالمهدية على رأس الخمسمائة في كنف أمرائها الصنهاجيين يحيى بن تميم بن المعز وولده على عشرين سنة وكان من أفراد العلماء وفحول الشعراء والأدباء وله تآليف في فنون شاهدة بفضله ودالة على سعة علمه، وقد أوردت له في تأليفي تحفة القادم كثيراً من شعره وكتب إلى أبو جعفر بن عات أن أبا الحسن بن المفضل أنشده بالإسكندرية قال: أنشدني عبد الله بن يوسف القضاعي قال: أنشدني أبو الصلت أمية بن عبد العزيز قال: أنشدني أبو محمد التكريتي من تلامذة الغزالي لأبي حامد هذا ولم أسمعه من غيره، ولا ذكر له أبو الصلت، في الحديقة: جعلت عقارب صدغه في خده ... قمراً يجلّ سنى عن التشبيه ولقد عهدناه يحل ببرجها ... فمن العجائب كيف حلت فيه أفادني أكثر خبره بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عبد الخالق الخطيب بالمنستير توفي سنة ٥٢٠ هـ أو بعدها يسير انتهى. وفي حسن المحاضرة: أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الداني الأندلسي قال في العبر: كان ماهراً في علوم الأوائل رأساً في معرفة الهيئة والنجوم والموسيقى والطبيعي والرياضي والإلهي كثير التصانيف بديع النظم مات سنة ٥٢٨ هـ عن ثمان وستين سنة انتهى.

стр. 940

وقال ابن خلكان: أبو الصلت أقام تحت كنف الأمير يحيى بعد أن جاب الأرض وتقاذفت به البلدان وله فيه مدائح كثيرة أجاد فيها وأحسن وله أيضاً مدائح في ولده أبي الحسن علي وولد ولده الحسن وأخذ عن جماعة من أهل الاْندلس وغيرها منهم أبو الوليد الوقشي قاضي دانية وسابق فضلاء زمانه وأهل عصره وأوانه يقال: إن عمره ستون عاماً عشرون بإشبيلية وعشرون بإفريقية عند أمرائها الصنهاجيين وعشرون في مصر محبوساً في خزائن الكتب فخرج في فنون من العلم إماماً وأمتن علومه الفلسفة والطب والتلحين وله في ذلك وغيره تآليف تشهد بفضل منها كتاب الحديقة على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي وكتاب ذيل به كتاب الرقيق فيما وقع في دولة باديس وأبيه وجده وكان له شعر جيد رقيق جمعه في ديوان خاص وصنف وهو في اعتقال الأفضل وهو بمصر رسالة العمل بالأسطرلاب وكتاب الوجيز في علم الهيئة وكتاب الأدوية المفردة وكتاب تقويم الذهن في المنطق وكتاب الانتصار في الرد على ابن رضوان في رده على حنين بن إسحاق في مسائله وله الرسالة المشهورة التي وصف بها مصر وعجائبها وله غير ذلك وكانت له منزلة جليلة بالمهدية على صاحبها علي بن يحيى بن تميم وولد له بها ولده عبد العزيز وكان شاعراً ماهراً وله في الشطرنج يد بيضاء وتوفي ببجاية سنة ٥٤٦ هـ وتوفي أبو الصلت سنة تسع أو ثمان وعشرين وخمسمائة ونظم أبباتاً أوصى أن تكتب على قبره: سكنتكِ يادار الفناء مصدقا ... بأني إلى دار البقاء أصير وأعظم ما في الأمر أني صائر ... إلى عادل في الحكم ليس بجور فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ... وزادي قليل والذنوب كثير فإن أك مجزياً بذنبي فإنني ... بشرّ عقاب المذنبين جدير وإن يك عفو منه عني ورحمة ... فثم نعيم دائم وسرور انتهى باختصار. وانظر معه نفح الطيب ورحلة التجاني. أما نصير الدولة باديس فقد قال ابن خلكان: توفي في ذي القعدة سنة ٤٠٦ هـ عقب سرور حصل له عند عرض عساكره عليه وهو في قبة السلام جالس إلى وقت الظهر وسره حسن عسكره وأبهجه زيهم وما كانوا عليه وانصرف إلى قصره ثم ركب عشية ذلك النهار في أجمل مركوب ولعب الجيش بين يديه ثم رجع إلى قصره شديد السرور فلما مضى مقدار نصف الليل توفي، وفي كتاب الدول المنقطعة أن سبب موته أنه قصد طرابلس ولم يزل على قرب منها عازماً في قتالها وحلف أن لا يرحل

