Полный текст (477 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
معنى انصراف الإمام من الصلاة، وأجر قيام ليلة
السؤال
فضيلة الشيخ: والله! إني أحبك في الله، ما المراد بقوله ﵊: (حتى ينصرف) في الحديث الذي رواه أهل السنن في قوله ﵊: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ولو كان نائماً في فراشه) هل هذا الانصراف من الصلاة أم قيام الإمام من المحراب؟
الجواب
أقول: أحبه الله الذي أحبنا فيه، وأسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أحبابه وأوليائه وحزبه.
أما المسألة الأولى وهي قوله ﷺ : (حتى ينصرف) فالمراد ينصرف من الصلاة وليس المراد أن ينصرف يقوم ويخرج بل ينصرف من الصلاة، ولهذا قال العلماء: إن الإمام إذا سلم سواء في التراويح أو غيرها لا يطيل القيام مستقبل القبلة بل إذا قال: أستغفر الله ثلاثاً، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ينصرف لئلا يحبس الناس، والناس ما دام الإمام لم ينصرف إلى اتجاههم فإنهم مأمورون بالبقاء، لكن لا يحبس الناس يبقى بقدر ما يقول: أستغفر الله ثلاث مرات، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف، هذا المراد.
وأما قوله: إن الرسول ﷺ قال: (كتب له قيام ليلة ولو كان نائماً على فراشه) فإن قوله: (ولو كان نائماً على فراشه) إدراج، يعني: ليست من أصل الحديث، إنما المعنى صحيح؛ فإن الصحابة لما قام بهم النبي ﵊ قالوا: (يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -يعني: لو زدت- قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) .
وأحب أن أنبه أن بعض الناس ظن أن الرجل إذا تابع الإمام في الوتر ثم قام بعد سلامه وأتى بركعة ليكون الوتر شفعاً ظن أن هذا يخالف قوله: (حتى ينصرف) ونحن نقول: هذا غلط، قوله: (حتى ينصرف) فإذا سلم الإمام وأتيت بعده بركعة فإنك قد بقيت حتى انصرف، فالانصراف هو الحد الأعلى ولم يقل ﵊: وانصرف مع انصرافه، حتى نقول: إنك إذا شفعت لقد خالفت الحديث، بل قال: (من قام حتى ينصرف) ومن بقي مع الإمام حتى سلم ثم جاء بعده بركعة فقد بقي معه حتى ينصرف ولا شك في ذلك.
стр. 352
الفرق بين الفقير والمسكين
السؤال
ما الفرق بين الفقير والمسكين؟
الجواب
الفقير والمسكين إذا ذكر أحدهما مفرداً فهما بمعنىً واحد، وإن ذكرا جميعاً فالفقير أشد حاجة.
قال العلماء: الفقير في آية الصدقات من يجد أقل من نصف الكفاية، والمسكين من يجد النصف فما فوق لكن لا يجد الكفاية التامة، ويتضح الحال بالمثال: رجل راتبه ألفان ونفقته ثلاثة آلاف فقير أو مسكين؟ هذا مسكين؛ لأنه يجد أكثر من النصف، الراتب ألفان والنفقة ثلاثة.
إذاً: هو مسكين.
رجل راتبه ألف ونفقته ثلاثة آلاف هذا فقير.
رجل نفقته ألف وليس له راتب؟ فقير، وهذا أشد.
أما إذا ذكرا جميعاً فكل واحد لوحده.
стр. 353
حكم إنفاق الزكاة في الكماليات
السؤال
إنسان عليه دين فأخذ زكاة من زوجته ليسدد بها دينه ولكنه وضعها في جيبه ثم أنفقها على نفسه وعلى زوجته في أشياء غير ضرورية وذلك في العام الماضي، فهل الزكاة عن زوجته مجزئة في هذه الحال؟ وإن كان لا فماذا يجب الآن؟
الجواب
أما الزكاة فهي مجزئة؛ لأنها وضعت في موضعها، وأما تصرف الزوج فهو خطأ؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يتمتع بالكمال وهو عليه دين، صرح بعض العلماء: بأن الذي عليه دين لا يجوز أن يتصدق، مع أن الصدقة تقرب إلى الله قالوا: لأن قضاء الدين واجب والصدقة مستحبة.
стр. 354
وجوب الإنفاق على الجدة
السؤال
ما حكم دفع الزكاة للجدة وهي محتاجة إلى ذلك؟ وما حكم دفع الزكاة إلى أخي وعليه أقساط سيارة وهو محتاج للسيارة للذهاب والإياب بها إلى الجامعة وليس له دخل يستطيع دفع هذه الأقساط؟
الجواب
أما دفع الزكاة للأخ فلا بأس لأنه قضاء دين، وأما دفع الزكاة للجدة فإنه لا يجوز لأن الجدة يجب عليك أن تنفق عليها، اللهم إلا إذا لم يكن في مالك سعة تستطيع الإنفاق عليها فلك أن تعطيها من الزكاة، أما إذا كان في مالك سعة فالواجب عليك أن تنفق عليها من مالك الخاص.
стр. 355
حكم كشف المرأة وجهها أثناء الصلاة
السؤال
فضيلة الشيخ: هل الأفضل للمرأة أن تصلي كاشفة وجهها أم متغطية إذا لم يكن لديها رجال أجانب؟ وهل الغطاء حائل مكروه أثناء السجود؟
الجواب
الأصل للمرأة في حال صلاتها أن تكشف وجهها إذا لم يكن عندها رجال غير المحارم؛ لأن ذلك أحسن للصلاة وأمكن من مباشرة أعضاء السجود للأرض، ثم إنه قد ورد عن النبي ﷺ أنه نهى أن يغطي الرجل فاه يعني: في حال الصلاة؛ لأن هذا يكتم النفس ويذهب انشراح الصدر.
فالمرأة إذا كان ليس عندها رجال أجانب من غير المحارم نقول لها الأفضل تكشف الوجه، أما إذا كان عندها رجال أجانب فالواجب عليها أن تغطيه، وفي حال السجود الأفضل أن تباشر الجبهة محل السجود، وعلى هذا فإذا أرادت أن تسجد ولو كان حولها رجال كشفت عن وجهها وباشرت الأرض بوجهها.
стр. 356
معنى الجمع في السفر، ومتى يكون
السؤال
من المعلوم بأن جمع المسافر يكون إما جمع تقديم أو جمع تأخير، سؤالي هنا: ما هو حكم الجمع في وسط الوقتين؟ وهل يجوز لمن أراد السفر أن يجمع جمع تقديم في بلده فهو أيسر له خاصة النساء؟
الجواب
أقول: الجمع ليس معناه أن تكون الصلاتان بين الوقتين، الجمع معناه الضم، أن تضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى إما الثانية للأولى إذا كان جمع تقديم، أو الأولى إلى الثانية إذا كان جمع تأخير، سواء في أول وقت الأولى أو في آخر وقت الثانية أو في الوسط، كلها على حد سواء، لكن افعل ما هو أرفق بك إن كان أرفق جمع التقديم فقدم وإن كان أرفق جمع التأخير فأخر.
وأما جمع المسافر قبل أن يغادر بلده فإنه لا يجوز إلا إذا كان يخشى المشقة مثل أن تكون رحلته في الطائرة ويخشى أن يشق عليه تأخير العصر، أو امرأة كما جاء في السؤال يشق عليها أن تتوضأ في السفر فحينئذ لها أن تجمع جمع تقديم.
стр. 357
زكاة أموال الأسهم في الشركات
السائل: هل يزكى المال الذي تمت المساهمة به في شراء مستشفىً وتشغيله، أم تزكى أرباحه فقط؟ وما حكم تزكية الأسهم في شركات الاستثمار حيث إن السهم قد يكون في بناء أو سيارة أو غيرها؟
الجواب
يجب أن نعلم أن الزكاة في الشركات والمساهمات إنما تجب في النقود فقط، أما الأعيان فلا تجب ما لم يكن يولج بها التجارة، فإن كان يولج بها التجارة فهي من عروض التجارة، أما إذا كان يريد التنمية في ذلك فإن أعيان المساهمات لا تجب فيها الزكاة.
стр. 358
أضرار الخادمات، وحكم وقوف الأبناء في وجه الآباء بسبب ذلك
السؤال
ما حكم من كان عنده خادمة في بيته غير مسلمة فماذا يفعل بها؟ وحول هذا في مسألة الخادمة هناك سؤال مقارب يقول: كثيراً ما يحصل بين والدي ووالدتي خلاف يصل إلى درجة الإهانة كأن يضربها أمامنا ونحن صغار ووالدتي صابرة على هذا، وحدث أن رأت والدتي ووالدي وهو يراود الخادمة عن نفسها، وتبع ذلك أنها ازدادت كرهاً لوالدي وصارت لا تطيقه في البيت، علماً بأن والدي يبلغ من العمر خمس وسبعون سنة، هل على والدتي إثم في أنها تقدم له الخدمة على أكمل وجه ولكنها لا تحدثه إطلاقاً واستمرت على هذه الحال أكثر من ثلاثة شهور، علماً بأنه مسامح لوالدتي على هذا، وهل ينطبق عليها حديث الرسول ﷺ في غضب الزوج على زوجته، وأحياناً أقف في وجه أبي في حالة أفقد فيها شعوري خصوصاً عندما أرى والدتي تبكي أو تتشاجر معه فهل يلحقني إثم كبير في ذلك.
أرجو منكم النصيحة والتوجيه في هذا؟
الجواب
هذا يا إخوان! من أكبر الزواجر عن جلب الخدم، رجل له خمسة وسبعون سنة يعني: ليس شاباً فيزني بهذه الخادمة والعياذ بالله وهو داخل في قول الرسول ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان -الأشيمط يعني: الشائب- وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يبيع إلا بيمينه ولا يشتري إلا بيمينه) .
