Полный текст (477 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
مشروعية الاعتكاف في رمضان دون غيره
السؤال
إذا كان النبي ﷺ يصلي من الليل (١١) و (١٣) ولم يزد عليها، ولكنه لم يحدد عدد ركعات صلاة الليل، أليس في اعتكافه في رمضان عدم تحديد لزمن الاعتكاف أيضاً؟ فإذا كان ليس كذلك فمن أين أخذنا تحديد زمن الاعتكاف؟
الجواب
نحن أخذنا عدم تحديد ركعات الصلاة من جواب الرسول ﵊.
أما الاعتكاف فإنه لم يشرعه النبي ﵊ إلا في رمضان، وقد بيَّن أنه اعتكف من أجل ليلة القدر، ومن المعلوم أن ليلة القدر لا تكون في غير رمضان، فإن ليلة القدر قطعاً في رمضان لقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] فالقرآن أُنزِل في رمضان، وفي أي ليلة؟ في ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] .
فإذا أخذنا بالدليل الأول والثاني تعيَّن أن تكون ليلة القدر في رمضان، والرسول ﵊ إنما اعتكف طلباً وابتغاءً لليلة القدر.
стр. 282
الجمع بين الأدلة في مسألة سماع الموتى
السؤال
سمعنا في أول الدرس أن رسول الله ﷺ كان ينادي أهل القَلِيب في بدر، وأخبر أنهم يسمعون، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] ؟
الجواب
الجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن كثيراً من المفسرين قال: إن معنى قوله: ﴿لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] يعني: أن الميت لا يسمع دعاء الحي، فلو أنك أتيت إلى جثة إنسان، وقلت: يا فلان! اتقِ الله، اترك المعاصي، واعمل بالطاعات، هل يسمع؟ ما يسمع.
وقالوا: المراد بالسمع: سمع الإجابة، يعني: أنك مهما قلتَ للميت لم يسمع سمع إجابة.
فكذلك هؤلاء الذين دعوتَهم هم بمنزلة الأموات، لن يستجيبوا، وهذا القول أصلح.
القول الثاني: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] : يعني: لو ذهبت إلى المقبرة تدعوهم، ما أسمعتهم.
فإذا كان كذلك فهذا العموم مخصوص لأهل بدر، ومخصوص أيضاً، بأهل قَلِيب بدر، ومخصوص بالإنسان عند موته إذا دُفن، فإن الإنسان إذا دُفن وانصرف عنه أصحابه يسمع قرع نعالهم وهم ذاهبون عنه.
стр. 283
جواز إخراج الوالد الزكاة عن أولاده وأولاد أولاده
السؤال
هل يحق لوالدي أن يخرج زكاة الفطر عني وزوجتي وأولادي، علماًَ أني في منزلٍ مستقل وقادر على أن أخرجها؟ فما حكم إخراجها عني من قِبَل والدي؟
الجواب
زكاة الفطر واجبة على الإنسان نفسه، لقول ابن عمر: (فرض النبي ﷺ زكاة الفطر على الحر، والعبد، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير من المسلمين) كل إنسان تجب عليه الفطرة بنفسه؛ لكن إذا أخرجها ولي الأمر عن نفسه وعمَّن تحت ولايته فلا بأس، فإن ابن عمر ﵁ كان يخرجها عن نفسه وعن من يَمُونُهم.
فإذا أخرجها الإنسان عنه وعن أهل بيته وعن أولاده ولو كانوا في مكان آخر ورضوا بذلك فلا حرج، بل قد يكون في هذا بر لوالديه؛ لأن بعض الآباء لو قال له الابن: يا أبتِ! أنا أريد أن أخرج زكاة الفطر لنفسي، ربما يغضب، ويقول: أتراني عاجز؟! أنا من يوم وأنت صغير وأنا الذي أخرج زكاتك، واليوم تجيء وتقول: أنا سأخرج زكاتي لنفسي؟! يعني: بعض الآباء ما عنده فهم، فإذا رأى الولد أن من أسباب رضا والده أن يمكنه من دفع الزكاة فلا بأس، وإلا فالأصل أن الزكاة واجبة على كل إنسان بنفسه.
стр. 284
استحباب ذكر الدعاء على الصفا والمروة في كل شوط
السؤال
في العمرة هل نقول الدعاء على الصفا والمروة في كل شوط، أو في الشوط الأول فقط؟
الجواب
الدعاء الذي على الصفا والمروة الذي هو: التكبير، وقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده, وهزم الأحزاب وحده) يقال في كل مرة، كلَّما صعدتَ على الصفا وصعدتَ على المروة فإنك تقوله.
أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] فإنها لا تقال إلا مرة واحدة إذا دنا الإنسان من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ لا إذا صعد عليه، بل قبل أن يصعد، ولا يكرره مرة ثانية، ولا يقوله عند المروة، خلافاً لما يفعله العامة الآن يقرءون هذه الآية كلما صعدوا الصفا وكلما صعدوا المروة، وهذا جهل منهم، وطلبة العلم عليهم مسئولية في هذا، إذا سمعوا أحداً يقول هذا الكلام وهو يعرفه، ويؤخذ بقوله، قالوا له: هذا غير مشروع، فسينتفع؛ لكن بعض الناس ممن لا يعرفك لو قلت: هذا غير مشروع أقام عليك الدنيا، وكيف ما هو مشروع؟! هذا موجود في المنسَك.
والقرآن أيضاً.
كالذين يقولون: إذا انتهيت من القراءة قُل: صدق الله العظيم، هذا غير مشروع، ما كان الرسول ﵊ إذا انتهى من القراءة يقول: صدق الله العظيم، قال: أعوذ بالله! أنت ما تقرأ القرآن؟! أليس الله يقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] ؟! نعم، يعرف كيف يستدل؛ لكنه أعمى، ما يستدل بدليل واضح في المسألة.
قال الله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ يعني: إذا كمَّلت القراءة؟! لا، نحن نقول: صدق الله، والذي لا يقول ذلك ليس بمؤمن، لكن هل هو مشروع كلما توقفتَ عن القراءة تقول: صدق الله؟! لا، غير مشروع.
стр. 285
جواز الخروج من الحرم بنية الرجوع من غير طواف وداع وسنية ركعتي طواف الوداع
السؤال
إذا أراد معتمر أن يخرج إلى جدة لاستقبال زملائه في المطار، فهل عند خروجه من مكة عليه طواف وداع، مع العلم أنه سيرجع بعد عدة ساعات، في نفس اليوم؟ وهل لطواف الوداع ركعتين بعده؟
الجواب
أما الشق الأول من السؤال: فليس عليه طواف وداع؛ لأن الرجل خرج وسيرجع، ولهذا لما خرج الصحابة إلى منى في الحج لم يطوفوا للوداع، مع أنهم خرجوا إلى الحِل، فإن عرفة من الحِل، فإذا خرج الإنسان من مكة ونيته أن يرجع فلا وداع عليه.
وأما الشق الثاني وهو: صلاة ركعتين بعد طواف الوداع، فإن أهل العلم يقولون: كل طواف فإنه مشفوع بركعتين سنة، والنبي ﵊ لما طاف للوداع في حجه صلى بعده صلاة الفجر، ثم ركب، ولهذا لو أن إنساناً اقتصر بعد الطواف على صلاة فريضة فإنها تجزئه عن صلاة الركعتين؛ لأن المقصود أن يعقب الطواف بصلاة.
стр. 286
الزكاة في ثمر النخل
السؤال
عندي نخل في البيت، قد يبلغ النصاب، وأود أن أبيع منه إن استغنيتُ عن بعض الثمر، فهل على الثمر زكاة، أم في نفس النخل؟
الجواب
الأصل في زكاة ثمر النخل أنه في عين التمر؛ ولكن إذا رأى الإنسان من المصلحة أن يخرج من قيمته، فلا حرج في ذلك.
стр. 287
جلسات رمضانية ١٤١٢هـ[١]
بدأت هذه الجلسة بالكلام عن الصوم وفضيلته، واحترام هذا الشهر الكريم بعمل الطاعات وهجر واجتناب المنكرات، وضرورة الحرص على الصلوات؛ لما فيها من خير عظيم وأجر كبير.
ثم أجاب الشيخ عن بعض الأسئلة المتعلقة بالنية في الصوم ووقت الإمساك، وكذا بعض أحكام الحاجم والمحتجم والحائض والنفساء وكفارة المريض الذي مات وعليه صوم، وغيرها من الأسئلة.
стр. 288
الصوم وأثره في حياة المسلم
الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اقتدى، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإننا في هذه الليلة، ليلة الأحد الخامس من شهر رمضان عام (١٤١٢هـ) نفتتح لقاءاتنا معكم كجاري العادة في كل شهر رمضان، وسيكون اللقاء في يومين من الأسبوع، يوم السبت ليلة الأحد ويوم الثلاثاء ليلة الأربعاء بحول الله وقوته، هذا اللقاء ليس محاضرات تقال وتسكب فيها العبارات وتنمق فيها، ولكنه لقاء يتقدم الأسئلة فيه بحث يسير في فقه الصوم، أو الصلاة، أو الزكاة، أو غيرها من شئون المسلمين، ثم بعد ذلك يتلوها الأسئلة.
