Полный текст (477 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
مرتبة الزكاة في الإسلام
أما مرتبتها من الإسلام: فهي في المرتبة الثالثة؛ لأن أركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله هذا واحد، وإنما كان واحداً لأن العبادة لا تصح إلا بإخلاص ومتابعة، فبشهادة أن لا إلا الله يكون الإخلاص، وبشهادة أن محمداً رسول الله تكون المتابعة.
الثاني: إقامة الصلاة.
الثالث: إيتاء الزكاة.
الرابع: الصوم.
الخامس: الحج.
وهي ركن من أركان الإسلام، معلومة الوجوب بالضرورة من الدين ولهذا قال العلماء: من أنكر فرضية الزكاة وهو يعيش بين المسلمين فهو كافر؛ لأن فرضيتها من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، هذه مرتبة الزكاة، وهي كما تقرءون كتاب الله قرينة الصلاة في مواضع كثيرة، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة كثيرة.
стр. 422
فضل الزكاة
وأما فضلها: فلها فضل عظيم بينه الله تعالى في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] فهاتان فائدتان عظيمتان، الطهارة والزكاة.
الطهارة من أي شيء؟ الطهارة من الذنوب، الطهارة من الأخلاق الرذيلة كالبخل الذي سماه الله تعالى فحشاء، في قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] أي بالبخل، فهي تطهر من الأخلاق الرذيلة، تطهر من الذنوب، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) والنار إذا رشت بالماء انطفأت بلا شك، وأولى ما يدخل في الصدقة الزكاة فهي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
كذلك أيضاً تزكي الإنسان، كيف تزكيه؟ تجعله في دائرة الكرماء، والله كريم وهو يحب المحسنين، والزكاة من الإحسان، فهي تزكي الإنسان وتجعله كريماً، وإذا كان كريماً بماله كان كريماً بنفسه، وإذا كان كريماً بماله كان محباً لغيره.
ومن فضائل الزكاة أنها تزيد المال، عكس ما يظن البخيل، البخيل يقول: إذا كان عندي مائة ريال وأخذت اثنين ونصفاً منها؛ نقصت، كم تكون؟ سبعة وتسعين ونصفاً، لكنها في الواقع لا تنقص المال، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ (ما نقصت صدقة من مال) بل -هي أي الصدقة- تزيد في المال، كيف تزيد؟ يفتح الله تعالى على المنفق أبواب الرزق من حيث لا يشعر، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] أي يأتي بشيء يخلفه، ويكون بدلاً عنه.
كذلك تقي المال الآفات، ربما يقي الله مالك الآفات بسبب الزكاة قد يسلط على مانع الزكاة من يسرق ماله، قد يسلط على ماله آفات تهلكه، قد يسلط على نفس المالك أمراضاً تفني ماله، لكن الزكاة لا تنقص المال بل تزيده، واعلم أن بعض الناس يروي هذا الحديث فيقول: (ما نقصت صدقة من مال بل تزده بل تزده) وهذه جملة غلط.
أولاً: أنها لم ترد عن النبي ﵊ كلمة بل تزده.
وثانياً: أنها جاءت مجزومة والجزم لحن في اللغة العربية إذا لم يكن هناك أداة جزم، ولو كانت من كلام الرسول لكانت: بل تزيده، نبهت على هذا لأن كثيراً ما يتردد على ألسنة الناس: (ما نقصت صدقة من مال بل تزده بل تزده) بل تزده هذه غلط.
ومن فضائلها: أنها ترضي الفقراء على الأغنياء؛ لأن الفقير إذا أعطي من المال رضي على الغني، وقال: هذا الغني مَنَّ علي بماله وأشركني في ماله، لكن إذا بخل بالزكاة امتلأت قلوب الفقراء غلاً على الأغنياء، وربما يحصل فساد وسرقات، أو قتل، أو ما أشبه ذلك فهذه من مصالحها.
стр. 423
التحذير من البخل بالزكاة
أما التحذير من منعها والبخل بها فاستمع إلى آيتين من كتاب الله: أولاهما قول الله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٨٠] آتاهم يعني: أعطاهم، لا يحسبونه هو خيراً لهم ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠] انظر قال: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني أن هؤلاء الذين يبخلون لا يظنون أنهم ببخلهم بالمال سيخلدون بل سيهلكون، ويورث المال من بعدهم، فما الذي يجعل طوقاً في عنق الإنسان؟ هو المال، يجعله الله ﵎ يوم القيامة شجاعاً أقرع، الشجاع يعني الحية أو الذكر من الحيات العظيمة -نسأل الله العافية- هو الذي ليس على رأسه زغب أي شعر، أملس، قال العلماء: وهذا إنما يكون من كثرت السم في رأسه قد تساقط شعره، يقول الرسول ﵊: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد منه زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان) (زبيبتان) يعني: شيئين مثل الزبيبتين- أتعرفون الزبيب؟ هو اليابس من العنب، هاتان الزبيبتان قال العلماء: إنهما وعاءان من السم والعياذ بالله (فيأخذ بلهزمتيه -يأخذ هذا المال يطوق يوم القيامة هذا الشجاع الأقرع فيأخذ بلهزمتيه أي شدقيه- ويقول: أنا مالك أنا كنزك) يوبخه، يقول: انظر الآن صرت عدواً لك، كان الإنسان في الدنيا صديقاً حميماً لماله، ولذلك يحرص عليه، ويجعله في الصناديق الوثيقة، ويحميه من الأمطار والمياه والغبار، فهو صديق حميم، هذا المال الذي يكون الإنسان له صديقاً حميماً في الآخرة ماذا يكون يوم القيامة؟ عدواً له، ويوبخه ويقول: أنا مالك وأنا كنزك، فيجتمع على هذا المانع للزكاة ألمان، أحدهما ألم حسي لأنه يعض على شدقيه، والثاني: ألم قلبي لأن قول المال: أنا مالك أنا كنزك لا شك أنه يعصر القلب فيجتمع عليه ألمان.
أما الآية الثانية فهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤-٣٥] فما معنى يكنزون الذهب والفضة؟ هل معناها: أنهم يحفرون لها في الأرض ويدفنونها؟ لا.
يكنزون أي: يمنعون زكاتها، ولو كانت على قمم الجبال، فمن منع زكاة ماله فقد كنزه، ولو كان على قمم الجبال، ومن أدى زكاة ماله فإنه لم يكنزه ولو كان في قعر الآبار، إذاً: معنى يكنزون الذهب والفضة: لا يؤدون الواجب فيها وأعظمه الزكاة.
(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) إذا قال قائل: كيف يبشر بالعذاب؟ قال بعض العلماء: إطلاق البشارة على العذاب من باب التهكم بهم، وقيل: إن البشارة تكون في الخير والشر لكنها في الخير أكثر، وإنها سميت بشارة لأنها تؤثر على البشرة، الذي يسر يؤثر على البشرة نضرة وسروراً، والعكس انقباضاً وظلمة.