وهذه المسألة التي ذكرها السائل ليست بعيدة لأنه يرد علينا أسئلة مثلها أو أشد والعياذ بالله، ونحن نحذر دائماً من استجلاب الخدم، وقد اتصلت بي امرأة مرة من المرات وقالت: إنها محتاجة إلى خادم، وأنها ترى بأن يأتي زوجها بخادم ولكن الزوج يأبى، فأشرت عليها بمشورة طيبة فقلت: أنا أرى أن يتزوج امرأة ثانية، ولكنها غضبت وضربت بالتلفون.
ولا شك أن هذا خطأ منها بلا شك؛ لأن الزوجة الثانية يأتيها الزوج بالحلال وربما يهديها الله للكبيرة الأولى وتكون لها منزلة البنت تخدمها وتقوم بمصالحها، وإذا ضاقت بالثانية مثلاً نقول: أشيري عليه بثالثة لأن الغالب أنه إذا تزوج الثالثة هانت على النساء كما هو مشاهد؛ لأن الأولى إذا غارت من الثانية وجاءت الثالثة جديدة صارت ضد الثانية فهانت على الأولى والثانية الوسطى لا يهمها الثالثة لأنها كانت بالأول عندها امرأة ثانية يعني: الأمر قد هان عليها.
على كل حال أقول: الإتيان بالخدم مضرتها شديدة، وأن من جملة الأسباب التي تهون مسألتها أن يتزوج الرجال امرأة ثانية يستفيدون السلامة من هؤلاء الخدم ويستفيدون أيضاً أن هؤلاء النساء العوانس اللاتي في البيوت يكون لهن أزواج يحصنون فروجهن، ونستفيد فائدة ثالثة وهي تكثير النسل في الأمة الإسلامية والذي كان ﵊ يحث عليه يقول: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء) لهذا أنا أنصح لإخواننا الذين لهم قدرة وتحتاج بيوتهم إلى نساء أنصحهم بالزواج، وأنصح النساء أن يتحملن ذلك وأن يتذكرن أمهات المؤمنين وأن الرسول ﷺ مات عن تسع، وأن هذا أمر ليس فيه شيء يتعب أو يخجل فلتحتسب المرأة الأولى ولتصبر ولتكن عوناً لزوجها على حل هذه المشكلة.
أما بالنسبة للشخص فأنا أشكره على هذا العمل الطيب وأقول: حاول أن تخرج هذه الخادمة في أسرع وقت ممكن؛ لأن بقاءها في البيت ثغر لا شك.
وأما كونه يقف في وجهه غضباً لله، والمطلوب يا شباب غضباً لله هذا طيب لكنه ينبغي أن يلاطفه في الكلام كما كان إبراهيم ﵊ يلاطف أباه وهو ينهاه عن الشرك يقول: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم:٤٢-٤٣] ولم يقل: يا أبت إنك جاهل، قال: ﴿جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ [مريم:٤٣-٤٥] كل هذه: (يا أبت) كلها تلطف مع أبيه وهو مشرك كافر ولكن كان أبوه عنيفاً ماذا قال؟ ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم:٤٦] هذا استفهام استنكار، ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ هذا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ [مريم:٤٦] نسأل الله العافية.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق، وأن يعيذنا وإياكم من مضلات الفتن، وأن يحمينا وإياكم مما يكرهه إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 359
جلسات رمضانية لعام ١٤١٢هـ[٤]
أتى الشيخ ﵀ في هذه الجلسة بمعانٍ لكلمات مهمة تقال ولا يفهم معانيها عند بعض العامة رغم كثرة تردادها، فذكر معاني الكلمات في سورة الفاتحة، وكذا التشهد وما بعده من الدعاء، وبعض كلمات القنوت.
وأجاب في أسئلته عن بعض الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف.
стр. 360
أهمية تدبر النصوص وفهم معانيها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الرابع في شهر رمضان عام (١٤١٢هـ) في الجامع الكبير في مدينة عنيزة، وهو اللقاء الأخير في هذا الشهر، نسأل الله تعالى أن يجعل ما مر علينا من هذه اللقاءات خير وبركة.
إن لقاءنا هذا سيكون موضوعه أمراً غريباً، وذلك أن أكثر المسلمين يقولون ما لا يفقهون، بل إن كثيراً منهم قد أكون بالغت إذا قلت أكثر، ولكن كثيراً منهم يقولون ما لا يفقهون، وأضرب لكم مثلاً في أمر يتكرر علينا في اليوم أكثر من سبعة عشرة مرة، ففي الفاتحة مثلاً التي هم أم القرآن والسبع المثاني والتي فرض الله على عباده أن يقرءوها في كل ركعة من صلواتهم الفريضة والنافلة والتي جمعت جميع معاني القرآن، هذه الصورة لو أننا ناقشنا واحداً من الناس: ما معنى هذه السورة؟ ما معنى آياتها؟ ما الذي تشتمل عليه؟ ما الذي تشير إليه؟ لوجدته خلواً من ذلك، لا يفهم ولا يفقه، ولكنه يقرأ ألفاظ وآيات امتثالاً لأمر الله ورسوله، وهذا حسن لا شك، لكن ليس هذا هو المقصود.
كذلك أيضاً نحن نقرأ التشهد في كل صلاة إما مرة أو مرتين فهل نحن نعرف معاني ألفاظ التشهد؟ كثير من الناس لا يعرفون، إذاً كيف يدعون؟! كيف يثنون على الله بشيء لا يعرفونه؟!! هذا غريب.
كذلك أيضاً: نحن نسبح الله في الركوع وفي السجود، ولكن هل نحن نعرف معنى: سبحان ربي العظيم، معنى: سبحان ربي الأعلى؟ كثير من الناس لا يعرف.
نحن ندعو الآن في القنوت وتأمنون على الدعاء، لكن هل كل جملة معروفة لديكم؟ قد تكون بعض الكلمات غير معروفة لديكم، واضرب لهذا مثلا: (أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا) ما معناه؟ قد يقول قائل: كيف أدعو بهذا الدعاء (أصلح لنا ديننا) أليس الدين صالحاً؟ كيف نسأل الله أن يصلح لنا ما هو صالح؟ يفهم بعض الناس المعنى على هذا الوجه فيبقى حيران، وهو مع ذلك إذا قال إمامه: أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ماذا يقول؟ يقول: آمين، والإشكال في نفسه.
إذاً هذه مشكلة -يا إخوان- ينبغي لنا إن لم أقل: يجب علينا أن نفهم معاني ما نقول، إذا كان الإنسان لو درس كتاباً في النحو أو البلاغة أو الفقه أو الحساب أو الطب أو الكيمياء أو الجغرافيا لابد أن يفهم معناه، فما بالنا لا نفهم معنى كلام الله ، ما بالنا لا نفهم معنى ما نثني به على ربنا .
لابد أن نفهم، لابد أن نفهم.
ولهذا قال ابن مسعود ﵁: [كيف بكم إذا كثر قراؤكم وقَلَّ فقهاؤكم؟] القراء هم الذين يتلون لفظاً، والفقهاء هم الذين يعرفون المعنى (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين) .
إذاً لابد أن نعرف، لابد أن نفقه، ولا حرج على الإنسان الذي لا يفهم أن يأخذ بيد طالب علم ويقول: جزاك الله خيراً ما معنى هذه الآية، ما معنى هذا الحديث، ما معنى هذا الدعاء، وإذا قال هكذا يكون طالب العلم ممنوناً بذلك، إذا علم أن صاحبه سأله مسترشداً فإنه سيفرح.
стр. 361
بعض معاني سورة الفاتحة
لعلنا الآن نتعرض لبعض المعاني في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] معنى الحمد: المدح المقرون بالمحبة التامة والتعظيم التام، وهذا هو الفرق بين المدح وبين الحمد، المدح قد يكون مع البغضاء ومع الاستهانة، لكن الحمد لا يكون أبداً إلا مع المحبة والتعظيم، قد يمدح الإنسان شخصاً وهو يبغضه لكن يمدحه خوفاً من شره أو رجاءً لما عنده، لكن الحمد مصحوب بالمحبة والتعظيم.
وما معنى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] أي: الخالق للعالم، المالك المدبر.
وما صلة: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] بـ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأنها جاءت بعدها: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صلتها: أن ربوبية الله للعالمين ربوبية مبنية على الرحمة، فهو رب وفي نفس الوقت رحيم.
ثم ما صلة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] بما قبلها، نحن إذا قرأنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢-٣] فإننا نتصور ونتخيل الدنيا، فجاء ذكر الآخرة بعد ذلك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لينتقل الإنسان من حال الدنيا إلى حال الآخرة ويكون متعظاً.
ثم بعد هذا الثناء على الله والتعظيم لله، يأتي دور العبادة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] ثم هل العبادة يقوم بها الإنسان بلا معونة الله؟
الجواب
لا.
فيأتي بعد ذكر العبادة الاستعانة: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] .
ثم بعد إخلاص العبادة لله والاستعانة به يأتي دور الدعاء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦-٧] .
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ لم يقل (إلى) ولا (في) ما قال: اهدنا فيه، ولا اهدنا إليه، من أجل أن تشمل الهداية هداية الدلالة وهداية التوفيق، الإنسان بالنسبة للصراط المستقيم قد يكون بعيداً منحرفاً يميناً أو يساراً يحتاج هنا إلى ماذا؟ إلى هداية إليه أم هدايه فيه؟ إنسان بعيد عن الصراط المستقيم منحرف يمين أو يسار، يحتاج إلى هداية إليه أول يدله، نقربه إلى الصراط المستقيم، ثم بعد ذلك إذا دخل الصراط المستقيم يحتاج إلى هداية فيه، ولهذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة:٦] ولم يقل: إلى الصراط، ليشمل الهداية التي هي الدلالة، والهداية التي هو التوفيق والثبات على الدين.
وصراط من؟ صراط الذين أنعم الله عليهم، ووصف الصراط أولاً بأنه مستقيم ثم أثنى على سالكيه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] .
الناس ثلاثة أقسام: منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالون.
وتأمل البلاغة العظيمة قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: المنعم عليهم.
والأمة الغضبية ماذا قال؟ ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: الذين غضبت عليهم، لأن هذه الأمة الغضبية مغضوب عليها من قبل الله ومن قبل أولياء الله.