стр. 941

عنها حتى يعيدها قال: فاجتمع أهل البلد عند ذلك إلى المؤدب محرز وقالوا: يا ولي الله قد بلغك ما قاله باديس فادع الله أن يزيل عنا بأسه فرفع يديه إلى السماء وقال: يا رب باديس أكفنا باديس. فهلك في ليلته بالذبحة. انتهى. قلت: لعل المؤدب محرز كان في تلك الأيام بطرابلس وإلا فهو من أهل تونس وسكانها وهي بعيدة عن طرابلس مسيرة نحو عشرة أيام والذي في المؤنس أنه توفي بالمغرب في قتال زناتة تأمل. وباديس ووالده وجده مدفنهم صبرة وملوك هذا البيت مرت ترجمتهم في التتمة وكان المعز بن باديس يعظم الشيخ محرز بن خلف ويكاتبه من ذلك كتابٌ فاتحته: هذا ظهير كريم من القائم الناصر لدين الله المعز بن باديس إلى الشيخ الصالح الكبير القدر محرز بن خلف إلى آخره وكانت بينه وبين باديس مكاتبات وقد مر قريباً الإشارة إلى ذلك وسترى ما يؤيد ما ذكرناه. انتهى ما قصدناه وتم بفضل الله ما أثبتناه بعدما استعنت به في الإسعاد والإسعاد واستجرت به نعم المجير في المبدأ والمعاد وأنجر الحديث وهو شجون يجر بعضه بعضاً إلى الشيخ محرز فخر الإِسلام ومعتقد الخاص والعام ناسب أن نختم هاته الشجرة وختامها مسك بذكر البعض من فضيلته والمرجو من الله الحصول على شيء من بركة من ذكرناه بالشجرة وبركته ومعلوم أنه عند ذكر مثل أولئك السادات تنزل الرحمات والمرجو أيضاً إنزال رحمته ودوام نعمته وإليك ترجمته ومحرز هو أبو محفوظ محرز بن خلف بن رزين بن يربوع بن حنظلة بن إسماعيل بن عبد الرحمن ابن سيدنا أبي بكر الصديق ﵃ وأفاض علينا من أنوارهم وكسانا بعض حلل أسرارهم الشيخ المعتقد المشهور لدى الخاصة والجمهور بالعلم والعمل والفضل المؤدب المربي العارف بالله الواصل الولي الكامل الكثير الكرامات والمناقب والحسنات كانت له اليد البيضاء في إعزاز السنة وإخماد البدع مع الدين المتين والزهد والورع نفعه الله بنيته وتغمده برحمته. كان مجلسه مجلس وعظ مع كرم أخلاق وحلم يقول الشعر ويجيده وكان في ابتداء أمره يسكن بالمرسى لا يألفه إلا أصحابه فلما سكن تونس انبسط للفقراء والغرباء حتى كثر أتباعه فصار منهم من يصافحه ومن لم يصل إليه فيلتمس أثوابه بيده ويمسح بها على وجهه. أخذ عن واصل بن عبد الله القيرواني المشهور بالعلم والصلاح وروى عن أبي إسحاق الدينوري وكتب إليه أبو بكر الأبهري وروى عنه حاتم الطرابلسي ومن لا يعد كثرة وكانت وفاته سنة ٤١٣ هـ وقد ناف عن السبعين وضريحه بتونس عليه بناء غاية في الاحتفال والدعاء عنده مجرب الإجابة وهو الذي دعا أبا محمد عبد الله بن أبي زيد لتأليف ما يجب تعليمه لأبناء المسلمين وأجاب دعوته وألّف الرسالة وإليه الإشارة

