Полный текст (477 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أهل الزكاة وبيان أحوالهم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإننا في هذه الليلة؛ ليلة الأحد الخامس عشر من شهر رمضان عام: (١٤١١هـ) نكمل ما نريد أن نتكلم عليه من مسائل الزكاة.
وموضوع الدرس هو: أهل الزكاة، بيانهم، وأحوالهم.
وذلك أن الزكاة لا تكون مقبولة عند الله حتى توضع في المواضع التي أمر الله أن توضع فيها، فمن وضعها في غير أهلها فكمن صلَّى الصلاة في غير وقتها، وحينئذ تكون مردودة عليه غير مقبولة منه؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه، غير مقبول منه.
ولم يجعل الله تقسيم الزكاة موكولاً إلى النبي ﷺ ، ولا إلى مَن دونه من الأمة، بل تولى قسم ذلك بنفسه، وبيَّنه أكمل بيان، فقال في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] يعني: أن الله فرض أن تكون الصدقات لهؤلاء، وهذا الفرض ناشئ عن علم وعن حكمة، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] فهو أعلم بمن هو أهل للزكاة، وهو أحكم؛ حيث وضعها في موضعها.
نرجع إلى أول الآية فنقول: إن الآية قد صُدِّرت بـ (إِنَّمَا) وإِنَّمَا من أدوات الحصر، والحصر يعني: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه.
ويعني: أن هناك أشياء خرجت عن هذا المحصور؛ لأنه لو دخل كل شيء لم يكن للحصر فائدة، وانتبه لهذه النقطة؛ لأنه سيكون عليها عَود إن شاء الله في آخر الآية.
أقول: إن الحصر يفيد أن هناك شيئين: محصور فيه، وخارج عن الحصر؛ لأننا لو لم نقل بذلك لم يكن للحصر فائدة.
إذاً: فالزكاة محصورة في هؤلاء الأصناف الثمانية، لا تخرج عنهم، ومن أخرجها عنهم فقد وضعها في غير موضعها، قال الله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) وما المراد بالصدقات؟ الزكوات؛ لأن كلمة صَدَقَة تُطلق على الزكاة الواجبة، وعلى صدقة التبرع، وعلى الإنفاق على الأهل، وعلى الإنفاق على النفس، كل مالٍ يُبذل لله فإنه صدقة، لكن المراد بالصدقات هنا: الزكوات، بدليل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] .
وبدليل: حديث أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر كتب: [هذه فريضة الصدقة -يعني: الزكاة- للفقراء.
] اللام للتمليك والاستحقاق، أي: أنهم يملكونها على وجه الاستحقاق لها، فهم يملكونها على أنها حلال لهم، كما لو كسبوها بالبيع والشراء [.
للفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم] أربعة في نسق واحد، كل هؤلاء الأربعة داخلون في ضمن ما تقتضيه اللام، اللام من الاستحقاق والتمليك.
الفقراء والمساكين محتاجون؛ لكن الفقراء أحوج من المساكين، ودليل ذلك أن الله بدأ بهم في الاستحقاق، وإنما يُبدأ بالأهم فالأهم، والأَولى فالأَولى.
стр. 247
الفقراء
الفقراء: يقول العلماء: هم الذين لا يجدون شيئاً من الكفاية، أو يجدون دون نصفها.
فمثلاً: إذا كان هناك رجل عنده عائلة، ليس له كسب لا من عمل، ولا من تجارة، ولا من غلة وقف، نسمي هذا فقيراً.
مثال آخر: رجل عنده راتب وظيفة مقداره (٢٠٠٠) ريال؛ لكن عنده عائلة كبيرة لا يكفيها إلا ستة آلاف ريال في الشهر، والراتب (٢٠٠٠) ريال في الشهر، ما هذا؟ فقير.
لماذا؟! لا يجد نصف الكفاية؛ لأن راتبه (٢٠٠٠) ريال، ومصروفه.
! (٦٠٠٠) آلاف.
إذاً: فهو لا يجد نصف الكفاية.
مثال ثالث: رجل عنده راتب (٣٠٠٠) ريال؛ لكنه ينفق في ضروراته (٦٠٠٠) ريال، هذا مسكين؛ لأن المسكين يجد نصفها فما فوق؛ لكن لا يجد الكل.
مثال رابع: رجل راتبه (٤٠٠٠) ريال؛ لكنه ينفق في ضروراته (٦٠٠٠) ريال، هذا مسكين؛ لأنه لا يجد الكفاية، إنما يجد أكثر الكفاية.
مثال خامس: رجل عنده راتب (٦٠٠٠) ريال، وإنفاقه الضروري (٦٠٠٠) ريال.
هذا غني، ليس فقيراً، ولا مسكيناً.
إذاً: عرفنا أن الفقير هو الذي لا يملك نصف الكفاية؛ يعني: لا يملك شيئاً، أو لا يملك إلا أقل من النصف.
стр. 248
المساكين
وأما المسكين فهو: الذي يملك النصف؛ لكن لا يملك الكل.
هذا هو الفرق بينهما.
هذان الصنفان يأخذان الزكاة لحاجتهما أو للحاجة إليهما؟ لحاجتهما.
إذاً: فما دام في الحاجة على وصف الفقر والمسكنة فهما من أهل الزكاة، وإذا اغتنيا فليسا من أهل الزكاة.
حسناً! الغنى ينقسم إلى قسمين: غنى بدن.
وغنى مال.
أما غنى المال فعرفتموه، الذي يجد الكفاية.
أما غنى البدن فهو الذي لا مال عنده؛ لكنه يستطيع أن يكتسب ببدنه، قوي مكتسِب، ما عنده مال، ما عنده ادِّخار؛ لكن يستطيع أن يعمل وينفق على نفسه وأهله، هذا نقول عنه: إنه غني.
ولهذا جاء رجلان إلى النبي ﷺ يسألانه الصدقة، فنظر فيهما ﵊ فقال: (إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسِب) هذا نسميه غناً بدنياً، أو نسمي صاحبه غنياً بالبدن.
فإن كان قوياً لكن لا يكتسب لأن البطالة في البلد كثيرة، لا يجد عملاً! أسميه فقيراً؟ نعم؛ لأنه قوي كالفيل من قوته؛ ولكنه لا يجد عملاً؛ لأن هناك بطالة، فنقول: هذا فقير.
﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] .
стр. 249
العاملون عليها
الثالث: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠] : انتبه لكلمة (عامل عليه) ، ولم يقل: (العامل فيها) ، ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ و (العاملين فيها) بينهما فرق عظيم: العامل عليها يعني: الذي له ولاية عليها، ولهذا جاء حرف الجر (على) دون (في) ، فمن هو العامل عليها؟ هو الموكل من قبل ولي الأمر على قبض الزكاة من أهلها وصرفها في مستحقها، هذا العامل عليها.
إذاً: العمالة نوع من الولاية.
أما العامل فيها فليس له حق منها، ولنضرب مثلاً يتضح به المقام: أرسل ولي الأمر هيئة لقبض الزكاة من سائمة بهيمة الأنعام، من الإبل، فقبضت من الزكاة أربعين بعيراً، هذه الإبل تحتاج إلى راعٍ، استأجرنا لها رعاة، فعندنا الآن على هذه الإبل عاملون عليها وهم: الهيئة الذين نصبهم الإمام، أو نصبهم ولي الأمر، وعندنا عاملون فيها وهم: الرعاة.
العاملون عليها يُعطَون نصيبهم من الزكاة، وأما العاملون فيها فيُعطون نصيبهم من بيت المال، يُجعل لهم راتب من قبل ولي الأمر، ولا يأخذوا شيئاً من الزكاة؛ لأن الله قال: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠] ولم يقل: العاملين فيها.
هؤلاء نعطيهم لحاجتهم؟ أو للحاجة إليهم؟ للحاجة إليهم.
نعم، للحاجة إليهم، ولهذا نعطيهم ولو كانوا أغنياء؛ لو كان العامل عليها غنياً ثرياً عنده أموال كثيرة أعطيناه من الزكاة؛ لأننا لسنا نعطيه لحاجته، بل للحاجة إليه.
حسناً! هذا رجل معتبر في البلد يعطيه الناس زكواتهم يفرقها، هل يكون من العاملين عليها؟ لا؛ لأننا قلنا: العاملون عليها الذين ينصبهم مَن؟ ولي الأمر، لهم ولاية؛ لكن هؤلاء وكلاء عن أصحاب الزكاة وليسو عاملين عليها، فالذي عليه الزكاة يجب أن يؤديها إلى الفقير إما بنفسه وإما بوكيل، وهؤلاء وكلاء عمَّن عليهم الزكاة، عن أصحاب الأموال؛ ولذلك لا يعطَون من الزكاة على أنهم عاملون عليها.
ولو تلف المال عند هذا الرجل، هل يكون مضموناً للفقراء أو لا؟
الجواب
مضمون للفقراء على كل حال؛ لكن إن كان متعدياً أو مفرطاً فالضمان عليه دون صاحب المال، وإن كان غير متعدٍّ ولا مفرِّط فالضمان على صاحب المال.
المهم أن المال مضمون للفقراء؛ لكن لو تلف المال عند العاملين عليها، هل يكون مضموناً للفقراء؟ لا؛ لأن العامل عليها يقبضها باسم ولي الأمر، فإذا دفع أهل الأموال الزكاة إلى العاملين عليها فقد برئت ذممهم؛ لأن العاملين عليها أيديهم أيدي ولاة الأمور، فقد وصلت إلى أصحابها، انتبهوا! وبناءًَ على ذلك فإن جمعيات البر الخيرية المصرَّح لها من قبل الدولة إذا وصلها المال، فقد برئت ذمم أصحاب المال؛ لأن هؤلاء وكلاء عن الدولة وعن ولي الأمر، بخلاف الذي يُرسل أهل الأموال زكاتهم إليه، لكونه عارف بالبلد، وثقة، فإن هذا لو تلف المال عنده لكان مضموناً للفقراء.
عليه أو على صاحب المال؟ حسب التفصيل الذي ذكرنا؛ عليه إن فرَّط أو تعدى، وإلاَّ فعلى صاحب المال.
стр. 250
المؤلفة قلوبهم
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم: قال تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠] لماذا أنث المؤلفة مع أن (القلب) مذكر؟ لأن القلوب جمع.
وكل جمع مؤنث، نعم، كما قال الزمخشري:
لا أبالي بجمعهم كل جمع مؤنثُ
نعم، كل جمع مؤنث، فيجوز تأنيثه إلا جمع المذكر السالم فإن اللغة المشهورة أنه لا يؤنث، فلا يصح أن تقول: جاءت المسلمون؛ لكن يصلح أن أقول: جاءت الرجال؛ لأن الرجال جمع تكسير، والمسلمون جمع مذكر سالم.
قال ابن مالك:
والتاء مع جمعٍ سوى السالم مِنْ مذكرٍ كالتاء مع إحدى اللَّبِنْ
إذاً: المؤلفة قلوبهم أُنِّث الوصف؛ لأن القلوب جمع، فيجوز تأنيثه.
المؤلفة قلوبهم يعني: الذين يُعطَون من الزكاة لتأليف قلوبهم وجذبها إلى الإسلام وإلى الإيمان، قال العلماء: والمؤلفة قلوبهم أصناف: أولاً: مَن يُعطى ليَقوَى إيمانُه.
والثاني: مَن يُعطى ليُؤمِن نظيرُه.
