← Фикх общий

Фикх общий · id 7679

جلسات رمضانية للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (477 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مسائل في الربا وقد بين رسول الله ﷺ الربا فيما يكون، وكيف يكون؟

стр. 107

الأشياء التي تجري فيها الربا أما ما يكون فيه الربا فقال ﷺ : (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح. -كم هذه؟ ستة. ستة أصناف- مِثْلاً بمِثْل -يعني: بعتَ ذهباً بذهب، أو فضة بفضة، أو براً ببر، أو شعيراً بشعير، أو تمراً بتمر، أو ملحاً بملح، مِثْلاً بِمِثْل- سواءًَ بسواء, يداًَ بيد) فاشترط النبي ﵊ المماثَلة والمقابَضة، إذا بِيْعَ شيء من هذه الأصناف بجنسه فلابد فيه من أمرين: المماثَلة: بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر. والمقابَضة: يداً بيد. فإن زِدتَ أو تأخرت في القبض فإنك مرابٍ، قال النبي ﷺ : (فمن زاد أو استزاد فقد أربى) أي: دخل في الربا، فإذا بعتَ ذهباً بذهب، إذا بعت عشرة غرامات بأحد عشر غراماً فهذا حرام؛ لأجل الزيادة، وإذا بعتَ عشرة غرامات بعشرة غرامات لكن لم تقبض فهذا حرام من أجل عدم القبض. والربا الذي يكون بعدم القبض يسميه العلماء: ربا النسيئة؛ لأنه تأخر في القبض. والذي يكون فيه الزيادة يسميه العلماء: ربا الفضل. فقد ينفرد ربا الفضل، وقد ينفرد ربا النسيئة، وقد يجتمعان. إذا اختلفت الأصناف، لم يكن إلا ربا النسيئة. فإذا بعتَ ذهباًَ بفضة فلا بأس بالزيادة والنقص ولكن لابد من التقابض قبل التفرق. إذا بعتَ تمراً ببُر، فلا بأس من التفاضل؛ ولكن لابد من التقابض قبل التفرق. إذا بعتَ شعيراً بملح، لا بأس بالزيادة؛ ولكن لابد من التقابض قبل التفرق. لقول النبي ﷺ : (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد) . فإن قلتَ: لو بعتُ ذهباً ببُر، هل يجب التقابض؟ ف الجواب ظاهر الحديث أنه يجب التقابض؛ لأنه قال: (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم) ، وذهبٌ ببُر اختلفت الأصناف، فيجوز أن نبيع كيف شئنا؛ ولكن يجب أن يكون يداً بيد، هذا هو ظاهر هذا الحديث؛ لكن قد دلت السنة أنه إذا كان أحد الصنفين نقداً، يعني: ذهباً أو فضة فلا بأس من التأخير في القبض، إذا كان أحد العوضين ذهباً أو فضة فلا بأس من التأخير في القبض. بأي دليل؟ بحديث ابن عباس ﵄ قال: (قَدِم النبي ﷺ المدينة وهم يُسْلِفون في الثمار السنة والسنتين -يعني: يعطون دراهماً بتمر بعد سنة أو بعد سنتين- فقال النبي ﷺ : من أسلف في شيء فليُسْلِف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم) وهذا يتأخر في القبض، وقد جاءت به السنة صريحة. فدل ذلك على أن قول النبي ﷺ : (إذا اختلفت هذه الأصناف) يعني: الأربعة فقط، وهي: البر، والشعير، والتمر، والملح. إذا بِيْع جنسٌ بغير جنسه فلابد من التقابض قبل التفرق، ولا يُشترط التساوي، أما إذا بيع جنس من هذه الأصناف الأربعة بذهب أو فضة، فإنه لا يُشترط فيه التساوي، ولا يُشترط فيه التقابض أيضاً؛ لكن إذا بيع ذهب بفضة، فإنه لابد فيه من التقابض، أما التساوي فليس بشرط؛ لأن الذهب لا يساوي الفضة؛ لكن لابد من التقابض. ودليل ذلك أحاديث وردت في هذا أن النبي ﷺ بيَّن بأن الذهب بالفضة لابد أن يكون فيه التقابض قبل التفرق.

стр. 108

بيع وشراء العملات الورقية إذا قال قائل: ما تقولون في هذه العملات الورقية؟! الذهب والفضة معلومان بالسنة؛ لكن هذه العملات الورقية ماذا نقول فيها؟ فقد اختلف العلماء فيها؛ لأنها خرجت متأخرة، ما كانت معروفة عند العلماء السابقين، خرجت متأخرة، والمتأخرون اختلفوا فيها على ستة أقوال، وأقرب الأقوال فيها: أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، يعني: إذا بعت شيئاً بشيء متفاضلاً فلا بأس، لكن لابد من التقابض قبل التفرق، وهذا قول وسط بين من يقول: إنه لا يجري فيها ربا فضل ولا ربا نسيئة، وبين من يقول: إنه يجري فيها ربا الفضل وربا النسيئة، فهذا قول وسط، أنه يجري فيها ربا النسيئة؛ لأن ربا النسيئة هو الأشد والأعظم؛ حتى ذهب بعض السلف قديماً إلى أنه لا ربا إلا في النسيئة، بناءً على حديث أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إنما الربا في النسيئة) . لكن انعقد الإجماع بعد ذلك على مقتضى السُّنَّة الأخرى التي فيها إثبات ربا الفضل، وإثبات ربا النسيئة. فأقرب الأقوال عندي في مسألة الأنواط، يعني: الأوراق، أوراق العملة أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، وأن ربا الفضل فيها جائز، بل هو ليس رباً شرعياً؛ لأنه مثلما لو بعتُ عليك ثوباً بثوبين لا بأس به بالاتفاق، أو بعتُ عليك بعيراً ببعيرين، لا بأس به أيضاًَ، كذلك لو بعتُ ورقةًَ بورقتين لا بأس به؛ لكن إذا كانت الدولة واحدة، فإن كان ورقة بما يقابلها من معدن آخر فلا بأس بالزيادة، وليس فيه إشكال عندي؛ لكن إذا كانت ورقة بورقة؛ لكن ورقة جديدة نظيفة وأخرى فيها تمزق فهذه في نفسي تردُّد، هل تجوز الزيادة في هذا أو لا تجوز، والاحتياط: ألا يكون فيها زيادة. والمهم -أيها الإخوة- أن الربا إثم عظيم وجُرم كبير، وقد قال الله تعالى في من لم ينتهِ عن الربا قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] . ومع الأسف الشديد أننا نحن معشر الأمة الإسلامية الذين فُضِّلنا على كل الأمم -ولله الحمد- فينا اليوم من يتعاطى الربا وكأنه بيع حلال، ففينا بعد ذلك شبه من اليهود؛ لأن اليهود هم المشهورون بأكل الربا، فمن أكل الربا فإن فيه شبهاً من اليهود، إخوان القردة والخنازير والعياذ بالله. نسأل الله لنا ولكم الحماية والوقاية من الشر، إنه جواد كريم.

