← Фикх общий

Фикх общий · id 7679

جلسات رمضانية للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (477 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فوائد من قوله تعالى: (كما كتب على الذين من قبلكم) وفي قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فائدتان عظيمتان: الفائدة الأولى: تسلية هذه الأمة، وأنها لم تُكَلَّف شيئاً لم تُكَلَّف به الأمم السابقة. لأن من المعلوم أن في الصوم نوع مشقة؛ ولاسيما في أيام الصيف الطويلة الحارة؛ ولكن الله سلَّى هذه الأمة بأن الصوم قد كتب على مَن قبلَهم. وهذه فائدة عظيمة؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما يصيب غيره، كما أشار الله إليه في قوله عن أهل النار: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] لأن العادة أن الإنسان إذا شاركه غيره في العقوبة هانت عليه العقوبة؛ لكن يقول الله لأهل النار: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] فلن يعين بعضكم بعضاً، ولن يسلي بعضكم بعضاً. وتقول الخنساء في رثاء أخيها صخر، تقول: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلتُ نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي وهذا يدل على أن الإنسان يتأسى بغيره، ويتسلَّى به، ففي قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تسلية لهذه الأمة أن ترى أنها كلفت بأمر شاق، لم تكلف به الأمم السابقة. الفائدة الثانية: رقي هذه الأمة إلى الخصال الحميدة التي ترقَّى إليها مَن سبقَها. يعني: أن جميع الفضائل التي سبقت إليها الأمم فإن هذه الأمة ولله الحمد حازتها، لم تُحرم هذه الأمة خصلة من الخصال الحميدة التي وصلت إليها الأمم السابقة. فهاتان فائدتان عظيمتان في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ .

стр. 142

كف النفس عن محارم الله وإلزامها بطاعة الله ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] وهذه الفائدة هي روح الصوم، وهي: تقوى الإنسان لربه :- والتقوى: اسم من الوقاية، فهي -أي: التقوى- أن يَتَّخِذ الإنسانُ وقاية من عذاب الله؛ ولكن بماذا يَتَّخِذ وقاية من عذاب الله؟ بفعل الأوامر، واجتناب النواهي. وقد قيل في تعريف التقوى: خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى يعني: أن تدع الصغائر والكبائر، هذه التقوى. فالتقوى: أن يقوم الإنسان بما أوجب الله عليه، وأن يدع ما حرم الله عليه؛ لأن هذه هي الوقاية من عذاب الله . ومن المعلوم أنه لا أحد يقوم بما أوجب الله عليه إلا وهو عالم به. إذاً: فالعمل مسبوق بعلم، أليس كذلك؟ ولا يترك شيئاً محرماً عليه إلا وقد سبقه العلم بذلك، وهذا يغني عن قول بعضهم: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تدع ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله، كل هذه تعاريف؛ لكنها تنصب في هذا المعنى الجامع، وهي فعل الأوامر وترك النواهي. ولهذا قال النبي ﵊: (من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) يعني: ليس لله إرادة وغرض في أن يعذب الخلق بحرمانهم من الأكل والشرب، إنما الحكمة من الصوم هي: أن يدع قول الزور، والعمل به، والجهل وهو: ليس عدم العلم، الجهل: العدوان على الغير، هذا هو الجهل، كما قال الشاعر الجاهلي: ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فالجهل هو: العدوان على الغير. إذاًَ: من فوائد الصوم: كف النفس عن محارم الله، وإلزامها بطاعة الله.

стр. 143

تربية النفس على الصبر والتحمل ومن فوائد الصوم: أن فيه تربية للنفس على الصبر والتحمل. على أي شيء؟ الصبر عن المحبوب، وعلى المكروه. فالصوم جامع لأنواع الصبر الثلاثة، ففيه: صبر على طاعة الله. وصبر عن معصية الله. وصبر على أقدار الله المؤلمة. الصبر على طاعة الله: لأن الإنسان يحبس نفسه على أن يقوم بهذا الأمر، هذا صبرٌ على ماذا؟ على طاعة الله. صبرٌ عن محارم الله: يتجنب الصائم ما حرم الله عليه، سواءً كان محرماً لخصوص الصوم كالأكل والشرب، أو محرماً على سبيل العموم كالغيبة والكذب، فهو يصبر نفسه عن فعل المحرم. صبر على أقدار الله المؤلمة: وهي ما يصيب الصائم من الهلع والعطش والجوع والخمول؛ لأن كل هذا يحصل للصائم، لاسيما في أيام الصيف الطويلة الحارة. لذلك كان فيه تربية عظيمة للنفس على الصبر والتحمل.

стр. 144

تذكر الإنسان لما أنعم الله به عليه من الغنى ومن فوائد الصوم: أن الإنسان يتذكر به نعمة الله عليه بالغنى، وتيسير الأكل والشرب والنكاح؛ لأنه في النهار لا يأكل، ولا يشرب، ولا يتمتع بالنساء، يعني: لا يتمتع بالنساء بالجماع. فيتذكر نعمة الله عليه بتيسيرها، وأنه إذا حرمها فات عليه كثير من مقاصده، فيتذكر النعمة.

стр. 145

استشعار الإنسان لحال إخوانه الفقراء ومن فوائد الصوم أيضاً: أن الإنسان يتذكر به حال إخوانه الفقراء. فإن الفقراء يعجزون عن الأكل والشرب والنكاح، فيتذكر حال إخوانه فيعطف عليهم، ويرحمهم. كثير من الناس في عهدنا -ولله الحمد- لا يجدون صعوبة في الأكل والشرب؛ لأنه ميسر؛ لكن يجدون صعوبة في النكاح، فإذا صام الإنسان وامتنع عن إتيان أهله تذكر حال الشباب الذين يحتاجون إلى نكاح، فعطف عليهم، وأعانهم، وساعدهم؛ لأن الشيء لا تعرف فائدته إلا بضده، إذا وُجد الضد عرف قدر النعمة، أما إذا كان دائماً في نعمة؛ فإنه لا يعرف قدرها.

стр. 146

إتمام الإنسان لحقيقة العبودية من فوائد الصوم أيضاً: أن الإنسان يتمم حقيقة العبودية. كيف ذلك؟ لأننا نرى العبادات إما فعل أمر يحتاج إلى جهد، وإما ترك شيء محبوب إلى النفوس، وإما بذل محبوب إلى النفوس. فالصلاة مثلاً جهد يحتاج إلى عمل، ولا يخفى علينا جميعاً أن الناس في أيام الشتاء يحتاجون إلى وضوء، وإلى خروج إلى المساجد في الأيام الشاتية الباردة، فيحصل في هذا نوع من المشقة، فيقول الإنسان: أنا عبد لله، أفعل ما أمر ولو شق عليَّ، ولهذا جعل النبي ﵊ من الرباط: إسباغ الوضوء على المكاره، إسباغ الوضوء على المكاره جعله من الرباط، وجعل كثرة الخطا إلى المساجد من الرباط أيضاً. وكفٌّ عن محبوب: لأن الإنسان قد يهون عليه الشيء من الجهد؛ لكن لا يصبر عن المحبوب، ففي الصيام كف النفس عن المحبوب: الأكل، والشرب، والنكاح؛ لاسيما الشاب الذي كان قريب عهد بالزواج، يشق عليه تركه؛ لكن إذا تركه طاعة لله في موضع لا يعلم عنه إلا الله، كان في هذا تحقيق العبودية. الثالث ما هو؟ بذل المحبوب: وهذا في الزكاة، فالزكاة بذل محبوب إلى الإنسان، وبذل المحبوب شاق على النفس، قد يكون بعضُ الناس يهون عليه أن يصاب بدنُه، ولا يهون عليه أن يصاب مالُه، ولا يخفى عليكم قصة الرجل الذي عثر، فانجرحت إصبعه، فقال: (شُوَيْ وشخص لاَّ في النِّعْلَة) يعني: جرح رجله أهون عليه من قطع النِّعْلَة. إذاًَ: المال صار حبيباً إليه، وكل شخص يحب المال. فتجد أن العبادات -سبحانه الله! سبحان الذي شرعه! - متنوعة لأجل أن يُعرف تمام عبودية الإنسان لله؛ لأن الإنسان قد يهون عليه شيء، ولا يهون عليه الشيء الآخر. البخيل ربما لو تقول: اركع لله واسجد طول النهار، ولا تبذل درهماً واحداً، يفعل ولا يبالي! والكريم الكسول يقول: خذ مني من الدراهم ما شئت، ولا تكلفني بسجدة واحدة، نعم، لأنه كسول خامل! فإذا تنوعت العبادات عُرف حقيقة عبودية الإنسان لله . فهذه أيضاًَ من فوائد الصيام.

стр. 147

إعانة الإنسان على التخلي عن الأشياء المحرمة من فوائد الصيام -ولاسيما في وقتنا هذا وما قبله-: أن الإنسان المدمن على الشيء المحرم يكون الصوم عوناًَ له على التخلي عنه. نعم، إذا كان مدمناً على أكل شيء محرم، أو شرب شيء محرم، فإن الصوم يكون عوناً له على التخلي عن هذا الشيء، ولنضرب لهذا مثلاً بمن ابتلوا بشرب الدخان، فإن الصوم يعينهم على التخلي عنه، كيف؟ لأنهم في النهار لن يتناولوه، لن يشربوا، أيش يبقى عندنا؟ يبقى الليل، فيمكن أن يشتغل بالأكل المباح، وبالسمر مع إخوانه الذين لا يشربون الدخان, ويتلهى وإن شق عليه؛ لكن يتلهى ويصبر حتى يمرن نفسه، وهو إذا مرَّن نفسه في خلال شهر كامل عن شرب الدخان فسوف يسهل عليه الإقلاع عنه. هذا من فوائد الصوم. والله عليم حكيم، فقد تكون هناك حكم كثيرة فاتتنا؛ لكن أهم شيء أنه سبب للتقوى، ولذلك يجب على الصائم مراعاة الواجبات فعلاً والمحرمات تركاً ما لا يجب على غيره؛ حتى إن النبي ﵊ قال: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وإن أحد سابَّه أو شاتمََه فليقل: إني امرؤٌ صائم) إلى هذا الحد؟! حتى لو أن أحداً اعتدى عليك بالسب والشتم لا تقابله، قل: إني صائم. وقال ﵊: (من غشنا فليس منا) . وقال ﵊: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قالوا: من هم يا رسول الله؟! خابوا وخسروا، قال: المُسْبِل، والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) . المنفق سلعته، يعني: المروج سلعته بالحلف الكاذب، مثل أن يقول: والله ما في السوق أحسن منها، أو يقول: والله لقد أعطيت بها كذا وكذا وهو كاذب، أو يقول: لقد اشتريتها بكذا وكذا وهو كاذب، أو ما أشبه ذلك، ثم يحلف على هذا الشيء، فيكون منفقاً سلعته بالحلف الكاذب، هذا من الذين لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. أما المسبل: فهو الذي أسبل ثوبه خيلاء، فإذا أسبل ثوبه خيلاء فإن الله تعالى لا يكلمه، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم. أما إذا أسبله لغير الخيلاء فإن عذابه أهون، ويعذَّب لكن أهون، قال فيه النبي ﵊: (ما أسفل من الكعبين ففي النار) أي: أنه يعاقب بقدر مخالفته فقط، فإذا نزل عن الكعبين نحو (سنتيمتر) نعم يعذَّب من هذا القدم بمقدار (سنتيمتر) فقط، والباقي ليس فيه عذاب، ولا يلحقه الإثم بأن الله لا يكلمه، ولا ينظر إليه, ولا يزكيه. ولا تستغرب أن يكون العذاب على بعض البدن؛ لأن هذا موجود حتى في الدنيا، إذا كوي الإنسان مع شيء من جسده صار الألم على نفس المكان؛ لكن الجسم كله يتألم لا شك؛ لكن المباشر هو ما وقع عليه الكي. ولا تستغرب أيضاً وقوع ذلك شرعاً، هذا المثال الذي ذكرنا حسي؛ لكن شرعاً أيضاً؛ حيث إن الرسول ﵊ رأى أقدام بعض الصحابة بعد وضوئهم لم يمسها الماء، فنادى بأعلى صوته: (ويل للأعقاب من النار) فجعل الذي يعذب الأعقاب التي حصل فيها الإخلال بالواجب، وهو غسل القدم. إذاً: يجب على الصائم وعلى غيره أن يتجنب المحرم، وأن يقوم بالواجب؛ لكن هو في حق الصائم أولى، ولهذا قال بعض السلف: ينبغي للصائم أن يكون عليه وقار الصوم في قوله ودلِّه وفعله -في قوله، وفي دلِّه يعني: هيئته ووقاره وسكونه، وفي فعله- ولا يجعل يوم صومه ويوم فطره سواء، ولكن نحن -نسأل الله أن يعاملنا بعفوه- نجعل يوم صومنا ويوم فطرنا سواء، بل بعض الناس يجعل يوم صومه أردى من يوم فطره، تجده ينام إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى الغروب، وربما يدع صلاة الظهر وصلاة العصر إلى أن يقوم عند غروب الشمس والعياذ بالله، أين الصوم؟! أين الصوم؟! صوم هذا لن ينفع، صوم هذا عذاب عليه فقط، حَرَم نفسه من الأكل والشرب؛ لكنه لم يأت بجوهر الصوم ولبه وحقيقته، صومه شكلي فقط، تبرأ به الذمة؛ لكنه ناقص جداً، مُخَرَّقٌ مُخَرَّق، ويوشك أن تجتاح أوزار هذه الأعمال ثواب صومه عند الموازنة يوم القيامة، تُوازَن الحسنات والسيئات، ربما تكون سيئات أعماله في هذا الصوم أكثر من حسناته بالصوم، فيضيع عليه، ويكون خاسراً لها. إذاً: علينا أن نراعي هذه المسائل في صومنا، وأن نعرف ما هي الحكمة من الصوم، حتى نقوم بذلك، وأسأل الله أن يعيننا وإياكم عليها، أنا أشد الناس تقصيراً في هذا؛ ولكن أسأل الله العفو لنا ولكم. هذه بعض ثمرات الصوم الذي أوجبه الله على عباده في كل ملة في هذا الدين الذي ختم الله به الأديان، وفي جميع الأديان السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] . ثم بين الله أن هذا الصوم ليس شهوراً ولا سنين، وإنما هو أيام معدودات، كم؟ إما ثلاثون يوماً أو تسعةٌ وعشرون يوماً، أيامٌ معدودة قليلة، فاصْبِر نفسَك، واتقِ الله في هذه الأيام، حتى تربي نفسك وتعتاد على التقوى فيما يُستقبل من عمرك.