والثالث: مَن يُعطى ليُدفَع شرُّه.
كل هؤلاء من المؤلفة قلوبهم.
والرابع: مَن يُعطى لإيمانه، يعني: ليُؤمِن، ليس ليَقوَى إيمانه، بل ليُؤمِن.
فنعطيهم لهذه الأغراض.
رجل رأيناه مقبلاً على الإيمان؛ لكن يحتاج إلى جذب، فأعطيناه من الزكاة ليؤمن، نقول: صحيح؛ لأنه مؤلَّفٌ قلبُه.
رجل آخر مؤمن لكن إيمانه مهزوز، فأعطيناه ليثبت، يصح.
الثالث: مؤمن؛ لكن له نظير إذا أعطينا هذا ورأى الأموال أسلم نظيره، نعطيه من أجل أن يسلم نظيره، فهنا المصلحة لغيره، أعطيناه مع أن المصلحة لغيره.
الرابع: أن يكون هناك إنسان شرير من المسلمين فنعطيه لكف شره وأذاه.
كل هؤلاء من المؤلفة قلوبهم.
ولكن اختلف العلماء: هل يُشترط أن يكونوا سادة ذوي طاعة في قومهم -لأن السادة إذا صلحوا صلح من تحتهم- أو لا يُشترط ذلك؟ فأكثر العلماء على أن المؤلفة قلوبهم لابد أن يكونوا سادة كبراء في قومهم، حتى نكسبهم ومَن وراءَهم.
ولكن بعض العلماء يقول: بل نعطي المؤلَّف، وإن لم يكن سيداً في قومه من أجل إقامة دينه، وإذا كنا نعطيه إذا كان فقيراً لغذاء البدن؛ فالمؤلَّف قلبُه نعطيه لأجل غذاء الروح وتقوية الإيمان، وتقوية الإيمان عند الرجل أهم من أن يُملأ بطنُه من الطعام.
والراجح: أن ولي الأمر ينظر للمصلحة.
стр. 251
الرقاب
قال تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠] :- الرقاب: يقول العلماء أيضاً: إنها أصناف: الصنف الأول: رجل مكاتَب يُعان في أداء كتابته.
والصنف الثاني: رجل رقيق يُشترى فيُعتق.
والصنف الثالث: أسير عند الكفار وهو مسلم فيُعطى آسروه من الزكاة ليفكُّوه.
هذه ثلاثة.
أما الأول: المكاتَب: فصورته: أن العبد يَشتري نفسه من سيده بثمن مؤجل، وهذا مشروع، وأوجبه كثير من أهل العلم، بالشرط الذي ذكر الله في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور:٣٣] .
والأمر للوجوب عند الظاهرية، وعند كثير من المتأخرين، مثل: محمد رشيد رضا، وبعض العلماء.
وأكثر العلماء على أن الأمر للاستحباب؛ لأنه ملكه ولا يُلزم بإخراج ملكه عن سيطرته.
على كل حال، ليس هذا موضع البحث في هذا والترجيح.
فإذا كاتب العبدُ سيدَه، واشترى نفسه من سيده بثمن؛ فإننا نعينه من الزكاة من أجل أن نخلص نفسه من الرق.
والثاني: رقيق عبد: اشتريناه من سيده بالزكاة وأعتقناه.
والثالث: أسير مسلم عند الكفار: افتديناه، وقلنا للكفار: أطلقوا أسيرنا بمال، ونعطيهم من الزكاة.
ومثله أيضاً: مَن كان أسيراً عند غير الكفار، كما يوجد في عصرنا الحاضر ما يسمى بالاختطاف، لو أن فئة ظالمة خطفت رجلاً مسلماً وقالت: لا أطلقه إلا بمال، فإنه يجوز أن نعطيهم من الزكاة؛ لأنه لا فرق بين اختطاف هؤلاء وأسر الكفار، كلٌّ يراد به إنقاذ المسلم من الظلَمة.
قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ جاءت (في) بدلاً عن (اللام) ؛ لأن الرقاب لا يشترط فيهم التمليك؛ ولهذا لو ذهبنا إلى سيد المكاتَب، وقلنا: يا فلان! هذه قيمة الكتابة، يجوز؟ نعم يجوز، حتى وإن لم يعلم العبد؛ لأنه لا يُشترط التمليك.
стр. 252
الغارمون
قال تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠] : الغارمون هم: المدينون، وقسمهم العلماء ﵏ إلى قسمين: ١- غارم لنفسه.
٢- وغارم لغيره.
الغارم لنفسه: هو من لحقه الدَّين لغرض نفسه، كرجل تديَّن واشترى سيارة، تديَّن واشترى بيتاً للسُّكنى، تديَّن وتزوَّج، وما أشبه ذلك، هذا غارم لنفسه، لمصلحة نفسه.
والثاني: غارم لمصلحة غيره: مثل: رجل رأى بين قبيلتين من الناس شحناء وعداوة ربما تؤدي إلى الاقتتال، فقال لهم: يا جماعة، اصبروا! لنجلس على بساط البحث والصلح لنصلح بينكم، فنعطيكم أنتم (١٠.
٠٠٠) ريال، وأنتم نعطيكم (١٠.
٠٠٠) وكفوا، فوافقوا، وتصالحوا على (١٠.
٠٠٠) ريال تُدفع لكل قبيلة، الرجل هذا غرم الآن، التزم بماذا؟ بغُرْم.
بكم؟ بعشرين ألف ريال.
فهل يُعطى هذه الغرامة؟ أو نقول: نحن لم نوكلك حتى نعطيك؟
الجواب
نعطيه هذه الغرامة، حتى لو كان غنياً يستطيع أن يدفع ليس عشرين ألفاً فحسب! بل عشرين مليوناً، فنعطيه ونقول: تفضل، هذه عشرون ألفاً أعطِ القبيلة رقم [١] عشرة، وأعط القبيلة رقم [٢] عشرة.
فهمتم؟ نعم.
لماذا نعطيه؟ لأن هذه مصلحة عامة، ينبغي أن يُشجع الفاعل عليها.
ولو قلنا: والله نحن ما وكلناك، والغُرْم عليك لكان في هذا تحطيم لأهل الإصلاح، أليس كذلك؟ كلٌّ يقول: أنا ما علي، اتركهم يقتتلون، ما دمتُ إذا سعيتُ بينهم بالصلح على مال صار المال عليَّ فأنا ما عليَّ منهم، ولهذا قال العلماء: إن هذا من ذاك، المكافأة لهذا الرجل على معروفه العظيم الذي كفَّ فيه القتال.
الغارم لنفسه مسكين، لا يُعطى إلا إذا كان فقيراً، ويُعطى بقدر غُرْمه فقط، وإذا كان يُخشى إذا أُعطي لغُرْمه أن يُتلف المال ولا يقضي الدَّين، قلنا: اجلس في بيتك ونحن نقضي غُرْمك، نذهب إلى الطالب ونوفي عنه؛ لأننا لو أعطيناه وسلطناه على المال لأضاعه وأتلفه، إذاًَ: نذهب نحن إلى الطالب ونعطيه، ونقول: فلان مطلوب لك منه بألف ريال، فخذها وإن لم يعلم ذلك، وإن يعلم المطلوب ما علينا منه، نحن الآن أعطيناه، ولهذا قال الله: (وفي الرقاب والغارمين) ، ولم يقل: للغارمين، لو قال: للغارمين لكان يجب علينا أن نملِّك الغارم هذا المال؛ لكن قال (في) التي للظرفية، يعني: أن الزكاة تكون في هذه الجهة؛ لا للشخص الغارم؛ ولكن يُشترط للغُرْم للنفس: أن يكون عاجزاً عن السداد، فإن كان قادراً؛ فإنه لا يُعطى.
واشترط بعض العلماء: أن يكون غُرْمه في غير حرام، فإن كان في حرام؛ فإنه لا يُعطى، بل يقال: تُبْ أولاً، ثم نعطيك ثانياً.
فإن كان هذا المدين، وهو الغارم لنفسه قادراً على الوفاء؛ فإننا لا نعطيه؛ لأنه ليس بحاجة.
ولو كان عنده سيارة تساوي (١٠.
٠٠٠) ريال، وهي سيارة كبيرة عليه، بمعنى أن مثله لا يقتنيها؛ لأنها فخمة، أنا قلت: بعشرة آلاف ريال، وأظنها تساوي أكثر.
عنده سيارة بمائة ألف؛ ولكنه يستطيع أن يبيعها بمائة ألف، ويشتري سيارة بعشرين ألفاً، والدَّين الذي عليه (٦٠.
٠٠٠) ، ماذا نقول؟ لا نعطيه؛ لأنه قادر على الوفاء.
اشترط بعض العلماء أن يكون الغُرْم في غير حرام: فلو كان هذا الرجل غارماً؛ لكن غُرْمه بسبب شراء الدخان، فعلى هذا القول لا نعطيه؛ لأننا لو قضينا دَينه الحاصل عليه في المحرم لكان في هذا إغراء له على المحرم، أليس كذلك؟ لذلك قالوا: لا يُعطى حتى يتوب، فنقول لهذا الرجل: تُبْ من شرب الدخان ونقضي دَينك، أما أن تأتي إلينا تطلب منا أن نوفي عنك ثمن شيء محرم من أجل أن تزيد في شراء المحرم، فإننا لا نعين على الإثم والعدوان.
وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، أنه يُشترط أن يكون الغُرْم في غير حرام؛ لأنه إذا كان في حرام وسدَّدنا عنه فقد أعناه على الحرام.
لو أنه غرم في زواج، هل يُعطى؟ نعم يُعطى؛ لأن هذا غُرْم في غير حرام، بل قد يكون في واجب، فيُعطى ويُسدَّد، كل الدين الذي عليه؟ نعم، كل الدَّين، لو يبلغ (١٠٠.
٠٠٠) نسدِّده، ولو من زكاة رجل واحد.
وبعض الناس أخذ على العادة القديمة، حيث يوزع زكاته على عشرة ريالات، وريالين، وما أشبه ذلك، هذا زمن مضى، الآن العشرة ريالات ليست بشيء عند الناس.
نعم، يقول: أنا أحب أن يكون نفعها عاماً، وينسى أن الوقت تغيَّر، الآن إذا أعطيته شيئاً كثيراً انتفع انتفاعاً كبيراً؛ لكن إذا أعطيته عشرة ريالات، مباشرة يذهب يشتري بها برتقالاًَ، لماذا؟ لأنها لا تساوي شيئاًَ، فيبددها.
لذلك يجب أن نقول: شمول الزكاة مع إعطاء اليسير في الوقت الحاضر قد تكون من غير المصلحة، أما حين كان الناس يشترون الذبيحة بخمسة عشر قرشاً، يعني: بريال إلا ربعاً، ويشتري البُر الذي تطبخ فيه الذبيحة الكاملة بربع ريال، فإن هذا يصح أن نقول: توزَّع الزكاة على عشرة وعلى ريال، وما أشبه ذلك؛ لكن الوقت اختلف.
стр. 253
في سبيل الله
قال تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠] : في سبيل الله، سبيل بمعنى: طريق، وسبيل الله: كل ما يوصل إلى الله فهو في سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] فكل ما يوصل إلى الله فهو من سبيل الله.
فمن ثَمَّ حصل خلاف بين العلماء في المراد بسبيل الله، فقال بعض العلماء: المراد بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كل ما كان مقرِّباً إلى الله من الجهاد، والعلم، وإصلاح المدارس، وبناء المساجد، وإصلاح الطرق، كل شيء.