стр. 109

الأسئلة

стр. 110

كيفية التخلص من الأموال الربوية السؤال شخص له مبلغ كبير في بنك من البنوك بلغت فوائده الربوية (١٠. ٠٠٠) ريال تقريباً، فهل يأخذها ويتصدق بها؟ أو يصرفها في أعمال البر العامة؟ أم يتركها للبنك يتاجرون بها ويربحون بسببها، فيحس بالذنب يلاحقه؟ نرجو توضيح هذه المسألة، وفقكم الله للصواب؟ الجواب لا شك أن بقاء هذا الشيء الذي يسميه السائل: فائدة، لا شك أن بقاءه في البنك ينمِّي ماله ويزيده؛ لكن إذا كان هذا الرجل لا يحب أن ينمِّي مال البنك فلماذا يعطي البنك ماله؟! إذا كان صادقاً في أن يبتعد عن البنوك وعن فوائدها الربوية فلماذا يضع دراهمه في البنك أصلاً؟! لو أن الناس هجروا البنوك ولم يضعوا أموالهم فيها لأفلست البنوك؛ لأن أموال البنوك وأرباح البنوك من أموال الشعب، تَرِدُ عليهم وينتفعون بها، وهذا الربح الذي يعطونك إياه ليس فائدة مالك أبداً حتى تقول: إني تركتُ فائدة مالي لهم، بدليل أن هذا الربح مُطَّرِد، يزيد بزيادة الدقائق، ليس بزيادة الأيام فحسب، وليس هناك ربح يكون بهذا الوجه. ثم إن مالك الذي هو مالك ربما يتَّجر بها البنك ويخسر، وربما يتلف، ربما يصيب البنك حريق فتتلف أموال عظيمة من جملتها مالك، ومع هذا يعطونك الفائدة، فالفائدة هذه ليست فائدة مالك، ولكنها رباً صريح يعطيه البنك لمن جعل ماله عنده، وبعبارة أصح: يعطيه البنك لمن أقرضه ماله؛ لأنك أنت إذا أعطيت البنك فقد أقرضتَه المال؛ لأن البنك يضعه في صندوقه وينتفع به، ليس وديعة، وإن كان الناس يسمونها وديعة؛ لكنها كذب، ما هي وديعة، الوديعة أن يبقى مالك بعينه محفوظاً بكيسه، لا يتصرف فيه المودَع أبداً، هذه الوديعة. أما شيء تعطيه إياه ويضعه في صندوقه ويتصرف فيه فهذا يسميه الفقهاء: قرضاً، وليس وديعة، والمعاني لا تتغير بتغيُّر الأسماء أبداً، ولهذا أخبر النبي ﵊ أنه في آخر الزمان يشرب أقوام الخمر ويسمونها بغير اسمها، فهل تنتقل عن الخمر إلى الاسم الجديد؟ لا. هي خمر، هكذا أيضاً هذه التي نسميها ودائع وهي عند البنوك ليست وديعة أبداً، بل هي قرض ينتفع بها البنك. فنقول لهذا السائل: أولاً: لماذا تضع مالك عند البنك وأنت تشعر بأن في هذا تنمية لأموالهم وزيادة فيها؟! فإذا قلت: إنني مضطر إلى ذلك؛ قلنا: الضرورة لا تبيح لك أخذ الربا أبداً، وبيننا وبينك كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨-٢٧٩] أي: اتركوا الربا الذي أنتم عقدتموه من قبل، حتى ربا الجاهلية الذي تم العقد عليه قبل الإسلام قال فيه النبي ﵊: (ربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع من ربانا: ربا العباس بن عبد المطلب) . والشرع لا يتغير باستحسان العقول، بعض الناس يقول: لماذا أخلِّي هذا المال الكثير عند البنك يربحُه؟ نقول: ما ربحه، مالك ما ندري هل ربح أم خسِر؟! وهل ربح أضعاف أضعاف الذي أعطاك أو أقل؟! لا ندري، هذا ليس ربحاً، ولا يجوز أن نسميه ربحاً؛ هذا رباً، رباً صريح، ولهذا -كما قلتُ- يزيد بزيادة الساعات والدقائق والأيام، إذا تأخر أضيف إليه زيادة، كلما تأخر، يُحسب بالدقيقة، كيف يقال هذه فائدة؟! أين الفائدة؟! فإذا كان ربك يقول لك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٨] اتركوا الباقي، كيف تأخذه أنت؟! أليس الله يعلم أنك لو قبضته وتصدقت به أو صرفته في منفعة عامة أليس الله يعلم أن ذلك يكون؟ الجواب: بلى، يعلم هذا، لماذا لم يقل للعباد: خذوه وتصدقوا به أو اصرفوه في المصالح العامة؟! الله لا يمكن أن يحرم عباده مما فيه الخير أبداً، وأن يأمرهم بما فيه الشر! لا يأمر إلا بالصالح أو الأصلح، ولولا أن الصالح أو الأصلح في تركه ما قال: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ثم في تركه له فوائد عظيمة؛ خلافاً لما يتراءى لبعض الناس من سطح المسألة وظهرها: من أكبر فوائده: أن الناس إذا علموا أو إذا شعروا بأن هذه التي يسمونها فوائد كثيرة تبلغ ملايين ما هي (١٠. ٠٠٠) كما قال السائل، فإن هذا سيضطَّرهم إلى أن يوجدوا معاملات بديلاً عن هذا، أما إذا استمروا على هذا أو استمرءوه، قال: آخذ، وأصرفه في مصالح عامة، وربما يشح بها أيضاً، ربما تمنعه نفسه، هو أخذها بهذه النية؛ ولكن مع كثرتها إذا صار يقلِّبها يقول: والله! هذه مليون، مليونان، عشرة ملايين، لا، خلِّها وسننظر فيما بعد، يموت وهو ما صرفها في شيء، أو ربما يغلبه الشح وتبقى، ثم هو لو فرضنا أن الرجل أخذها وصرفها فوراً إلى شيء نافع فغيره لا يدري هل أخذها وصرفها أم لا؟! فيقتدي به، يحصل في هذا شر كبير. فالمهم أن تركها امتثالاً لأمر الله وتحسُّباً للفوائد العظيمة التي ستكون في تركها، لا شك أنه متعيِّن. وما استحسنه بعض الناس من أن تأخذها وتصرفها في المصالح العامة هذا استحسان في مقابلة النص، ولا -والله- أعلم لأحد حجة إذا وقف بين يدي الله يوم القيامة، وقد قال الله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ لا أعلم له حجة أن يقول: يا رب! أخذته لأني أرى أن فيه مصلحة، المصلحة كلها في طاعة الله ورسوله، ليست في شيء سواهما، طاعة الله ورسوله فوق كل شيء. وثِق أيضاً بأنك إذا تركت هذا طاعة لله ورسوله فستكون العاقبة حميدة لك، وستجد لذة طعم هذا الترك إلى أن تموت، لا سيما إذا كثر المال المتروك. فعلى كل حال نقول: لا تأخذه، ولا تصرفه في المصالح؛ لأنك إن صرفته في المصالح أو تصدقت به تقرباً إلى الله لم يُقبل منك، وبُؤت بالإثم، كسبت الإثم ولم يقبل منك هذا، وإن أنفقته في المصالح أو تصدقت به تخلصاً منه صرت كمن تلوث بالنجاسة ثم حاول أن يغسلها، ما الفائدة؟ إذا كنتَ تعرف أن هذا لا يحل لك ما الفائدة أنك تأخذ وتصرف، قال: والله! الفائدة أنني أحرمهم إياه؛ لأنه ربما يأخذونه ويضعونه في الكنائس، أو يضعونه في أسلحة يقاتلون بها، نقول: إذا كان هذا الاحتمال وارداً عندك، فأصل إدخالك المال محرم؛ لأنهم سيستعينون به على ذلك.

стр. 111

حكم المسابقات السؤال هذا سؤال قد طُرح على فضيلة الشيخ في الحلقة الماضية، وهو عن فوازير رمضان، وورد إلينا الآن تنبيه وهو: قضية اصطحاب هذه الفوازير للموسيقى والغناء وظهور بعض البنات ونحو ذلك! والسؤال يتجدد عن حكم هذه الفوازير! قضية فوازير رمضان يحصل فيها غناء وموسيقى؟ الجواب حسناً! الفوازير هذه، وهو اسم والله! ما أدري إِيْشْ هذه الفوازير! جمع فزُّورَة؟ جمع فزُّورة. الفزُّورة إِيْشْ هي؟! أََلْغاز. لكن ما هي لغة عربية الظاهر. الجواب: على كل حال أنا أقول: إذا كان يصحبها ظهور بنات جميلات فالواجب الإعراض عنها، ولا يجوز الاستماع إليها وفيها موسيقى، ولا يجوز النظر إليها وفيها بنات يفتنَّ الناظر، فيجب الإعراض عنها. ولكن هذا يمكن أن يستمع الإنسان إليها من جهة أخرى؛ لكن قيل لي: إن فيها مفسدة ثانية، وهي: أنه لا يقبلون الإجابة إلا بعد أن يسلم الإنسان دراهم -قسيمة- يقولون: ما نقبل إلا إذا سلمت دراهم -والله ما أدري- خمسة ريالات، أو خمسة عشر ريالاً، ما أدري، هل منكم يعرفها؟ أو أنهم لا يقبلون الإجابة إلا بشراء كتيب أو دفتر تكتب عليه الإجابة. إذا كان كذلك وهو أن الإجابة لا تقبل إلا بشراء هذا الكتيب، ولنقل: إنه بخمسة ريالات، هذا الذي سلم خمسة ريالات ما سلَّم لأجل الكتيب، يمكن الكتيب لا يساوى ريالاً واحداً؛ إنما سلَّم لأجل الجائزة، أو سلَّم أيضاً لأجل أن يُقبل فقط حتى نقول: إن العوض هنا معلوم، وهو قبول إجابته، هو لولا هذه الجائزة التي قدِّرت ما تقدم في الإجابة، وحينئذ يكون سلَّم خمسة ريالات بناءً على أنه سيحصل على جائزة، وهذه الجائزة ربما تحصل وربما لا تحصل، وربما تكون أضعاف أضعاف الخمسة ريالات، وربما تكون -ما أدري- أقل. عل كل حال: إذا بنيتَ هذا على القاعدة المعلومة عند أهل العلم وهي: أن كل عقد يكون دائراً بين الغُنم والغُرم فإنه داخل في الميسر، علمتَ أن هذا من الميسر. قد يقول قائل: مصلحة أو ريع هذا الكتيب لن يدخل على الذين وضعوا هذه المسابقة، ووضعوا هذه الجائزة، حتى نقول: إنه من باب الميسر، وإنما سيُصرف إلى جهات أخرى، فيقال: هذا صحيح؛ لكن أصل المعاملة بالنسبة للمتقدم هي ميسر؛ لأن يعرف أنه مُخاطِرٌ الآن، إما أن تروح عليه الخمسة ريالات التي صرفها، وإما أن يحصِّل أكثر، فهي في الحقيقة وإن كانت أهون مما إذا كان الذي يأخذه مَن وضَع الجائزة؛ لكن هي داخلة في الميسر، وهذه مشكلة في الحقيقة حصلت من المسابقة في هذا العام.

