← Фикх общий

Фикх общий · id 7679

جلسات رمضانية للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (477 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

السنة في افتتاح صلاة التراويح وصلاة الليل السؤال هل السنة في التراويح أن نفتتحها بركعتين خفيفتين كصلاة القيام؟ الجواب لا. ليس هذا هو السنة، لأن صلاة القيام تفتتح بركعتين خفيفتين حيث إن الشيطان إذا نام الإنسان عقد على قافيته ثلاث عقد، فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت الثانية، فإذا صلى انحلت الثالثة، ولهذا كان المشروع تخفيف الركعتين الأولين في صلاة الليل ليكون ذلك أسرع في حل العقد.

стр. 387

حكم البخور للصائم السؤال ذكرت أنه لا يستخدم البخور في نهار رمضان لأن فيه جرماً يصل إلى المعدة، سؤالي: كيف الاحتراز منه وهو يستخدم في البيوت والمساجد والطرقات؟ الجواب أطالب هذا الأخ بصحة النقل، هو كذب علي، سواء متعمد أو غير متعمد، لم أقل لا تستعمل البخور، أنا أستعمل البخور وأنا صائم وليس في ذلك شيء، الذي ذكرنا أنه لا يستنشق البخور، يعني لا يضعه عند أنفه ويستنشقه، لأنه إذا فعل ذلك دخل الدخان حتى يصل إلى الجوف، وما وصل إلى الجوف عن طريق الأنف، فهو كالذي يصل إلى الجوف عن طريق الفم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قال لـ لقيط بن صبرة: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فنقول تبخر وضع شماغك على المبخرة ولا حرج، حتى وإن كان أنفك داخل الغترة، ما يضر لأن الدخان ما يتصاعد إلى جوف الخياشيم إلا بالاستنشاق، لكن لا تستنشق، فليفهم هذا، فإن كان قد وقع في يد الأخ من هذه المطويات التي توزع باسمنا وفيه أنه لا يتبخر فليخبرنا جزاه الله خيراً من أجل أن ننبه على من طبع هذه المطوية، لأنه أحياناً الكتب المختصرة أو هذه المطويات يطبعها من هب ودب، ثم يزيد فيها وينقص، ولهذا نحن نحذر منها إذا رأى الإنسان فيها ما يستنكره فليحذر منه، وليتصل بمن نسبت إليه حتى يستفهم. السائل: إذا كان هذا الجرم مفطراً ألا يفسد الصلاة، كذلك إذا استنشق أثناء الصلاة وهذا مما لا يحترز منه؟ الجواب: أصل البخور في أثناء الصلاة منهي عنه، وإن لم يستنشقه لماذا؟ لأنه حركة لا تتعلق بمصلحة الصلاة، وكل حركة لا تتعلق بمصلحة الصلاة فإنه منهي عنها، وإن كثرت بغير ضرورة أبطلت الصلاة، وليس كل شيء لا يفطر الصائم أو يفطره يفسد الصلاة أو لا يفسده، فالمهم أننا نقول لا يتبخر المصلي مطلقاً سواء استنشق البخور أم لا. وإن قصد أن في المسجد رائحة بخور فهل يضر شمه؟ الجواب: لا يضر الشم، حتى الإنسان إذا تبخر يكون فيه رائحة بخور، وإذا تعطر يكون فيه رائحة العطر ولا يضر.

стр. 388

حكم المرضع التي تفطر لأجل طفلها السؤال امرأة عندها طفل رضيع، وصيامها يؤثر على هذا الطفل، فإذا أفطرت هذه المرأة لمصلحة طفلها ماذا يجب عليها؟ الجواب إذا أفطرت المرضع لمصلحة الرضيع بحيث يتأثر بقلة اللبن مع الصيام فإنها تقضي الأيام التي أفطرتها فقط، وقال بعض أهل العلم: إنها إذا أفطرت من أجل مصلحة الرضيع وحده فإنها تقضي ما أفطرت، ويطعم من تلزمه نفقة الرضيع عن كل يوم مسكيناً، ولكن في ظني والعلم عند الله أنه في هذه الأيام لا يتأثر اللبن لأن الأيام باردة، والمرأة لا تحتاج إلى ماء، والنهار قصير، لكن أيام الصيف هي أيام حر، أيام يطول فيها النهار، ويمكن أن يتضرر الطفل إذا صامت الأم. السؤال: هل يجوز للمرأة المرضع أن تفطر إذا خافت على طفلها من قلة الحليب وهل تصوم يوماً وتفطر يوما؟ الجواب: هذا كما أجبنا في الأول، لكن قوله وهل تفطر يوماً وتصوم يوماً يعني لو فرضنا أنه لا ينقص لبنها إلا إذا واصلت الصوم، وأما إذا أفطرت يوماً وصامت يوماً فإنه لا ينقص، فنقول لها: إذاً تصوم يوماً وتفطر يوماً.

стр. 389

حكم استعمال البخاخ للعلاج السؤال أضطر لاستعمال بخاخ الصدر وله رائحة النعناع فهل يفطر استعماله، وماذا أفعل وأنا محتاج إليه؟ الجواب هذا لا يفطر حسب ما استمعته الآن، لأن فيه شيء مثل الغاز ما يلبث حتى ينتهي. على كل حال إذا علم أن فيه جرماً فلا يبتلع الجرم، تكفيه الرائحة، وهذا الهواء البارد ربما يفتح مناسم الهواء يعني النفس. ووصول الشيء إلى الحلق لا يفطر الصائم، والذي يفطر الصائم ما يصل إلى المعدة، كما قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكن لا يورد إنسان على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الدخان، فهم يقولون: إنه يصل إلى الرئة ولا يصل إلى المعدة، لأن هذا ليس بصحيح، فإنه يصل إلى المعدة ويصل جزء كبير منه إلى الرئة، ولهذا يوجد أثر الدخان في أمعاء الشارب، فهو يصل بلا شك إلى المعدة، ثم هو يسمى شرباً، يقال شرب: فيدخل في قوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] يدخل في ذلك من حيث إنه يفطر الصائم، لا من حيث إنه مأمور به، بل هو منهي عنه، وشرب الدخان حرام، لأنه ضرر في البدن، وإتلاف للمال، وضياع للوقت، وسبب للانقباض عند فقده، وسبب لمشقة الطاعة على الإنسان، وسبب لكراهة الإنسان الجلوس مع أهل الخير؛ لأنه لا يمكن أن يدخن بين أيديهم فتجده يكره الجلوس معهم، وإذا كان تائقاً إلى شرب السجارة ثم جاء رجل طيب حبيب يتحدث إليه بالخير تجده أثقل عليه من جبل أحد، لماذا؟ لأنه يريد أن يدخن، فيقول: ما هذا عندما ولعت السجارة وما بقي إلا علاقة بالكبريت جاء هذا الرجل وقام على رأسي، فيكره هذا فهو شر. والعجب أن بعض الدول الكافرة الآن تمنع منه منعاً باتاً، والجهال منا يشربونه بالأسواق وفي المجالس وفي كل مكان، نسأل الله لنا ولهم الهداية.

стр. 390

حكم استخدام لصقات طبية في رمضان السؤال حول موضوع التدخين يباع في بعض الصيدليات لصقة طبية توضع على الجسم تعطي الجسم حاجته من (النيكوتين) إلى أربعة وعشرين ساعة كخطوات للإقلاع عن التدخين، السؤال: إذا وضعت في الليل لمدة أربع وعشرين ساعة، ثم توضع غيرها فهل يكون الإنسان مفطراً في رمضان عند استخدامه لها؟ الجواب لا يكون مفطراً في رمضان، وله أن يستعملها، بل قد يجب أن يستعملها إذا كان هذا طريقاً إلى الكف عن استعمال الدخان، ولا بأس للإنسان أن يترك المحرم شيئاً فشيئاً، لأن الله تعالى لما أراد تحريم الخمر لم يحرمه بتاتاً مرة واحدة، بل جعل ذلك درجات، فأباحه أولاً، ثم بين أن مضرته أكثر، ثم نهى عنه في وقت من الأوقات، ثم نهى عنه مطلقاً، فالمراتب أربع: أحله في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل:٦٧] وهذا في سياق الامتنان فيكون حلالاً. عرض بتحريمه في قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] منعه في وقت من الأوقات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] وهذا يقتضي أن نتركه عند الصلاة. وحرمه بتاتاً في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] ولهذا نزل تحريم الخمر وآنية الصحابة مملوءة من الخمر، حتى خرجوا بها إلى الأسواق وأراقوها في الأسواق وسبحان الله فما الفرق بيننا وبينهم؟ الفرق بيننا وبينهم في الامتثال كالفرق بين زمانهم وزماننا، لم يتلكأوا، لم يقولوا نشرب ما بقي في الأواني أبداً، تدار بينهم الكئوس فخرجوا وأراقوها في الأسواق امتنعوا منعاً باتاً، ولم يقولوا: إذا قد اعتدنا عل هذا وما أشبه ذلك لا، تركوه نهائياً؛ لأن عندهم من العزيمة ما يسهل عليهم الشدائد.