ولكن أكثر أهل العلم قال: المراد من ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما تُبذل فيه النفقة لإعلاء كلمة الله، وهو جهاد الكفار، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران:١٦٩] .
وقال تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١] ماذا؟ ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] .
فالمراد من ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الجهاد، وهذا هو الصحيح، ويدل لصحة هذا وأن المراد بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خصوص الجهاد، الحصر الذي استفدناه من قوله: (إنما) وهذا هو الذي أشرتُ إليه، وقلتُ لكم إنه سيأتي عودٌ عليه في آخر الآية.
فالمراد الجهاد في سبيل الله: وهو قتال الكفار، ولا فرق بين أن تعطي المجاهدين أو تشتري أسلحة ليجاهدوا بها، لا فرق، فيجوز مثلاًَ أن تشتري أسلحة بالزكاة وتعطيها إياهم؛ لكن الذي يتولى الشراء ولي الأمر، أنت ادفع الدراهم ليُشترى بها السلاح، ويجوز أن تعطي المجاهد نفسه، ليجاهد في سبيل الله.
стр. 254
ابن السبيل
أما قوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] : فالسبيل هو: الطريق.
وابن: الذي ولَدَهُ الطريق.
لا! لماذا؟! الطريق لا يلد أحداً؛ لكن ابن السبيل المراد به: المسافر؛ لأنه لملازمته للسفر أو للطريق صار مثل الابن له؛ لأن الابن والأب متلازمان، قالوا: ومنه قوله العرب: ابن الماء، لطير الماء.
فهناك طير يُسَمَّى طير الماء معروف، يُسَمَّى ابن الماء، مع أن الماء لم يلده؛ لكنه ملازم له.
إذاًَ: فابن السبيل هو: المسافر، فإذا وُجد مسافر في بلد قد انقطع به السفر أُعطي من الزكاة ما يوصله إلى بلده، ولو كان هو في بلده غنياً؛ لأنه الآن محتاج.
فهؤلاء ثمانية أصناف، هم أهل الزكاة، إذا صُرِفت في غيرهم فإنها لا تُقبل؛ لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .
واعلم أن الواجب بمقتضى الأصول الفقهية أن نأخذ بالعموم، فلا نخرج أحداً من هؤلاء إلا بدليل، فكل من كان فقيراً فهو من أهل الزكاة، سواء كان أخاً لك، أو عماً، أو خالاً، أو ابن أخ، أو ابن عم، أو ابن خال، أو أباً، أو أماً، أو جداً، أو جدةً، أو غير ذلك، كل من انطبق عليه وصف استحقاق فهو مستحق، هذا هو الأصل.
فإذا قال لنا قائل: هؤلاء لا تدفع الزكاة إليهم.
ماذا نقول؟ نقول: نحن عندنا عموم، هات الدليل على أنها لا تقبل، إن جاء بدليل فعلى العين والرأس، إن جاء بتعليل تشهد له النصوص فكذلك على العين والرأس.
стр. 255
حكم إعطاء بني هاشم من الزكاة
إذا كان الرجل من بني هاشم وهو فقير! هل يأخذ من الزكاة؟
الجواب
لا يأخذ.
إذاً: فيه دليل، فبنو هاشم خرجوا من هذا العموم بالدليل، والدليل أن النبي ﷺ بعث العباس بن عبد المطلب على الصدقة، وأراد العباس أن يأخذ منها، فقال النبي ﷺ : (إنَّها لا تَحل لنا، إنَّها أوساخ الناس، لا تَحل لآل محمد) .
فبنو هاشم لا يأخذون من الصدقة الواجبة، هل يأخذون من صدقة التطوع؟ فيه خلاف، اختلف العلماء: قال بعض العلماء: لا يأخذون لعموم الحديث: (إن الصدقة لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس) .
وقال بعض العلماء: تحل لهم.
لكن على القول بأنها تحل لهم فيه حلُّ مُشْكِلٍ: إذا وجدنا رجلاً من بني هاشم فقيراً والناس الفقراء يأخذون من الصدقات وهو ما يأخذ! إذا قلنا بجواز صدقة التطوع فإشكاله ينحل، لماذا؟ لأننا سنعطيه صدقة تطوع.
وإذا قلنا بالقول الثاني: إن صدقة التطوع لا تحل لبني هاشم، ماذا؟ يصير مشكلاً على الفقير.
نعطي له.
يكون مُشْكِلاً.
حينئذٍ ندخل في قاعدة عامة أخرى، وهي: وجوب إنقاذ الجائع، فنعطيه من باب إنقاذ الجائع، مسكين، كل يوم الصباح نعطيه خبزاً، إذا جاء الظهر قال: أعطوني، قلنا: لا، الخبزة تكفيك؛ لأننا لا نعطيك إلا على سبيل الإنقاذ، والخبزة في اليوم وفنجان شاي تنقذك، نعم.
ولهذا على قول بأن الصدقة التطوع والواجبة لا تحل لبني هاشم، فيه إشكال كبير! قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنهم إذا مُنعوا الخُمُس يُعطَون من الصدقة، ولو من الزكاة.
إذا مُنعوا من الخُمُس الذي هو: خُمُس الفيء، والآن ما هناك خُمُس، نعم؛ لكن يجب على ولي الأمر أن يعطيهم من بيت المال، يرتب لهم رواتب من بيت المال، إذا لم يمكن هذا قال: فإنها تحل لهم الصدقة؛ ولكن قوله هنا ضعيف ﵀؛ لأن النبي ﷺ لما قال للعباس: (إنها لا تحل لآل محمد) ، لم يقل: لأنهم يُعطَون من الخُمُس، مع أنهم في ذلك الوقت يُعطَون من الخُمُس، بل قال: (لأنها أوساخ الناس) .
فالصحيح: أنها لا تحل لهم الصدقة الواجبة سواء مُنعوا الخُمُس أو لا.
وأما صدقة التطوع فهي محل نظر؛ لكن جمهور العلماء على جواز صدقة التطوع لهم.
стр. 256
الراجح في مسألة قضاء دين الأموات من الزكاة
ذكرنا قبل قليل أنه يجوز أن نقضي الدَّين عن المدين وإن لم يعلم، واستدللنا بأن الله قال: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠] بـ (في) ، فهل يجوز أن نقضي من الزكاة دين الميت؟ حكى ابن عبد البر أنه لا يجوز دفع الزكاة في قضاء دين الميت بالإجماع، وأن العلماء أجمعوا على أنه لا يُقضى من الزكاة دَين على ميت.
وقال بعض العلماء: بل يُقضى منها دَين الميت؛ لأن قضاء الدين لا يُشترط فيه التمليك، حتى نقول: لابد أن يكون المدين حيَّاً؛ ولكن هذا القول ضعيف.
والصواب: ما عليه الجمهور، الذي حكاه بعضهم إجماعاً، أنه لا يُقضى من الزكاة دين على ميت، والدليل أن النبي ﷺ كان يأخذ الزكاة من أهل الأموال، ويؤتي بالرجل المدين ليُصلَّى عليه، ولم يُحفظ عنه يوماً واحداً أنه قضى دين الميت من الصدقة، مع أن الصدقات متوفرة؛ لكن لما فتح الله عليه واتسع المال عنده صار يقضي دين الميت ويصلي عليه، وهذا دليل واضح على أن الأموات لا يجوز أن تقضى ديونهم من الزكاة، وأيضاً فإن مقتضى العادة أن الناس يعطفون على الأموات أكثر مما يعطفون على الأحياء، فإذا قلنا بجواز قضاء الدين عن الميت، انهمك الناس في قضاء الديون عن الأموات ونسوا الأحياء، مع أن الديون تذل الأحياء ولا تذل الأموات، تذل الأحياء في حياتهم؛ لأن الدين ذل؛ إلا من مات قلبُه هذا ما يذله شيءٌ أبداً؛ لكن القلب الحي يكون دينه ذلاً، وإذا مات صار ديناً في ذمته.
فإذاًَ: يكون هناك جنايتان: إذلاله في حياته، وتعلق الدين بذمته بعد وفاته؛ لكن الميت ليس عليه إلى جناية واحدة فقط، وهو تعلق الدين، مع أن السنة تدل على أنه لا يوفى ديون الأموات من الزكاة.
ولهذا: القول الراجح بلا شك عندي ما عليه جمهور العلماء، وحكاه بعض العلماء إجماعاً بأنه لا يُقضَى دين الأموات من الزكاة، أما التبرع بقضاء دين الميت هذا شيء واسع، ولا أحد يمنع منه.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] أي: أن الله فرض علينا الزكاة، وأن نصرفها في هذه المصارف.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فلعلمه ولحكمته جعل الزكاة في هذه الأصناف، ولم يُسند قَسمها لا إلى الرسول، ولا إلى مَن بعده.
وإلى هنا انتهى ما أردنا أن نتكلم فيه.
стр. 257
الراجح في قضاء دين الأقارب
ولكن ذكرتُ لكم أن الواجب الأخذ بالعموم، وأن كل من انطبق عليه وصف من هذه الأوصاف فإنه تُدفع إليه الزكاة إلا بدليل، وذكرنا دليلاً في بني هاشم، وقلت لكم: أو بتعليل اقتَضَتْه القواعد الشرعية، ومن التعليل الذي اقتضته القواعد الشرعية أن تدفع الزكاة من أجل حماية المال.
مثال ذلك: إنسان نزل به ضيف، وإذا نزل بك ضيف وجب عليك أن تضيِّفه، وكان هذا الرجل عنده زكاة، فاشترى بزكاته ضيافة للضيف فهذا غير جائز؛ لأنه يجب عليه أن يضيفه من ماله الخاص، فإذا انتهت الضيافة فلا بأس أن يعطيه من الزكاة؛ لأن الضيافة واجبة؛ فأنت الآن إذا دفعت الزكاة معناه أنك حميت مالك من ضيافة هذا الرجل.
كذلك إنسان له أب فقير، والولد غني يستطيع أن ينفق على أبيه، فقال: أدفع زكاتي لأبي لكي يستغني بها عن الفقر؟ نقول: لا يجوز هذا؛ لأن إنفاقه على أبيه واجب، فإذا دفع الزكاة نفقة لأبيه حمى ماله.
كذلك إنسان حصل لأبيه حادث، صدم سيارة وتكسرت السيارة، ثم قدرت بخمسة آلاف، فدفع من زكاته (٥٠٠٠) عن الغرامة التي لزمت والده، هذا جائز؛ لأن الإنسان لا يجب عليه أن يتحمل الغُرْم عن أبيه، وكذلك بالعكس، لو كان الإنسان له ولد حصل منه حادث، وأُلزم بغُرْم خمسة آلاف، فيجوز للأب أن يقضي غُرْمه من زكاته؛ لأن تسديد غُرْم الولد ليس واجباً على الأب.
كذلك الزوجة هل يجوز أن تقضي دين زوجها؟
الجواب
نعم يجوز ذلك؛ لأن الزوجة لا يجب عليها الإنفاق على زوجها، ولا قضاء دينه.
هل يجوز للزوج أن يقضي دين زوجته؟ الجواب: نعم، يجوز ذلك؛ لأنه ليس واجباً عليه أن يقضي دين زوجته.
فالحاصل إذاً أن نقول: الأصل أن العمومات في أصحاب الزكاة باقية إلا بدليل من نص أو تعليل تعتبره الشريعة.