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة:٣٤-٣٥] ونار جهنم فضلت على نار الدنيا كلها، أعظم ما في الدنيا من نار وأكبر ما في الدنيا من النار فضلت عليها نار جهنم بتسعة وستين جزءاً أعاذنا الله وإياكم منها، أهلها ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩] إذا قرب من الوجه شواه، وإذا سقط في الأمعاء قطعها ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩] ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:٢٠] يمضي من الجلود إلى ما في البطون، ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ﴾ لم يقل يصب فوق، لأن ما يصب من فوق أبلغ مما يصب فوق، قد يصب الشيء على الشيء فوقه بهدوء ولا يؤثر، يضع هذا ويصب ما يؤثر، لكن يصب من فوق جاء مؤثراً لأنه يأتي من بعد فيؤثر ويكاد يخرق الرأس من تأثيره، فهم يصب من فوق رءوسهم الحميم؛ ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ .
يحمى على هذا المال في نار جهنم فتكوى به جباههم وجنوبهم وظهورهم.
الجباه مقدم الجسد وخص الجبهة لأنها أعلى ما في الجسد مما يواجه الناس، جنوبهم الأيمن أو الأيسر؟ الأيمن والأيسر، وظهورهم.
قال بعض العلماء: وخص هذه الأربعة لأن المانع للزكاة قد يلاقي من سألها بوجه عابس فعذب الوجه، وقد يولي ظهره عنه ولا يهتم به فعذب الظهر، وقد يعرض عنه بجنبه فعذب الجنب.
وقال بعض العلماء: بل هذه الجهات الأربع، فيعذب من كل جانب؛ لأن الجبهة من الأمام، والظهر من الخلف، والجنوب من اليمين والشمال، فالمعنى أنه يكوى بها من كل جانب، وأياً كان فنعوذ بالله من ذلك.
جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ جاء مفسراً لذلك، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها) ، وفي لفظ: (زكاتها إلا إذا كان يومُ القيامة) أو يومَ القيامة بالنصب أو بالضم؟ يومُ بالرفع لأن (كان) هذه تامة، يعني إذا وجد يوم القيامة (إلا إذا كان يومُ القيامة صفحت له صفائح من نار) الذهب والفضة يكون نار كما أن الحطب إذا أوقدت به يكون ناراً هذه تصفح صفائح من نار، ويكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره -مطابق تماماً للآية- (كلما بردت أعيدت -نعوذ بالله- في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) .
تأمل كلما بردت أعيدت ليس في دقيقة، ولا ساعة، ولا يوم، ولا ليلة، ولا أسبوع، ولا شهر، ولا سنة؛ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، كل إنسان يمنع زكاته هذا جزاؤه والعياذ بالله، حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
وهذان الحديثان وهاتان الآيتان يكفي واحد منها في الفزع والتحذير من منع الزكاة.
ثم عجباً للإنسان! كيف يبخل بالزكاة وهو إذا ترك المال كان للذي من بعده! لا يدفن معه في القبر، ولو دفن معه في القبر ما نفعه، يتركه لغيره فيكون عليه غرمه ولمن وراءه غنمه، وربما يرثه من لا يقول: يرحمه الله، قد يكون ابن عم بعيد، أو ابناً عاقاً، أو أخاً قاطعاً أو ما أشبه ذلك.
إذاً: بحثنا في مرتبتها من الإسلام، والثاني: فضلها، والثالث: التحذير من منعها والوعيد على ذلك.
стр. 424
الأموال التي تجب فيها الزكاة
الرابع: هل كل مال فيه زكاة، أم الزكاة في أموال معينة؟ الزكاة في أموال معينة، وهي النامية حقيقة أو حكماً -انتبه لهذا الضابط-: النامية حقيقة أو حكماً -فمثلاً: الماشية تتوالد، هذه نامية حقيقة أم حكماً؟ رجل عنده أربعون شاةً ولدت كل شاة (سخلتين) إلا واحدة فولدت ثلاثاً، فهل نمت حقيقة أو حكماً؟ كانت في الأول أربعين، والآن مائة وواحداً وعشرين، فهي نامية حقيقة أم حكماً؟ حقيقة بدون توقف؛ لأنه حقيقة.
إنسان عنده مال: ذهب، أو فضة؛ ولكنه لا يحركه، يجمعه ولا يبيع، ولا يشتري، ولا يبضع، ولا يعمل أي شيء، هذا نامٍ حكماً أو حقيقة؟ حكماً وفيه زكاة؛ لأن النقدين معدين للنماء في الأصل.
إذاً: الزكاة لا تجب في كل مال بل فيما هو نامٍ، حقيقة أو حكماً وهذه من نعمة الله، ولذلك قال النبي ﵊: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) عبده الذي يستخدمه ما فيه صدقة، فرسه الذي يركبه ما فيه صدقة، سيارته التي يركبها ما فيها صدقة، بيته الذي يسكنه ما فيه صدقة، وهلم جرا؛ لأن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية حقيقة أو حكماً.
стр. 425
أدلة زكاة الذهب والفضة
ولنشخصها فنقول: تجب في الذهب والفضة أياً كانت متى ملك الإنسان نصاباً من الذهب فعليه الزكاة، ومتى ملك نصاباً من الفضة فعليه الزكاة سواء كانت نقوداً أو تبراً أي: قطع من الذهب أو من الفضة أو حلياً أو غير ذلك، ما فيه تفصيل ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة:٣٤] عام، (ما من صاحب ذهب ولا فضة) عام.
لا فرق، ما يفرق بين شيئين، ومن فرق بين شيئين من الذهب والفضة فعليه الدليل، وعلى هذا فالمرأة إذا كان عندها حلي من الذهب يلزم أن تزكيه إذا بلغ نصاباً وجوباً، لأننا لو سألناها وقلنا لها: يا أمة الله! هل أنت صاحبة ذهب فستقول: لا، جوابها صحيح أم غير صحيح؟ إذا قالت: لا.
فالجواب غير صحيح، أنت صاحبة ذهب وفضة، ولهذا الناس يتحدثون ويقولون فلانة عندها ذهب كثير، عندها ذهب كثير، إذا كنت صاحبة ذهب أو فضة أدي زكاته، إذا كنت صاحبة ذهب أدي زكاته.
فإن قال قائل: أليس الرسول ﷺ يقول: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقه) .