стр. 112

حكم الزكاة على المدين السؤال هذه سائلة تقول في سؤالها: عندي بضاعة أبيع وأرتزق منها، فهل تجب عليَّ الزكاة، علماً بأنني مدينة؟ الجواب نعم. القول الراجح من أقوال أهل العلم: أن الزكاة واجبة على من عنده مال زكوي، وإن كان مديناً؛ لأن النصوص التي دلت على وجوب الزكاة في الأموال الزكوية نصوص عامة ما فيها استثناء، ولم يأت عن رسول الله ﷺ حديث واحد؛ لا صحيح ولا ضعيف، في أن ما يقابل الدين يُسقَط ولا تجب فيه الزكاة أبداً، بل كان الرسول ﵊ يبعث الناس إلى أخذ الزكاة من أهل المواشي ومن أهل الثمار ولم يقل لهم: اسألوا أهل الثمار: هل عليهم ديون أم لا؟! مع أنه كما سمعتم كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين، غالبهم يصير عليه دين، ولا تقوم فلاحته إلا بالتديُّن لها، ومع ذلك ما كان الرسول ﷺ يقول للناس الذين يقبضون الزكاة يقول: اسألوهم: هل عليهم ديون؟ فأسقِطوا عنهم ما يقابل الدين! فلما لم يقل ذلك مع دعاء الحاجة إليه عُلِم أن الدين ليس بمانع من وجوب الزكاة فيمن عنده مال زكوي. وقول بعض الفقهاء ﵏: إن الزكاة وجبت مواساة، وأن المدين ليس أهلاً للمواساة، هذا من جملة ما أشرنا إليه، من جملة التحسين المعارِض للنص، وكل شيء يعارض النص فإنه مرفوض وغير مقبول. فالصحيح أن الإنسان الذي عنده مال زكوي سواءً كان دراهم أو كان تجارةً أو كان سائمةً من بهيمة الأنعام، أو كان ثماراً؛ فإنه يجب عليه أن يزكيه إذا وجبت فيه الزكاة, ولو كان عليه دين، فإذا قدَّرنا أن رجلاًَ عنده بضاعة تساوي [١٠. ٠٠٠] ريال، وهو مدين بعشرة آلاف ريال، عليه دين (١٠. ٠٠٠) ريال وجب عليه أن يزكي التجارة التي عنده، وإذا احتاج إلى قضاء الدين أعطيناه نحن من الزكاة، وقضينا دينه؛ لأنه غارم، فالحمد لله! الله لن يضيع أحداً، فالذي يؤدي الزكاة وعليه دين نقول له: إذا اضطررت يوماً من الأيام إلى أن نقضي دينك قضيناه من الزكاة. وعلى هذا فنقول في جواب سؤال المرأة: إنه يجب عليها أن تزكي هذا المال الذي تتجر به ولو كان عليها دين.

стр. 113

حكم تتبع المساجد لطلب الصوت الحسن السؤال أرشدونا فيما هو الأفضل: تتبُّع المساجد لطلب الصوت الحسن، أم الذهاب إلى من يطبق السنة ويحافظ على الخشوع؛ ولكنه لا يمتاز بصوت حسن، مع أن الحاجة داعية إلى ذلك؟ الجواب لا شك أن الصوت الحسن مرغوب، والإنسان يحب أن يستمع القرآن من صوت حسن، بل قد قال النبي ﷺ : (ما أذن الله لشيء إِذْنَه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن) أي: ما استمع الله تعالى لشيء مثلما يستمع لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن. وسمع النبي ﷺ ذات ليلة أبا موسى الأشعري يقرأ القرآن، واستمع لقراءته، ثم قال له النبي ﵊ في الصباح، قال: (لقد استمعتُ إلى قراءتك الليلة، وقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داوُد -أي: صوتاً حسناً- فقال: أوَسَمِعْتَ ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: لو علمتُ لحبَّرتُه لك تحبيراً) يعني: زينتُه أحسن. وفي هذا دليل على أن الإنسان لا بأس أن يحسِّن صوته من أجل أن يستمع الناس إليه؛ لأن الرسول ﷺ لم ينكر على أبي موسى لما قال هذا. لكن إذا كان الذهاب -أي: ذهاب الرجل- يؤدي إلى هجران المساجد الأخرى، وضعف همم أصحاب الحي، فإن بقاء الإنسان في مسجده أفضل، وكذلك أيضاً لو كان مسجد حيه يطبق السنة أكثر صار أيضاًَ صلاته في مسجد حيه أفضل. وهذا القارئ الذي يقرأ يمكن للإنسان أن يستمع إلى قراءته في مسجل ويخشع لها، ثم الخشوع في الحقيقة هو حضور القلب بين يدي الله ، وليس هذا البكاء الطويل العريض الذي أحياناً يصل إلى إزعاج لبعض الناس، فالرسول ﷺ أشد الناس خشوعاً، وكان إذا سجد يُسمع لصدره أزيز كأزيز المِرْجَل، خفي، ليس بهذا الصراخ الذي يُسمع من بعض الناس. فالذي أرى أنه لا بأس أن الإنسان يذهب إلى مسجد حسن الصوت، إذا كان هذا ألذ وأطيب لقلبه وأخشع؛ ولكن يُلاحظ أنه إذا كان هناك من يطبق السنة أكثر فهو أولى، وكذلك إذا ذهب إلى هذا المسجد تخلو مساجد الحي أو تضعف همم الناس، فإن وجوده في مسجده أفضل ليكثِّر الناس، ولا سيما إذا كان رجلاً له قيمة في المسجد، فإن هذا أيضاً ربما يُحدث شيئاًَ في قلب الإمام. أما أولئك الذين سمعنا أنهم يأتون من نحو ثمانين كيلو، ومائة كيلو، وما أشبه ذلك، فهذا لا شك أن هذا تصرف خاطئ، خاطئ جداً؛ لأن هذه المسافة؛ ثمانين كيلو، ساعة ذهاب، وساعة إياب، بدون فائدة، إلا مجرد الاستماع لهذا الصوت، هذا إضاعة وقت، والوقت أشرف من أن يُضاع في مثل هذا الشيء، صحيحٌ أن قصد العبادة فيه أجر لا شك؛ لكن إلى هذا الحد؟! تضيع عليك ساعتان من هذه الليالي الشريفة؟! هذا -في رأيي- أنه تصرفٌ خاطئ، وكلامنا على الشخص الذي يكون في البلد نفسه.

стр. 114

حكم نزول السائل الأصفر من المرأة الحامل السؤال هذه سائلة تقول: إذا نزل من المرأة الحامل سائل أصفر، فهل تقضي هذا اليوم علماً بأنها في الشهر الثامن؟ الجواب لا، الحامل لا يضرها ما نزل منها من دم أو صُفرة؛ إلا إذا كان عند الولادة أو قبلها بيوم أو يومين مع الطلق، فإنه إذا نزل منها دم صار نفاساً، وكذلك في أوائل الحمل، فإن بعض النساء في أوائل الحمل لا تتأثر عادتهن، تستمر على طبيعتها وعادتها، فهذه أيضاً دمُها يكون دمَ حيض. وأما ما يحدث أحياناً في أثناء الحمل فهذا لا يضر ولا يؤثر، تصوم المرأة وتصلي إلا أنها عند الصلاة تتحفظ لئلا يخرج شيء منها أثناء الصلاة، بقدر الإمكان، وكذلك أيضاًَ تتوضأ لوقت كل صلاة.

стр. 115

التحذير من خروج النساء إلى الأسواق السؤال تشكو النساء من فراغ كثير خصوصاً في مثل هذه الليالي؛ لا يجدن أمامهن إلا التلفاز أو الفيديو، فما نصيحتكم لهنَّ في قضاء هذه الأوقات؟ وآخر يشتكي من كثرة خروج النساء إلى الأسواق، نرجو التوجيه؟ الجواب أما خروج النساء إلى الأسواق فلا شك أنه محزن ومؤسف، والمسئولية تقع أول ما تقع على الرجال أولياء الأمور؛ لأنهم هم الذين نصبهم الله تعالى قوَّامين على النساء، فقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] ، وقال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] . ولا يجوز للإنسان أن يدع نساءه هكذا طلقاً، يذهبن حيث شئن، لا في الليل ولا في النهار، لا في رمضان، ولا في غيره، بل الواجب عليه الملاحظة والمراقبة، لا سيما مع خوف الفتنة، بأن تخرج المرأة متطيبة أو متبرجة أو ما أشبه ذلك. فأنا أجعل المسئولية الكبرى على أولياء الأمور، يجب أن تُمنع المرأة من الخروج من البيت إلى الأسواق في الليل، حتى لو أدى ذلك إلى منعها من المسجد؛ ولا يعارض هذا قول النبي ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) لأني أمنعها من الخروج إلى المسجد حيث إنها إذا خرجت إلى المسجد مرت على السوق، وقامت تتجول فيه بلا فائدة، فأنا أمنعها لا عن المسجد؛ ولكن عمَّا يكون بعد المسجد، وإلا أحرصُ عليها بأن أتلقاها من حينِ ما تخرج من المسجد وأذهب بها إلى البيت. وأما فراغ النساء في البيوت، فالمرأة هي التي جعلت الفراغ لنفسها، وعندي أنه لا فراغ، أما بالنسبة للفتيات الصغار فغالبهنَّ في المدارس، وهي عليها مسئولية للمدرسة، يمكنها أن تُمضي ليلها في مطالعة الدروس، ما دامت لم تَنَمْ. وأما الكبار فشئون البيت كثيرة، يمكنها أن تسعى في أمور بيتها أو تنام كما كانت النساء من قبل، كانت النساء من قبل ليس عندهن تلفاز، وليس عندهن فيديو، ولا راديو، ولا شيء، وأمورهن قائمة، بل هي والله أحسن من الوقت هذا، تجد المرأة الفارغة قلبها متعلق بعبادتها وشئون بيتها، وليس لها نظر ولا التفات إلى أي شيء آخر؛ لكن النساء هنَّ اللاتي أشغلن أنفسهن بهذه المشاهد، أو هذه المسامع، وهنَّ في غنى عنها، فبإمكانها إذا انتهت صلاة التراويح أن تبقى في البيت إن كانت تدرس، تراجع دروسها، إن كانت مدرِّسة تراجع ما تريد أن تدرِّسه، إن كانت تقرأ القرآن قرأت القرآن، إن كانت لا تقرأ اشتغلت بشئون بيتها، إذا لم يكن شغل وانتهى الشغل تنام، وليس بإشكالٍ المسألةُ، المسألةُ ليس هنالك إشكال، وليس هناك فراغ؛ لكن النساء هنَّ اللاتي يخلقن هذا الإشكال، ويطلبن حلَّه وحله -والحمد لله- يسير وسهل.