والله الموفق.
стр. 258
الأسئلة
стр. 259
وجه تقديم (الثيبات) في قوله تعالى: (ثيبات وأبكاراً)
السؤال
لقد ذكرتم بأن إعطاء الزكاة للفقراء أفضل من إعطائه للمساكين، وذلك لذكرهم أولاً في الآية الكريمة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [التحريم:٥] فهل يعني أن الثيب أفضل من البكر؛ وذلك لورود اسمها أولاً في الآية؟ أفيدونا أفادكم الله.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم.
هذه قاعدة التقديم أخذنا من كلام الرسول ﵊، لما دنا من الصفا بعد أن طاف قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به.
وقال العلماء في آية الزكاة: بدأ الله بالفقراء لأنهم أشد حاجة من المساكين، وإنما يُبدأ بالأهم فالأهم، وهذا شيء واضح.
وأنا لم أقل إن إعطاء الفقراء أفضل من المساكين، فأحب أن يصحح الأخ سؤاله، قد يكون إعطاء المسكين أفضل من إعطاء الفقير؛ لكون المسكين صاحب طاعة وعبادة وعائلة وتعفُّف، والفقير ليس على هذا الوصف، فهنا وإن كان الفقير أشد حاجة لكن إعطاء المسكين في هذه الحال أفضل.
ونحن لم نقل: إن إعطاء الفقير أفضل، وأنتم سمعتم ما قلتُ.
قلنا: الفقير أهم؛ لأنه أشد حاجة، وهنا فرق بين هذا وهذا، فقد يكون فقيراً جداً وهناك مسكين أنشط منه، ونفضل إعطاء المسكين؛ لأن التفضيلات لها اعتبارات كثيرة.
وأما ما أشار إليه في الآية الكريمة: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [التحريم:٥] فلأن النبي ﷺ لا يتزوج المرأة ليطرب نفسه، ويتمتع، ويتلذذ، وإنما يعتبر ﵊ اعتبارات أخرى، ولهذا لم يتزوج بكراً إلا عائشة لأنها ابنة أبي بكر الصديق ﵁، فلهذا بدأ بالثيبات، ليشير إلى أن النبي ﵊ لا يتزوج المرأة لبكارتها ولكن للمعاني الجليلة ولو كانت ثيباً.
فهذا هو وجه تقديم الثيبات على الأبكار في الآية الكريمة.
стр. 260
الأحوال التي يستحق فيها العاملون على الزكاة الأخذ منها
السؤال
إذا كان العاملون عليها -يعني: الزكاة- لهم رواتب من الدولة فهل لهم شيء من الزكاة؟
الجواب
نعم، إذا كان لهم رواتب على العمل على الزكاة، فإنهم لا يُعطَون من الزكاة.
وأما إذا كان لهم رواتب على أعمال أخرى، وانتدبوا في الزكاة، فلهم الأخذ منها.
стр. 261
وجوب الزكاة في المواشي على السائمة منها
السؤال
من المعلوم أن البادية الآن يُطعمون المواشي ويتركونها في البر، فهل عليها زكاة أم لا؟
الجواب
المواشي إذا لم تكن سائمة فليس فيها زكاة إلا إذا كانت للتجارة، فمثلاً المواشي التي عند البادية إذا كانوا يعلفونها كل السنة أو أكثر السنة، وليست تجارة، إنما هي تنمية فليس عليهم فيها زكاة، ولو بلغت مئات الرءوس، يعني: لو فرضنا عنده (١٠٠) بعير يكد عليها، وليس هو ممن يتَّجرون بالإبل؛ لكنهم ممن يقتنونها وينمُّونها، فإن هذا لا زكاة عليه في إبله؛ لأنها ليست سائمة، أما لو كان ممن يتجرون بالإبل يبيعون ويشترون فيها فعليه الزكاة، ولو لم يكن عنده إلا بعير واحد إذا بلغت قيمتها النصاب.
стр. 262
مقدار النصاب في عشرة آلاف ريال
السؤال
أنا شاب أمتلك من المال فوق (١٠.
٠٠٠) ريال، وسمعت الوعيد الشديد على مانع الزكاة، فأرشدني بارك الله فيك إلى ما يلي: النصاب الذي تجب الزكاة فيه! وما مقدار الزكاة عني؟ كيف أبدأ بأداء الزكاة؟ هل أبدأ بدفعها؟ أم أبدأ بحساب الحول، ثم إذا حال الحول أخرجتُها؟
الجواب
الزكاة واجبة على المال، وإن أعده الإنسان لضرورته، فإذا كان عند الإنسان مال، قد أعده للزواج فإن الزكاة واجبة فيه، قد أعده لشراء البيت فإن الزكاة واجبة فيه، قد أعده لشراء الكتب فإن الزكاة واجبة فيه؛ خلافاً لما يظن بعض العوام أن ما أعده الإنسان لضرورات حياته، فليس فيه زكاة، هذا خطأ، المال النقدي فيه الزكاة على كل حال؛ لكن لابد من أن يبلغ النصاب، وأن يتم الحول عليه، فلو أن الإنسان ملك (١٠.
٠٠٠) ريال كما في السؤال؛ لكن قبل أن يتم حولها أنفقها، تزوج وبذلها في المهر، فليس فيها زكاة؛ لأن من شرط وجوب الزكاة؟ تمام الحول.
أما النصاب فإنه في الفضة (٥٦) ريالاً من الفضة، أو ما يعادلها من العملة السعودية، الوَرَق، وإذا قلنا: أو ما يعادلها فإنه يختلف اختلاف قيمة الفضة، الفضة أحياناً ترتفع قيمتها، وأحياناً تنخفض قيمتها، فمثلاً: بلغ الريال الفضة من الفرانسي أكثر من (١٠٠) ريال بالعملة الورقية، الآن في هذه السنة الريال بسبعة عشر ورقةً، الفرانسي كم نزل؟ من (١٠٠) إلى (١٧) .
الريال العربي الفضة أرخص من الفرانسي، يعني: يُمكن في (١٠) ، أنا ما أدري عن قيمته، ما سألتُ عنه؛ لكنه يساوي (١٠) تقريباً، والذي يُسأل عنه: التجار، إما الصيارفة وإما مؤسسة النقد، وإما التجار الذين يتعاملون بالفضة، فإذا قالوا: إن الريال الفضة يساوي (١٠) ريالات عملة، وكان نصاب الفضة [٥٦] ريالاً، فكم نصاب العملة؟ (٥٦٠) ، وإذا قالوا: يساوي [٥] كم يصير؟ (٢٨٠) ، حسب السعر، وإذا قالوا: يساوي (٢٠) صار النصاب من العملة: (١١٢٠) .
المهم أنه ما يمكن ضبطه؛ لكن اربطه بالفضة، وهي: [٥٦] ريالاً.
على كل حال: الأسئلة نتركها للدرس القادم، ليلة الثلاثاء إن شاء الله.
стр. 263
نصيحة لأئمة المساجد في تبكيرهم لصلاة الفجر في رمضان
السؤال
مما يلاحظ في رمضان أن أئمة المساجد يبكرون في صلاة الفجر جداً، ولا يقرءون إلا من قصار المفصَّل، فهل هذه هي السنة؟ وكيف يُجمع بين ذلك وبين الأحاديث العامة، وكون النبي ﷺ يحافظ على راتبة الفجر في الحضر والسفر، ويجلس بين الأذان والإقامة قدر (٥٠) آية؟ أرجو التعليق مع التوضيح.
الجواب
والله مشكلة الناس في الأذان مشكلة مقلقة؛ لأن أمرها خطير جداً، فأذان الفجر حسب تقويم أم القرى فيه تقديم (٥) دقائق، فالذي يؤذن على تقويم أم القرى يكون قد أذن قبل الوقت بخمس دقائق، وإذا صلى الإنسان بعد الأذان مباشرة، فقد صلى قبل الوقت، وصلاته مردودة عليه، وغير مقبولة.
والناس الآن نسأل الله لنا ولهم الهداية يتبارون أيهم يخرج أولاًَ، لا يتبارون أيهم أحسن عملاً، لا.
كأن الأفضل من يخرج أولاً، وهذا غلط من الأئمة؛ لأن الإمام هو الذي بيده الإقامة، ومن المؤذنين الذين يبكرون.
انظروا مثلاًَ أذان العشاء قررت الحكومة أن يكون بعد الغروب بساعتين، التزم أناس طاعة لله وطاعة لولي الأمر؛ لأن الله أمرنا أن نطيع ولاة أمورنا، وولاة الأمور عللوا التأخير بثلاث علل وفوائد، نعم، وهناك زيادة على هذه العلل، وهو أنه أيسر للصائمين، والوقت متَّسع، وتأخير صلاة العشاء أفضل ففيه أيضاً طاعة لله ورسوله؛ لأننا أمرنا بطاعة ولي الأمر إلا في المعصية؛ لكن مع ذلك بعض المؤذنين نسأل الله لنا ولهم الهداية أصروا إلاَّ أن يخالفوا الأمر، كأنما يقولون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء:٤٦] وهذا لا شك أنه قلة فقه، لا أستطيع أن أقول قلة دين؛ لأنهم على دين؛ لكن قلة فقه، فلو أنهم أطاعوا الله بطاعة ولاة الأمور لكان خيراً لهم، ولكان خيراً للناس عموماً، من أجل أن يظهر المسلمون بمظهر الاتحاد والاتفاق، لا يظهرون بمظهر واحدٍ إلى الآن، فأحدهم يكون قد انتهى من الصلاة، والآخر ما بعدُ أذَّن، كما هو الواقع الآن في صلاة العشاء، هناك أناس يمكن انتهوا من الصلاة، والآخرون لم يؤذنوا بعد.
فالفجر خطره عظيم جداً، والواجب التأخر، حتى نتيقن طلوع الفجر؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة:١٨٧] يتبيَّن لكم، حتى قال بعض المتأخرين: إن الله لم يقل: حتى تتبيَّنوا، إشارة إلى أننا لا نذهب نطالع على الفجر هل طلع وإلاَّ لا، بل نبقى نأكل حتى هو يتبيَّن، وليس نحن نذهب ندوِّرُه ونطلبه؛ لأن الله قال: حتى يتبيَّن لكم.
وعلى كل حال: سواء كان هذا مراد الله أو أن المراد حتى يتبيَّن بنفسه أو بتبيُّنه، الله أعلم؛ لكن على كل حال لابد من التبيُّن، ولابد من التريُّث، حتى يؤدي الناس سنة الفجر، كما أمر النبي ﵊ بأن لا نزال نأكل حتى يتبيَّن الفجر، أمرنا بذلك حينما قال: (إن بلالاً يؤذن بليل؛ ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر.
قال بعض الرواة: وكان رجلاً أعمى، لا يؤذن حتى يقال: أصبحتَ أصبحتَ) .
وهل نحن الآن، هل يقال: أصبحتَ أصبحتَ إذا سمعنا المؤذنين؟! لا.
ما يقال: أصبحتَ أصبحتَ، يعني: الذين يذهبون الخلاء، ونحن لا نطيعهم؛ لكن هم يقولون: نحن إذا كنا في الخلاء لا يتبيَّن الفجر إلا بعد أذان الناس بثلث ساعة، نعم، ولهذا يُشَنِّعون علينا، يقولون: لماذا ما تنهون الناس عن هذا التلاعب، يصلون قبل الفجر، ويمتنعون عن الأكل قبل الفجر، فنقول: والله نحن عندنا أشياء نمشي عليها، وهناك تقويمات، الفلكيون العصريون اتفقوا عليها، ومسألة التبيُّن أمر نسبي، قد يتبيَّن لغيركم ولم يتبيَّن لكم.