الجواب
بلى قال ذلك، يقول: إذاً: ليس على المسلمة في حليها صدقة؛ لأنها أعدته للاستعمال كما أعده صاحب الفرس للاستعمال إذاً لا زكاة، فماذا نقول؟ نقول: هذا قياس فاسد الاعتبار، لأنه قياس مع النص، فإن قالوا: أين النص على الحلي؟ قلنا: العمومات تشمل جميع أفرادها، ومن أخرج شيئاً من أفراد العموم فعليه الدليل، والدليل على أن العمومات تشمل جميع أفرادها قول الرسول ﵊ قال: (إنكم إذا قلتم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض) أين العموم؟ في قولنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؟ قوله: (عباد الله) لأنه جمع مضاف فهو على العموم، يقول: (سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض) لأنه علمهم ذلك حين كانوا يقولون: السلام على الله من عباده، السلام على جبرائيل وعلى ميكائيل.
وما أشبه ذلك، فلا حاجة أنكم تخصصون، الله هو السلام فلا تقولوا: السلام على الله، غير الله ناقص فقولوا السلام عليه، لا تقولوا على فلان وفلان، قولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إلا النبي ﵊، فالنبي خصص، ويبدأ به قبل أنفسنا، ماذا نقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) وانظر ترتيب التشهد مرتب على الأحقية، الأعظم حقاً من الله بدئ به، (التحيات لله والصلوات والطيبات) ثم الرسول: (السلام عليك أيها النبي) ثم نفسك: (السلام علينا) ثم العباد الصالحين: (وعلى عباد الله الصالحين) .
فإذا قال قائل: أين ذكر الحلي؟ قلنا: لا يحتاج إلى ذكر فإن العموم يتناول جميع أفراده؟ ثم نقول: لدينا ثلاثة نصوص خاصة بالحلي أشار إليها الحافظ ابن حجر، بل ذكرها الحافظ ابن حجر في كتابه بلوغ المرام.
أولها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه: (جاءت امرأة إلى الرسول ﵊ وفي يد ابنتها سواران غليظان من الذهب، فقال لها: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا.
قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ -والجواب: لا يسرها، وحذف الجواب لأنه معلوم- فخلعتهما وألقتهما إلى الرسول وقالت: هما لله ورسوله) الله أكبر! ما طابت نفسها ببذل الزكاة فقط، بل بالحلي كله، (قالت: هما لله ورسوله) .
ونظير هذا من بعض الوجوه أن النبي ﵊ رأى رجلاً في يده خاتم ذهب، فقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده، ثم نزعه الرسول بيده صلوات الله وسلامه عليه ورمى به، فلما انصرف النبي ﷺ قيل للرجل: خذ خاتمك انتفع به، قال: والله لا آخذ خاتماً طرحه النبي ﷺ هكذا هؤلاء الرجال، هؤلاء النساء، هذه ألقت السوارين إلى رسول الله ﷺ وقالت: هما لله ورسوله، والرجل أبا أن يأخذ الخاتم لأن الرسول طرحه.
ولما خطب النبي ﷺ ذات يوم خطبة العيد نزل إلى النساء ووعظهن وقال: (يا معشر النساء! تصدقن ولو من حليكن فإني رأيتكن أكثر أهل النار) ماذا صنعن؟ جعلت المرأة تأخذ خرصها وخاتمها وسوارها ثم تلقيه في ثوب بلال، بدون توقف، وربما تكون الواحدة منهن ليس عندها إلا هذا الخرص، أو هذا الخاتم لكن الإيمان يحمل الإنسان على شيء لا يحمله عليه ضعيف الإيمان.
إذاً: القول الراجح من أقوال أهل العلم أن حلي الذهب وكذلك الفضة تجب فيه الزكاة، وهذا مذهب أكثر الأمة الإسلامية بعد المذاهب المتبوعة، لأنه مذهب أبي حنيفة ﵀ وأصحابه، وهو رواية عن إمامنا الإمام أحمد ﵀ أن حلي الذهب تجب فيها الزكاة، فإن قال قائل: نحن مرت بنا أزمان كثيرة لا نزكي وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، نقول: إذا لم تسمعوا أنتم به في آبائكم الأولين فقد سمع به أصحاب أبي حنيفة، ثم إن هذا لا يضر أن القول ينتشر بين الناس وهو ضعيف؛ لأن القول بعدم الوجوب هو المشهور من مذهب الإمام أحمد والناس ساروا عليه فيما سبق ثم تبين لبعضهم أن الراجح وجوب زكاة الحلي، وهذا اختيار شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز وفقه الله، وقال عن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إن إسناده صحيح، أما الحافظ ابن حجر فقال: إن إسناده قوي، وله شواهد، والحجة تثبت بأدنى من ذلك، وعلى هذا فتكون الأدلة العامة الصحيحة مؤيدة لهذا الحديث الخاص فيقوى بها.
فإن قال قائل لزوجته وهي تريد أن تزكي عن حليها: لا تزكي، والراجح أنه لا زكاة، وكونه عامي (لا يعرف كوعه من كرسوعه) قال: لا، الراجح -بحسب ظنه- أنه ليس فيه زكاة.
قالت: لا، أنا أرى أن فيه زكاة، إما لأنها قرأت أو لأنها وثقت بمن قال: فيه زكاة، قالت: فيه زكاة سأؤدي زكاته.
قال: لا تؤدين الزكاة، هل تطيعه؟ لا تطيعه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
فإذا كان ليس عندها مال وهو قال: أنا ما أخرج عنك الزكاة، ماذا تصنع؟ تبيع منه بقدر الزكاة وتخرج الزكاة، تسلم منها في الدنيا قبل الآخرة، فإن غضب زوجها وقال: أنت البارحة عليك سوارين والآن ما عليك إلا سوار واحد لأنها باعت أحد السوارين للزكاة، ماذا نقول؟ نقول: ليغضب، إذا غضب من طاعة الله فلا أرضاه الله.
إذا قالت هي: إذا ألزمتموني أن أبيع من حليي كل سنة لأداء الزكاة بقيت ليس عندي حلي، نقول: لا.
ليس صحيحاً؛ لأن الحلي إذا نقص عن النصاب لا زكاة فيه، فيبقى عندك من الحلي أربعة وثمانون غراماً، وهذه نعمة مع أن هذا أمر بعيد، ولا سيما هنا في المملكة والحمد لله المال متوفر.
على كل حال الذهب والفضة فيهما زكاة بكل حال.
стр. 426
وجوب الزكاة في العملات الورقية
العملة هل فيها زكاة؟ يقولون لنا: لا هي ذهب ولا فضة؟ نقول: نعم هي ليست ذهباً ولا فضة لكن هي مال الناس اليوم، وهي عند الناس بمنزلة الذهب والفضة، ولو قلنا: لا زكاة في العملة في وقتنا الحاضر كل الزكاة سقطت عن التجار، وهذا لا يمكن أن يقال به، إذاً: أوراق العملة فيها زكاة إذا بلغت نصاباً من الفضة، ونصاب الفضة حسب ما قرره العلماء ستة وخمسون ريالاً وتسأل أنت أهل المصارف تقول: كم تساوي ستة وخمسون ريالاً بالفضة من هذه العملة إذا قالوا: الريال الواحد بعشرة، كم يكون نصاب العملة؟ يكون خمسمائة وستين، وإن قالوا: الريال الواحد بعشرين، فيكون نصاب العملة ألفاً ومائة وعشرين وهلم جرا على كل حال هي هذه.
