← Фикх общий

Фикх общий · id 7679

جلسات رمضانية للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (477 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

صلاة المغرب والعشاء لا تلزم المرأة إذا طهرت قبل الفجر السؤال فضيلة الشيخ! إذا طهُرَت المرأة قبل صلاة الفجر هل تلزمها صلاة المغرب والعشاء؟ الجواب أولاً: إذا طهُرت المرأة قبل صلاة الفجر بعد منتصف الليل، فإنه لا يلزمها صلاة العشاء، ولا صلاة المغرب. لماذا؟ لأن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، بدلالة القرآن والسنة: أما القرآن: فقد قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨] ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] دلوك الشمس يعني: زوالها، إلى غسق الليل يعني: ظلمة الليل، وأشد ما يكون الليل ظلمة عند انتصافه، هذه فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولهذا كانت هذه الأوقات الأربعة كلها متوالية، ليس بينها فاصل، ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] ففصل. أما السنة فهي صريحة في هذا، فقد قال النبي ﵊: (وقت العشاء إلى نصف الليل) وهو ﵊ يعرف ماذا يقول، ويعني ما يقول وهو أعلم الأمة بشرع الله، وأنصح الأمة، وأعلمهم بما يقول، أليس كذلك؟ قال: (إلى نصف الليل) ليس هناك حديث يقول: إن صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، أبداً. الفجر صلاته مستقلة، نصف الليل الأخير يفصل بينها وبين العشاء، ونصف النهار الأول يفصل بينها وبين الظهر. على هذا إذا طهُرت المرأة بعد منتصف الليل ليس عليها عشاء ولا مغرب. وإن طهُرت قبل منتصف الليل وجبت عليها صلاة العشاء دون صلاة المغرب، وليس هناك دليل لا من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع ولا القياس الصحيح على أنه يجب عليها صلاة المغرب مع صلاة العشاء، إنما رُوي ذلك عن اثنين من الصحابة بسند فيه نظر. فليس هناك في القرآن والسنة والإجماع أنه يجب عليها صلاة المغرب مع صلاة العشاء إذا طهُرت في صلاة العشاء، ولا صلاة الظهر مع صلاة العصر إذا طهُرت في وقت العصر، قال النبي ﵊: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة, ومن أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) ولم يقل: والظهر، ولو كان إدراكه صلاة العصر يكون مدركاً لصلاة الظهر لقاله، ولأن المرأة لو حاضت بعد دخول وقت الظهر لم تلزمها صلاة العصر، ولو حاضت بعد دخول وقت المغرب لم تلزمها صلاة العشاء. إذاً: ما الفرق بين الصلاة الأولى والصلاة الثانية؟ حيث نقول: إن طهُرت في الوقت الثاني لزمتها الأولى، وإن أدركها وقت الأولى لم تلزمها الثانية؟ هذا خلاف القياس. الخلاصة -أنا أطلتُ في هذا لأن هذا ينفع طلبة العلم- الخلاصة: أن المرأة إذا طهُرت من الحيض في وقت صلاة العصر لم يلزمها إلا صلاة العصر فقط، وإن طهُرت من الحيض في وقت العشاء وهو قبل منتصف الليل لم يلزمها إلا صلاة العشاء فقط. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 177

جلسات رمضانية لعام ١٤١١هـ[٣] ذكر الشيخ في هذه المادة الشروط المترتبة على مفسدات الصوم، كالعلم وضده الجهل، والذكر وضده النسيان، والقصد وضده الإكراه، وأسهب الشيخ في شرح هذه الشروط، ثم ختم ذلك بأجوبة تتعلق بالموضوع وغيره.

стр. 178

شروط مفسدات الصوم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. في هذه الليلة؛ ليلة الأحد الموافق للثامن من رمضان عام: (١٤١١هـ) نتكلم على شروط مفسدات الصوم كما تكلمنا في الدرس الماضي عن المفسدات، وبينَّا أنها تسعة؛ لكن هذه المفسدات هي محظورات في الصيام، ولا تُفسد الصومَ إلا بشروط ثلاثة: ١/ العلم. ٢/ والذكر. ٣/ والقصد. وذلك لأن المشهور عند أهل العلم أن المحظورات يُعذر فيها الإنسان: بالجهل. والنسيان. والإكراه. أما المأمورات فإنها لا تسقط بالجهل، والنسيان، والإكراه، بل يفعل الإنسان ما يقدر عليه، ويتدارك ما يمكنه تداركه. وهذه القاعدة التي أصَّلها أهل العلم لها دلائل من الكتاب والسنة، وهي قاعدة مفيدة لطالب العلم. فمثلاً: الصلاة من باب فعل المأمور أو من باب ترك المحظور؟ الجواب من باب فعل المأمور. والفرق بينهما لئلاَّ يشتبه: أن ما طُلب فعله فهو: مأمور، وما طُلب اجتنابه فهو: محظور. فالصلاة طُلب فعلها، إذاًَ: هي من باب فعل المأمور، لم تسقط لا بالنسيان، ولا بالجهل، قال النبي ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها) يعني: إذا ذكرها بعد النسيان، وإذا استيقظ بعد النوم. النائم تركها بقصد أو بغير قصد؟ بغير قصد، ولم تسقط عنه. والناسي تركها بغير ذكر، ولم تسقط عنه (فليصلِّها إذا ذكرها) . الجهل: جاء رجل فصلَّى في مسجد النبي ﷺ ، وجعل لا يطمئن في صلاته، وهو جاهل، لا يعلم أن الطمأنينة ركن، فقال النبي ﷺ له: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ) ولم يعذره بالجهل، بل كرر ذلك عليه حتى قال الرجل: (والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلِّمني، فعلَّمه) . إذاً: ففعل المأمور لا يسقط بالنسيان، ولا يسقط بعدم القصد، ولا يسقط بالجهل؛ ولكن يجب أن نعلم أنه يسقط الإثم بالنسيان، والجهل، وعدم القصد؛ لكن يقارب الإنسان في إيجاد هذا الشيء الذي طُلب منه فعلُه، واضح يا جماعة؟ فالمحظور إذا فعله الإنسان جاهلاً، أو ناسياً، أو غير قاصد، فإنه لا يلحقه حكمه، يُعفى عنه نهائياً، كأنه لم يفعله. ولهذه القاعدة أيضاً دلائل، فاجتناب النجاسة في الصلاة من باب ترك المحظور؛ لأنه يُقال: اجتنب النجاسة؛ لكن الطهارة من الحدث من باب فعل المأمور؛ لأنه يقال للمحدِث: تطهَّر، أما النجاسة فالمأمور يعني: يؤمر باجتنابها، فإذا فعلها الإنسان جاهلاًَ أو ناسياً فلا شيء عليه. دليل هذه القاعدة: (أن النبي ﷺ صلَّى ذات يوم وعليه نعلان، وفيهما قذر، وفي أثناء الصلاة جاءه جبريل فأخبره أن فيهما قذراً، فخلعهما، ومضى في صلاته) مضى في صلاته. إذاً: كان أول صلاته متلبساً بمحظور وهو النجاسة، ولم يبطل أول الصلاة، لماذا؟ لأنه كان جاهلاً، لم يعلم ﵊ أن في نعليه قذراً، فعُفي عنه؛ لأنه كان جاهلاً. حسناً! ترك الأكل والشرب للصائم من باب ترك المحظور، وقد قال النبي ﵊: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) فأسقط عنه حكم هذا المحظور؛ لأنه كان ناسياً. وهذه القاعدة تنفعك أيضاً في غير العبادات: لو أن الإنسان حلف وقال: والله لا أدخل بيت فلان، فدخل بيتاً وهو لا يدري أنه بيت فلان، ثم علم أنه بيت فلان، فهل تلزمه الكفارة؟ لا؛ لأنه كان جاهلاً، لا يعلم أنه بيته. ولو قال: والله لا ألبس ثوبي هذا اليوم، ثم نسي فلبسه فليس عليه كفارة؛ لأنه ناسٍ، وبالحلف أصبح فعله محظوراً؛ لأنه ممنوع عليه، ممنوع عليه باليمين، فإذا فعله فقد فعل محظوراً. ولو قال لزوجته: إن كلمتِ فلاناً فأنتِ طالق، فنسيَت وكلمَته، فإنها لا تطلُق، أو كلمت شخصاً لا تعلم أنه فلان، فتبيَّن أنه هو، فإنها لا تطلق؛ لأنها كانت جاهلة. فالقاعدة هذه مفيدة لطالب العلم، ويدخل فيها من المسائل ما لا حصر له؛ لكن الإنسان إذا طبقها استراح. وهناك أدلة منصوصة غير المسائل التي بالاستقراء أخذنا منها الحكم؛ لأن القواعد تؤخذ أحياناً من الاستقراء، بمعنى: أن الإنسان يجمع مسائل من السنة أو من القرآن، فتتكون من هذه المسائل قاعدة، وأحياناً تكون منصوصة عليها. استمع إلى الآية الكريمة: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] . فنقول: بناءً على هذه القاعدة: يُشترط لإفساد الصوم بالمفطِّرات ثلاثة شروط: أن يكون عالماً، وضده الجاهل. وذاكراً، وضده: الناسي. وقاصداً، وضده: من لم يقصد.