стр. 148

إجابة دعوة الصائم ثم ذكر الله أحكام الصوم، ومن لا يستطيعه لسفر أو مرض، ثم قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] لأن الصوم زمن إجابة دعاء. وقد جاء في الحديث عن النبي ﵊: (إن للصائم دعوة لا ترد) . وهذه فرصة؛ لأنه ذكر إجابة الدعاء بعد ذكر الصوم؛ لكن قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة:١٨٦] بماذا؟ بما فرضتُ عليهم من الصوم والتقوى: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] .

стр. 149

تحريم أكل أموال الناس بالباطل ولما ذكر الله التحريم في هذا الزمن القصير، أياماً معدودات، وفي أشياء خاصة مما أحل الله للإنسان حرمها الله تعالى لحق نفسه، ذكر التحريم العام، فقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] بعد آية الصوم قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨] هذا حرام مطلقاً، أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وندلي بها إلى الحكام، كيف ندلي بها إلى الحكام؟ يعني: أن الإنسان يجد ما يجب عليه لأخيه من مال، ويقول: أنا وأنت نذهب إلى الحاكم، والحاكم إذا تحاكم إليه الخصمان، وليس للمدعي بينة فماذا يصنع؟ سيقول للمدعى عليه: احلف أنه ليس عندك شيءٌ لفلان، فإذا حلف برئ، يعني برئ بمعنى: أنها انقطعت الخصومة. ولهذا قال: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة:١٨٨] لأن كثيراً من الناس يأكل أموال الناس بالباطل عن طريق المحاكم؛ يجيء لشخص: ويقول: أقرضني من فضلك عشرة آلاف ريال، وأنا أجيء بها لك إن شاء الله في أقرب فرصة ممكنة ممكن ألا يجيء بها إلا يوم القيامة؛ لكن هو يقول: في أقرب فرصة ممكنة. حسناً! تذهب لفلان يكتب بيننا، أو شهود. قال: لا، ما تأمنِّي؟! أنا عندك خائن؟! ثم يخجِّله حتى يعطيه عشرة آلاف ريال بدون شهود. ثم بعد مدة يأتي يطلبه: فيقول له: اصبر، يأتي الله بالرزق، أنا قلت لك: في أقرب فرصة ممكنة، ولم تحصل الفرصة حتى الآن. وهكذا، وفي النهاية؟ يقول: ما عندي لك شيء. اتق الله! كيف ما عندك لي شيء؟! قال: نعم، عندك شهود؟ وإلا أنا وأنت إلى المحكمة. إذا حضرا عند القاضي ماذا يقول؟ القاضي سيقول للذي قال: إني أقرضتُه عشرة آلاف، سيقول: هات الشهود، إذا ما عندك شهود يحلف خصمك. الخصم سيحلف أو لا؟ الغالب أنه يحلف؛ لأن نيته سيئة، فيحلف. فيقال للمدعي: في أمان الله، اخرج، ليس لك شيء. إذاً: أكل المال بالباطل، مدلياً بذلك إلى الحكام: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨] . وإن الإنسان -ختاماً لهذا الكلام على هذه الآية أو الآيات- إذا تأمل القرآن وجد فيه معانٍ عظيمة من كل زوج بهيج: في الأخبار، في الأحكام، في البلاغة، في كل شيء؛ لكن يحتاج إلى تأمل، خذ بعض الآيات في وقت فراغك، وصفاء ذهنك، وتأملها تجد فيها العجب العجاب؛ لأن الكلام كلام الله ، لا تنقضي عجائبه أبداً. لكن الغفلة الحاصلة منا لا نرى هذه المعاني العظيمة في كتاب الله ؛ لأن أكثر من يقرأ القرآن يحب أن ينتهي منه ويختمه، ويجيء إلى آخر رمضان قال: ختمتُ القرآن عشر مرات، أو عشرين مرة، هذا ما هو المقصود، المقصود تدبُّرٌ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص:٢٩] ماذا قال؟ ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] لم يقل: ليقرءوه سرداً بدون تأمل: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص:٢٩] هذا التدبر: تفكُّر في المعاني. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] وهذا امتثال. فأولاً: قراءة. ثم تدبر وتفكُّر في المعاني. ثم امتثال وتذكُّر.

стр. 150

الأسئلة

стр. 151

حكم أداء السنة الراتبة قبل دخول وقتها السؤال فضيلة الشيخ! ذكرتم في اللقاء الأول أن الذمة تنشغل في الراتبة، وأن الإنسان إذا أداها قبل الأذان فإنها لا تبرأ بها الذمة، أرجو توضيح هذا القول! وهل هي واجبة؟ لأن هذا ما تبادر لي! وجزاكم الله خيراً. الجواب نعم، الإنسان مطالَب بفعل الفرائض والنوافل؛ لكن تختلف الفرائض عن النوافل من وجهين: الوجه الأول: قوة الطلب والأمر في الفرائض أكثر من قوته في النوافل. الوجه الثاني: أن ترك النوافل ليس فيه إثم، بخلاف ترك الفرائض. إذاً: فإذا صلى النافلة المؤقتة في غير وقتها، فإن الطلب لم يسقط بذلك؛ لكن ليس الطلب الذي يأثم به الإنسان، بل هو طلب لا يأثم به، فهذا الرجل نقول له: إنك لم تُسْقِط الطلب بهذه الراتبة أو بهذه النافلة؛ ولكنه لا يأثم بذلك، والعبارة لا شك أن فيها إيهام إذا كانت على ما ذكر السائل؛ لأني الآن لا أستحضر اللفظ، إذا كانت على ما ذكر السائل ففيها إيهام أن النوافل يأثم الإنسان بتركها، ولكنه في الواقع لا يأثم بتركها؛ لكنه مطالب بفعلها إلا أنه طلب دون الطلب بالفرائض، فإذا فعل النافلة المؤقتة في غير وقتها فإن الطلب لم يسقط بذلك.