وإن شاء الله تعالى للحديث بقية في الدرس القادم نذكر بقية الأموال الزكوية، ثم إن شاء الله نذكر من الذي تصرف إليهم الزكاة.
стр. 427
الأسئلة
стр. 428
حكم الزيادة على ركعتين في صلاة التراويح
السؤال
ما حكم من نسي وهو يصلي في صلاة التراويح فزاد ثالثة فلم يتذكر إلا وهو في آخر الثالثة أو في أول الرابعة فماذا يفعل؟
الجواب
صلاة التراويح من صلاة الليل، وقد قال النبي ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى) فإذا قام في التراويح إلى الثالثة ثم ذكر وجب عليه الرجوع، فإن لم يفعل بطلت صلاته، لقول الرسول ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فإن بقي ناسياً إلى أن جلس للتشهد فليس عليه إلا سجود السهو بعد السلام، لماذا بعد السلام؟ لأنه عن زيادة، وكل سهو عن زيادة فإنه يكون بعد السلام.
وإذا كان في أول الرابعة يجلس أيضاً ويتشهد ويسلم ثم يسجد سجدتين بعد السلام.
стр. 429
حكم تقديم راتبة العشاء على صلاة التراويح
السؤال
ما حكم ترك سنة العشاء الراتبة، وصلاتها بعد التراويح، وذلك لكي يبادر بصلاة التراويح قبل تفرق الناس؟
الجواب
أشير على هذا الإمام أن يقدم التراويح على صلاة الفرض أيضاً!! هذا أسرع ثم يقيم الفرض وتكون سنة الفرض تلي الفرض!! أنا ما أظن إماماً يصل إلى هذا الحد من البلاهة! لا شك أن راتبة العشاء سنة لو تركها الإنسان ما عليه شيء، لكن ما دام يفعلها لماذا لا يجعلها تلي الفريضة التي هي راتبتها؟ فنقول لهذا الإمام: دع الناس يصلون راتبة العشاء ثم صل التراويح التي هي قيام الليل.
стр. 430
حكم ترك الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية
السؤال
ما حكم عدم قراءة المأموم للفاتحة في التراويح لأن الإمام لا يترك له فرصة فيكتفي بقراءة إمامه؟
الجواب
هذا أهون مما سبق، لأن بعض العلماء يقول: إن الصلاة الجهرية إذا استمع الإنسان إلى قراءة الإمام الفاتحة أجزأت عنه، وعلى هذا فلا يجب على المأموم إذا لم يتمكن من قراءة الفاتحة في سكتات الإمام أن يقرأ الفاتحة.
لكن القول الراجح: أن قراءة الفاتحة واجبة على المأموم ولو كان يسمع قراءة إمامه، لعموم قول النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ولأنه انفتل يوماً من الأيام من صلاة الصبح فقال: (مالي أنازع القرآن، لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) فحكم وعلل، قال: اقرأ بفاتحة الكتاب ولو كان الإمام يقرأها فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، فنقول: اقرأ أنت أيها المأموم ولو كان إمامك يقرأ ولكن اجعل قراءتك بعد أن تستمع إلى قراءة الإمام الفاتحة، إذا أكمل الفاتحة فاشرع أنت في الفاتحة وأكملها ولو بدأ الإمام يقرأ.
стр. 431
حكم تغيير النية في الوتر من اثنتين إلى ثلاث
السؤال
ما حكم تغيير الإمام نيته في الوتر بعد التكبير للشفع ينوي أن يجعله ثلاثاً، ونيته عندما كبر أنه يريد أن يصلي شفعاً ثم جعله ثلاثاً؟
الجواب
هذا لا يضر، لأن الشفع من الوتر، فالوتر بالثلاث إن شئت اقسمه وإن شئت صِلْ بعضه ببعض، يعني لك أن توتر بثلاث بتشهد واحد، ولك أن توتر بثلاث بتشهدين وسلامين، فمثلاً: لو دخل الإنسان على أنه يريد أن يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يصلي الثالثة؛ ولكنه نوى أن يجعلها ثلاثاً سرداً فلا حرج، كما أن العكس جائز، لو دخل على أنه يريد ثلاثاً سرداً ثم عاد إلى اثنتين فلا بأس.
стр. 432
حكم مخالفة المأموم للإمام في النية
السؤال
ما حال المأموم إذا نوى أن يصلي الوتر مع الإمام ركعتين بسبح، وقل يا أيها الكافرون، ثم ركعة، ثم إن الإمام وصل ثلاث ركعات ببعضها؟
الجواب
المأموم لا يضره إذا نوى الوتر سواء سلم الإمام من ركعتين أم لم يسلم، لا يضره شيئاً.
стр. 433
حكم القراءة في الفجر والعشاء من المصحف لأجل ختم القرآن
السؤال
إمامٌ يصلي صلاة الفجر والعشاء بالمصحف حتى يكمل قراءة القرآن في صلاة التراويح؟
الجواب
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الحكمة والعلم النافع، يظن بعض الناس أن التراويح لابد فيها من الختمة، وأقول: لم يرد في السنة عن رسول الله ﷺ ، ولا عن الخلفاء الراشدين فيما أعلم، بل ولا عن الصحابة أنهم كانوا يلازمون الختمة في التراويح، حسب قراءتنا، ربما يختمون مرة أو مرتين أو لا يختمون، لكن بعض العلماء ﵏ قال: ينبغي ألا يقصر عن الختمة في التراويح، ليس في صلاة الفرض، لأنه قد يقرأ في صلاة الفرض من قراءة التراويح وخلفه من لا يصلي معه التراويح، أو يكون هناك إنسان يحضر بعد الفريضة ويكون قد فاته شيءٌ من الختمة، فهذا اجتهاد في غير محله، بل الأولى على الإمام أن يجعل قراءة الفريضة على العادة، وقراءة التراويح وحدها، إن ختم فذاك، وإن لم يختم فلا يضر.