على كل حال: أنا أود أن نحتاط لديننا، وألا نتعجَّل في صلاة الفجر، حتى نتيقن طلوع الفجر.
أما تقصير صلاة الفجر في أيام الصيام فليس من السنة، ليس من السنة أن تقصِّر؛ لكن قد يكون هناك عوارض تقتضي تقصير الصلاة، مثل: لو كان الوقت بارداً، والسماء ممطرة، والناس يُخشى أن يلحقهم البول والإدرار، ورأى الإمام من المصلحة أن يخفف حتى لا يشق على الناس؛ لكان هذا تخفيفاً عارضاً، والتخفيف العارض يقع حتى من الرسول ﵊، كان يدخل في الصلاة ﵊ وهو يريد أن يطيلها، فيسمع بكاء الصبي فيخففها ﵊ مراعاة لأمه.
والحمد لله رب العالمين.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 264
جلسات رمضانية لعام ١٤١١هـ[٧]
لقد فضل الله شهر رمضان على سائر الشهور، لكثرة اجتماع العبادات فيه، ففرض فيه الصيام، وأنزل القرآن، وشرع زكاة الفطر، والاعتكاف في مساجده سبحانه، ولذا فقد حقق الله تعالى لأمة محمد ﵊ انتصارات عظيمة في شهر رمضان كغزوة بدر وفتح مكة وغير ذلك من الانتصارات.
стр. 265
الفتوحات والشرائع التي وقعت في شهر رمضان
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإنه بمناسبة إقبال العشر الأواخر من شهر رمضان، والتي يمضي الناس أكثرَها في التهجد، فإن هذه الجلسة آخر جلسة في هذا العام، وذلك في ليلة الثلاثاء، الموافق للسابع عشر من شهر رمضان، عام: (١٤١١هـ) اليوم السابع عشر الذي كلما مر يتذكر المسلمون فيه انتصاراًَ عظيماً لرسول الله ﷺ وأصحابه، بل للأمة الإسلامية إلى يوم القيامة، انتصار الحق على الباطل، الانتصار الذي ارتفع به مجد الإسلام، وازداد المسلمون به إيماناً، ولم يكُ من الانتصارات التي لا يزداد بها المنتصرون إلا بطراً وعمىً عن الحق والعياذ بالله.
انتصار النبي ﷺ وأصحابه انتصاراً يزدادون به شكراً وعبادة ورجوعاً إلى الله لا رجوعاً إلى ما كانوا عليه من الفسق واللغو، كما يفعله من يفعله من هذه الأمة.
ولهذا يجب على الأمة الإسلامية إذا أزال الله عنها ما تكره أن تشكر الله على هذه النعمة، وأن تزداد عبادة وتقرباً إلى الله؛ لأنها إن لم تفعل فستُسلب عنها النعمة التي عادت إليها على وجه أشد وأنكى من الأول؛ لأن الله يقول في كتابه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [المؤمنون:٦٧-٧٧] أكبر من الأول: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون:٧٧] آيسون من كل خير والعياذ بالله.
فنسأل الله تعالى أن يهدي الأمة الإسلامية، وأن يردها رداً جميلاً، وأن يجعل لها مما جرى في الأيام الماضية القريبة عبرة وعظة يحملها على الرجوع إلى الله، وعلى تحكيم كتاب الله بين عباد الله، وعلى البُعد عن المجون والسرف والترف الذي منه يكون التلف.
стр. 266
غزوة بدر الكبرى
في هذا اليوم، وهو يوم بدر خرج النبي ﵊ من المدينة يريد عيراً لقريش، يعني: حمولة جاءت من الشام إلى مكة، يريد أن يأخذها ﵊؛ لأن قريشاً هي التي اعتدت عليه، فلا يقول قائل: كيف يخرج يأخذ أموال الناس؛ لأن أموال قريش غير محترمة بالنسبة للرسول ﵊ وأصحابه؛ حيث إنهم حرب للرسول ﵊ وأصحابه، والحربي دمه غير محترم، وماله غير محترم، وهم الذين أخرجوا النبي ﷺ وأصحابه من ديارهم.
فعلم كبير العير بخروج النبي ﷺ إليهم وهو أبو سفيان، وكان ذلك اليوم مشركاً، فأرسل إلى أهل مكة يستنجدهم ويستصرخهم يقول: أنقذوا عيركم فخرجوا، ولكنهم والعياذ بالله خرجوا أشَرَاًَ وبطراً ورئاء الناس، وخرجوا بكبرائهم لِمَا أراد الله ، خرجوا بكبرائهم ورؤسائهم، يريدون النبي ﷺ ، وجمع الله بينهم وبين رسوله ﷺ على غير ميعاد.
فالتقوا في بدر، وكانوا ما بين (١٩٠٠) ، والنبي ﷺ وأصحابه (٣٠٠) رجل وبضعة عشر رجلاً فقط، ومع ذلك ليس معهم إلا سبعون بعيراً وفرسان فقط؛ ولكن الله نصرهم على عدوهم.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢] الملائكة تثبت المؤمنين: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢] المؤمنون تثبيت، وهؤلاء رعب، والتثبيت يقتضي الثبات والمقاومة، والرعب يقتضي الخوف والهرب: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] يعني: لا تأتوا من أسفل، من فوق: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢] قال العلماء: يعني: كل البدن؛ حتى البنان الذي هو أطراف البدن يُضرب من قبل الملائكة.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:١٣] .
فانتصر المسلمون ولله الحمد، وقتلوا من قريش (٧٠) رجلاً، وأسروا (٧٠) رجلاً، قتلوا كبراءهم؛ أبا جهل، وغيره، حتى إنهم صاروا حول قُلُب بدر جثثاً مضى عليها الزمن، وانصهرت من الشمس، ووَرمت، وجيَّفت، فسُحب منهم (٢٤) رجلاً من أشراف قريش وأُلقوا في القَلِيب.
ثم إن النبي ﵊ أقام ثلاثة أيام في مكانه؛ لأن هذه من عادته ﵊ أنه إذا ظهر على قوم أقام في عرصتهم ثلاثة أيام، ثم ركب راحلته ووقف على القَلِيب، وجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! يكلمهم، يقول: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني ربي حقاً -الله أكبر! - قالوا: يا رسول الله! كيف تكلمهم وهم جيَف؟! قال: ما أنتم بأسْمَعَ لِمَا أقول منهم) يعني: أنهم يسمعون أكثر منكم، يوبخهم ﵊، ويا حسرتهم والعياذ بالله على هذا التوبيخ! ثم رجع النبي ﵊ غانماً معه الأسرى.
стр. 267
فتح مكة
وفي هذا الشهر أيضاً حصل فتح مكة؛ لكنه في العشرين من هذا الشهر، فتح مكة أم القرى، التي كانت مملوءة شركاً وكفراً، ففُتِحت ولله الحمد، فصار بدل الكفر إيمان، وبدل الشرك توحيد ولله الحمد، وجعل النبي ﵊ يطعن الأصنام التي أقيمت حول الكعبة ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، وجعلت تتهاوى ولله الحمد.
وهذا الشهر الكريم فيه عبادات الصيام والقيام، وقد تكلمنا عليهما، والزكاة كما هو الغالب عند كثير من المسلمين يخرجونها في هذا الشهر، وتكلمنا على ما شاء الله منها.
стр. 268
مشروعية الاعتكاف في رمضان
وفيه أيضاً: الاعتكاف: الاعتكاف من العكوف، وهو: لزوم الشيء، كما قال إبراهيم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] فهو: لزوم المساجد لطاعة الله، حتى يتفرغ الإنسان للعبادة، وينقطع من الدنيا، ويقبل على ربه.
وأصل مشروعية الاعتكاف من أجل طلب ليلة القدر، انظر الليلة العظيمة! من أجل طلبها.
اعتكف النبي ﵊ العشر الأول يعني: أول الشهر، ثم اعتكف العشر الأاوسط، يترجاها، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر، وأُرِيَ في المنام أنه يسجد في صبيحتها على الماء والطين.
فلما تمت العشرون الأولى أَخبر النبي ﵊ أصحابه أنه أُرِيَ ليلةَ القدر، وأنه رأى في المنام أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، وكان هذا الصبح (٢٠) ، قال: (من كان منكم معتكفاً فليعتكف العشر الأواخر) لأنه ما جاءت الليلة هذه التي رآها في المنام، فلما كان ليلة (٢١) أمطرت السماء، وكان مسجد النبي ﵊ من عريش، وهو الذي يسميه الناس: (عِشَّة) .
فلما أمطرت السماء، وَكَفَ المسجدُ، وخَرَّ المطر على الأرض، وصارت الأرض طيناً، فلما صلى النبي ﵊ الصبح سجد على الماء والطين، ليلة (٢١) .
فاعتكف النبي ﵊ العشر الأواخر كلها.
فهذا هو أصل مشروعية الاعتكاف، ولهذا لا يُسن الاعتكاف إلا في رمضان في العشر الأواخر منه، طلباً لليلة القدر، وما ذكره بعض الفقهاء من أنه يُسن للإنسان أن يعتكف كل وقت، وأنه يُسن إذا دخل المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه، فإنه قول عارٍ عن الدليل، أين النبي ﷺ من هذا؟ لم يعتكف في حياته في غير رمضان إلا مرة اعتكف في شوال؛ لأنه ترك الاعتكاف في رمضان، لما أراد أن يعتكف خرج وإذا نساؤه قد ضربن أخبية، يردن الاعتكاف، فقال النبي ﵊: (آلْبِرَّ يُرِدْنَ؟!) يعني: هل هنَّ يُرِدْنَ البِرَّ، يقُمْن يعتَكِفْنَ؟! أو من أجل كل واحدة تنظر للثانية، وتسوِّي الخباء مثلها؟! ثم أَمَر بالأخبية فنُقضت، ثم ترك الاعتكاف تلك السنة، ما اعتكف ﵊، ثم قضاه في شوال، ولم يعتكف أبداً في غير رمضان.
إذاً: نقول لا يُسن للإنسان أن يعتكف في غير رمضان، بل لا يُسن أن يعتكف إلا في العشر الأواخر من رمضان، فيلزم المسجد للعبادة من صلاة وقراءة وذكر وغير ذلك، ولا يخرج منه إلا لما لابد له منه، مثل: لو لم يكن في المسجد ميْضأة يخرج يتوضأ، وليس فيه مرحاض فيخرج يقضي حاجته، يحتاج إلى مراجعة الطبيب يخرج، وإلاَّ فيبقى في المسجد؛ لكن لا بأس أن يكلم أحداً من خارج المسجد، وهو في داخل المسجد، ويخرج رأسه إليه؛ لأن النبي ﷺ كان يعتكف في مسجده، ويخرج رأسه إلى عائشة ترجِّله؛ لأنه ﵊ كان يتخذ الشعر، حيث إنه في ذلك الوقت كان عادة الناس.
هذا مما يُسن في العشر الأواخر؛ الاعتكاف.