стр. 179

العلم وعدم الجهل فلو أن الإنسان أكل وهو يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه قد طلع، فصومه صحيح؛ لأنه جاهل؛ لكن يجب عليه من حين أن يعلم أن الفجر قد طلع أن يمسك، حتى لو كانت اللقمة في فمه وجب عليه لفظُها، أو كان الماء في فمه وجب عليه مَجُّه، ولا يجوز أن يبلع بعد العلم بأن الفجر قد طلع. مثال آخر: رجل سمع في (الراديو) أذان الرياض، فظن أنه أذان عنيزة فأفطر، ثم بعد أن أكل وشرب أذَّن المؤذنون؛ لأن التوقيت بين عنيزة والرياض الفرق عشر دقائق تقريباً، أكل وشرب ثم أذن الناس، نقول لهذا الرجل: صومك صحيح، كيف صومه صحيح وهو أكل قبل أن تغرب الشمس؟ نقول: لأنه كان جاهلاً، لو علم أن هذا الأذان ليس أذان بلده ما أكل، إذاً: هو جاهل. مثالٌ ثالث: رجل احتجم، يظن أن الحجامة لا تفطِّر، يعني: لم يعلم أن الحجامة تفطِّر، فقيل له: إن الحجامة تفطِّر، بعد أن احتجم، فهل يفطر؟ لا؛ لأنه كان جاهلاً؛ لكن الفرق بين هذا الجهل والجهل في المثالين السابقين أن الجهل في المثالين السابقين جهل بالحال، والجهل في هذا المثال الثالث جهل بالحكم، ولا فرق بين الجهل بالحكم والجهل بالحال، كلاهما يُعذر به، ولا يترتب على الفاعل شيء؛ لأنه جاهل. مثال رابع: رجل جامع زوجته في نهار رمضان في حال يلزمه الصوم، وهو يدري أن الجماع حرام، وأنه مفطِّر؛ لكن لم يعلم أن فيه كفارة، نعم، نقول: صومه فاسد لا شك، لأن عالم أنه يفطِّر؛ ولكن هل تلزمه الكفارة؟ لو قال: أنا ما علمتُ أن في ذلك كفارة، ولو علمتُ أن في ذلك كفارة ما فعلتُ، نقول: جهلك بالعقوبة لا يمنع العقوبة، أنت قد علمت أنه حرام، وأنك قد ارتكبت إثماً، والعقوبة ليست إليك، إلى الله، ولهذا لم يعذر النبي ﷺ الرجل الذي جاء إليه وقال: (يا رسول الله! هلكتُ، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان وأنا صائم) ثم أمره بالكفارة، ولم يعذره، مع أن الرجل يعلم عن الكفارة أو لا؟ لا يعلم، جاء يستفتي. إذاً: فالجهل بالعقوبة ليس بعذر، تلزمه العقوبة؛ لأنه فعل سبب العقوبة وهو عالم، وليس معذوراً، فلزمته العقوبة؛ وهي الكفارة.

стр. 180

الذكر وعدم النسيان ومن شروط مفسدات الصوم الذكر وعدم النسيان. ونقول: النسيان أيضاً له أمثلة: رجل كان صائماً، فعطش، فشرب ناسياً أنه صائم، سواءً في الفريضة أو في النافلة، ثم بعد أن شرب ذكر أنه صائم، فصومه صحيح، وليس عليه شيء. حسناً! لو رَوِيَ؟ ولو رَوِيَ؛ لكن إذا ذََكََرَ ولو كان الماء في فمه وجب عليه أن يَمُجَّه، ولا يجوز له ابتلاعه بعد الذكر؛ لأن العذر زال. فإذا قال قائل: ما هو الدليل على ما ذكرتم؟ نقول: الدليل على ما ذكرنا نوعان: عام. وخاص. أما العام: فقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . هذا يشمل النسيان في الصوم، والخطأ في الصوم، والجهل من الخطأ. وأما الخاص: ففي الجهل: ما ثبت في صحيح البخاري: عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس) هكذا قالت. وجه الدلالة من هذا الحديث: أنه لو كان إفطارهم مفسداً لصيامهم لبيَّنه النبي ﷺ ، وأمرهم بالقضاء، ولو أمرهم بالقضاء لنُقل إلينا؛ لأنه إذا أمرهم بالقضاء صار القضاء من الشرع، وإذا كان القضاء من الشرع فلابد أن يُنقل، وهذه أيضاً من القواعد المهمة لطالب العلم، أنه إذا لم يُنقل عن النبي ﵊ شيء فإنه يُعلم أنه ليس من الشرع؛ لأنه لو كان من الشرع لنُقل؛ لأن الشرع محفوظ؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ولا يمكن أن يُنسى، ولما لم يُنقل أن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء عُلِم أن القضاء ليس بواجب، إذْ لو كان واجباً لأمرهم، ولَنُقِل، واضح؟ هذا جهل بالحكم وإلاَّ بالحال؟ بالحال. الجهل بالحكم: عدي بن حاتم ﵁ أصبح صائماً، وتلا قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] . أتدرون ماذا صنع؟! أخذ عقالين وهما: الحبلان اللذان تُعقل بهما الإبل، أسود وأبيض، فوضعهما تحت الوسادة، وجعل يأكل وينظر إلى العقالين، فلما تبيَّن الأبيض من الأسود أمسك، ظناً منه أن الآية الكريمة يُراد بها هذا المعنى. فلما أصبح وأخبر النبيَّ ﷺ بذلك قال له: (إن وِسادك لَعَريض أن وَسِع الخيط الأبيض والأسود) عريض يعني: واسع؛ لأن الخيط الأبيض هو: النهار؛ بياض النهار، والأسود: سواد الليل؛ لكن عدياً لم يتبين له ذلك، فجعل يأكل حتى ارتفع الضياء، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، لماذا؟ لأنه كان جاهلاً، ونوع الجهل؟ جهل بالحكم، فلا يجب القضاء.

стр. 181

القصد وعدم الإكراه بقي الشرط الثالث ما هو؟ القصد، يمكن أن نستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] . وفي قوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فإن قوله: ﴿مُتَعَمِّداً﴾ [المائدة:٩٥] يخرج من ليس بمتعمد، فلابد من القصد. الذي لا يُقصَد له أنواع: منها: الإكراه: أن يُكره الإنسان على الشيء، فإذا أكره على الشيء، فإنه لا يلحقه حكم، يعني: يُعفى عنه، والدليل قوله تعالى في أعظم المحرمات، وهو الكفر: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:١٠٦] نعم، فهذا يدل على أن المُكرَه على فعل المحرم معفوٌّ عنه، لا يلزمه شيء. وبناءًَ على ذلك: لو أن الرجل أكره زوجته الصائمة فجامعها، فإن صومها صحيح، وليس عليها شيء، وتستمر في صيامها؛ لأنها مكرهة. ولو أن شخصاً أكره صائماً على أن يأكل، وقال: كُلْ وإلا حبستك، وخاف أن ينفذ ما قال، فأكل، فليس عليه شيء؛ لأنه مكره. ولو أن الإنسان تمضمض وهو صائم، فنزل الماء من فمه إلى معدته بدون قصد، فصومه صحيح؛ لأنه لم يتعمَّد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] صومه صحيح. ولو أن المريض المغمى عليه صُب في فمه ماء من أجل أن يستيقظ، فهل يُفطر؟ لا. لماذا؟ لأنه بغير قصد، هو ما قصد؛ لكن صبُّوه عليه، وقال بعض العلماء في هذه المسألة بالذات: إنه يُفطر؛ لأنه لو كان صاحياً لرضي أن يُعالج حتى يزول عنه الإغماء؛ لكن المشهور عند الحنابلة ﵏: أنه لا يفطر بهذا؛ لأنه ليس بقاصد، وإن كان يرضى؛ لكن هو الآن غير قاصد. فصارت هذه الشروط إذا انتفى واحدٌ منها فإنه لا فطر، والصوم صحيح، ويبقى الإنسان صائماً، لا ينقص من صيامه شيء. لو أن شخصاً تطيَّب ببخور، وطار شيء من دخان البخور إلى أنفه، ثم إلى جوفه بدون قصد، فليس عليه شيء؛ لأنه غير قاصد. واختلف العلماء ﵏ في مسألة، وهي: إذا أكره الإنسان على فعلٍ محرم: فإذا فعله لدفع الإكراه لا لقصد الفعل فلا شك أنه معذور، ولا خلاف في ذلك. لكن إذا فعله لقصد الفعل؛ غاب عن باله أنه يريد دفع الإكراه، فهل يسقط عنه إثم هذا الفعل أو لا؟ قال بعض العلماء: لا يسقط عنه؛ لأنه نوى الفعل. وقال آخرون: بل يسقط عنه؛ لعموم الأدلة الدالة على أنه يُعفى عن الإنسان في حال الإكراه؛ ولأن العامي لا يفرق بين أن يفعل الشيء لدفع الإكراه أو يفعله بقصد فعله. مثال ذلك: جاء شخص إلى عامي وأكرهه على أن يُفطر وهو صائم، قال: لازم تفطر وإلا، يهدِّده، فأخذ الماء وشرب، قصَد شُرب الماء؟ نعم قاصد، قصَد شُرب الماء، هذا واحد. ثانياً: عامي أكرِه على أن يُفطر وهو صائم، فأخذ الماء فشربه دفعاً للإكراه، لا قصداً للشرب. الثاني: لا يفطر، لا إشكال فيه، قول واحد؛ لأنه ما قصد الفعل، قصد دفع الإكراه. والأول: فيه خلاف: فمنهم من قال: إنه يؤاخذ لأنه قصد الفعل. ومنهم من قال: لا يؤاخذ لأنه وإن قصد الفعل فهو مكره على الفعل. وهذا الأخير أصحُّ، ما لم يتناسى الإكراه نهائياً، ويعتمد على أنه سيعمل هذا المُكرَه عليه، فإنه حينئذٍ لا شك أنه اختار. فالأحوال إذاً ثلاثة: أن يقصد دفع الإكراه دون الفعل، فهذا لا إشكال أنه لا حرج عليه. الثاني: أن يقصد الفعل؛ لكن من أجل الإكراه؟ ففيه خلاف، والصحيح: أنه لا حرج عليه. الثالث: أن يقصد الفعل متناسياً للإكراه؛ يعني: كأنه يقول: لما أُكرِهتُ أريد أن أفعل إذاًَ، ويفعله اختياراً، فهذا لا شك أنه عليه الحرج، وعليه حكم هذا الفعل. وإلى هنا ينتهي الكلام على المفطِّرات، وقد عرفنا شروطها، ومعرفة الشروط مهمة، وأخذنا من هذا التقرير قاعدتين مهمتين، وهما: أن فعل المأمور لا يسقط بالجهل، والنسيان، وعدم القصد. بخلاف ترك المحظور، إذا فعل الإنسان المحظور جاهلاً، أو ناسياً، أو غير قاصد، فلا شيء عليه. والله الموفق.