стр. 116

حكم العمل بجهاز الكمبيوتر في معرفة ما في بطون الأمهات وغير ذلك السؤال سائل يسأل عن حكم العمل بجهاز الكمبيوتر؛ حيث أنه يحكم على ما في بطون الأمهات بالذكورة أو الأنوثة ويخبر قبل شهر بالطلوع والغروب والسحاب والمطر؟! الجواب نعم، الاشتغال بهذا لا بأس إذا لم يشغل عما هو أهم منه؛ لأن هذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] وفي قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:٢٩] . فهذه المسائل لا بأس بتعلُّمها؛ إلا إذا أشْغَلَت عما هو واجب وأهم منها فهذا شيء آخر؛ لكن إذا لم تشغل فإنها مفيدة جداً، وفيها مصلحة أيضاً حتى للمسلمين عموماً، حتى لا يبقى الشعب المسلم أبله؛ يترقى الناس إلى الصنائع العظيمة التي تخدمهم خدمة لا يتصورها العقل. ولقد جاءتني ورقة من امرأة، تقول لي: لماذا تقول: الكمبيوتر؟! لأن الكمبيوتر لغة إنجليزية، ولكن قل: العادُّ، أو الحاسِبُ، أو ما أشبه ذلك، فأنا تعجبتُ! سبحان الله! عندي رجال كثير ما قالوا في هذا شيء، وهذه المرأة تنتقدني، والانتقاد في محله يُشكر الإنسان عليه، ولهذا هل يمكن أن نغيره؟ أقول: إن غيرناه فذاك هو الأحسن، وإن لم نغيِّره فلا حرج؛ لأن اللغة العربية الفصحى فيها كلمات مترجمة منقولة من لغة أخرى، حتى في القرآن الكريم كلمات أصلها أعجمية؛ لكن استعملها العرب فكانت من كلامهم، وتسمى هذه الكلمات كلمات معرَّبة، فلا حرج أن نسمي هذه الأسماء بما سماها أصحابها، وليس في هذا بأس. على كل حال أقول: إن الاشتغال بالكمبيوتر لا بأس به إذا لم يشغل عن واجب أو ما هو أهم؛ لأن فيه مصلحة. وأما العلم بما في بطن الأنثى بعد أن يُخَلَّق فهذا أمر وقع الآن وعُلم، ولا يعارض قول الله : ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] لأن هذا العلم إنما يكون بعد الوجود، وعلم الله تعالى لما في الأرحام كائن قبل الوجود، يعلم ما سيكون في رحم هذه الأنثى وإن لم تحمل، ويعلم أيضاً ما في بطنها قبل أن يُخَلَّق، ويعلم مآل هذا الحمل، ويعلم حياته وعمله وكل أحواله، وهم لا يتوصلون إلا إلى علم شيء محسوس بعد وجوده، وبعد وقوعه، وهو: الذكورة والأنوثة. وكذلك أيضاً علمهم بما سيكون من المطر، هو علم يُدرك؛ لكنه بآلات قوية الحساسية، والله جعل لكل شيء سبباً، فالأمطار لها أسباب، والغيوم لها أسباب، كله في هذا الغلاف الجوي، فهناك آلات دقيقة جداً جداً يتبين بها بعد دراستها وإجراء الاختبار عليها أن الجو متكيِّف لأن يكون المطر قريباً أو بعيداً وهو يقول إنه إلى شهر، وهذا علم جديد؛ لأن الذي أعرف أنه إلى (٢٤) ساعة، وأنهم وصلوا الآن إلى ثلاثة أيام، ما أدري هل زاد ذلك أم لا. فهذه أيضاًَ أمور تُدرك بالحس، وليست من أمور الغيب، ولا بأس أن يصدقها الإنسان؛ لكن لو قال قائل لإنسان: إنه سيكون لك كذا، وسيكون لك كذا، هذا هو الذي من علم الغيب، ولا يجوز لأحد أن يصدقه، ولهذا أحذركم من قراءة بعض المجلات التي تَرِدْ إلى المملكة فيها الطالع المنحوس، والطالع المسعود، وما أشبه ذلك، ويذكرون طالع الإنسان: أنت في أي نجم ولِدْت؟ إن ولدت في كذا سيحصل كذا وسيحصل كذا، هذا حرام ولا يجوز أن نصدقه، والتصديق به من الكفر.

стр. 117

حكم الصور على الفرش والبطانيات السؤال ابتلينا بالصور في الثياب والكتب والمجلات والفُرُش، فما حكم الفُرُش والبطانيات التي يكون فيها رسماً لحيوانات، وهل تجوز الصلاة في الغرف التي فيها مثل هذه البطانيات؟ الجواب الواقع أننا كما قال السائل ابتلينا بهذه الصور، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة) وإذا أخذنا بعموم هذا الحديث شمل كل شيء فيه صورة؛ ولكن جمهور أهل العلم يقولون: إن الصورة التي تُمْتَهَن -وهي: التي في الفرش- لا بأس بها، ويجوز أن يستعملها الإنسان؛ ولكن مع ذلك أنا أشير أن الإنسان يدعها حتى في الأشياء التي تُمْتَهَن؛ لأن النبي ﷺ جاء ذات يوم إلى بيت عائشة ورأى نمرقة -يعني: وسادة- فيها صورة، فوقف، وعُرِفَت الكراهية في وجهه، فقالت عائشة ﵂: (إني أتوب إلى الله ورسوله، ماذا صنعتُ يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : إن أصحاب هذه الصور يُعَذَّبون، يقال: أحيوا ما خلقتم) ثم أمرها ﷺ أن تشقها نصفين، فهذا يدل على أنه حتى وإن كانت في الأشياء التي تُمْتَهَن فإن تجنبها أولى، فتجنب هذه الصور أولى بكل حال؛ حتى في الفرش والمَخاد والمساند. لكن هناك شيء أيضاً ابتلي الناس به، وهو ما يكون في المجلات والجرائد، وعندي أنه لا يلزم الإنسان أن يطمس كل ما يجد في المجلات والجرائد من أجل المشقة، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] والإنسان لم يشترِ هذه المجلات والجرائد من أجل صورها، بل من أجل ما فيها من الأخبار والعلوم، ولهذا يوجد مجلات مخصوصة للصور، تجدها مشتملة على هذه الصور، هذه لا شك أنها حرام، ولا يجوز للإنسان أن يدخلها بيته. وبهذه المناسبة أقول: إنه يجب على الرجال أن يلاحظوا النساء الناقصات في العقول والدين، فإن النساء ابتلين الآن بشراء مجلات الأزياء، تجد المرأة عندها مجلة أو مجلتان من مجلات الأزياء تنظر إليهم، وهذا من الغزو الفكري الذي غزا به أعداءُ المسلمين المسلمين في عقر دارهم وهم لا يعلمون، ما بالنا وبال هذه الألبسة التي قد تكون محرمة في ذاتها، وقد تكون محرمة من أجل ما اشتملت عليه من التشبُّه، ثم هي أيضاً تُعرض في صور -والعياذ بالله- شبه عارية، في صور فاتنة، تلقى الصورةَ طويلةً وجميلةً ومتخصِّرةً وواضعةً يدها على خصرها، وعليها هذا الزي، كأنما تقول لنسائنا: افعلن مثلما فعلتُ، فالواجب على الرجال إذا رأوا مثل هذه المجلات بأيدي النساء أن يأخذوها ويحرقوها، وأن يوبخوا النساء في اقتنائها؛ حتى لا ينتشر الشر بيننا، أنا أقول: إن البلاد الإسلامية التي تحلل كثير منها من الأخلاق أول ما ابتُليَت به مثل هذه المجلات، دُخِّلت على الناس في البيوت، فاقتدى الناس بها، وأخذوها شيئاًَ فشيئاً، حتى أصبحت الأزياء في كثير من بلاد الإسلام أصبحت مزرية، لا يجيزها ذو عقل سليم، فضلاًَ عن صاحب الدين. أما الصلاة في الأماكن التي توجد فيها مثل هذه الصور فإن كانت من الأشياء المباحة كالذي يُمْتَهَن على قول جمهور أهل العلم فلا بأس بها، وإن كانت من الأشياء التي غير مباحة، مثل الصور المعلقة فإنه لا يُصلى في هذا المكان حتى تُنَزَّل الصور، مع أن هذه الصور المعلقة لا يجوز أن تعلَّق أبداً مهما كان المصوَّر، بعض الناس يضع صورته في برواز ويعلقها في المجلس، أو يضع صورة والده، أحياناً يضعون صورة الوالد وهو ميت، نسأل الله العافية، وبعض الناس يضع صور اللاعبين؛ لاعبي الكرة، وللناس إرادات وأهواء، المهم كل الصور المعلقة لا تجوز أياً كان المعلَّق. والصلاة على تلك البُسُط لا شك أنها تشغل المصلي، الشيطان حريص على إشغال المصلي لا سيما إذا كان أمامه صورة، فسوف تشغله، ورسول الله ﷺ صلى ذات يوم في خميصة -ثوب مُعَلَّم له أعلام- فنظر إلى أعلامها نظرة -كما جاء في الحديث- نظرة واحدة فلما انصرف من صلاته أمر بأن تؤخذ هذه الخميصة وتُعطى أبا جهم، وتؤخذ أمبجانية أبي جهم بدلاًَ عنها، فتأمَّلَ الرسول ﵊، ونظر إليها نظرة، فكيف بمن يجلس وينظر الصور، وينظر الرأس واليدين والرجلين، ويخطط ويزين، الشيطان أيضاًَ يجيء له بتخيلات أخرى غير الموجودة في الفراش، فالواجب أو الذي ينبغي للإنسان أن يتجنب كل ما يشغله عن صلاته. إن شاء الله تعالى إلى جلسة قادمة. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 118