والضال ضد المهتدي، فالناس ثلاثة أقسام: - القسم الأول: عالم بالحق وعامل به: هذا منعم عليه، فكأن الذي يقول: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ كأنه يسأل الله العلم والعمل.
- القسم الثاني: عالم بالحق مستكبر عنه وهذا مغضوب عليهم.
- الثالث: جاهل بالحق وهذا ضال.
المغضوب عليهم اليهود، والمغضوب عليهم النصارى بعد بعثة الرسول ﵊، النصارى قبل بعثة الرسول ضالون، لكن بعد بعثة الرسول وعلمهم بالحق صاروا من قسم المغضوب عليهم، لاحظوا أنكم تجدون في كثير من كتب المفسرين أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى، هذا قبل بعثة الرسول ﷺ ، لأن اليهود جاءهم عيسى بالحق واستكبروا، فعلموا الحق واستكبروا عنه، النصارى ما جاءهم بعد عيسى رسول لكن تاهوا.
بعد مجيء محمد صار النصارى مثل اليهود بعد مجيء عيسى، يعني: قامت عليهم الحجة، فهم مغضوب عليهم ملعونون، كما لعن اليهود وغضب عليهم، قال نبينا ﵊: (لعنة الله على اليهود والنصارى) ومع الأسف أنه يوجد الآن بيننا وفي بيوتنا خدم ومربيات كما يزعمون من أمة غضب الله عليها ولعنها والعياذ بالله! وإني لأعجب كيف تتردى أحوال المسلمين إلى هذه الحال، يربون أعداءهم بالمال وبالحفاوة، إلى حد أن وصل ضعف الدين ونقص العقل فصار الواحد يقول: إخواننا اليهود والنصارى -نعوذ بالله- إذا رأيت أن يكونوا إخوانك فأنت مثلهم.
يقول: أصحاب الأديان الثلاثة السماوية، دين اليهود والنصارى هل هو قائم الآن؟ لا منسوخ.
والذي نسخه هو الذي شرعه، رضيه لعباده ديناً في وقته وبعد مجيء الرسول ﵊ لا يرضى إلا الإسلام، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] إذاً هي ليست ديانة قائمة الآن، لا قائم من هذه الأديان الثلاثة إلا دين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ .
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) المراد بالصلاة هنا الفاتحة، لكن لعظمها في الصلاة وكون الصلاة لا تصح إلا بها، أطلق عليها الصلاة، كأن الفاتحة هي الصلاة كلها.
(قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: (مالك يوم الدين) قال: مجدني عبدي، وإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين، وإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) الحمد لله.
نعمة، والله! ليتنا نستحضر هذا المعنى، ليتنا نستحضر هذا المعنى ونحن نصلي، يكون للقراءة طعم ولذة وذوق، لا ننساه أبداً، لكن نسأل الله أن يعفو عنا، نقرأ تلاوة على اللسان ولا نستحضر هذه المعاني العظيمة.
стр. 362
بعض معاني التشهد في الصلاة
стр. 363
معنى كلمة: (التحيات لله)
أما التحيات، فما معنى (التحيات لله) ما هي التحيات؟ أصل التحية: كل لفظ دل على الإكرام، إذاً: كل لفظ للتعظيم والإكرام مستحق لله ، لا أحد يستحق أن يعظم غاية التعظيم إلا الله ، إذاً: جميع التعظيمات لله، (الصلوات لله) أي: لا يصلى إلا لله، ولهذا من صلى لغير الله فهو كافر.
стр. 364
معنى كلمة: (الطيبات)
(الطيبات) أي طيبات؟ الطيبات ذات شقين: طيبات في وصف لله، وطيبات وصف للفاعل غير الله، (الطيبات لله) الطيبات باعتبار كونها وصفاً لله أنه طيب الذات والصفات والأفعال، .
وما معنى طيب الذات، والصفات، والأفعال باعتبارها كفعل للإنسان؟ الطيب ما وافق الشرع، والرديء ما خالف الشرع، قال النبي ﵊: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) جاء في الحديث كلا الأمرين: طيب الذات والصفات والأفعال، لا يقبل إلا طيباً هذا فعل المخلوق، المخلوق قد يكون فعله طيباً وقد يكون خبيثاً.
قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] فقسم الناس إلى طيب وخبيث، كل شيء ينقسم إلى طيب وخبيث ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] كل شيء طيب وخبيث، النكاح في العقد الشرعي طيب، واللواط خبيث، ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء:٧٤] .
إذاً الطيبات في قوله: الطيبات، الطيبات من أين؟ من الأفعال وغيرها.
نقول تنقسم إلى قسمين: باعتبار إضافتها إلى الله ماذا تكون؟ طيب الذات والصفات والأفعال، وباعتبار فعل المخلوق، ما وافق الشرع فهو طيب، وما خالفه فليس بطيب.
стр. 365
معنى: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)
ما معنى (السلام عليك) ؟ السلام من أسماء الله كما قال تعالى في سورة الحشر ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣] لكن هل معنى (السلام عليك) يعني: الله عليك؟ لا، وإن كان بعض العلماء غفر الله لهم قال: إن المعنى اسم السلام عليك، لكن هذا غير صحيح، بل السلام هنا بمعنى التسليم، أي: سؤال السلامة.
فإذا قلت: (السلام عليك أيها النبي) يعني: أسأل الله لك السلامة.
وهنا إشكال قد يتعلق به الخرافيون، أو يتعلق به المشركون، يقول: السلام عليك، كيف تخاطب الرسول؟ إذاً معناه أن الرسول حاضر، (عليك) لأن الكاف للخطاب، ولا يخاطب إلا الحاضر، لو واحد يخاطب غائب قلت: هذا مجنون، لو كان لك ولد في بلد آخر فقلت يا فلان! اسمع قم للسحر قبل الفجر بنصف ساعة وكل واشرب وتهيأ حتى يطلع الفجر أمسك، تخاطبه وهو في بلد آخر ماذا يقول الناس؟ يقولوا: هذا مجنون، اربطوا هذا ابن الناس، لكن هنا يقول: (السلام عليك أيها النبي) مشكلة! جاء في حديث رواه البخاري عن ابن مسعود: (أنهم كانوا يقولون في حياة الرسول ﷺ (السلام عليك) وبعد مماته يقولون: السلام على النبي دون عليك) ولكن هذا لا يزيل الإشكال، لماذا؟ لأن الصحابة الذين مع الرسول في نفس المسجد يقولون: عليك وهو لا يسمع، فما بالك الذي في العوالي في أقصى المدينة والذي في مكة وفي بلاد أخرى، فالكاف هنا ليست للخطاب المعهود الذي يكون مع الحاضر، لكن يقول شيخ الإسلام ﵀ في كتابه القيم الذي نشير به على كل طالب علم وهو ما يعرف بكتاب إقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، يقول: إن الإنسان إذا قال السلام عليك، لقوة استحضاره للنبي ﵊ الذي يدعو له بالسلامة كأنما يخاطبه، وإلا فلا خطاب، ولهذا كان قول ابن مسعود معارضاً بقول من هو أفقه منه وأعلم منه وهو عمر بن الخطاب ﵁، فإنه صح في موطأ الإمام مالك: أن عمر خطب الناس على المنبر، يعلمهم التشهد بلفظ: (السلام عليك أيها النبي) في خلافته، السلام عليك أيها النبي، وعمر أفقه من ابن مسعود، وعمر قاله بمحضر الصحابة ولم ينكره أحد، وعمر قاله على المنبر علناً ليكون هذا من جنس الشعيرة التي تعلن، ولهذا ذهب بعض المعاصرين إلى أن الناس يقولون السلام على النبي إتباعاً لحديث ابن مسعود وكأنه لم يبلغه الحديث الذي ثبت في موطأ مالك ﵀ باللفظ الذي ذكرته لكم، على المنبر وبحضرة الناس، ولم ينكروا.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) نقول في السلام علينا مثل ما قلنا في السلام عليك، إن المعنى: الدعاء بالتسليم والسلام، ولكن الضمير يعود على من؟ علينا إن كنا في جماعة في المسجد، علينا نحن الجمع، وإلا فالمراد علينا نحن معشر أمة محمد.
وأما (وعلى عباد الله الصالحين) فقد بينه رسول الله ﷺ قال: (إذا قلتم ذلك: فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض) نسلم على إبراهيم في هذا وعلى موسى وعيسى والأنبياء والملائكة كلها، نسلم عليهم، وفي تقديم السلام على النبي ﷺ على أنفسنا دليل على أنه يجب أن نقدم الرسول ﵊ على النفس، وهو كذلك، حق النبي ﷺ علينا أعظم من حق أنفسنا على أنفسنا، ولهذا يجب فداؤه بالنفس والمال وتقديم هديه على هدي كل أحد.
стр. 366
معنى: (الشهادتين والاستعاذة من عذاب القبر والنار)
(أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) : أي: أقر وأعترف اعترافاً يقينياً كأنما أشاهده رأي العين، ولهذا جاءت بلفظ (أشهد) .
ومعنى: (أن لا إله إلا الله) : أي: لا معبود حق إلا الله.
(وأن محمداً عبده ورسوله) : يعني: أنه عبد لا يعبد، بل هو مرهوب، ورسول لا يكذب صلوات الله وسلامه عليه.
ثم تدعو الله بالصلاة على النبي ﷺ وعلى وآله، والتبريك عليه وعلى آله، ثم تقول: (أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنية المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) لأن النبي ﷺ أمر أن نستعيذ بالله في التشهد الأخير من هذه الأربع: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال.
عذاب جهنم هو عذاب النار.
وعذاب القبر: هو ما يكون في قبر الإنسان إذا مات، وسواء دفن أم لم يدفن؛ لأن القبر يعبر به عن الحفرة التي يدفن بها الإنسان ويعبر به عن البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، وأيهما المراد؟ البرزخ حتى وإن لم يذكر، لو فرض أن إنساناً مات في البر وأكلته السباع، أو ألقي البحر فهو قبر.