стр. 152

أحوال الناس تجاه صلاة التراويح السؤال الذين يحضرون هذا الدرس انقسموا إلى ثلاثة أقسام: منهم من بقي عند الباب خارج المسجد، ومنهم من دخل وصلى تحية المسجد وجلس ينتظر، ومنهم من دخل معنا في الصلاة، فما حكم هؤلاء بالفضل بينهم؟ الجواب إذا دخلوا وصلوا مع الإمام فهم على خير، وزيادة في الأجر؛ ولكنهم إذا شاركوا الإمام في الوتر وهم قد أوتروا من قبل، فإنهم يشفعون الوتر، أي: أنهم يقومون فيأتون بركعة؛ لأنه لا وتران في ليلة. وأما الذين دخلوا وصلوا تحية المسجد وجلسوا فقد أخطئوا بعض الشيء، لأن الذي يدخل المسجد ويجد الناس يصلون مأمور بالدخول معهم، وموافقتهم من أجل أن يحصل الاجتماع، ولهذا قال النبي ﵊ في الرجلين الذين جاءا وهو يصلي الفجر، ولم يدخلا في القوم قال: (ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: صلينا في رحالنا، قال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجدنا فصليا معنا، فإنها لكما نافلة) . وأما الذين لم يدخلوا وبقوا في السوق فليس عليهم شيء؛ لأن الصلاة التي يصليها الإمام نافلة، إن شاءوا دخلوا وصلوا، وإن شاءوا لم يدخلوا، فليس عليهم شيء؛ لكن قد فاتهم الأجر، إلا إذا كانوا يتكلمون بصوت يشوِّش على الجماعة، فإنهم في هذا يكونون آثمين؛ لأن التشويش على المصلين يؤدي إلى إفساد العبادة أو نقصها، وهذه جناية، ولهذا لما خرج النبي ﵊ على أصحابه وهم يصلون في المسجد، وكل واحد منهم يقرأ ويرفع صوته، قال ﵊: (إن المصلي يناجي ربه -ليس يناجي أحداً سواه، والله يسمع ولو كان الصوت خفياً- فلا يجهرن بعضُكم على بعض في القراءة) . وفي حديث آخر: (لا يؤذينَّ بعضُكم بعضاً) فجعل الرسول ﵊ هذا إيذاءً، وصدق رسول الله، إذا سَمعتَ إنساناً يَجهر بالقراءة حولك، وأنت تصلي لا شك أنه يؤذيك، ويشوش عليك، وربما تكرر الآية مرتين أو ثلاثاً مع الانشغال. ومن هنا نأخذ خطأ أولئك الذين يصلون في المنارة، الآن بعض الناس في المنارة يفتحون مكبر الصوت على المنارة وهو يصلي الفريضة أو النافلة، هذا لا شك أنهم مخطئون، وأنهم إلى الإثم أقرب منهم إلى السلامة؛ لأنهم يؤذون من حولهم من أهل البيوت، يمكن بعض الناس يريد يصلي، ومن النساء من تصلي في بيتها، وهذا مكبر الصوت يشوش عليها، ما يتركها تصلي، ربما يوجد أناس في البيوت يحتاجون إلى نوم وراحة، لمرض أو غير مرض، فيشوش عليهم هذا الصوت، ويزعجهم ويقلقهم، وأيضاً في المساجد المتقاربة يحصل التشويش، ولقد حُدِّثْت أن بعض الناس في المساجد القريبة تكون قراءة إمام المسجد الذي هو جار لمسجدهم قراءة جيدة، وإلقاء طيب، وصوت جميل، فينسجمون معه، ويتركون إمامهم، فإذا قال المسجد المجاور: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] قال هؤلاء: آمين، أحياناً ربما يرفعون معه، هذا من أعظم الجناية على الناس. ولهذا أنا أرجو منكم إذا سمعتم مسجدنا على هذا أن تنصحوه لله، وتقولوا: إذا كان النبي ﵊ هو الحكم بيننا وبينك فهذا كلامٌ لأصحابه، قال: (لا يؤذين بعضُكم بعضاًَ في القراءة) هذا كلام النبي ﷺ وهو الحكم ﵊: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] نحن لا نعارضك بعقولنا، حتى تقول: أنا عندي عقل مثلك، نعارضك بنص واضح، وأنت تؤذي، لا أحد يشك في أذيتك. ثم أي نتيجة تحصل بذلك؟! ما هي النتيجة؟! هل هو يصلي للناس الذين خارج المسجد أم لأهل المسجد؟! لأهل المسجد، فأي نتيجة في هذا؟! إذا كنت محتاجاً إلى استعمال مكبر الصوت من أجل أن ينشِّطك فاستعمله داخلياً فقط، وفيه بركة، على أني أنا أحب أن الإمام لا يجعل شيئاً يتكئ عليه للنشاط في القراءة، بل يجعل النشاط في القراءة أمراً ذاتياً من نفسه، ما يعتمد على مكبر الصوت أو غيره، فيُخَلِّي نفسه ليتعود، لأجل يرفع الصوت، ويحسِّن النغمة بقدر الاستطاعة، حتى لا يعتمد على نغمة صوت مكبر الصوت. ثم إن فيه ضرراً أيضاً من ناحية ثانية، كما احتج عندي بعض الناس بالإقامة في المنارة، بعض الناس الآن إذا أراد أن يقيم وهم كثير يقيمون في المنارة، يقولون: هذه الإقامة أفسدت علينا أولادنا، إذا قلنا: قم للصلاة، قال: لم يقم بعد، فإذا أقام ذهب يتوضأ وفاته بعض الصلاة أو كل الصلاة، فكانوا يشتكون من هذا، لكني أنا ما أحببت أن أجيب على شكواهم، قلت: إن الرسول ﷺ قال: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة) وهذا يدل على أن الإقامة في مسجد الرسول تُسمع من خارج المسجد، فلا أستطيع أن أنهى عن شيء قد تكون السنة دلت على جوازه. الصلاة أضر وأضر؛ لأن الذي يسمع صوت الإمام وهو يصلي يقول: هذه أول ركعة، والصلاة تُدرك بركعة. قال له الثاني: لا يا أخي! الصلاة تدرك بتكبيرة الإحرام قبل أن يسلم. فيقول بعض العلماء: إن الإنسان إذا أدرك تكبيرة الإحرام قبل السلام فقد أدرك الصلاة. فاصبر إذا ما بقي إلا تكبيرة الإحرام قبل السلام دخلنا. فيفوتون الصلاة عليهم. إذاً: ففيها ضرر حتى على الناس، أنهم ينتظرون آخر ركعة ويحضرون. فإذاً: لا فائدة، بل مضرة على من أراد الصلاة في هذا المسجد، ومضرة على المساجد الأخرى، ومضرة على الناس في بيوتهم. وإذا أردنا أن نقول: من الناحية الاقتصادية إن فيها مضرة أيضاً، وهي: استهلاك الكهرباء، أنت قد تقول: إن هذا مكبر الصوت بسيط، يعني: عن (لمبتين) أو ثلاث؛ لكن إذا كان في البلد مائة مكبر مثلاً كم تكون الكمية؟ كبيرة، تكون الكمية كبيرة، وبيت مال المسلمين محترم. لكن أنا أقول: لا بأس إذا كان ينشط الإنسان أنه يستعمله في داخل المسجد، ما فيه إن شاء الله بأس، ولا نقدر نتحجر على الناس كثيراً، أما أن يجعله على المنارة فهذا لا شك أنه أذية على مَن حوله من المساجد، وعلى الأفراد في البيوت، وأذية على الناس أيضاً من جهة الذين يريدون أن يصلوا معه، ينتظرون آخر ركعة.

стр. 153

حكم قضاء الفوائت المتروكة عمداً السؤال أنا في سنوات مضت أفطرت يوماً بجهل مني بسبب رفقة السوء، والآن بعد أن منَّ الله عليَّ بالهداية، ندمتُ على ذلك، فهل أقضي ذلك اليوم، أم ماذا أفعل؟ أفيدونا! جزاكم الله خيراً؟ الجواب الصحيح أنه لا يجب على الإنسان قضاء الفوائت التي تعمد تركها من صلاة أو صوم؛ لأن هذه العبادات كالصلاة والصوم مؤقتة بزمن معين، والعبادة المؤقتة بزمن معين إذا أخرها الإنسان عن وقتها بدون عذر شرعي فإن قضاءه إياها لا ينفعه، وإذا كان قضاؤه إياها لا ينفعه لم يكن من إلزامه بالقضاء فائدة، ولهذا كان الصحيح أن نقول لهذا السائل: لا يلزمك أن تقضي اليوم الذي تركته؛ ولكن أكثر من الأعمال الصالحة، والتوبة إلى الله، والحسنات يذهبن السيئات.

стр. 154

حكم من جامع أهله في نهار رمضان بدون إنزال السؤال رجل كان يعتقد أن الجماع في نهار رمضان دون الإنزال لا يفسد الصوم، فماذا عليه؟ الجواب إذا كان مثله يجهله، يعني: بمعنى أنه عامي حقيقة، ولا يطرأ على باله أن هذا مفسد للصوم، فإن صومه صحيح غير فاسد، وليس عليه قضاء، وليس عليه كفارة. أما إذا كان مثله لا يجهله، يكون مثلاً قد قرأ وعرف، أو سمع من الناس فإنه لا عذر له، فالمؤمن إذا كان صادقاً في جهله ومثله يجهله؛ فلا شيء عليه، لا قضاء، ولا كفارة، ولا إثم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . ولأن الصحابة ﵃ في عهد النبي ﷺ أفطروا في يوم غيم ثم طلعت الشمس، ولم يؤمروا بالقضاء؛ لأنهم كانوا جاهلين بالوقت، والأكل والشرب كالجماع لا فرق بينهما كلاهما مفسد، فإذا لم يفسد الأكل والشرب في حال الجهل، فكذلك الجماع.

стр. 155

جواز صلاة ركعتين من التراويح بنية راتبة العشاء السؤال هل تجزئ ركعتان من صلاة التراويح عن راتبة العشاء الآخرة؟ الجواب إي نعم، إذا نوى الإنسان أن هاتين الركعتين عن الراتبة كما لو صلى العشاء في مسجد، وجاء إلى مسجد آخر ووجدهم يصلون التراويح، ودخل معهم بنية أن التسليمة الأولى لراتبة العشاء، فإن ذلك يجزئه، لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) . السائل: إذا فعلها وهو إمام، يعني: ربما يقتدي به الناس! الشيخ: نعم، أما إذا فعلها وهو إمام فعلى نيته أيضاً، ولكن الذين وراءه على نياتهم، إذا كانوا ينوون بها قيام الليل فهي من قيام الليل.

стр. 156

حكم تناول الإبر غير المغذية في نهار رمضان السؤال امرأة مريضة بالسكر، أمرها الطبيب أن تأخذ إبرة (الأنسولين) الخاصة بمرض السكر قبل الإفطار بربع ساعة، هل هذه الإبرة تفطر في هذه الحال، أم لا؟ الجواب هذه لا تفطر؛ لأن جميع الإبر لا تفطر، إلا ما كان يغني عن الأكل والشرب، وهو الذي يُحقن في الإنسان عن طريق الأنف فيستغني به عن الأكل والشرب، أما ما سوى ذلك فإنه لا يفطِّر، ولا يمكننا أن نقول للناس: إن صومكم فسد بدون دليل شرعي، وليس عندنا دليل شرعي يدل على أن كل ما وصل إلى البدن فهو مفطِّر، لأن الله تعالى بيَّن قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة:١٨٧] فما كان أكلاً وشرباً أو بمعنى الأكل والشرب، فهو مفطِّر، وما عدا ذلك فإن الإنسان لا يَجْسُر أن يقول: هذا مفطر، ولهذا نرى أن الذي يقول: إن هذه الأشياء مفطرة احتياطاً نرى أنه احتاط من وجه، ولكنه لم يحتط من وجه آخر، لم يحتط من حيث إبطال عبادة الناس بدون دليل؛ لأن إبطال عبادة الناس بدون دليل أيضاً يحتاج إلى احتياط، لا تبطل عبادة الناس إلا بدليل واضح تقابل به ربك، نعم، إذا استشارك وقال: ماذا تشير عليَّ؟ فحينئذ ربما نقول: أشر عليه بما ترى أنه أحوط، وهو تجنب هذا الشيء الذي فيه الشبهة، أما إذا قال: هل يفطِّر أو لا؟ فتقول: يفطِّر، هذا صعب إلا بدليل.

стр. 157

حكم استعمال النساء حبوب منع الحيض في رمضان السؤال امرأة عادتها الشهرية خمسة عشر يوماً، خمسة أيام في أول رمضان، وعشرة أيام في العشر الأواخر من رمضان، فتريد أن تستعمل حبوباً لمنع العادة في العشر الأواخر من رمضان، فما الحكم في ذلك؟ مع العلم أن قصدها الصلاة والتهجد مع المسلمين لا أنها لصعوبة القضاء؟ الجواب بناءً على ما سمعتُ من أطباء ثقات أرى ألا تستعمل هذه الحبوب؛ لأنها ضارة على الرحم، وعلى دم المرأة، وعلى العادة، وعلى الجنين، يعني يقولون: من أسباب تشوُّه الأجنَّة الذي كثر في هذا الزمان تناول هذه العقاقير. فالذي أرى أن لا تستعملها، بل أرى أن ترضى بما قدَّر الله من هذا الحيض، وليكن لها أسوة بأم المؤمنين عائشة ﵂، عائشة في حجة الوداع أحرمت بعمرة كسائر النساء، فأتاها الحيض في أثناء الطريق بـ سرف، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: (ما لك؟ لعلك نفستِ! -يعني: حضتِ! - قالت: نعم يا رسول الله! قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) ما هو عليك أنت وحدك. كتبه الله كتابة شرعية أم كونية؟ كتابة كونية، قدر الله بكتابته الأزلية التي كتبها في الأزل أن بنات آدم يحضن، فكأنه يقول: هذا شيء مكتوب، ولا فرار عن المكتوب، فاصبري، ثم أمرها ﵊ أن تحرم بحج، وتدخل الحج على العمرة لتكون قارنة. الشاهد: أني أقول: لا تستعمل النساء هذه الحبوب؛ لما ثبت عندي من أضرارها، ولأن الرضا بما قدر الله على النساء من الحيض الذي فيه الامتناع عن الصوم وعن الصلاة خير من فعل الأسباب المانعة للحيض. ثم اعلم أيضاً أن كل شيء يكون بمقتضى الطبيعة التي جَبَلَ الله عليها الخلق إذا وجد ما يصادم هذا الشيء فإنه يكون ضرراً على البدن، هذا شيء يعرفه الإنسان، وإن لم يكن طبيباً، شيء بمقتضى الطبيعة والجِبِلَّة لابد أن يخرج فإن حبسه لا شك أنه ضرر، واعتبر ذلك بما لو كان بولاً أو غائطاً، وأكلتَ حبوباً تمسكه، هل سيؤثر ذلك على البدن؟ نعم، سيؤثر على البدن لا شك، وإن كان ما جاءك بول، ولا غائط؛ لكن سيؤثر انحباسه في العروق، والعادة أنه يخرج، لا شك أنه ضرر، كذلك هذا الدم؛ دم الحيض. فالذي نرى أن النساء يتركنه، والحمد لله إذا أفطَرَت فقد أفطَرَت بأمر الله، وإذا ترَكَت الصلاة فقد ترَكَت الصلاة بأمر الله.