стр. 182

الأسئلة

стр. 183

ما يترتب على الصائم من أحكام إذا أكل أو شرب عامداً السؤال ما هي الأحكام المترتبة على من أكل أو شرب عامداً؟ الجواب إذا أكل الإنسان في نهار رمضان عامداً، ترتب عليه أربعة أحكام، لزمه الإمساك، وترتب عليه الإثم، ووجوب القضاء، وفساد الصوم ولا كفارة. يعني: كله ما فيه كفارة إلا الجماع في نهار رمضان، في حال تجب فيه.

стр. 184

حكم من أدركه الفجر في رمضان وهو جنب السؤال قرأتُ في أحد الكتب تحت موضوع: هدي النبي ﷺ في صوم رمضان: أن من هديه ﷺ أنه كان يدركه الفجر وهو جنُب من أهله، فهل هذا صحيح؟ الجواب صحيحٌ أن النبي ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنُب من أهله، ويصبح صائماً، وقد أشار الله إلى هذا في القرآن، فقال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: بالجماع: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] . فإذا أبيح للإنسان أن يجامع إلى أن يتبين الصبح لزم من ذلك ألا يغتسل إلا بعد تبيُّن الصبح، وهذا يدل على أن الإنسان يجوز أن يصبح جنباًَ وهو صائم، وكذلك يجوز للمرأة إذا طهرت من الحيض قبل طلوع الفجر أن تنوي الصوم وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ لأن الحائض إذا طهرت من الحيض قبل اغتسالها، فإنها تشبه الجنب، فيجوز لها أن تنوي الصيام ولو كانت لم تغتسل، وتغتسل بعد طلوع الفجر.

стр. 185

حكم الشرب عند سماع أذان الفجر في رمضان السؤال رجل يستيقظ من النوم مع الأذان الأخير، وعندما يسمع: (الله أكبر) يشرب، وهذا الشيء قد اعتاد عليه، فهل صومه صحيح؟ أفتونا. الجواب أما صومه فصحيح، وأما عادته فسيئة، والذي ينبغي للإنسان: أن يحتاط لدينه، وألا يؤذن الفجر إلا وقد انتهى من كل شيء، لاسيما إذا كان المؤذن يتحرى ولا يؤذن إلا بعد أن يتيقن طلوع الفجر، فإن الواجب عليه الإمساك، ولا ينبغي للإنسان أن يتهاون، الفرق دقيقة أو دقيقتان. والعجب أن بعض الناس إذا أذَّن أكلَ وشربَ وأفتى لنفسه بأنه ما دام المؤذن لم يكمِّل الأذان فله أن يأكل ويشرب، ولكن هذا ليس بصحيح، إذا كان المؤذن لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر وجب الإمساك من حين أن يسمع المؤذن. غاية ما هنالك أنه جاء في مسند الإمام أحمد: أنه إذا سمع الإنسانُ المؤذنَ والإناء في يده فلا بأس أن يشرب، ما دام الإناء في يده، قد تهيأ للشرب، فليشرب، هذا أبلغ ما ورد عن النبي ﵊ في هذه المسألة.

стр. 186

حكم من نام عن صلاة العصر السؤال هل يجوز للشخص أن ينام إذا أتى من العمل عن صلاة العصر، مع العلم بأنه ينام قبل الأذان بنصف ساعة، وهو يأتي متعباً، فهل يدخل في حكم تارك الصلاة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. الجواب هو لا يدخل في حكم تارك الصلاة، ولكن يجب عليه إذا نام قبل الوقت بنصف ساعة أن يجعل من ينبهه من أهله، أو ساعة منبهة، أو ما أشبه ذلك، فإن لم يمكن هذا، بأن كان أهله مثله ينامون، والساعة المنبهة لا تؤثر فيه شيئاً فعليه قضاء صلاة العصر وألا ينام قبل الصلاة، أما أن ينام عن صلاة العصر، وصلاة العصر هي أعظم الصلوات وأهمها، هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] وهي: صلاة العصر، التي قال فيها النبي ﵊ في غزوة الأحزاب، يقول عن الكافرين: (ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً، شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر) هي التي قال فيها النبي ﵊: (من ترك صلاة العصر، فكأنما وُتِر أهله وماله) أي: كأنما فَقَد أهلَه ومالَه، إذا فُقِد الأهلُ والمالُ من شخص، تجد الناس يأتون إليه زرافات يعزونه؛ لكن الذي يترك صلاة العصر من يقول له: عظَّم الله أجرك، وأحسن عزاءك بترك صلاة العصر، يَقِلُّ مَن ينتبه لهذا. إذاً: فأنا نصيحتي لهذا الرجل أن يتقي الله ، وألا يُضِيْع صلاة العصر، ولا غيرها من الصلوات، والإنسان الحريص بإمكانه أن يعمل الأسباب التي تؤدي إلى تدارك هذا الشيء.

стр. 187

حكم من استمر حيضها في رمضان أكثر من خمس عشرة يوماً السؤال امرأة تقول: لقد حضت قبل رمضان بعشرة أيام، وما زال الدم يخرج مني حتى الآن، ولقد يئستُ من كثرة الغسل، فهل إذا خرج الدم في نهار رمضان أفطر أم لا؟ وهل علي فعل الصلاة؟ الجواب الذي يظهر أن هذا الدم إذا كانت المرأة لا تستعمل الحبوب أن هذا استحاضة، فإذا تجاوز خمسة عشر يوماً فلتغتسل ولتصلِّ ولتصم حتى يأتي دور الحيض العادي، ثم تجلس عادتها، أما قبل الخمسة عشر فإنها تبقى لا تصلي ولا تصوم حتى تطهُر.

стр. 188

حكم من أفطر في رمضان ثم شك في عدد أيام فطره السؤال أفطرتُ في رمضان لعذر، فشككتُ في عدد الأيام، فماذا أفعل؟ جزاكم الله خيراً. الجواب خذ بالأنقص، يعني: إذا كنت قد أفطرت لعذر في رمضان، ويعني بذلك -والله أعلم- رمضان الماضي، ولم تعلم عدد الأيام التي أفطرتها، فخذ بالأنقص، فإذا كنت تشك هل أفطرت ثلاثة أيام أو أربعة فاجعلها ثلاثة، خذ بالأنقص، لماذا؟ لأن الأصل عدم الإفطار، فأنت إذا لم تتيقن أنك أفطرت أربعة أيام فإنه لا يلزمك إلا ما تيقنت وهو الثلاثة.

стр. 189

حكم تلبية المحرم للعمرة السؤال رجل سافر إلى مكة بهدف العمرة، وقام بجميع الأعمال التي يُشرع للمعتمر فعلها من غسل، ولبس للإحرام، ونزول إلى الحرم، وأكمل عمرته، لكنه لم يقل وهو في الميقات: لبيك عمرة، فما عليه؟ الجواب الصحيح أن التلبية ليست بواجبة، وليست بركن، وإنما هي سنة، فإذا لم يلبِّ الإنسان في حجه أو في عمرته، فإن نسكه تام، بمعنى أنه صحيح، وإن كان لا شك أنه ناقص بفوات هذه السنة؛ ولكنه لا يقال: إنه ليس بصحيح. فالرجل المعتمر الذي ذكر عن نفسه ما سمعتموه نقول له: إن عمرتك صحيحة، وليس عليك إثم. من قال إنها مثل تكبيرة الإحرام؟ أنا أشرتُ إلى أنها ليست بركن ولا واجبة.