стр. 367
معنى: (الاستعاذة من فتنة المحيا والممات)
(ومن فتنة المحيا والممات) فتنة المحيا، الإنسان -يا إخواني- ما دام حياً فالفتنة قد تدركه نسأل الله العافية، قد يفتن إما بشبهة وإما بشهوة، ولست أريد بالشهوة شهوة الجنس، الشهوة الهوى، يعني: قد يبتلى الإنسان بشبهه يلتبس عليه الحق فيضل، أو بهوى فيضل أيضاً، ولا تقل إني عالم لا يمكن أن أضل، قد لا تضل علماً ولكن تضل عملاً، ولهذا نقول: إن فتنة الدنيا إما في الجهل وإما في الهوى، إما شبهة تعتري الإنسان فيلتبس عليه الحق، وإلا شهوة سيئة يعني إرادة سيئة -نسأل الله العافية- يُفتن، ولهذا جاء في الدعاء المأثور (اللهم أرنا الحق حقاً) هذا العلم، (وارزقنا اتباعه) العمل.
فتنة الممات: لها معنيان: المعنى الأول: فتنة الإنسان في قبره، لأن كل إنسان ميت يفتن في قبره يأتيه ملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه، أسأل الله أن يثبتني وإياكم بالقول الثابت، وفتنة الممات الفتنة التي تكون عند الموت، وإنما نص عليها مع أنها في حال الحياة لعظمها، لأن أشد ما يكون الشيطان حرصاً على إغواء بني آدم في تلك اللحظة نسأل الله أن ينجينا وإياكم منه، وأشد ما يكون الإنسان ضعفاً في تلك اللحظة قد ضاقت عليه الأرض وضاقت عليه النفس، ووصلت الحلقوم فهو في أمر لا نتصوره، لا يتصوره إلا من وقع فيه، والشيطان في هذه الحال يحرص غاية الحرص على إغواء بني آدم، حتى إنه ورد في بعض الآثار أن الشيطان يتمثل بأب الإنسان أمامه ويقول: يا بني! يا بني! يا بني! كن يهودياً تابعاً لموسى، فيكون يهودياً، يختم له بسوء الخاتمة، وكذلك يقول: كن نصرانياً تابعاً للمسيح، فيفعل نسأل الله أن يثبتنا وإياكم فالمسألة خطيرة.
وذكر في ترجمة الإمام أحمد ﵀ إمام أهل السنة الذي نشهد الله على محبته هو وإخوانه من الأئمة، ذُكر أنه كان في سياق الموت يغمى عليه، فيقول: بعد، بعد، فلما أفاق قيل له: يا أبا عبد الله! ما هذا الذي تقول: بعد، بعد؟ قال: إن الشيطان إمامي يعض أنامله يقول: فتني يا أحمد -ما شاء الله- ولكني أقول: بعد بعد، لماذا؟ لأن الإنسان ما دامت روحه في جسده لا تؤمن عليه الفتنة، كما قال ابن مسعود ﵁: [من كان مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة] وكم من أناس كانوا على الهدى المستقيم ثم ضلوا والعياذ بالله، نسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت.
стр. 368
معاني كلمات القنوت
نرجع إلى الجملة التي في القنوت بل جملتان أو أكثر.
(أصلح لنا ديننا) نقول: كيف أصلح لك دينك، ودينك صالح؟ ف
الجواب
أنه ليس المعنى أن يصلح الإسلام من حيث هو إسلام، أن يصلح دين الإسلام نفسه، هل أنت صالح في دينك؟ نعم قد يكون الإنسان صالحاً وقد يكون فاسداً، فمعنى: أصلح لنا ديننا يعني: اجعلنا صالحين في ديننا، ليس المعنى أصلح الدين الذي نحن عليه، لأن الدين الذي نحن عليه هو الإسلام هو صالح، لكن المعنى دين الإسلام نفسه هل هو صالح أو غير صالح؟ ثم اعلم -يا أخي- أن الدين ما يدين به الإنسان، قد يكون حقاً وقد يكون باطلاً، الشرك يسمى دين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:١-٢] .
إلى أن قال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] .
إذاً: أصلح لي ديني الدين الذي أنا أعمل به، أصلحه يعني اجعلني صالحاً فيه، فالصلاح هنا يعود على الدين أم على عمل الإنسان؟ على عمل الإنسان، إذاً: لا إشكال في الموضوع.
يقول بعض الناس: والله نحن نؤمّن على قول القائل: (متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أبقيتنا واجعله الوارث منا) ما معنى: اجعله الوارث منا؟ أسألكم أنا -أنتم جمع ما شاء الله- ما معنى: واجعله الوارث منا؟ مداخلة:.
الشيخ: معناه: أن تبقى هذه الأسماع والأبصار والقوات إلى الممات حتى تكون وارثاً بعده.
إذاً: ينبغي لنا أن نعرف معاني ما نقول، وأن نفقه ما نتكلم به، حتى يكون ذلك نافعاً، أما أن أقرأ القرآن كأنما أقرأه للتبرك، أو أن أدعو بدعاء لا أدري ما هو، يعني ما هو صحيح، نحن ننكر على المطوفين الذين يطوفون عند الكعبة ويقول بعضهم: اللهم اغنني بجلالك عن جرامك، لخطأ في النسخة، جعل الحاء تحتها نقطة، وقد تكون هذه النقطة قيء ذباب، الله أعلم، وكذلك حرام، ويدعو رافعاً صوته: بجلالك عن جرامك، الله المستعان، لماذا؟ لأن هؤلاء الذين يطوف بهم لا يدرون ماذا يقولون، نحن مثلهم وإن كنا نقول نحن بأنفسنا بلا مطوف لكن إذا كنا لا نعرف المعنى لا فرق.
فالذي أدعو نفسي وإياكم إليه: أن نحرص أن نعرف معنى ما نقول، إما بمطالعة الكتب الموثوقة أو بسؤال أهل العلم، الحمد لله العلماء فيهم خير.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في دينه، والعمل بما يرضيه واجتناب معاصيه.
стр. 369
الأسئلة
стр. 370
حكم المريض الذي مات وعليه صوم
السؤال
فضيلة الشيخ: توفيت أمي أمس العصر وهي لم تصم سوى أول يوم من رمضان، ماذا علينا أن نعمل هل نصوم عنها أو نطعم، مع العلم أن عقلها كان معها، أفتونا مأجورين؟
الجواب
إذا كان هذا المرض الذي أصابها في اليوم الثاني من رمضان لا يرجى زواله فإن الواجب أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، وإن كان مرضاً يرجى زواله ولكن عجزت عن الصوم فلا شيء عليها، لأن المريض مرضاً يرجى زواله الواجب عليه أن يصوم عدة من أيام أخر، فإذا مات قبل بلوغ هذه العدة سقط عنه الصوم كما لو مات الإنسان قبل دخول رمضان، فإنه لا يلزمه الصوم، أما إذا كان المرض لا يرجى برءه فإن العلماء يقولون: إن الواجب أن يطعم عن كل يوم مسكيناً.
بقي قسم ثالث الذي قال فيه الرسول ﵊: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) القسم الثالث هو أن يفطر الإنسان في رمضان بعذر من مرض أو سفر ثم يستطيع أن يقضيه بعد ذلك ولكن يتأخر ثم يموت، فهذا هو الذي ينطبق عليه الحديث: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) مثال ذلك: رجل سافر في رمضان أسبوعاً وأفطر هذا الأسبوع ثم عاد إلى وطنه، وبقي شهراً أو شهرين يقول: أنا أصوم متى تيسير لأنني أن أؤخر الصوم إلى شعبان، فمات قبل أن يصوم، نقول: هذا الرجل مات وعليه صيام فيصوم عنه وليه، يعني وارثه، يصوم الوارث إن شاءوا صاموا يوماً واحداً، يعني: لو قدرنا عليه أسبوع كم يوماً؟ سبعة أيام، وله أولاد سبعة وصاموا كلهم يوماً واحداً أجزأ.
فالأقسام ثلاثة الآن: من مرضه لا يرجى برءه، ما الواجب في حقه؟ أن يُطعم عنه، يطعم هو في حياته إن كان حياً أو بعد مماته عن كل يوم مسكيناً.
مريض مرضاً يرجى برءه ولكن استمر به حتى مات؟ لا شيء عليه.
مريض مرضاً يرجى برءه وعوفي من ذلك ولكنه أخر القضاء ثم مات قبل القضاء فهذا يصام عنه.
لكن إذا قالوا لا نريد الصوم عسانا نقضي الذي علينا؟ نقول: أطعموا عن كل يوم مسكيناً ولا يلزمكم الصيام لأنه لو لزمكم الصيام لأثمتم بتركه وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] .
стр. 371
حكم من تهاون في قضاء الصوم حتى دخل عليه رمضان الآخر
السؤال
ما حكم من كان عليه أيام من رمضان العام الماضي وتهاون وتكاسل فلم يقضها حتى أتى رمضان هذا العام هل يجزئه فقط قضاء الأيام التي عليه من العام الماضي بعد رمضان هذا العام؟
الجواب
أولاً: يجب أن نعلم أنه لا يجوز للإنسان أن يترك قضاء صوم رمضان الماضي إلى أن يأتي رمضان الحاضر بدون عذر، فإن فعل بغير عذر فعليه التوبة والاستغفار وعليه القضاء، واختلف العلماء: هل يجب عليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم؟ فمنهم من قال: يجب، ومنهم قال: لا يجب، والصحيح عدم الوجوب، وأنه يكفيه التوبة مع قضاء الصوم، لأن الله قال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ولم يذكر إطعاماً، والإطعام يحتاج إلى دليل، وذلك لأن الأصل براءة الذمة وعدم الوجوب، فإذا لم يوجد دليل على وجوب الإطعام مع القضاء فإننا لا نوجبه على عباد الله.
فالصحيح من أقوال العلماء في هذه المسألة: أنه يكفيه الصوم لكن لتأخره حتى رمضان يجب عليه أن يستغفر الله .