стр. 289
تعريف الصوم
إن أهم ما يختص به هذا الشهر الصيام الذي فرضه الله على عباده وجعله ركناً من أركان الإسلام، والصيام حقيقة وروحاً ومعنىً هو: إمساك الإنسان عن المحرمات التي حرمها الله على الصائم بخصوصه وهي مفسدات الصوم، أو على المسلم عموماً وهي جميع المحرمات، فالصوم حقيقة وروحاً ومعنى هو الإمساك عن المحرمات الخاصة بالصوم أو العامة.
والخاصة بالصوم هي مفسدات الصوم مثل الأكل والشرب، والعامة هي التي تحرم في كل زمان مثل الغيبة والنميمة والكذب والسب والشتم وكل قول منكر، ولكن الإمساك عن الأكل والشرب والنكاح هو وسيلة للإمساك عن المحرمات العامة، لأن هذه المحرمات الخاصة بالصوم -وهي مفسدات الصوم- إنما حرمت على الإنسان من أجل أن تتربى نفسه على ترك المألوف اتباعاً لرضى الله ، كما جاء في الحديث القدسي في شأن الصوم أن الله قال: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) فإذا ترك الإنسان هذه الأشياء المباحة لولا الصوم كان تركه للمحرم العام من باب أولى أن يلتزم به، وقد أشار الله تعالى إلى هذه الحكمة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] هذه الفائدة وهذه الحكمة تقوى الله بالصيام، وقال النبي ﵊: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) يعني: أن الله سبحانه وبحمده ما فرض علينا الصوم ليضيق علينا بترك المألوف والمحبوب للنفس من طعام وشراب ونكاح، ولكنه فرضه علينا من أجل أن نتجنب قول الزور والعمل به -أي بالزور- والجهل، هذه هي الحكمة من الصوم الذي فرضه الله على عباده.
стр. 290
الإسراف المالي والبدني في رمضان
ونحن نعلم أن الإنسان إذا ربى نفسه طيلة شهر رمضان على ترك المحرمات فسوف تتربى نفسه على ذلك في المستقبل، فهو مدرسة للنفس تتمرن فيه على ترك المحبوب بمحبة الله ، أي: لأن الله يحب ذلك، فإذا مرن نفسه في هذا الشهر كاملاً على ترك المألوف والمحبوب لنفسه تبعاً لرضى الله ومحبته فإن النفس سوف تتربى وسوف تتغير وسوف يكون رمضان بمنزلة النار لصهر الحديد والذهب والفضة حتى يخرج خالصاً نقياً من الشوائب، فلننظر حال كثير من الناس اليوم: نجد كثيراً من الناس يجعل رمضان مرتعاً للشهوات، ففي الليل يسرف في الأكل عند الإفطار، عند العشاء، عند السحور، في جوف الليل، ليس له هم إلا أن ينظر ما تشتهيه نفسه من الأطعمة ويشتريه، وليته يشتريه بقدر حاجته، بل يشتري كثيراً ويفسد باقيه، وربما لا يجد من يأكله، فيقع في الإسراف البدني والإسراف المالي؛ أما الإسراف البدني فهو ملء البطن، وملء البطن قال فيه حكيم القلوب والأبدان محمد ﷺ : (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه) الوعاء: الآنية (فإن كان لا محالة -يعني: هو أراد أن يملأ بطنه- فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) ولكن نجد كثيراً من الناس مع الأسف في ليالي رمضان يسرفون إسرافاً عظيماً.
كذلك هذا إسراف في المال؛ لأن الإنسان ينفق مالاً كثيراً في هذه الليالي في غير حاجة، ولو علم الإنسان قدر المال واهتمام الله به ما أسرف في بذله قال الله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥] فالمال لا ينبغي أن يكون إلا بيد إنسان رشيد، يعرف كيف يتصرف تملكاً وتصرفاً، أما السفيه فلا يعطى المال، السفيه هو الذي يبذله في غير فائدة كما قال أهل العلم: إن السفيه هو الذي يبذل ماله في حرام، أو في غير فائدة، وأنه يجب الحجر عليه، ومنعه من التصرف.
فالمال له شأن عظيم ولهذا قال: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥] ومعنى قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥] أي: صيرها قياماً تقوم به مصالح دينكم ودنياكم.
стр. 291
نصيحة لمن يؤخرون الصلاة عن وقتها في رمضان
نجد أيضاً بعض الناس يقتل نهار رمضان، يقتله قتلاً، لا يذبحه بسكين بل يقتله بحجر، يقتل هذا النهار الذي هو من أشرف أيام السنة بالنوم، فينام من حين الفجر إلى أن يؤذن الظهر ومن حين أن يصلي الظهر إلى أن يؤذن العصر، ومن حين أن يصلي العصر إلى غروب الشمس، هذا إذا كان حريصاً على الصلاة، وإلا فسمعت أن بعض الناس ينام من حين أن يتسحر ولا يقوم إلا للعمل؛ عمل الوظيفة، ولا يصلي الفجر، لا مع الجماعة ولا في وقتها، ومثل هذا لا تقبل صلاته، كل إنسان ينام عن صلاة الفجر أو غيرها من الصلوات باختياره ولا يقوم فإنه إذا صلاها بعد خروج وقتها لا تقبل منه، لقول النبي ﷺ : (من عمل عملا ًليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود.
ثم تجده إذا قام للعمل ورجع من بعد صلاة الظهر، وقد لا يصلي نام إلى قرب الغروب حتى يقوم ليأكل والعياذ بالله، هذا في الحقيقة لم يقدر هذا الشهر حق قدره، وما عرف أن عمر الإنسان أنفاسه غالية، أغلى ما يكون عند الإنسان هو الزمن، هو أغلى من الذهب والفضة والسيارات وغير ذلك.
واستمع إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩-١٠٠] ما قال لعلي أتبسط فيما تركت، وأخرج به للنزهة وأركب المراكب الفخمة وأسكن القصور المشيدة، قال: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ من المال، قال الله : ﴿كَلَّا﴾ [المؤمنون:١٠٠] أي: لا رجوع، ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] ويجوز أن تكون (كَلَّا) بمعنى حقاً، أي: حقاً إنها كلمة هو قائلها، فهي لها معنيان وكلاهما لا ينافي الآخر، فتكون بالمعنى هذا وبالمعنى هذا، كلا لا رجوع، فهي حرف ردع، كلا بمعنى حقاً أن يقول هذا الكلام ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩-١٠٠] هذا البرزخ هو ما بين موت الإنسان وقيام الساعة؛ سواء دفن، أو ألقي في البحر، أو بقي على ظهر الأرض فأكلته السباع، فكل هذا يسمى برزخاً؛ لأن البرزخ هو الفاصل بين شيئين كما قال تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:٢٠] وهذا الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة برزخ بين الدنيا وبين الآخرة.
على كل حال: ينبغي لنا أن نغتنم أوقات هذا الشهر خصوصاً وأوقات جميع أعمارنا عموماً بماذا؟ بما يقرب إلى الله ، بطاعة الله حتى تكون حياتنا حياة حقيقية، نسعد بها في الدنيا والآخرة.
أقول لكم قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، وأنا أشدكم تقصيراً ولكني أستغفر الله وأتوب إليه، وأسأله أن يلحقني وإياكم بالصالحين إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
وإلى الأسئلة ولعل الله أن يجعل فيها خيراً كثيراً.
стр. 292
الأسئلة
стр. 293
القول الصحيح في الإمساك عند سماع الأذان
السؤال
كثير من الأسئلة وردت حول من يتسحر والمؤذن يؤذن هل يصح أم لا يصح؟ وآخر يسأل: هل يصح أن نتابع المؤذن أم نتابع التقويم المنشور الآن؟
الجواب
الأذان علامة على طلوع الفجر إذا كان المؤذن يؤذن إذا رأى الفجر، ودليل هذا قول الله : ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: حتى يطلع الفجر ويتبين لكم، وقول النبي ﷺ : (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم) أي: من أجل أن يستيقظ النائم ويرجع القائم عن قيامه حتى يتسحر، (فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) هذا كله مرفوع عن النبي ﷺ ، وقد جاء في هذا الحديث إدراج من بعض الرواة يقول: وكان -يعني ابن أم مكتوم - رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال: أصبحت أصبحت.