стр. 942

في خطبتها بقوله فإنك سألتني إلى آخره فأجبتك إلى ذلك وفي المدارك جاء بعض طلبته إليه طالباً منه أن يكتب كتاباً إلى باديس يعرف عنه ما هو فيه فأخذ قرطاساً وكتب بسم الله الرحمن الرحيم حقق الله الحق في قلوب العارفين من عباده ونقل المذنبين إلى ما افترض عليهم من طاعته أنا رجل عرف كثير من الناس اسمي وهذا من النبلاء وأنا أسأل الله أن يتغمدني برحمة منه وفضل وربما أتاني المضطر يسأل الحاجة فإن تأخرت خفت وإن ساعدت فهذا أشد وقد كتبت إليك في مسألة رجل من الطلبة طولب بدراهم ظلماً ولا شيء له وحامل رقعتي يشرح إليك ما جرى فعامل فيه من لا بد لك من لقائه واستحِ ممن بنعمته وجدت لذيذ العيش واحذر بطانة السوء فإنهم إنما يريدون دراهمك وشاور في أمرك مَن يتق الله ومَن يتق الله يجعل له من أمره يسراً ومَن يتق الله يجعل له مخرجاً واستعن بالله فإن من يتوكل عليه فهو حسبه انتهى. هذا وما قصدت جمعه بهذه الشجرة قد إنتهى وبلغت فيه ولله الحمد سدرة المنتهى وأدركت الغاية من ذكر سادات مداركهم سامية ومعارفهم راقية وأنفاسهم زاكية روح الله أرواحهم وأسكننا جوارهم في جنة عالية قطوفها دانية لا تسمع فيها لاغية ونسأله وهو لا تخفى عليه خافية الإخلاص في النية سراً وعلانية وله الحمد باطناً وظاهراً أولاً وآخراً. وصل اللهم وسلم وبارك على أشرف النبيين سيدنا محمَّد وآله وصحبه والتابعين ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكان الفراغ من ترتيبه وتهذيبه في المحرم سنة ١٣٤٠هـ ثم وقعت زيادة جمل اقتضاها الحال ونسأله خلوص النية في الأقوال والأفعال.

стр. 943

استدراك نظراً لما وقع في الأربعين حديثاً الثنائية المذكورة في المقصد - آخر الطبقة الثالثة- من تحريف ونقص أعيد تحريرها هنا بعد مزيد التحري والاهتمام، ومقابلتها بنسخ من كتاب الموطأ. والعمل على نصها هذا, ولا عمل على ما كتب بآخر الطبقة الثالثة. تنبيه: أخذ مالك بن أنس ﵁ عن أعلام من أئمة الدين وهم كثيرون جداً واقتصرنا على ذكر شيوخه المذكورين بالطبقة الثالثة وشيوخ شيوخه المذكورين بالطبقة قبلها لأنهم المروي عنهم ثنائيات الموطأ وهي تنيف عن مائة حديث، وأثبتنا أربعين حديثاً منها هنا تبركاً واتباعاً لقوله ﷺ : "مَن قرأ على أمتي أربعين حديثاً كنت له شفيعاً يوم القيامة" وفي رواية "مَن حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة حتى يؤديها إليهم كما سمعها كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة" والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى. وهي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ما جاء في صفة النبي ﷺ ١ - مالك عن ربيعة بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وليس بالأبيض الأمْهَق ولا بالآدم ولا بالجَعْد القَطِط ولا بالسّبطِ بعثه الله على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.

стр. 944

ما جاء في الرؤيا ٢ - مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة". حديث نبع الماء من تحت أصابعه ٣ - وبه أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر فالتمس الناسُ وَضُوءاً فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء في إناء فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده ثم أمر الناس يتوضؤون منه. قال أنس: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم. الترغيب في الصوفة ٤ - وبه أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً من نخل وكان أحبُّ أمواله بيرُحاء. وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إلى بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذُخرها عند الله فضعها يا رسول الله ﷺ حيث شئت قال: فقال رسول الله ﷺ : "بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعتُ ما قلتَ فيه وإني أرى أن تجعلها في الأقربين" فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.