стр. 190

لزوم تأخير أذان العشاء وتوحيده السؤال تكلمتم في الجمعة الماضية عن أذان العشاء، وأن الذي ينبغي تأخيره، ومع هذا ما زال بعض المؤذنين يؤذن قبل الوقت المحدد بعشر دقائق، فلماذا لا يكون هناك إلزام للجميع من الجهة المسئولة؟ الجواب هذا السؤال ينبغي أن يوجه إلى الجهة المسئولة، ما دام يقول: لماذا لم يكن إلزاماً من الجهة المسئولة، فيوجَّه إلى الجهة المسئولة. وربما هؤلاء الإخوة المؤذنين الذين يؤذنون قبل الساعة الثانية، أو قبل مضي ساعتين من الغروب، ربما أنهم ما علموا بقرار الحكومة، أو ما علموا بما ذكره الخطباء في هذا البلد، لا أدري. على كل حال: الأَولى كما قال السائل أن توحَّد المساجد، وأن يكون الأذان كما قرر ولاة الأمر بعد الغروب بساعتين، ومن سمع منكم مؤذناً فليتصل به وليخبره، ربما يكون ناسياً، وربما يكون جاهلاًَ لم يعلم.

стр. 191

حكم من أصيبت إصبعة فمسح على قدمه كلها السؤال لقد حصل لي قبل صلاة يوم الجمعة قبل الماضية أن أصيب أحد أصابعي بإصابة، وعلى إثر ذلك عُمل له لفافة على الإصبع فقط، ومنذ ذلك الحين وأنا أمسح على ظهر القدم عند كل صلاة، على صفة المسح على الجوارب، وليس عليها جوارب، فهل عملي صحيح؟ فإن كان غير صحيح فما حكم عملي ذلك؟ وما حكم الصلوات التي صليتُها؟ الجواب هذا السؤال ينبني على القاعدة التي قررناها قبل قليل، وهي: أنها من باب فعل المأمور، وعلى هذا فيلزمه أن يعيد الصلوات التي صلاها بهذا الطهور؛ لأن طهارته غير صحيحة، إذ أن الإنسان إذا لف على إصبعه خرقة فإنه يغسل بقية العضو. فيجب على هذا الأخ السائل أن يغسل قدمه كلها إلا الملفوف عليه فيجزئه أن يمسح عليه. وعليه: فنقول له: أعد صلواتك الماضية.

стр. 192

حكم إخراج زكاة الفطر لمن هو في غير بلده السؤال أنا من مصر، وأعمل بـ المملكة، وأعول أسرة تجب عليَّ نفقتها، هل أخرج زكاة الفطر عني وعنهم هنا بـ المملكة؟ أم عن نفسي ويخرجون عن أنفسهم هناك؟ أو يخرجون عني وعنهم في الوطن الأصلي؟ الجواب الأَولى أن تخرج أنت عن نفسك هنا؛ لأن الفطرة تابعة للبدن، وأن يخرجوا هم عن أنفسهم هناك، هذه هي القاعدة، أن زكاة الفطر تتبع البدن، وزكاة المال تتبع المال، فلو فرضنا أن رجلاًَ في بلد، وماله في بلد آخر يُتَّجَر فيه، فإنه يخرج زكاة المال في البلد الآخر، لا في بلده هو، وأما زكاة الفطر ففي بلده هو؛ لأن هذه هي قاعدة الفقهاء ﵏، على أن زكاة المال تتبع المال، وتُخرج في البلد الذي فيه المال، وزكاة الفطر تتبع البدن، وتُخرج في البلد الذي فيه الإنسان.

стр. 193

حال حديث: (من أفطر يوماً من رمضان ... ) السؤال مَن أفطر متعمداً نطالبه بالقضاء، وقد ورد حديث: (من أفطر يوماً من رمضان عامداًَ متعمداً فلو صام الدهر كله ما قضاه) أو كما ورد في الحديث، نرجو التوضيح؟ الجواب هذا الحديث ضعيف عند كثير من أهل العلم، وإذا كان ضعيفاً، فإننا نرجع إلى القاعدة الأصلية: أن الإنسان إذا أفسد عبادته لزمه قضاؤها، كما أن الإنسان لو كان يصلي ثم أفسد صلاته لِحَدَثٍ، أو ضَحِكٍ، أو أَكْلٍ، أو شُرْبٍ، لزمه أن يقضي هذه الصلاة، كذلك الصوم إذا أفسده فإنه يلزمه أن يقضيه، بخلاف الرجل الذي ترك الصيام أصلاً، لم يصُم أصلاً، فإن جمهور العلماء يقولون: يجب عليه القضاء، والصحيح: أنه لا يجب عليه القضاء، لا رحمة به أو تخفيفاً عنه؛ ولكن لأن صيامه بعد زوال الوقت لا ينفعه، ولا تبرأ به ذمته، فلا نلزمه بشيء لا ينفعه.

стр. 194

حكم من نوى في سفره جمع تأخير فوصل والإمام في الصلاة الثانية السؤال سائل يقول بأنه سيذهب إلى العمرة قريباً، ولكن يريد أن يعرف حكماًَ من أحكام الصلاة في السفر، وهو: أنه عندما يصل إلى مكة ينوي جمع تأخير، وقد وصل في وقت الصلاة الثانية، فماذا يفعل؟ الجواب إي نعم، يعني: أن هذا المسافر نوى جمع التأخير فوصل إلى مكة ووجدهم يصلون صلاة العشاء، وهو لم يصلِّ المغرب ولا العشاء فماذا يصنع؟ نقول: ادخل معهم في صلاة العشاء وأنت بنية المغرب، فإن دخلت في أول ركعة فإن الإمام إذا قام إلى الرابعة لا يمكنك متابعته فما تصنع؟ تجلس وتقرأ التشهُّد وتسلِّم، وتدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، وإن دخلت مع الإمام في الركعة الثانية فإنك تسلم معه، وإن دخلت معه في الركعة الثالثة تأتي بعد سلامه بركعة، وإن دخلت في الرابعة تأتي بعد سلامه بركعتين، إي نعم، هذا هو أصح ما قيل في هذه المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 195

الأحكام الخاصة والمشتركة بين الرجل والمرأة في العبادات السؤال هل المرأة كالرجل بالنسبة لصلاة السنن الرواتب، والوتر، وصلاة الضحى، والجلوس في المسجد بعد الفجر حتى تطلع الشمس يعني: في مصلاها، وضحوا ذلك وجزاكم الله خيراً؟ الجواب الأصل أن الرجال والنساء سواء في الأحكام الشرعية، إلا ما دل الدليل على أنه خاص بالرجال فيختص بهم، أو أنه خاص بالنساء فيختص بهنَّ، فصلاة الجماعة مثلاً قام الدليل على أنها خاصة بالرجال، هم الذين تلزمهم صلاة الجماعة، وأن يصلوا في المساجد، أما المرأة فلا تلزمها صلاة الجماعة، لا في المسجد مع الرجال، ولا في بيتها، بل إن بيتها أفضل لها من حضور الجماعة مع الرجال؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله، وبيوتُهنَّ خير لهنَّ) وهذه الجملة الأخيرة، وإن لم تكن في الصحيحين لكنها صحيحة، (بيوتهن خير لهنَّ) . وعلى هذا فنقول: المرأة كالرجل في جميع الأحكام، فإذا كانت مسافرة فإنها تفعل كما يفعل الرجل، بمعنى أنها لا تصلي راتبة الظهر، ولا راتبة المغرب، ولا راتبة العشاء، والباقي من السنن تفعلها، كما أن الرجل يفعل كذلك. أما بالنسبة لجلوسها في مصلاها في البيت حتى تطلع الشمس وتصلي ركعتين لتدرك العمرة والحجة كما جاء في الحديث الذي اختلف العلماء في صحته فإنها لا تنال ذلك؛ لأن الحديث: (من صلى الصبح في جماعة ثم جلس) والمرأة ليست ممن يصلي الصبح في جماعة، وإذا صلت في بيتها فإنها لا تنال هذا الأجر؛ لكنها على خير، إذا جلست تذكر الله، تسبح، تهلل، تقرأ القرآن؛ حتى تطلع الشمس، ثم إذا ارتفعت الشمس صلت ما شاء الله أن تصلي فهي على خير.

стр. 196

حكم من فعل ذنباً في رمضان السؤال فعلتُ ذنباً في رمضان فهل يبطل صيامي أم لا؟ الجواب لا نعلم عن هذا الذنب، هل هو يُبطل الصوم أو لا! إنما إذا كان هذا الذنب من مفسدات الصوم، فإنه يبطل صومه، وقد ذكرنا المفسدات فيما سبق في درس من الدروس. أما إذا كان معصية لا تتعلق بالصيام فإنها لا تفسد الصوم، مثل: أن يغتاب الإنسان إخوانه المسلمين في نهار رمضان وهو صائم، هذا ذنب، كبيرة من الكبائر؛ ولكنه لا يفسد الصوم؛ إنما ينقِّص الصوم.