стр. 434
كيفية إخراج زكاة الثمار وعروض التجارة
السؤال
فضيلة الشيخ: أنا صاحب مؤسسة وعقارات، ولا أعلم كيف أخرج زكاة هذه المؤسسة وهذه العقارات، فأرجو منك وفقك الله توضيح كيفية إخراج هذه الزكاة، ثم إن عندي مزرعة فيها قريباً من خمسين نخلة فهل فيها زكاة أرجو نفعي نفع الله بعلمك؟
الجواب
المؤسسة ليس فيها زكاة إلا النقود فقط وما أعد للبيع، وأما ما أعد للبقاء فليس فيه زكاة، فمثلاً إذا كان الإنسان عنده مخازن يخزن فيها المال لكنه لا يريد بيعها فالمخازن هذه وإن كثرت قيمتها ليس فيها زكاة، لأنها مثل العبد والفرس التي ليس فيها زكاة بنص الحديث، وأما ما يباع ويشترى به فهذا فيه الزكاة، لأنه عروض تجارة، كذلك أواني البقالات، والدواليب، وما أشبهها ليس فيها زكاة إلا ما كان يباع، فهذا فيه زكاة، وأما النخل الذي في البستان فتجب الزكاة في ثمره إذا بلغ نصاباً، ونصاب الثمار ثلاثمائة صاعٍ بصاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي مائتان وثلاثون صاعاً بأصواع نجد وزيادة صاع نبوي.
أما العقارات فليس فيها زكاة، إلا إنسان عقاري يبيع ويشتري بالعقار، يشتري اليوم هذا ويبيع هذا، هذه فيها زكاة لأنها عروض تجارة، وأما العقارات المعدة للاستغلال فهذه لا زكاة فيها، ولو بلغت ملايين الدراهم، وإنما الزكاة في أجرتها، وأجرتها متى قبضها أخرج زكاتها، وإن لم يتم لها حول على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أو إذا تم له الحول على القول الثاني.
стр. 435
حكم من نذر وهو جاهل بمعناه
السؤال
لي جدة كبيرة في السن تقول: إنها قبل خمس وخمسين سنة جاءها مرض شديد، مكث هذا المرض قريباً من ثلاثة أشهر وهي في حالة لا يعلم بها إلا الله، حتى إنها أشرفت على الموت، وفي إحدى الأيام صحت وهي لا تدري من الفرحة فقالت: صدقة ونذر وقالت: صيام شهرين متتابعين تقول: وأنا في ذلك الوقت لا أدري ما معنى النذر وما يترتب علي، تقول: وراحت الدنيا وكل لاه في طلب العيش وأنا الآن والحمد لله أسمع الراديو والفتاوى من المشايخ فوعيت وتذكرت تلك الأيام وقلت لابد لي من سؤال فماذا تصنع في صيامها الذي نذرت فيه أن تصوم شهرين متتابعين دون أن تدري ما معنى النذر وما يترتب عليه؟
الجواب
الظاهر لي أن هذه المرأة لا شيء عليها، لأنها ما دامت لا تدري ما هو النذر، فإنها لا تلزم بشيء لا تدري ما معناه، لكن في ظني أنه لابد أن يقع في قلبها شيء وإلا لكان كلامها لغواً، بمعنى أنها لما قالت: عليها نذر لابد من أن يقع في قلبها شيء، وإلا لماذا تقول لله علي نذر؟ فنقول: إذا كان قد وقع في قلبها شيء في تلك الساعة فما وقع في قلبها هو اللازم لها، لأن العبرة بالنية، وأما إذا لم يقع في قلبها شيء وهي لا تدري ما المعنى إطلاقاً ولا معنى النذر فالظاهر لي أنه لا شيء عليها، ولكن إن صامت فهو أحوط وأبرأ لذمتها، وقولها: إنه شهرين متتابعين نقول: إذا حصل مرض وأفطرت من أجل المرض أو حيض أو جاء رمضان أو الأعياد أو سافرت فأفطرت فإن هذا لا يضرها ولا يقطع التتابع.
стр. 436
حكم تأخير إخراج الزكاة من أجل ضبطها وإحصائها
السؤال
هل إعطاء الزكاة على الفور، بمعنى: إذا كان حولي يكون في شهر رمضان والبضاعة وزحام الناس يكثر في رمضان، فأحببت أن أؤخره إلى شهر شوال لكي أتفرغ للإحصاء، فهل علي شيء في ذلك؟
الجواب
ليس على الإنسان إذا أخر الزكاة لشهر أو شهرين ونصف وما أشبه ذلك من أجل إحصاء الزكاة وضبطها، فإن هذا التأخير من مصلحة الزكاة، ولمصلحة أهل الزكاة أيضاً حتى لا يفوتهم شيء، فهذا تأخير لا بأس به ولا يضر.
стр. 437
حكم إخراج الزكاة من مال الأيتام
السؤال
عندي أيتام لهم مال، فهل في مالهم زكاة، علماً أن المال لا يباع ولا يشترى فيه، ولم ينفق عليهم منه؛ لأنهم يعيشون في بيتي أفدني أفادك الله؟
الجواب
الأيتام هم الصغار الذين لم يبلغوا، ومن ليس ببالغ لا تلزمه العبادات، لأنه مرفوع عنه القلم (وعن الصغير حتى يبلغ) لكن المال تجب فيه الزكاة ولو كان للأيتام، لأن الزكاة حق المال كما قاله أبو بكر ﵁، استدلالاً بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤] وبقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ معاذ بن جبل: (أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم) ولهذا كان الراجح من أقوال أهل العلم أن الزكاة تجب في مال الصغير، وفي مال المجنون؛ لأنها حق المال، وعلى هذا فيلزم إخراج زكاة مال هؤلاء الأيتام إذا كان قد بلغ النصاب.
стр. 438
حكم إسقاط الدين عن المدين من الزكاة
السؤال
أقرضت صديقاً لي فعجز عن السداد وهو فقير، فهل يصح أن أجعل ذلك من الزكاة فأسقطه عنه بنية كونه من الزكاة؟
الجواب
لا يصح أن يسقط الإنسان عن المعسر من دينه شيئاً ويحتسبه من الزكاة، قال شيخ الإسلام ﵀: لا يجزئ الدين عن زكاة العين بلا نزاع، وهذا واضح؛ لأن من أخرج الدين عن العين فهو كمن أخرج الرديء عن الطيب أو عن الجيد، لأن الدين ذاهب، والمال الذي بيدك بيدك وتحت تصرفك، فمثلاً إذا كان عندك مائة ألف ريال كم زكاتها؟ ربع العشر ألفان وخمسمائة ريال، وكان لك عند رجل فقير ألفان وخمسمائة، فقلت: يا فلان! ما في ذمتك هو زكاة، فهل أخرجته؟ فيصير المال الذي عليك أسقطت به ديناً، والمال الذي عندك عين تتصرف فيه، فيؤدي هذا إلى أنه كلما عجزنا عن الديون جعلناها هي الزكاة ولم نؤد شيئاً، ثم إن الزكاة فيها أخذ وإعطاء ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] والإبراء ما فيه أخذ ولا إعطاء.
وخلاصة الجواب: أنه لا يصح أن تسقط عن الفقير شيئاً من دينه وتحتسبه من الزكاة.