стр. 391

زكاة ما اتخذه الإنسان لنفسه السؤال رجل له عمائر سكنية، يؤجرها فكيف يؤدي زكاتها وهل يشترط في الأجرة أن يمضي عليها حولاً كاملاً من حين أن يستلمها من المستأجر؟ الجواب العمائر المعدة للتأجير ليس فيها زكاة، لأن الإنسان قد اتخذ هذه العمائر لنفسه، وما اتخذه الإنسان لنفسه مما لا تجب الزكاة في عينه فليس فيها زكاة، انتبه للقيد، ما هو القيد؟ مما لا تجب الزكاة بعينه احترازاً من حلي الذهب والفضة، لأن الزكاة تجب في عينهم، فما اتخذه الإنسان لنفسه مما لا تجب الزكاة في عينه فليس فيها زكاة، دليل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) فالعمائر المعدة للاستغلال ليس فيها زكاة، لكن الزكاة في الأجرة، فمتى يؤدي زكاة الأجرة؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يؤدي زكاة الأجرة من حين أن يقبضها، ولو لم تتم سنة، قياساً على الحبوب والثمار، فإن الإنسان يؤدي زكاتها من حين جنيها، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] وقال: هذه تشبه الحبوب والثمار، فيؤديها إذا قبضها ولو لم يمض لها إلا ستة أشهر، وقال بعض أهل العلم يؤدي زكاتها -أي زكاة الأجرة- إذا تم لها سنة من العقد، فإذا عقد في محرم وقبض الأجرة في آخر ذي الحجة وجبت عليه الزكاة لأنه تم لها حول، وإن قبضها قبل ذلك فلا زكاة فيها إلا أن تبقى بيده حتى يتم الحول فحينئذٍ يزكيها، النقود زكاتها ربع العشر لأنها دراهم. لكن أسألكم الآن أيهما أحوط ما قاله شيخ الإسلام أو الثاني؟ ما قاله شيخ الإسلام أحوط، وإذا كان أحوط فليكن أولى إبراءً للذمة، والزكاة في الواقع ما هي غرم الزكاة غنيمة، وربما ينزل البركة فيما بقي من المال.

стр. 392

زكاة عروض التجارة السؤال رجل له شريك وعندهما معرض سيارات ويقومان ببيع سيارات لغيرهما بنسبة معينة، ولهما سيارات تخصهما يبيعانها، فكيف يخرجان الزكاة مع بيان حال الأرباح الموجودة عندهما ولم يقسمانها حتى الآن؟ الجواب المال المشترك المعين كالمال المنفذ زكاته، وأما المال الخاص فمنفرد، لأن الزكاة مال منفرد، تقوم السيارات الموجودة في نهاية السنة لأنها للتجارة، والأرباح ستكون عندهما قد أخذاها من قبل فتزكى مع أموالهما، مع قيمة السيارة لأن الربح تبعٌ للأصل، لا يشترط فيه الحول، والتي لغيرهما في المعرض فقط ما عليها شيء بالنسبة لهما، أما بالنسبة لمالكي السيارات فعليهم الزكاة فيها.

стр. 393

جلسات رمضانية ١٤١٥هـ[٢] جعل الشيخ ﵀ هذا اللقاء مخصصاً لشرح آيات سورة البقرة المتعلقة بالصيام، وكان درسه مزيجاً من الأحكام الشرعية واللفتات الوعظية المؤثرة، وكان آخر هذه الأحكام هو الحديث عن اختلاف مطالع القمر في البلدان وأقوال العلماء في ذلك. وفي أسئلة موجهة إليه أجاب عن مسائل شرعية تتعلق بالصلاة والصيام وغيرها.

стр. 394

وقفات مع آيات الصيام من سورة البقرة الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى على حين فترة من الرسل، وانطماس من السبل، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وفتح الله به آذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة: فهذا هو اللقاء الثاني من لقاءات شهر رمضان المبارك، وهذه هي الليلة السادسة من شهر رمضان عام (١٤١٥هـ) أسأل الله تعالى أن يجعل هذه اللقاءات لقاءات مباركة علينا وعليكم، وعلى من بلغتهم من إخواننا المسلمين، في هذه الليلة سيكون حديثنا إن شاء الله عن الصيام، وخير ما نعتمد عليه كتاب الله ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] إذا صدر الله تعالى القول بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنما ذلك لأهمية الموضوع ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: [إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا؛ فأرعها سمعك -يعني استمع لها- فإما خيراً تؤمر به، وإما شراً تنهى عنه] فنحن الآن نرعِها أسماعنا.

стр. 395

وقفة مع قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) يقول جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] كتب بمعنى: فرض، والكاتب هو الله ، هو الذي يفرض ما يشاء، ويوجب ما يشاء، ويحرم ما يشاء، يبيح ما يشاء، ، له الحكم في عباده كوناً وشرعاً، فلا معقب لحكمه وهو السميع العليم، والصيام في الشرع هو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذا هو الصيام، فهل يمكن أن نبدل هذا بقولنا من أذان الفجر إلى أذان المغرب؟ لا. لأنه قد يؤذن للفجر قبل الوقت، وقد لا يؤذن إلا بعد الوقت، وكذلك في المغرب قد يؤذن قبل الوقت، وقد لا يؤذن إلا بعد الوقت، فالمدار على طلوع الفجر وعلى غروب الشمس؛ لكن لما كان الناس في بيوتهم صاروا يعتمدون على المؤذنين إذا كان المؤذنون ثقاة، ودليل هذا قول النبي ﷺ : (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) . فالصيام إذاً شرعاً: هو التعبد لله في الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. هذا الصيام شرعاً. وقوله : ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فيه فائدتان عظيمتان: الفائدة الأولى: تسلية هذه الأمة حتى لا نقول: لماذا فرض علينا الصوم دون غيرنا؟ فقال: إن الصوم مفروض على الأمم السابقة. الفائدة الثانية: استكمال فضائل الأمم السابقة؛ لأن هذه الأمة كملت فضائل الأمم السابقة، فكل فضائل الأمم السابقة موجودة في هذه الأمة، وما كان من نقص فإنه كمل بهذه الأمة، ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وصح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه مثل نفسه بالنسبة لمن قبله من الأنبياء برجل بنى قصراً مشيداً عظيماً، فكان الناس يطوفون به، ويتعجبون منه، ويقولون: ما أحسن هذا القصر إلا موضع هذه اللبنة -في مكان لبنة ما تم- قال: (فأنا اللبنة) كمل الله به البناء. فكل الخيرات في الأمم يا إخواني! موجودة في هذه الأمة ولله الحمد، لكن هذه الأمة إذا عصت الله فإنها لا يبالى بها، بل معصية هذه الأمة أشد من معصية الأمم التي قبلها لماذا؟ لأن الفضائل إذا استكملت صار المفرط فيها أشد لوماً، لكن مع ذلك خفف الله عن هذه الأمة، مع كوننا نحن أحق باللوم من غيرنا، لكن الله خفف عنا، قال الله تعالى في وصف نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] في بني إسرائيل إذا فعل الإنسان منهم ذنباً لا يكفيه أن يتوب فيما بينه وبين الله، يكون ذنبه مكتوباً على بابه في الصباح -فضيحة- أما هذه الأمة فذنوبها مستورة ولله الحمد. يفعل الإنسان الذنوب ثم يتوب فيما بينه وبين الله فتبقى مستورة، نسأل الله تعالى أن يستر عيوبنا ويغفر ذنوبنا.

стр. 396

وقفة مع قوله تعالى: (لعلكم تتقون) وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فيه بيان الحكمة من الصوم، فالله لا يريد منا أن نمتنع عن شهواتنا من أكل وشرب ونكاح فقط. بل يريد منا أن يكون ذلك وسيلة لما هو أهم. فما الأهم من الصوم؟ التقوى، هذا هو الأهم، والدليل على هذا قول النبي ﷺ بالإضافة إلى الآية الكريمة التي معنا: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ولهذا كان الموفقون من الناس الصائمين لا يكون يوم صومهم ويوم فطرهم سواء أبداً، يوم الصوم تجد الإنسان متقياً لله خاشعاً، قائماً بالواجبات، فاعلاً للمستحبات، يكثر من القراءة والذكر والصلاة والصدقة ومكارم الأخلاق.