стр. 945

ما جاء في المهاجرة ٥ - مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَبَاغَضوا ولا تَحَاسَدوا ولا تَدَابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يَحلُّ لمسلم أن يهاجر أخاه فوق ثلاث ليال". السنّة في الشراب ومُناولته عن اليمين ٦ - وبه أن رسول الله ﷺ أُتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: "الأيمنَ فالأيمن". ما جاء في النهي عن تأخير صلاة العصر ٧ - مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه قال: دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر فقام يصلي العصر فلما فرغ من صلاته ذكرنا تعجيل الصلاة أو ذكرها فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني الشيطان أو على قرن الشيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً". ما جاء في الوليمة ٨ - مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله ﷺ وبه أثر صفرة فسأله رسول الله فأخبره أنه تزوج فقال رسول الله ﷺ : "كم سقت إليها؟ " فقال: زِنة نواة من ذهب، فقال له رسول الله ﷺ : "أولم ولو بشاة".

стр. 946

ما جاء في الحجامة وإجارة الحجام ٩ - وبه أنه قال: احتجم رسول الله ﷺ حَجَمَه أبو طيبة فأمر له رسول الله ﷺ بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه. ما جاء في الغزو ١٠ - وبه أن رسول الله ﷺ حين خرج إلى خيبر أتاها ليلاً وكان إذا أتى قوماً بليل لم يُغر حتى يُصبح فخرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا: محمدٌ والله محمدٌ والخميس فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". قطع التلبية ١١ - مالك عن محمَّد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من مني إلى عرفة كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ قال: كان يهلل المهلل منا فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه. ما جاء في تحريم المدينة ١٢ - مالك عن عمرو مولى المطلب عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ طلع له أحد فقال: "هذا جبل يحبُّنا ونحبه اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها".

стр. 947

ما جاء في وباء المدينة ١٣ - مالك عن نعيم بن عبد الله المجمر عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال". ما جاء في سفر النساء ١٤ - مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها". في جامع ما جاء في الطعام والشراب ١٥ - مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة وضيافته ثلاثة أيام فما كان بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه". ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها ١٦ - مالك عن محمَّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن أعرابياً بايع رسول الله ﷺ على الإِسلام فأصاب الاْعرابي وعكٌ بالمدينة فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أقلني بيعتي فأبى رسول الله ﷺ ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي

стр. 948

فأبى ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي فأبى فخرج الأعرابي فقال رسول الله ﷺ : "إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصح طيبها". في جامع ما جاء في الطعام والشراب ١٧ - مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "أغلقوا الباب واْوكثوا السقاء واكفؤوا الإناء أو خمروا الإناء وأطفئوا المصباح فإن الشيطان لا يفتح غلقاً ولا يحل وكاءً ولا يكشف إناءً وإن الفويسقة تُضرم على الناس بينهم". في جامع ما جاء في تعجيل الفطر ١٨ - مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". ما يتقى من الشؤم ١٩ - وبه أن رسول الله ﷺ قال: "إن كان ففي الفرس والمرأة والمسكن" يعني الشؤم. ما جاء في رؤية الهلال للصوم والفطر ٢٠ - مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 949

"الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له". قدر السحور من النداء ٢١ - وبه أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم". مكيلة زكاة الفطر ٢٢ - مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين. ما جاء في القرآن ٢٣ - وبه أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت". النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها ٢٤ - وبه أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتحر أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها".

стр. 950

فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ ٢٥ - وبه أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة". غسل يوم الجمعة ٢٦ - وبه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" الصلاة في البيت ٢٧ - وبه أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وبلال بن رباح وعثمان بن طلحة الحجبي فأغلقها عليه ومكث فيها قال عبد الله: فسألت بلالاً حين خرج ما صنع رسول الله ﷺ ؟ فقال: جعل عموداً عن يمينه وعمودين عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى. مواقيت الإهلال ٢٨ - وبه أن رسول الله قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحُليفة ويهل أهل الشام من ذي الجُحفة ويهل أهل نجد من قرن" قال عبد الله بن عمرو: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "ويهل أهل اليمن من يلملم". من جامع الإيمان ٢٩ - وبه أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب وهو
следующие страницы →