جلسات رمضانية لعام ١٤١١هـ[١-١] إن الواجب على المسلم أن يتدبر في أحكام الله وأوامره لأجل أن يؤجر على ذلك عند الله ، ومن هذه الأحكام صيام شهر رمضان متى فرض الله صيام شهر رمضان؟ وكيف كان تطور فرضية شهر رمضان من الله سبحانه؟ ومن الذين كلفهم الله سبحانه بصيامه؟ حتى نقوم بالعبادة خير قيام، فننال الأجر الكبير والثواب الجزيل من الله تعالى.

стр. 119

مسائل تتعلق بصيام رمضان الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٣] . ثم إن الله تعالى جلل هذه النعمة بما أنزله من الغيث والمطر على غالب بلادنا ولله الحمد. ثم إن هذه النعمة جُلِّلت بأمر ثالث وهو: انتهاء الحر قبل أن يأتي هذا الشهر المبارك؛ لأنه لو بقي على ما كان عليه لاختلت عبادات كثير من الناس في هذا الشهر، ولقلقوا، ولفاتهم الخير الذي جعله الله تعالى في هذا الشهر. هذه النعم وأمثالها وأمثال أمثالها، وأضعافها، وأضعاف أضعافها كلها يجب على المرء المؤمن أن يتأملها، حتى يعرف نعم الله عليه من الفضل والإحسان، وحتى يحب الله ، فإن من أكبر أسباب محبة الله: أن ينظر الإنسان إلى نعم الله ، ولهذا جاء في الأثر: (أحبوا الله لِمَا يغذوكم به من النعم) . فإن الإنسان بطبيعته التي جبله الله عليها يحب من يحسن إليه ولو كان من بني جنسه، فكيف إذا كان المحسن عليه هو الخالق ، فإنه يحبه أكثر وأكثر. ولكن من الناس من انحرف عن هذه الفطرة والعياذ بالله، وعن هذه الطبيعة التي خلق الله الخلق عليها، وجَبَلَهم عليها، فصار إذا أصابتهم نعمة أضافها إلى سببها، ونسي المسبب لها وهو الله، كما ثبت ذلك في الصحيح: عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ الغداة على إثْر سماء كانت من الليل في الحديبية -يعني: على إثْر ماء مطر نزل- فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال الله : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) مع أن الكواكب ليست سبباً لنزول المطر؛ لكنها ظروف وأوقات لنزول المطر، يقدر الله الأمطار في نوء دون نوء، وفي وقت دون وقت، لحكمة اقتضت هذا. أقول: إن بعض الناس لينسبون النعم إلى غير مسديها، أي: إلى غير الله ، ينسبونها إلى قوتهم، وإلى بسالتهم إذا كان هناك حرب وانتصار، وإلى أناس لا يملكون لهم ولا لأنفسهم نفعاً ولا ضراً. والواجب أن ننسب النعم أولاً وآخراً إلى الله ، حتى نعطي للحق حقه، لأن هذا ما يقتضيه الدين الإسلامي، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] . في هذه السنة، وبعد زوال هذه الغمة العظيمة يجيء هذا الشهر في وقت معتدل، إبَّان دخول فصل الربيع الذي هو أحسن فصول السنة، وأريحها للبدن. لذلك سيكون إن شاء الله تعالى صومنا في هذا الشهر سهلاًَ، والليل أطول مما مضى من الأعوام السابقة. فالذي ينبغي لنا أن نستغل هذه الفرصة فيما يقرب إلى الله . ولكن أبشركم ونفسي بأن الإنسان إذا قام مع الإمام حتى ينصرف في صلاة التراويح، فإنه يُكتب له قيام ليلة كاملة، ولو كان نائماً على فراشه؛ لأن النبي ﷺ لما قام بأصحابه ذات ليلة حتى مضى شطر الليل، قالوا: (يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا! قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة) وهذا يدل على أن هذا القيام الذي نسميه في أول الليل يغني عنه قيام في آخر الليل؛ لأن النبي ﷺ لم يرشدهم إلى أن يقوموا في آخر الليل، لم يقل: من شاء منكم فليقم في بيته، بل قال: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة) من أجل ألا يتعب أبدانهم. ومع ذلك فإن العشر الأواخر من هذا الشهر كان منهج النبي ﷺ إحياؤها، يحيي الليل كله، ويوقظ أهله؛ لأنها أفضل أيام الشهر، ولياليها أفضل ليالي الشهر، وفيها ليلة القدر التي من قامها إيماناً واحتساباً غُُفر له ما تقدم من ذنبه، كما صح في ذلك الحديث عن رسول الله ﷺ . درسنا في هذه الليلة أن نعرف: متى فُرِضَ الصيام؟ وكيف تطور فرضُه؟ وعلى من يجب الصيام؟

стр. 120

فرضية الصيام أما الأول: فإن الصيام فُرض في السنة الثانية من الهجرة، كما فُرضت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة، على قول بعض أهل العلم. فُرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة، وكان أول ما فُرض: أن من شاء صام، ومن شاء افتدى أي: أطعم عن كل يوم مسكيناً. ثم فُرض الصيام عيناً، وكان لابد أن يصوم الإنسان. فإذاً: تطور الصيام مرتين: المرة الأولى: التخيير. والثانية: تعيين الصوم. ثم هناك تطور آخر، فكان الناس إذا صلوا العشاء أو نام الإنسان ولو قبل العشاء، فإنه يحرم عليه الأكل والشرب والجماع إلى أن تغرب الشمس من اليوم الثاني؛ ولكن الله خفَّف وقال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] فيسَّر الله على عباده، وصار الإنسان له أن يأكل ويشرب ويجامع إلى طلوع الفجر، سواء نام قبل ذلك أم لم ينم.