стр. 397

وقفة مع قوله تعالى: (أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً ... ) قوله: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] تقليل؛ لأن المعدود جمع مؤنث، وجمع المؤنث كله جمع قلة، وعلى هذا فالله قلل هذه الأيام لأنها ثلاثون يوماً من ثلاثمائة وستين يوماً ثلاثون يوماً من ثلاثمائة وستين قليلة، ثم هي والحمد لله في أفضل مناسبة في شهر رمضان. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني: من كان مريضاً أو على سفر فليفطر وعليه عدة من أيام أخر، فهذان عذران يعذر بهما المرء عن الصوم، أولهما المرض، وهل المراد مطلق المرض ولو وجع السن، أو وجع العين اليسير، أو المراد به المرض الذي يشق معه الصوم؟ الثاني؛ وذلك لأن المرض الأول لا يكاد يخلو منه أحد، ثم المرض الأول لا تأثير للصوم فيه، ولا تأثير للفطر في شفائه، فلذلك لابد أن يقيد المرض بما يشق معه الصوم، أياً كان المرض، حتى لو فرض أن الإنسان أوجعته عينه وجعاً شديداً وقلق حتى لا يصبر عن الطعام والشراب فليفطر. فإن قال قائل: أيهما أفضل للمريض، أن يفطر ويقضي، أو الأفضل أن يصوم؟ قلنا: الأفضل هو الأيسر؛ لأن الله تعالى إذا رخص لنا برخصة فإنه يحب منا أن نأتي رخصه، لماذا؟ لأن الرخصة تسهيل وكرم، والكريم يحب أن تؤتى تكرمته، أليس كذلك؟ يعني حتى في بني آدم الرجل الكريم إذا بسط السماط ووضع فيه الطعام هل يحب أن الناس يأتون إليه ويأكلوا أو لا؟ نعم يحب هذا، فالله إذا رخص للعباد رخصة يحب أن يأتي الناس رخصته، فنقول: المريض الأفضل في حقه هو الأيسر، إما الصوم وإما الفطر، وبعض الناس -نسأل الله لهم الهداية- يخاطرون بأنفسهم، يكونون مرضى يشق عليهم الصوم، أو يقول لهم الطبيب الثقة لابد أن تشرب الماء كل أربع ساعات، ومع ذلك يقول: لا. أتصبر، أصوم أتصبر هذا غلط، ربما لو يكون صومك سبباً لهلاكك، ربما تكون معيناً على قتل نفسك، ولهذا يجب على الإنسان إذا خاف الضرر أن يفطر. قوله: ((أَوْ عَلَى سَفَرٍ)) [البقرة:١٨٤] السفر أيضاً مبيحٌ للفطر، وهل يشترط في السفر المبيح للفطر أن يكون الصوم فيه شاقاً أو لا؟ الجواب لا، لكن قد يقول قائل: لماذا فرقتم بين المريض وبين المسافر؟ المريض قلتم لابد أن يكون الصوم شاقاً مع المرض، والمسافر قلتم يفطر ولو لم يكن شاقاً. قلنا: لأن السنة بينت ذلك، فالناس مع رسول الله ﷺ يصومون ويفطرون بدون مشقة، فدل هذا على أن مجرد السفر رخصة، للصائم أن يفطر ويقضي بدل الأيام التي أفطرها، ولكن هل الأفضل أن يصوم المسافر، أو الأفضل أن يفطر؟ نقول: الأفضل الأيسر، إن كان الأيسر لك أن تصوم صم، وإن كان الأيسر أن تفطر أفطر، وعلى هذا فالذين يذهبون إلى مكة للعمرة لو سألوا هل نصوم أو نفطر، قلنا: الأفضل الأيسر، إذا كان الأيسر لك أن تفطر يوم قدومك من أجل أن تؤدي العمرة بنشاط فأفطر، الأمر واسع والحمد لله، فإن قال هل الأفضل أن أؤدي العمرة أول ما أصل وأفطر، أو أن أبقى على صومي وأؤديها في الليل؟ الأولى أفطر وأد العمرة؛ لأن الأفضل للمعتمر أن يكون أول ما يبدأ به في مكة أن يؤدي العمرة حتى كان الرسول ﵊ لا ينزل عن راحلته إلا عند المسجد ثم يؤدي العمرة. وإذا كان الصوم يشق في السفر لكن مشقة ليست شديدة فما الأفضل؟ الأفضل الفطر، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (رأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه -صائم فازدحم الناس ينظرون إليه ويظللونه- قال: ما هذا؟ قالوا: صائم قال: ليس من البر الصيام في السفر) لأن هذا شق على نفسه وترك الرخصة. أما إذا شق مشقة شديدة فإن الصوم معصية، ودليل هذا أن النبي ﷺ خرج في رمضان حتى بلغ كراع الغميم -مكان معروف- فجاءوا إليه وقالوا: يا رسول الله! إن الناس قد شق عليهم الصيام -يعني وينتظرون ما تفعل- فدعى بماء وهو على راحلته ووضعه على فخذه والناس ينظرون فشرب، وكان ذلك بعد صلاة العصر، يعني ما بقي إلا قليل وقت، ومعلوم أن الناس إذا رأوا النبي ﷺ قد شرب أن نفوسهم سوف تطمئن بالفطر؛ لأن إمامهم ﵊ شرب أمامهم فتطمئن النفوس، فشرب الناس وخف عليهم الأمر، لكن بعض الصحابة عفا الله عنهم اجتهد، وكأنه قال: لم يبق إلا جزء يسير من الوقت فسأستمر في الصوم، فجاءوا إلى الرسول ﵊ يخبرونه، قالوا: يا رسول الله! إن بعض الناس قد صام -يعني قد استمر في صيامه -قال: (أولئك العصاة أولئك العصاة) كررها، يعني أنهم عصوا ببقائهم على الصوم مع المشقة. إذاً: المريض يفطر ويقضي، المسافر يفطر ويقضي، الأمر واسع ولله الحمد.

стр. 398

وقفة مع قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية ... ) قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤] . قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ما معنى يطيقونه؟ أي يفعلونه بدون مشقة ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني الذي يستطيع الصوم دون مشقة إذا شاء أن يترك الصوم ويفدي فلا بأس، لكن الصوم خير، ويعني ذلك أن الإنسان مخير بين الصيام وبين الإفطار ويفدي ولا يصوم، ولكن هذا قد يكون مشكلاً لأننا قررنا أنه لا فطر إلا لعذر، مرض أو سفر، كيف يكون للإنسان المطيق له أن يترك الصوم ويفدي، نقول: نعم، يمحو الله ما يشاء ويثبت، كان في أول ما فرض الصيام يخير الإنسان، إن شاء صام، وإن شاء فدى، والدليل على هذا قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فدل ذلك على أن الإنسان يطيق الصوم، فخيره الله بين الفدية وبين الصوم ولكنه قال: إن الصوم خير. وهذا هو أول ما فرض الصوم كما في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أنه أول ما نزل فرض الصوم كان من شاء صام ومن شاء افتدى، ثم نزلت الآية التي بعدها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فتحول الحكم إلى المريض الذي لا يرجى زوال مرضه، لأن المريض الذي يرجى زوال مرضه ما فَرْضُه؟ أن يفطر ويقضي، لكن المريض الذي لا يرجى زوال مرضه كمرض السرطان مثلاً، أو غيره من الأمراض التي لا يرجى زوالها، أو إنسان كبير يتعب لأن الكبر لا يرجى زواله، فهذا يفدي بدلاً عن الصوم؛ لأنه لا يمكن أن يقضي لو أفطر ما قضى، فيفدي وكيف يفدي، يطعم عن كل يوم مسكيناً، فإذا كان الشهر تسعة وعشرين كم يطعم؟ تسعة وعشرين مسكيناً. وإذا كان الشهر ثلاثين، يطعم ثلاثين مسكيناً. ولا يجوز أن تكرر على مسكين واحد، يعني لو قال: أنا سأطعم هذا الفقير كل يوم، قلنا: لا يجوز، لابد أن يكون المساكين بعدد الأيام، كيف؟ إما أن تصنع طعاماً إذا مضت عشرة أيام، أو تصنع عشاءً فيه اللحم والطعام وتدعوا عشرة فقراء، فإذا مضى عشر أخرى تصنع مثل الطعام الأول وتدعو عشرة فقراء، غيرهم وإذا مضت عشرة أيام وهي الأخيرة تصنع طعاماً وتطعم عشرة مساكين غير الأولين، وإن شئت فملكهم الطعام، يعني خذ رزاً ربع صاع لكل فقير وفرقه على فقراء بعدد الأيام. ثم قال هذا زمن الصوم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] وقد سبق الكلام على هذا في اللقاء الأول.