ويجب أن يكون الاعتكاف في مسجد تُصلى فيه الجماعة، والأفضل أن يكون في الجامع؛ لئلا يحتاج إلى الخروج من المسجد للجمعة؛ إلا من كان إماماً أو مؤذناً في مسجد فإنه لا يجوز أن يعتكف في الجامع؛ لأنه إذا اعتكف في الجامع أهمل واجباً عليه وهو: الإمامة، والأذان، ومعلوم أن القيام بالواجب أحق من القيام بالسنة، خلافاً لما يظن بعض الناس الذين ليس عندهم فقه، تجدهم يحرصون على السنة ويهملون الواجب، يتركون ما أوجب الله عليهم من الوفاء به، من التزام الإمامة والأذان، ويذهبون إلى الشيء المستحب، هذا خطأ، هذا كالذي يعمر قصراً ويهدم مصراً.
قال أهل العلم: ولا بأس أن يزوره أحد من أهله أو من أصدقائه، ويتحدثون إليه يسيراً، كما حصل ذلك من رسول الله ﷺ ؛ حيث جاءته امرأته صفية بنت حيي في ليلة من الليالي، وتحدثت معه ساعة، ثم انقلبت.
وفي هذه العشر الأواخر استحباب التهجُّد كل الليل إذا أمكن؛ لأن النبي ﷺ إذا دخل العشر الأواخر أيقظ أهله, وشد المئزر، وأحيا الليل، وأيقظ أهله، ولم يكن يوقظهم في العشر الأواسط، ولا الأول، يوقظهم للتهجد في العشر الأواخر؛ لأن العشر الأواخر تُرجى فيها ليلة القدر؛ ليلة القدر التي من قامها إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، فينبغي للإنسان أن يحيي الليل كله بالتهجُّد إذا أمكن.
واعلم أن الاشتغال للعبادة في مقدمات العبادة تابع للعبادة، فإذا قام الإنسان وتوضأ ومشى إلى المسجد، فكل هذا يعتبر تابعاً للعبادة، فهو من العبادة.
وهذا التهجد ليس محصوراً في عدد معين على وجه الوجوب، يعني: معناه لا يجب أن نقتصر على (١١) ركعة، لنا أن نزيد إلى (١٣) ، إلى (١٥) ركعة، إلى أكثر من ذلك؛ حسب نشاطنا وقوتنا؛ لأن النبي ﷺ لم يحدد وإن كان هو بنفسه لم يزد على (١١) ، أو (١٣) ركعة؛ لكن لم يحدد، ما قال للناس: لا تزيدوا على هذا، بل سأله رجل قال: (يا رسول الله! ما ترى في صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة أوترت له ما قد صلَّى) فهذا الرجل لا يعرف كيف صلاة الليل، فكيف يعرف قدرها؟ فأخبره النبي ﵇ بالكيفية ولم يخبره بالكمية، يعني: بالقدر، فدلَّ هذا على أن القدر موكول للإنسان، أحياناً يرغب الإنسان أن يطيل القراءة والركوع والسجود ويقلل العدد، وأحياناً يرغب أن يخفف القراءة والركوع والسجود ويكثر العدد، والأمر في هذا كله واسع ولله الحمد، ليس شيءٌ منه واجباً، بل هو على حسب راحة الإنسان، وعلى حسب نشاطه.
стр. 269
مشروعية زكاة الفطر
وينبغي في هذه العشر في آخرها -بل يجب- دفع صدقة الفطر، وهي صاع من طعام، أي طعام كان، وأطعمتنا اليوم هي: الأرز، والبُر، والتمر، والمكرونة.
والواجب صاع من الطعام؛ لكن المكرونة فيها شيء من جنس المصران، يعني: مجوفة، هذه لا تعتبر بالكيل؛ لأن الكيل سيكون نصف الصاع فضاء، ولكن تعتبر بالوزن، الوزن قال العلماء: إن المعتبر البُر الرزين وهو البُر الجيد وليس البر الخفيف.
فإذا اتخذ الإنسان من هذا مكيالاً يسع ما قدره العلماء من البُر الرزين، فهذا هو الصاع، وقد سَبَرْنا ذلك ووجدنا أن الصاع النبوي بالنسبة للصاع المعروف عندنا هنا في عنيزة أربعة أخماس، بل إن الصاع الموجود عندنا يزيد بعض الشيء.
وبناءً على ذلك فإذا كان صاع النبي ﷺ (٤) أمداد نبوية، فصاعنا الآن كم؟ (٥) أمداد نبوية، فإذا أخرج الإنسان أربعة أخماس صاع بصاعنا الموجود، فقد أخرج الفطرة كاملة، والفطرة: صاع من البُر، أو التمر، أو الأرز، صاع من هذه الأطعمة لا فرق بين أن تكون القيمة متفقة أو مختلفة، ولذلك قدرها النبي ﵊ صاعاً من طعام، قال أبو سعيد: [وكان الطعام يومئذِ: التمر، والشعير، والزبيب، والأقط] مع أن هذه الأربعة مختلفة القيمة؛ لكن لا عبرة فيه.
ولهذا كان القول الصحيح الراجح الذي لا شك فيه عندنا أن إخراج القيمة في زكاة الفطر لا يجزئ، وإخراج الفرش والملابس لا يجزئ، لابد أن تكون من طعام؛ كما فرضها النبي ﵊ قال ابن عمر ﵄: (فرض النبي ﵊ زكاة الفطر: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير) وكان الشعير في ذلك الوقت طعاماً لهم، كالتمر.
وهذه الفطرة أفضل وقت في إخراجها صباح العيد قبل الصلاة، هذا أفضل شيء، ويجوز قبل ذلك بيوم أو يومين، لا أكثر، ولا يجوز أن تؤخر لما بعد الصلاة، فإن أخرتها بعد الصلاة بدون عذر فهي صدقة، ولا تُقبَل منك زكاةً، بل تكون صدقة من الصدقات، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 270
أعمال الإنسان الموفق وأعمال الإنسان الغافل
أما بقية الخمس دقائق فإننا نتكلم فيها على موعظة ينبغي للإنسان أن ينتبه؛ لأن مواسم الخيرات أوقات ربح للإنسان الموفق، فالموفق ينتهزها بالعمل الصالح المقرب إلى الله ، ولاسيما في رمضان، فيجتهد في أداء الصلاة فريضةً، وبالتطوع، وبالزكاة إذا كان الحول قد تَمَّ، وبالصدقة، وببر الوالدين، والإحسان إلى الخلق، وصلة الرحم والجيران والأيتام وغير ذلك، ويتمرن في هذا الشهر على العبادة، وعلى مكارم الأخلاق والإقبال على الله، وما هي إلا أيام وليالٍ معدودة، ثم تنتهي وتزول، نحن الآن في الليلة السابعة عشر، ولو سألنا سائل: كم نقدر المدة التي مضت؟ نقول: كأنها أمس، كأنها لحظات.
إذاً: فاعتبر المستقبل في الماضي، فكما أن الماضي مضى سريعاً، فالمستقبل سوف يمضي سريعاً، فأنت انتهز الفرصة، ولا تضيع الوقت، والإنسان الموفق -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم موفقين- هو الذي يتخذ من عاداته عبادات، والغافل هو الذي يجعل عباداته عادات، الغافل يجيء مثلاً: يقوم يتوضأ ويصلي على العادة، ويتناول الطعام والشراب واللباس أيضاً على العادة.
أما الإنسان الموفق فهو الذي يجعل العبادات عبادات، يشعر بأنه يتقرب إلى الله، وكذلك يحتسب الأجر، وأنها ستكون ذخراً له؛ يعني: سلفاً مقدماً: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة:٢٤٥] الأعمال الصالحة هي في الحقيقة سلف، دراهم تقدمها لتأخذها مضاعفة: (الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة) الإنسان العاقل يشعر بأن الأمور العادية يمكن أن تكون عبادات، الأكل والشرب نحن نتناوله على أنه شهية لنفوسنا من طبيعتنا، لكن الموفق يمكن أن يجعل هذا الأكل والشرب عبادة، مثلاً: في السحور، كلنا نجلس على مائدة السحور، نعم، هل نشعر ونحن نأكل السحور بأن النبي ﵊ يقول: (تسحروا فإن في السحور بركة) ؟! إلا من شاء الله وهم قليل.
إذاًَ: إذا جلست على السحور تذكر: أولاً: أمر النبي ﵊ في قوله: (تسحروا) .
ثانياً: سنته، أنه هو نفسه ﷺ كان يتسحَّر، فكأنه أمامك يتسحر وأنت تقتدي به.
ثالثاً: رجاء بركة هذا السحور؛ لأن النبي ﵊ يقول: (فإن في السحور بركة) .
هذه الأمور الثلاثة، ما ندري هل نحن نشعر بها عند التناول للسحور أو لا؟! أو نأكل السحور بنية دنيَّة؛ من أجل أن نستعين به على الصوم، أكثر الناس هكذا يبيتون في السحور، لأجل يتقوَّون على الصوم، ولهذا إذا كان في أيام الصيف الشديد الحرارة، الطويل النهار، ملأ بطنه من الماء حتى يكون كالقربة، من أجل ألا يعطش.
لكن الإنسان الموفق يلاحظ الأمور الثلاثة التي ذكرناها، وهذا يأتي بالتبعية.
في الإفطار نتناول الإفطار؛ لأن الطبيعة تقتضي ذلك وتطلبه، فنأكله تمتعاً وتلذذاً؛ لكن هل نحن نشعر بأن الرسول ﵊ يقول: (إذا أفطر أحدكم فليفطر على رُطَب، فإن لم يجد فعلى تمر، فإن يجد فعلى ماء) هل نشعر بهذا؟! وأننا نفطر امتثالاً لأمر الرسول ﵊؟! أو نشعر بأننا نفطر ونبادر بالفطور رجاء الخير؛ لأن النبي ﵊ يقول: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) ؟ احرص أن تكون مائدة الإفطار عندك وقت الأذان، من أجل أن تبادر، فلا يؤذن وأنت بعيد عن الأكل، إن أذن وأنت بعيد عن الأكل ربما يفوتك الخير، بادر بالأكل: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) .
وفي الأثر أن الله تعالى يقول: (أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطراً) .
إذاً: انظر! العبادات عند الغافل عادات، والعادات عند العاقل عبادات.
كلنا يلبس الثياب عند الصلاة، وعند الخروج إلى السوق، هل نحن نشعر بلباسنا عند الصلاة أننا ممتثلون قول الله : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] عندنا مثلاً ومن عاداتنا أننا نغطي الرأس بالزينة، يعني: الواحد منا يلبس غترة وشماغاً، فهل إذا أراد أن يصلي يحرص على لباس الغترة والشماغ وجميع اللباس وإلاَّ لا؟! نعم؛ لأن الله يقول: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف:٣١] ؛ لكن لو كنا في بلد اعتادوا ألا يلبسوا اللباس فوق الرأس، صار كشف الرأس عندهم لا نقص فيه، ولا ينقص الصلاة شيئاً؛ لماذا؟ لأن الزينة لا تتناوله.
فالزينة في كل موضع بحسبه، إي نعم.
مداخلة: هل لبس (المشلح) زينة يا شيخ؟ الشيخ: لا، لبس (المشالح) الآن بدأت تَخِفُّ، كان الناس من قبل يلبسون (المشالح) كثيراً، حتى صغار السن، الواحد له (١٣) سنة، (١٤) سنة يشتري له أبوه (مشلحاً) ، ويرى أن هذا فخراً، الآن صار الأمر بالعكس، تأتي المسجد وما تجد فيه إلاَّ إن وجدتَ واحداً، أو اثنين، وحتى أيضاً الموجودون يلفتون النظر.