والتقويم الموجود -وهو تقوم أم القرى- متقدم على التقويم الذي في ساعة بلال، وعلى التقويم الذي صنعه بعض طلبة العلم في جامعة الملك فهد التي كانت تسمى جامعة البترول، متقدم عليها في الصبح خاصة بخمس دقائق، يعني: مثلاً اليوم هذا كان في تقويم أم القرى الفجر في الساعة الخامسة، وفي التقويم الذي أشرت إليه الساعة الخامسة وخمس دقائق، وفي تقويم الرابطة - رابطة العالم الإسلامي -الفجر الساعة الخامسة وثلاث دقائق، فعندنا الآن ثلاثة تقاويم، وقد ذكر العلماء: أنه إذا قال رجل لشخصين: أرقبا لي الفجر، فقال أحدهما: طلع الفجر، وقال الثاني: لم يطلع الفجر، قالوا: فيأخذ بقول الثاني؛ لأن الأصل عدم طلوع الفجر، والفجر لابد أن يتبين، وبناءً على هذا القول.
نقول: الآن عندنا ثلاثة اختلفوا في طلوع الفجر فبقول من نأخذ؟ نأخذ بقول الأخير، لأن الأصل عدم طلوع الفجر.
وعلى كل حال: من أذن على تقويم أم القرى وأكل الإنسان بعده -أي: بعد الأذان- فإنه لا حرج عليه حتى يتم خمس دقائق بين التقويمين، فإذا أتم خمس دقائق فهذا آخر ما علمنا ممن حدد طلوع الفجر، هذا إذا كنا في البلد، أما إذا كنا في البر وليس حولنا أنوار، فلا حاجة للرجوع إلى التقويم، نرجع إلى ما بينه ربنا ، ما هو؟ أن نرى نحن الفجر، ما دمنا لم نر الفجر وليس هناك غيم ولا قتر، فإننا نأكل حتى ولو فرض أننا في البر والسماء صاحية، وليس حولنا أنوار وصارت الساعة خمس وعشر، خمس وربع، ما رأينا الفجر فلنا أن نأكل، لأن الله حدد لنا.
والعمل بالتوقيت ألجأت إليه الضرورة؛ لأن الناس لا يصعدون على المنارات، ولا يستطيعون رؤية الفجر تماماً بسبب الأنوار، فالضرورة ألجأتنا إليه، وإلا فهو في الحقيقة كلجوئنا إلى التقويم أو إلى الحساب الفلكي في رؤية الهلال، فما دمنا لا نعمل بالحساب الفلكي في رؤية الهلال، فكذلك أيضاً لا نعمل بالتقويم في أوقات الصلوات أو أوقات الإمساك والإفطار؛ لأن هذا كله مبني على حساب، لكن نظراً إلى أن الضرورة ألجأت إلى ذلك قلنا الضرورة لها أحكام نرجع إليها، فإذا اختلفت عندنا التقاويم وكان الحاسبون كلهم ثقات فإننا نأخذ بمن؟ بالأخير؛ لأننا إذا أخذنا بالأخير عملنا بالجميع، كلهم يقولون الساعة خمس وخمس مثل يومنا هذا قد طلع الفجر، لكن إذا قال التقويم الأول: الساعة خمس طلع الفجر، قال الثاني: ما طلع الفجر؟ لكن خمس وخمس كلهم يقولون طلع الفجر، إذاً فلنمسك على هذا.
стр. 294
حكم تبييت النية قبل دخول رمضان
السؤال
رجل لم يعلم بدخول شهر رمضان هذا العام إلا بعد أن رأى كثرة المصلين في صلاة الفجر، وسأل بعد الصلاة ما الخبر؟ فأخبر بدخول الشهر، فهل عليه القضاء لأنه لم يبيت النية، ولو كان قد نوى أنه إن كان غداً من رمضان فسوف يصوم، فماذا عليه؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
إذا كان نائماً على أنه يتوقع أن يكون رمضان غداً ونوى بقلبه أنه صائم، ما لم يتبين أن غداً من شعبان، فهذا صومه صحيح ولا إشكال فيه.
لاحظوا الفروق لأنها دقيقة، إذا قال: أنا صائم غداً إلا أن يكون من شعبان، فهذا قد جزم بالنية، إذا قال: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، فهذا علق النية، إذا لم ينو لا هذا ولا هذا، نعم على أنه ليس من رمضان، ثم تبين له كما قال السائل: لما رأى الناس كثيرين في صلاة الفجر قالوا له: إنه قد دخل رمضان، فنوى من حين علم، فهذا يختلف عن الصورتين السابقتين، وكل هذه الصور الثلاث عند شيخ الإسلام لا توجب القضاء، يعني: أن صومه صحيح ولا قضاء عليه، ويستدل ﵀ لذلك بقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وقال: إن هذا جاهل فلا يؤاخذ.
ربما يرد عليه في الصورة الثالثة أنه نام ولم ينو فأجاب ﵀: إن النية تتبع العلم، ولا يمكن أن ينوي قبل أن يعلم، وهذا من حين علم نوى، فصيامه صحيح، فمن أخذ بقول شيخ الإسلام في هذه المسألة فلا حرج عليه، ومن قضى احتياطاً لقول العلماء الآخرين فلا حرج عليه.
стр. 295
حكم خروج بعض الطعام من المعدة إلى الفم
السؤال
حينما يتسحر الإنسان ثم يمسك، فأحياناً يخرج من جوفه بعض الهواء، ويخرج معه شيء من الطعام ويبقى أثره في الفم، فإن رماه وأخرجه من فمه بقي الأثر، وإن ابتلعه فهذا مشكل، فما العمل والحال هذه؟
الجواب
الصورة: الظاهر أنه أحياناً يتجشأ الإنسان فيخرج من معدته بعض الطعام.
نقول: إذا وصل إلى الفم فإنه لا يجوز أن تبلعه، لو بلعته وأنت عالم أفطرت ولكن اتفله، إما في منديل إذا كان معك مناديل أو في طرف ثوبك، وإذا قُدر أنه بقي طعام فاتفل حتى يزول الطعام، لأنك إذا تفلت مرة مرتين سوف يذهب الطعام وحينئذٍ لا يضرك، لكن لو فرض أن الرجل ابتلعه وهو لا يدري أن ذلك حرام عليه فصيامه صحيح، وهذه قاعدة ينبغي أن نأخذها: كل من فعل شيئاً من المفطرات وهو جاهل فصيامه صحيح ولا قضاء عليه، لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
ولأن البخاري ﵀ روى عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس) فصار إفطارهم في النهار، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء، ولو كان القضاء واجباً لأمرهم به، ولو أمرهم به لنقل إلينا، فلما لم ينقل عُلم أنه لم يأمر به، ولما لم يأمر به علم أنه ليس بواجب، وهو كذلك.
فإذا أكل الإنسان أو شرب جاهلاً يظن أنه في الليل فتبين أنه في النهار فصومه صحيح، وإذا أكل شيئاً يظن أنه لا يفطر فصومه صحيح، وإذا احتجم يظن أن الحجامة لا تفطر فصومه صحيح، كل من فعل شيئاً من المفطرات جاهلاً فصيامه صحيح ولا قضاء عليه ولا إثم عليه، كما أن الناسي كذلك لو أن شخصاً نسي فأكل أو شرب فقد قال النبي ﷺ : (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) الحمد لله، الله هو الذي أطعمك وسقاك فاحمد الله، إذا شربت من كأس الماء ناسياً فقل: الحمد لله، وتقول: الحمد لله الذي نساني أو لا؟ لأن الصوم صحيح إنما أطعمه الله وسقاه، وهذه من نعمة الله على العباد أن الشيء الذي يكون بغير قصد قلبي فإن الإنسان لا يلام عليه.
ذكر لي أن شخصاً في قديم الزمان اشترى عنباً لأهله، وحمله في منديل وهو صائم، فنسي وجعل يأكل من هذا العنب وكان الناس فيما سبق ليسوا أغنياء يسهل عليهم الحصول على العنب، وكان هذا الشخص قد اشتهى العنب كثيراً، فلما وصل إلى أهله لم يبق في العنب إلا حبة واحدة، وهو يأكل وهو ناسٍ، فقال لما ذكره أهله أنه صائم: إن كان ما أكلت من العناقيد لا يفطر فهذه لا تفطر، وأكلها، فهل يفطر الآن؟ نعم، يفطر بالحبة، والعناقيد التي أكل من قبل؟ لا تفطره، لماذا؟ لأنه ناسٍ أطعمه الله ، لكن هذه الحبة هي التي أفسدت صومه، لكن قال لي بعض الطلبة: لا يفسد صومه على قاعدة أن الجاهل معذور، وهذا جاهل يحسب أن الأول يفسد الصوم فأكل هذه الباقية بناءً على فساد صومه، أظن أن هذا لا ينطبق عليه العذر بالجهل؛ لأن هذا رجل مفرط، كان الواجب عليه أن يسأل وليس كل من قلنا إنه يعذر بالجهل يعذر في كل حال، إذا كان مفرطاً وقام سبب طلب العلم يجب عليه أن يطلب العلم حتى يتبين.