стр. 197

حكم من نوى العمرة ثم تجاوز الميقات إلى ميقات آخر فأحرم منه السؤال نوينا العمرة من القصيم، وذهبنا من طريق المدينة، ومررنا بالميقات ولم نحرم، ثم ذهبنا إلى جدة، وجلسنا فيها أربعة أيام، ثم ذهبنا إلى الطائف وأحرمنا منه، فهل عمرتنا صحيحة؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب نعم، عمرتهم صحيحة؛ ولكن على كل واحد منهم فدية، أعني: دماً يُذبح في مكة، ويوزَّع على الفقراء، وذلك لأنهم تركوا واجباً من واجبات العمرة، وهو الإحرام من الميقات؛ لأنهم لما مروا بـ ذي الحليفة صار ميقاتهم ذا الحليفة؛ لأن النبي ﷺ قال: (هُنَّ لَهُنَّ، ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ ممن يريد الحج أو العمرة) . وكأنهم هم ذهبوا إلى السيل؛ لأن السيل ميقات أهل نجد، ومنهم: أهل القصيم، فظنوا أنهم إذا ذهبوا إلى السيل ذهبوا إلى ميقاتهم الأصلي، فكفى عن الميقات الفرعي، الذي هو ذو الحليفة، وهذا وإن كان بعض العلماء رخَّص فيه؛ لكنه قول ضعيف، مخالف لظاهر الحديث؛ فإن الرسول ﵊ جعل المواقيت أصلي، وفرعي: الأصلي: ما حدده الرسول ﵊: لأهل المدينة: ذو الحليفة. ولأهل الشام: الجحفة. ولأهل اليمن: يلملم. ولأهل نجد: قرن المنازل. ولأهل المشرق: ذات عرق. هذه المواقيت أصلية لأهل هذه البلاد؛ لكن قال في حديث ابن عباس: (ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ) فكان ميقات النجدي إذا مرَّ بـ ذي الحليفة هو ذو الحليفة، ولابد.

стр. 198

كيفية قص المرأة شعرها إذا اعتمرت السؤال امرأة تسأل عن الشعر إذا كان بأطوال مختلفة، فهل عليها التقصير من جميع الطبقات، أم تكفي الطبقة الأخيرة وهي الأطول؟ الجواب يقول العلماء: إن المرأة يجب عليها أن تقصر من كل قرن أنملة، القرن يعني: الجديلة، ومعروف أن الجدائل تختلف في الطول والقِصَر. وعلى هذا: فإذا كان الرأس مختلفاً؛ بعضه طويل، وبعضه قصير، فعليها أن تقص من كل شيء منه مقدار أنملة.

стр. 199

حكم المريض الذي لا يرجى برؤه وعليه صوم من رمضان السؤال هناك رجل مريض له تقريباً ثمانية أشهر، ومرضه لا يُرجى برؤه، فما الحكم؟ الجواب الحكم بالنسبة للصوم أن يكفِّر بأن يطعم عن كل يوم مسكيناً، إذا كان لا يمكنه أن يصوم. أما بالنسبة للصلاة فنقول له: في الفريضة صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جَنْب.

стр. 200

جواز طواف الوداع قبل صلاة الفجر لمن عزم الخروج من مكة بعد الفجر السؤال إذا كنتُ أريد أن أسافر من مكة بعد صلاة الفجر مباشرة، فهل يجوز لي أن أطوف طواف الوداع قبل صلاة الفجر، أرجو توضيح الأفضلية؟ الجواب إذا كان الإنسان يريد أن يغادر مكة بعد الصلاة مباشرة، وطاف قبل الصلاة مباشرة فلا بأس؛ لأن النبي ﷺ لما قَفَل راجعاً من الحج وطاف بالبيت طواف الوداع صلَّى الفجر في المسجد الحرام، ثم ركب، فدلَّ هذا على أن حيلولة الصلاة بين سفر الإنسان وطواف الوداع لا تؤثر؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك. أما لو طاف مبكراً في آخر الليل، وبقي بعد الطواف لمدة ساعة أو نصف ساعة، ثم أذن، ثم صلى الفجر، فلابد أن يعيد الطواف؛ لأن الطواف لابد أن يكون آخر شيء، إلا أنه إذا حانت صلاة فريضة، أو شراء شيء في طريقه؛ حاجة في طريقه يشتريها، أو عرَّج على بيت لأقاربه أو أصدقائه وتغدَّى أو تعشى ومشى، كل هذا لا يضر.

стр. 201

حكم الذهاب إلى العمرة وترك الوظيفة أو إمامة المسجد السؤال أسئلة كثيرة حول موضوع الإجازة الاضطرارية لمن يريد العمرة أو غير ذلك؟ الجواب على كل حال كلمة اضطرار تعني: أنه لابد من ضرورة، والعمرة ليست ضرورة أبداً، حتى لو كانت فريضة والإنسان موظف فإنها لا تجب عليه؛ لأنه مشغول بوظيفة، فكيف وهي تطوُّع. وكذلك أيضاً بالنسبة لأئمة المساجد، هؤلاء الذين يذهبون إلى العمرة ويَدَعون مساجدهم، هم في الحقيقة كالذي يبني قصراً ويهدم مصراً، يذهبون إلى التطوع ويَدَعون الواجب، وهذا من قلة الفقه، عندهم رغبة في الخير ولا شك، ولم يحملهم على هذا إلا رغبة الخير؛ لكن عندهم قصور في الفقه، لا يعرفون ولا يميزون بين الأمور؛ لأن بقاءهم في عملهم الذي يؤدون فيه واجباً أفضل من ذهابهم إلى العمرة؛ لأن البقاء في العمل من باب الواجبات، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال: (ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضتُه عليه) . فالإجازة الاضطرارية إذا أخذنا مدلول هذه الكلمة صار معناها أنها لا تحل إلا عند الضرورة، كإنسان مريض أو إنسان يريد أن يصاحب مريضاً ليس له أحد يمرضه إلا هو، أو ما أشبه ذلك، هذا فضلاً عما اطلعنا عليه من الكتاب الصادر من ديوان الخدمة بأن السفر للعمرة أو الاعتكاف في المساجد، وترك الواجب على الموظف غير مسموح به، نصاً، يعني: نصوا على العمرة؛ لأنه كثر التشاغل بها، ونصوا على الاعتكاف؛ لأنه كثر الاعتكاف من بعض الموظفين يعتكفون من أول العشر قبل أن تبدأ الإجازة، ويدعون أعمالهم، ونص ديوان الخدمة على أن هذا ممنوع، ولا يعتبر ضرورة.

стр. 202

كيفية زكاة المال الذي ساهم به صاحبه السؤال لديَّ مبلغ من النقود في البنك، وأخرج زكاته في رمضان من كل عام، وفي شهر ذي القعدة من العام الماضي وضعتُ جزءاً منها في مساهمة في أرض، وحتى الآن لم تنتهِ المساهمة، فهل عليها زكاة؟ جزاكم الله خيراً عنا وعن المسلمين! الجواب الإنسان إذا وضع شيئاً من الدراهم في مساهمة أرض يريد بها التجارة والكسب فإن الحول الأول لا ينهدم، يعني: أن حول هذه التجارة ينبني على حول الدراهم، فمثلاً: إذا كان قد اشتراها في ذي القعدة، لا نقول: انتظر في زكاتها حتى يأتي شهر ذي القعدة، بل نقول: أخرج زكاتها مع زكاة مالك في رمضان، وإن كانت الأرض لم يتم عليها الحول؛ لأن عروض التجارة ينبني بعضُها على بعض، والمعتبر: الأول، وإلا لكان الرجل الذي يكون دائماً يحرِّك تجارته لا يجب عليه الزكاة مثلاً؛ لأن كل أمواله ما يتم عليها الحول، أو كثيراًَ من أمواله لا يتم عليها الحول. والحاصل: أن هذه ينبغي لطالب العلم وغير طالب العلم أن ينتبه لها: أن عروض التجارة ينبني حولها على ماذا؟ على الأصل، فمثلاً: لو كان عندي مال دراهم تحل زكاتها في رمضان، وفي شعبان اشتريت بهذا المال سلعة للتجارة، متى أزكي هذه السلعة؟ في رمضان، يعني بعد شهر واحد؛ عروض التجارة كما قلتُ لكم يُبنى فيها الحول على الأصل. وإلى هنا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 203

جلسات رمضانية لعام ١٤١١هـ[٤] إن الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، جاءت في القرآن مقرونة بإقامة الصلاة وكذلك في سنة المصطفى، مما يدل على أهمية الزكاة، ولذلك جاء الوعيد الشديد، والتوعد بالعذاب الأليم في كتاب الله وسنة رسوله لمن لم يؤد الزكاة، سواء كان ذلك جاحداً لفرضيتها أو ممتنعاً عن أدائها بخلاً منه وتهاوناً، وقد بين الله على لسان رسوله المال الذي تجب فيه الزكاة، فليتعلم المسلم أمر دينه حتى يلقى الله على بصيرة.

