← Фикх общий

Фикх общий · id 7679

جلسات رمضانية للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (477 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تفسير قوله تعالى: (وينزل الغيث) قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤] . الغيث: المطر، وهو -أي: المطر- غيثٌ ولكن الله قد لا يجعله غيثاً؛ لأن الغيث قد لا يحصل به الإنقاذ من الشدة، وأحياناً يَنْزِل المطرُ ولا يكون إنقاذاً من الشدة، كما في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (ليس السنة ألا تُمْطَروا -يعني: ليس الجدْب ألا تُمْطَروا- وإنما السنة أن تُمْطَروا فلا تنبت الأرض شيئاً) وصدق النبي ﵊، الغيث يُنَزِّله الله ، لا أحد يستطيع أن يُنَزِّل الغيث، مهما كانت قدرته وقوته، لا يمكن أن يُنَزِّل الغيث أبداً؛ لأن ذلك خاص لله ، والذي يخلق الغيث هو الله، ولهذا كان النبي ﵊ إذا نزل المطر حَسَرَ عن ثوبه ليصيب بَدَنَه، وقال: (إنه حديث عهدٍ بربه) أي: مخلوق جديد، فيصيب بدني من حين أن خُلق، ولا أحد يستطيع أن يخلق إلا الله ، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] استمعوا، الله يطلبنا أن نستمع: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] هذا الذباب الضعيف المهين لا يمكن أن يخلقه أحد ممن تدعونه من دون الله، ولو اجتمعوا له. انظر هذا تحدٍّ، تحدٍّ بالآيات الكونية. وهناك تحدٍّ بالآيات الشرعية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] فالله يتحدى الناس، يتحدى الخلق بالآيات الكونية كما في الآية الأولى، وبالآيات الشرعية كما في الآية الثانية.

стр. 72

تفسير قوله تعالى: (ويعلم ما في الأرحام) قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] : يعلم ما في الأرحام، ماذا نظن المراد بالأرحام في هذه الآية؟ هل الأرحام بنو آدم، أو بنات آدم؟ الجواب لا. بل أرحام كل ذات رحم، من بنات آدم، وسائر الحيوانات، يعلم ما في أرحامها، ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله الذي خلقها، لا يعلم ما في الأرحام إلا خالقها .

стр. 73

تفسير قوله تعالى: (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان:٣٤] : صدق الله، لا تدري أي نفس، نفس هنا نكرة في سياق النفي فتشمل كل نفس، لا تدري أي نفس مهما بلغت في الفراسة، ومهما بلغت في الذكاء، لا تدري ماذا تكسب غداً، نعم الإنسان يخطط بأنه سوف يعمل غداً كذا وكذا؛ ولكن هل ذلك يتم؟ الجواب قد يتم وقد لا يتم؛ لكن لا تدري يقيناً بأنك غداً تكسب كذا وكذا، أبداً: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] . ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ كلمة غد، هل المراد بها اليوم الذي يلي يومك؟ أو مستقبل الزمن؟ مستقبل الزمن. يعني: اليوم الذي يلي يومك وما بعده وما بعده لا تعلم ماذا تكسب فيه.

стр. 74

تفسير قوله تعالى: (وما تدري نفس بأي أرض تموت) قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] : أي نفس لا تدري بأي أرض تموت، تجد الإنسان يولد في بلد، ويعيش فيها، ولا يطرأ على باله أن ينتقل عنها، ثم إذا أراد الله أن يقبضه في أرض، جعل له حاجة في هذه الأرض، تحثه إلى أن يمشي إليها، فيموت فيها، وهو لا يدري، البعير تنشأ في جهة من جهات الأرض، تولد، تكبر، ثم تُستعمل للركوب أو غير الركوب، وتُذبح في بلاد بعيدة عن بلادها، أو تموت في بلاد بعيدة عن بلادها، كل نفس لا تدري بأي أرض تموت. وهل تدري في أي يوم تموت؟! لا. لا تدري، من لا يدري بأي أرض -مع أنه باختياره أن ينتقل من أرض إلى أرض- لا يدري أيضاً بأي يوم يموت، فجهالة الزمن أشد من جهالة المكان؛ لأن المكان يمكن للإنسان أن ينتقل، يمكن يبقى في الأرض ويقول: لا أمشي؛ لكن الزمن يمشي غصباً عنه، لا تدري نفس بأي أرض تموت. فهذه مفاتح الغيب خمس.

стр. 75

مسألة في معرفة الناس اليوم لما في الأرحام وبعض ما يتعلق بمفاتح الغيب فإذا قال قائل: ما وجه كونها مفاتح للغيب؟ و الجواب الساعة: مفتاح الآخرة. نزول الغيث: مفتاح حياة الأرض. ما في الأرحام: يعني: يكون الإنسان في بطن أمه، أو أي حيوان في بطن أمه مفتاح الوجود في الحياة. عمل الغد: مفتاح عمل المستقبل. الموت: مفتاح الانتقال من الدنيا إلى الآخرة. فلهذا صارت هذه الخمس مفاتح. فإذا قال قائل: إنهم الآن يعلمون ما في الأرحام، هل هو ذكر أو أنثى! فهل يتعارض مع هذه الآية؟ الجواب: قد يقول بعض الناس يتعارض، وحينئذ إما أن نأخذ بالآية، أو نأخذ بما قالوا؛ لأن المتعارضَين لا يثبتان جميعاً، إذْ لو ثبتا جميعاً لم يكن هناك تعارض، فهل تأخذ بما دل عليه القرآن، أو بما هو واقع الآن؟ نأخذ بما جاء به القرآن وبما دل عليه؛ لكن الكلام: هل الواقع يعارض القرآن؟ لا، هذا شيء مستحيل. لا يمكن أن يوجد شيء له حقيقة معلومة قطعاً فيعارض القرآن أبداً، مستحيل؛ لأن القرآن حق والواقع حق، والحقان لا يتعارضان؛ لأن كل شيئين نعتبرهما حقاً إن قلنا بتعارضهما فهذا إما جمع بين النقيضين، وإما رفع للنقيضين، وهذا كله من المستحيل. وإذا حدث شيء يعارض القرآن في الظاهر وجب عليك أن تعيد النظر مرة بعد أخرى، ليتبين لك أنه لا معارضة، فإن عجزت عن الجمع، فالواجب عليك أن تقول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] وتقف؛ لأنه كل إنسان يستطيع أن يجمع بين الواقع والقرآن، قد يكون قاصراً لا يفهم، أو مقصراً لا يجتهد. إذاًَ: كيف الجمع؟ نقول: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] لم يذكر الله مُتَعَلَّق العلم، وإن كان في بعض الأحاديث الإشارة إلى أن المراد العلم بالذكورة والأنوثة، ومعلوم أن الجنين علمه ليس بالذكورة والأنوثة فقط: بالذكورة والأنوثة، أن يخرج حياً أو ميتاً، أن يبقى في الدنيا طويلاً أو قصيراً، أن يبقى غنياً أو فقيراً، أن يبقى شقياً أو سعيداً، كل هذا ممكنٌ، كل هذا يتعلق بعلم الجنين، هل الناس يعلمون هذه الأشياء؟ أبداً، حتى الذكورة والأنوثة لا يعلمونها إلا بعد أن يكون ذكراً أو أنثى، أما قَبْلُ ما يعلمون؛ لأنه لَمَّا كان نطفة لا يعلمونه، حسب علمنا إلى الآن لا يعلمون، إنما يعلمون بعد أن يُخَلَّق، وإذا خُلِّقَ صار من عالم الشهادة لا من عالم الغيب؛ لكنه عالم من عالم الشهادة المحجوبة: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦] ؛ لكن لو نزيل هذه الظلمات الثلاث علمنا به أم لا؟ علمنا به، وشاهدناه. إذاً: فهو بعد التخليق من عالم الشهادة المحجوبة، لولا هذه الحُجُب لعلمنا به، فإذا وُجدت أجهزة تنفذ من هذه الحجب فلا مانع أن يُعلَم أنه ذكر أو أنثى. ثانياً: ينَزَّل الغيث: جاء في الحديث الصحيح: (لا يعلم متى ينزل المطر إلا الله) . فهل هذا يعارض ما نسمع في الإذاعة: أن الطقس المتوقَّع يكون كذا وكذا وكذا؟ الجواب: لا، لا يتعارض؛ لأنه لا يمكن يتعارض القرآن مع الواقع إطلاقاً، كيف لا يتعارض؟ لأن العلم المذكور: أن الطقس مبني على شيء محسوس، ليس على علم غيب؛ لكنه لا يُعلَم إلا بأجهزة دقيقة، ليس كل واحد يعلم، فهناك -بإذن الله تكيُّفات للجو يكون بها صالحاً للإمطار، فيتوصلون بالأجهزة الدقيقة إلى معرفة هذه التكيُّفات، كما أننا نحن لو شاهدنا السماء مظلمة والغيوم ملبَّدة فإننا نتوقع نزول المطر، نتوقع المطر، إذاًَ: لا معارضة، لا معارضة بين الواقع وبين القرآن الكريم.