стр. 121

من يجب عليهم صيام رمضان أما مَن يلزمه الصوم فإنه مَن جَمَعَ ستة شرائط: ١/ الإسلام. ٢/ والبلوغ. ٣/ والعقل. ٤/ والقدرة. ٥/ والإقامة. ٦/ وانتفاء المانع. أما الإسلام: فضده الكفر. فالكافر لا يلزمه الصوم، أو نلزمه به، ولا نلزمه بقضائه إذا أسلم؛ لأنه قبل أن يسلم ليس من أهل العبادات، حتى لو صام لم يصح صومه، ولم يُقبل منه. وأنه إذا أسلم فإننا لا نأمره بالقضاء، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] فإذا أسلم في أثناء الشهر لم يلزمه قضاء ما مضى، وإذا أسلم في أثناء اليوم لم يلزمه قضاء ذلك اليوم؛ ولكن يمسك بقية الشهر في المسألة الأولى، وبقية اليوم في المسألة الثانية. أما العقل: فضده الجنون، وإن شئت فقل: ضده فَقد العقل، من جنون أو غيره:- فالمجنون ليس عليه صوم، وفاقد العقل لحادث أو كبر أو غير ذلك ليس عليه صوم، وليس عليه كفارة؛ لأنه قد رُفع عنه القلم، فليس من أهل التكليف. وأما البلوغ: فضده الصغر. فالصغير لا يلزمه الصوم؛ لكنه يختلف عن المجنون أو عن فاقد العقل، لأنه إذا صام صحَّ صومه، بل إن العلماء يقولون: يجب على وليه أن يأمره بالصوم ليعتاده، ويتمرن عليه، اقتداءً بـ السلف الصالح، الصحابة ﵃ كانوا يصوِّمون أولادهم حتى إن الصبي ليبكي من الجوع، فيُعطى لعبة يتلهى بها إلى الغروب. وأما القدرة: فضدها العجز. وقد قسم أهل العلم العجز إلى قسمين: ١- عجزٌ مستمر. ٢- وعجزٌ طارئ غير مستمر. فالعجز المستمر: كعجز الكبير عن الصوم، وعجز المريض مرضاً لا يرجى برؤه كالسرطان، والجُذام، وشبهه، فهؤلاء لا يلزمهم الصوم؛ لأنهم عاجزون عنه؛ ولكن يلزمهم أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً، وكيف يكون الإطعام؟ للإطعام صفتان: الصفة الأولى: أن يصنع طعاماً غداءً وعشاءً، ومعلوم أن الغداء يكون بعد رمضان، غداءً وعشاءً، ويطعمهم إياه، كما كان أنس بن مالك يفعل ذلك حينما كبر. الصفة الثانية: أن يعطي كل واحد مُدَّاً من الأرز، ويَحْسُن أن يجعل معه لحماً أو شيئاً يؤدِّمه، والمُدُّ: مقابل خُمُس الصاع في صاعنا هنا في القصيم، وذلك لأن المُدَّ الموجود في عهد الرسول ﵊ كان ربع صاع النبي ﷺ ، الصاع في عهد الرسول ﷺ كان أربعة أمداد، وصاع النبي ﷺ بالنسبة إلى صاعنا أربعة أخماس، بل يقل قليلاً. أما القسم الثاني من العجزة، فهو: العاجز عن الصوم عجزاً طارئاً يُرجى زواله: فمن مرض مرضاً طارئاً بحمى أو غيرها، فهذا ينتظر حتى يُشفى، ثم يصوم، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] . فإن قُدِّر أن هذا المرض تمادى به واستمر حتى مات فليس عليه شيء، لا إطعام، ولا صيام؛ وذلك لأن الله أوجب عليه أن يقضي، ولم يدرك القضاء، فصار كمن مات قبل دخول رمضان، لا يلزمه أن يُصام عنه، إلا إذا شُفي وقدر على الصوم؛ ولكنه تهاون حتى مات، فإنه يُقضى عنه بعدد الأيام التي قدر فيها على الصوم فلم يصم. أما الشرط الخامس فهو: الإقامة. الإقامة يعني: أن يكون الإنسان مقيماً: وضده المسافر، فالمسافر لا صوم عليه، يخيَّر بين أن يصوم ويفطر والصوم أفضل، إلا مع المشقة فالفطر أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] وكان النبي ﷺ يصوم في السفر؛ إلا أنه أفطر لما شق على أصحابه. قال أبو الدرداء ﵁: (كنا مع النبي ﷺ في يوم شديد الحر في رمضان، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة) . وأما انتفاء المانع فهو: ألا تكون المرأة حائضاً ولا نُفَساء، فإن كانت حائضاًَ أو نُفَساء فإنه لا يلزمها الصوم، بل لو صامت الحائض أو النُّفَساء لم يصح صومها، بإجماع المسلمين. وإذا حاضت المرأة في أثناء نهار رمضان وهي صائمة بطل صومها، وإذا حاضت بعد غروب الشمس ولو بلحظة، فصومها صحيح، حتى لو أحست (بمغص) قبل أن تفطر ولكنها لم ترَ الدم إلا بعد الفطور فإن صومها صحيح؛ خلافاً لما يظن بعض النساء أنها إذا حاضت قبل أن تصلي المغرب بطل صوم يومها، فإن هذا لا أصل له، ولا صحة له. هذه الشروط الستة، شروط من يجب عليه الصوم أداءً. ومنها ما هو شروطٌ للوجوب أداءً وقضاءً مثل: الإسلام، والعقل، فإن فاقد العقل لا صوم عليه، لا أداءً ولا قضاءً، وكذلك الكافر لا صوم عليه، لا أداءً ولا قضاءً، البلوغ أيضاً شرط للوجوب أداءً وقضاءً، فالصبي لا يجب عليه الصوم، لا أداءً ولا قضاءً. بقي الإقامة، والقدرة، وعرفتم التفصيل فيها. وإلى هنا ينتهي درسنا لهذه الليلة. ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاستقامة على دينه، والثبات عليه.

стр. 122

الأسئلة

стр. 123

كيفية قضاء المسلم وقته في رمضان السؤال كيف يقضي المسلم وقته في رمضان؟ الجواب لابد أن نعلم أن الأعمال منها ما هو فاضل ومنها ما هو مفضول، وأن المفضول قد يقترن به من المصالح ما يجعله أفضل من الفاضل، ولذلك كان من هدي الرسول ﷺ أنه يتحرى الأفضل، لا يدوم على حال واحدة، فيصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم، وكذلك يقوم حتى يقال: لا ينام، وينام حتى يقال: لا يقوم، فمثلاً قراءة القرآن في رمضان لا شك أنها فاضلة، وأن فيها أجراً؛ لكن لو أن الإنسان خرج في جنازة يشيعها كان هذا أفضل؛ لأن الجنازة تفوت، وقراءة القرآن لا تفوت، كذلك لو أتى له شخص يسأله عن مسائل العلم، واشتغل بذلك، لو وفد إليه وفد يحتاج إلى تلقٍ وإلى ضيافة، فاشتغل بذلك، كل هذا على أجر، حتى إن الرسول ﷺ يشتغل مع أهله وهو معتكف، كما جاءت إليه صفية تحدثه ذات ليلة، وجلس يحدثها ﵊.

стр. 124

حكم الإطعام عن الأيام المتعددة وإعطائه مسكيناً واحداً السؤال هل يجزئ طبخ الطعام بأن يطعم المساكين بعدد أيام الصوم، إذا أطعم طعاماً هل يجزئ أن يعطي عن الأيام المتعددة مسكيناً واحداً؟ الجواب لا يجزئ أن يعطي عن الأيام المتعددة مسكيناً واحداً؛ لأن كل يوم يجب أن يكون له مسكين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] فلابد أن يكون المساكين بعدد الأيام التي عليه، فلو أطعم واحداً أو اثنين وعليه عشرة أيام ما يجزئ، ولو أطعم تسعة لابد أن يكمِّل العاشر، نعم.

стр. 125

مصلى المرأة في بيتها ليس له حكم المسجد السؤال بعض النساء وخاصة الكبيرات في السن تتوضأ قبل الصلاة بمدة، فتأتي قبل الأذان فتصلي ركعتين أو أكثر، فهل تعتبر هاتان الركعتان تحية للمسجد؟ وهل يعتبر مكانها الذي تصلي فيه في المنزل مثل المسجد بالنسبة للرجال؟ الجواب مكان المرأة الذي تصلي فيه في البيت ليس مسجداً، بل هو مصلى، ولهذا لا يصح لها أن تعتكف فيه، ولا يلزمها إذا جلست فيه أن تصلي ركعتين، فهو ليس بمسجد. وعلى هذا فإذا تطهرت قبل الوقت نظرنا إن كان في وقت نهي فإنها لا تصلي إلا سنة الوضوء على القول الراجح، وهو أن النوافل التي لها سبب ليست داخلة في النهي، وما عدا ذلك، أي: من النوافل التي ليس لها سبب فإنه لا يجوز لها أن تصلي إذا كان الوقت وقت نهي. أما إذا لم يكن وقت نهي فلها أن تصلي ما شاءت.

стр. 126

حكم أداء صلاة الراتبة قبل الأذان السؤال وهل تجوز صلاة السنة الراتبة القبلية قبل الأذان؟ الجواب لا تجوز، السنة الراتبة القبلية لابد أن تكون بعد دخول الوقت، فلو أن الإنسان صلى الراتبة القبلية قبل دخول الوقت ولو بلحظة؛ فإنها لا تجزئه عن الراتبة، بل لابد أن يعيدها. وبهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة خطيرة وهي: صلاة الصبح؛ لأن المؤذنين يؤذنون قبل الوقت، عندما يؤذنون قبل الوقت بخمس دقائق، أو ست دقائق، فيأتي بعض الناس -ولاسيما في أيام الصيام- ويتعجل ويصلي، وهذا خطر عظيم، إذا كبر للإحرام قبل دخول الوقت فصلاته غير صحيحة، يعني: لا تبرأ بها ذمته، وإن كانت تصح نفلاً؛ لكنها لا تبرأ بها الذمة، ولذلك ينبغي في صلاة الفجر وسنتها أن تتأخر على الأقل عشر دقائق بعد الأذان، حتى نتيقن أو يغلب على ظننا أن الوقت قد دخل.

стр. 127

حكم إطعام الصغير والكافر من كفارة الصيام السؤال هل يجزئ في الإطعام أن يُطعم صغيراً أو كافراً؟ الجواب الصغير الذي يأكل الطعام لا بأس أن يطعم منه، وأما الكافر فلا يجوز أن يطعم من الكفارات؛ لأنه يشترط في الكفارات أن يكون مصرفها إلى المسلمين؛ لكن الزكاة أوسع؛ لأنها تجوز للكافر المؤلَّف الذي يؤلَّف على الإسلام، وأما الكفارات: كفارة الصيام، أو كفارة اليمين، أو كفارة الظهار، فإنها لا تجزئ إذا صرفت إلى الكافر.

стр. 128

حكم إفطار المصاب بمرض السكر أو السرطان السؤال ذكرتم في خطبة الجمعة الماضية أن السكر من الأمراض المستديمة، وأن المصاب بمرض السكر له أن يفطر ويطعم، ومن المعروف أن كثيراً من المصابين بمرض السكر يصومون ولا يضرهم، فما مقياس المرض المستديم؟ وهل المصاب بمرض السكر يفطر على كل حال؟ الجواب لا. لا يفطر على كل حال؛ لا المصاب بمرض سكر، ولا المصاب بمرض السرطان، لا يفطر المريض إلا إذا كان الصوم يشق عليه، فإذا كان الصوم يشق عليه فإنه يفطر. وأمراض السكر تختلف؛ لكن مرض السكر فيه نوع لا يمكن أن يصبر صاحبه عن تناول الحبوب، وإذا فقد هذه الحبوب يُغمى عليه وربما يموت، ويستمر معه هذا شتاءً وصيفاً، فمثل هذا يُعتبر من الأمراض الممتدة التي يُطْعِم مَن أصيب بها عن كل يوم مسكيناً.