стр. 399

وقفة مع قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] هل معنى هذا أن من لم يشهد لم يلزمه الصوم؟ اتفق العلماء أنه ليس الواجب أن يراه كل واحد، لأن هذا شيء متعذر، لكن إذا شهده من تثبت بشهادتهم الرؤية وجب الصوم، وبماذا تثبت الرؤية؟ رؤية شهر رمضان تثبت بشاهد واحد، إذا جاء إنسان عدل ثقة بدينه معروف بقوة البصر وشهد وقال: أشهد أني رأيت الهلال فإن الناس يصومون، لأن ابن عمر ﵄ قال: [تراءى الناس الهلال -يعني جعل بعضهم يري بعضهم الهلال- فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام] وابن عمر كان واحداً، إذا شهد شاهد بدخول رمضان فإنه يثبت دخوله، وكذلك شوال، لكن شوال لا يثبت إلا بشاهدين، لقول النبي ﷺ : (إن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) فلابد من شاهدين؛ لأن شوال يكون فيه الفطر فاحتيج إلى الاحتياط فيه أكثر من رمضان، هكذا أيضاً علله بعض العلماء، لكن على كل حال سواء صحت هذه العلة أو غيرها فإن دخول رمضان يثبت بشهادة واحد، عدل في دينه، قوي في بصره، فلو جاءنا رجل ضعيف البصر لكن عدل في الدين ما فيه إشكال، وشهد أنه رأى الهلال، ونحن نعرف أن بصره ضعيف هل يقبل؟ لا يقبل، لماذا؟ لأن بصره ضعيف، ونعلم أن ما رآه تخيل أو توهم. ويذكر أن بعض القضاة الأذكياء جاءه رجل ثقة كان مع الذين يتراءون الهلال، وكان في القوم شباب ذووا نظر وبصر أقوياء، فجاء هذا الرجل الثقة العدل يشهد عند القاضي، قال: رأيت الهلال، فقال القاضي للآخرين: هل رأيتم الهلال؟ قالوا: ما رأيناه، والرجل معروف بأنه ثقة وصاحب دين، قال: رأيته قال: نعم، قال: فتشهد قال: أشهد، والآخرون يقولون: ما رأيناه، فالقاضي تحير كيف هؤلاء الشباب الذين بصرهم قوي ما رأوه، وهذا الرجل الكبير الشيخ يقول أنه رآه، ولا يستطيع أن يرد شهادته لأنه ثقة عدل، قال: هل تستطيع أن تريني إياه إذا ذهبت أنا وأنت إلى المكان الذي رأيته فيه؟ قال: نعم تفضل، فذهب القاضي والراعي إلى المكان، فقال: هل رأيته قال نعم هذا هو ويشير، القاضي جعل يحدد بصره ما يرى، ويقول: هل تراه يقول: نعم والقاضي ما يراه، فتنبه القاضي فمسح حاجب الرجل -الشعر الذي فوق العين مسحه- وقال له: هل ترى الهلال؟ قال: لا ما أراه، فصار يرى شعرة بيضاء. فلابد من أمرين العدالة في الدين، والثاني قوة البصر الذي يكون به النظر ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . إذا رآه أهل بلد وثبت عندهم هل يلزم جميع الناس أن يصوموا أم ماذا؟ فيه خلاف يبلغ ستة أقوال للعلماء، ليس قولين بل ستة أقوال، لكن أشهرها التالي: الأول: أنه إذا ثبتت رؤيته في بلد إسلامي فإن جميع المسلمين في أقطار الدنيا عليهم أن يصوموا لأن قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ﴾ الخطاب فيه للمسلمين، ومن المعلوم أنه ليس المراد كل واحد لأن هذا متعذر فيكون المراد إذا شهده من تثبت به الرؤية وجب على المسلمين كلهم. وهذا القول فيه راحة في وقتنا الحاضر، لأننا نسمع أن في بعض البلاد تجد الناس في نفس البلد مختلفين، منهم من يتبع السعودية مثلاً، ومنهم من يتبع القضاء الذي في بلده، ومن يتردد فإذا قلنا بهذا القول: إذا ثبتت رؤيته بالبلاد الإسلامية لزم جميع الناس الصوم ما بقي إشكال، لكن هذا القول يشكل عليه أثر ونظر. أما الأثر: فما رواه مسلم في صحيحه في قصة كريب مولى أم الفضل أنه قدم من الشام إلى المدينة ورأى الناس سيصومون غداً فأخبرهم أنه ثبت هلال الشهر في الشام قبل ثبوته في المدينة بليلة، ولكن أبى الحبر ابن عباس ﵄ أن يأخذ بهذه الشهادة، وأبقى الناس على صيامهم، وقال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . هذا أثر. أما النظر: فهو أن الواقع أن مطالع الهلال تختلف بحيث يرى في جهة ولا يرى في الجهة الأخرى، كما أن مطالع الشمس تختلف فتطلع في جهة قبل أخرى، ويطول مكثها في الأفق أكثر من جهة أخرى، الآن نحن في زمن الشتاء والكرة الأرضية النصف الجنوبي منها في زمن الصيف، ولهذا إذا سمعت أخبار شمالي الكرة الأرضية وجنوبها؛ فإن الجنوب أقصى ما يكون في الحرارة، والشمال أقصى ما يكون في البرودة، وذلك أن الشمس تكون على الجنوبيين أطول مدة، وعلى الشماليين أقصر، أو بالعكس. فكما أن مطالع الشمس تختلف بحسب الواقع فمطالع الهلال تختلف بحسب الواقع، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: مطالع الهلال تختلف باتفاق أهل المعرفة، فإن اتفقت المطالع وجب الصوم، وإن اختلفت لم يجب الصوم. وهذا القول أقرب إلى الأثر وإلى النظر. هناك قول ثانٍ: أن العبرة بما يحكم به ولي الأمر ما لم يخالف الشرع، إن خالف الشرع ليس عبرة، لكن إن كان محتملاً وحكم فإن كل من تحت ولايته ولو اختلفت المطالع يلزمهم الصوم، وهذا هو الذي عليه العمل اليوم فمثلاً: بلادنا -بلاد السعودية - جنوبها وشمالها تختلف فيه المطالع، ومع ذلك إذا حكم ولي الأمر بالصوم صام الجميع، هذا القول هو الذي عليه العمل الآن، ثم من الناس من يأخذ برؤية السعودية ومنهم من لا يأخذ حسب خلاف أهل العلم ﵏.

стр. 400

وقفة مع قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ... ) قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٥-١٨٧] وإنما نص الله على إحلال الرفث إلى النساء ليلة الصيام؛ لأن الناس كانوا في الأول إذا صلوا صلاة العشاء أو ناموا ولو قبل صلاة العشاء حرم عليهم الأكل والشرب والجماع إلى أن تغرب الشمس من اليوم الثاني، وهذا فيه مشقة أو لا؟ نعم فيه مشقة، لاسيما مع طول النهار، إذا نام قبل صلاة العشاء أمسك إلى غروب الشمس من الغد، وإن صلى العشاء أمسك إلى غروب الشمس من يوم الغد، فشق ذلك على الناس، فأحل لهم هذه ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] الحمد لله نعمة.

стр. 401

الأسئلة

стр. 402

حكم تكرار الآية في النافلة السؤال في صلاتنا اليوم خلفك وفقك الله سمعناك كررت قول الله : ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٨] أكثر من مرة فهل مثل ذلك سنة في القيام؟ الجواب ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاة الليل ما لم يثبت في صلاة الفجر، فمن ذلك أنه كرر قول الله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] كررها إلى الصباح، وهو يصلي، وكذلك كان لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا آية تسبيح إلا سبح، ولا آية وعيد إلا تعوذ، ففي صلاة الليل أشياء مشروعة لا تشرع في الفريضة، مثل هذه، فنحن نكرر هذا لعل قلوبنا تلين وتخشع وتذكر الإيمان بالله، ويمر بنا أيضاً آيات قد تكون جديرة بأن نكررها لكن نخشى من الإطالة والملل، فمن أجل هذا كررنا (آمنا بالله) .

стр. 403

الاختلاف في مكيال زكاة الفطر وضابط مقدار ذلك السؤال ذكرت وفقك الله في كتاب مجالس رمضان: أن الصاع في زكاة الفطر في كيلوين وأربعين غراماً، وهذه قابلت رفضاً كبيراً عند كثير من الناس في منطقتنا، فهم يقولون: إن الصاع من الأرز يختلف عن الصاع من الأقط أو من الدقيق أو من القمح، فما رأي فضيلتكم، وبماذا نرد عليهم؟ الجواب نحن قدرناها بكيلوين وأربعين غراماً بالبر الرزين، ليس في كل شيء، فمن فهم أن هذا الوزن لكل شيء فقد أخطأ، بالبر الرزين، يعني البر الجيد الدجن، والبر معروف وهو القمح، فإذا اتخذت إناءً من القمح الجيد ووزنته وإذا امتلأ يزن كيلوين وأربعين غرام صافي من غير الإناء فهذا هو الصاع، خذ هذا الإناء معك وكِلْ به كُلّ شيء، تمر أو أرز، أو غيره، إذا كان الشيء خفيفاً فسيكون أقل من هذا الوزن، إذا كان الوزن خفيفاً سيكون الصاع أقل من هذا الوزن لأن حجم الخفيف أكبر، وإن كان ثقيلاً فسيكون الوزن أكثر ولابد، أكثر من كيلوين وأربعين غراماً، الآن وزن هذا من الرصاص وعندك بالة من القطن بحجم هذه الطاولة، يمكن هذه تكون أرجح منه، فالحجم ليس ملازماً للوزن، الوزن شيء والكيل شيء، ونحن قدرنا هذا بالبر الرزين. وكيفية ذلك كما قال العلماء: أن تتخذ إناءً يسع هذا الوزن من البر ثم تكيل به ما سواه، ونحن قدرنا هذا بناءً على تتبع ما قاله العلماء في زنة الصاع النبوي، ونص العلماء على أن المكاييل نقلت إلى الوزن لأنها أضبط، إذ أن الموزون يختلف، فلذلك نقلت إلى الوزن، وهذا الصحيح. الوزن أضبط، لكن ما هو الذي يعتبر في الوزن، كل شيء أو البر الرزين؟ الثاني: ولهذا إيراد السائل التمر والأقط هذا صحيح، لكنها ليست على ما فهمه هو، أن كل كيلوين وأربعين غراماً من أي طعام كان فهو صاع، لا. قد ينقص عن الصاع، فالمعتبر هو البر الرزين، يعني: الجيد الثقيل.

стр. 404

حكم استعمال الصائم لحبوب توضع تحت اللسان السؤال شخص مصاب بمرض القلب وقد وصف له الطبيب حبوباً يضعها تحت لسانه عند شعوره بالألم ولا يبلعها، ولا يجد طعمها في حلقه، فهل يفطر لو استعملها في نهار رمضان عند شعوره بالألم؟ الجواب لابد أن نعرف، هل هذه الحبوب تذوب أم لا، إن كانت تذوب، فلابد أن تجري مع الريق وحينئذٍ يفطر، أما إذا كانت لا تذوب أو أنها إذا ذابت لا يبتلع ريقه فلا بأس، لأنها لو كانت تذوب ولا يبتلعه المريض فلا بأس، كما أنا الآن نتمضمض والماء له طعم، ومع هذا لا يفسد الصوم لأن الفم في حكم الباطن أو الظاهر؟ الظاهر، ولهذا وجب تطهيره في الوضوء، ووجب تطهيره في الغسل. فالمهم إن كانت هذه الحبوب تذوب ويبتلع ريقه الذي ذابت فيه؛ فإنه يفسد صومه، ويلزمه القضاء، وإن كانت لا تذوب أو تذوب ولكنه لا يبتلع الريق فإنها لا تضره كما لو ذاقت المرأة طعم الطعام، أو ذاق الإنسان طعم الماء عند المضمضة، أو ما أشبه ذلك.

стр. 405

حكم المعتمر الذي ترك طواف الوداع السؤال اعتمر رجل ولم يوادع، وكانت عمرته قبل أسبوعين وهو سيعود إلى مكة بعد أسبوعين، فهل يقضي طواف الوداع، أم يلزمه الفدية بكل حال؟ الجواب أولاً المعتمر لا نقول أن طواف الوداع واجب عليه، ولا نقول أنه غير واجب، إن كان المعتمر طاف وسعى وقصر ومشى إلى بلده فلا حاجة لإعادة الطواف، ويكفيه طواف القدوم الذي هو طواف العمرة؟ وإن كان بقي في مكة ولو ساعة وجب عليه أن يطوف للوداع، فإذا خرج بدون طواف فإن احتار وذبح فدية في مكة توزع للفقراء مع غناه وقدرته فهذا هو الأفضل أو الواجب، وإن لم يفعل لفقره أو حاجته أو ما أشبه ذلك فلا شيء عليه، ولا ينفع إعادته فيما بعد لأنه يسقط بفوات سببه لأن سببه الوداع فإذا طال الفصل فإنه يسقط وعليه الفدية.