стр. 158

حكم ذهاب الأئمة لأداء العمرة وتركهم إمامة المساجد السؤال أنا إمام في مسجد وأريد أن أذهب في العشر الأواخر إلى مكة؛ لأنني أشعر أنني إذا بقيتُ هنا سوف أحس بالفراغ؛ لأني مرتبط بإخوة لهم نشاط، وسوف يذهبون إلى مكة، وأحب الذهاب معهم من أجل أن أستفيد في الوقت، مع العلم أنني سوف أستأذن من الأوقاف، وأقوم بتوكيل من يصلي عنِّي، أفتوني جزاكم الله خيراً؟ الجواب بالمناسبة: قد أتتنا ورقة من الأوقاف اليوم بمنع سفر الأئمة إلى العمرة أو غيرها، وأنهم لا يرخصون لأحد، وهذا حقيقة، يعني: أنه قد يكون قراراً مفيداً؛ لأنه يوجد بعض الناس -الله يهدينا وإياهم- من اليوم إلى آخر رمضان يفرون، إما إلى مكة، وإما إلى أفغانستان، وإما إلى غيره، فيَضِيْعون ويُضَيِّعون ما أوجب الله عليهم، وبعضهم إذا دخلت العشر يذهب. ولكن الذي نرى أن المرتبط بأمر واجب يجب عليه أن يبقى في هذا الأمر؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] والعقد الذي بينك وبين الدولة إن صح أن نسميه عقداً أن تكون إماماً في كل وقت، لاسيما في حاجة الناس في رمضان. ويقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٤] . وأنت يا أخي! لا يزين لك الشيطان القيام بالنافلة مع ترك الواجب، إن فعل الواجب أفضل بكثير من فعل النافلة، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضتُه عليه) . لكن قد تقولون: لماذا أنت تذهب أيضاً في العشر؟ أو بعد نصف الشهر؟ فأنا أقول: إننا نجد مصلحة كبيرة في تعليم الناس، ولولا أنه يتسنى لنا التعليم ما ذهبنا؛ لكن نظراً إلى أنه يحصل في التعليم استفادة كثيرة، يمكن بعضكم شاهدها، مع الاستئذان من إدارة الأوقاف، ومع وضع أحد يقوم باللازم إن شاء الله تهون علينا، وإن اعترضتم وسدَّدتم ما نذهب. على كل حال أنا أرى إن شاء الله تعالى أنَّا في حِل؛ لأننا نذهب إلى مصلحة كبيرة، يعني: حتى بعض الناس من دخول الشهر وهم يقولون: ائتي الناس كثيرون، والناس كثيرون، والناس كثيرون؛ لكن ما هو بصحيح أن الواحد يذهب شهراً كاملاً.

стр. 159

جلسات رمضانية لعام ١٤١١هـ[٢] يجب على كل مسلم يريد أن يعبد ربه على بصيرة وعلم أن يعلم ويفقه كل عبادة يتقرب بها إلى الله ، حتى تكون عند الله أرجى للقبول. وقد تكلم الشيخ في هذه المادة عن كل ما يفسد الصيام ويبطله، ويكون حائلاً بين العبد وبين قبول صيامه، ثم أتبع ذلك بأجوبة نافعة في الموضوع.

стр. 160

مفسدات الصوم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن درسنا في هذه الليلة؛ ليلة الخميس الموافق للخامس من شهر رمضان عام: (١٤١١هـ) سيكون إن شاء الله في بيان مفسدات الصوم، التي يسميها العامة المفطِّرات. ويجب أن نأخذ قاعدة قبل الدخول في مفسدات الصوم بخصوصها، وهي: أن مفسدات العبادات سواء كان ذلك من مفسدات الوضوء التي تسمى نواقض الوضوء، أو من مفسدات الصلاة التي تسمى مبطلات الصلاة، أو من مفسدات الصوم، أو من مفسدات الحج، أو من مفسدات المعاملات، كلها لابد فيها من دليل، وذلك لأن الأصل في العبادات التي يقوم بها العبد على مقتضى الشرع الأصل فيها الصحة حتى يقوم دليل من الشرع على أنها فاسدة. هذه قاعدة متفق عليها بين العلماء؛ لأن الأصل أن ما وقع صحيحاً، فهو صحيح، حتى يقوم دليل على فساده، ولهذا استفتى جماعة من الصحابة رسول الله ﷺ في قوم يأتون إليهم بلحم ولا يدرون هل سَمُّوا الله عليه أم لا، فقال النبي ﷺ : (سَمُّوا أنتم وكلوا) لأن الأصل في الفعل الواقع من أهله أنه صحيح حتى يقوم دليل الفساد. وعلى هذا فإذا قلنا في مفسدات الصوم: إن هذا مفسد فلابد لنا من دليل، فإن لم يكن هناك دليل فإن قولنا مردود علينا، كل إنسان يقول لك: إن هذا مفطِّر فطالبه بالدليل، قل: أنا صائم بأمر الله، وعلى مقتضى شريعة الله، فأتني بدليل من عند الله يدل على أن هذا الشيء مفطِّر، فإن لم تأتني بدليل فأنا قائم بأمر الله، متبع لشريعة الله، مخلص لله، ومن عَبَدَ الله مخلصاً له الدين، متبعاً لشريعة سيد المرسلين فإن عمله صالح مقبول عند الله، أفهمنا هذه القاعدة؟ إذاً: نقول: لا يمكن أن نقول: إن هذا الشيء مفطِّر إلا مقروناً بالدليل، فإن لم يكن فلا قبول. فنقول: المفطِّرات أشياء محصورة: ا/ الأكل. ٢/ والشرب. ٣/ والجماع. ٤/ والإنزال بشهوة بفعل من الصائم. ٥/ وما كان بمعنى الأكل والشرب. ٦/ والقيء عمداً. ٧/ وخروج الدم بالحجامة. ٨/ وخروج دم الحيض. ٩/ وخروج دم النِّفاس. هذه تسعة أشياء عرفناها بالتتبع؛ لأنه ليس في الكتاب والسنة أن هناك تسعة أشياء مفطِّرة، أو مفسدة للصوم؛ لكن العلماء ﵏ يتتبعون الأدلة، ويستقرئونها، ويستنتجون منها ما يستنتجونه من الأحكام.

стр. 161

الأكل والشرب والجماع الأكل، والشرب، والجماع. هذه ثلاثة دليلها في آية واحدة، وهي قوله ﵎: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] يعني: النساء: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] يعني: بالجماع، أي: اطلبوا الولد الذي كتبه الله لكم بالجماع: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] الصيام يعني: الإمساك عن هذه الأشياء الثلاثة إلى الليل، والليل يكون بغروب الشمس كما سنذكره إن شاء الله. إذاً: هذه ثلاثة ذُكرت في آية واحدة. قوله تعالى: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: بذلك الجماع؛ لأنه قال: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ولا ابتغاء للولد إلا بالجماع. والجماع مفسد للصوم، سواء كان الصوم فرضاً أو نفلاً، فمن جامع وهو صائم فسد صومه؛ لكن إذا كان في نهار رمضان ممن يلزمه الصوم ترتب عليه خمسة أشياء: الأول: الإثم. الثاني: فساد الصوم. الثالث: لزوم الإمساك إلى الغروب. الرابع: القضاء. الخامس الكفارة. خمسة أشياء، إذا وقع الجماع من صائم في نهار رمضان يلزمه الصوم، ترتب عليه هذه الأشياء الخمسة. الأول: الإثم؛ لأنه انتهك واجباً، بل فريضة من فرائض الإسلام. والثاني: فساد الصوم؛ لأنه ارتكب محظوراً من محظورات الصوم وهو: الجماع؛ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وهذا لم يتم الصيام إلى الليل. الثالث: وجوب الإمساك، يعني: يجب أن يمسك وإن كان صومه فاسداً؛ عقوبة له، واحتراماً للزمن؛ لأننا لو لم نلزمه بالإمساك، لكان كل واحد ما يهمه يفعل المفطِّر ويأكل ويشرب؛ لكن نلزمه بالإمساك عقوبة له، واحتراماً للزمن. الرابع: وجوب القضاء؛ لأنه أفسد عبادته، فلزمه قضاؤها كما لو أحدث المصلي في صلاته، فإنه يلزمه قضاؤها. والخامس: الكفارة، والكفارة مغَلَّظة، وقد بيَّنَتها، ففي الصحيحين: من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! هلكتُ! قال: ما أهلكك؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فسأله النبي ﵊: هل يجد رقبة؟ قال: لا. هل يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. هل يستطيع أن يطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا. ... ) . كم هذه من خصلة؟ ثلاث: عتق رقبة؛ فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع، فإطعام ستين مسكيناً. (. فجلس الرجل، ثم جيء بتمر إلى النبي ﷺ فقال للرجل: خذ هذا فتصدَّق به، فقال: يا رسول الله! أعَلى أفقرَ مِنِّي؟! والله ما بين لابَتَيها أهل بيت أفقر مني! -طمع الرجل- فضحك النبي ﵊، ثم قال: أطعمه أهلك) . الشاهد من هذا: وجوب الكفارة. حسناً! قلنا: إنه تجب الكفارة إذا كان في نهار رمضان، والإنسان ممن يلزمه الصوم، فإن كان لا يلزمه الصوم كرجل مسافر، ولنقل: إنه ذاهب إلى العمرة، وهو صائم هو وأهله في مكة؛ لكن في أثناء النهار جامع زوجته، ماذا يترتب عليه؟ لا يترتب عليه من هذه الأمور الخمسة إلا واحد فقط، هو: القضاء، وإلا فليس عليه إثم، ولا يلزمه الإمساك، ويفسد الصوم لا شك، الصوم يفسد، وليس عليه كفارة. ولهذا يجب على المفتين إذا سألهم أحدٌ في مكة وقال: إنه جامع أهله، لا يقول: عليك الكفارة، بل يسأله: هل أنت من أهل مكة أو أنت من المسافرين المعتمرين؟ إن قال: أنا من المعتمرين، ماذا يقول؟ يقول: ليس عليك إلا القضاء، الآن كل واشرب بقية النهار، ولا حرج عليك، واقضِ هذا اليوم أنت وأهلك. إن قال: أنا من أهل مكة فالصوم يلزمه، يقول: عليك خمسة أشياء: حسناً! إذا قُدِّر أن الشخص جامع في نهار رمضان والصوم لازمٌ له، ولم يُنْزِل، هل تلزمه هذه الأحكام الخمسة؟ نعم، يعني: العبرة بالجماع. ولو أنزل بدون جماع! لا تلزمه الكفارة، ولكن بقية الأحكام الأربعة تلزمه: الإثم، والإمساك، وفساد الصوم، والقضاء؛ لكن الكفارة لا تلزمه؛ لأن الكفارة لا تلزم إلا بالجماع فقط. حسناً! هذه ثلاثة أشياء.