стр. 129

تفضيل قراءة القرآن في رمضان السؤال إذا كان طالب العلم قد وضع برنامجاً لنفسه في اليوم والليلة، فيجعل مثلاً الثلثين من الوقت لحفظ المتون والاطلاع، وما تبقى لأكله وشربه وقراءة القرآن، فهل يستمر على ذلك ولو في رمضان؟ أم يجعل أكثر وقته لقراءة القرآن؟ أفيدونا وجزاكم الله خيراًَ. الجواب الذي ينبغي في رمضان أن تجعل أكثر قراءتك لكتاب الله ؛ لأن لقراءة القرآن في هذا الشهر مزية ومنفعة لا تكون في غيره من الشهور، ولهذا كان النبي ﵊ ينزل عليه جبريل في رمضان يدارسه القرآن؛ لأنه أُنْزل في هذا الشهر، فكان هذا الشهر أولى الشهور به. فالذي ينبغي أن يكثر من قراءة القرآن في هذا الشهر، ويطالع ما يحتاج إلى مطالعته أو حفظه في كتب العلم، والعلم لا يذهب بذَهاب رمضان، يمكن أن يتدارك ما نقص عليه في رمضان فيما بعد.

стр. 130

كيفية تعليم كافر أسلم قبل رمضان بأيام السؤال إذا أسلم كافر قبل رمضان بأيام؛ ولكن صعُب تعليمه بشروط الصيام بسبب اللغة، مع العلم أنه أُخذ إلى مكتب الدعوة، وعَرَف أنه يصوم عن الأكل والشرب؛ ولكن لا يعرف ما الفائدة من هذا الصوم، فما العمل؟ أرشدونا إلى كيفية مساعدته جزاكم الله خيراً. الجواب إي نعم، العمل أن يُبَيَّن له أن الصوم عبادة، وأن الإنسان إذا صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وأن الجنة فيها باب يُقال له: الريان، لا يدخله إلا الصائمون، ويُبَيَّن له أيضاً أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك، فيُبَيَّن له فضائل الصوم، حتى يرغب، وإذا كان لا يجيد اللغة فيُعَلَّم ولو بالإشارة.

стр. 131

بم يثبت دخول رمضان ؟ السؤال إنَّا قد رأينا الشيخ الجليل يَسأل بعد أن انصرف من صلاة العشاء عمن سمع ثبوت دخول الشهر من الإذاعة أو غيرها، مع أن شهري رجب وشعبان قد تمَّ كل واحد منهما ثلاثين يوماً، أفلا يثبت دخول شهر رمضان بتمام عدة شعبان ثلاثين؟ الجواب صحيح؛ لكن هم يقولون: إنه لم يثبت دخول رجب ولا شعبان، وإذا كان كذلك، فاحتمال أن الشهور التي قبلها كانت تامة، فتتم ثلاثة أشهر، وحينئذ لابد أن نتأخر يوماً، لهذا سألنا، مع أن الذي كان يغلب على الظن أن لديهم شيئاً من الاقتناع بأن الليلة من رمضان على كل حال؛ لأنهم -كما سمعتُ- طلبوا من الناس أن يتحروا الهلال ليلة الجمعة، وإذا كان كذلك، فهذا يدل على أنهم مقتنعون بأن ليلة الجمعة الثلاثين من شعبان؛ لأن التحري لا يكون إلا في ليلة الثلاثين؛ أما قبل ليلة الثلاثين فلا داعي للتحري، هكذا قالوا؛ على كل حال الحمد لله أنه ثبت، وكان من نيتنا أننا نصلي صلاة القيام بناءًَ على أنهم طلبوا أن يتحرى الناس الهلال ليلة الجمعة. كما أن الذي قال بالمذهب أيضاً يقيم التراويح هذه الليلة؛ لأنها غَيْمٌ أو قتر، وإذا كان غَيْماً أو قتراً، أو إذا كانت السماء غَيْماً أو فيها قتر، فإن الصوم واجب على المسلمين في المذهب وإن لم يُرَ الهلال، فتُصلى التراويح أيضاً؛ لكن هذا القول نرى أنه ضعيف، ولا نعمل به؛ إلا أننا بناءً على ما غلب على ظننا، من أن الجهات المسئولة مقتنعة، أو غالب على ظنها أنه سيكون الليلة من رمضان.

стр. 132

نصيحة لمن لم يخشع في صلاة التراويح السؤال أثناء صلاة التراويح أحس بضيق في نفَسي وعدم الخشوع، فبماذا تنصحونني؟ الجواب أنصحك بأن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن الظاهر أن هذا من الشيطان، فإنه قد يأتي الإنسان في حال عبادته فيضيِّق عليه الأمر، إما بضيق التنفس، أو بالملل، أو ما أشبه ذلك. فإذا أحس بهذا فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليتدبر ما يقرؤه في حال صلاته، أو ما يستمع إليه من إمامه، فإن التدبر من أسباب الخشوع في الصلاة.

стр. 133

الدعاء الوارد في الجلوس بين السجدتين السؤال أرجو بيان الدعاء بين السجدتين، حيث أراك تطيل فيهما؟ الجواب نعم، الدعاء بين السجدتين معروف: رب اغفر لي، وارحمني، وعافني، وارزقني، واجبرني. والإطالة: ممكن للإنسان أن يأتي بدعاء آخر يختاره لنفسه، ويمكن أن يكرر الدعاء؛ لأن النبي ﷺ كان إذا دعا أحياناً يكرر الدعاء ثلاث مرات.

стр. 134

حكم إخراج كفارة اليمين نقوداً السؤال هل يجوز في الكفارات أن تدفع مالاً لهيئة الإغاثة، أو لإعانة المجاهدين، أو إفطاراً؛ حيث إن كل مجاهد يحتاج إلى أربعة ريالات تكفيه؟ الجواب لا. الإطعام لا يجوز أن يُدفع دراهم ولا قروشاً، بل لابد أن يكون إطعاماً، كما جاءت به السنة، وإذا كان يريد أن يدفع دراهم إلى هيئة الإغاثة أو إلى المجاهدين، ووكَّل شخصاً يشتري بهذه الدراهم طعاماً ليطعمه من يجب إطعامه فلا بأس، إذا وثق منه.

стр. 135

حكم من أخر قضاء رمضان حتى جاء رمضان الثاني السؤال ما الحكم الشرعي في رجل أخر قضاء الصوم الواجب عليه حتى أدركه رمضان ولم يقضِ ما عليه؟ فهل يلزمه إطعام إذا قضاه بعد دخول رمضان الآخر، أفيدونا وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أما إذا كان بعذر من جهل أو مرض أو سفر فلا شيء عليه، وأما إذا كان لغير عذر فقد اختلف العلماء في هذه المسألة: منهم من قال: يلزمه مع القضاء إطعام لكل يوم مسكيناً. ومنهم من قال: إنه لا يلزمه الإطعام. وهذا القول هو الصحيح، أنه لا يلزمه الإطعام؛ لكن عليه أن يتوب ويستغفر، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] ولم يذكر الله الإطعام، وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] يشمل كل يوم من أيام الدنيا، سواء كان قبل رمضان أو بعد رمضان، والواجبات لا يُلْزَم بها العباد إلا بدليل، حتى لو فُرض أنه صح عن بعض الصحابة الأمر بالإطعام، فلعل هذا على سبيل الاستحباب، وأما الإيجاب وتأثيم الناس بترك الإطعام ففي النفس منه شيء، ولهذا كان القول الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن من أخَّر القضاء عن رمضان الثاني بلا عذر فهو آثم، وعليه أن يتوب ويستغفر، ويكفيه أنه يصوم بدون إطعام.

стр. 136

الذكر الذي يقال بعد الوتر السؤال ماذا يقول المصلي بعد الانتهاء من صلاة التراويح؟ و الجواب أما إذا أُتِمَّت التراويح بالوتر، فإنه إذا انتهى من الوتر وسلَّم منه يقول: سبحان الملك القدوس؛ ثلاث مرات، ويرفع صوته في الثالثة. وأما إذا كانت قياماً بدون وتر، فلا أعلم في هذا شيئاً؛ لأن هذا ليس كالصلوات الخمس التي يستغفر الإنسان فيها ثلاثاً ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، ولا أعلم أن النبي ﷺ كان يقول شيئاً إذا تطوع سواء في الصلوات الراتبة أو في قيام الليل، إلا في الوتر فيقول: سبحان الملك القدوس؛ ثلاث مرات، ويرفع صوته في الثالثة كما جاء في الحديث.