стр. 372
حكم مزاولة الموظف للتجارة ومخالفة عقد العمل بذلك الفعل
السؤال
فضيلة الشيخ: لقد ذكرت في اللقاء السابق بأن النظام لا يسمح للموظف بأن يشتغل بالتجارة، ولكن يا فضيلة الشيخ! بعض الناس راتبه لا يكفيه، فهل يثقل كاهله بالديون، أم يعمل بالتجارة التي أباحها الله ؟
الجواب
أقول لا يثقل كاهله بالديون، ولا يعمل بالتجارة، إذا كان يرى أن التجارة خير له من الوظيفة فليدع الوظيفة، وإن كان يرى أن الوظيفة خير له من التجارة فليدع التجارة.
وأما قوله: التي أحلها الله، فنقول: نعم، الله أحل التجارة، لا شك في هذا، لكن الذي أحل التجارة، أوجب الوفاء بالعقود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وإذا كان الموظف يعلم أنه إذا دخل في الوظيفة منع من التجارة، فقد دخل على شرط يجب عليه أن يوفيه بهذا الشرط، ما لم يسقطه من شرطه، يعني: ما لم تسقطه الحكومة.
وهذه العبارة التي أراد أن يهون مسألة التجارة للموظف كقوله: التي أباحها الله، يجب أن نعلم أن الشرع يقيد بعضه بعضاً، فتأتي أحاديث مطلقة لابد أن تقيد وهي كثيرة جداً، اقرأ قول الله تعالى في محرمات النكاح بعد أن ذكر المحرمات: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ [النساء:٢٤] لو قال قائل: هذه الآية تدل على أن المرأة يجوز تتزوج بلا ولي، يجوز تتزوج بلا رضا، يجوز أن تتزوج بلا شهود، لأن ما في الآية هذه، هل يستقيم هذا الكلام أم ما يستقيم؟ لا يستقيم، فقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] مطلق يحمل على نصوص أخرى، وهو وجوب الوفاء بالعقد، فأنت الآن دخلت مع الحكومة على أنك موظف لك ما للموظفين وعليك ما على الموظفين، لكن قد يقول قائل: إننا نرى من الموظفين الكبار من يمارس البيع والشراء وهم أكثر منا بملايين الدراهم، فما بالنا نحن الصغار لا نتمكن من البيع والشراء.
والجواب عن هذا أن نقول: إن النبي ﷺ قال لأصحابه: (إنكم سترون بعدي أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) يعني: ستجدون من يستأثر عليكم من الولاة ولكن اصبروا حتى تلقوني على الحوض، انظر فائدة الصبر أن يلقى الإنسان رسول الله على الحوض، هذا يساوي الدنيا كلها.
وفي حديث عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرةٍ علينا) ما معنى أثرة؟ يعني استئثار علينا، يعني الذين يأمروننا يستأثرون علينا، حتى مع الأثرة علينا نقوم بالحق الذي لهم ونسأل الله أن يهديهم لأداء الحق الذي عليهم، هذه وظيفتهم، وأما الاحتجاج بشيء ليس حجة عند الله فهذا لا ينفع الإنسان.
стр. 373
بعض أحكام الاعتكاف
السؤال
بما أن العشر الأواخر قد أوشكت فسؤالي ما هي فضيلة الاعتكاف؟ ومتى يدخل الإنسان في المعتكف؟ وما هي مبطلاته؟ وما الذي يشرع للمعتكف حال اعتكافه؟ وما هو الزمن الذي يمكن أن يخرج فيه المعتكف من معتكفه؟
الجواب
هذا السؤال متضمن عدة جمل لكن المهم منها: أن المعتكف يلتزم المسجد لطاعة الله ، ليتفرغ للطاعة، لأن الإنسان في بيته وسوقه يلهو عن الطاعة، فيتفرغ للطاعة، ويتفرغ لانتظار ليلة القدر لأن نبينا ﷺ اعتكف العشر الأول يعني: يلتمس ليلة القدر، ثم اعتكف الأوسط يلتمس ليلة القدر أيضاً، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر فاعتكف العشر الأواخر، فينبغي أن يعلم المعتكف أنه ليس المراد من الاعتكاف أن يكون سحوره وفطوره في المسجد فقط، لا، المراد بالاعتكاف أن يتفرغ للطاعة، وأن ينتظر ليلة القدر.
ويدخل المعتكف من غروب الشمس يوم عشرين، ويخرج منه بغروب الشمس آخر يوم من رمضان سواء ثلاثين أو تسعة وعشرين، متى ثبت دخول شوال انتهى زمن الاعتكاف.
فالاعتكاف مشروع في العشر الأواخر من رمضان في أي مسجد من المساجد سواء في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي أو في المسجد الأقصى أو في مساجد القرية أو في مساجد المدينة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] .
وأما ما روي عن حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) فهذا إن صح الحديث -وأقول إن صح- لأن ابن مسعود رد على حذيفة لما جاء حذيفة يقول لـ ابن مسعود: [إن قوماً اعتكفوا في مساجد الكوفة وإن النبي ﵊ قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة] قال: [لعلهم ذكروا ونسيت، وحفظوا وغفلت] أو كلمة نحوها، وهذا ولا شك أنه يعتبر لمزاً من ابن مسعود لـ حذيفة ﵁، يعني: أنت تقول وهم ربما حفظوا وأنت لم تحفظ، فأقول على تقدير صحة هذا الحديث: يحمل على الاعتكاف الكامل يعني لا اعتكاف كامل إلا في هذه المساجد الثلاثة، لأن هذه المساجد أفضل مساجد على وجه الأرض وهي التي تشد إليها الرحال، وأما أن نقول لمن اعتكفوا في المساجد ليس لكم اعتكاف فهذا بعيد من الصواب، وكيف يقول الله : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] بـ (ال) الدالة على الجمع وبـ (مساجد) الدالة على صيغة منتهى الجموع، ثم نقول: لا يدخل في هذا العموم إلا ثلاث مساجد، هذا ليس بصحيح.
أما ما ينبغي أن يفعله المعتكف: فيشتغل بالقراءة والذكر والصلاة، ولا بأس أن يتحدث قليلاً إلى أصحابه الذين معه في الاعتكاف أو الذين يدخلون لزيارته فإنه قد ثبت أن النبي ﵊ كان معتكفاً فزارته صفية إحدى زوجاته ﵅، ولكن لا يعني ذلك أن يجعل الإنسان أكبر وقت في اعتكافه أن يتحدث إلى أصحابه كما يوجد في بعض المعتكفين في المسجد الحرام أكثر أوقاتهم التحدث فيما بينهم فإن لم يكن فالنوم، نوم وحديث، أين الاعتكاف؟ الاعتكاف تفرغ لعبادة الله .
أما ما يبطل الاعتكاف: فمباشرة النساء تبطل الاعتكاف، البيع والشراء يبطل الاعتكاف، وطبعاً المباشرة والبيع والشراء خارج المسجد يعني لو خرج الإنسان من المسجد لحاجة ثم باع أو اشترى أو باشر أهله فإن اعتكافه يبطل، يبطل أيضاً بالخروج لغير حاجة، فأما إذا خرج لحاجة مثل أن وجب عليه غسل فخرج يغتسل أو وضوء فخرج يتوضأ أو لئن لم يكن عنده من يأتي بطعامه وشرابه فخرج ليأكل ويشرب فهذه حاجة ولا بأس بها.
أما الخروج للطاعة: كشهود الجنازة، وعيادة المريض، واستماع الذكر والمحاضرات وما أشبهها، فهذه لا تجوز إلا إذا اشترطها عند دخوله الاعتكاف، كأن قال: يا رب! إني اشترط أن أعود فلاناً، أو أن أشيع فلاناً لو مات، أو ما أشبه ذلك.
وقد قسم العلماء ﵏ خروج المعتكف إلى ثلاثة أقسام: قسم يجوز بلا شرط.
وقسم يجوز بشرط.
وقسم لا يجوز لا بشرط ولا بغيره.
فالذي يجوز بغير شرط هو الخروج لما لابد منه شرعاً أو لابد منه طبعاً.
الذي لابد منه شرعاً كأن يخرج إلى الوضوء أو إلى صلاة الجمعة إذا كان في غير مسجد جامع أو ما أشبه ذلك.
والذي لابد منه طبعاً كأن يخرج للبراز أو الأكل أو للشرب إذا تعذر من يأتي بهما، هذا جائز سواء اشترطه أم لم يشترطه.
الثاني: جائز بشرط، وهو العبادة التي لا تنافي الاعتكاف: كعيادة المريض، تشييع الجنازة، حضور محاضرة أو ذكر وما أشبه ذلك.
الثالث: ما لا يجوز لا بشرط ولا بغيره كأن يخرج لشيء ينافي الاعتكاف مثل أن يخرج لدكانه يبيع ويشتري يقول: الأيام هذه أيام موسم أيام عيد، أخرج أبيع وأشتري، أو إنسان يخرج ليتمتع بأهله يقول: إنه حديث عهد بعرس ويحب أن يتمتع بأهله نقول: لا بأس أن تتمتع بأهلك لكن لا تعتكف، فهذا لا يجوز لا بشرط ولا بغير شرط، لأنه يبطل الاعتكاف.
ولعلنا نقتصر على هذا الجزء، ونحتفظ بالأسئلة عند الأخ حمود، ونستودعكم الله إلى السنة القادمة إن شاء الله، ومن أراد أن يأتي بالعمرة فسيكون إن شاء الله لنا دروس في المسجد الحرام إن شاء الله تعالى.
стр. 374
جلسات رمضانية ١٤١٥هـ[١]
اختص الله شهر رمضان بخصائص تميزه عن غيره من الشهور، فسن قيامه وصيامه، وجعل من أعظم مميزاته ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
وفي هذا اللقاء تعرض الشيخ لذكر بعض خصائص هذا الشهر، وأجاب عقب ذلك عن عدة أسئلة، تدور معظمها حول أحكام صيام وقيام رمضان وكذا الزكاة وغيرها.