стр. 439
معنى الصدقة في قوله: (خذ من أموالهم صدقة)
السؤال
هل هناك فرق بين الصدقة والزكاة في قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] ؟
الجواب
الظاهر أن المراد بالآية الكريمة الصدقة الواجبة، لأنها هي التي يجب بذلها، أما صدقة التطوع فلا يجب، لكن عموم قول الرسول ﵊: (الصدقة تطفئ الخطيئة) يشمل الزكاة وصدقة التطوع.
стр. 440
فدية من لا يرجى برؤه
السؤال
عندي امرأة مريضة مرضاً لا يرجى برؤه فهل يجب علي أن أخرج عن هذه المريضة في كل يوم من أيام رمضان، أم أصبر حتى ينقضي شهر رمضان؟
الجواب
نقول: إن المريض بمرض لا يرجى برؤه كالكبر، والسرطان، والأمراض المزمنة؛ إذا كان الإنسان يشق عليه الصوم؛ فإنه يفدي عن كل يوم إطعام مسكين، سواء أطعمها كل يوم، أو جمع الفقراء جميعاً، لكن يجب أن نعلم أنه لا يكفي أن تكرر الإطعام على واحد من الفقراء، مثلاً تعرف فقيراً وكل يوم تذهب لتطعمه، هذا ما يكفي؛ لأن الواجب عن كل يوم مسكيناً، ولا يكفي أن ترددها على مسكين واحد، وعلى هذا فإن كان رمضان ثلاثين يوماً؛ نطعم ثلاثين مسكين، لكن كيف نطعمهم، نقول: إن شئنا جمعنا عشرة منهم إذا مضت عشرة أيام من الشهر وعشيناهم، وإذا مرت عشرون جمعنا عشرة آخرين وعشيناهم، وإذا مرت ثلاثون جمعنا عشرة غير الأولين وعشيناهم، أو جمعناهم جميعاً في آخر يوم كل الثلاثين.
وقد كان أنس بن مالك ﵁ خادم الرسول ﷺ لما كبر وصار لا يستطيع الصوم صار يجمع ثلاثين فقيراً في آخر يوم ويطعمهم خبزاً وأدماً، وإن شئت فأعطهم الطعام، وتجعل الصاع من الرز لأربعة مساكين، عن كم يوم؟ عن أربعة أيام.
إذا لم يجد المسكين يسقط عنه لأنه عجز عن الصيام وعجز عن الإطعام، لكن هذا فرض لا واقعي، فالمساكين موجودون إن لم تجدهم في بلدك تجدهم في بلد آخر لابد.
يتعشون قد يختارون ثلثاً للطعام وثلثاً للشراب وثلثاً للنفس، المهم يطعمهم.
стр. 441
جلسات رمضانية ١٤١٥ [٤]
بدأ الشيخ ﵀ لقاءه بالحديث عن زكاة المواشي والزروع، ثم بدأ يبين أصناف أهل الزكاة الثمانية، وذكر صفاتهم المطلوبة فيهم حتى يكونوا أهلاً لأخذ الزكاة.
ثم أجاب عن سؤال متعلق بمشكلة اجتماعية وهي ما ارتكبته بعض النساء من لبس البناطل وكشف الوجه والخروج إلى الأسواق وتعرضهن للفتن.
стр. 442
الأموال التي تجب فيها الزكاة
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الرابع في هذا الشهر، شهر رمضان عام (١٤١٥هـ) الذي يتم في الجامع الكبير في عنيزة، نسأل الله أن يكثر من مثل هذه اللقاءات بين أهل العلم وعامة الناس حتى ينتفع الناس بذلك، وحتى ينتفع العلماء بعلمهم؛ لأن العلم إنما ينتفع به إذا عمل الإنسان به في نفسه، وعمل الناس به من أجله.
نسأل الله أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، وعملاً صالحاً متقبلاً، ورزقاً طيباً واسعاً يغنينا به عن خلقه.
لقاؤنا هذا تكملة لما سبق من بيان الزكاة، وقد سبق في اللقاء الماضي أن تكلمنا على الزكاة من حيث رتبتها في الإسلام، وفضلها، والوعيد فيمن بخل بها، وعلى الأموال الزكوية وذكرنا ضابطاً فيما تجب فيه الزكاة، وهذا الضابط هو أنها تجب في الأموال النامية حقيقة أو حكماً، والنمو يعني: الزيادة، وقولنا: حقيقة يعني أن المال ينمو حقيقة، وقولنا: حكماً يعني أنه لا ينمو ولكن في حكم النامي كعروض التجارة مثلاً، فإن عروض التجارة ربما تخسر وربما تزيد، وكالنقود التي أودعها الإنسان ولا يشتغل بها.
وتكلمنا على أن الزكاة أيضاً لا تجب إلا في الأموال النامية وبينا شيئاً منها، وهو وجوب زكاة الذهب والفضة على أي حال كانت، وعروض التجارة أيضاً، فما هي عروض التجارة؟ كل مال أعد للتجارة حتى وإن كانت الزكاة لا تجب في عينه فهو عروض تجارة، الآن هذه الأكواب من الماء ليس فيها زكاة، لكن لو يتخذ الإنسان تجارته من هذه الأكواب وجبت فيه الزكاة، ثيابنا التي علينا ليس فيها زكاة لكن لو أن الإنسان اتخذ متجراً للثياب وجبت فيها الزكاة، هذه عروض تجارة.
والرابع: المواشي وهي خاصة في ثلاثة أنواع: الإبل والبقر والغنم، وأما الخيل فلا زكاة فيه، وأما الضبي فلا زكاة فيه، وأما الدجاج فلا زكاة فيه، وأما الحمام فلا زكاة فيه، إنما الزكاة في قيمته إن أعد للتجارة، وأما عينه فلا، لا تجب الزكاة في البهائم بأعيانها إلا في ثلاثة أصناف هي: الإبل والبقر والغنم، لكن لا تجب فيها إلا بشرطين: أن تكون سائمة، وأن تبلغ النصاب، فما هي السائمة؟ السائمة: التي ترعى مما أنبته الله من العشب ونحوه السنة كلها أو أكثر السنة، هذه السائمة، فأما التي تعلف السنة كلها أو أكثرها فليست سائمة، يعني ما فيها زكاة.
لو كان الإنسان عنده مائة شاة يعدها للنماء ينميها وكلما توالدت باع أولادها أو أبقى أولادها للنماء ولكنه يعلفها فإنه لا زكاة فيها ولو بلغت قيمتها آلافاً، لماذا؟ لفقد شرطٍ من شروط وجوب الزكاة.
ما هو؟ السائمة، ليست تسوم هذه لأن السوم هو الرعي، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل:١٠] .
حسناً إنسان عنده تسعٌ وثلاثون شاة سائمة من نماء فهل فيها زكاة؟ لا.