стр. 137

حرمة خلو المرأة مع السائق الأجنبي عند ذهابها إلى المسجد السؤال للأسف جداً! هناك بعض النسوة تأتي إلى المسجد لصلاة التراويح مع السائق، وهذا أمر نحب أن تنبهوا عليه في هذه الليلة وغيرها؛ لما يكثر منه في المساجد؟ الجواب أولاً أنبه على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وأكثر أجراً؛ لكن إذا كانت محتاجة إلى الصلاة في المسجد، لكونها في البيت لا تستطيع أن تصلي لكثرة الأولاد الذين يشغلونها، فإن الصلاة في المسجد قد تكون أفضل من هذه الناحية، بشرط أن يكون عند أولادها من يقوم عليهم، وأما أن تأتي للمسجد وتترك الأولاد فهذا إضاعة أمانة، وهي إلى الإثم في هذه الحال أقرب منها إلى الأجر. وإذا كانت أو إذا كان الأفضل أن تأتي إلى المسجد فإنه لا يجوز أن تأتي وحدها مع السائق؛ لأن ذلك من الخلوة التي نهى عنها النبي ﷺ ، وهي من أخطر الخلوات، كما سمعنا عن وقائع وقعت إذا خلا السائق بالمرأة، ولا تستهين المرأة بهذا الأمر، لا تقل: هذا السائق رجل -مثلاً- طيب، وأنا آمنة منه، لا. الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فربما يزين في نفوسهما شراً فيقع المحظور. المهم: أن المرأة يحرم عليها أن تأتي وحدها مع السائق، أما إذا كانت مع نساء فلا بأس؛ لأن هذا ليس بسفر، وليس بخلوة. وسنجعل إن شاء الله انتهاء الدرس في الساعة الرابعة بالتوقيت الغروبي. والله أعلم. وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 138

جلسات رمضانية لعام ١٤١١هـ[٢-١] إن الله لم يفرض على عباده فرائض إلا لحكم أرادها، وفوائد ومصالح تعود عليهم، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وقد ذكر الشيخ ﵀ في هذه المادة عدداً من فوائد صيام شهر رمضان المبارك، ثم ختم ذلك بأجوبة على بعض الأسئلة المتعلقة بشهر رمضان.

стр. 139

حكم ترك صيام رمضان الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه هي الجلسة الثانية في شهر رمضان لعام: (١٤١١هـ) للقاء بكم في الجامع الكبير في عنيزة ليلة الثلاثاء. ولقد رأيتم ما صنعنا في صلاة الوتر، حيث قرأنا سوراً غير السور التي تقرأ في العادة، والتي هي السنة، وذلك لأجل أن يتبين للناس أن قراءة سورة الأعلى وسورة الكافرون وسورة الإخلاص ليس على سبيل الوجوب؛ لكنه على سبيل الاستحباب. كما أنه ليس من شرط الوتر القنوت، أعني: الدعاء بعد الركوع، فالوتر: أن يأتي الإنسان بصلاة الوتر واحدة، أو ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً، أو إحدى عشرة، والقنوت ليس بشرط لصحة الوتر، فإن قنت الإنسان فهو خير، وإن ترك فهو خير، وكلٌّ جاءت به السنة؛ لكن في رمضان يحب الإنسان أن يداوم على الدعاء لكثرة الجمع، وكثرة الجمع من أسباب إجابة الدعاء، أما في غير رمضان فالأولى ألا يداوِم الإنسان على القنوت، أي: على الدعاء بعد الركوع. ثم إننا استمعنا في كتاب ربنا إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فبين الله في هذه الآية أن الصيام فرض عيني يجب على كل مسلم، وسبق في الدرس الماضي بيان شروط الوجوب، وأنها ستة، وهذا الفرض هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وقد ذكر فقهاء الحنابلة ﵏ عن الإمام أحمد بن حنبل: أن من ترك الصيام تهاوناً فهو مرتد كافر، كمن ترك الصلاة، وحجة هذا القول: أن كلاً منهما ركن من أركان الإسلام، والشيء لا يقوم إلا بأركانه، كأركان الخيمة وعمد الدار؛ ولكن القول الراجح أنه ليس شيء من أركان الإسلام سوى الشهادتين تحصل الردة بتركه إلا الصلاة، كما في حديث عبد الله بن شقيق قال: [كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة] . على كل حال هو فرض، وهذا الفرض ليس خاصاً بهذه الأمة بل بجميع الأمم، كما قال تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] وهذا يدل على أهميته، أي: الصوم، وأنه مصلح لكل الأمم، وأنه لا بد للأمم من صوم.

стр. 140

فوائد مقتطفة من صيام رمضان

стр. 141

فوائد من قوله تعالى: (كما كتب على الذين من قبلكم) وفي قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فائدتان عظيمتان: الفائدة الأولى: تسلية هذه الأمة، وأنها لم تُكَلَّف شيئاً لم تُكَلَّف به الأمم السابقة. لأن من المعلوم أن في الصوم نوع مشقة؛ ولاسيما في أيام الصيف الطويلة الحارة؛ ولكن الله سلَّى هذه الأمة بأن الصوم قد كتب على مَن قبلَهم. وهذه فائدة عظيمة؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما يصيب غيره، كما أشار الله إليه في قوله عن أهل النار: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] لأن العادة أن الإنسان إذا شاركه غيره في العقوبة هانت عليه العقوبة؛ لكن يقول الله لأهل النار: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] فلن يعين بعضكم بعضاً، ولن يسلي بعضكم بعضاً. وتقول الخنساء في رثاء أخيها صخر، تقول: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلتُ نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي وهذا يدل على أن الإنسان يتأسى بغيره، ويتسلَّى به، ففي قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تسلية لهذه الأمة أن ترى أنها كلفت بأمر شاق، لم تكلف به الأمم السابقة. الفائدة الثانية: رقي هذه الأمة إلى الخصال الحميدة التي ترقَّى إليها مَن سبقَها. يعني: أن جميع الفضائل التي سبقت إليها الأمم فإن هذه الأمة ولله الحمد حازتها، لم تُحرم هذه الأمة خصلة من الخصال الحميدة التي وصلت إليها الأمم السابقة. فهاتان فائدتان عظيمتان في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ .

стр. 142

كف النفس عن محارم الله وإلزامها بطاعة الله ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] وهذه الفائدة هي روح الصوم، وهي: تقوى الإنسان لربه :- والتقوى: اسم من الوقاية، فهي -أي: التقوى- أن يَتَّخِذ الإنسانُ وقاية من عذاب الله؛ ولكن بماذا يَتَّخِذ وقاية من عذاب الله؟ بفعل الأوامر، واجتناب النواهي. وقد قيل في تعريف التقوى: خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى يعني: أن تدع الصغائر والكبائر، هذه التقوى. فالتقوى: أن يقوم الإنسان بما أوجب الله عليه، وأن يدع ما حرم الله عليه؛ لأن هذه هي الوقاية من عذاب الله . ومن المعلوم أنه لا أحد يقوم بما أوجب الله عليه إلا وهو عالم به. إذاً: فالعمل مسبوق بعلم، أليس كذلك؟ ولا يترك شيئاً محرماً عليه إلا وقد سبقه العلم بذلك، وهذا يغني عن قول بعضهم: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تدع ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله، كل هذه تعاريف؛ لكنها تنصب في هذا المعنى الجامع، وهي فعل الأوامر وترك النواهي. ولهذا قال النبي ﵊: (من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) يعني: ليس لله إرادة وغرض في أن يعذب الخلق بحرمانهم من الأكل والشرب، إنما الحكمة من الصوم هي: أن يدع قول الزور، والعمل به، والجهل وهو: ليس عدم العلم، الجهل: العدوان على الغير، هذا هو الجهل، كما قال الشاعر الجاهلي: ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فالجهل هو: العدوان على الغير. إذاًَ: من فوائد الصوم: كف النفس عن محارم الله، وإلزامها بطاعة الله.

стр. 143

تربية النفس على الصبر والتحمل ومن فوائد الصوم: أن فيه تربية للنفس على الصبر والتحمل. على أي شيء؟ الصبر عن المحبوب، وعلى المكروه. فالصوم جامع لأنواع الصبر الثلاثة، ففيه: صبر على طاعة الله. وصبر عن معصية الله. وصبر على أقدار الله المؤلمة. الصبر على طاعة الله: لأن الإنسان يحبس نفسه على أن يقوم بهذا الأمر، هذا صبرٌ على ماذا؟ على طاعة الله. صبرٌ عن محارم الله: يتجنب الصائم ما حرم الله عليه، سواءً كان محرماً لخصوص الصوم كالأكل والشرب، أو محرماً على سبيل العموم كالغيبة والكذب، فهو يصبر نفسه عن فعل المحرم. صبر على أقدار الله المؤلمة: وهي ما يصيب الصائم من الهلع والعطش والجوع والخمول؛ لأن كل هذا يحصل للصائم، لاسيما في أيام الصيف الطويلة الحارة. لذلك كان فيه تربية عظيمة للنفس على الصبر والتحمل.

стр. 144

تذكر الإنسان لما أنعم الله به عليه من الغنى ومن فوائد الصوم: أن الإنسان يتذكر به نعمة الله عليه بالغنى، وتيسير الأكل والشرب والنكاح؛ لأنه في النهار لا يأكل، ولا يشرب، ولا يتمتع بالنساء، يعني: لا يتمتع بالنساء بالجماع. فيتذكر نعمة الله عليه بتيسيرها، وأنه إذا حرمها فات عليه كثير من مقاصده، فيتذكر النعمة.

стр. 145

استشعار الإنسان لحال إخوانه الفقراء ومن فوائد الصوم أيضاً: أن الإنسان يتذكر به حال إخوانه الفقراء. فإن الفقراء يعجزون عن الأكل والشرب والنكاح، فيتذكر حال إخوانه فيعطف عليهم، ويرحمهم. كثير من الناس في عهدنا -ولله الحمد- لا يجدون صعوبة في الأكل والشرب؛ لأنه ميسر؛ لكن يجدون صعوبة في النكاح، فإذا صام الإنسان وامتنع عن إتيان أهله تذكر حال الشباب الذين يحتاجون إلى نكاح، فعطف عليهم، وأعانهم، وساعدهم؛ لأن الشيء لا تعرف فائدته إلا بضده، إذا وُجد الضد عرف قدر النعمة، أما إذا كان دائماً في نعمة؛ فإنه لا يعرف قدرها.
следующие страницы →