стр. 375
خصائص شهر رمضان
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الأول من اللقاءات التي تقررت في شهر الصيام، شهر رمضان، وأعني بذلك اللقاء الأول ليلة الخميس الثالث من شهر رمضان، عام (١٤١٥هـ) وأسأل الله تعالى أن يجعله لقاءً نافعاً وأن يتبعه بلقاءات نافعة.
يجدر بنا أن نتكلم في هذا اللقاء على شهر رمضان المبارك، هذا الشهر الذي خصه الله تعالى بخصائص لم تكن موجودة في غيره، فمن ذلك أن الله تعالى أنزل فيه القرآن، والقرآن أنزله الله هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، يهتدي به الناس في أمور دينهم وأمور دنياهم، ولهذا كان القرآن مشتملاً على قضايا العباد في دينهم ودنياهم، في فردهم ومجتمعهم، في حربهم وسلمهم، في رخائهم وشدتهم، في منامهم ويقظتهم، في مرضهم وصحتهم، في كل شيء.
الدين الإسلامي الذي جاء به القرآن الكريم يحل جميع المشاكل، ولكن قد تقع المشاكل إما لقلة العلم بألا يكون الإنسان واسع العلم فيخفى عليه شيء من القرآن أو السنة، وإما لقصور الفهم، يعني عنده علم لكنه قاصر الفهم، لا يفهم جيداً، فتفوته بعض الدلالات من الكتاب والسنة، تجده يحفظ لكن لا يفهم، فيفوته في ذلك خير كثير وعلم غزير، وإما من سوء القصد والإرادة، وهذا أسوأ الأمور الثلاثة في سوء القصد والإرادة.
بمعنى أن الإنسان لا يريد الحق، يبحث في الأدلة، يتأمل، يفكر، لكن لا يريد الحق، يريد أن ينتصر لقوله ولو كان باطلاً، يريد أن يكون إماماً بين الناس مشهوراً بينهم، يرائي كما يرائي المجاهد في قتاله، فهذا أيضاً يفوته خيرٌ كثير، ويحجب عنه ما تدل عليه النصوص من المسائل والأحكام، وإلا فإن القرآن هدىً للناس وبينات واضحة من الهدى والفرقان، وقد قال الله ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] كل شيء يبينه القرآن.
وقد ضل قومٌ حين زعموا أن دين الإسلام تنظيم لمعاملة فيما بين الإنسان والخالق، يعني يقتصر على العبادات، والأحوال الشخصية، ضل هؤلاء لأنهم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم والعياذ بالله، وإلا فإننا نقول لهم: أي آية أطول في كتاب الله؟ آية الدين هي أطول آية في كتاب الله، ومع ذلك فهي في المعاملات، وما يوثق المعاملات من شهادة أو رهان، فكيف يقال: إن الإسلام لا شأن له في أمور الدنيا؟ ولا يقول ذلك إلا جاهل أو مغرض، فالقرآن الكريم تبيان لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، لكنه لغير المسلمين ليس هدىً ولا بشرى ولا رحمة؛ لأنهم والعياذ بالله ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] .
لأنهم يزيدون بنزولها تصديقاً، ويزيدون بنزولها عملاً فيزدادوا إيماناً ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٥] لأنهم يزدادون بنزول الآيات كفراً إلى كفرانهم، وتكذيباً إلى تكذيبهم، واستكباراً إلى استكبارهم، فلا تزيدهم إلا رجساً -والعياذ بالله- إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، وأن يتوفانا على الإيمان.
فالقرآن يا إخواني! تبيانٌ لكل شيء، لكن الذي يحجب عنا مدلوله هو واحد من أمور ثلاث هي: الجهل، قصور الفهم، سوء القصد، الجهل يعني قصور العلم، ما يكون عندنا علم واسع، أو الفهم قاصر، أو سوء القصد والعياذ بالله، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ في كتاب العقيدة الواسطية ذلكم الكتاب المختصر الواسع العلم، قال فيه: (من تدبر القرآن طالباً الهدى منه تبين له طريق الحق) .
(من تدبر) لابد من تدبر وتفكر في المعنى، لابد أن نحسن القصد وهو قوله ﵀: (طالبا ًالهدى منه -والنتيجة- تبين له طريق الحق) وصدق ﵀.
فالمهم أنه بإنزال هذا القرآن صار الصيام فرضاً في هذا الشهر، وهي مناسبة عظيمة.
стр. 376
فرضية صيامه
ومن خصائص شهر رمضان أن الله فرض صيامه وجعله أحد أركان الإسلام، كما في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله -وهذا ركن واحد- وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام) .
ولكن الصيام نوعان: صيام جسدي، وصيام قلبي عملي.
الصيام الجسدي: هو الإمساك عن ملذات الجسد مثل: الأكل والشرب والنكاح.
الصيام القلبي العملي: هو الإمساك عن المحرمات، وعن ترك الواجبات، وقد أشار الله إلى ذلك في كتابه حيث قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] يعني فرض الصيام من أجل أن نتقي الله لا من أجل أن يعذبنا الله تعالى باجتناب ما نشتهيه من مأكل ومشرب ومنكح أبداً، قال الله ﵎: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء:١٤٧] لكن الحكمة البالغة العظيمة هي ماذا؟ التقوى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) قول الزور: كل قول محرم من الغيبة، والنميمة، والسب، والشتم، وغير ذلك.
العمل بالزور: العمل بالمحرم من النظر المحرم والعمل المحرم.
والجهل: العدوان على الغير.
والجهل خصه وإن كان زوراً لأن فيه عدواناً على الآخرين، وليس المراد بالجهل هنا عدم العلم بل هو العدوان على الغير.
وعلى ذلك جاء قول الشاعر الجاهلي:
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينَ
يعني لا يعتدي أحد علينا فنعتدي فوق عدوانه، لكن تعرفون هذا كلام جاهلي، والشرع يبيح لنا أن نعتدي على من اعتدى علينا بمثل ما اعتدى علينا، فصيام رمضان ليس المقصود به أن نترك الأكل والشرب والنكاح بل المقصود هو أن ندع قول الزور والعمل به والجهل.
стр. 377
مشروعية قيامه
ومن خصائص هذا الشهر قيام لياليه، من أول ليلة إلى آخر ليلة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) والتراويح التي نصليها الآن هي من قيام رمضان؛ لأن النبي ﷺ قام بأصحابه ثلاث ليالٍ في رمضان وكثر الناس، حتى ملئوا المسجد، ثم تخلى وقال: (إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها) وعلى هذا فالتراويح سنة بفعل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم ترك الناس الجماعة بقيام رمضان زمن خلافة أبي بكر الصديق ﵁ وأول خلافة عمر بن الخطاب ﵁، فخرج أمير المؤمنين عمر ذات يوم فوجد الناس يصلون أوزاعاً، الرجل وحده والرجلان والثلاثة فرأى أن يجمعهم على إمام واحد فجمعهم على أبي بن كعب، وتميم الداري، وأمرهما أن يقوما للناس بإحدى عشر ركعة، هكذا في الموطأ بإسناد صحيح ثابت.
وأما حديث يزيد بن رومان أن الناس في عهد عمر كانوا يقومون بثلاث وعشرين ركعة فهذا أولاً ليس فيه التصريح باطلاع عمر على ذلك، وما فعل في عهد الخلفاء ليس كما فعل في عهد الرسول ﷺ ، أي أن ما فعل في عهد الرسول ﷺ فهو سنة إقرارية لأنه على فرض أن الرسول لم يطلع عليه فالله قد اطلع عليه ولو كان لا يرضي الله لنزل به الوحي، وأما زمن الخلفاء فما فعل في عهدهم ولم يطلعوا عليه فإنه لا يقال إنه من سنتهم، ثم إن في سنده -أعني حديث يزيد بن رومان - مقالاً معروفاً، وعلى هذا فتكون السنة في قيام رمضان إحدى عشرة في عهد الرسول ﵊ وفي عهد عمر الذي أمر بهذه التراويح من قيام رمضان، ولذلك لا ينبغي أن نفرط بها، ولا ينبغي أن نختصرها وننقرها نقر الغراب كما يفعل بعض الأئمة نسأل الله لنا ولهم الهداية، لا يمكنون المأمومين من الطمأنينة ليسبحوا ويدعوا لأن هذا وقت قد لا يعود على الإنسان مرة أخرى، وقت ثمين، فالذي ينبغي للأئمة أن يطيلوا في التراويح يطيلوا القيام والركوع والسجود والقيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين، حتى يتمكن الناس من الدعاء والتسبيح.
ثم إنه ينبغي للإنسان أن يواظب على هذه التراويح، وإذا دخل مسجداً فصلى فيه فلا يخرج حتى تنتهي، لأن النبي ﷺ لما طلب الصحابة منه أن ينفلهم بقية الليلة ويقوم بهم إلى الفجر قال: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وهذه من نعمة الله، يكتب لك قيام ليلة وأنت نائم في فراشك، فضل ونعمة، فليحرص الناس على التراويح، ولا ينصرفوا إذا صلوا في مسجد حتى ينصرف الإمام؛ ليكتب لهم قيام ليلة.
وإذا دخل الإنسان والإمام يصلي صلاة التراويح وهو لم يصل صلاة العشاء فليدخل مع الإمام بنية العشاء، حتى لو كانوا جماعة، ليدخلوا مع الإمام بنية العشاء وإذا سلم من التراويح أتموا ما بقي، ولا يضر أن تكون صلاة المأموم فرضاً وصلاة الإمام نفلاً، لأن مثل هذا وقع في عهد الرسول ﷺ فإن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم نفس الصلاة، فهي في حقه نفل وفي حقهم فرض.
ولما قال بعض العلماء: إنه لا يصح أن يكون المتنفل إماماً للمفترض، حاولوا رد حديث معاذ، يعني تحريفه، فقال بعضهم: لعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يطلع ما اطلع عليه، فلا يكون هذا إقراراً من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا من العجب!! والرد على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن معاذ بن جبل شكاه بعض جماعته شكاه لمن؟ للرسول ﵊ حين كان يطيل بهم، فغضب عليه الرسول ﵊، وقال: (أفتانٌ أنت يا معاذ؟) وأمره أن يخفف، فكيف يقال: إن الرسول لم يعلم.