стр. 162

إنزال المني بشهوة الرابع: إنزال المني بشهوة بفعل الصائم. انتبه! فلو نزل بغير شهوة؛ لأنه قد ينزل لمرض، فإنه لا يفسد الصوم. لو نزل بشهوة بغير فعل من الصائم، يعني: وهو نائم، لا شيء عليه. ولو فكَّر فأنزل؛ لكن ما حرَّك شيئاً، لا شيء عليه؛ لأن هذا ليس من فعله، قال النبي ﵊: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم) . حسناً! إذا قال قائل: نطالبك بالقاعدة التي ذكرتَ وهي: الدليل، أين الدليل على أن الإنزال بشهوة بفعل الصائم مفسد للصوم؟ نقول: الدليل على هذا: قوله تعالى في الحديث القدسي في الصائم: (يدع طعامه وشرابه وشهوته) والمني شهوة، والدليل على أنه شهوة قول النبي ﷺ : (وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: نعم، أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) والذي يوضع المني، فسماه الصحابة الشهوة، وأقرهم النبي ﵊، والشهوة مما يدعه الصائم، فهذا هو الدليل. ولذلك اتفق الأئمة الأربعة: مالك، وأحمد، والشافعي، وأبو حنيفة على أن إنزال المني مفطِّر. حسناً! إنزال المذي؟ المذي الذي يأتي بتحرك الشهوة؛ ولكن بدون إحساس، كثير من الناس مذَّاء، بمجرد ما يحس بالشهوة ينزل هذا المذي بدون إحساس، فهل يفسد الصوم؟ لا، لا يفسد الصوم؛ حتى لو كان بفعل الإنسان، لو فُرِض أن الإنسان قبَّل زوجته فأمذى فصومه صحيح، وليس عليه إثم؛ لأنه لم يفعل مفسداً. ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا أمذى بفعله فسد صومه؛ ولكننا نقول على القاعدة التي أشرنا إليها في الأول: أين الدليل؟ ليس هناك دليل، ليس فيه دليل على أن الإمذاء مفسد للصوم.

стр. 163

ما كان بمعنى الأكل والشرب ما هو الخامس من المفطِّرات؟ الأكل، والشرب، والجماع، والإنزال؛ إنزال المني بفعل من الإنسان. ما كان بمعنى الأكل والشرب. نعم. ما كان بمعنى الأكل والشرب فإنه مفطِّر، وهي: الإبر المغذية، ليست التي تنشِّط الجسم، لا، الإبر المغذية التي يُستغنى بها عن الأكل والشرب، بمعنى: أنه إذا تناولها الإنسان اكتفى عن الأكل والشرب، هذه مفطِّرة؛ لأنها بمعنى الأكل والشرب، انتبه! إذا قال قائل: ما هي أكل ولا شرب، نقول: إنها قائمة مقام الأكل والشرب، والشريعة الإسلامية لا تفرق بين متماثلين، ولا تجمع بين مختلفين، فإذا كان هذا بمعنى الأكل والشرب وجب أن يُعطى حكم الأكل والشرب. إذاً: فساد الصوم بهذه الإبر المغذية من باب القياس أو من باب النص؟ من باب القياس، ما فيه دليل لا من القرآن ولا من السنة؛ لكن فيه قياس. وبناءً على ذلك فإن قاعدة من ينكرون القياس تقتضي ألا تكون هذه الإبر مفطِّرة، أليس كذلك؟ لأن الذين ينكرون القياس مثل الظاهرية ﵏ يقولون: ما فيه أكل وشرب، غيره ما نقبل أنه يكون مفطِّراً، ونحن ننكر القياس. وعلى قولهم تكون هذه الإبر غير مفطِّرة. لو جاءنا رجل فقيه غير ظاهري من أصحاب القياس والمعاني وقال: هذه الإبر لا نوافقكم في قياسها على الأكل والشرب؛ لأنها تختلف عن الأكل والشرب، والقياس لابد فيه من تساوي الأصل والفرع في علة الحكم. الأكل والشرب تحصل فيه لذة عند الأكل، يتلذذ الإنسان فيه بفمه، وبلعه، وملء معدته منه، فيجد لذة وراحة. هذه الإبر هل يجد فيها ذلك؟ لا، لا يجد فيها ذلك، أليس كذلك؟ نعم. لا يجد فيها ذلك، ولذلك يقولون: أنتم لا تقيسون جماع الرجل لزوجته بين فخذيها على جماعه إياها في فرجها، مع أنه في كل منهما لذة، وفي كل منهما إنزال؛ لكن لذة الجماع غير لذة الفخذين. إذاً: لذة الأكل والشرب غير لذة هذه الإبر. فإذاً: لا تقيسونها. الحقيقة: لو قال لنا قائل هذا القول لتوقفنا، ما هناك جواب بيِّن على هذا الإيراد؛ لكننا نقول: من باب الاحتياط: أن الإنسان لو تناول الإبر المغذية التي تغني عن الأكل والشرب، فإنها تفطِّر، ثم إن الغالب أن الإنسان لا يتناول هذه الإبر إلا وهو مريض يحتاج إلى الفطر، فنقول: الحمد لله، إذا تناولت هذه، اضطررت إليها وتناولتها، فأنت الآن مفطر، كُلْ إن أمكنك واشرب؛ لأنك مفطر بسبب المرض. إذاً: ليس القول بتفطير هذه الإبر المغذية قولاً يقينياً؛ ولكنه قول احتياطي، أما الإبر الأخرى التي لا تغني عن الطعام والشراب؛ فإنها لا تفطر، ولا إشكال عندي فيها، سواء أُخِذت عن طريق الوريد، أو عن طريق العضلات، أو من أي طريق؛ حتى لو نشَّطت البدن، وحصل فيها تنشيط للبدن، أو شفاء للبدن، فإنها لا تفطِّر؛ لأن العلة ليست تنشيط البدن، العلة تغذيته عن طريق الأكل والشرب، وإلا لقلنا: كل منشِّط مفطِّر، ومعلوم أن الإنسان لو اغتسل في أيام الحر، ينشط وإلا لا؟! ينشط بلا شك، هل نقول: يفطر؟ لا، ما نقول: يفطر. إذاً: لا يمكن لإنسان نظر بتأمل أن يقول: إن جميع الإبر مفطِّرة، لا، ما يمكن، بل نقول: إن الإبر التي لا يُستغنى بها عن الطعام والشراب غير مفطِّرة مهما كانت، من أي نوع كانت، ومن أي مكان ضُرِبت.

стр. 164

القيء عمداً السادس: القيء عمداً. لو أن الإنسان تقيأ عمداً، أدخل إصبعه مثلاً في فمه حتى قاء، أو نظر إلى شيء كريه حتى قاء، وجعل ينظر إليه حتى قاء، أو شمَّ رائحة كريهة وجعل يتعمدها؛ لأجل يقيء فقاء، أو عصر بطنه بشدة حتى تقيأ، نعم. المهم إذا قاء عمداً فإن صومه يفسُد ويبطُل. نأخذ بالقاعدة، ماذا؟ ما هو الدليل؟ الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه -ذرعه القيء يعني: غلبه- ومن استقاء عمداً فليقضِ) هذا الحديث. وفيه أيضاً تعليل، وهو أن الإنسان إذا قاء، وأخرج ما في معدته من الطعام لحقه الهزال والجوع الشديد، ولاسيما إذا تقيأ من أول النهار، وفي الأيام الطويلة، لابد أن يلحق الجسم تعب شديد. فمن رحمة الله نقول: إذا تقيأ الإنسان عمداً إن كان لغير عذر فهو حرام عليه في الصوم الواجب؛ لأنه يفسد صومه. وإن كان لعذر قلنا: من رحمة الله أن نقول: إنك أفطرت، لماذا؟ لأنه إذا تقيأ لعذر يبيح له الفطر قلنا له: الآن كُل واشرب؛ لأن كل من أفطر لعذر شرعي، فإنه يجوز أن يأكل ويشرب. خذوا بالكم من هذه القاعدة، فهي مفيدة أيضاً: كل من أفطر لعذر شرعي في أول النهار فإنه يجوز أن يأكل ويشرب بقية النهار، فهمتم القاعدة هذه؟ إي نعم، هذه القاعدة مفيدة جداً للإنسان، فنقول لهذا الرجل الصائم: إذا قال لك الأطباء، أو أنت رأيت أنه من الضروري أن تتقيَّأ، افرض أن الإنسان أكل طعاماً متسمماً، الطعام المتسمم من أقوى علاجه أن يتقيأ الإنسان الطعام، فإذا تقيأه خرج هذا الطعام المتسمم، وخف عليه، فإذا فعل هذا قلنا له: الآن قمت تقيأت بعذر شرعي، فكُل واشرب حتى تعود عليك قوة بدنك. فصار القول بأن القيء مفطِّر من رحمة الله؛ لأنه إذا كان الإنسان غير محتاج إليه قلنا له: لا تتقيأ في الصوم الواجب، تفسد صومك، وإن احتاج إليه قلنا: تقيأ وكُل واشرب بقية يومك؛ لأن القاعدة التي ذكرنا أن مَن أفطر لعذر شرعي فإن له أن يأكل ويشرب بقية اليوم. عرفتم يا جماعة؟!

стр. 165

الحجامة السابع: الحجامة. خروج الدم بالحجامة، وعلى القاعدة نطلب الدليل. الدليل: قول النبي ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم) وهذا يدل على أن المحجوم يفطر. وفيه أيضاً تعليل، وهو أن الحجامة إذا خرج منها دم كثير ضعُف البدن واحتاج إلى تغذية، ولهذا نجد الأطباء إذا أُخذ من الإنسان دم متبرع به، يأمرونه أن يشرب عصيراً أو شبهه ليعوِّض ما نقص من الدم. إذاً: الحجامة نقول: تفطِّر الصائم. والدليل: قوله ﵊: (أفطر الحاجم والمحجوم) . والتعليل: أنه يحصل بالحجامة ضعف شديد للبدن، يحتاج معه إلى تغذية. فالتفطير بالحجامة من رحمة الله، ولهذا نقول للصائم صوم فرض: يحرم عليك أن تحتجم، فإن اضطررت إلى ذلك فاحتجم وكُل واشرب، عوِّض البدن عن هذا النقص. حسناً! فإن قال قائل: إنه قد جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ قال: (احتجم النبي ﷺ وهو محرم، واحتجم وهو صائم) وفي بعض الألفاظ: (احتجم وهو محرم صائم) فالجواب على ذلك: أنه إن صحَّت اللفظة: احتجم وهو صائم إن صحت فإنها لا تدل على أن الحجامة غير مفطِّرة، ولا تدل على أن هذا الصيام فرض، فإذا كان الصيام الذي احتجم فيه الرسول ﵊ ليس فرضاً؛ فلا إشكال إطلاقاً؛ لأنه إذا احتجم أفطر وأكل وشرب؛ لأنه متنفِّل، والصائم المتنفل هو أمير نفسه، إن شاء استمر، وإن شاء أفطر. فيحتمل أنه نفل، ويحتمل أن الرسول ﵊ احتجم في صيام فرض؛ لكنه أفطر؛ وابن عباس ﵄ لم يعلم ماذا كان للرسول بعد أن احتجم وهو صائم. فلا نأخذ بهذا النص المشتبه وندع نصاً محكماً؛ لأن النص المحكم مقدم على النص المتشابه، ويجب أن يُحمل النص المتشابه، سواء في القرآن أو في السنة، على وجه يوافق النص المحكم. لهذا نقول: ليس في هذا الحديث ما يدل على أن المحتجم لا يفطر. ثالثاً: من حَمْل حديث ابن عباس: أنه قبل أن يقول الرسول ﵊: (أفطر الحاجم والمحجوم) ويكون حديث ابن عباس بناءً على البراءة الأصلية؛ لأن الأصل أن الحجامة لا تفطِّر، ثم جاء الحكم الشرعي بأنها مفطِّرة. فإذا قال قائل: الحجامة مفطِّرة للمحتجم؛ لأن العلة في ذلك واضحة، ما هي العلة؟ الضعف الذي يلحق البدن، والنقص ولكن الحاجم بأي سبب يُفطَّر؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لأن الحجامة في ذلك العهد تحتاج إلى أن يمص الحاجم قارورة الحجامة. قارورة الحجامة فيها أنبوبة دقيقة يمصها الحاجم، إذا شطَّبَ محل الحجامة بالموسى، ووضع القارورة على محل التشطيب، رصَّها قليلاً، ثم فرَّغ الهواء الذي فيها بمصها، يمكن في أثناء المص يتسرب شيء من الدم في فم الحاجم من غير أن يشعر به، فأقيمت المَظِنَّة مقام المَئِنَّة. هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. أما غيره من العلماء الذين قالوا: بأن الحجامة مفطِّرة، قالوا: الله أعلم، ما ندري، ولعلَّ الرسول ﷺ قال: (أفطر الحاجم) جعل الحاجم مفطراً؛ لأنه أعان المحتجم على ما يفطر به، فاكتسب من إثمه إذا كان الصوم واجباً؛ ولهذا يقول شيخ الإسلام: لو حَجَم بغير هذه الطريقة بآلات منفصلة -ما يمصها- فإنه لا يفطر. يعني: الحاجم؛ لأنه ليس هناك ما يحتمل أن يفسد صومه بدون أن يشعر به.