لماذا؟ لأنها لم تبلغ النصاب، إذ أن النصاب أربعون شاة، فأول نصاب في الغنم أربعون شاة، وأول نصاب في الإبل خمس، وأول نصاب في البقر ثلاثون.
إنسان عنده خمس شياه يتجر فيها، ويبيع ويشتري، اليوم يكون عنده خمس وغداً عشر وبعد غدٍ ما عنده شيء؛ لأنه باع فهل فيها زكاة؟ ما بلغت أربعين، ولكن هذه عروض تجارة فيها الزكاة إذا كانت تبلغ نصاباً أو عنده ما يكمل به النصاب.
هذا ما نريد أن نتكلم عليه من الأموال الزكوية، الذهب والفضة وعروض التجارة وبهيمة الأنعام، وهي ثلاثة أصناف: إبل وبقر وغنم.
أما زكاة الزروع والثمار فلا نطيل الكلام فيها لأنها لطائفة مخصوصة ولا تأتي إلا في السنة مرة.
стр. 443
الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة
يجب أن نعلم أن الزكاة لها محل لا تجزئ إلا أن توضع فيه، كما أن الصلاة لها محل لا تصح إلا فيه، الصلاة لا تصح إلا في مكان طاهر، لو صُلي في مكان نجس ما صحت الصلاة، الزكاة أيضاً لا تجزئ إلا إذا وضعت في المحل الذي فرضه الله .
وقد فرض الله تعالى للزكاة ثمانية أصناف، بينها جل وعلا في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] كم هؤلاء؟ ثمانية.
стр. 444
الفقراء والمساكين
الفقراء والمساكين هم الذين لا يجدون كفايتهم، لكن المسكين يجد النصف فما فوق ولكن لا يجد كمال حاجته، والفقير يجد أقل من النصف أو لا يجد شيئاً، وبهذا عرفنا أن الفقير أشد حاجة من المسكين، ولهذا بدأ الله بالفقراء.
فإن قال قائل: هذا لا ينضبط لأن الإنسان لو فرضنا عنده مائة ألف وعنده عائلة هل يتيقن أن هذه المائة الألف تكفيه لمدة سنة؟ لا.
لأنه قد يسرق، وقد تزيد الأشياء غلاءً فاحشاً وترتفع، وفي تقديرنا أنه يكفيه لكن مع ارتفاع الأسعار لا يكفيه، إذاً: ما هو الضابط؟ الضابط يمكن أن يقرب فيقال مثلاً: إنسان عنده راتب ولا يكفيه الراتب للسنة، لنفرض أن راتبه ثلاثة آلاف ريال، ولكنه ينفق في الشهر خمسة آلاف ريال ماذا تقولون في هذا؟ أفقير هو؟ نعم فقير، لأنه لا يجد الكفاية، كفايته خمسة آلاف وراتبه ثلاثة، نعطيه.
إنسان راتبه سبعة آلاف لكن عنده جماعة كثيرة، لا يكفيه إلا عشرة نعطيه؟ الراتب سبعة لكن الإنفاق أكثر، كم نعطيه إذا كان ينفق عشرة آلاف في الشهر وعنده سبعة؟ نعطيه ثلاثة آلاف في الشهر، اضربها في اثني عشر، فنعطيه ستة وثلاثين ألفاً، نكمل سنة.
لماذا نكمل له سنة لا نكمل له بقية حياته، ما هو الجواب؟ أولا: لا ندري متى يموت.
ثانياً: يكون في هذا إجحاف على بقية الفقراء، لكن نعطيه لمدة سنة؛ لأنه بعد السنة سوف يعطى من الزكاة مرة ثانية فتزول حاجته.
стр. 445
العاملون عليها
الفقراء والمساكين والعاملون عليها يعطون لحاجتهم، يقول الله : ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠] من هم العاملين عليها؟ هم الهيئة التي تنصبهم الحكومة لقبض الزكاة وتفريقها، منصوبون من قبل ولي الأمر فعملهم فيها عمل ولاية، وليس عمل وكالة، لماذا؟ لأنهم منصوبون من قبل ولي الأمر، كون لجنة تخرج إلى الناس وتأخذ الزكاة من أموالهم هؤلاء لهم من الزكاة، إلا إذا كان لهم راتب من الحكومة على هذا العمل فلا يحتاجون إلى العمالة.
الذين يتولون الزكاة بالوكالة هل هم عاملون عليها؟ أنا قلت: العاملون هم الذين يتصرفون فيها بالولاية، وأنا أسأل: الذين يتصرفون فيها بالوكالة هل هم عاملون عليها؟ لا.
ولهذا لو أن أحداً من الناس أرسل إليه تاجرٌ زكاته خمسة ملايين، وقال: وزعها على الفقراء، هل يستحق منها شيئاً؟ لا، لأنه يتصرف فيها بالوكالة لا بالولاية، وانظر إلى التعبير الإلهي: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ ولم يقل: والعاملين فيها، وكلمة (على) تدل على علو واستعلاء، وأن هذا العمل عمل ولاية، وأما الوكلاء الذين يوكلهم الأغنياء في تفريق الزكاة فليسوا من العاملين عليها، لكن إن احتسبوا الأجر فإن العامل في الصدقة كالمتصدق، فهم على خير، بمعنى أنك إذا أعطاك إنسان عشرة ريالات وقال: وزعها على الفقراء ووزعتها فأنت شريك في الأجر، فإن احتسبوا فهذا المطلوب، وإن لم يحتسبوا أعطاهم المالك من ماله لا من الزكاة.
стр. 446
المؤلفة قلوبهم
قال تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠] المؤلفة: يعني الذين يعطون من أجل تأليف القلوب، فمن هؤلاء؟ أسألكم الآن: إذا كان بينك وبين شخص جفاء وعداوة هل تعطيه من زكاتك لتقربه إلى نفسك؟ قلبه مؤلف، أؤلف قلبه لكي لا ينفر مني؟ أقول: لا.
المؤلفة قلوبهم هم الذين يعطون لتأليف قلوبهم على الإسلام، هؤلاء هم المؤلفة قلوبهم، تؤلف قلوبهم على الإسلام، إنسان كافر لكن نرى أنه يحب أن يسلم، فنعطيه من الزكاة لعل الله أن يهديه، إنسان مؤمن لكن ضعيف الإيمان، عنده شيء من الفسوق، والخروج عن الطاعة نعطيه ونؤلف قلبه من الزكاة.