стр. 76

تفسير قوله تعالى: (ويعلم ما في البر والبحر ... ) ثم قال الله تعالى في الآية التي نحن بصدد تفسيرها: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٥٩] : (ما) هنا اسم موصول مفيد للعموم، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ كل ما في البر وكل ما في البحر، لا يخفى عليه شيء، لا دقيقه ولا جليله. ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام:٥٩] : أيُّ ورقة تسقط فهو يعلمها، بأي شيء؟ يعلم هذه الورقة بعينها، ومن أي موضع سقطت من غصن الشجرة، وفي أي مكان من الأرض سقطت، وكيف سقطت، كل ما يتعلق بهذه الورقة الساقطة يعلمها، فما بالك بالورقة النابتة التي تنبت، يكون علمه بها من باب أولى؛ لأن النابتة مخلوقة، والمخلوق معلوم، كما قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] والساقطة أيضاً مخلوقة؛ لكن الساقطة تسقط مرة واحدة، والمخلوقة تنمو شيئاً فشيئاً، أي ورقة صغيرة أو كبيرة من أي شجرة في أي مكان وفي أي زمان تسقط، فالله تعالى يعلمها.

стр. 77

تفسير قوله تعالى: (ولا حبة في ظلمات الأرض ... ) قال تعالى: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:٥٩] : حبة، صغيرة أو كبيرة؟ كلها، صغيرها وكبيرها. ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:٥٩] تصوَّر ما هي الظلمات التي تكون في الأرض؟! يعني: افرض -مثلاًَ- أن الظلمات تتوارد أو تتكاثف عليه الحُجُب في الأرض، لنفرض أن حبة في قاع البحر مندفنة في التراب، في ليلة مغيمة، ممطرة، مظلمة، ننظر الظلمات الآن كم تكون؟ الظلمة الأولى: التراب الذي على هذه الحبة. والثانية: الماء، ماء البحر. والثالثة: ماء المطر؛ لأن المطر له ظلمة. والرابعة: ظلمة الليل. والخامسة: ظلمة السحاب. كل هذه الظلمات الخمس داخلة في قوله: ﴿ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:٥٩] هذه الحبة الصغيرة الدقيقة في هذه الظلمات يعلمها الرب . قال تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ [الأنعام:٥٩] : وهذا أعم ما يكون تعميماً من بعده تخصيص؛ لأنه ما من شيء إلا رطب أو يابس، كل رطب أو يابس فهو معلوم لله مهما كان وفي أي مكان. وهذا دليل على عموم علم الله ، وليس المقصود منه أن يخبرنا الله عن هذه الصفة العظيمة من صفاته فحسب، بل المقصود شيء آخر. ماذا يعني كمال صفة العلم لله ؟! هو أن نتعبد لله تعالى بمقتضى هذا العلم، هذا هو المهم، أن نتعبد لله بمقتضى هذا العلم، إذا أردتَ أن تعمل معصية، إن ذكرتَ أن الله يعلم تُقْدِم عليها أم لا؟ لا تُقْدِم، ما تُقْدِم عليها. ما دمتُ أعلم يقيناً بأن الله يعلم فإنه لا يمكن أن أقدم عليها أبداً؛ إلا ناقص الإيمان -نسأل الله العافية- هذا يمكن؛ لكن مع تمام العلم، ومع تمام الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء لا تقدم عليها؛ لأن الله قال لنا في الكتاب: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] تصوَّر هذه الملاقاة التي ستكون المحاسبة فيها عن علم. كذلك أيضاً: الفائدة الثالثة، الفائدة الأولى: أن نعرف هذه الصفة العظيمة من صفات الله، والثانية: أن نتعبد لله بمقتضاها. والثالثة: أن نعامل عباد الله بمقتضاها أيضاً، فلا نخون أحداً، ولا نخدعه في غير موضع الخداع، الخيانة لا نخون أحداً. الخداع نُقَيِّم، لا نخدعه في غير موضع الخداع، في موضع الخداع نخدعه. الخيانة لا نخون أبداً بدون تفصيل. والخداع لا نخدع في غير موضع الخداع؛ لأنه في موضع الخداع يجب الخداع، بل هو صفة كمال، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] . الخيانة صفة نقص، لا يجوز أن نخون، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنفال:٧١] ولم يقل: فخانهم، قال: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٧١] ؛ لأن الخيانة ذم، كما قال الرسول ﵊: (لا تخن من خانك) ولم يقل: لا تخدع من خدعك، بل قال: (الحرب خدعة) ويُذكر أن علي بن أبي طالب لما بارزه عمرو بن ود، وخرج إليه من الصف، صاح به علي ﵁، قال: [ما خرجتُ لأبارز رجلَين فظن عمرو أن معه آخر، فالتفت، لما التفت ضربه علي؛ حتى طيَّر رأسه] نعم، هذه خديعة؛ لكن خديعة في محلها أم لا؟! في محلها. وتكون صفة كمال. لأن هذا الرجل خرج لأي شيء؟ ليقتل علي بن أبي طالب، إذاً: له أن يتوصل إلى حماية نفسه وقتل عدوه بأي طريق. المهم أن المقصود من ذكر هذه الصفة العظيمة (العلم) ثلاثة أمور، ما هي؟ الأول: معرفة عموم علم الله، وهذه الصفة العظيمة. الثاني: أن نتعبد لله بمقتضاها. الثالث: أن نعامل عباد الله بمقتضاها. كثيرٌ من الناس إذا أمكنه أن يخون أحداً أو أن يخدعه في غير محل الخداع خانه وخدعه؛ كأنه لا يدري أن الله يعلم ، وهذا من ضعف الإيمان.