стр. 166

الحيض والنفاس الثامن: خروج دم الحيض، والتاسع: خروج دم النِّفاس. وانتبهوا لقولنا: خروج دم الحيض، فإنه يعني: أن الحيض لو تحرك وانتقل من موضعه؛ ولكن لم يخرج، فإن الصوم باقٍ لا يبطُل؛ خلافاً لما تفهمه النساء، من أن المرأة إذا رأت الحيض في ما بين أذان المغرب وصلاة المغرب، فإن صومها يبطُل، هكذا عندهن، وعند بعضهن أيضاً: إذا رأت الحيض في ما بين أذان المغرب وصلاة العشاء فإن صومها يبطُل، هذا غير صحيح، هذا كلام لا أصل له. ولذلك يجب علينا أن نعلم النساء. نقول: إذا غابت الشمس والحيض لم يخرج ويبرز فإن الصوم صحيح، ولو خرج وبرز بعد غروب الشمس بدقيقة واحدة فالصوم صحيح؛ لأنه يقول: خروج دم الحيض، لابد من خروجه، خروج دم الحيض أو النِّفاس. النِّفاس مثله أيضاً: النِّفاس لو أن المرأة أصابها الطلق قبل غروب الشمس؛ ولكن لم يخرج الدم إلا بعد غروب الشمس فصومها صحيح، وإن خرج قبل غروب الشمس فسد صومها. وحينئذ نرجع إلى القاعدة الأولى، الدليل، نعم؛ لأنه قد يقول قائل: كيف تفطر المرأة إذا خرج دم الحيض والنِّفاس، مع أن ذلك بغير اختيارها؟! فنقول: إن النبي ﷺ قال في المرأة مقرراً حالها: (أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُم؟!) ولهذا أجمع العلماء على أن الحائض لا صوم لها، ومثلها النُّفَساء. وعلى هذا فنقول: الدليل قول النبي ﷺ : (أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُم؟!) . والحمد لله المرأة لم تختر أن يأتيها الدم فيمنع صحة صومها، وإنما هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فلا تجزع مما كتب الله، دخل النبي ﵊ على عائشة ﵂، وهي تبكي، وكانت محرمة بالعمرة، فأتاها الحيض قبل أن تصل إلى مكة، فجعلت تبكي ﵂، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: (ما لكِ؟ لعلكِ نفِستِ! قالت: أجل -نفِستِ يعني: أتاها الحيض- قال: إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) يعني: ليس خاصاً بكِ، كل النساء تحيض. فلهذا نقول للمرأة: لا تتعبي نفسك وضميرك، هذا شيء مكتوب على النساء، فإذا أتاها الحيض فلا تصُم، وما يفعله بعض النساء من محاولة منع الحيض في شهر رمضان، فإنه خطأ منهن، وذلك لأن هذه الموانع -الحبوب- ثبت عندنا أنها مضرة، وأنها تؤثر على المرأة، وعلى الرحم، وعلى الدم، وعلى الأعصاب، وعلى النسل. ولهذا نرى الآن كثرة الأولاد المشوَّهين. يقول بعض الأطباء: إن هذا من أسباب تناول هذه الحبوب والعقاقير، ومعلوم أن تشوُّه الولد مشكِل، فيه كآبة على الولد، وفيه كآبة على الوالدين, وفيه ضرر عظيم. هذه المفطرات الآن تسعة؛ ولكنها لا تفطر إلا بشروط، سنتكلم عليها -إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم؛ لأن الوقت انتهى الآن. نعم، وأيضاً الرسول ﷺ سمى الحيض نفاساً، وقال: (لعلكِ نفِستِ!) .

стр. 167

الأسئلة

стр. 168

حكم صلاة تحية المسجد بعد صلاة الوتر السؤال نلاحظ على بعض القادمين إلى المحاضرة جلوسهم دون تأدية تحية المسجد، حيث أن المفهوم السائد لدى بعض الناس: أنه لا تصح الصلاة بعد صلاة الوتر، نرجو توضيح ذلك؟ الجواب لا ينبغي للإنسان إذا دخل المسجد أن يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) بدون أي شيء، لو دخل في أي وقت، في الظهر، في العصر، في الفجر، في كل وقت؛ حتى إن الرسول ﷺ قطع خطبته ليأمر من جلس أن يقوم فيصلي ركعتين: (فقد دخل رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فجلس، فقال له: هل صليتَ؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ ركعتين وتجوَّز فيهما) انظر قطع الخطبة وأمره أن يصلي مع أن استماع الخطبة واجب، وأمره أن يصلي مع أنه إذا صلى سوف يتلهَّى عن سماع الخطبة. ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أن الإنسان إذا دخل يوم الجمعة والمؤذن يؤذن بين يدي الخطيب فإنه لا يجيب المؤذن، يصلي الركعتين؛ لأن استماع الخطبة أهم من إجابة المؤذن، فإن استماع الخطبة واجب، وإجابة المؤذن سنة. فإذاً: نقول للذين يدخلون بعد أن صلوا الوتر في مساجدهم: لا تجلسوا حتى تصلوا ركعتين، ويجب أن نفهم كلام الرسول ﵊ على وجهه، فإن النبي ﷺ لم يقل: لا تصلوا بعد الوتر، بل قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) وبين العبارتين فرق عظيم، لو قال: لا تصلوا بعد الوتر لكان يُنهى الإنسان إذا أوتر أن يصلي؛ لكن لما قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) معناه: إذا ختمتم الصلاة في الليل فاختموها بالوتر؛ ولكن إذا وُجد سبب يقتضي الصلاة بعد الوتر فصلوا. ولهذا نقول: لو أنك أوترت مع الإمام، ثم قدِّر لك أن تقوم في آخر الليل، فصلِّ إذا شئت أن تصلي؛ لأن الرسول ﷺ لم ينهَ أن يصلي الإنسان بعد الوتر، بل أمر أن نجعل آخر صلاة الليل وتراً، وهذا الرجل حين أوتر مع الإمام ما كان يظن أنه سيقوم في آخر الليل مثلاًَ، فقام، إذا أحب أن يصلي ويتطوع فليتطوع؛ ولكن يتطوع بركعتين ركعتين، ولا يوتر؛ لأنه ليس في الليلة الواحدة وتران.

стр. 169

حكم بلع الريق المختلط بطعم السواك في نهار رمضان السؤال ما حكم استعمال السواك الرطب للنكهة في نهار رمضان إذا كنتُ أحس بطعمه قد دخل في جوفي؟ الجواب استعمال السواك الذي له طعم في حال الصيام في رمضان إن ابتلع الإنسان ريقه المتغيِّر بطعم السواك أفطر وفسد صومه، أما إذا تفله فإن الصوم لا يفسُد، ولهذا ينبغي للصائم إذا أراد أن يتسوك أن يتسوك بسواك قد زال طعمُه، حتى لا يؤثر عليه.

стр. 170

حكم تنظيف الأسنان بالمعجون في نهار رمضان السؤال ما حكم تنظيف الأسنان بالمعجون في نهار رمضان؟ الجواب الأصل أنه لا بأس به إذا لم يبتلع شيئاً من المعجون؛ ولكن مع ذلك ننصح بعدم استعماله في النهار، والليل واسع والحمد لله، يستعمله في الليل؛ لأن هذا المعجون له نفوذ قوي، يدخل إلى الحلق، والإنسان لا يشعر به، وقد قال النبي ﵊ لـ لقيط بن صبرة: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) خوفاً من أن يدخل شيء من الماء من غير شعور، والفقهاء ﵏ قالوا: يكره أن يبالغ الإنسان في المضمضة إذا كان صائماً؛ لأنه ربما ينزل شيء من الماء إلى جوفه من غير أن يشعر. فالذي أنصح به: أن يتجنب الصائم استعمال المعجون, وفي الليل ولله الحمد فسحة.

стр. 171

حكم خروج الماء الأبيض في نهار رمضان قبل الولادة السؤال أنا امرأة حامل يخرج مني ماء أبيض، وأحياناً أصفر، وأنا الآن في شهري التاسع، وأحس بطلق، هل هذا الماء يفطِّر أم لا؟ وجزاك الله خيراً. الجواب لا يفطِّر هذا الماء، وذلك لأن النفاس دم، ولابد أن يكون هذا الدم مقروناً بالطلق، ولابد أيضاً أن يكون الطلقُ طلقَ ولادة، يعني: يكون قبل الولادة بيوم أو يومين؛ لأن بعض الحوامل ربما تحس بالطلق؛ لكنه ليس طلق ولادة، حركات في الجنين؛ ولكنها لا تلد، هذا لا عبرة به، حتى لو خرج معه الدم، العبرة بطلق الولادة الذي يكون قبل الولادة بيومين أو نحوها. فإذا خرج الدم مع هذا الطلق فهو دم نفاس لا يصح معه صوم، وأما الأشياء الأخرى التي تخرج وهي ليست بدم، فهذه لا تؤثر.

стр. 172

العبرة في بطلان صوم الحائض غروب الشمس لا الأذان السؤال هل المعوَّل عليه في بطلان الصيام بالنسبة للمرأة الحائض هو غروب الشمس أو سماع صوت المؤذن؟ وهل إذا حاضت بعد غروب الشمس المؤكد، ثم سمعت بعد ذلك الأذان، هل تفطر أم لا؟ الجواب العبرة يا إخواني! ليس بأداء المؤذن، العبرة بما جعله الشرع عبرة، وعلَّق الحكم به، ففي الإمساك العبرة بتبيُّن طلوع الفجر، وليس بطلوعه، الله ربنا يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة:١٨٧] ولم يقل: حتى يطلع الفجر، انظر العبارة، فرق ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ [البقرة:١٨٧] حتى لو طلع وأنت ما رأيته ما عليك شيء، لابد أن يتبيَّن؛ ولكن ليس معنى ذلك أني أقول: اجلس في الحجرة حتى يأتيك النهار؛ لأن هذا الذي يجلس في الحجرة متى يتبيَّن له الفجر؟ نعم، عند الضحى، أنا قصدي إذا خرجت في مكان ليس فيه أنوار كهربائية، ولم ترَ الصبح، فكُل واشرب حتى لو أذَّن الناس كلهم لا يهمك؛ لكن نظراً إلى أن الناس الآن لا يستطيعون أن يخرجوا لينظروا الفجر، صاروا يعتمدون على الأذان، ولكن الأذان المعتبر هو الذي يؤذن إذا طلع الفجر، قال النبي ﵊: (إن بلالاً يؤذن بليل؛ ليُوْقِظ نائمَكم، ويُرْجِع قائمَكم، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) هكذا قال النبي ﵊. فالعبرة إذاً بماذا؟ بتبيُّن طلوع الفجر، فلو فُرِض أني أنا في الخارج، وليس هناك أنوار، وسمعتُ مؤذنين؛ لكن ما رأيت الفجر، وليس هناك مانع كغيم أو شبهه، فلي أن آكل وأشرب. غروب الشمس أيضاً، المعتبر غروب الشمس وإلاَّ الأذان؟ غروب الشمس، فإذا غربت الشمس، وإن لم يؤذن الناس، فكُل واشرب، وإن أذَّن الناس وهي لم تغرب لا تأكل ولا تشرب؛ لأن بعض الناس قد تغره الساعة مثلاً، أو يرى الجو قد أظلم، فيظن أن الشمس غربت فيؤذن وهي لم تغرب، لا عبرة به، المهم أن العبرة بغروب الشمس عند الإفطار، وبتبيُّن طلوع الفجر عند الإمساك، فإذا حاضت المرأة بعد غروب الشمس وقبل الأذان فصومها صحيح، وإن حاضت بعد الأذان قبل غروب الشمس فصومها فاسد، إي نعم.