على كل حال، كل شيء بحسبه.
فالخلاصة: أنه ينبغي أننا نختم هذا الشهر بكثرة الأعمال الصالحة والرجوع إلى الله، واسألوا الله تعالى الثبات، والقبول، واغتنام الفرصة.
والله الموفق.
стр. 271
الأسئلة
стр. 272
نصيحة في منع النساء من النزول إلى الأسواق في ليالي رمضان
السؤال
أمر مهم وخطير نشاهده في العشر الأواخر من رمضان، وهو كثرة نزول النساء إلى السوق لشراء ملابس العيد؛ لكن الطامة الكبرى أنه ينقلب الليل نهاراً، وموسم العبادة والتجارة مع الله إلى موسم تجارة مع الخلق، مع أنه يمكن النزول في النهار، فما نصيحتكم للنساء وللرجال؟ وما تعليقكم على هذا؟
الجواب
نصيحتي لهؤلاء النساء وأوليائهنَّ: أن يتقوا الله في هذه الليالي المباركة التي يُرجى فيها الأجر، فإن نزول النساء إلى الأسواق، ولا سيما أن بعض النساء تنزل على وجه فيه فتنة -والعياذ بالله- من الطيب واللباس الجميل، والحركات التي تثير الشهوة، فنصيحتي لهؤلاء أن يمنعوا نساءهم منعاً باتاً من النزول في الليل، وأن كل واحد منهم يقول لكل واحدة من النساء: أي حاجة تريدينها أطلبيها مني وأنا آتي بها، أو أنزل أنا وإياكِ بالنهار.
أما بالليل فعليهم أن يريحوا الخلق من الفتنة؛ لأنه كثيراً ما تثار الشهوة إلا من هذه المسألة.
ومعلوم أن مزاحمة المرأة للرجال من الأشياء المحرمة، حتى إن المرأة في المسجد يُندب لها أن تكون بعيدة عن الرجال، خير صفوف النساء آخرها، بل إن المرأة لا مكان لها في صف الرجال، تصلي وحدها خلف الصف، كله من أجل أن لا تقرب من الرجل، بينما لو جاء رجل يصلي في مكانها لكانت صلاته باطلة؛ لأن الرجل لا يقوم خلف الصف وحده إلا لعذر، أما هي لا تقوم في الصف، تكون خلف الصف، كل ذلك من أجل البعد عن الفتنة.
وأرى من الواجب على الرجال أن يمنعوا النساء من النزول في ليالي العشر، حفظاً لهنَّ، وحفظاً للشباب الذين يتجولون في هذه الأسواق.
стр. 273
حكم قضاء الاعتكاف الفائت في رمضان
السؤال
ذكرتَ في أثناء الكلام عن الاعتكاف أن النبي ﷺ ترك الاعتكاف سنة، وقضاه في شوال، فهل يُسن قضاء الاعتكاف مطلقاً؟ أو يجب قضاؤه وجوباً؟ أرجو التفصيل في ذلك؟
الجواب
ليس بواجب أن يُقضى الاعتكاف؛ لأنه سنة، والسنة إن شاء الإنسان فعلها وإن شاء تركها.
وأما قضاؤه لمن فاته فإن الأصل في فعل النبي ﷺ التأسي، فإذا كان من عادة الإنسان أن يعتكف وترك الاعتكاف في رمضان لعذر، وقضاه في شوال، فله قدوة وأسوة وهو الرسول ﵊.
وقد يقول قائل: إن قضاء النبي ﷺ الاعتكاف في شوال لئلا تظن الأمة أن استحبابه نُسِخ من أجل فعل نساء النبي ﵊، كما أن العلم بليلة القدر نُسِخ من أجل تلاحِي رجلين من أصحاب النبي ﵊، فإن النبي ﵊ خرج ذات يوم ليخبر أصحابه أن ليلة القدر في تلك السنة في الليلة المعينة، فتلاحى رجلان، يعني: تخاصما، فرُفِعت، فيمكن أن يقول قائل: إن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال لما لم يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ لئلا تظن الأمة أن الاعتكاف نُسِخ، لا من أجل التشريع؛ لكن الأصل المشروعية.
стр. 274
حكم اعتكاف النساء في المساجد
السؤال
ما حكم اعتكاف النساء في المساجد الخاصة بهن؟ وهل يجوز لها أن تعتكف مع زوجها في المسجد إذا كان هناك خباء لهما؟ وإذا كان لا يجوز في الحالتين فهل للنساء نصيب في الاعتكاف؟ أرجو بيان ذلك، وجزاك الله خيراً.
الجواب
أما اعتكاف المرأة في بيتها فليس بشيء كما نص عليه العلماء؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] .
وأما اعتكافها في المسجد مع زوجها فهذا يمكن، مثل أن تكون حجرة الزوج في المسجد داخل المسجد، وتعتبر من المسجد فإن الاعتكاف ممكن من الزوج وزوجته في هذه الحجرة.
وأما صنع الأخبية لهنَّ في وسط المساجد في عصرنا الحاضر ففيه تضييق على الناس، وربما يكون فيه فتنة تربو مفسدتها على مصلحة الاعتكاف.
стр. 275
القيام ببر الوالدين أعظم من الاعتكاف في الحرم
السؤال
أيهما أفضل لمن أراد الاعتكاف في المسجد الحرام: أن يعتكف، أم يقوم بشأن والديه بالذهاب بهما للحرم وإرجاعهما للمنزل طيلة ليالي العشر؟
الجواب
الأفضل له أن يقوم بشئون والديه؛ لأن بر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيل الله، قال النبي ﵊ حين سأله عبد الله بن مسعود، قال: (يا رسول الله! أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها؟ قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: بِر الوالدين، قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله) فبر الوالدين لا شك أفضل من الاعتكاف، فإذا كان والداه محتاجَين له فإن الأفضل القيام بحاجتهما سواء في مكة أو في بلدهما.
стр. 276
جواز الخروج من المعتكف للحاجة
السؤال
إذا أردتُ الاعتكاف في المسجد الحرام، فهل يجوز لي أن أذهب لكي أشتري طعاماً، خصوصاً وأني لا أجد من يحضر لي طعاماً؟ ومتى تنتهي مدة الاعتكاف إذا كانت في العشر الأواخر؟
الجواب
نعم، يجوز للمعتكف إذا لم يكن له أحد يأتيه بأكله وشربه أن يخرج ويأكل ويشرب ثم يرجع؛ لأن هذه حاجة لا بد منها.
وأما متى ينتهي الاعتكاف فإنه ينتهي بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ لأن رمضان ينتهي بغروب الشمس من آخر يوم من أيامه، والاعتكاف إنما يُشرع في رمضان، فإذا انتهى رمضان انتهى زمن الاعتكاف، وعلى هذا فإذا خرج الإنسان من المسجد بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان إلى بيته، فإنه يعتبر قد اعتكف العشر الأواخر.
стр. 277
أقسام الفقراء الذين يسألون الناس
السؤال
يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] فكثيراً ما نوافق من يسألون في أبواب المساجد أو في الحرم، وقد يكون جلوسهم وسؤالهم بشكل دائم قد اعتادوا عليه، فهل من المستحب أن نعطيهم لنحقق ترغيب الله في ذلك؟ أرجو التفصيل في ذلك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الجواب
أولاً: لابد أن نعرف من هو المحروم؛ لأن كثيراً من العامة يفسرون المحروم بغير معناه الصحيح، كثير من العامة يفسرون المحروم بأنه البخيل الذي حرمه الله من الانتفاع بماله، وليس كذلك؛ وإنما المحروم من حرمه الله المال، وهو الفقير، والسائل: يشمل السائل لفقره، والسائل لحاجة؛ لأن السؤال مِن الناس مَن يسأل لحاجته، ومنهم من يسأل لضرورته، ومنهم من يسأل تكثُّراًَ، ومنهم من يسأل مرضاً والعياذ بالله، فيه مرض يحب السؤال.
فالذين لهم حق هم الذين يسألون لضرورتهم، يعني: إذا علمتَ بأن هذا السائل في ضرورة إلى ما سأل تعرف حاله تماماً، أو لحاجته، إذا عرفت أن هذا يحتاج، ليس هو في ضرورة يعني: أكله وشربه ولباسه وسكنه موجود؛ لكن يحتاج إلى ما يحتاج الناس إليه مثل وقتنا الحاضر: الثلاجة، والمروحة، والمكيف، هذا ليس ضرورياً؛ لكنه حاجة لا شك، فإذا سأل لحاجته وأنا أعرف فإنه يُشرع لي أن أعطيه.
أما إذا سأل تكثُّراً فقد قال النبي ﵊: (من سأل الناس أموالهم تكثُّراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر) فإذا عرفت أن هذا الرجل يسأل تكثُّراً؛ لأني أعرف أنه غني؛ فإنني لا أعطيه، بل إن من حقه عليَّ أن أنصحه، وأن أقول له: اتقِ الله، فإن المسألة كَدٌّ يُكَدُّ بها وجه الرجل، حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم، أنصحه؛ لأنني لو أعطيته في هذه الحال لأغريتُه، وشجَّعتُه على أن يسأل بدون حاجة.
فهنا لا نعطيه، بل ننصحه؛ لأنه معتدٍ بسؤاله، والسؤال حرام عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] .
كذلك أيضاً من كان سؤاله مرضاً؛ لأن بعض الناس يحب السؤال، فهو مريض، هذا أيضاً هل الأحسن أن نتابع مرضه، ونأخذ به، أو الأحسن أن نحاول القضاء على مرضه؟ الثاني لا شك.
إذاً: فلنحاول القضاء على المرض، وننصحه، ونقول: هذا لا ينبغي، بل هذا حرام عليك أن تسأل بغير حاجة.
هذه مواقفنا مع هؤلاء السُّؤَّال.
ومن السائلين -والعياذ بالله- من يظهر بمظهر المصاب بعاهة، فتجده لا يتكلم، مع أنه إذا خرج من المسجد صار قس بن ساعدة، يعني: خطيباً مُصْقعاً؛ لكنه في المسجد لا يتكلم، يؤشر إشارة، أو يأتي بأصوات غريبة، ولقد جاء في هذا المسجد رجل منذ سنوات صلى معنا المغرب، وصار يسأل الناس وهو محدق إلى الأرض، كأن في ظهره وجع، لا يستطيع أن يرفع ظهره، ويظهر للناس بهذا المظهر، من صلاة المغرب، وجاء الدرس، وانتهى الدرس، والرجل هكذا محدودب إلى الأرض، جالس ونحن نتوجع له، مسكين! ما يستطيع يرفع ظهره، وإلى أن أقيمت صلاة العشاء، وصلى العشاء، وتفرق الناس وهو على هذه الحال، سبحان الله! يعطيه الله جلداً على هذه الحال! وأقسم لي رجل صدوق ثقة قال: هذا الرجل الذي رأيناه البارحة والله إنه ليقفز قفز الغزلان في الحائط، يقول: رأيته أنا بعيني.
فيوجد بعض الناس والعياذ بالله عنده مرض السؤال، هذا لا ينبغي أن نساعده، بل الذي ينبغي أن ننصحه؛ حتى يتخلص من هذا المرض.
стр. 278
وجوب إخراج زكاة الفطر طعاماً
السؤال
ذكرتُم أنه لا يجوز أن تُخرج زكاة الفطر نقداً، فإذا طَلب ذلك ولي الأمر فهل يُطاع؟
الجواب
لا.