أما إذا تعدت الفم فدعها تمشي، يعني: لو أن إنساناً -مثلاً- أكل وبقي الأكل في حنجرته يعني تعدى الفم، هذا دعه يمشي لأنه في حكم الباطن.
стр. 296
حكم من صلى الفريضة ثم أدرك جماعة في مسجد آخر
السؤال
سائل يقول فضيلة الشيخ: حضرت إلى هذا المسجد فأدركت الركعة الأخيرة من صلاة العشاء فهل أكمل صلاة العشاء، أم آتي بركعة ثانية فقط، علماً بأني قد صليت العشاء في جماعة قبل أن أحضر إلى هذا المسجد؟
الجواب
الأفضل بلا شك أن تكمل الأربع، لعموم قوله ﷺ : (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) ولأنه رأى رجلين حين صلى الفجر في مسجد الخيف في منى في حجة الوداع لم يصليا قال: (ما منعكما؟ قالا: صلينا في رحالنا) يظنان أن الصلاة غير واجبة في المسجد، صليا في رحالهما، أو كانت رحالهما بعيدة فظنوا أن الصلاة قد انتهت، المهم هذه قضية عين لا تصح أن تكون دليلاً على أن الجماعة لا تجب في المسجد، كما استدل بها بعض الناس، وقال: هذا دليل على أن الجماعة لا تجب في المسجد لأن هذين الرجلين قالا: (صلينا في رحالنا) ولم ينكر عليهما ﷺ بل قال: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة) فظاهر الحديث أنه يصلي مع الإمام حسب صلاة الإمام، وإن اقتصر على الركعتين اللتين أدركهما أو إذا كان أدرك ركعة واحدة فأتى بواحدة تكملة للركعتين، فأرجو ألا يكون في هذا بأس لأن الصلاة كما قال النبي ﵊ نافلة، والنافلة يجوز أن يقتصر فيها الإنسان على ركعتين إذا لم يخالف إمامه، والإمام لما سلم فإن ما تقضيه بعد سلامه لا يخالفه.
فخلاصة الجواب: أن الأفضل أن تكمل الأربع وإن اقتصرت على ركعتين فأرجو ألا يكون في ذلك بأس.
стр. 297
وجوب أداء صلاة الجماعة في المسجد وإثم تاركها
السؤال
يوجد في حارتنا جماعة يفطرون جميعاً كل ليلة عند واحد منهم ولهم مسجد لا يصلي فيه إلا هؤلاء الجماعة، ولكنهم في حال الإفطار يصلون في بيت من يفطرون عنده، فهل هذا جائز؟ وهل يجوز لي أن أفطر معهم وأصلي معهم؟ وإذا كان هذا العمل غير جائز علماً بأن إمام المسجد معهم أفتونا وفقكم الله؟
الجواب
أما اجتماعهم على الفطور كل يوم عند واحد فلا بأس به، وأما كونهم يصلون في البيت ويدعون المسجد فهم آثمون بذلك على القول الراجح: أن صلاة الجماعة يجب أن تكون في المساجد المعدة لذلك، لأن النبي ﷺ قال: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) قال: إلى قوم، مع أن هؤلاء القوم ربما يصلون جماعة في مكانهم.
المهم: أن القول الراجح من أقوال العلماء: أن الصلاة جماعة يجب أن تكون في المسجد، فهؤلاء فيما أرى بناءً على القول الراجح آثمون إذا صلوا في البيت والواجب أن يخرجوا إلى المسجد ويصلوا فيه.
стр. 298
أحكام احتجام الصائم في رمضان
السؤال
سمعنا من فضيلتكم بأن الحجامة تفطر الصائم بدليل حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) وهل ما ذكر عن جماهير أهل العلم أنهم ذهبوا إلى عدم فطره وكراهية ذلك بأدلة أخرى قوية تعارض هذا الحديث، كاحتجامه ﷺ وهو صائم، هل هذا صحيح، نرجو التفصيل في هذه المسألة؟ وإذا كانت الحجامة من المفطرات فهل يدخل فيها الحاجم بظاهر لفظ الحديث؟ وما هو حال الحاجم في زماننا هذا؟
الجواب
تفطير الحجامة للصائم دل عليها حديث شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) قال الإمام أحمد: هو حديث صحيح، وصححه كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وله رسالة ينبغي لطالب العلم قراءتها رسالة صغيرة تسمى: حقيقة الصيام، بحث فيها بحثاً جيداً عن الحجامة والاكتحال والحقنة وأشياء كثيرة مهمة جداً، وفيها أصول وقواعد ينتفع بها طالب العلم، وإذا كان هذا الحديث صحيحاً: (أفطر الحاجم والمحجوم) فإنه يجب أن يؤخذ على ظاهره، ولا يحل أن يحرف كما قال بعض العلماء الذين لا يرون أن الحاجم والمحجوم يفطران، قالوا: معنى أنهما كادا يفطران، كيف كادا يفطران؟ والرسول يقول: (أفطر) وقال بعضهم: إنهما كانا يغتابان الناس، فقال الرسول: (أفطر الحاجم والمحجوم) كيف يعلق النبي ﵊ الحكم على وصف غير موجود ونلتمس نحن له وصفاً مفقوداً، يعني: الآن إذا قلنا أنهما أفطرا لأنهما يغتابان الناس صار الحكم مبنياً على الحجامة أم على الغيبة؟ على الغيبة، فكيف نلغي وصفاً علق الشارع الحكم عليه ونعتبر وصفاً لم يعلق الحكم عليه؟!! وأيضاً نقول لهم: هل الغيبة تفطر الصائم؟ لا.
الغيبة صحيح أنهما تنافي مقصود الصيام وروح الصيام لكن لا تفطر الصائم، قال الإمام أحمد ﵀: لو كانت الغيبة تفطر لم يبق لنا صوم.
لأنه لا سماح من الغيبة إلا من شاء الله.
وأما حديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم) فإن قوله: (احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم) شاذ، يعني ذكر الصيام شاذ، وكذلك أشذ منه قول: (احتجم وهو محرم صائم) فإنه شاذ؛ لأن الرسول ﵊ لم يكن محرماً يوماً من الأيام وهو صائم، هذه غزوة الحديبية في ذي القعدة ولم يدخل مكة وكذلك أيضاً عمرة القضاء كانت أيضاً في ذي القعدة وعمرته في حجه كانت في ذي القعدة ودخل مكة في رمضان في غزوة الفتح وهو غير صائم مفطر، فتبين أنه لا يصح الحديث: (احتجم وهو صائم محرم) ، أما وهو صائم وحده، فقالوا: إنه شاذ، ثم على فرض أنه محفوظ يحمل على ما قبل النسخ؛ لأن حديث شداد ناقل عن الأصل، وقد ذكر أهل العلم أن من المرجحات عند التعارض النقل عن الأصل؛ لأن الناقل عن الأصل معه زيادة علم.
أما بالنسبة للحاجم فهل يفطر في وقتنا هذا أم لا؟ فالجواب عليه: من قال من العلماء: إن الإفطار بالحجامة أمر تعبدي فلا تعقل علته، فإنه يرى أن الحاجم في وقتنا يفطر كالمحجوم؛ لأن هذا تعبدي لا نعرف العلة.
ومن رأى أن الحكم معلل كما هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإن الحاجم في وقتنا لا يفطر، وذلك لأن الحاجم في عهد النبي ﷺ يمص القارورة التي يكون فيها الدم عند الحجامة، كانوا في الأول في قارورة من حديد ولها أنبوبة صغيرة رفيعة جداً، إذا شَرَطَ الحاجم محل الحجامة بالموسى وضع هذه القارورة على هذا المكان ثم يمص عن طريق الأنبوبة الصغيرة، لكي يفرغ الهواء، وإذا فرغ الهواء انجذب الدم حتى تمتلئ القارورة ثم تسقط، فكانوا فيما سبق يمصون هذه الأنبوبة التي في القارورة، وربما عند المص يصل شيء من الدم إلى حلق الحاجم وهو لا يشعر والمظنة أحياناً تلحق بالمئنة، يعني: أن المظنون يلحق أحياناً بالمتيقن.
فعلى رأي شيخ الإسلام ﵀ نقول: إن الحاجم في وقتنا الذي يحجم بالآلات وليس له علاقة بها لا يفطر، وما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ أقوم من القول بأن الحكم تعبدي؛ لأن الحكم إذا كان معللاً بعلة تشهد لها النصوص فإنه يجب أن يربط بها وجوداً وعدماً، بخلاف التعبدي المحض.
لو قال لك قائل: لماذا صارت الظهر أربع ركعات ولم تكن ثمان ركعات؟ ماذا نقول: هذا تعبدي، تعبدنا الله بهذا العدد لابد أن نقوم به.