стр. 204

تعظيم ركن الزكاة في الشرع الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد انتهى ما أردنا أن نتكلم فيه فيما يتعلق بالصوم. أما الآن فنتكلم في هذه الليلة وهي: الليلة العاشرة من شهر رمضان عام: (١٤١١هـ) نتكلم عن الزكاة، والزكاة أَوْكد من الصيام، لكن لما كان الصيام يختص بهذا الشهر بدأنا به قبل الزكاة، وإلا فإن الزكاة باتفاق المسلمين أَوْكد من الصيام. والعجب أننا لو رأينا شخصاًَ مفطراً يوماً من رمضان؛ لأنكرنا عليه أشد الإنكار، ولو رأينا رجلاً لا يزكِّي لم يكن عندنا ذاك الإنكار الذي ننكره عليه إذا لم يصُم يوماً من رمضان! وهذا من قلب الحقائق، وعدم الفقه. لو رأينا شخصاً أفطر يوماً من رمضان، وشخصاًَ آخر لم يصلِّ العصر لأنكرنا على الأول أشد من إنكارنا على الثاني! وهذا أيضاً من قلة الفقه، وعدم الوعي، صلاة واحدة يتركها أشد من يوم واحد يتركه من رمضان، بل أشد من رمضان كله على رأي بعض العلماء الذين يقولون: إن الإنسان إذا ترك صلاة واحدة كفر، وارتد عن الإسلام، أعرفتُم؟ الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله، ما أكثر الآيات التي يقول الله فيها: ﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٤١] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وهي حق المال. وقد قاتل أبو بكر ﵁ مَن منعوا الزكاة، قاتلهم حتى يؤدوها، ولما رُوْفِع في ذلك قال: [والله لو منعوني عَناقاً -وهي: الصغيرة من المعز- أو قال: عقالاً -وهو: ما تُقَيَّد به البعير- كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على ذلك] . انظر عِظَم الزكاة! وكثير من الناس اليوم يبخلون بها.

стр. 205

حكم تارك الزكاة والوعيد الشديد المترتب عليه فالزكاة إذاً أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهي قرينة الصلاة في محكم القرآن. ومن جحد وجوبها وهو بين المسلمين كان كافراً خارجاً عن الإسلام، نعوذ بالله. ومن منعها بخلاً مع إقراره بوجوبها فللعلماء في تكفيره قولان، هما روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل: رواية يقول: هو كافر، إذا تركها بخلاً. ورواية أخرى يقول: هو مسلم. والراجح: أنه مسلم؛ لأنه ليس شيء من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة؛ لكنه والعياذ بالله يعرِّض النفس للعقوبة العظيمة التي ذكرها الله في الكتاب، وذكرها النبي ﷺ في السنة. ففي الكتاب: يقول الله : ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٨٠] الذي يبخل بما آتاه الله يظن أن هذا خيراً، أن ماله لا ينقص، فمثلاً: مائة ريال فيها من الزكاة كم؟ ريالان ونصف، إذا أخرج ريالين ونصف من مائة بقي سبعة وتسعون ونصف، يقول: هذا نقص، إذا خَلِّها تبقى من أجل أن يبقى مالي غير ناقص، فيظن أن ذلك خيراً؛ ولكن الله يقول وهو أصدق القائلين: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٨٠] شر في الدنيا، وفي الآخرة: أما في الدنيا: فإن الإنسان أخل بركن من أركان الإسلام، وعرَّض ماله للنقص والآفات التي تأكله، رغماً عن أنفه، ربما يُسلَّط على هذا الرجل آفات في ماله؛ احتراق، أو غرق، أو سرقة، أو ظلم من الولاة، أو غير ذلك، فيهلك المال، وربما يُصاب هذا الإنسان بمرض يجعله يضطر إلى أن يطرق باب كل بلد ومدينة من أجل الشفاء، وهذا أمر مشاهَد، هذا شر الدنيا، وإذا تخلف شر الدنيا جاء شر الآخرة، ما هو؟ استمع: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٠] هذا المال الذي بخلوا به يطوَّقون به يوم القيامة. يطوقون به يوم القيامة قلائد؟ زينة؟ أجيبوا. لا. ليس قلائد زينة، يطوق به كما فسره النبي ﵊ حيث قال: (من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع، له زبيبتان، يأخذ بلهزمتيه، يقول: أنا كنْزُك، أنا مالُك) أعوذ بالله، هذا التقليد. الشجاع: قال العلماء هو: الذكر العظيم من الحيات، والغالب أن ذكور الجنس أقوى من إناثه في كل ذوات الأرواح، أن الذكور أقوى من الإناث. أقرع: قال العلماء: يعني: ليس في رأسه شعر، أقرع، ونحن نعرف الأقرع الرأس يعني: الذي ليس عليه شعر، لماذا؟ قالوا: من كثرة السم، والعياذ بالله. (له زبيبتان) : الزبيبتان: غدتان في رأسه، مملوءتان من السم. (يأخذ بلهزمتيه) : يعني: شدقيه. (يقول: أنا مالُك، أنا كنْزُك) : عذاب بدني، وعذاب قلبي. العذاب البدني: بماذا؟ نسأل الله العافية بأنه يعض شدقيه؛ لأن الشدق هو الذي يدخل منه الأكل، أكل المال يكون من طريق الشدقين، فهذان الشدقان اللذان هما طريق الأكل يأخذ بهما هذا الشجاع الأقرع. هذا عذاب بدني. العذاب القلبي: ما هو؟ (يقول: أنا مالُك، أنا كنْزُك) لأنه إذا سمع هذا الكلام سوف يمتلئ قلبه غماً وحزناً، أن بخل بماله حين كان قادراً على إنفاقه، والآن يقدر وإلاَّ لا؟ ما يقدر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٣٦] ما ينفعه الآن، فتجد قلبَه يمتلئ حسرة وندماً على ما حصل منه من هذا البخل، اللهم قِنا شُحَّ أنفسنا. أما الآية الثانية فقال الله تعالى فيها: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤-٣٥] في هذه الآية -أيضاً يا إخواني- فيها عذابان: عذاب بدني، وعذاب قلبي. البدني: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ : الجباه: من الأمام، والظهور: من الخلف، والجُنوب: من اليمين والشمال، من كل ناحية -والعياذ بالله-: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ هذا عذاب بدني. والعذاب القلبي: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ توبيخ، تقريع، تنديم والعياذ بالله. ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ تصوَّر ماذا يكون قلبه والعياذ بالله! يتقطع حسرات؛ ولكن: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٢] لا يمكن الآن -نسأل الله العافية- انتهى كل شيء. وقد جاءت السنة بتفسير هذا، فقال النبي ﵊ حين أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقَّها -وحقُّها أعظمُه: الزكاة- إلا إذا كان يوم القيامة صُفَّحَت له صفائح من نار، وأُحمي عليها في نار جهنم ... ) صفائح يجوز فيها إعراباً وجهان: الأول: النصب. والثاني: الرفع. صُفِّحَت يعني: الذهب والفضة. أو صُفِّحَت صفائحُ من نار: (. فأحمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبُه وجبينُه وظهره -جنبُه: يريد جنبيه؛ لكنه مفرد مضاف، فيكون ماذا؟ عامَّاً، حسناً! - كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد -وهو في هذا العذاب والعياذ بالله- ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار) هذا بيَّن كيف يُكوى بها. حسناً! نار الآخرة أعظم من نار الدنيا، فُضِّلت عليها بكم؟ بتسعة وستين جزءاً، يعني: أن نار الدنيا كلها نارٌ تساوى (١ من ٧٠) من نار الآخرة، هذه تُصَفَّح من نار، نفس هذه الصفيحة تكون ناراً مشتعلة، يكوى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه، وإذا بردت لا تُترك، تعاد مرة ثانية، يُحمى عليها في نار جهنم، ويُكوى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه، والمدة خمسون ألف سنة. يا إخوان! والله ما هي دقيقة ولا ساعة ولا يوم ولا شهر، خمسون ألف سنة وهو في هذا العذاب، نسأل الله العافية. ماذا ينفعنا المال وهذه نتيجتُه؟! ثم إذا خلَّفه الإنسان إلى مَن يخلِّفه؟! قد يخلِّفه إلى قوم لا يقولون: اللهم ارحمه، إلى قوم يأكلونه ولا يترحمون على مَن خلَّفه لهم، فيُعاقب، فيكون لهم غُنْمُه، وعليه غُرْمُه. ثم هذه الزكاة التي أوجب الله عليك ليست كثيرة، قليلة بالنسبة للمال، ومَن الذي أعطاك المال؟ الله، أعطاك الكثير، وطلب منك القليل، وهو لنفسك ليس لله، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] . وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] . إنا لنعجب من قوم يقرءون القرآن، ويسمعون الأحاديث، وتجد الواحد منهم يتحيَّل بأنواع الحيل ليسقط الزكاة، وإذا أُفْتِي بشيء ذهب إلى مُفْتٍ آخر، لعله يفتيه بما هو أهون، ولا يقول لنفسه: خذي بالأحوط، خذي بالأحوط ما دمتِ في زمن الرخاء، لا، إذا سَمِع شيخاً يقول: يجب عليك زكاة الدَّين، قال: حسناً! نذهب إلى شيخ آخر يقول: لا يجب عليك زكاة الدَّين. عرفتم؟! حسناً! خُذ بالأحوط، إذا لم يكن هناك نص واضح يفصل بين الناس، فالأحوط أحسم؛ لأننا الآن في زمن سعة، نتصرف في أموالنا؛ لكن بعد الموت لا نتصرف، ما نستطيع. كذلك أيضاً نجد بعض الناس لا يحاسب نفسه محاسبة دقيقة في إخراج الزكاة، صاحب دكان، ولا يُحصي ماله الذي في دكَّانه، يأخذه جُزافاً، يعني: خرصاً، وليته إذا خرص أخذ بالأحوط، يأخذ بالأقل، هذا هو الغالب، أو يتهاون، أو إذا قوَّم السلعة التي للتجارة قوَّمها بأدنى القيمتين، كل هذا من الأمور التي سببها الشُّح والبخل، وهي ضرر عظيم على الإنسان في دينه، وفي دنياه. فالإنسان العاقل يعلم أن هذا المال من الله، وأن الذي أوجب فيه الزكاة مَن؟ هو الله . وأن الزكاة ولله الحمد جزء يسير بالنسبة لما أعطانا الله.