لا يُطاع؛ بمعنى: أنه لا تبرأ الذمة بدفعها؛ ولكن يُعطى ولي الأمر ما طلب؛ لئلا ننابذه، فإن الرسول ﵊ يقول: (اسمع وأطِع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) .
والأحوط للإنسان، والأبرأ لذمته أن يُخرجها من الطعام؛ لأنه قادر عليه.
ونظير ذلك: أن يقول ولي الأمر: لا أحد يصلي بطهارة، هل يُطاع؟ لا.
ما يُطاع، حتى لو صلى الإنسان بغير طهارة ما قُبِِلت منه؛ ولا يجوز أن يُطاع أحدٌ في معصية الله.
فالأحوط بلا شك لهذا الذي يجبره ولي الأمر أن يسلم زكاة الفطر دراهم أن يخرجها من الطعام، وينوي بهذه الدراهم التي أعطاها امتثال أمر النبي ﵊ في السمع والطاعة.
стр. 279
حكم الجهل بصيغة التشهد
السؤال
امرأة كبيرة في السن تصلي ولله الحمد؛ ولكنها تقول بأنها لا تعرف أن تقرأ إلا التحيات لله والصلوات والطيبات فقط، فتقول: فما الحكم في ذلك؟ وهل تصح صلاتها أم لا؟
الجواب
إذا كانت لا تعرف من التحيات إلا هذه الكلمات الأربع: التحيات لله والصلوات والطيبات، فإنها ما عجزت عنه يسقط عنها، لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .
والتحيات لا نعلم لها بدلاً، الفاتحة إذا عجز الإنسان عنها ولم يحفظ، قلنا له: اقرأ ما سواها من القرآن بقدر الفاتحة، وإذا قال: لا يعرف شيئاً من القرآن، قلنا: سبِّح، واحمَد، وهلِّل، وكبِّر بمقدار الفاتحة، ثم اركع، أما التشهد فلا بدل له، فإذا كانت لا تعرف إلا هذه الأربع يسقط عنها، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .
стр. 280
ما ينبغي فعله يوم العيد وليلة العيد
السؤال
ماذا يفعل المسلم في ليلة العيد ويوم العيد، خاصة وأن الناس قد اعتادوا في هذه الأيام أن يخرجوا إلى الأسواق والمنتزهات؟
الجواب
ليلة العيد كغيرها من الليالي يعني: ينبغي للإنسان أن يستغلها بما ينفعه عند الله ، ومن ذلك: كثرة التكبير، والتحميد، والتهليل: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
وأما الخروج إلى المنتزهات إذا كان خروجاً نزيهاً ليس فيه تبرج النساء، ولا اختلاط بهن فإنه لا بأس به؛ لأن الأصل الحِل، وإن كانت الحال الأولى أحسن، وهي أن نستغلها بطاعة الله ؛ لكن الشيء الذي لم تدل الشريعة على تحريمه الأصل فيه الحِل.
ولكن يجب أن نلاحظ شيئاً آخر، وهو: ألا نتخذ من هذا التنزُّه أذية؛ لأنه أحياناً يحصل أذية إما بالسيارات، وإما بالدراجات الهوائية، فبعض الناس يتجول في الأسواق بالسيارات ويُفَحِّط، ويستخدم بوق السيارة المزعج، أو يكونون صغاراً معهم دراجات هوائية يؤذون بها الناس، ويعرضون أنفسهم لخطر السيارات، وشر من ذلك أيضاًَ: ما يفعله بعض الناس من المفرقعات، الذين يشغلون الناس بها ليلاًَ ونهاراً، ما يكفيهم أن يقتصروا على ليلة العيد حتى يعلم الناس أنه عيد، قد علموا أنها عيد بدون مفرقعاتهم؛ لكن هم يقولون: نحن نفعل هذا من أجل أن يعرف الناس أنه عيد، وهم لا يقصدون هذا، فهم إلى قبل البارحة، وهم يضربون هذه المفرقعات للإخبار بدخول شهر رمضان، وهو قد شارف على الانتهاء الآن، سبحان الله!
стр. 281
مشروعية الاعتكاف في رمضان دون غيره
السؤال
إذا كان النبي ﷺ يصلي من الليل (١١) و (١٣) ولم يزد عليها، ولكنه لم يحدد عدد ركعات صلاة الليل، أليس في اعتكافه في رمضان عدم تحديد لزمن الاعتكاف أيضاً؟ فإذا كان ليس كذلك فمن أين أخذنا تحديد زمن الاعتكاف؟
الجواب
نحن أخذنا عدم تحديد ركعات الصلاة من جواب الرسول ﵊.
أما الاعتكاف فإنه لم يشرعه النبي ﵊ إلا في رمضان، وقد بيَّن أنه اعتكف من أجل ليلة القدر، ومن المعلوم أن ليلة القدر لا تكون في غير رمضان، فإن ليلة القدر قطعاً في رمضان لقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] فالقرآن أُنزِل في رمضان، وفي أي ليلة؟ في ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] .
فإذا أخذنا بالدليل الأول والثاني تعيَّن أن تكون ليلة القدر في رمضان، والرسول ﵊ إنما اعتكف طلباً وابتغاءً لليلة القدر.
стр. 282
الجمع بين الأدلة في مسألة سماع الموتى
السؤال
سمعنا في أول الدرس أن رسول الله ﷺ كان ينادي أهل القَلِيب في بدر، وأخبر أنهم يسمعون، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] ؟
الجواب
الجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن كثيراً من المفسرين قال: إن معنى قوله: ﴿لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] يعني: أن الميت لا يسمع دعاء الحي، فلو أنك أتيت إلى جثة إنسان، وقلت: يا فلان! اتقِ الله، اترك المعاصي، واعمل بالطاعات، هل يسمع؟ ما يسمع.
وقالوا: المراد بالسمع: سمع الإجابة، يعني: أنك مهما قلتَ للميت لم يسمع سمع إجابة.
فكذلك هؤلاء الذين دعوتَهم هم بمنزلة الأموات، لن يستجيبوا، وهذا القول أصلح.
القول الثاني: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] : يعني: لو ذهبت إلى المقبرة تدعوهم، ما أسمعتهم.
فإذا كان كذلك فهذا العموم مخصوص لأهل بدر، ومخصوص أيضاً، بأهل قَلِيب بدر، ومخصوص بالإنسان عند موته إذا دُفن، فإن الإنسان إذا دُفن وانصرف عنه أصحابه يسمع قرع نعالهم وهم ذاهبون عنه.
стр. 283
جواز إخراج الوالد الزكاة عن أولاده وأولاد أولاده
السؤال
هل يحق لوالدي أن يخرج زكاة الفطر عني وزوجتي وأولادي، علماًَ أني في منزلٍ مستقل وقادر على أن أخرجها؟ فما حكم إخراجها عني من قِبَل والدي؟
الجواب
زكاة الفطر واجبة على الإنسان نفسه، لقول ابن عمر: (فرض النبي ﷺ زكاة الفطر على الحر، والعبد، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير من المسلمين) كل إنسان تجب عليه الفطرة بنفسه؛ لكن إذا أخرجها ولي الأمر عن نفسه وعمَّن تحت ولايته فلا بأس، فإن ابن عمر ﵁ كان يخرجها عن نفسه وعن من يَمُونُهم.
فإذا أخرجها الإنسان عنه وعن أهل بيته وعن أولاده ولو كانوا في مكان آخر ورضوا بذلك فلا حرج، بل قد يكون في هذا بر لوالديه؛ لأن بعض الآباء لو قال له الابن: يا أبتِ! أنا أريد أن أخرج زكاة الفطر لنفسي، ربما يغضب، ويقول: أتراني عاجز؟! أنا من يوم وأنت صغير وأنا الذي أخرج زكاتك، واليوم تجيء وتقول: أنا سأخرج زكاتي لنفسي؟! يعني: بعض الآباء ما عنده فهم، فإذا رأى الولد أن من أسباب رضا والده أن يمكنه من دفع الزكاة فلا بأس، وإلا فالأصل أن الزكاة واجبة على كل إنسان بنفسه.
стр. 284
استحباب ذكر الدعاء على الصفا والمروة في كل شوط
السؤال
في العمرة هل نقول الدعاء على الصفا والمروة في كل شوط، أو في الشوط الأول فقط؟
الجواب
الدعاء الذي على الصفا والمروة الذي هو: التكبير، وقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده, وهزم الأحزاب وحده) يقال في كل مرة، كلَّما صعدتَ على الصفا وصعدتَ على المروة فإنك تقوله.
أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] فإنها لا تقال إلا مرة واحدة إذا دنا الإنسان من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ لا إذا صعد عليه، بل قبل أن يصعد، ولا يكرره مرة ثانية، ولا يقوله عند المروة، خلافاً لما يفعله العامة الآن يقرءون هذه الآية كلما صعدوا الصفا وكلما صعدوا المروة، وهذا جهل منهم، وطلبة العلم عليهم مسئولية في هذا، إذا سمعوا أحداً يقول هذا الكلام وهو يعرفه، ويؤخذ بقوله، قالوا له: هذا غير مشروع، فسينتفع؛ لكن بعض الناس ممن لا يعرفك لو قلت: هذا غير مشروع أقام عليك الدنيا، وكيف ما هو مشروع؟! هذا موجود في المنسَك.
والقرآن أيضاً.
كالذين يقولون: إذا انتهيت من القراءة قُل: صدق الله العظيم، هذا غير مشروع، ما كان الرسول ﵊ إذا انتهى من القراءة يقول: صدق الله العظيم، قال: أعوذ بالله! أنت ما تقرأ القرآن؟! أليس الله يقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] ؟! نعم، يعرف كيف يستدل؛ لكنه أعمى، ما يستدل بدليل واضح في المسألة.
قال الله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ يعني: إذا كمَّلت القراءة؟! لا، نحن نقول: صدق الله، والذي لا يقول ذلك ليس بمؤمن، لكن هل هو مشروع كلما توقفتَ عن القراءة تقول: صدق الله؟! لا، غير مشروع.
стр. 285
جواز الخروج من الحرم بنية الرجوع من غير طواف وداع وسنية ركعتي طواف الوداع
السؤال
إذا أراد معتمر أن يخرج إلى جدة لاستقبال زملائه في المطار، فهل عند خروجه من مكة عليه طواف وداع، مع العلم أنه سيرجع بعد عدة ساعات، في نفس اليوم؟ وهل لطواف الوداع ركعتين بعده؟
الجواب
أما الشق الأول من السؤال: فليس عليه طواف وداع؛ لأن الرجل خرج وسيرجع، ولهذا لما خرج الصحابة إلى منى في الحج لم يطوفوا للوداع، مع أنهم خرجوا إلى الحِل، فإن عرفة من الحِل، فإذا خرج الإنسان من مكة ونيته أن يرجع فلا وداع عليه.
وأما الشق الثاني وهو: صلاة ركعتين بعد طواف الوداع، فإن أهل العلم يقولون: كل طواف فإنه مشفوع بركعتين سنة، والنبي ﵊ لما طاف للوداع في حجه صلى بعده صلاة الفجر، ثم ركب، ولهذا لو أن إنساناً اقتصر بعد الطواف على صلاة فريضة فإنها تجزئه عن صلاة الركعتين؛ لأن المقصود أن يعقب الطواف بصلاة.
следующие страницы →