стр. 299
حكم الدم أو السائل الخارج قبل الولادة
السؤال
سائلة تقول: إذا كانت المرأة حاملاً وفي شهرها الأخير خرج منها ماء من غير دم.
فهل عليها صلاة، وماذا تفعل في صومها، وهل هو صحيح أم لا؟
الجواب
يقول أهل العلم: إن المرأة الحامل لا تحيض، إلا أن بعض النساء قد يستمر حيضها في الأشهر الأولى من الحمل على ما هو عليه، وأما الأشهر الأخيرة فلا يمكن أن يخرج منها الحيض، يقول الأطباء: إن الحامل لا تحيض أبداً، وإن الحيض دليل على عدم الحمل، وهذا هو الذي قاله الإمام أحمد ﵀، فقال: إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الحيض.
على كل حال: هذه المرأة التي رأت الدم في شهرها الأخير نقول: هذا الدم ليس بحيض ولا نفاس ولا يمنع عن صلاة ولا صوم، إلا إذا كان مصحوباً بالطلق وكان عند الولادة أو قبلها بيومين أو ثلاثة، فإنه يكون نفاساً؛ لأن الطلق وقرب هذا الدم من الوضع يجعل هذا الدم دم نفاس، وإذا كان دم نفاس فإنها لا تصلي ولا تصوم.
أما إذا كان الخارج ماء فهذا ليس بنفاس ولا حيض حتى وإن كان معه طلق؛ لأن النفاس هو الدم الذي يخرج من الرحم عند الولادة أو قبلها بيومين أو ثلاثة.
стр. 300
جواز استخدام (الدس) في نهار رمضان لمعرفة قرب الولادة
السؤال
هل تجوز للطبيبة أن تكشف بما يسمى (الدس) على المرأة الحامل في نهار رمضان لمعرفة قرب الولادة وغيره؟
الجواب
يجوز للطبيبة أن تختبر المرأة عن طريق (الدس) هل ولادتها قريبة أم بعيدة، لكن من باب الاحتياط نقول: ليكن ذلك في الليل؛ لأن بعض العلماء ﵏ يقولون: إن كل ما يصل إلى الجوف مفطر إلا ما كان عن طريق الإحليل فإنه لا يفطر؛ لأن الإحليل لا ينفذ، قال الفقهاء ﵏: والإحليل هو الذي يكون عن طريق المثانة التي هي مجمع البول، لأن المثانة يدخل إليها الشيء ولا يخرج منها إلا مع الثقب الذي جعله الله ، والمثانة: عبارة عن كيس كحوصلة الطائر يتصل به عروق من الكلى تصب فيه الماء الزائد على البدن من الطعام والشراب، ثم يجتمع هذا الماء بهذا الكيس فإذا امتلأ أحس الإنسان بأنه محتاج إلى البول، ويخرج البول من طريق واحد إلى المخرج رأساً، فإذا دخل شيء من المخرج إلى هذه المثانة فإنه لا يفطر وإن كانت في الجوف، قالوا لأن المثانة لا يخرج منها الطعام، يعني: لا يخرج منها ما يدخل إليه، فهي مصب وليست مصدراً.
على كل حال أقول: إن هذه المرأة التي احتاجت إلى عملية ما يسمونها (بالدس) ينبغي أن تجعل ذلك في الليل احتياطاً.
стр. 301
حكم (الكدرة) الخارجة في أيام الحيض وغيره
السؤال
امرأة حملت شيئاً ثقيلاً فأثر عليها فنزلت منها كدرة ولم تنقطع من بداية هذا الشهر، فماذا تفعل؟ مع العلم أن هذا ليس وقت دورتها؟
الجواب
تصوم وتصلي ولا تفطر وصومها صحيح وصلاتها صحيحة؛ لأن هذه الكدرة التي نزلت لها سبب وما هو؟ حمل هذا الثقيل، وقد قال النبي ﷺ في دم المستحاضة: (إنه دم عرق) فدل هذا على أن جميع العروق وإن خرجت إفرازاتها من الفرج لا تعتبر حيضاً بل هي استحاضة.
وعلى هذا فنقول: إن الذي خرج من هذه المرأة عند حملها هذا الثقيل وهو كدرة وفي غير أيام الحيض أيضاً دم لا عبرة به، أي: لا يمنع من صيام ولا صلاة.
стр. 302
ما تفعله المبتدأة في الحيض إذا تركت الصيام
السؤال
حائض تركت الصيام وعمرها ثلاث عشرة سنة خجلاً من أهلها، تقول: حيث إنهم لم يخبروها أنها حائض، فهل عليها أن تقضي تلك الفترة التي لم تصمها؟
الجواب
الذي نرى أن من تركت الصوم أول بلوغها بالحيض لصغر سنها إذا كانت في بيت بعيدين عن العلم وعن طلبة العلم كالناشئة في البادية فليس عليها صوم؛ لأن الأدلة الشرعية تدل على أن الجاهل الذي ليس عنده أصل يبني عليه معذور، وذلك في عدة أمور: في الصحيحين: (أن رجلاً دخل المسجد فصلى صلاة لم يطمئن فيها، فقال له النبي ﷺ : ارجع فصل فإنك لم تصل -ثلاث مرات يرده- فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، فعلمه) ولم يأمره بقضاء الصلوات الفائتة، لماذا؟ لأنه جاهل وإنما أمره أن يعيد الصلاة الحاضرة لأن وقتها باق وهو مطالب بالصلاة في هذا الوقت.
كذلك أيضاً: عمار بن ياسر أجنب فظن أن طهارة التيمم كطهارة الماء، فتمرغ بالصعيد كما تتمرغ الدابة وصلى، فلما حضر إلى النبي ﷺ أخبره الخبر فقال له النبي ﵊: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا؛ وضرب بيديه الأرض ومسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) ولم يأمره بإعادة الصلاة التي كان لا يتيمم لها التيمم الشرعي؛ وذلك لأنه جاهل.
فهذه المرأة التي بلغت وهي صغيرة، وهي بعيدة عن العلم وعن طلبة العلم، وأهلها من الناس الذين عندهم غفلة كما يوجد في كثير من الناس قبل هذا الوعي الجديد والحمد لله، نقول: ليس عليها قضاء.
أما إذا كانت في بيت علم، وفي مكان يمكنها أن تسأل بكل سهولة وصار منها نوع تفريط فإن الأبرأ لذمتها أن تقضي الصوم.
وأما الصلاة فإن الغالب أنها تصلي، وهذا يشكل في الصوم فقط.
стр. 303
كفارة الصيام للمريض الذي لا يرجى برؤه
السؤال
والدي مريض منذ مدة ونصحه الأطباء بعدم الصيام وقد توفي بعدها وعليه خمسة أشهر لم يصمها بسبب مرضه وجهله بأحكام الشرع، فالسؤال هو: ماذا نفعل لكي نقضي صيامه، هل نتصدق عنه، أم نكفر؟ وما هي الكفارة؟
الجواب
المريض الذي لا يرجى شفاؤه لا يجب عليه الصوم أصلاً وإنما يجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، وأما الصوم فلا يجب عليه، ولا يجب على أوليائه إذا مات أن يقضوا عنه، لأن الفرض الذي يجب على هذا الرجل هو أن يطعم.
وعلى هذا فنقول للسائل: أطعم عن أبيك عن كل يوم من هذه الأشهر مسكيناً، ولا بأس أن تكرر الأشهر كلها على ثلاثين مسكيناً، تعطيهم للشهر الأول ثم للثاني ثم للثالث ثم للرابع ثم للخامس، ومقدار الإطعام من الرز كيلو تقريباً لكل مسكين، ويحسن أن تجعل مع الطعام أو أن تجعل مع البر شيئاً يكون إداماً له من لحم أو غيره.
стр. 304
كفارة من تركت أولادها دون رضاعة حتى ماتوا
السؤال
امرأة من أهل البادية في زمن سابق أنجبت طفلين بهما عيب بسيط في أنفيهما وهو ما يطلق عليه (الشرم) وقمن النساء اللاتي ولدنها بتخويفها بأنها أنجبت شيئاً غير إنسان، فامتنعت من إرضاعهم لمدة ثلاثة أيام ثم توفيا بعد ذلك، علماً بأنها تابت واعترفت بذنبها، وصامت شهراً كاملاً من أجل هذا، فهل صومها صحيح؟ وماذا يجب عليها علماً بأنها قد تقدم بها العمر؟
الجواب
الواجب عليها أن تصوم عن كل نفس شهرين؛ لأنه أمكنها أن تنقذ هذين من الهلكة ولكنها لم تفعل، وهاذان الطفلان لا يمكن أن يقوما بما ينقذ حياتهما لأنهما طفلان، فهي تعمدت ترك الواجب وهو إرضاع هذين الطفلين حتى هلكا فعليها أن تصوم عن كل طفل شهرين متتابعين.