стр. 78

تفسير قوله تعالى: (إلا في كتاب مبين) وفي ختام الآية الكريمة يقول : ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] : كتاب مبين، إما أن تكون من (أَبَانَ) المتعدي أو من (أَبَانَ) اللازم. إن كانت من (أَبَانَ) اللازم فهي بمعنى: بيِّن، يعني: في كتاب بيِّن واضح مفصَّل. أو من (أَبَانَ) المتعدي فيه بمعنى: أظْهَرَ ومَيَّز. وكلا الوصفين بالنسبة لهذا الكتاب الذي أشار الله إليه كلاهما حق ثابت، والمراد به: اللوح المحفوظ، فإن اللوح المحفوظ كتب الله فيه مقادير كل شيء؛ كما جاء في الحديث الصحيح: (أن الله لما خلق القلم قال له: اكتب، قال رب: ماذا أكتُب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. نسأل الله تعالى أن يكتب لنا ولكم الخير والصلاح والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، إنه جواد كريم. والحمد لله رب العالمين. وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 79

الأسئلة

стр. 80

حكم صلاة النفل بعد الوتر السؤال هذا أخ أرسل إلينا بهذه الملاحظة، وهو: أن بعض الإخوة إذا دخلوا المسجد والإمام يصلي التراويح لم يدخلوا مع الإمام، بحجة أنهم أوتروا، فما هو رأي فضيلتكم؟ الجواب بسم الله الرحمن الرحيم، قال رسول الله ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) ولم يقل: إذا صليتم الوتر فلا تصلوا! وبين العبارتَين فرق، فالإنسان إذا انتهى من صلاة الليل يوتر؛ ولكن إذا وجد سبباً للصلاة بعد هذا الوتر فإنه لا نهي عن الصلاة، نعم لو قال الرسول ﷺ : إذا أوترتم فلا تصلوا، قلنا: لا تصلِّ بعد هذا؛ لأنك مَنْهِيٌّ، فإذا أوتر الإنسان في مسجده، ودخل المسجد، سواءً كان فيه جماعة أم لم يكن فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، وإن كان فيه جماعة صار مأموراً بالصلاة من وجهين: الوجه الأول: من أجل دخول المسجد. والوجه الثاني: من أجل موافقة الجماعة؛ لقول الرسول ﵊ للرِّجُلَين اللذَين رآهما لم يصليا معهم صلاة الفجر، قال: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد الجماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة) . فنقول للإخوة: ادخلوا معنا في الصلاة، وإذا كنتم قد أوترتم فلا وتران في ليلة، فانووا إذا دخل الإمام في الوتر انوُوها شفعاً؛ فإذا سلَّم فائتوا بركعة، وهذا له أصل في السنة، أصله في السنة أن رسول الله ﷺ لما كان يصلي بأهل مكة الرباعية ويقصرها، كان يقول لهم: (أتموا يا أهل مكة، فإنا قومٌ سفر) فإذا سلم الرسول ﵊ من الصلاة المقصورة قاموا فأتموها، وليس هذا مخالفة للإمام، المخالفة للإمام أن تخالفه وأنت مرتبط به، لا أن تزيد عليه إذا كان مقتضى صلاتك الزيادة؛ لأنك لم تخالفه حين كنتَ مرتبطاً به.

стр. 81

وقفة مع حديث: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده ... ) السؤال هل يمكن أن نوجه دلالة الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما بسند صحيح من رواية أبي هريرة مرفوعاً: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) زاد أحمد وغيره بسند صحيح على شرط مسلم: (وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر) هل يمكن أن يوجَّه الحديث على ما إذا أذن المؤذن في بداية بزوغ الفجر، فإن الله قد أرخص له، إذا كان على هذه الصفة، وهو إذا رفعه إلى فيه؟ الجواب نعم، أنا عندي أن هذا الحديث موجَّه على أحد وجهين: الوجه الأول: إما أن يكون المؤذن يؤذن بالتحري، والذي يؤذن بالتحري قد يصيب وقد لا يصيب، كالمؤذنين عندنا الآن. والوجه الثاني: أن يكون ذلك بالتأذين من المؤذن عن يقين، ومشاهدته للفجر؛ ولكن هذا من باب الرخصة، لما كان الإنسان رفع الماء ليشرب، تعلقت به نفسه، ولهذا لو كان في الأرض لا تحمله، لا ترفعه من الأرض، بل لابد أن يكون في يدك، وإلاَّ كانت النفس قد تعلقت بهذا الماء الذي رفعه، كان من رحمة الله أن يقضي الإنسان نهمته منه، كما لو حضر الطعام والإمام يصلي فإنك تأكل من الطعام، ولو فاتتك الصلاة، فتُسقط بذلك واجباً؛ لأن نفسك متعلقة بهذا الطعام الذي قُدِّم بين يديك. فالحديث لا يخرج عن أحد هذين الوجهين. الوجه الأول ما هو؟ أن المؤذن يؤذن بالتحري؛ لكن هذا قد يمنعه رواية أحمد، أنه يؤذن حين بزوغ الفجر؛ إلا أنه يؤيده ما ثبت في الصحيحين من قول الرسول ﵊: (إن بلالاً يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) هكذا جاء الحديث مرفوعاً بهذا اللفظ. الوجه الثاني: قلنا: أن هذا من باب الرخصة، وهو أنه لما اشتد تعلق النفس بهذا الماء المرفوع رخص له الشارع أن يقضي نهمته منه، وإن كان في وقت يُمنع منه، ونظير ذلك: (لا صلاة بحضرة طعام) أو (إذا قُدِّم العَشاء فابدءوا به قبل صلاة العِشاء) . أما ما يفعله بعض الناس إذا أذَّن قدَّم السحور، هذا لا يتفق أبداً، لا مع الحديث ولا مع نص الآية. أو بعض الناس يجيء بحديث، جاء به من جيبه، وليس من كيسه، جاء به من جيبه، يقول: إن الرسول ﷺ كان يستتر بناقته لئلا يرى طلوع الفجر، (عَلَشَان) يأكل، كيف هذا؟! كل واحد يستتر بالجدار ويأكل على مهله. والله! هذا الحديث جاء في الماء.

стр. 82

حكم تناول الدواء بعد طلوع الفجر للصائم السؤال هذه سائلة تقول: بعد طلوع الفجر نَسِيَت أخذ الدواء وأَخَذَتْه والصلاة تُقام، فهل لها صوم، أم تعيده؟ الجواب الذي أرى أن تعيد صومها هذا، وأن الواجب عليها إذا طلع الفجر ألا تتناول الدواء ولو نسيته، بل تبقى صائمة، ثم إن احتاجت أو اضطُرت في أثناء النهار إلى تناول هذا الدواء، فلتُفطر.

стр. 83

انقطاع الدم أو الصفرة والكدرة قبل الطهر السؤال من مدة سنتين أسقطتُ، وبعد الإسقاط أصبح معي خلاف في الدورة الشهرية، حيث أنه يكون في الثلاثة الأيام الأولى منها دم، وفي الثلاثة الأيام الأخيرة ليس معي شيء، فتظهر الطهارة في اليوم السادس، وفي اليوم السابع ينزل معي دم بني اللون (كُدرة) ويستمر أربعة أيام، هل في هذه الفترة جلوس أم لا؟ الجواب الفترة الأخيرة التي بعد الطهر -إذا كان الدم ليس دم العادة- ليس حيضاً، فلها أن تصوم، وتصلي، ولا حرج عليها، وأما ما قبل الطهر فإنه من الحيض حتى وإن كان صُفرة أو كُدرة، ما دام متصلاً بالدم؛ بالحيض فإنه يعتبر من الحيض، ولهذا تقول أم عطية ﵂: [كنا لا نعد الصُّفرة والكُدرة بعد الطهر شيئاً] أما قبل الطهر فما دام تابعاً للحيض ومتصلاً به فله أحكامه.

стр. 84

حكم الصيام لمن فيه قرحة في المعدة السؤال رجل مصاب بقرحة في المعدة، ونصحه الأطباء بالفطر وعدم الصوم خوفاً على حياته؛ ولكنه صام وأغفل كلامهم، هل يأثم لأنه عرَّض نفسه للتهلكة، أم له أجر على ذلك؟ الجواب إذا كان هذا الرجل يشق عليه الصوم؛ ولكنه يتصبَّر فإنه أخطأ في ترك رخصة الله ؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] فإن تسبب ذلك إلى ضرر فقد يكون آثماً؛ لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 85

جلسات رمضانية ١٤١٠هـ[١-٤] أسئلة متتالية وأجوبة مسددة متوالية في فنون شتى وعلوم متنوعة تترى، في الصيام والقيام والزكاة وغيرها من المسائل الاجتماعية والعلمية تضمنتها هذه الجلسة المباركة.