ثانياً: على فرض أن الرسول ﵊ لم يعلم به فهل الله علم به؟ نعم لا شك، وهل يقر الله تعالى أحداً يفعل ما لا يرضيه؟ أبداً، ولهذا لما كان قومٌ يخفون ما لا يرضيه بيَّنهم الله وفضحهم ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ [النساء:١٠٨] ففضحهم الله، فاحتمال أن الرسول لم يعلم به وهو بعيد، يرد بأن الله علم به وأقره، ولو كان ليس من شريعته ولا يرضاه لبينه، إذاً بطل هذا التأويل.
وقال آخرون: بل إن معاذاًَ ينوي النفل مع الرسول والفرض بقومه، سبحان الله، صلاته مع الرسول التي يأتي إليها من مكانه ليكون خلف الرسول ﵊ يجعلها نافلة ويجعل صلاته بقومه فريضة هل هذا معقول؟! أبداً، الفريضة هي الأولى، والفريضة هي التي يتحرى أن يكون مأموماً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن بلاء بعض العلماء أنهم يحكمون قبل أن يستدلوا، أو يعتقدون قبل أن يستدلوا، ونحن نقول: استدل ثم اعتقد، استدل ثم احكم، هذا الصواب.
فالحاصل أنك إذا جئت وقد فاتتك صلاة العشاء ووجدت الناس يصلون صلاة التراويح فادخل معهم بنية العشاء، وإذا سلم الإمام فأتم ما بقي عليك.
ومن خصائص هذا الشهر المبارك: أن فيه ليلة القدر، أي ليلة الشرف، وليلة التقدير، فالقدر من القدر الذي هو الشرف ومن التقدير لأن هذه الليلة شريفة عظيمة، أعني ليلة القدر إذ أنها خير من ألف شهر، وفيها تنزل الملائكة والروح الذي هو جبريل، وفيها من كل أمر يأمر الله به يكتب فيها ما يكون في السنة، وهي سلام، وتنتهي إلى طلوع الفجر ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:٥] .
هذه الليلة كان النبي ﷺ يسهر الليالي من أجل إدراكها، بل كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعزف عن الدنيا، ويعتكف في المسجد تحرياً لهذه الليلة، فاعتكف العشر الأول طلباً لها، ثم العشر الوسطى طلباً لها، ثم قيل له إنها في العشر الأواخر، وأري أنها في العشر الأواخر فكان يعتكف في العشر الأواخر.
إذاً: يمتاز شهر رمضان بأن فيه ليلة القدر.
стр. 378
الاعتكاف
ومن خصائص هذا الشهر الاعتكاف، والاعتكاف: لزوم المسجد لطاعة الله، يعني: أن يبقى الإنسان في المسجد متفرغاً لطاعة الله عازفاً عن الدنيا، ولهذا لا يبيع ولا يشتري ولا يأتي أهله، بل ولا يخرج من المسجد إلا لما لابد منه شرعاً أو حساً، مثال الذي لابد منه شرعاً: لو أصاب المعتكف جنابة وخرج يغتسل، هذا لابد منه شرعاً، ومثال ما لابد منه حساً: لو أن المعتكف ليس له من يأتيه بالطعام والشراب، فخرج ليتعشى أو يتسحر فلا بأس، والسحور يسمى الغداء المبارك، لأنه يؤكل غدوة يعني في مقدم النهار، وليس في النهار.
стр. 379
انتصارات المسلمين في رمضان
وقد أوقع الله تعالى في هذا الشهر المبارك انتصارات عظيمة للمسلمين، أولها: غزوة بدر، فقد كانت في السنة الثانية من الهجرة، وفيها انتصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الكفار انتصاراً ساحقاً مع قلة العَدد والعُدد، وكثرت عَدد الأعداء وعُددهم، كان الأعداء ما بين التسع مائة إلى الألف، وكان النبي ﷺ وأصحابه ما بين ثلاثمائة إلى بضعة عشر زائداً على الثلاثمائة، ومعهم سبعون بعيراً وفرسان يتعاقبون عليها، وحصل النصر العظيم، حتى قتل في تلك الغزوة سبعون من قريش وأسر سبعون.
وقتل من صناديدهم أربعة وعشرون، وسحبوا حتى وضعوا في قليب بدر، فركب النبي ﷺ ناقته ووقف على البئر، وجعل يكلمهم ويوبخهم يا فلان بن فلان باسمه واسم أبيه: (إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟! -و
الجواب
نعم- فقيل: يا رسول الله! كيف تكلم أناساً صاروا جيفاً، فقال: ما أنتم بأسمع بما أقول منهم لكنهم لا يجيبون) لأنهم جيف وموتى.
أما الانتصار الثاني: فهو فتح مكة البلد الأمين، الذي استولى عليه المشركون وبقوا مستولين عليه إلى السنة الثامنة من الهجرة، ففتحه الله على يد نبيه محمد ﷺ الذي هو أحق الناس بولايته كما قال تعالى في المشركين: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٣٤] .
وقصة بدر وفتح مكة موجودة في كتب التاريخ، كما أن بقية الغزوات موجودة، ومن أراد أن يطلع على ذلك فعليه بـ زاد المعاد لـ ابن القيم ﵀ فإنه جامع بين التاريخ والفقه، أو بـ البداية والنهاية لـ ابن كثير.
أسأل الله لي ولكم الثبات على الأمر، والعزيمة على الرشد، وأن يجعل شهرنا هذا شاهداً لنا لا علينا، وأن يرزقنا فيه العمل بما يرضيه، إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 380
الأسئلة
стр. 381
حكم من بدأ صيام رمضان في غير بلده
السؤال
شخص قدم إلى المملكة هذا اليوم، وأمسك هذا اليوم، وكان قادماً من إحدى الدول التي لم يدخل فيها رمضان إلا هذا اليوم فهل يقضي يوم أمس أم ماذا يفعل؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لا يمكن أن نقول: يقضي يوم أمس لأنه صادفه في محل لم يثبت فيه دخول الشهر، ولكن ينظر إن تم الشهر هنا في المملكة العربية السعودية فقد صام هو تسعة وعشرين وانتهى الشهر بحقه، وإن لم يتم الشهر هنا بل دخل شوال في يوم الثلاثين من رمضان فعليه أن يقضي يوماً لأنه لا يمكن أن ينقص الشهر عن تسعة وعشرين.
стр. 382
توجيه حديث: (من قام مع الإمام)
السؤال
أشكل على بعض الناس قول النبي ﷺ : (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) مع أنه لم يكن هناك أئمة يصلون بالناس صلاة التراويح فكيف يجاب على هذا الإشكال؟
الجواب
لا إشكال في هذا إطلاقاً، لأنه ﵊ قال: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وأول ما يدخل في هذا العموم الرسول ﵊، فكأنه قال لهم: من قام معي حتى أنصرف كتب له قيام ليلة، لكنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد أن يأتي بكلام عام ليكون للأمة إلى يوم القيامة، فقال: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) .
وأيضاً فإن الرسول ﵊ لما سَنَّ لهذه الأمة صلاة قيام الليل في رمضان جماعة علم أن الأمة سوف تتخذ منه أسوة ﵊، فصح أن يقول: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) .
стр. 383
معنى تقييد الشياطين في رمضان
السؤال
ما المراد بقول النبي ﷺ : إن الشياطين في رمضان تقيد، وهل هو تقييد حقيقي أم لا، وهل هذا يشمل جميع الشياطين أرجو التوضيح؟
الجواب
بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المراد بهذا، حين قال: (فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه من قبل) يعني لا يستطيعون أن يضلوا مثلما أضلوا من قبل، في بقية الشهور، فهي لا تصفد تصفيداً مطلقاً بحيث لا تغوي أحداً، بل هي تغوي لكنه ليس كإغوائها في غير رمضان، لقوله: (فلا يخلصون إلى ما كان يخلصون إليه من قبل) هذا وجه.
وجه آخر: أن في بعض ألفاظ الحديث (تصفد مردة الشياطين) يعني الأقوياء في شيطنتهم، وعلى هذا فيكون من دونهم يمكن أن يوسوس للناس، لأن بعض الناس قال: كيف تصفد الشياطين ونجد في بعض الناس من يزداد فسقه في رمضان، نقول: هؤلاء تسلط عليهم من دون المردة، أو يقال: إنه لولا رمضان لكان هذا الإغواء أكثر وأشمل وهذا التأويل الثاني أقرب إلى الواقع؛ لأن الواقع أن أهل الخير يكون لديهم رغبة في الخير، وبعداً عن الشر، وأهل الشر ربما يزداد شرهم في رمضان.
стр. 384
حكم استخدام مكبرات الصوت المشتملة على الصدى المتردد في الصلاة
السؤال
ما حكم استعمال مكبرات الصوت التي فيها صدى يتردد منها قراءة الإمام في الصلاة؟
الجواب
أرى أنها حرام؛ لأنه يلزم منها زيادة حرف أو أكثر في القرآن، وهذا لا يجوز، والواجب على الأئمة أن يتقوا الله وألا يتخذوا للقرآن مزامير كمزامير اللهو دون أن تكون مزامير كمزامير آل داود، مزامير آل داود حسن الصوت المجرد، أما أن يضيفوا إليه آلة تكرر معه بحيث يكون الحرف الأخير ثلاثة أو أربعة أو خمسة حروف فهذا والله تحريف للقرآن، ولا يجوز، والواجب عليكم بارك الله فيكم أن تنصحوا الأئمة الذين يتخذون هذا، وقولوا أنتم لستم تنشدون أغنية، بل تقرءون كلام الله فلا تزيدوا فيه حرفاً من الحروف، اتقوا الله في كتاب الله، واتقوا الله في عباد الله، وقد يتخذون القرآن غداً كأنه مزامير لهو.
стр. 385
دعاء الاستفتاح في صلاة التراويح
السؤال
هل لصلاة التراويح دعاء استفتاح خاص كصلاة القيام، أم هو الدعاء العادي؟
الجواب
استفتاح صلاة التراويح ليس كاستفتاح صلاة التهجد الذي يكون بعد النوم، بل هو استفتاح كسائر الصلوات، يقول الإنسان: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبر، أو يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.