أما الدية فهي بينها وبين ورثة هذين الطفلين إذا عفوا عنها وإلا فإنما تجب على عاقلتها، يعني: يجب على عاقلتها الدية وتكون لورثة هذين الطفلين.
стр. 305
حكم استعمال الأوكسجين للمريض في نهار رمضان
السؤال
ما حكم استعمال الأكسجين الذي يوضع على فم المريض أكثر اليوم؛ هل يفطر؟
الجواب
الأكسجين الذي يعطى للمريض لا يفطر؛ لأن هذا الأكسجين ليس له جرم يصل إلى المعدة حتى نقول: إنه أكل أو شرب، لكنه بارد يفتح الشرايين حتى يتنفس الإنسان، وعلى هذا لا يكون أكلاً ولا شرباً وما ليس بأكل ولا شرب ولا بمعنى الأكل والشرب فإنه لا يفطر.
стр. 306
وقت ابتداء الحداد لمن توفي عنها زوجها
السؤال
توفي زوجي في حادث وأنا معه، ثم جلست في المستشفى ستة أيام ولم أعلم أنه متوفى حتى خرجت، فهل أبدأ مدة الحداد من وفاته، أم من حين علمت.
أفتونا وفقكم الله؟
الجواب
قبل الإجابة على هذا السؤال نحب أن نعطي قاعدة وهي: (أن ما علق بسبب ثبت بوجود ذلك السبب، سواء علم به الفاعل أم لم يعلم) فعدة الوفاة سببها الوفاة، وعلى هذا فيكون ابتداؤها من وفاة الزوج حتى ولو لم تعلم إلا بعد مضي أربعة أشهر وعشر من موته فإن عدتها تنقضي وليس عليها شيء، وكذلك في الطلاق لو فرض أن رجلاً طلق زوجته ولم تعلم بطلاقه حتى حاضت ثلاث مرات، فإنها في هذه الحال لا يلزمها أن تعيد العدة، بل نقول: الآن خرجتي من العدة، فابتداء العدة في الموت من الموت، وابتداء العدة في الطلاق من الطلاق، وابتداء العدة في الفسخ من الفسخ، المهم أن ابتداء العدة يكون من حين وجود السبب لا من حين علم المرأة، المرأة لو لم تعلم إلا بعد انتهاء العدة لم يكن عليها شيء، انتهت عدتها وتتزوج مباشرة.
стр. 307
هيئة صلاة الليل وحكم من قام إلى ركعة ثالثة في صلاة التراويح
السؤال
لو أن إماماً في صلاة التراويح سها وقام إلى الركعة الثالثة فنبه فلم ينتبه، فهل يكتفي بثلاث أم يأتي برابعة؟
الجواب
الواجب على الإمام إذا سها في صلاة الليل وقام إلى ثالثة الواجب أن يرجع ويتشهد ويسلم ويسجد للسهو بعد السلام، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى) فجعلها اثنتين اثنتين، فإذا قام إلى الثالثة قلنا: ارجع حتى ولو قرأ القرآن نقول له: ارجع، وتشهد وسلم ثم اسجد للسهو بعد السلام، قال الإمام أحمد: إذا قام إلى ثالثة في صلاة الليل فكأنما قام إلى ثالثة في صلاة الفجر.
يعني: يلزم الرجوع فإن لم يفعل بطلت صلاته.
стр. 308
حكم طلب الغيث في القنوت والإطالة فيه
السؤال
ما رأي فضيلة الشيخ فيمن استغاث في القنوت فقال: اللهم أغثنا اللهم اسقنا الغيث.
وآخر يقول: بعض الأئمة يسهب في دعائه في القنوت فيذكر الجنة وعذاب القبر من أجل أن يدخل على الناس البكاء فهل للإمام أن يصنع ذلك؟ وما توجيهكم وفقكم الله؟
الجواب
أما الدعاء بالغيث في القنوت فلا أرى في ذلك مانعاً؛ لأن الدعاء بالغيث دعاء بالحاجة الملحة، وليست حاجة خاصة بالإنسان بل هي حاجة عامة لجميع المسلمين، لا يقال: إن هذا لم يرد، نقول: لأن الذي ورد في طلب الغيث قضايا أعيان، فإذا كان النبي ﵊ قطع خطبته يوم الجمعة ليدعو به، مع أن الأصل في الخطبة أنها ليست محل دعاء، فجواز الدعاء بطلب الغيث في القنوت الذي هو دعاء من باب أولى.
أما تحويل دعاء القنوت إلى خطبة وعظ بحيث تذكر الجنة والنار والقبر وفراق الأحباب وما أشبه ذلك، فهذا لا شك أنه خلاف السنة؛ لأن الوعظ له وقت والدعاء له وقت آخر، والذي ينبغي للإنسان ألا يشق على المؤمنين بكثرة الدعاء، فكيف إذا حول الدعاء إلى خطب ومواعظ؟ فإنه يكون هذا أشق على الناس، وأهم شيء أن يسير الإنسان في عباداته على ما جاء عن رسول الله ﷺ ، هذا هو الخير والبركة، ليست العبادة ذوقاً إذا استحسنه الإنسان تعبد لله به، ولو كانت كذلك لقلنا: إن الصوفية على حق؛ لأن هذا العمل الذي يقومون به يرون أنه من أصلح ما يكون للقلوب، ويتذوقون له ذوقاً جيداً، لكنه ليس بصواب، وما ليس بصواب فهو خطأ وإن ظن صاحبه أنه صواباً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 309
جلسات رمضانية لعام ١٤١٢هـ[٢]
ذكر الشيخ في بداية جلسته بالآيات الدالة على الزكاة وفرضيتها، ثم تحدث عن عقوبة مانعيها، ثم ذكر الأموال التي تجب فيها الزكاة وفصل في أحكامها ونصابها، وعقب ذلك بدأ بالإجابة على الأسئلة المتعلقة بزكاة عروض التجارة وبعض أحكام زكاة الحلي المستعمل.
стр. 310
مسائل تتعلق بالزكاة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني، لقاء مسجد الجامع الكبير في عنيزة في شهر رمضان، الذي كان ليلة الأربعاء.
الثامن من شهر رمضان عام (١٤١٢هـ) نسأل الله أن يجعله لقاءً مباركاً، وأن يكثر من اللقاءات المباركة في جميع مساجد المسلمين على سنة رسول الله ﷺ وهديه، وهدي سلفنا الصالح ﵃.
لقاؤنا هذه الليلة سوف نركزه على الزكاة التي هي ثالث أركان الإسلام من حيث العموم، وثاني أركان الإسلام لمن دخل الإسلام، لأن مفتاح الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأول ركن بعد ذلك الصلاة ثم الزكاة.
وقد فرض الله الزكاة في كتابه، فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥] .
وقال تعالى حين ذكر أصناف أهل الزكاة: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] .
стр. 311
عقوبة مانع الزكاة
توعد من منعها في قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠] ، وقال : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٦-٣٥] .
وجاءت السنة مبينة للآية الأولى أنه ما من إنسان يؤتيه الله مالاً فلا يؤدي زكاته إلا إذا كان يوم القيامة مُثِّلَ له شجاع أقرع، قال أهل العلم: الشجاع الذكر العظيم من الحيات، والأقرع الأملس الرأس الذي ليس على رأسه شعر وذلك لكثرت سمه تمزق شعره والعياذ بالله، قال النبي ﵊: (مثل له شجاعاً أقرع له زبيبتان -يعني: غدتان كل واحدة منهما مثل الزبيبة مملوءتان من السم، نسأل الله العافية- فيأخذ بلهزمتيه -يعني: يعض شدقيه- ويقول: أنا كنزك، أنا مالك) .
أما الآية الثانية: ففسرها النبي ﵊ بقوله: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم -يعني: الصفائح من النار يحمى عليها في نار جهنم- فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) .
ونحن إذا تأملنا الآيتين والحديث تبين لنا أن مانعي الزكاة يوبخون يوم القيامة ويعذبون، يوبخون يُقال: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ﴾ [التوبة:٣٥] وفي الحديث يقول: (أنا مالك، أنا كنزك) وهذا ألم قلبي.
أما الألم البدني فقد عرفتم ماذا يكون من عض الشجاع الأقرع بشدقي هذا المانع من الزكاة ولكونها تكوى بها الجباه والجنوب والظهور، وهذا الوعيد الذي ذكره النبي ﵊ يدفع الوازع الديني الذي يكون في فطرة كل مؤمن حتى يقوم بأداء الزكاة، وذلك لأن النفس تميل إلى ما ينفعها وتهرب مما يضرها، فلهذا جاءت النصوص تارة بالترغيب وتارة بالترهيب وتارة بالجمع بينهما.