стр. 86

قاعدة في معرفة الميسر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: كل معاملة تدور بين المغنم والمغرم فهي ميسر، ولا تجوز إلا في ثلاثة أشياء، وهي المسابقة على: الخيل. والإبل. والسهام. وأجاز الشارع هذا لأجل المصلحة؛ لأنها تعين على الجهاد في سبيل الله، وما سوى ذلك من المغالبات والمقامرات فإنها حرام.

стр. 87

قاعدة في معرفة المصالح والمفاسد يقول الله : ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] الإثم أتى به مفرداً، والمنافع أتى بها جمعاً على صيغة منتهى الجموع، وهذه المنافع مهما كثرت ومهما عَظُمت الإثم الذي في الخمر والميسر أكبر من النفع، ولهذا قال: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] . وعلى هذا فنأخذ فائدة أو قاعدة عظيمة في الشريعة، وهي: إذا غلبت المفسدة على المصلحة، وجب ترك الشيء والبُعْد عنه، وإذا تساوت المصلحة والمفسدة أيضاً يُترك؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإذا غلبت المصلحة على المفسدة أُخِذ بالمصلحة. فالمهم أن جميع الأشياء: إما أن تكون مصلحتها راجحة، أو مرجوحة، أو مساوية، هذه ثلاثة أقسام، أو يكون الشيء ذا مصلحة خالصة، أو ذا مضرة خالصة. فالأقسام إذاً خمسة: مصلحة خالصة. مضرة خالصة. مصلحة راجحة. مضرة راجحة. مصلحة ومضرة متساويتان. أما ما مصلحته خالصة: فإن الشرع يَحُثُّ عليه. وأما ما مضرته خالصة: فإن الشرع يُحَذِّر منه. وأما ما مصلحته متساويتان: فالشرع أيضاً يُحَذِّر منه؛ لأنه إذا اجتمعت مفسدة ومصلحة فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. وأما ما مضرته راجحة: فالشرع أيضاً يُحَذِّر منه. وأما ما مصلحته راجحة: فالشرع يُرَغِّب فيه. فصار الشرع يُرَغِّب في شيئين: الأول: ما مصلحته خالصة. والثاني: ما مصلحته راجحة. ويُحَذِّر من ثلاثة أمور: ١/ ما مضرته خالصة. ٢/ ما مضرته راجحة. ٣/ ما تساوى فيه الأمران، والذي تساوى فيه الأمران إنما حذَّر الشرع؛ لأن المفسدة أقبح وأشد تأثيراً من المصلحة؛ لأن المفسدة إذا اجتمعت مع المصلحة فهي أقبح من المصلحة، وأشد تأثيراً، ولهذا نُهي عنها.

стр. 88

الأسئلة

стр. 89

مكفرات الكبائر السؤال هل الكبائر يكفِّرها الصوم؟ الجواب الكبائر من الذنوب لا تكفَّر إلا بتوبة: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] والنبي ﵊ يقول: (ورمضان إلى رمضان مكفِّر لما بينهما ما اجتنبت الكبائر) .

стр. 90

تحريم الخمر قليله وكثيره السؤال قوله ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام) هل إذا تناولت يسيراً ولا يحصل إسكار ولا يظهر أثره، هل يكون هذا الشيء حراماً؟ الجواب قال النبي ﵊: (من أسكر كثيره فقليله حرام) معناه: أن الشيء إذا تناولتَ منه كثيراً حصل الإسكار، وإن تناولت يسيراً لم يحصل الإسكار، حَرُم حتى اليسير الذي ليس فيه إسكار سدَّاً للذريعة، وليس المعنى: ما كان فيه قليل من خمر فهو حرام، لا ليس هذا هو المعنى، فالشيء الذي فيه قليل من الخمر يُنظر إن ظهرت آثار الخمر فيه من طعم أو لون أو سَكَر فهو حرام، وإن لم يظهر فإنه ليس بحرام؛ لأنه اضمحلَّ وزال أثره. ولهذا لو أن الماء أصابته نجاسة يسيرة لم تؤثر عليه بقي على طهوريته، كذلك هذا الشراب لما صار فيه نقطة أو نقطتان من الخمر؛ لكن لم يؤثر فيه، فإنه باقٍ على حِلِّه. وكذلك العطور إن استُعملت للشرب فهي حرام، أما لغير الشرب، فهي عندي محل نظر، أنا لا أحرمها ولكنني لا أستعملها إلا للضرورة، مثل: تقييم جرح أو شبهه، ولا أقول: إنها حرام؛ لأنها ما اتُخذت على وجه محرم، ثم هي على كل حال ليست بنجسة، فلو أصابت الثياب أو الفرش فهي طاهرة وليست بنجسة؛ لأنه لا يوجد دليل على نجاستها، بل ولا هناك دليل على نجاسة الخمر، بل الأدلة تدل على أن الخمر طاهر طهارة حسية، وإن كان من الناحية المعنوية خبيثاً ومحرماً.

стр. 91

حكم صيام يوم الشك لقضاء يوم من رمضان السابق السؤال شخص عليه قضاء يوم من رمضان، ففرَّط في قضائه حتى جاءه يوم الشك من رمضان الحالي، فصام يوم الشك، فجاء الخبر بثبوت شهر رمضان، فما الحكم؟ هل يُلزم بأن يصوم مع الناس؟ أو يجعل هذا اليوم عن القضاء الذي عليه؟ وهل يلزمه شيء من هذا القبيل مع القضاء؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. الجواب يوم الشك هذا العام جاء الخبر فيه قبل طلوع الفجر، ومعلوم أنه إذا ثبت دخول رمضان فإنه لا يصح أن يصوم فيه أي صوم كان، لا صوم فائت، ولا تطوع، ولا نذر، ولا كفارة؛ لأن أيام رمضان متعينة لرمضان، حتى قال العلماء: لو سافر وصادف سفرُه في اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من رمضان وقال: سأصوم الأيام البيض، فإنه لا يجوز؛ لأن رمضان مخصوص للفريضة فقط، فريضة رمضان. وعلى هذا فنقول للأخ: إن تبيَّن لك قبل طلوع الفجر أن اليوم من رمضان فصُم رمضان، وإن لم يتبيَّن إلا بعد، فألغِ نية القضاء واجعلها لرمضان.

стр. 92

حكم المسابقات الرمضانية السؤال هذا يسأل عن الفوازير الرمضانية، يقول: هل هي من قبيل الميسر أم لا؟ علماً أن (الفوازير) هي مسابقات الأطفال، يجمعون إجابة الأسئلة الثلاثين، ثم يجرون (اقتراعاً) والفائز له جائزة، فما الحكم في ذلك؟ الجواب هذا لا بأس به؛ لأن الجائزة من غير المتعاملَين. فإذا كانت الجائزة من غير المتعاملَين فلا بأس بها؛ لأنه لو قال قائل: مَن أجاب على عشرة أسئلة من خمسة عشر فله كذا، فلا بأس، أو قال: مَن سبَق على الأقدام مثلاً فله كذا وكذا، فهذا لا بأس به؛ لأنه لا يوجد فيه غُنم وغُرم، بل هذا رجل متبرع محسن جعل هذه الجائزة لمن سبق.