стр. 406

فعل المعاصي في الليل وأثره على الصيام في النهار السؤال قول النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) هل فعل هذه الأمور في الليل كفعلها في النهار أفدني أفادك الله؟ الجواب المراد فعل هذه الأشياء في النهار، لأنه قال: (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) فهل ترك الطعام في الليل أم في النهار؟ في النهار، إذاً لو أن الإنسان فعل معصية في الليل ولكنه في النهار إذا صام حفظ نفسه فإن ذلك لا يؤثر على صومه، لأن المعاصي التي يفعلها في الليل لا تؤثر على صومه، لكن على كل حال كل إنسان يجب عليه أن يتجنب المعصية فإن سولت له نفسه فعلها فعليه أن يقلع ويتوب في الحال.

стр. 407

الوسطية في الصلاة السؤال إذا كان مع الإمام رجل كبير في السن ومريض بضيق النفس، فإذا سجد وأطال تأثر من ذلك بسبب ضيق النفس وطلب منه التخفيف واستدل بأن النبي ﷺ قال: (أيكم أَمَّ بالناس فليخفف) وإذا خفف طلب منه كبير السن -العاجز عن مسايرة المصلين- الإطالة خاصة في السجود وقال: إنه لا يضرك الإطالة والضعيف أمير الركب، فماذا يفعل هذا الإمام والحال هذه؟ الجواب بقي قسم ثالث وهو الوسط الذي يقول: اجعل الصلاة وسطاً، فليجعل الصلاة وسطاً، والناس اليوم يفضلون التخفيف والإسراع، لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يأمر الناس بالتخفيف لتكون صلاتهم كصلاة النبي ﷺ ، وكان يأمهم بالصافات، و (ألم) السجدة، بل صلى يوماً من الأيام صلاة المغرب بالأعراف، فالتخفيف ليس راجعاً إلى هوى الناس، بل راجع إلى موافقة السنة، فما وافق السنة فهو التخفيف، ثم يقال لهذا الذي يتضايق إذا أطال الإمام السجود بعض الشيء يقال له: الصلاة غير واجبة، أنت الآن تصلي تطوعاً، والتطوع يمكنك تركه، فينبغي للإمام أن يكون وسطاً بين هؤلاء وهؤلاء.

стр. 408

ما يجب على الإمام إذا زاد في التراويح السؤال إذا سها الإمام في صلاة التراويح فقام إلى ثالثة ثم سلم وقد صلى ثلاث ركعات، ثم نبهه من خلفه بعد ذلك فماذا يفعل والحال هذه؟ الجواب إذا صلى في التراويح ثلاث ركعات ناسياً ونبه بعد السلام فإنه يسجد لسجود السهو سجدتين ويسلم، كما فعل النبي ﷺ حين صلى الظهر خمساً، فلما سلم قيل له: (أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، فثنى رجليه واتجه إلى القبلة وسجد السجدتين وسلم) .

стр. 409

أحكام سجود السهو لمن فاتته أول الصلاة السؤال أرجو تفصيل الحكم في سجود السهو للمسبوق، إذا كان السجود قبل السلام وبعد السلام فإنه من المعلوم أنه إذا سجد الإمام قبل السلام سوف يتابعه المأموم، فهل يعيد هذا السجود أم لا، قياساً على عدم الاعتداد بالتشهد الأول إذا لم يكن في محله، لأنه لا يعتد به أرجو توضيح هذه المسألة في الحالين وفقك الله ونفع بك؟ الجواب إذا كان سجود السهو قبل السلام فكما قال السائل سيتبعه المأموم المسبوق، ثم إذا قضى ما فاته فإن كان قد أدرك السهو مع الإمام كما لو ترك التشهد الأول وهذا المسبوق قد دخل في الركعة الثانية فإنه يجب عليه أن يسجد قبل السلام لأن سجوده الأول كان متابعة لإمامه في غير محله؛ لأن سجود السهو يكون في آخر الصلاة. وأما إذا كان السهو الذي حصل من الإمام قبل دخول هذا المسبوق معه كما لو ترك التشهد الأول وهذا دخل معه في الركعة الثالثة فإنه إذا أتم ما عليه لا يعيد سجود السهو؛ لأن سجود السهو في حقه إنما كان متابعة للإمام وقد حصلت، أما إذا كان سجود الإمام بعد السلام فإن المأموم لا يتابعه، بل يقوم لقضاء ما فاته، فإذا أتم صلاته فإن كان قد أدرك الإمام في السهو سجد للسهو بعد السلام، وإن كان سهو الإمام قبل أن يدخل معه فلا سجود عليه.

стр. 410

عدم إجزاء سندات الجمعية عن كفارة العاجز عن الصوم السؤال إذا كان هناك رجلٌ مريض ومرضه لا يرجى شفاؤه فمن المعلوم أن عليه كفارة عن كل يوم، فهل يكفي أن يدفع هذه الكفارة قيمة إفطار صائم حسب ما يوزع من هذه الكروت من قبل جمعيات البر الخيرية أو غيرها، فإذا دفع الإفطار لثلاثين أو تسعة وعشرين يوماً حسب عدة الشهر لذلك المريض فهل يكفيه؟ الجواب لا أرى أنه يكفيه، أولاً: لأن هذا الذي دفعه قد يؤكل وقد لا يؤكل، ربما يوضع الكرتون ليؤكل ولا يأكله أحد، والفدية لابد أن نعلم أنها وقعت في يد مستحقها، وأيضاً ربما يتكرر أكل الفقير الواحد لهذه الفدية، أليس كذلك؟ ربما يكون الذي تعطي يأكله اليوم فلان من الناس، واليوم الثاني يأكله نفس الرجل، واليوم الثالث كذلك، فهل تكون أطعمت مساكين أم مسكيناً واحداً؟ ولهذا لا نرى أنه يكفي.

стр. 411

بعض أحكام صلاة الوتر السؤال سمعت حديثاً قال فيه النبي ﷺ : (اجعلوا صلاتكم في آخر الليل) فما المراد بهذه الصلاة هل هي صلاة الوتر وها نحن قد صلينا الوتر الآن، أرجو توضيح هذا الحديث نفع الله بك، وجزاك عنا خير الجزاء؟ الجواب لا أعلم هذا الحديث بهذا اللفظ، لكن قال النبي ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) وقال: (من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أول الليل، ومن طمع أن يقوم من آخر الليل فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة) وذلك أفضل ثم إن النبي ﷺ أوتر من أول الليل، ومن وسط الليل، ومن آخر الليل كما ذكرت ذلك أم المؤمنين عائشة ﵂، فالوتر يكون من بعد صلاة العشاء وسنتها، حتى لو جمع الإنسان جمع تقديم وصلى العشاء مع المغرب، فإنه في هذه الحال يجوز أن يصلي النافلة -يعني الراتبة- بالمغرب والعشاء ويصلي الوتر، حتى وإن كان لم يعزز للعشاء في الأوقات الأخرى. فعلى كل حال المقصود أن تجعل آخر صلاتك بالليل وتراً. أنا أسأل: رجل أوتر ثم بعد الوتر رجع ودخل المسجد هل يصلي ركعتين، وهذا ما جعل آخر صلاته في الليل وتراً. هذه لها سبب، وهو دخول المسجد. رجل آخر أوتر قبل أن ينام ثم قدر له أن قام له في الليل هل يصلي أو لا يصلي؟ إذا صلى لم يجعل آخر صلاته في الليل وتراً. نقول: إن النبي ﷺ لم يقل لا تصلوا بعد الوتر، انتبه للفرق، ما قال: لا تصلوا بعد الوتر، قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) وهذا الرجل أوتر أول الليل بناءً على أن هذا آخر صلاته، فقد امتثل الأمر، ثم قدر له أن قام وصلى؛ لأن الرسول ﵊ ما نهى عن الصلاة بعد الوتر، فيجب أن نعرف الفرق بين العبارتين، لو قال: لا تصلوا بعد الوتر، قلنا إذا قمت من آخر الليل لا تصلِّ، لكن قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) وقد فعل، أوتر قبل أن ينام بناءً على أنه لن يتسنى له أن يقوم ثم قام.

стр. 412

حكم المدين الذي لم يعد يعلم بمكان الدائن السؤال عندي مبلغ من المال لأناس قبل عشرين سنة لا أعرف أين هم الآن ولا محلهم، فماذا أفعل بهذا المال، هل أنفقه في سبيل الله، أم ماذا أصنع به؟ الجواب أنفقه في سبيل الله، إما صدقة، وإما بناء مسجد، وإما شراء كتب، أو غيرها من أعمال الخير، بنية أنها لأصحابها، والله يعلم أصحابه، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولكن إن قدر أن أصحابه يأتون فيما بعد فأخبرهم قل: إني تصدقت بها، وأنتم بالخيار إن شئتم فهي لكم أجرها، وإن شئتم أضمنها لكم، ثم هم بالخيار.

стр. 413

حكم ختم القرآن كله في رمضان السؤال حرص بعض الأئمة على ختم القرآن في التراويح هل هو بدعة أم سنة؟ الجواب لا أعلمه سنة عن الرسول ﵊، ولكن أهل العلم يقولون: ينبغي للإمام أن يقرأ جميع القرآن في صلاة التراويح من أجل أن يسمع المأمومين كل القرآن، ويستحب أن يختم ختمة في كل رمضان.