وحينئذٍ لابد أن نعرف ما هي الأموال التي فيها الزكاة؟ وما هي الأموال التي لا تجب فيها الزكاة؟
стр. 312
قاعدة في الأموال التي تجب فيها الزكاة
الأصل والقاعدة أن الزكاة لا تجب إلا في الأموال النامية حقيقة أو حكماً، فالنامية حقيقة مثل: الثمار والزروع تنمو حتى تكمل، وكأموال التجارة التي تكسب، هذه نامية حقيقة، أما النامية حكماً كالذهب والفضة إذا كان الإنسان لا يعمل بهما، هذه لا تنمو، يعني: لو كان عند إنسان مثلاً عشرة آلاف ريال أبقاها في الصندوق فإنها لا تزيد لكنها في حكم التي تنمو، لأنه لو شاء لا تجر بها، فنمت وزادت إذاً هذا الأصل.
القاعدة العريضة والأصل: أن الزكاة لا تجب إلا في الأموال النامية حقيقةً أو حكماً.
الحقيقة مثل؟ الثمار والزروع والمواشي التي تنمو.
الشيخ: وحكماً؟ مداخلة: مثل إنسان جمع عشرة آلاف في صندوق مثلاً.
الشيخ: أنا أريد جنس المال؟ ما هو المال الذي قلناه؟ مداخلة: مثل الذهب والفضة.
الشيخ: مثل الذهب والفضة إذا كان الإنسان لا يتجر بها، هذه تجب فيها الزكاة مع أنها لا تنمو، لو وضعت في الصندوق عشرة آلاف ما تزيد، هذه هي القاعدة العريضة في الزكاة.
وتجب في أصناف نعدها الآن بالأصابع إن شاء الله: - الذهب.
- الفضة.
- عروض التجارة.
- الأوراق النقدية.
- الخارج من الأرض.
- المواشي.
كم؟ هذه ستة.
стр. 313
وجوب الزكاة في الذهب والفضة
تجب الزكاة فيهما بدون تفصيل، للحديث الذي ذكرناه حديث أبي هريرة: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها.
الحديث) أي فرد يخرج من هذا العموم فإننا نطالب المخرج بالدليل، فلو قال قائل: حلي المرأة من الذهب والفضة هل فيه الزكاة؟
الجواب
نعم.
من أين نستدل؟ من عموم هذا الحديث، حديث أبي هريرة وهو في صحيح مسلم: (ما من صاحب ذهب ولا فضة) والمرأة التي عندها حلي هي صاحبة ذهب، ولهذا يقول الناس في عرفهم وعاداتهم: فلانة عندها ذهب، أو لها ذهب كثير، إذاً أي واحد من الناس من أبي بكر إلى أدنى عالم في عصرنا هذا إذا قال: إن الحلي من الذهب والفضة خارج عن هذا العموم فإننا نقول له: هات الدليل؟ على أن هذا العموم أيضا مؤيد بأدلة خاصة وهي ما رواه أبو داود وغيره من أصحاب السنن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه: (أن امرأة أتت إلى رسول الله ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب -والمسكتان: هما السواران- فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: هل يسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، فخلعتهما وألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ورسوله) وهذا نص في الموضوع مؤيد بالعموم.
ومن عجبٍ أن بعض الناس طعن في سند هذا الحديث، وقد قال عنه ابن حجر في بلوغ المرام: إن إسناده قوي، وقال عنه الشيخ العلامة، شيخ عصره في هذه المملكة عبد العزيز بن عبد الله بن باز: إن سنده صحيح.
ثم حاول آخر أن يطعن في متنه، وقال: كيف يقول الرسول للمرأة: (أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار) وهي لا تدري، وهل هذه علة؟ لا، ليست علة لسببين: السبب الأول: أنها قالت: لا، يعني: لا أؤديه، ويحتمل أنها عالمة ويحتمل أنها جاهلة، فإذا قلنا: إن الأصل الجهل فيرجح على احتمال أنها عالمة، قلنا الحديث يقول: (أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار إن لم تخرجي) يعني بعد قيام الحجة، وهذا واضح، فالوعيد عليها إذا علمت ولم تخرج، وحينئذٍ تنتفي العلة في متنه.
السبب الثاني: أما قياسهم لحلي الذهب والفضة على اللباس والفرس والرقيق، ومن المعلوم أن اللباس ليس فيه زكاة بالإجماع، والفرس والرقيق ليس فيه زكاة بالنص، قال النبي ﵊: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) وكلمة عبد وفرس ليست ذهباً ولا فضة.
ونحن نقول: ما سوى الذهب والفضة من غير ما تجب الزكاة بعينه لا تجب فيه الزكاة إذا اختصه الإنسان لنفسه، ولهذا نقول: أواني البيت ليس فيها زكاة، فرش البيت ليس فيها زكاة، مكاين الفلاحة ليس فيها زكاة، لكن الذهب والفضة تجب الزكاة فيها بعينها، كما تجب في المواشي بعينها إذا تمت الشروط، ولا يصح أن يقاس على الثياب وشبهها؛ لأنه قياس في مقابلة النص، والقياس في مقابلة النص مُطَّرح؛ لأنه يعبر عنه عند الأصوليين: فاسد الاعتبار، لا عبرة به، ويدل على تناقض هذا القياس أننا نقول لهم: أولاً: الثوب الأصل فيه عدم الوجوب، والذهب الأصل فيه الوجوب.
ثانياً: الثوب إذا أعده الإنسان للأجرة فليس فيه زكاة، والذهب عندكم إذا عد للأجرة ففيه الزكاة، أين القياس؟! ثالثاً: الثياب إذا أعدها الإنسان للقنية، اشتراها يلبسها ثم بدا له أن يجعلها للتجارة فإنها لا تكون للتجارة، وأنتم تقولون: إن الحلي إذا اشتراه للقنية ثم نواه للتجارة صار للتجارة، وهذا أيضاً تناقض.
على كل حال: الحمد لله أن الأقيسة المخالفة للنص دائماً تكون متناقضة، مع أنها من الأصل فاسدة الاعتبار.
ثم نقول: هب أن الأدلة متكافئة، فما هو الأصل في الذهب والفضة؟ الوجوب.
هذا واحد.
هب أنها متكافئة فما هو الأحوط أن أخرج الزكاة أم لا؟ أن أخرج الزكاة.
وبهذا تبين أن الزكاة واجبة في الحلي المعد للاستعمال، سواء استعمل أم لم يستعمل بشرط أن يبلغ النصاب، والنصاب عشرون مثقالاً من الذهب، وهو حسب ما قال لنا أهل الذهب: خمسة وثمانون جراماً.
وأما الفضة فهي مثل الذهب إذا كانت حلياً وجبت فيها الزكاة كما لو لم تكن حلياً، ونصابها مائة وأربعون مثقالاً، ويبلغ بالجرامات خمسمائة وخمسة وتسعين.
إذاً: الذهب والفضة تجب فيهما الزكاة على كل حال.
стр. 314
زكاة عروض التجارة
عروض التجارة كل شيء اتجر به الإنسان من أي نوع كان من المال، فهو أعم أموال الزكاة، كل شيء يتجر به الإنسان فهو عروض تجارة.
حسناً! المواشي عروض تجارة، إذا كان ينتظر فيها الربح، الثياب، الأواني، العقارات، كل شيء يريد به الإنسان الاتجار يعني التكسب فهو عروض تجارة، من أي نوع من المال.
الصيارفة الآن الذين يبيعون بالصرف تعتبر نقودهم عروض تجارة، ولهذا الصيرفي يجب أن يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب بخلاف غيره، لأن الصيرفي ذهبه وفضته عروض تجارة.
حسناً لو كان عند الإنسان حمير يتجر بها فيها زكاة أم لا؟ مداخلة: فيها زكاة؛ عروض تجارة.
الشيخ: إذا كان عند الإنسان معدات يستعملها يتجر باستثمارها، فماذا تقولون؟ مداخلة: عروض تجارة.
الشيخ: لا ليست عروض تجارة ليس فيها زكاة، المواد التي لا تباع ليس فيها زكاة، فالآلات الصناعية والمكاين، مكاين الخراطة والنشارة والحدادة وغيرها هذه ليس فيها زكاة لأنها ليست عروض تجارة.
стр. 315
زكاة الأوراق النقدية
الشيخ: الأوراق النقدية فيها الزكاة، الأوراق النقدية في الحقيقة ليست ذهباً ولا فضة ولا عروض تجارة.
هل هي فضة أم لا؟ لا.
هل هي عروض تجارة؟ لا.
الصيارفة، صحيح يجعلونها عروض تجارة، يتجرون بها، لكن غير الصيارفة، إنسان -مثلاً- موظف يعدها للنفقة، ليست عروض تجارة، فلو قال قائل: إنه لا زكاة فيها، لأنها ليست ذهباً ولا فضة، ولا عروض تجارة، ولا ماشية، ولا خارج من الأرض، نقول: قد قال بها بعض الناس لكنه قول ضعيف جداً، وإنما نوجب فيها الزكاة لماذا؟ لأنها حلت محل الذهب والفضة، حلت محل النقدين.