стр. 93

حكم ابتلاع الصائم الريق السؤال هل صحيح قول بعض الفقهاء: ويُفْطِر -أي: الصائم- بريق أخرجه إلى بين شفتيه ثم يبلعه؟ الجواب نعم، قال بعض أهل العلم: إذا أخرج الإنسان ريقه إلى ما بين شفتيه فقد انفصل عن فمه، فإذا أعاده فإنه يُفْطِر، وعلى هذا فالاحتياط ألا يبتلعه بعد أن أخرجه إلى ما بين شفتيه؛ لأنه انفصل من فمه. أما إذا كان في فمه فإنه لا يُفْطِر حتى لو جمع الإنسان ريقه أو وصلت النخامة إلى فمه فابتلعها فإنه لا يُفْطِر؛ لكن لا ينبغي له أن يبتلع النخامة بعد أن تصل إلى فمه.

стр. 94

مسألة السهو في صلاة التراويح السؤال إذا صلى الإمام في التراويح ثلاث ركعات كيف يفعل؟ الجواب إذا قام إلى الثالثة في التراويح ناسياً فإنه يرجع، حتى لو قرأ الفاتحة فإنه يرجع ويجلس ويتشهد ويسلم، ثم يسجد سجدتين، فقد نص الإمام أحمد ﵀ على أن الرجل إذا قام إلى الثالثة في صلاة الليل، فكأنما قام إلى ركعة ثالثة في صلاة الفجر، ومعلوم أن الإنسان إذا قام إلى ركعة ثالثة في صلاة الفجر وجب عليه أن يرجع؛ لأن الفجر لا يمكن أن يُصلَّى ثلاثاً، وكذلك صلاة الليل لا تزد على ركعتين، لقول النبي ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى) . وأنا سمعتُ أن بعض الأئمة إذا قام إلى الثالثة سهواً وذكَّروه استمر وصلى أربعاً، وهذا في الحقيقة جهل منهم، مخالف لقول النبي ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى) والواجب أن الإنسان إذا ذُكِّر في صلاة الليل أو التروايح ولو بعد أن شرع في القراءة فيجب أن يرجع ويجلس ويقرأ التحيات ويسلم، ثم يسجد سجدتين للسهو ويسلم.

стр. 95

حكم صلاة التراويح بعد صلاة الوتر السؤال من صلى التراويح وقد أوتر، ثم دخل مسجدكم -يعني: هنا- فهل الأولى أن يدخل معكم في صلاة التراويح؟ أم ماذا يفعل؟ الجواب الأَولى أن يدخل معنا، وإن كان قد أوتر؛ لعموم قول النبي ﷺ : (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة) وصلاته معنا صلاة ذات سبب، وهو حضور الإنسان إلى الجماعة، كما أن الإنسان لو أوتر ثم دخل المسجد بعد الوتر يصلي ركعتين، لا يجلس حتى يصلي ركعتين، فذوات الأسباب لا تمنع من كون آخر صلاة الليل وتراً.

стр. 96

حكم المداومة على الوتر بقراءة سورتي الأعلى والكافرون السؤال المداومة على الوتر بقراءة سورتي الأعلى والكافرون هل هو سنة؟ الجواب نعم، من السنة أن يقرأ الإنسان إذا أوتر بثلاث، أن يقرأ في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ؛ ولكن إن قرأ غيرها من السور فلا بأس؛ لأن هذا على سبيل الاستحباب، لا علي سبيل الوجوب.

стр. 97

جواز صلاة المفترض خلف المتنفل السؤال من دخل المسجد والإمام يصلي التراويح ولم يصلِّ الفريضة بعد فما العمل؟ الجواب إذا دخلت المسجد والإمام يصلي التراويح وأنت لم تصلِّ صلاة الفريضة فادخل مع الإمام بنية الفريضة، فإن أدركتَ الإمام من أول الركعة فإذا سلَّم فأتِ بركعتين، وإن أدركته في الركعة الثانية، فإذا سلَّم فأتِ بثلاث ركعات، المهم أنك تدخل مع الإمام وإن كان الإمام متنفلاً وأنت مفترض، وقد نص الإمام أحمد ﵀ على هذه المسألة، وقال: إذا دخل وهم في التراويح ولم يصلِّ العشاء فليدخل معهم بنية صلاة العشاء، ثم يكمِّل ما بقي من صلاته.

стр. 98

معنى قول عائشة: فلا تسأل عن حسنهن وطولهن السؤال ما معنى قول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حُسْنِهِنَّ وطُوْلِهِنَّ، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حُسْنِهِنَّ وطُوْلِهِنَّ) الحديث؟ الجواب معناه واضح أن الرسول ﷺ كان يصلي ثمان ركعات؛ لكن يفصل بينهن، فيصلي أربعاً يُطِيْلُهُنَّ ويُحْسِنُهُنَّ في القراءة والركوع والسجود والقيام والقعود، ثم يفصل قليلاً، ثم يصلي أربعاً، ولهذا كان السلف ﵏ يصلون التراويح هكذا، يصلونها أربع ركعات، ثم يجلسون قليلاً يستريحون، ثم يستأنفون الصلاة، ولهذا سُمِّيت (تراويح) من الراحة؛ لأنهم يستريحون بعد كل أربع ركعات. وظاهر حديثها هذا: (يصلي أربعاً) أنه يقرن بين الأربع، وهذا محتمل؛ ولكن هذا المحتمل من المتشابه الذي يجب أن يُحمل على المُحكم، والمُحكم هو قول الرسول ﵊: (صلاة الليل مثنى مثنى) وعلى هذا فيكون أربعاً؛ لكن مثنى مثنى، يسلِّم من الركعتين، ويكون فائدة في ذكرها الأربع أن هذه الأربع لم يفصل بينها بفاصل كالفاصل الذي بينها وبين الأربع الباقية.

стр. 99

حكم قول القائل: ونعوذ بك منك السؤال ما حكم قول الإمام: (ونعوذ بك منك) وكذلك، قولهم: (هب المسيئين منا للمحسنين) وهل تجوز الصلاة على النبي ﷺ في آخر دعاء القنوت؟ الجواب قول الداعي: (نعوذ بك منك) فهذا من باب التفويض إلى الله ؛ لأن الأمر من الله وإلى الله، فهو يعوذ بالله من الله ، وهو كقوله: لا ملجأ منك إلا إليك، فكما أن الإنسان يفر من الله إلى الله، كذلك يعوذ بالله من الله، والله يقدِّر الخير بفضله ويقدِّر الشر بحكمته، فهو يعوذ برضا الله من سخطه، ويعوذ بالله من الله ، أي: يعوذ بالخير من الشر، هذا معنى قوله: نعوذ بك منك، وهذا نظيره في ملوك الدنيا لو أنك قلت للملك: أنا بوجهك، الملك الذي يريد أن يعاقبك مثلاً، تقول: أنا بوجهك، أي: أنني أفر منك إليك، هذا هو معنى قوله: نعوذ بك منك. وأما هب المسيئين منا للمحسنين فهذه إن صحَّت؛ لأنني لا أدري هل تصح عن السلف؛ لكن إن صحَّت فالمراد هب المسيئين منا للمحسنين، أننا جمع يجمع بين أناس مسيئين ومحسنين، فشفِّع المحسنين في المسيئين، كما لو شفعتَ عند ملك لشخص، وقلت: أعطه لي، أي: بوجهي ومن أجلي، فمعنى: هب المسيئين منا للمحسنين أي: اجعل المحسنين شفعاء للمسيئين. وأما الصلاة على النبي ﷺ في آخر دعاء القنوت، فقد نص عليها أهل العلم، واستدلوا بعموم الحديث: (الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك) فإذا صلى الإنسان على نبيه ﷺ في آخر القنوت فلا بأس، وإن ترك ذلك واقتصر على الصلاة على النبي ﷺ في آخر التشهد فلا بأس؛ لأن الصلاة عمل واحد.