стр. 173

التقدير الزمني بين غروب الشمس ووقت صلاة العشاء السؤال وهؤلاء مجموعة من النسوة يقلن: نحن نساء نصلي في البيوت، ونجد أن بعض المؤذنين يؤذنون لصلاة العشاء الساعة الثامنة إلا عشر دقائق، وبعضهم الساعة الثامنة، وبعضهم الثامنة والربع، بينما وجدنا أن وقت العشاء كما وضعتموه في تقويمكم الذي وضعتموه على مدار السنة أن وقت العشاء الساعة السابعة وإحدى وثلاثين دقيقة، فنرجو أن ترشدونا متى دخول وقت العشاء؟ الجواب وقت العشاء لا يختص بالأذان في الحقيقة؛ لأن وقت العشاء أحياناً في بعض السنة وفي بعض الفصول يكون بين غروب الشمس ودخول وقت العشاء ساعة وربع ساعة، وأحياناً ساعة وثلث الساعة، وأحياناً ساعة وخمساً وعشرين دقيقة، وأحياناً ساعة وثلاثين دقيقة، يختلف، لا يمكن أن يُضبط في جميع الفصول. أما بالنسبة لرمضان فأنا قرأتُ في الجريدة بالأمس أن المدير العام لشئون المساجد أمر بأن يكون الأذان في جميع المملكة بعد الغروب بساعتين، يعني: الساعة الثانية بالغروب، والساعة الثامنة والربع بالزوال؛ لأن المغرب على ست وربع اليوم هذا، وهو يختلف، فعلى الذي يمتثل طاعة ولاة الأمور ألا يؤذن إلا بعد الغروب بساعتين، ونحن مأمورون بطاعة ولاة الأمور، وهو أيضاً في البيان الذي خرج في الصحف، أنا قرأت في جريدة الجزيرة مبني على فتوى من رئاسة الإفتاء في المملكة العربية السعودية، فإذا كان هذا القرار من ولاة الأمور، فإننا مأمورون بطاعتهم في غير معصية الله، وتأخير العشاء ليس من معصية الله، بل هو من طاعة الله؛ لأن النبي ﷺ خرج ذات ليلة متأخراً في صلاة العشاء، بعد أن رقد النساء والصبيان، نام بعض الناس، فقال: (إن هذا لوقتها لولا أن أشق على أمتي) ﷺ . إذاً: فالتأخير في العشاء أفضل، وفيه طاعة لولاة الأمور، وفيه أيضاً راحة للناس؛ لأن الناس أكثرهم يتعشى بعد صلاة المغرب، وإذا تعشى يريد أن يشرب القهوة قليلاً وإذا شرب القهوة يريد أن يتوضأ. فإذاًَ: تأخير أذان العشاء إلى الساعة الثانية لا شك أنه هو الأفضل شرعاً وطاعة لولاة الأمور ورفقاً بالناس.

стр. 174

حكم ابتلاع النخامة في نهار رمضان السؤال أشكو كثيراً عندما أصبح صائماً من البلغم، ولا أستطيع إخراجه، فيدخل إلى جوفي، فما حكمه؟ الجواب هذه مشكلة، أحياناً يكون عند الناس غلو. يسأل بعض الناس يقول: دخلت فيه شوكةٌ، وخرجَ منه دم كدم البعوض فقط، هل يفطِّر؟ ما هو الجواب؟ لا يفطِّر، هو قياساً على ماذا؟ قياساً على الحجامة، فيقول: هل يفطِّر؟ ويسأل كثير من الناس أيضاً عن دم التحليل، شيء يسير، يحلَّل الدم ويُختبَر، هل يفطِّر أو لا؟ نقول: ما يفطِّر، يعني: هذا ليس حجامة، ولا بمعنى الحجامة. النخامة أيضاً سمع بعضُ الناس أن بعض العلماء قال: إن بلع النخامة يفطِّر، وبلع النخامة التي قال بعض العلماء: إنه يفطِّر هي: النخامة التي تصل بنفسها إلى اللسان في الفم، ثم يبتلعها الإنسان، ولا أظن أحداً يفعل هذا، لا أظن أن أحداً تصل النخامة إلى فمه ثم يبتلعها؛ لماذا؟ لأن النخامة مُسْتَقْذَرة، ما أحد يذهب يبلعها؛ لكن بعض الناس إذا صارت النخامة في الحلق، وجاءت من الخياشيم وراحت حَدَراً، حاوَل هو أن يطلِّعها بالقوة فتجده يتنخَّم ويتعصَّر كله لأجل أن تطلع هذه النخامة البعيدة خوفاً من ماذا؟ من أن يفطر، هذا خطأ، النخامة التي لا تصل إلى اللسان ليس فيها شيء، خلِّها تروح، ما عليك منها شيء، ولا تفسد الصوم، لكن هذا من مغالاة بعض العامة، ونحن نشكرهم على احتياطهم لدينهم يعني: هم يُشكَرون على هذا. فالذي يذهب إلى احترام الدين وإن أخطأ في المغالاة خير من الذي يتهاون؛ لكن مع ذلك العلم له فضل كبير، نور يهتدي به الإنسان. فنحن نقول: النخامة أولاً: أنها ليست محل اتفاق بين العلماء. فإن بعض العلماء يقول: إن النخامة لا تفطِّر حتى لو وصلت إلى الفم وابتلعها، ردَّها وابتلعها ما تفطِّر، هذه واحدة. ثانياً: الذين قالوا بأنها تفطِّر يقولون: إن التي تفطِّر هي التي تصل إلى الفم، ثم يبتلعها، أما شيء من الخياشيم إلى الحلقوم إلى الجوف فهذه لا تفطِّر إطلاقاً، نعم.

стр. 175

حكم القبلة في نهار رمضان السؤال ما حكم القُبْلة في نهار رمضان، علماً أن الإنسان يقدر أن يضبط نفسه؟ الجواب نعم، قُبْلة الرجل لزوجته وهو صائم لا بأس بها، هي جائزة. وإن من العجائب أن بعض الإخوة الذين عندهم قراءة للعلم، وليس عندهم فقه للعلم، نعم، قالوا: إن قُبْلة الصائم سنَّة، يُسَنُّ أن يقَبِّل الإنسان امرأته وهو صائم، جعلوها من المستحبات، لماذا؟! قالوا: لأن عمر بن أبي سلمة سأل النبي ﵊ عن الصائم يقَبِّل، فقال النبي ﵊: (سَلْ هذه؟ -يعني: أم سلمة - فأخبرت أم سلمة أن النبي ﷺ يقَبِّل وهو صائم، فقال: يا رسول الله! أنت لستَ مثلنا، غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، قال: إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأتقاكم له) هذا الحديث أخذ بعضُ الإخوة منه: أنه يُسن للصائم أن يقَبِّل زوجته اقتداءً بالرسول ﵊؛ ولكنهم أبعدوا النجعة؛ إنما أشار الرسول ﵊ إلى أن يسأل أم سلمة ليبين أن هذا جائز، ولهذا قال: (إني أخشاكم لله، وأتقاكم له) يعني: لن أفعل المحرم، ولم يقل: إني أسْبَقُكُُم إلى الخير، حتى يحث الناس عليه، وهذه من آفة القراءة بلا فقه. ولهذا ذُكر عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يَرْثِي لهذه الحال، يقول: [كيف بكم إذا كثر قُرَّاؤكم، وقلَّ فقهاؤكم؟!] يعني: يكثر العلم؛ لكن ما هناك فقه! ما هناك فقه! لهذا أقول: إن القُبْلة للصائم جائزة ولا بأس بها، وليس فيها حرج، إلا إذا كان الإنسان قوي الشهوة سريع الإنزال ويخشى أنه إذا قَبَّل يُنزل، فهذا يتجنبها.

стр. 176

صلاة المغرب والعشاء لا تلزم المرأة إذا طهرت قبل الفجر السؤال فضيلة الشيخ! إذا طهُرَت المرأة قبل صلاة الفجر هل تلزمها صلاة المغرب والعشاء؟ الجواب أولاً: إذا طهُرت المرأة قبل صلاة الفجر بعد منتصف الليل، فإنه لا يلزمها صلاة العشاء، ولا صلاة المغرب. لماذا؟ لأن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، بدلالة القرآن والسنة: أما القرآن: فقد قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨] ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] دلوك الشمس يعني: زوالها، إلى غسق الليل يعني: ظلمة الليل، وأشد ما يكون الليل ظلمة عند انتصافه، هذه فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولهذا كانت هذه الأوقات الأربعة كلها متوالية، ليس بينها فاصل، ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] ففصل. أما السنة فهي صريحة في هذا، فقد قال النبي ﵊: (وقت العشاء إلى نصف الليل) وهو ﵊ يعرف ماذا يقول، ويعني ما يقول وهو أعلم الأمة بشرع الله، وأنصح الأمة، وأعلمهم بما يقول، أليس كذلك؟ قال: (إلى نصف الليل) ليس هناك حديث يقول: إن صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، أبداً. الفجر صلاته مستقلة، نصف الليل الأخير يفصل بينها وبين العشاء، ونصف النهار الأول يفصل بينها وبين الظهر. على هذا إذا طهُرت المرأة بعد منتصف الليل ليس عليها عشاء ولا مغرب. وإن طهُرت قبل منتصف الليل وجبت عليها صلاة العشاء دون صلاة المغرب، وليس هناك دليل لا من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع ولا القياس الصحيح على أنه يجب عليها صلاة المغرب مع صلاة العشاء، إنما رُوي ذلك عن اثنين من الصحابة بسند فيه نظر. فليس هناك في القرآن والسنة والإجماع أنه يجب عليها صلاة المغرب مع صلاة العشاء إذا طهُرت في صلاة العشاء، ولا صلاة الظهر مع صلاة العصر إذا طهُرت في وقت العصر، قال النبي ﵊: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة, ومن أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) ولم يقل: والظهر، ولو كان إدراكه صلاة العصر يكون مدركاً لصلاة الظهر لقاله، ولأن المرأة لو حاضت بعد دخول وقت الظهر لم تلزمها صلاة العصر، ولو حاضت بعد دخول وقت المغرب لم تلزمها صلاة العشاء. إذاً: ما الفرق بين الصلاة الأولى والصلاة الثانية؟ حيث نقول: إن طهُرت في الوقت الثاني لزمتها الأولى، وإن أدركها وقت الأولى لم تلزمها الثانية؟ هذا خلاف القياس. الخلاصة -أنا أطلتُ في هذا لأن هذا ينفع طلبة العلم- الخلاصة: أن المرأة إذا طهُرت من الحيض في وقت صلاة العصر لم يلزمها إلا صلاة العصر فقط، وإن طهُرت من الحيض في وقت العشاء وهو قبل منتصف الليل لم يلزمها إلا صلاة العشاء فقط. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 177

جلسات رمضانية لعام ١٤١١هـ[٣] ذكر الشيخ في هذه المادة الشروط المترتبة على مفسدات الصوم، كالعلم وضده الجهل، والذكر وضده النسيان، والقصد وضده الإكراه، وأسهب الشيخ في شرح هذه الشروط، ثم ختم ذلك بأجوبة تتعلق بالموضوع وغيره.