стр. 206

المال الذي تجب فيه الزكاة ثم هذه الزكاة لا تجب في كل ما نملك، أكثر ما نملكه من الأموال ليس فيها زكاة، لا تجب الزكاة إلا في الأموال النامية حقيقة أو حكماً، هذا ضابط، الضابط في الزكاة: أنه لا تجب إلا في الأموال النامية حقيقة أو حكماً، كيف حقيقة؟ حقيقة يعني: تزيد حقيقة. أو حكماً يعني: هي لا تزيد؛ لكن في حكم الزائدة. فمثلاً: المواشي يعني: الإبل والبقر والغنم تزيد أم لا؟ حقيقةً، التجارة تزيد حقيقةً، الدراهم التي أعدها الإنسان لزواجه، يجمع دراهم، ولا يبيع فيها ولا يشتري؛ لكنه قد أعدها لحاجة لزواج، أو شراء بيت، أو ما أشبه ذلك، هذه لا تزيد حقيقةً؛ لأنها لا تزيد، عنده عشرة آلاف ريال باقية ما زادت؛ لكنها حكماً تزيد؛ لأنه لو عمل بها لزادت. هذا هو الضابط في الأموال الزكوية، أنها لا تجب الزكاة إلا في المال النامي حقيقةً أو حكماً. الآن رجل عنده ضأن، وعنده دجاج، وعنده حمام، وعنده أرانب، وعنده ضباء، نعم، كم هذه؟ خمسة أنواع. ما الذي يجب فيه الزكاة؟ نوع واحد من الخمسة: الضأن، والباقي ما فيه زكاة؛ إلا إذا كان تجارة. ولو كان عند الإنسان ألف دجاجة، يعدها للنماء والتبييض، ما وجبت عليه زكاة فيها. لو عنده ألف رأس من الضباء، يريدها للتنمية، ليس بها زكاة. عنده ألف حمامة، الحمامة يقولون: إن في وقتنا هذا بعضُ الحمام يساوي ألفَي ريال، نعم، ((١٠٠٠×٢٠٠٠)) من ألفين كم؟ مليونان، نعم. هل عليه زكاة في هذا؟ ما فيه زكاة إذا كان للتنمية، وليس للتجارة. إذاً: الحمد لله، الأموال أكثرها لا تجب فيها الزكاة، إنما تجب الزكاة في الأموال النامية حقيقةً أو حكماً، وهي أنواع خمسة.

стр. 207

الأسئلة

стр. 208

تعظيم أمر الصيام السؤال في أول كلامكم عن الزكاة تكلمتم أنها أهم من الصيام، وأن الإنسان لو أفطر يوماً من رمضان أو رمضان، فإن تارك الزكاة أعظم، أفلا بيَّنتم لنا عِظَم الذنب فيمن يُفطر يوماً من رمضان؛ لأنه ربما يفهم البعض أن ذلك هين. وفقكم الله لرضاه؟ الجواب لا شك أن الإنسان إذا أفطر يوماً من رمضان فإنه أعظم من فعل الكبائر؛ لأن تَرْكَ ركنٍ من أركان الإسلام أعظم من الكبائر؛ يعني مثلاً: أعظم من الزنا، أعظم من شرب الخمر؛ لأن أركان الإسلام عليها مدار الإسلام، فهي بمنزلة الأعمدة للإسلام، لا يقوم إلا بها. ولا يجوز للإنسان أن يتساهل في أي يوم من أيام رمضان؛ لكننا ذكرنا أن الناس عندهم نقص في الفقه، أو عند بعضهم نقص في الفقه، يعظِّمون الصيام كثيراً؛ ولكنهم في الصلاة أو في الزكاة لا يرون لها عَظَمَة كعَظَمَة الصيام، حتى إن بعض الناس -يُقال لي، والله أعلم- يُقال: إنه يصوم ولا يصلي، نعم، يصوم ولا يصلي، أليس هذا من الجهل؟! لأن الذي يصوم ولا يصلي لا يُقبل صيامه، لو يصوم كل رمضان ما يفطر ولا في الليل مثلاً، يواصل كل رمضان، فإن الله لا يقبله منه إذا كان لا يصلي، لماذا؟ لأنه كافر، ومن شرط قبول الأعمال: أن يكون العامل مسلماً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤] النفقات نفعها متعدد، ومع ذلك لا تقبل من الذي ينفق إذا كان كافراً، يعني: الآن الكافر، لو فرضنا واحداً من الكفار شق الطرق، ووضع ماءً للشرب، وبنى مساجد ومدارس، وطبع كتباً، هل تنفعه هذه؟ ما تنفعه أبداً، ولا تقبل منه؛ لأنه كافر. فالذي يصوم ولا يصلي بشِّروه بأن صومه مردود عليه، غير مقبول منه، فلا يُتعب نفسه؛ لكن هناك شيء هيِّن جداً، وهو ماذا؟ أن يتوب إلى الله، ويصلي، ويرجع إلى الإسلام، وحينئذٍ يُقبل صومه وسائر أعماله الصالحة.

стр. 209

الشجاع الأقرع ليس خاصاً بتارك الزكاة السؤال هل الشجاع الأقرع الذي جاء في مانع الزكاة ورد فيمن ترك الصلاة؟ أم أنه خاص في عقوبة تارك الزكاة؟ أرجو التوضيح! الجواب تارك الصلاة له عقوبة أعظم من هذا؛ لأن الشجاع الأقرع إنما يكون تارك الزكاة معذباً به في عرصات القيامة، ثم يرى سبيله، كما جاء في حديث أبي هريرة: (إما إلى الجنة، وإما إلى النار) . لكن تارك الصلاة معذَّب في نار جهنم بما فيها من أنواع العذاب أبد الآبدين والعياذ بالله. فهو أعظم بكثير من تارك الزكاة.

стр. 210

ثبوت أجر من تصدق في رمضان إلى يد وكيل الفقراء ثم أخرجت بعد رمضان السؤال لقد دفعتُ اليوم زكاة المال للمجاهدين الأفغان، وسألت المشرف: هل تصل للمجاهدين في رمضان، فقال: لا؛ لأنها تُجمع، فقد تصل في رمضان أو في شوال، فهل يُحسب لي أجرها في رمضان؟ الجواب على كل حال أنت الآن أديتها إلى وكيل الأفغان، وما وصل إلى وكيل الشخص فكأنما وصل إلى الشخص نفسه، وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها، ما وصل إلى وكيل الشخص فكأنما وصل إلى الشخص نفسه، هذه القاعدة تنفعك في عدة أبواب، منه مثلاً: زكاة الفطر، لو كان الفقير قال لك: إذا جاء وقت زكاة الفطر فإني موكِّلٌ فلاناً يقبض لي، ثم أعطيتَ وكيلَه في أيام دفع زكاة الفطر؛ ولكنها لم تصل إلى الفقير إلا بعد عشرة أيام من شوال، هل تكون مقبولة؟ الجواب: نعم. لماذا؟ لأن وكيل الإنسان قائم مقام الإنسان. فالذين يقبضون الصدقة للأفغان هم بمنزلة الأفغان؛ لأنهم ليسوا وكلاء لك، ولهذا لو قدِّر أن هذه الزكاة تلفت عند هؤلاء الذين قبضوها فهل يلزمك بدلها؟ لا. لا يلزمك زكاة بدلها، بل قد بلغت محلها. ولكن هاهنا أيضاً مسألة فيما يتعلق بصرف الزكاة في رمضان، هي الآن أصبحت مشكلة اجتماعية، كون الناس الآن يختارون رمضان لصرف الزكاة، أصبحت مشكلة اجتماعية، كيف ذلك؟ صار الناس لا يعرفون الفقراء في غير رمضان، في غير رمضان ما تجد أحداً يصرف زكاته اللهم إلا نادراً، فيكون على الفقراء حاجة في غير رمضان ولا يجدون من يتصدق عليهم. وهذه مشكلة. ثانياً: أن بعض الناس تحل زكاتُه مثلاً في رجب، ثم يقول: أؤخرها إلى رمضان؛ لأنه لو أخرجها في رجب يأتي رمضان ويريد أن يخرج زكاة أخرى وذلك لملاحقة الأغنياء عن عباداتهم، تجدهم دائماً شغالين يطلبون الأغنياء، ولا كأن رمضان إلا مجالاً للتسوُّل وملاحقة الأغنياء، ولا يلتفت كثير منهم إلى ما ينبغي أن يلتفتوا إليه من العبادة في هذا الشهر. فهي في الحقيقة مشكلة. ولذلك ينبغي لنا أن ندرسها تماماً، وأن ننظر هل من المصلحة أن نجعل زكواتنا كلها في رمضان؟! أو نجعلها في أوقات أخرى لأشد حاجة. والعلماء نصوا على أنه يجوز أن تؤخر الزكاة عن وقت وجوبها إلى وقت يكون فيه الناس أشد حاجة.