стр. 414

ما يقوله المأموم في الوتر عند الثناء على الله السؤال عند ثناء الإمام في دعائه في القنوت وفي التلاوة في صلاة التراويح على الله كقوله: إنك تقضي ولا يقضى عليك، فإن من خلفه يقولون: سبحانك! أو يا الله! هل هذا وارد عن السلف وله أصل؟ فإذا لم يكن كذلك فماذا يقال والحال هذه؟ الجواب نعم هذا له أصل، ففي حديث حذيفة ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ صلاة الليل فكان لا يمر بآية تسبيح إلا سبح، ولا بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية وعيد إلا تعوذ، لكن في القنوت لم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقنت في صلاة الوتر فلم يصح عنه ذلك، إلا أنه علم الحسن بن علي أن يقول في قنوت الوتر: (اللهم اهدني فيمن هاديت) فإذا ورد ثناء على الله في قنوت الوتر وقال المأموم سبحانك فلا بأس، وكذلك لو ورد دعاء فأمن فلا بأس، لأن الإمام يدعو لنفسه ولهم.

стр. 415

حكم تلفظ الإمام بكلمة من غير القرآن السؤال هل تبطل صلاة الإمام إذا سهى حين رد عليه من خلفه في قراءته فقال الإمام كلمة كاملة من غير القرآن مثل أن يقول: طيب أو نعم، فهل تبطل صلاته بهذا؟ الجواب الإمام لن يقول ذلك إلا سبق لسان، وإذا كان سبق لسان فإنه لا يضر لأنه بغير قصد، وأما إذا قاله متعمداً فإنها تبطل الصلاة؛ لأن نعم جواب كلام آدميين، أما بدون قصد وإنما هو سبق لسان فإنه لا يضر، وكذلك لو قال آية من القرآن تدل على ذلك مثل لو قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ [ص:٣٣] فلا بأس. ولكن -بالمناسبة- يردّ علي ناس كثيرون وتختلط علي الأصوات فلا أعرف، ولهذا يحسن أن يكون الراد واحد واختاروا من تشاءون منكم. إذا كان أكثر من واحد يختلط عليه ثم بعض الناس يرد خطأ، مشكلة من تصدق، هذا أو ذاك؟! لذلك أنا أرى أن يقتصر الرد على واحد فاختاروا من يكون أندى صوتاً وأضبط قراءة.

стр. 416

حكم قول القائل: العصمة لله وحده السؤال ما حكم قول القائل: العصمة لله وحده، لأني وجدت من يشنع على من يقول ذلك، ويصفه بالجهل، ويقول: مما يعصم الله، وما الذي كان يمكن أن يقع حتى عصم منه، وهذا القول -أي العصمة لله- في حصر العصمة بالله وحده ونفيها جزماً عن الأنبياء، أرجو توضيح هذا الأمر نفع الله بعلمك وغفر لك. الجواب إن الله عاصم وليس بمعصوم، لأنه حاكم وليس بمحكوم، لا معقب لحكمه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] وقال نوح لابنه: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣] . فإذا أراد القائل العصمة لله، أي أنه هو العاصم فهذا صحيح، وإن أراد العصمة لله أي: أنه معصوم، فالمعصوم اسم مفعول، واسم المفعول لابد له من فاعل، فيكون هناك عاصم يعصم الله فالله معصوم، وهذا خطأ، لأنه ليس فوق الله عاصم بل هو العاصم لمن شاء. أما الرسل عليهم الصلاة والسلام فهم معصومون من الخطأ في الحكم الذي يبلغونه عن الله، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . وغير معصومين عن بعض الذنوب إلا أنهم يتوبون منها، فتقع مغفورة لهم ولا يلحقهم مثلبة بها، هذا أصح ما قيل في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام. يعني مثلاً نحن يجوز أن نصر على معصية، أما الرسل فلا، لا يمكن أن يصروا على المعصية، لأنه لابد أن يقع من الله تنبيه لهم، فيغفر الله لهم. الحاصل: أن العصمة لله لا تقال، لأنها توهم أن المعنى لا معصوم إلا الله فيكون له عاصم؛ لأن المعصوم إنسان مفعول لابد له من فاعل، فلا تصح لله ، أما إذا قلت لا عصمة لله يعني أنه هو وحده العاصم فهذا صحيح، لكن في ظني أن قائلها لا يريد هذا المعنى، إنما يريد المعنى الأول، وهذا خطأ. الإصرار على المعصية لا يجوز، ومعنى يجوز أن نصر على المعصية ليس جواز الشرع، المراد الجواز العقلي، وإلا كيف نصر على معصية، المعصية حرام، لكن يجوز بمعنى جوازاً عقلياً أن نصر على معصية، وإلا فيجب علينا أن نتوب منها وقد نبهنا على ذلك في حينه.

стр. 417

لا يكفي لصلاة التراويح دعاء استفتاح واحد السؤال هل يكفي لصلاة التراويح دعاء استفتاح واحد؟ الجواب لا يكفي استفتاح واحد؛ وذلك لأن كل ركعتين منفصلتان عن الركعتين قبلهما، ولهذا لو بطلت الركعتان الأخريان هل تبطل الركعتان الأوليان؟ لا، فهما منفصلتان، كل واحدة لها استفتاح، كل واحدة لها سلام، كل واحدة لها واجبات مستقلة فلا يكفي استفتاح واحد، لكن الذي يغلب على الأئمة عفا الله عني وعنهم محبة الإسراع، ومن أجل ذلك كانوا يسقطون دعاء الاستفتاح، كذلك أيضاً يسقطون أمراً هاماً في التشهد يسقطون الاستعاذة من عذاب جهنم، يعني لا يمكن للإنسان الذي يصلي خلف كثير من الأئمة أن يقرأ أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحياء والممات ومن فتنة المسيح الدجال. مع أن الاستعاذة من هذه الأربع مأمور بها. حتى إن طاوساً -وهو من كبار التابعين- لما أخبر ابنه أنه لم يتعوذ أمره أن يعيد الصلاة، ولا شك أنها متأكدة الاستعاذة من هذه الأربع، حتى إن بعض أهل العلم قال إنها من واجبات الصلاة، بل إن بعض الأئمة إذا وصلت إلى: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سلم، يكون هو قد قال: اللهم صل على محمد، ولا يكمل الصلاة على الرسول وإنما يسلم مباشرة. والمسألة ليست مسابقة، المسألة صلاة قيام، الناس بين يدي الله وهم يدعون الله ، على الأقل يكملون المشروع من التشهد لكن نسأل الله الهداية.

стр. 418

وسائل الخشوع في الصلاة السؤال نرجو من فضيلة الشيخ أن يذكر لنا وسائل الخشوع في الصلاة فنحن والله بأمس الحاجة إليها، ونشكو من عدم الخشوع فيها؟ الجواب المعاصي لها تأثير على القلوب، كلما تراكمت المعاصي على القلب قَلَّ خشوعه، وقلت إنابته إلى الله ، فالمعاصي لها أثر، فمن أسباب الخشوع في الصلاة: أولاً: كثرة الاستغفار؛ لأن كثرة الاستغفار سبب للمغفرة. ثانياً: يكثر بين الناس إذا دخلوا الصلاة أن تطيش قلوبهم يميناً وشمالاً، وتتفرق، ومعلوم أن من لم يستحضر للقراءة ويتدبر معناها أنه لا يخشع، لأنه يقرأ وقلبه أين؟ في السوق، مع أصحابه، في الجو، في أي مكان، حتى إنه يفكر في أشياء ليس له فيها مصلحة إطلاقاً، هذا أيضاً من أسباب عدم الخشوع في الصلاة. ثالثاً: من أسباب عدم الخشوع: أن الإنسان المصلي لا يشعر أنه الآن بين يدي الله ، يعظمه ويمجده ويسبحه ويسأله، فلهذا لا يحصل الخشوع، بل يقل جداً، ولو كنا نشعر بأننا إذا قرأنا آية من الفاتحة أن الله يناجينا بها، إذا قال المصلي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. من يشعر بهذا؟ أحياناً نشعر به لا بأس، لكن أكثر الأحيان في غفلة، لذلك لا يحصل الخشوع. كذلك من أسباب عدم الخشوع: أننا نصلي الفريضة وكأننا نؤدي ديناً واجباً، لا نشعر بأننا قمنا بعبادة فرضها الله علينا وأننا نتبع فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنستحضر الإخلاص ونستحضر المتابعة، هذا مفقود في أكثر الناس ولهذا لا يحصل الخشوع. فنسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا وقلوبكم لذكره وأن يرزقنا خشيته في السر والعلانية، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.

стр. 419

جلسات رمضانية لعام ١٤١٥هـ[٣] تحدث الشيخ في هذا اللقاء عن الزكاة من أربعة جوانب، وهي: مرتبتها وفضلها في الإسلام، والتحذير من منعها، ثم الأموال التي تجب فيها الزكاة. وأجاب عقب ذلك عن أسئلة في أحكام صلاة التراويح، وكيفية إخراج الزكاة وغير ذلك.

стр. 420

مباحث في أبواب الزكاة الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث في شهر رمضان وهو في الليلة العاشرة من شهر رمضان عام خمسة عشر وأربعمائة وألف، هذه اللقاءات التي نرجو الله أن تكون نافعة للقائم والسامع، إن لقاءنا هذه الليلة سيكون حول الزكاة: أولاً: في بيان مرتبتها من دين الإسلام. ثانياً: في بيان فضلها. ثالثاً: في التحذير من البخل بها. رابعاً: هل كل مال فيه زكاة، أم الزكاة في أموال معينة.