стр. 178

شروط مفسدات الصوم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. في هذه الليلة؛ ليلة الأحد الموافق للثامن من رمضان عام: (١٤١١هـ) نتكلم على شروط مفسدات الصوم كما تكلمنا في الدرس الماضي عن المفسدات، وبينَّا أنها تسعة؛ لكن هذه المفسدات هي محظورات في الصيام، ولا تُفسد الصومَ إلا بشروط ثلاثة: ١/ العلم. ٢/ والذكر. ٣/ والقصد. وذلك لأن المشهور عند أهل العلم أن المحظورات يُعذر فيها الإنسان: بالجهل. والنسيان. والإكراه. أما المأمورات فإنها لا تسقط بالجهل، والنسيان، والإكراه، بل يفعل الإنسان ما يقدر عليه، ويتدارك ما يمكنه تداركه. وهذه القاعدة التي أصَّلها أهل العلم لها دلائل من الكتاب والسنة، وهي قاعدة مفيدة لطالب العلم. فمثلاً: الصلاة من باب فعل المأمور أو من باب ترك المحظور؟ الجواب من باب فعل المأمور. والفرق بينهما لئلاَّ يشتبه: أن ما طُلب فعله فهو: مأمور، وما طُلب اجتنابه فهو: محظور. فالصلاة طُلب فعلها، إذاًَ: هي من باب فعل المأمور، لم تسقط لا بالنسيان، ولا بالجهل، قال النبي ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها) يعني: إذا ذكرها بعد النسيان، وإذا استيقظ بعد النوم. النائم تركها بقصد أو بغير قصد؟ بغير قصد، ولم تسقط عنه. والناسي تركها بغير ذكر، ولم تسقط عنه (فليصلِّها إذا ذكرها) . الجهل: جاء رجل فصلَّى في مسجد النبي ﷺ ، وجعل لا يطمئن في صلاته، وهو جاهل، لا يعلم أن الطمأنينة ركن، فقال النبي ﷺ له: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ) ولم يعذره بالجهل، بل كرر ذلك عليه حتى قال الرجل: (والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلِّمني، فعلَّمه) . إذاً: ففعل المأمور لا يسقط بالنسيان، ولا يسقط بعدم القصد، ولا يسقط بالجهل؛ ولكن يجب أن نعلم أنه يسقط الإثم بالنسيان، والجهل، وعدم القصد؛ لكن يقارب الإنسان في إيجاد هذا الشيء الذي طُلب منه فعلُه، واضح يا جماعة؟ فالمحظور إذا فعله الإنسان جاهلاً، أو ناسياً، أو غير قاصد، فإنه لا يلحقه حكمه، يُعفى عنه نهائياً، كأنه لم يفعله. ولهذه القاعدة أيضاً دلائل، فاجتناب النجاسة في الصلاة من باب ترك المحظور؛ لأنه يُقال: اجتنب النجاسة؛ لكن الطهارة من الحدث من باب فعل المأمور؛ لأنه يقال للمحدِث: تطهَّر، أما النجاسة فالمأمور يعني: يؤمر باجتنابها، فإذا فعلها الإنسان جاهلاًَ أو ناسياً فلا شيء عليه. دليل هذه القاعدة: (أن النبي ﷺ صلَّى ذات يوم وعليه نعلان، وفيهما قذر، وفي أثناء الصلاة جاءه جبريل فأخبره أن فيهما قذراً، فخلعهما، ومضى في صلاته) مضى في صلاته. إذاً: كان أول صلاته متلبساً بمحظور وهو النجاسة، ولم يبطل أول الصلاة، لماذا؟ لأنه كان جاهلاً، لم يعلم ﵊ أن في نعليه قذراً، فعُفي عنه؛ لأنه كان جاهلاً. حسناً! ترك الأكل والشرب للصائم من باب ترك المحظور، وقد قال النبي ﵊: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) فأسقط عنه حكم هذا المحظور؛ لأنه كان ناسياً. وهذه القاعدة تنفعك أيضاً في غير العبادات: لو أن الإنسان حلف وقال: والله لا أدخل بيت فلان، فدخل بيتاً وهو لا يدري أنه بيت فلان، ثم علم أنه بيت فلان، فهل تلزمه الكفارة؟ لا؛ لأنه كان جاهلاً، لا يعلم أنه بيته. ولو قال: والله لا ألبس ثوبي هذا اليوم، ثم نسي فلبسه فليس عليه كفارة؛ لأنه ناسٍ، وبالحلف أصبح فعله محظوراً؛ لأنه ممنوع عليه، ممنوع عليه باليمين، فإذا فعله فقد فعل محظوراً. ولو قال لزوجته: إن كلمتِ فلاناً فأنتِ طالق، فنسيَت وكلمَته، فإنها لا تطلُق، أو كلمت شخصاً لا تعلم أنه فلان، فتبيَّن أنه هو، فإنها لا تطلق؛ لأنها كانت جاهلة. فالقاعدة هذه مفيدة لطالب العلم، ويدخل فيها من المسائل ما لا حصر له؛ لكن الإنسان إذا طبقها استراح. وهناك أدلة منصوصة غير المسائل التي بالاستقراء أخذنا منها الحكم؛ لأن القواعد تؤخذ أحياناً من الاستقراء، بمعنى: أن الإنسان يجمع مسائل من السنة أو من القرآن، فتتكون من هذه المسائل قاعدة، وأحياناً تكون منصوصة عليها. استمع إلى الآية الكريمة: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] . فنقول: بناءً على هذه القاعدة: يُشترط لإفساد الصوم بالمفطِّرات ثلاثة شروط: أن يكون عالماً، وضده الجاهل. وذاكراً، وضده: الناسي. وقاصداً، وضده: من لم يقصد.

стр. 179

العلم وعدم الجهل فلو أن الإنسان أكل وهو يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه قد طلع، فصومه صحيح؛ لأنه جاهل؛ لكن يجب عليه من حين أن يعلم أن الفجر قد طلع أن يمسك، حتى لو كانت اللقمة في فمه وجب عليه لفظُها، أو كان الماء في فمه وجب عليه مَجُّه، ولا يجوز أن يبلع بعد العلم بأن الفجر قد طلع. مثال آخر: رجل سمع في (الراديو) أذان الرياض، فظن أنه أذان عنيزة فأفطر، ثم بعد أن أكل وشرب أذَّن المؤذنون؛ لأن التوقيت بين عنيزة والرياض الفرق عشر دقائق تقريباً، أكل وشرب ثم أذن الناس، نقول لهذا الرجل: صومك صحيح، كيف صومه صحيح وهو أكل قبل أن تغرب الشمس؟ نقول: لأنه كان جاهلاً، لو علم أن هذا الأذان ليس أذان بلده ما أكل، إذاً: هو جاهل. مثالٌ ثالث: رجل احتجم، يظن أن الحجامة لا تفطِّر، يعني: لم يعلم أن الحجامة تفطِّر، فقيل له: إن الحجامة تفطِّر، بعد أن احتجم، فهل يفطر؟ لا؛ لأنه كان جاهلاً؛ لكن الفرق بين هذا الجهل والجهل في المثالين السابقين أن الجهل في المثالين السابقين جهل بالحال، والجهل في هذا المثال الثالث جهل بالحكم، ولا فرق بين الجهل بالحكم والجهل بالحال، كلاهما يُعذر به، ولا يترتب على الفاعل شيء؛ لأنه جاهل. مثال رابع: رجل جامع زوجته في نهار رمضان في حال يلزمه الصوم، وهو يدري أن الجماع حرام، وأنه مفطِّر؛ لكن لم يعلم أن فيه كفارة، نعم، نقول: صومه فاسد لا شك، لأن عالم أنه يفطِّر؛ ولكن هل تلزمه الكفارة؟ لو قال: أنا ما علمتُ أن في ذلك كفارة، ولو علمتُ أن في ذلك كفارة ما فعلتُ، نقول: جهلك بالعقوبة لا يمنع العقوبة، أنت قد علمت أنه حرام، وأنك قد ارتكبت إثماً، والعقوبة ليست إليك، إلى الله، ولهذا لم يعذر النبي ﷺ الرجل الذي جاء إليه وقال: (يا رسول الله! هلكتُ، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان وأنا صائم) ثم أمره بالكفارة، ولم يعذره، مع أن الرجل يعلم عن الكفارة أو لا؟ لا يعلم، جاء يستفتي. إذاً: فالجهل بالعقوبة ليس بعذر، تلزمه العقوبة؛ لأنه فعل سبب العقوبة وهو عالم، وليس معذوراً، فلزمته العقوبة؛ وهي الكفارة.

стр. 180

الذكر وعدم النسيان ومن شروط مفسدات الصوم الذكر وعدم النسيان. ونقول: النسيان أيضاً له أمثلة: رجل كان صائماً، فعطش، فشرب ناسياً أنه صائم، سواءً في الفريضة أو في النافلة، ثم بعد أن شرب ذكر أنه صائم، فصومه صحيح، وليس عليه شيء. حسناً! لو رَوِيَ؟ ولو رَوِيَ؛ لكن إذا ذََكََرَ ولو كان الماء في فمه وجب عليه أن يَمُجَّه، ولا يجوز له ابتلاعه بعد الذكر؛ لأن العذر زال. فإذا قال قائل: ما هو الدليل على ما ذكرتم؟ نقول: الدليل على ما ذكرنا نوعان: عام. وخاص. أما العام: فقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . هذا يشمل النسيان في الصوم، والخطأ في الصوم، والجهل من الخطأ. وأما الخاص: ففي الجهل: ما ثبت في صحيح البخاري: عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس) هكذا قالت. وجه الدلالة من هذا الحديث: أنه لو كان إفطارهم مفسداً لصيامهم لبيَّنه النبي ﷺ ، وأمرهم بالقضاء، ولو أمرهم بالقضاء لنُقل إلينا؛ لأنه إذا أمرهم بالقضاء صار القضاء من الشرع، وإذا كان القضاء من الشرع فلابد أن يُنقل، وهذه أيضاً من القواعد المهمة لطالب العلم، أنه إذا لم يُنقل عن النبي ﵊ شيء فإنه يُعلم أنه ليس من الشرع؛ لأنه لو كان من الشرع لنُقل؛ لأن الشرع محفوظ؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ولا يمكن أن يُنسى، ولما لم يُنقل أن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء عُلِم أن القضاء ليس بواجب، إذْ لو كان واجباً لأمرهم، ولَنُقِل، واضح؟ هذا جهل بالحكم وإلاَّ بالحال؟ بالحال. الجهل بالحكم: عدي بن حاتم ﵁ أصبح صائماً، وتلا قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] . أتدرون ماذا صنع؟! أخذ عقالين وهما: الحبلان اللذان تُعقل بهما الإبل، أسود وأبيض، فوضعهما تحت الوسادة، وجعل يأكل وينظر إلى العقالين، فلما تبيَّن الأبيض من الأسود أمسك، ظناً منه أن الآية الكريمة يُراد بها هذا المعنى. فلما أصبح وأخبر النبيَّ ﷺ بذلك قال له: (إن وِسادك لَعَريض أن وَسِع الخيط الأبيض والأسود) عريض يعني: واسع؛ لأن الخيط الأبيض هو: النهار؛ بياض النهار، والأسود: سواد الليل؛ لكن عدياً لم يتبين له ذلك، فجعل يأكل حتى ارتفع الضياء، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، لماذا؟ لأنه كان جاهلاً، ونوع الجهل؟ جهل بالحكم، فلا يجب القضاء.
следующие страницы →