стр. 100

معنى القصَّة البيضاء السؤال كثير من النساء تجهل القَصَّة البيضاء؛ لذلك يغتسلن من غير أن يرينها دائماً، فما الحكم؟ الجواب القَصَّة البيضاء معناها: أن المرأة إذا طهرت من الحيض فإنها إذا جعلت قطنة بيضاء في محل الحيض خرجت بيضاء، ليس فيها كُدرة، فإذا كان الأمر كذلك فهذا هو علامة الطُّهر، ولا يلزم أن يكون هناك ماء أبيض سائل، لا يلزم؛ لأن بعض النساء لا يكون معهن ذلك؛ فإذا رجعت القَصَّةُ البيضاءُ بيضاءَ ما فيها أثر، فهذا هو علامة الطُّهر، وإذا حصل الطُّهر ثم جاء بعده كُدرة أو صُفرة، فإن ذلك لا يضر، قالت أم عطية ﵂: (كنا لا نعد الصُّفرة والكُدرة بعد الطهر شيئاً) .

стр. 101

حكم صيام المرأة قبل التأكد من طهرها السؤال امرأة نوت الصيام من الليل؛ لكنها لم تغتسل إلا وقت الظهر؛ وذلك لأنها تريد أن تتأكد من أنها طاهرة؛ لأنها تخشى أن يخرج منها دم، وفي وقت الضحى رأت القَصَّة البيضاء، فما حكم صيامها؟ الجواب صيامها غير صحيح؛ لأنها صامت من غير أن تتأكد من الطُّهر، والأصل بقاء الحيض حتى تتيقن الطُّهر، وهكذا كل ما كان موجوداً فالأصل بقاؤه على وجوده، حتى يقوم اليقين على زوال ذلك الوجود؛ لقول النبي ﷺ حين شُكي إليه الرجل يُخَيَّل إليه أنه يجد شيئاً في الصلاة، قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) فنقول لهذه المرأة التي لم تتيقن أنها طهرت: انتظري حتى يتيقن الطُّهر، فإذا طَهُرَتْ في أثناء النهار فإن شاءت أمسَكَتْ، وإن شاءت لم تُمسك، أي: إن بقيت على فطرها فلا بأس؛ لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن المرأة إذا طهرت من الحيض في أثناء النهار أو المسافر إذا قدم وهو مفطر، وقدم إلى بلده في أثناء النهار فالراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يلزمهما الإمساك، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀، ولا دليل على وجوب الإمساك بدون فائدة؛ لأنه إذا قلنا: أمسك ويلزمك القضاء، صار مجرد تعذيب لهذا الرجل بدون فائدة شرعية.

стр. 102

حكم استعمال السواك للصائم السؤال ما حكم استعمال السواك للصائم؟ وإن كان جائزاً فما حكم ابتلاع ما يبقى في فم الصائم من طعم للسواك؟ الجواب السواك للصائم وغيره سنة؛ لقول النبي ﷺ : (السواك مَطْهَرة للفم مرضاة للرب) في كل وقت، في الصباح، وفي الظهر، وبعد العصر، ثم إن كان السواك له طعم، مثل السواك الجديد فلا يبتلع الطعم، وإن لم يكن له طعم فلا بأس أن يبتلع ريقه وإن كان قد تسوَّك.

стр. 103

جدول زمني في شهر رمضان السؤال ما هو الجدول المناسب اتباعه في شهر رمضان المبارك؟ الجواب هذا لا يمكن ضبطه -الواقع- يعني: لا يمكن أن نحدد شيئاً معيناً لكل واحد من الناس، الناس يختلفون، هذا عنده عمل، وهذا طالب علم يدرس في مدرسته أو كليته أو معهده، وهذا آخر عنده أشغال أخرى، لا يمكن أن تُحَدَّد؛ لكن الإنسان الكيِّس الحازم هو الذي لا يضيع شيئاً من وقته إلا بما يعلم فائدته؛ لأن الوقت أغلى من المال، المال لو فُرِض أنه نَفَدَ يمكن يُسْتَرْجَع؛ لكن الزمن لا يمكن أن يُسْتَرْجَع أبداً؛ ولهذا الإنسان الكيِّس الحازم الفطن يحرص على وقته أكثر مما يحرص على ماله، والعجب أن كثيراً من الناس، أو أكثر الناس يحرص على ماله ويضعه في الصناديق أو يضعه في البنوك يزعم أن هذا أحفظ له، أو ما أشبه ذلك؛ لكن وقته قد ضيعه ضياعاً كاملاً في غير فائدة، بل قد يكون ضيعه فيما فيه مضرة، وكسب إثماً والعياذ بالله. فعلينا أن نحرص جميعاً على أوقاتنا التي هي أثمن من أموالنا، وألا نصرفها إلا في خير، إما خير محض، وإما خير راجح، وإما وسيلة لخير. والله الموفق، والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 104

جلسات رمضانية ١٤١٠هـ[٢-٤] في هذه المادة تحدث الشيخ عن مسائل في الربا، وكيف يتم التخلص من الأموال الربوية، وذكر ما يشترط عند الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، وكذلك الشروط في اختلاف الأصناف.

стр. 105

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ... ) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣١-١٣٢] . فقد صدَّر الله هذه الآيات الكريمة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقد قال ابن مسعود ﵁: [إذا سمعتَ الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأَرْعِها سمعَك، فإما خيراً تؤمر به، وإما شراً تُنهَى عنه] وصدق ﵁، فإن الله تعالى لا يصدِّر الآيات بهذا الخطاب وهذا النداء وبهذا الوصف؛ وصف الإيمان إلا لأمر هام، إما خيراً يؤمر به الناس، وإما شراً يُنهَون عنه. وفي هذه الآيات الكريمة الذي خاطبنا الله به شر نهانا عنه، فقال: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ . وكانوا في الجاهلية يأكلون الربا أضعافاًَ مضاعفة، بالصراحة والوضوح، كان الرجل إذا ديَّن شخصاً أرضاً أو ثمن مبيع أو غير ذلك مما يثبت في الذمة؛ لأن الدين في الشرع: كل ما ثبت في الذمة فهو دين، من ثمن مبيع، أو باقي صداق امرأة، أو أجرة بيت، أو دكان، أو غير ذلك، كل ما ثبت في الذمة فهو دين، كانوا في الجاهلية إذا حلَّ الدين المؤجل قال الدائن للمدين: إما أن تقضي الدين، وإما أن تربي، أي: أن تزيده، فإذا كان (١٠. ٠٠٠) مثلاً وحلَّ، وليس عند المدين شيء، قال له الدائن: إما أن توفيني العشرة آلاف بأي وسيلة كانت، وإما أن تُربي، أي: تجعل العشرة مثلاً أحد عشر ألفاً، أو اثني عشر ألفاً، حسب ما يفرضه هذا الدائن الظالم على المدين. والمدين المعسر يحرم على دائنه أن يتكلم معه بطلب الدين، يعني: لا يجوز أن يقول: أوفني وهو يعلم أنه فقير، فكيف بمطالبته؟! وكيف بحبسه؟! كما يفعل الآن بعض الناس الظلمة والعياذ بالله، يحل الدين على الفقير وهو يعلم أنه فقير لا يجد شيئاً، ثم يطالبه عند الجهات المسئولة، ويطلب حبسه، وهذا لا شك أنه معصية لله ، وأن الذي يفعل ذلك ربما يعاقب في الدنيا قبل الآخرة، ربما يُصاب بالإعسار والإفلاس، ويتسلط عليه الناس كما تسلط على هذا الفقير. المهم أنهم كانوا في الجاهلية إذا حل الدين قال: أوفني أو أرْبِ، يعني: زِدْ، فإذا حل مرة ثانية قال: أوفني أو زِدْ، فإذا حل مرة ثالثة قال: أوفني أو زِدْ، حتى يتضاعف الدين، وتكون المئات ألوفاًَ، فنهى الله المؤمنين عن ذلك. ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ : اتقوا الله يعني: اتخذوا الوقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لتنالكم رحمة الله ، وإذا لم تفعلوا ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] . ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١] يعني: اتقوا الله واتقوا عذابه بالنار التي أعدها الله للكافرين، وفي هذا دليل على أن الربا خصلة من خصال الكفر؛ لأنه قال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١] بعد أن نهانا عن الربا.