إذا قال: ريال مثلاً أو درهم ماذا يريدون؟ ريال من الفضة أو هذه الأوراق؟ هذه الأوراق.
إذاً: فتجب فيها الزكاة لأنها أقيمت مقام النقدين الذهب والفضة.
стр. 316
زكاة الخارج من الأرض
ليس كل خارج من الأرض يكون فيه الزكاة، الخارج من الأرض من الحبوب والثمار فقط، مثل: ثمر النخل، وثمر العنب، الحنطة، الشعير، الذرة، الرز، وما أشبه ذلك، أما ما سوى هذا فليس فيه زكاة، فلو كان عند الإنسان (مبطخة) كبيرة، تنتج من البطيخ الشيء الكثير، فهل فيها زكاة؟ لا ما فيها زكاة، لو صار فيها ريع كثير جداً فلا زكاة فيها، لكن الزكاة فيما يحصل من النقود إذا تم عليه الحول.
إذاً نقول: الحبوب والثمار فقط هي التي فيها الزكاة، أما سائر ما يخرج من الأرض فليس فيه زكاة ولكن يزكى متى؟ يزكى ثمنه إذا تم عليه الحول وبلغ النصاب.
стр. 317
زكاة المواشي
الإبل، والبقر، والغنم خاصة، وما سواها لا زكاة فيه، فلو كان عند الإنسان مائة حمار ليست للتجارة ولكن للتنمية، الإنسان ينمي الحمير من أجل أن يكد عليها ولا يبيعها ويأخذ ثمنها، فليس فيها زكاة، عنده مائة فرس للتنمية ليس فيها زكاة، عنده مائة بغل ليس فيها زكاة، الزكاة في ثلاثة أصناف من البهائم هي: الإبل، والبقر، والغنم، وما عدا ذلك فليس فيه زكاة.
ويشترط بلوغ النصاب، ويشترط أن تكون سائمة، قال العلماء: السائمة: هي التي ترعى ولا تعلف، ترعى كل الحول أو أكثر الحول، أما التي تعلف فليس فيها زكاة، وعلى هذا فالذي يوجد الآن عند البادية يشترون له الشعير ونحوه، ويطعمونه إياه، ليس فيها زكاة، لماذا؟ لأنها غير سائمة.
حسناً! لو أعدها للتجارة فيها الزكاة وإن كانت غير سائمة؟ نعم وإن كانت غير سائمة، والإنفاق عليها كإنفاق التاجر على بضاعته، يعني: لا يمنع الزكاة.
стр. 318
نصاب الأموال الزكوية
حسناً! هذه ستة أصناف من المال كلها فيها الزكاة، ولكن لابد أن تبلغ النصاب، عرفنا نصاب الذهب ونصاب الفضة، عروض التجارة ما نصابها؟ نصابها أن تبلغ نصاب الذهب أو الفضة، إذا كان الذهب أرخص من الفضة اعتبرنا نصاب الذهب، وإذا كان أغلى اعتبرنا نصاب الفضة، يعني: فتقدر بما هو أنفع لأهل الزكاة، إما بالذهب وإما بالفضة، وهل يكمل الذهب بالفضة أم لا؟ في هذا خلاف بين العلماء: منهم من يقول: يكمل نصاب الذهب من الفضة ونصاب الفضة من الذهب.
ومنهم من يقول: لا.
مثاله: رجل عنده نصف نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضة، هل يضم أحدهما إلى الآخر؟ يوجد خلاف، والصحيح: أنه لا يضم، وأن نصاب الذهب منفرد، ونصاب الفضة منفرد؛ لأن السنة جاءت هكذا، ولأن البر لا يضاف إلى الشعير في تكميل النصاب.
يعني: لو كان عند إنسان مزرعة ليس فيها إلا نصف نصاب من الشعير، ونصف نصاب من القمح، هل يكمل هذا من هذا؟ لا.
إذاً: الذهب لا يكمل من الفضة، والفضة لا تكمل من الذهب.
وما مقدار الواجب في الذهب والفضة وعروض التجارة والأوراق النقدية؟ ربع العشر.
يعني: واحداً من أربعين، وعلى هذا فإذا أردت استخراج الزكاة فاقسم ما عندك على أربعين، والخارج بالقسمة هو الزكاة، فإذا كان عندك أربعون ألفاً؟ فالزكاة ألف، وكم في خمسين ألفاً؟ مداخلة: ألف ومائة.
الشيخ: ألف ومائة؟! الشيخ: كم في عشرة آلاف الزائدة عن الأربعين ألفاً؟ مداخلة: الشيخ: لا.
مائتين وخمسين، الأربعين فيها ألف والعشرة بها مائتين وخمسين، فالمجموع ألف ومائتين وخمسين.
على كل حال: المسألة بسيطة يعني ما يحتاج إلى تعب، اقسم ما عندك على أربعين والخارج بالقسمة هو الواجب.
الواجب في الخارج من الأرض إن كان يسقى بلا مئونة يعني: يشرب من الأنهار، أو يشرب بعروقه، ففيه العشر كاملاً، وإذا كان يسقى بمئونة كالسواني والمكائن ففيه نصف العشر، إذا جعلنا فيه نصف العشر نقسمه على عشرين، وإن جعلنا فيه العشر نقسمه على عشرة، ويخرج الواجب.
المواشي: قدر النبي ﵊ أنصبتها نصاباً نصاباً، ويختلف الواجب بحسب النصاب، ففي خمس من الإبل شاة، وفي خمسة وعشرين بنت مخاض يعني: أنثى تم لها سنة، ويختلف في أربعين شاة شاة واحدة، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، وفي ثلاثمائة وتسعة وتسعين ثلاث شياه، يعني: مائتين وواحدة فيها ثلاث شياه، وثلاثمائة وتسعة وتسعين فيها ثلاث شياه، الوقص -أي: النقص والفرق- كبير جداً ما بين مائتين وواحدة إلى ثلاثمائة وتسعة وتسعين، لكن نحن نقول: سمعنا وأطعنا، إنسان عنده ثلاثمائة وتسعة وتسعين قلنا عليك ثلاث شياه، وإنسان عنده مائتين وواحدة قلنا: عليك ثلاث شياه، فجاء يصيح علينا أنا كيف علي ثلاث وذلك عليه ثلاث شياه، نقول: هذا حكم الله، قل: سمعنا وأطعنا.
المهم أن الماشية أنصبتها محددة وليست كغيرها، يحدد أول النصاب والباقي ما زال بحسابه، هذه من قبل الشرع نمشي عليه.
أما أهل الزكاة فنجعلها إن شاء الله في الدرس القادم حتى نتفرغ الآن للأسئلة التي جاءت وهي غير قليلة.
стр. 319
الأسئلة
стр. 320
العبرة في الإمساك في الصوم
السؤال
رجل طوال الأيام الستة الماضية كان هو وأهله يتسحرون والمؤذن يؤذن، ولا يميز بين المؤذنين من المتقدم ومن المتأخر، ومن الضابط ومن غير الضابط، وينتهي قبل انتهاء آخر مؤذن من الأذان، فما حكم ذلك؟ وهل عليه قضاء؟ وإذا كان جاهلاً في الحكم أرجو بيان ذلك بياناً شافياً.
وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أولاً: إن المؤذنين الذين يؤذنون على توقيت أم القرى يؤذنون قبل الفجر بخمس دقائق، وعلى هذا فالذي يأكل ويشرب والمؤذن يؤذن على هذا التوقيت لا حرج عليه، وقد ذكرنا في الدرس السابق هذه المسألة، وبينا أن العلماء ﵏ قالوا: إذا اختلف عليه رجلان يرقبان الفجر أحدهما يقول: طلع الفجر، والثاني يقول: لا، خذ بقول من يقول: لا، هذه واحدة.
ثانياً: إذا كان هؤلاء جاهلين فإن الجاهل لا يفطر حتى لو أكل بعد الفجر يقيناً، لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] ، ولأنه ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄: (أن الناس أفطروا على عهد النبي ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس، ولم يأمرهم بالقضاء) ولو كان صومهم فاسداً لأمرهم بالقضاء؛ لأنه يجب على النبي ﵊ أن يبلغ الناس شرع الله، فلما لم يأمرهم به عُلم أن القضاء ليس بواجب وهو الصحيح، وهو الماشي على القاعدة المطردة في الشريعة الإسلامية: أنه لا تفسد العبادة مع الجهل ولا مع النسيان.
ولما حصلت مثل هذه القضية في عهد عمر ﵁، سألوه قالوا: يا أمير المؤمنين! ماذا نفعل؟ فقال: [الأمر يسير، إننا لم نتجانف لإثم] .
следующие страницы →