стр. 421

مرتبة الزكاة في الإسلام أما مرتبتها من الإسلام: فهي في المرتبة الثالثة؛ لأن أركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله هذا واحد، وإنما كان واحداً لأن العبادة لا تصح إلا بإخلاص ومتابعة، فبشهادة أن لا إلا الله يكون الإخلاص، وبشهادة أن محمداً رسول الله تكون المتابعة. الثاني: إقامة الصلاة. الثالث: إيتاء الزكاة. الرابع: الصوم. الخامس: الحج. وهي ركن من أركان الإسلام، معلومة الوجوب بالضرورة من الدين ولهذا قال العلماء: من أنكر فرضية الزكاة وهو يعيش بين المسلمين فهو كافر؛ لأن فرضيتها من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، هذه مرتبة الزكاة، وهي كما تقرءون كتاب الله قرينة الصلاة في مواضع كثيرة، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة كثيرة.

стр. 422

فضل الزكاة وأما فضلها: فلها فضل عظيم بينه الله تعالى في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] فهاتان فائدتان عظيمتان، الطهارة والزكاة. الطهارة من أي شيء؟ الطهارة من الذنوب، الطهارة من الأخلاق الرذيلة كالبخل الذي سماه الله تعالى فحشاء، في قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] أي بالبخل، فهي تطهر من الأخلاق الرذيلة، تطهر من الذنوب، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) والنار إذا رشت بالماء انطفأت بلا شك، وأولى ما يدخل في الصدقة الزكاة فهي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. كذلك أيضاً تزكي الإنسان، كيف تزكيه؟ تجعله في دائرة الكرماء، والله كريم وهو يحب المحسنين، والزكاة من الإحسان، فهي تزكي الإنسان وتجعله كريماً، وإذا كان كريماً بماله كان كريماً بنفسه، وإذا كان كريماً بماله كان محباً لغيره. ومن فضائل الزكاة أنها تزيد المال، عكس ما يظن البخيل، البخيل يقول: إذا كان عندي مائة ريال وأخذت اثنين ونصفاً منها؛ نقصت، كم تكون؟ سبعة وتسعين ونصفاً، لكنها في الواقع لا تنقص المال، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ (ما نقصت صدقة من مال) بل -هي أي الصدقة- تزيد في المال، كيف تزيد؟ يفتح الله تعالى على المنفق أبواب الرزق من حيث لا يشعر، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] أي يأتي بشيء يخلفه، ويكون بدلاً عنه. كذلك تقي المال الآفات، ربما يقي الله مالك الآفات بسبب الزكاة قد يسلط على مانع الزكاة من يسرق ماله، قد يسلط على ماله آفات تهلكه، قد يسلط على نفس المالك أمراضاً تفني ماله، لكن الزكاة لا تنقص المال بل تزيده، واعلم أن بعض الناس يروي هذا الحديث فيقول: (ما نقصت صدقة من مال بل تزده بل تزده) وهذه جملة غلط. أولاً: أنها لم ترد عن النبي ﵊ كلمة بل تزده. وثانياً: أنها جاءت مجزومة والجزم لحن في اللغة العربية إذا لم يكن هناك أداة جزم، ولو كانت من كلام الرسول لكانت: بل تزيده، نبهت على هذا لأن كثيراً ما يتردد على ألسنة الناس: (ما نقصت صدقة من مال بل تزده بل تزده) بل تزده هذه غلط. ومن فضائلها: أنها ترضي الفقراء على الأغنياء؛ لأن الفقير إذا أعطي من المال رضي على الغني، وقال: هذا الغني مَنَّ علي بماله وأشركني في ماله، لكن إذا بخل بالزكاة امتلأت قلوب الفقراء غلاً على الأغنياء، وربما يحصل فساد وسرقات، أو قتل، أو ما أشبه ذلك فهذه من مصالحها.

стр. 423

التحذير من البخل بالزكاة أما التحذير من منعها والبخل بها فاستمع إلى آيتين من كتاب الله: أولاهما قول الله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٨٠] آتاهم يعني: أعطاهم، لا يحسبونه هو خيراً لهم ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠] انظر قال: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني أن هؤلاء الذين يبخلون لا يظنون أنهم ببخلهم بالمال سيخلدون بل سيهلكون، ويورث المال من بعدهم، فما الذي يجعل طوقاً في عنق الإنسان؟ هو المال، يجعله الله ﵎ يوم القيامة شجاعاً أقرع، الشجاع يعني الحية أو الذكر من الحيات العظيمة -نسأل الله العافية- هو الذي ليس على رأسه زغب أي شعر، أملس، قال العلماء: وهذا إنما يكون من كثرت السم في رأسه قد تساقط شعره، يقول الرسول ﵊: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد منه زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان) (زبيبتان) يعني: شيئين مثل الزبيبتين- أتعرفون الزبيب؟ هو اليابس من العنب، هاتان الزبيبتان قال العلماء: إنهما وعاءان من السم والعياذ بالله (فيأخذ بلهزمتيه -يأخذ هذا المال يطوق يوم القيامة هذا الشجاع الأقرع فيأخذ بلهزمتيه أي شدقيه- ويقول: أنا مالك أنا كنزك) يوبخه، يقول: انظر الآن صرت عدواً لك، كان الإنسان في الدنيا صديقاً حميماً لماله، ولذلك يحرص عليه، ويجعله في الصناديق الوثيقة، ويحميه من الأمطار والمياه والغبار، فهو صديق حميم، هذا المال الذي يكون الإنسان له صديقاً حميماً في الآخرة ماذا يكون يوم القيامة؟ عدواً له، ويوبخه ويقول: أنا مالك وأنا كنزك، فيجتمع على هذا المانع للزكاة ألمان، أحدهما ألم حسي لأنه يعض على شدقيه، والثاني: ألم قلبي لأن قول المال: أنا مالك أنا كنزك لا شك أنه يعصر القلب فيجتمع عليه ألمان. أما الآية الثانية فهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤-٣٥] فما معنى يكنزون الذهب والفضة؟ هل معناها: أنهم يحفرون لها في الأرض ويدفنونها؟ لا. يكنزون أي: يمنعون زكاتها، ولو كانت على قمم الجبال، فمن منع زكاة ماله فقد كنزه، ولو كان على قمم الجبال، ومن أدى زكاة ماله فإنه لم يكنزه ولو كان في قعر الآبار، إذاً: معنى يكنزون الذهب والفضة: لا يؤدون الواجب فيها وأعظمه الزكاة. (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) إذا قال قائل: كيف يبشر بالعذاب؟ قال بعض العلماء: إطلاق البشارة على العذاب من باب التهكم بهم، وقيل: إن البشارة تكون في الخير والشر لكنها في الخير أكثر، وإنها سميت بشارة لأنها تؤثر على البشرة، الذي يسر يؤثر على البشرة نضرة وسروراً، والعكس انقباضاً وظلمة. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة:٣٤-٣٥] ونار جهنم فضلت على نار الدنيا كلها، أعظم ما في الدنيا من نار وأكبر ما في الدنيا من النار فضلت عليها نار جهنم بتسعة وستين جزءاً أعاذنا الله وإياكم منها، أهلها ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩] إذا قرب من الوجه شواه، وإذا سقط في الأمعاء قطعها ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩] ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:٢٠] يمضي من الجلود إلى ما في البطون، ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ﴾ لم يقل يصب فوق، لأن ما يصب من فوق أبلغ مما يصب فوق، قد يصب الشيء على الشيء فوقه بهدوء ولا يؤثر، يضع هذا ويصب ما يؤثر، لكن يصب من فوق جاء مؤثراً لأنه يأتي من بعد فيؤثر ويكاد يخرق الرأس من تأثيره، فهم يصب من فوق رءوسهم الحميم؛ ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ . يحمى على هذا المال في نار جهنم فتكوى به جباههم وجنوبهم وظهورهم. الجباه مقدم الجسد وخص الجبهة لأنها أعلى ما في الجسد مما يواجه الناس، جنوبهم الأيمن أو الأيسر؟ الأيمن والأيسر، وظهورهم. قال بعض العلماء: وخص هذه الأربعة لأن المانع للزكاة قد يلاقي من سألها بوجه عابس فعذب الوجه، وقد يولي ظهره عنه ولا يهتم به فعذب الظهر، وقد يعرض عنه بجنبه فعذب الجنب. وقال بعض العلماء: بل هذه الجهات الأربع، فيعذب من كل جانب؛ لأن الجبهة من الأمام، والظهر من الخلف، والجنوب من اليمين والشمال، فالمعنى أنه يكوى بها من كل جانب، وأياً كان فنعوذ بالله من ذلك. جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ جاء مفسراً لذلك، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها) ، وفي لفظ: (زكاتها إلا إذا كان يومُ القيامة) أو يومَ القيامة بالنصب أو بالضم؟ يومُ بالرفع لأن (كان) هذه تامة، يعني إذا وجد يوم القيامة (إلا إذا كان يومُ القيامة صفحت له صفائح من نار) الذهب والفضة يكون نار كما أن الحطب إذا أوقدت به يكون ناراً هذه تصفح صفائح من نار، ويكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره -مطابق تماماً للآية- (كلما بردت أعيدت -نعوذ بالله- في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) . تأمل كلما بردت أعيدت ليس في دقيقة، ولا ساعة، ولا يوم، ولا ليلة، ولا أسبوع، ولا شهر، ولا سنة؛ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، كل إنسان يمنع زكاته هذا جزاؤه والعياذ بالله، حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وهذان الحديثان وهاتان الآيتان يكفي واحد منها في الفزع والتحذير من منع الزكاة. ثم عجباً للإنسان! كيف يبخل بالزكاة وهو إذا ترك المال كان للذي من بعده! لا يدفن معه في القبر، ولو دفن معه في القبر ما نفعه، يتركه لغيره فيكون عليه غرمه ولمن وراءه غنمه، وربما يرثه من لا يقول: يرحمه الله، قد يكون ابن عم بعيد، أو ابناً عاقاً، أو أخاً قاطعاً أو ما أشبه ذلك. إذاً: بحثنا في مرتبتها من الإسلام، والثاني: فضلها، والثالث: التحذير من منعها والوعيد على ذلك.