стр. 106

مسائل في الربا وقد بين رسول الله ﷺ الربا فيما يكون، وكيف يكون؟

стр. 107

الأشياء التي تجري فيها الربا أما ما يكون فيه الربا فقال ﷺ : (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح. -كم هذه؟ ستة. ستة أصناف- مِثْلاً بمِثْل -يعني: بعتَ ذهباً بذهب، أو فضة بفضة، أو براً ببر، أو شعيراً بشعير، أو تمراً بتمر، أو ملحاً بملح، مِثْلاً بِمِثْل- سواءًَ بسواء, يداًَ بيد) فاشترط النبي ﵊ المماثَلة والمقابَضة، إذا بِيْعَ شيء من هذه الأصناف بجنسه فلابد فيه من أمرين: المماثَلة: بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر. والمقابَضة: يداً بيد. فإن زِدتَ أو تأخرت في القبض فإنك مرابٍ، قال النبي ﷺ : (فمن زاد أو استزاد فقد أربى) أي: دخل في الربا، فإذا بعتَ ذهباً بذهب، إذا بعت عشرة غرامات بأحد عشر غراماً فهذا حرام؛ لأجل الزيادة، وإذا بعتَ عشرة غرامات بعشرة غرامات لكن لم تقبض فهذا حرام من أجل عدم القبض. والربا الذي يكون بعدم القبض يسميه العلماء: ربا النسيئة؛ لأنه تأخر في القبض. والذي يكون فيه الزيادة يسميه العلماء: ربا الفضل. فقد ينفرد ربا الفضل، وقد ينفرد ربا النسيئة، وقد يجتمعان. إذا اختلفت الأصناف، لم يكن إلا ربا النسيئة. فإذا بعتَ ذهباًَ بفضة فلا بأس بالزيادة والنقص ولكن لابد من التقابض قبل التفرق. إذا بعتَ تمراً ببُر، فلا بأس من التفاضل؛ ولكن لابد من التقابض قبل التفرق. إذا بعتَ شعيراً بملح، لا بأس بالزيادة؛ ولكن لابد من التقابض قبل التفرق. لقول النبي ﷺ : (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد) . فإن قلتَ: لو بعتُ ذهباً ببُر، هل يجب التقابض؟ ف الجواب ظاهر الحديث أنه يجب التقابض؛ لأنه قال: (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم) ، وذهبٌ ببُر اختلفت الأصناف، فيجوز أن نبيع كيف شئنا؛ ولكن يجب أن يكون يداً بيد، هذا هو ظاهر هذا الحديث؛ لكن قد دلت السنة أنه إذا كان أحد الصنفين نقداً، يعني: ذهباً أو فضة فلا بأس من التأخير في القبض، إذا كان أحد العوضين ذهباً أو فضة فلا بأس من التأخير في القبض. بأي دليل؟ بحديث ابن عباس ﵄ قال: (قَدِم النبي ﷺ المدينة وهم يُسْلِفون في الثمار السنة والسنتين -يعني: يعطون دراهماً بتمر بعد سنة أو بعد سنتين- فقال النبي ﷺ : من أسلف في شيء فليُسْلِف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم) وهذا يتأخر في القبض، وقد جاءت به السنة صريحة. فدل ذلك على أن قول النبي ﷺ : (إذا اختلفت هذه الأصناف) يعني: الأربعة فقط، وهي: البر، والشعير، والتمر، والملح. إذا بِيْع جنسٌ بغير جنسه فلابد من التقابض قبل التفرق، ولا يُشترط التساوي، أما إذا بيع جنس من هذه الأصناف الأربعة بذهب أو فضة، فإنه لا يُشترط فيه التساوي، ولا يُشترط فيه التقابض أيضاً؛ لكن إذا بيع ذهب بفضة، فإنه لابد فيه من التقابض، أما التساوي فليس بشرط؛ لأن الذهب لا يساوي الفضة؛ لكن لابد من التقابض. ودليل ذلك أحاديث وردت في هذا أن النبي ﷺ بيَّن بأن الذهب بالفضة لابد أن يكون فيه التقابض قبل التفرق.

стр. 108

بيع وشراء العملات الورقية إذا قال قائل: ما تقولون في هذه العملات الورقية؟! الذهب والفضة معلومان بالسنة؛ لكن هذه العملات الورقية ماذا نقول فيها؟ فقد اختلف العلماء فيها؛ لأنها خرجت متأخرة، ما كانت معروفة عند العلماء السابقين، خرجت متأخرة، والمتأخرون اختلفوا فيها على ستة أقوال، وأقرب الأقوال فيها: أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، يعني: إذا بعت شيئاً بشيء متفاضلاً فلا بأس، لكن لابد من التقابض قبل التفرق، وهذا قول وسط بين من يقول: إنه لا يجري فيها ربا فضل ولا ربا نسيئة، وبين من يقول: إنه يجري فيها ربا الفضل وربا النسيئة، فهذا قول وسط، أنه يجري فيها ربا النسيئة؛ لأن ربا النسيئة هو الأشد والأعظم؛ حتى ذهب بعض السلف قديماً إلى أنه لا ربا إلا في النسيئة، بناءً على حديث أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إنما الربا في النسيئة) . لكن انعقد الإجماع بعد ذلك على مقتضى السُّنَّة الأخرى التي فيها إثبات ربا الفضل، وإثبات ربا النسيئة. فأقرب الأقوال عندي في مسألة الأنواط، يعني: الأوراق، أوراق العملة أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، وأن ربا الفضل فيها جائز، بل هو ليس رباً شرعياً؛ لأنه مثلما لو بعتُ عليك ثوباً بثوبين لا بأس به بالاتفاق، أو بعتُ عليك بعيراً ببعيرين، لا بأس به أيضاًَ، كذلك لو بعتُ ورقةًَ بورقتين لا بأس به؛ لكن إذا كانت الدولة واحدة، فإن كان ورقة بما يقابلها من معدن آخر فلا بأس بالزيادة، وليس فيه إشكال عندي؛ لكن إذا كانت ورقة بورقة؛ لكن ورقة جديدة نظيفة وأخرى فيها تمزق فهذه في نفسي تردُّد، هل تجوز الزيادة في هذا أو لا تجوز، والاحتياط: ألا يكون فيها زيادة. والمهم -أيها الإخوة- أن الربا إثم عظيم وجُرم كبير، وقد قال الله تعالى في من لم ينتهِ عن الربا قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] . ومع الأسف الشديد أننا نحن معشر الأمة الإسلامية الذين فُضِّلنا على كل الأمم -ولله الحمد- فينا اليوم من يتعاطى الربا وكأنه بيع حلال، ففينا بعد ذلك شبه من اليهود؛ لأن اليهود هم المشهورون بأكل الربا، فمن أكل الربا فإن فيه شبهاً من اليهود، إخوان القردة والخنازير والعياذ بالله. نسأل الله لنا ولكم الحماية والوقاية من الشر، إنه جواد كريم.