стр. 211

التفصيل في زكاة المال المشترك به في جمعية السؤال أنا مشترك في جمعية بحيث لا يأتيني الدور إلا في مدار السنة، فهل هذا المال الذي يُدار بيننا عليه زكاة أم لا؟ الجواب مثلاً: هؤلاء عشرة موظفين، كل واحد راتبه (١٠. ٠٠٠) ريال، يُخصم من كل واحد (٢٠٠٠) ريال تُعطى لأول واحد، رقم (١) . يأتيه (١٨. ٠٠٠) زيادة على راتبه، والثاني، والثالث، إلى آخره، هذا معناه أن كل واحد منهم لزمه لزملائه ديناً مقداره (١٨. ٠٠٠) . فنقول: إن كان هذا الرجل قد أنفق هذه الأموال التي أخذها قبل تمام الحول فليس عليه زكاة. أما بالنسبة للذين أعطوا فعليهم الزكاة فيما أعطوا؛ لأن الدائن إذا ديَّن إنساناً غنياً وجب عليه الزكاة في هذا الدَّين، فصار الآن الآخذ إذا أنفق ما أخذ قبل تمام الحول فليس عليه شيء، والدافع عليه الزكاة؛ لأنه دائن طالب، والطالب إذا كان مطلوبه غنياً وجبت عليه الزكاة فيما يطلب منه.

стр. 212

خطورة التساهل في الديون السؤال تساهل كثير من الناس في الديون، وذلك بسبب أنهم يُسدَّد عنهم من الزكاة! الجواب هذا صحيح، أن الناس صاروا يتساهلون في الديون؛ لأنه إذا جاء رمضان قال: الحمد لله، أنا عليَّ عشرين ألف ريال اذهب للتاجر الفلاني والفلاني والفلاني هكذا قدِّم كشفاً، ويُقضى عنك ما تيسَّر. وهذه أيضاً من المشاكل التي تحتاج إلى حل؛ ولكن الإنسان العاقل لا يُقدم على الاستدانة من أحد إلا في الضرورة القصوى، وأظن أن الضرورة القصوى عندنا والحمد لله غير موجودة؛ لأنه بإمكان الإنسان أن يكون عاملاً ولو من عمال البلدية من أجل أن يكتسب الرزق، الناس في الزمن الأول يخرج الإنسان إلى الأودية يأتي بالحشيش ويبيعه ويشتري عشاءًَ له ولعائلته، يذهب إلى المُحْتَطَبات، يعني: محل حطب، يحتطب ويأتي ويبيعه ويأكل وعائلته، والناس هم الناس، كلهم بشر، السابقون واللاحقون. فالإنسان العاقل لا يستدين إلا للضرورة القصوى، والضرورة القصوى الآن كما قلت لكم متعذرة، يعني: معدومة، بإمكانه يذهب ويكون عاملاً ولو بـ (٣٠٠) ريال أو (٤٠٠) ريال أو (١٠٠٠) ريال؛ لكن الناس نسأل الله العافية، صار بعض الناس يريد أن يباهي الأغنياء، إنسان غني عنده عشرات الملايين، وبيته مُكَمَّل، يجيء فقيرٌ ما يجد شيئاً يقول: لازم يكون بيتي مثل بيت هذا، فيذهب ويستدين قيمة سيارة (كدْلَك) قيمتها (٨٠. ٠٠٠) ألف، مع أنه يحصِّل سيارة داتسون بـ (٢٠. ٠٠٠) ألف. لماذا هذا؟ أليس هذا سخافة؟! سخافة وسفه، والعامة يقولون مَثَلاً -في الحقيقة- مَثَلاً جيداً، يقولون: (مد رجليك على قدر لحافك) اللحاف الذي نتغطى به، مد رجليك على قدره، إن كان هو طويلاً مدِّد كل رجليك، إن كان قصيراً قَرْفِص؛ لأنك لو تمد رجليك وهو قصير تعرضت للبرد، فهذا مثل جيد لو أننا سرنا عليه في حياتنا لحصَّلنا خيراً كثيراً. على كل حال: هذه مشكلة من المشاكل الاجتماعية، ولا ندري كيف نحل هذه المشكلة؛ لكن حلها أن نوعي الناس، ونقول: احذروا الدين ما استطعتم، لا تستدينوا أبداً إلا عند الضرورة القصوى.

стр. 213

حكم تأخير الزكاة عن وقتها السؤال إذا كان الرجل عنده مال تَحُل زكاتُه في رمضان، فهل يجب عليه إخراج الزكاة كلها في رمضان؟ أو يجوز أن يعطيها الفقراء شيئاً فشيئاً على مدار السنة؟ الجواب يجب عليه أن يخرجها فوراً، ولا يجوز أن يعطيها الفقراء على مدار السنة إلا إذا كان يؤخرها يتحرى أهلها، يعني: بمعنى أنه لم يتهيأ له أن يجد المستحقين في رمضان؛ لكن يجدهم على واحد واحد، اثنين اثنين، وهكذا، فإذا كان يؤخرها من أجل أن يتحرى أن تكون في أهلها، فهذا لا بأس به، والغالب أن الإنسان لا يؤخرها إلا لهذا السبب، أو لما يشبهه، فإذا كان تأخيرها لهذا السبب فلا بأس.

стр. 214

جواز إخراج زكاة الذهب على قدر قيمته وإن رخص السؤال هذا صاحب محل للذهب يقول: رخص الآن بيع الذهب، وقد حال الحول، فهل لي أن أؤخر إخراج الزكاة حتى ترتفع أسعار الذهب، ثم أخرج الزكاة؟ الجواب أقول: جزاه الله خيراً على هذه النية، ولكن الواجب عليه أن يقدر الذهب الآن، إذا كان لا يريد أن يخرج من عين الذهب فليقدره الآن، ويخرج زكاته من قيمته الحاضرة، ولو كانت أقل، وكونه يؤخر حتى ترتفع الأسعار هذه نية طيبة؛ لكنه قد تختلف الأمور، ربما تنزل الأسعار أكثر، ما يدري، فهل إذا نزلت بَعْدُ يقول: أنتظرْ حتى ترتفع؟ ثم تنزل ثالثة. فالحاصل: أنه يجب أن يبادر بإخراج الزكاة، ويَعْتَبِر القيمة في وقت وجوب الزكاة، قَلَّت أم كَثُرت.

стр. 215

حكم زكاة الدين السؤال استلف شخص مني مبلغاً من المال، ولم يرده إليَّ بَعْد، هل يجب عليَّ أن أخرج زكاة هذا المبلغ؟ الجواب هذه تنبني على زكاة الدَّين، والدَّين اختلف العلماء ﵏ في وجوب الزكاة فيه: فقال بعض العلماء: إن الزكاة واجبة في الدَّين، سواء كان على معسر أو على موسر. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ﵏، أن الدَّين تجب فيه الزكاة ولو كانت على أعسر الناس. القول الثاني: أن الزكاة لا تجب في الدَّين، لا على غني، ولا على فقير؛ لأنه ليس بيدك. القول الثالث: الوسط، أنه إن كان على غني وجبت الزكاة فيه, وإن كان على فقير لم تجب؛ لأن الدَّين الذي على الفقير كالمعدوم تماماً؛ لأنك أنت لا تستطيع أن تطالبه وهو معسر، بل لا ترفع لسانك إلى لهاتك في مطالبته إذا كان معسراً، يجب عليك أن تُنْظِره كما أمر الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] إذاً: لست قادراً على هذا المال، وهذا لا تجب فيه الزكاة. وإن كان على موسر؛ ولكن أنت بنفسك أخَّرت الطلب فعليك الزكاة؛ لأن الذي على موسر وأنت الذي أخَّرته كأنه في مالك، فتجب فيه الزكاة. ثم إذا كان على معسر وقبضته، فهل تؤدي الزكاة عنه حالاً لسنة واحدة؟ أو تستأنف الحول؟ في هذا قولان للعلماء: منهم من قال: تستأنف الحول، ما عليك زكاة حتى يتم حوله. ومنهم من قال: تزكيه السنة التي قبضتها، ثم كل سنة تزكيه. وهذا القول أقرب للصواب.
следующие страницы →