كلما افتتح التسليمة استفتح، مثلاً أربع ركعات بتسليمتين، يستفتح بالأولى ويستفتح أيضاً في التسليمة الثانية، وبلغني أن بعض الأئمة يستفتحون في الركعتين الأوليين فقط، يعني في التسليمة الأولى والباقي لا يستفتحون، من أجل السرعة، سبحان الله! أنت بين يدي الله، وأنت تقوم رمضان، والمسألة ليست إبلاً ناثرة، عبادٌ يقومون لله ، كيف لا تدعهم يستفتحون ويطمئنون في الصلاة وكأن الإنسان مرغم على أن يصلي هذه الصلوات، وهذا لا شك من الشيطان، فنحن نقول: الاستفتاح سنة كلما افتتح الصلاة ولو في التراويح.
стр. 386
السنة في افتتاح صلاة التراويح وصلاة الليل
السؤال
هل السنة في التراويح أن نفتتحها بركعتين خفيفتين كصلاة القيام؟
الجواب
لا.
ليس هذا هو السنة، لأن صلاة القيام تفتتح بركعتين خفيفتين حيث إن الشيطان إذا نام الإنسان عقد على قافيته ثلاث عقد، فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت الثانية، فإذا صلى انحلت الثالثة، ولهذا كان المشروع تخفيف الركعتين الأولين في صلاة الليل ليكون ذلك أسرع في حل العقد.
стр. 387
حكم البخور للصائم
السؤال
ذكرت أنه لا يستخدم البخور في نهار رمضان لأن فيه جرماً يصل إلى المعدة، سؤالي: كيف الاحتراز منه وهو يستخدم في البيوت والمساجد والطرقات؟
الجواب
أطالب هذا الأخ بصحة النقل، هو كذب علي، سواء متعمد أو غير متعمد، لم أقل لا تستعمل البخور، أنا أستعمل البخور وأنا صائم وليس في ذلك شيء، الذي ذكرنا أنه لا يستنشق البخور، يعني لا يضعه عند أنفه ويستنشقه، لأنه إذا فعل ذلك دخل الدخان حتى يصل إلى الجوف، وما وصل إلى الجوف عن طريق الأنف، فهو كالذي يصل إلى الجوف عن طريق الفم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قال لـ لقيط بن صبرة: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فنقول تبخر وضع شماغك على المبخرة ولا حرج، حتى وإن كان أنفك داخل الغترة، ما يضر لأن الدخان ما يتصاعد إلى جوف الخياشيم إلا بالاستنشاق، لكن لا تستنشق، فليفهم هذا، فإن كان قد وقع في يد الأخ من هذه المطويات التي توزع باسمنا وفيه أنه لا يتبخر فليخبرنا جزاه الله خيراً من أجل أن ننبه على من طبع هذه المطوية، لأنه أحياناً الكتب المختصرة أو هذه المطويات يطبعها من هب ودب، ثم يزيد فيها وينقص، ولهذا نحن نحذر منها إذا رأى الإنسان فيها ما يستنكره فليحذر منه، وليتصل بمن نسبت إليه حتى يستفهم.
السائل: إذا كان هذا الجرم مفطراً ألا يفسد الصلاة، كذلك إذا استنشق أثناء الصلاة وهذا مما لا يحترز منه؟ الجواب: أصل البخور في أثناء الصلاة منهي عنه، وإن لم يستنشقه لماذا؟ لأنه حركة لا تتعلق بمصلحة الصلاة، وكل حركة لا تتعلق بمصلحة الصلاة فإنه منهي عنها، وإن كثرت بغير ضرورة أبطلت الصلاة، وليس كل شيء لا يفطر الصائم أو يفطره يفسد الصلاة أو لا يفسده، فالمهم أننا نقول لا يتبخر المصلي مطلقاً سواء استنشق البخور أم لا.
وإن قصد أن في المسجد رائحة بخور فهل يضر شمه؟ الجواب: لا يضر الشم، حتى الإنسان إذا تبخر يكون فيه رائحة بخور، وإذا تعطر يكون فيه رائحة العطر ولا يضر.
стр. 388
حكم المرضع التي تفطر لأجل طفلها
السؤال
امرأة عندها طفل رضيع، وصيامها يؤثر على هذا الطفل، فإذا أفطرت هذه المرأة لمصلحة طفلها ماذا يجب عليها؟
الجواب
إذا أفطرت المرضع لمصلحة الرضيع بحيث يتأثر بقلة اللبن مع الصيام فإنها تقضي الأيام التي أفطرتها فقط، وقال بعض أهل العلم: إنها إذا أفطرت من أجل مصلحة الرضيع وحده فإنها تقضي ما أفطرت، ويطعم من تلزمه نفقة الرضيع عن كل يوم مسكيناً، ولكن في ظني والعلم عند الله أنه في هذه الأيام لا يتأثر اللبن لأن الأيام باردة، والمرأة لا تحتاج إلى ماء، والنهار قصير، لكن أيام الصيف هي أيام حر، أيام يطول فيها النهار، ويمكن أن يتضرر الطفل إذا صامت الأم.
السؤال: هل يجوز للمرأة المرضع أن تفطر إذا خافت على طفلها من قلة الحليب وهل تصوم يوماً وتفطر يوما؟ الجواب: هذا كما أجبنا في الأول، لكن قوله وهل تفطر يوماً وتصوم يوماً يعني لو فرضنا أنه لا ينقص لبنها إلا إذا واصلت الصوم، وأما إذا أفطرت يوماً وصامت يوماً فإنه لا ينقص، فنقول لها: إذاً تصوم يوماً وتفطر يوماً.
стр. 389
حكم استعمال البخاخ للعلاج
السؤال
أضطر لاستعمال بخاخ الصدر وله رائحة النعناع فهل يفطر استعماله، وماذا أفعل وأنا محتاج إليه؟
الجواب
هذا لا يفطر حسب ما استمعته الآن، لأن فيه شيء مثل الغاز ما يلبث حتى ينتهي.
على كل حال إذا علم أن فيه جرماً فلا يبتلع الجرم، تكفيه الرائحة، وهذا الهواء البارد ربما يفتح مناسم الهواء يعني النفس.
ووصول الشيء إلى الحلق لا يفطر الصائم، والذي يفطر الصائم ما يصل إلى المعدة، كما قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكن لا يورد إنسان على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الدخان، فهم يقولون: إنه يصل إلى الرئة ولا يصل إلى المعدة، لأن هذا ليس بصحيح، فإنه يصل إلى المعدة ويصل جزء كبير منه إلى الرئة، ولهذا يوجد أثر الدخان في أمعاء الشارب، فهو يصل بلا شك إلى المعدة، ثم هو يسمى شرباً، يقال شرب: فيدخل في قوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] يدخل في ذلك من حيث إنه يفطر الصائم، لا من حيث إنه مأمور به، بل هو منهي عنه، وشرب الدخان حرام، لأنه ضرر في البدن، وإتلاف للمال، وضياع للوقت، وسبب للانقباض عند فقده، وسبب لمشقة الطاعة على الإنسان، وسبب لكراهة الإنسان الجلوس مع أهل الخير؛ لأنه لا يمكن أن يدخن بين أيديهم فتجده يكره الجلوس معهم، وإذا كان تائقاً إلى شرب السجارة ثم جاء رجل طيب حبيب يتحدث إليه بالخير تجده أثقل عليه من جبل أحد، لماذا؟ لأنه يريد أن يدخن، فيقول: ما هذا عندما ولعت السجارة وما بقي إلا علاقة بالكبريت جاء هذا الرجل وقام على رأسي، فيكره هذا فهو شر.
والعجب أن بعض الدول الكافرة الآن تمنع منه منعاً باتاً، والجهال منا يشربونه بالأسواق وفي المجالس وفي كل مكان، نسأل الله لنا ولهم الهداية.
стр. 390
حكم استخدام لصقات طبية في رمضان
السؤال
حول موضوع التدخين يباع في بعض الصيدليات لصقة طبية توضع على الجسم تعطي الجسم حاجته من (النيكوتين) إلى أربعة وعشرين ساعة كخطوات للإقلاع عن التدخين، السؤال: إذا وضعت في الليل لمدة أربع وعشرين ساعة، ثم توضع غيرها فهل يكون الإنسان مفطراً في رمضان عند استخدامه لها؟
الجواب
لا يكون مفطراً في رمضان، وله أن يستعملها، بل قد يجب أن يستعملها إذا كان هذا طريقاً إلى الكف عن استعمال الدخان، ولا بأس للإنسان أن يترك المحرم شيئاً فشيئاً، لأن الله تعالى لما أراد تحريم الخمر لم يحرمه بتاتاً مرة واحدة، بل جعل ذلك درجات، فأباحه أولاً، ثم بين أن مضرته أكثر، ثم نهى عنه في وقت من الأوقات، ثم نهى عنه مطلقاً، فالمراتب أربع: أحله في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل:٦٧] وهذا في سياق الامتنان فيكون حلالاً.
عرض بتحريمه في قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] منعه في وقت من الأوقات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] وهذا يقتضي أن نتركه عند الصلاة.
وحرمه بتاتاً في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] ولهذا نزل تحريم الخمر وآنية الصحابة مملوءة من الخمر، حتى خرجوا بها إلى الأسواق وأراقوها في الأسواق وسبحان الله فما الفرق بيننا وبينهم؟ الفرق بيننا وبينهم في الامتثال كالفرق بين زمانهم وزماننا، لم يتلكأوا، لم يقولوا نشرب ما بقي في الأواني أبداً، تدار بينهم الكئوس فخرجوا وأراقوها في الأسواق امتنعوا منعاً باتاً، ولم يقولوا: إذا قد اعتدنا عل هذا وما أشبه ذلك لا، تركوه نهائياً؛ لأن عندهم من العزيمة ما يسهل عليهم الشدائد.
следующие страницы →