стр. 109

الأسئلة

стр. 110

كيفية التخلص من الأموال الربوية السؤال شخص له مبلغ كبير في بنك من البنوك بلغت فوائده الربوية (١٠. ٠٠٠) ريال تقريباً، فهل يأخذها ويتصدق بها؟ أو يصرفها في أعمال البر العامة؟ أم يتركها للبنك يتاجرون بها ويربحون بسببها، فيحس بالذنب يلاحقه؟ نرجو توضيح هذه المسألة، وفقكم الله للصواب؟ الجواب لا شك أن بقاء هذا الشيء الذي يسميه السائل: فائدة، لا شك أن بقاءه في البنك ينمِّي ماله ويزيده؛ لكن إذا كان هذا الرجل لا يحب أن ينمِّي مال البنك فلماذا يعطي البنك ماله؟! إذا كان صادقاً في أن يبتعد عن البنوك وعن فوائدها الربوية فلماذا يضع دراهمه في البنك أصلاً؟! لو أن الناس هجروا البنوك ولم يضعوا أموالهم فيها لأفلست البنوك؛ لأن أموال البنوك وأرباح البنوك من أموال الشعب، تَرِدُ عليهم وينتفعون بها، وهذا الربح الذي يعطونك إياه ليس فائدة مالك أبداً حتى تقول: إني تركتُ فائدة مالي لهم، بدليل أن هذا الربح مُطَّرِد، يزيد بزيادة الدقائق، ليس بزيادة الأيام فحسب، وليس هناك ربح يكون بهذا الوجه. ثم إن مالك الذي هو مالك ربما يتَّجر بها البنك ويخسر، وربما يتلف، ربما يصيب البنك حريق فتتلف أموال عظيمة من جملتها مالك، ومع هذا يعطونك الفائدة، فالفائدة هذه ليست فائدة مالك، ولكنها رباً صريح يعطيه البنك لمن جعل ماله عنده، وبعبارة أصح: يعطيه البنك لمن أقرضه ماله؛ لأنك أنت إذا أعطيت البنك فقد أقرضتَه المال؛ لأن البنك يضعه في صندوقه وينتفع به، ليس وديعة، وإن كان الناس يسمونها وديعة؛ لكنها كذب، ما هي وديعة، الوديعة أن يبقى مالك بعينه محفوظاً بكيسه، لا يتصرف فيه المودَع أبداً، هذه الوديعة. أما شيء تعطيه إياه ويضعه في صندوقه ويتصرف فيه فهذا يسميه الفقهاء: قرضاً، وليس وديعة، والمعاني لا تتغير بتغيُّر الأسماء أبداً، ولهذا أخبر النبي ﵊ أنه في آخر الزمان يشرب أقوام الخمر ويسمونها بغير اسمها، فهل تنتقل عن الخمر إلى الاسم الجديد؟ لا. هي خمر، هكذا أيضاً هذه التي نسميها ودائع وهي عند البنوك ليست وديعة أبداً، بل هي قرض ينتفع بها البنك. فنقول لهذا السائل: أولاً: لماذا تضع مالك عند البنك وأنت تشعر بأن في هذا تنمية لأموالهم وزيادة فيها؟! فإذا قلت: إنني مضطر إلى ذلك؛ قلنا: الضرورة لا تبيح لك أخذ الربا أبداً، وبيننا وبينك كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨-٢٧٩] أي: اتركوا الربا الذي أنتم عقدتموه من قبل، حتى ربا الجاهلية الذي تم العقد عليه قبل الإسلام قال فيه النبي ﵊: (ربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع من ربانا: ربا العباس بن عبد المطلب) . والشرع لا يتغير باستحسان العقول، بعض الناس يقول: لماذا أخلِّي هذا المال الكثير عند البنك يربحُه؟ نقول: ما ربحه، مالك ما ندري هل ربح أم خسِر؟! وهل ربح أضعاف أضعاف الذي أعطاك أو أقل؟! لا ندري، هذا ليس ربحاً، ولا يجوز أن نسميه ربحاً؛ هذا رباً، رباً صريح، ولهذا -كما قلتُ- يزيد بزيادة الساعات والدقائق والأيام، إذا تأخر أضيف إليه زيادة، كلما تأخر، يُحسب بالدقيقة، كيف يقال هذه فائدة؟! أين الفائدة؟! فإذا كان ربك يقول لك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٨] اتركوا الباقي، كيف تأخذه أنت؟! أليس الله يعلم أنك لو قبضته وتصدقت به أو صرفته في منفعة عامة أليس الله يعلم أن ذلك يكون؟ الجواب: بلى، يعلم هذا، لماذا لم يقل للعباد: خذوه وتصدقوا به أو اصرفوه في المصالح العامة؟! الله لا يمكن أن يحرم عباده مما فيه الخير أبداً، وأن يأمرهم بما فيه الشر! لا يأمر إلا بالصالح أو الأصلح، ولولا أن الصالح أو الأصلح في تركه ما قال: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ثم في تركه له فوائد عظيمة؛ خلافاً لما يتراءى لبعض الناس من سطح المسألة وظهرها: من أكبر فوائده: أن الناس إذا علموا أو إذا شعروا بأن هذه التي يسمونها فوائد كثيرة تبلغ ملايين ما هي (١٠. ٠٠٠) كما قال السائل، فإن هذا سيضطَّرهم إلى أن يوجدوا معاملات بديلاً عن هذا، أما إذا استمروا على هذا أو استمرءوه، قال: آخذ، وأصرفه في مصالح عامة، وربما يشح بها أيضاً، ربما تمنعه نفسه، هو أخذها بهذه النية؛ ولكن مع كثرتها إذا صار يقلِّبها يقول: والله! هذه مليون، مليونان، عشرة ملايين، لا، خلِّها وسننظر فيما بعد، يموت وهو ما صرفها في شيء، أو ربما يغلبه الشح وتبقى، ثم هو لو فرضنا أن الرجل أخذها وصرفها فوراً إلى شيء نافع فغيره لا يدري هل أخذها وصرفها أم لا؟! فيقتدي به، يحصل في هذا شر كبير. فالمهم أن تركها امتثالاً لأمر الله وتحسُّباً للفوائد العظيمة التي ستكون في تركها، لا شك أنه متعيِّن. وما استحسنه بعض الناس من أن تأخذها وتصرفها في المصالح العامة هذا استحسان في مقابلة النص، ولا -والله- أعلم لأحد حجة إذا وقف بين يدي الله يوم القيامة، وقد قال الله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ لا أعلم له حجة أن يقول: يا رب! أخذته لأني أرى أن فيه مصلحة، المصلحة كلها في طاعة الله ورسوله، ليست في شيء سواهما، طاعة الله ورسوله فوق كل شيء. وثِق أيضاً بأنك إذا تركت هذا طاعة لله ورسوله فستكون العاقبة حميدة لك، وستجد لذة طعم هذا الترك إلى أن تموت، لا سيما إذا كثر المال المتروك. فعلى كل حال نقول: لا تأخذه، ولا تصرفه في المصالح؛ لأنك إن صرفته في المصالح أو تصدقت به تقرباً إلى الله لم يُقبل منك، وبُؤت بالإثم، كسبت الإثم ولم يقبل منك هذا، وإن أنفقته في المصالح أو تصدقت به تخلصاً منه صرت كمن تلوث بالنجاسة ثم حاول أن يغسلها، ما الفائدة؟ إذا كنتَ تعرف أن هذا لا يحل لك ما الفائدة أنك تأخذ وتصرف، قال: والله! الفائدة أنني أحرمهم إياه؛ لأنه ربما يأخذونه ويضعونه في الكنائس، أو يضعونه في أسلحة يقاتلون بها، نقول: إذا كان هذا الاحتمال وارداً عندك، فأصل إدخالك المال محرم؛ لأنهم سيستعينون به على ذلك.
следующие страницы →