стр. 424

الأموال التي تجب فيها الزكاة الرابع: هل كل مال فيه زكاة، أم الزكاة في أموال معينة؟ الزكاة في أموال معينة، وهي النامية حقيقة أو حكماً -انتبه لهذا الضابط-: النامية حقيقة أو حكماً -فمثلاً: الماشية تتوالد، هذه نامية حقيقة أم حكماً؟ رجل عنده أربعون شاةً ولدت كل شاة (سخلتين) إلا واحدة فولدت ثلاثاً، فهل نمت حقيقة أو حكماً؟ كانت في الأول أربعين، والآن مائة وواحداً وعشرين، فهي نامية حقيقة أم حكماً؟ حقيقة بدون توقف؛ لأنه حقيقة. إنسان عنده مال: ذهب، أو فضة؛ ولكنه لا يحركه، يجمعه ولا يبيع، ولا يشتري، ولا يبضع، ولا يعمل أي شيء، هذا نامٍ حكماً أو حقيقة؟ حكماً وفيه زكاة؛ لأن النقدين معدين للنماء في الأصل. إذاً: الزكاة لا تجب في كل مال بل فيما هو نامٍ، حقيقة أو حكماً وهذه من نعمة الله، ولذلك قال النبي ﵊: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) عبده الذي يستخدمه ما فيه صدقة، فرسه الذي يركبه ما فيه صدقة، سيارته التي يركبها ما فيها صدقة، بيته الذي يسكنه ما فيه صدقة، وهلم جرا؛ لأن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية حقيقة أو حكماً.

стр. 425

أدلة زكاة الذهب والفضة ولنشخصها فنقول: تجب في الذهب والفضة أياً كانت متى ملك الإنسان نصاباً من الذهب فعليه الزكاة، ومتى ملك نصاباً من الفضة فعليه الزكاة سواء كانت نقوداً أو تبراً أي: قطع من الذهب أو من الفضة أو حلياً أو غير ذلك، ما فيه تفصيل ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة:٣٤] عام، (ما من صاحب ذهب ولا فضة) عام. لا فرق، ما يفرق بين شيئين، ومن فرق بين شيئين من الذهب والفضة فعليه الدليل، وعلى هذا فالمرأة إذا كان عندها حلي من الذهب يلزم أن تزكيه إذا بلغ نصاباً وجوباً، لأننا لو سألناها وقلنا لها: يا أمة الله! هل أنت صاحبة ذهب فستقول: لا، جوابها صحيح أم غير صحيح؟ إذا قالت: لا. فالجواب غير صحيح، أنت صاحبة ذهب وفضة، ولهذا الناس يتحدثون ويقولون فلانة عندها ذهب كثير، عندها ذهب كثير، إذا كنت صاحبة ذهب أو فضة أدي زكاته، إذا كنت صاحبة ذهب أدي زكاته. فإن قال قائل: أليس الرسول ﷺ يقول: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقه) . الجواب بلى قال ذلك، يقول: إذاً: ليس على المسلمة في حليها صدقة؛ لأنها أعدته للاستعمال كما أعده صاحب الفرس للاستعمال إذاً لا زكاة، فماذا نقول؟ نقول: هذا قياس فاسد الاعتبار، لأنه قياس مع النص، فإن قالوا: أين النص على الحلي؟ قلنا: العمومات تشمل جميع أفرادها، ومن أخرج شيئاً من أفراد العموم فعليه الدليل، والدليل على أن العمومات تشمل جميع أفرادها قول الرسول ﵊ قال: (إنكم إذا قلتم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض) أين العموم؟ في قولنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؟ قوله: (عباد الله) لأنه جمع مضاف فهو على العموم، يقول: (سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض) لأنه علمهم ذلك حين كانوا يقولون: السلام على الله من عباده، السلام على جبرائيل وعلى ميكائيل. وما أشبه ذلك، فلا حاجة أنكم تخصصون، الله هو السلام فلا تقولوا: السلام على الله، غير الله ناقص فقولوا السلام عليه، لا تقولوا على فلان وفلان، قولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إلا النبي ﵊، فالنبي خصص، ويبدأ به قبل أنفسنا، ماذا نقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) وانظر ترتيب التشهد مرتب على الأحقية، الأعظم حقاً من الله بدئ به، (التحيات لله والصلوات والطيبات) ثم الرسول: (السلام عليك أيها النبي) ثم نفسك: (السلام علينا) ثم العباد الصالحين: (وعلى عباد الله الصالحين) . فإذا قال قائل: أين ذكر الحلي؟ قلنا: لا يحتاج إلى ذكر فإن العموم يتناول جميع أفراده؟ ثم نقول: لدينا ثلاثة نصوص خاصة بالحلي أشار إليها الحافظ ابن حجر، بل ذكرها الحافظ ابن حجر في كتابه بلوغ المرام. أولها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه: (جاءت امرأة إلى الرسول ﵊ وفي يد ابنتها سواران غليظان من الذهب، فقال لها: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ -والجواب: لا يسرها، وحذف الجواب لأنه معلوم- فخلعتهما وألقتهما إلى الرسول وقالت: هما لله ورسوله) الله أكبر! ما طابت نفسها ببذل الزكاة فقط، بل بالحلي كله، (قالت: هما لله ورسوله) . ونظير هذا من بعض الوجوه أن النبي ﵊ رأى رجلاً في يده خاتم ذهب، فقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده، ثم نزعه الرسول بيده صلوات الله وسلامه عليه ورمى به، فلما انصرف النبي ﷺ قيل للرجل: خذ خاتمك انتفع به، قال: والله لا آخذ خاتماً طرحه النبي ﷺ هكذا هؤلاء الرجال، هؤلاء النساء، هذه ألقت السوارين إلى رسول الله ﷺ وقالت: هما لله ورسوله، والرجل أبا أن يأخذ الخاتم لأن الرسول طرحه. ولما خطب النبي ﷺ ذات يوم خطبة العيد نزل إلى النساء ووعظهن وقال: (يا معشر النساء! تصدقن ولو من حليكن فإني رأيتكن أكثر أهل النار) ماذا صنعن؟ جعلت المرأة تأخذ خرصها وخاتمها وسوارها ثم تلقيه في ثوب بلال، بدون توقف، وربما تكون الواحدة منهن ليس عندها إلا هذا الخرص، أو هذا الخاتم لكن الإيمان يحمل الإنسان على شيء لا يحمله عليه ضعيف الإيمان. إذاً: القول الراجح من أقوال أهل العلم أن حلي الذهب وكذلك الفضة تجب فيه الزكاة، وهذا مذهب أكثر الأمة الإسلامية بعد المذاهب المتبوعة، لأنه مذهب أبي حنيفة ﵀ وأصحابه، وهو رواية عن إمامنا الإمام أحمد ﵀ أن حلي الذهب تجب فيها الزكاة، فإن قال قائل: نحن مرت بنا أزمان كثيرة لا نزكي وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، نقول: إذا لم تسمعوا أنتم به في آبائكم الأولين فقد سمع به أصحاب أبي حنيفة، ثم إن هذا لا يضر أن القول ينتشر بين الناس وهو ضعيف؛ لأن القول بعدم الوجوب هو المشهور من مذهب الإمام أحمد والناس ساروا عليه فيما سبق ثم تبين لبعضهم أن الراجح وجوب زكاة الحلي، وهذا اختيار شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز وفقه الله، وقال عن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إن إسناده صحيح، أما الحافظ ابن حجر فقال: إن إسناده قوي، وله شواهد، والحجة تثبت بأدنى من ذلك، وعلى هذا فتكون الأدلة العامة الصحيحة مؤيدة لهذا الحديث الخاص فيقوى بها. فإن قال قائل لزوجته وهي تريد أن تزكي عن حليها: لا تزكي، والراجح أنه لا زكاة، وكونه عامي (لا يعرف كوعه من كرسوعه) قال: لا، الراجح -بحسب ظنه- أنه ليس فيه زكاة. قالت: لا، أنا أرى أن فيه زكاة، إما لأنها قرأت أو لأنها وثقت بمن قال: فيه زكاة، قالت: فيه زكاة سأؤدي زكاته. قال: لا تؤدين الزكاة، هل تطيعه؟ لا تطيعه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فإذا كان ليس عندها مال وهو قال: أنا ما أخرج عنك الزكاة، ماذا تصنع؟ تبيع منه بقدر الزكاة وتخرج الزكاة، تسلم منها في الدنيا قبل الآخرة، فإن غضب زوجها وقال: أنت البارحة عليك سوارين والآن ما عليك إلا سوار واحد لأنها باعت أحد السوارين للزكاة، ماذا نقول؟ نقول: ليغضب، إذا غضب من طاعة الله فلا أرضاه الله. إذا قالت هي: إذا ألزمتموني أن أبيع من حليي كل سنة لأداء الزكاة بقيت ليس عندي حلي، نقول: لا. ليس صحيحاً؛ لأن الحلي إذا نقص عن النصاب لا زكاة فيه، فيبقى عندك من الحلي أربعة وثمانون غراماً، وهذه نعمة مع أن هذا أمر بعيد، ولا سيما هنا في المملكة والحمد لله المال متوفر. على كل حال الذهب والفضة فيهما زكاة بكل حال.
следующие страницы →