لكن اشترط أكثر العلماء أن يكون المؤلف من ذوي السيادة، يعني: أنه سيد في قومه، لأن هذا السيد إذا قوي إيمانه نفع الله به أمته، وأما الفرد من الناس فلا يعطى لتأليف قلبه ولو على الإسلام، وهذا قول جمهور العلماء، والصحيح أن الإنسان الفرد يعطى لتقوية إسلامه، لأننا إذا أعطيناه من أجل أن يشتري ثوباً يلبسه، أو رغيفاً يأكله، أو كأساً يشربه، وهذا غذاءٌ جسدي، فلماذا لا نعطيه لنغذيه غذاءً قلبياً دينياً، فالصحيح أن المؤلف لا يشترط به أن يكون ذا سيادة وشرف في قومه، ذكرنا الآن ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠] أربعة أصناف، هؤلاء لابد أن تسلمهم الزكاة وإذا سلمتهم الزكاة ملكوها ملكاً تاماً، لأن الله تعالى ذكر استحقاقهم باللام (للفقراء) واللام تدل على التمليك.
стр. 447
عتق الرقاب
ثم قال : ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠] الرقاب: جمع رقبة والمراد بذلك الإعتاق، يعني: وتصرف الزكاة في إعتاق العبيد، فإذا وجدنا عبيداً يباعون ولدينا زكاة فإننا نشتريهم لنعتقهم من الزكاة، وهذا يؤيد إلى ما أشرنا إليه قبل قليل من أن المؤلف قلبه لا يشترط أن يكون ذا سيادة؛ لأننا نعطي الزكاة في تحرير العبيد من الرق، ورق الهوى والمعاصي والشيطان أولى بأن يدفع بالزكاة.
ومن الرقاب أن يفك منها الأسير المسلم، مثلاً: لو أن أحداً من الكفار اختطف مسلماً وقال: لا أعطيكم إياه إلا بفدية، فهل نفديه من الزكاة؟ نعم، نفديه من الزكاة، لأنه يدخل في عموم قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ .
стр. 448
الغارمون
قال تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠] معطوفة على الفقراء أم على الرقاب؟ على الرقاب، وذلك لأن العامل أعيد (في) فانفصل ما بعدها عما قبلها فصارت الغارمين معطوفة على الرقاب، يعني: وفي الغارمين، فمن هو الغارم؟ الغارم: من في ذمته حق ماليٌ لا يستطيع وفاءه.
مثلاً: إنسان اقترض من شخص مالاً، وعجز عن وفائه، هذا غارم أم غير غارم؟ غارم.
إنسان آخر اشترى من شخص سيارة ثم عجز عن وفائها هذا أيضاً غارم، إنسان اشترى حوائج لبيته وعجز عن تسديدها هو أيضاً غارم، إنسان تزوج واستقرض لزواجه وعجز عن الوفاء، هل هو غارم؟ نعم.
إذاً: الغارم هو كل من في ذمته حق مالي عجز عن وفائه من ثمن مبيع، أو أجرة، أو قرض، أو ضمان متلف، أو غير ذلك، هذا الغارم.
هل يشترط تمليك الغارم؟ بمعنى أن أقول للغارم: خذ هذه الزكاة أوف بها، أو لا يشترط؟ لا يشترط لأن الله قال (الغارمين) عطفاً على قوله: (في الرقاب) ومعلوم أن الرقاب لا يشترط تمليكها، أنت تشتري العبد، ولا تملكه هذا المال، تشتري العبد بالزكاة وتعتقه، ولا تملكه الزكاة، إذاً: الغارم لا يشترط تمليكه، وعلى هذا فلو ذهبت أنت إلى الطالب الذي يطلب الغارم وقلت: يا فلان! أنت تطلب فلاناً كذا وكذا فيقول: نعم، تقول: تفضل، هذا الطلب تبرأ بذلك ذمتك أو لا، إذا قال قائل: الغارم ما علم ولا درى، نقول: وإن لم يكن يعلم لأنه لا يشترط تمليك الغارم.
هل يجوز إسقاط الدين عن الغارم من الزكاة؟ بمعنى أن يكون علي زكاة تبلغ ألف ريال، ولي غارم مطلوب بألف ريال لكنه فقير، فأقول يا فلان! أسقطت عنك ألف ريال عن زكاتي هل يجزئ؟ لا يجزئ، لماذا؟ أولاً: لأن الزكاة أخذ وإعطاء ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] هذا في القرآن، وفي السنة قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ معاذ بن جبل: (أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم) لابد من أخذ وإعطاء.
ثانياً: الزكاة عن شيء معين بيدك تملكه، والدين في ذمة الفقير هل هو بيدك؟ لا.
ولا تملكه، لكن كما يقول العوام: عبد ابن غنام يوم ألوى في البئر قال له السيد: أنت عتيق، وتعرفون هذه القصة قصة عبد رقيق عند سيده، يؤذيه سيده ويكده ويتعبه ليلاً ونهاراً فيطلب منه العتق، يا سيدي! أعتقني حررني فكني، ولكن يأبى، وفي يوم سولت لهذا العبد نفسه قال: البئر أو ابن غنام - ابن غنام سيده- فوقف على البئر وألقى نفسه في البئر، وفي حال هويه في البئر إذا سيده ينظر قال: أنت عتيق حر لله، حسناً متى قالها؟ بعد أن سقط في البئر، فلذلك صارت مضرب المثل إن صحت القصة فالله أعلم.
على كل حال هذا الإنسان الذي عنده مثلاً مائة ألف وزكاتها بقدر ما في ذمة الفقير إذا أسقط عن الفقير وقال: أريدها من الزكاة نقول ما يصير هذا، المال الذي بيد الفقير مثل التالف ولا يجزي، قال شيخ الإسلام ﵀: والدين لا يجزئ زكاة عن العين بلا نزاع.
سؤال ثان: هل يجوز أن أقضي دين الميت من الزكاة؟ إنسان ميت ليس له تركة، عليه دين هل يجوز أن أؤدي دين هذا الميت من الزكاة؟ لا.
لا يجوز لماذا؟ أولاً: أن النبي ﷺ لم يكن يقضي دين الأموات من الزكاة، أبداً، ولهذا كان إذا قدمت له الجنائز قال: هل عليه دين؟ إن قالوا: نعم، قال: له وفاء؟ إن قالوا: لا.
قال: ما أصلي عليه، صلوا عليه أنتم ولا يصلي عليه مع أن الزكاة عنده، والصدقة عنده، لما فتح الله عليه وكثرت المغانم وكثرت الأموال صار يقول: إذا قيل هذا الميت عليه دين، قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم) كما قال ربه : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] ثم قال: (من ترك ديناً فعلي، ومن ترك مالاً وضياعاً فلورثته) إذاً قضاء الدين على الميت من الزكاة لا يجزي، لأن الرسول ما كان يقضيه.
هذه واحدة.
ثانياً: أيهما أولى أن نقضي دين الميت الذي قدم على ربه، وإذا كان قد أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله يؤدي عنه كما ثبت عن النبي ﷺ : (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه) ، أو أقضي دين الأحياء الذين ذل الدين على وجوههم؟ أيهم أولى؟ الأحياء لا شك، ولهذا يقال: الدين هَمٌّ في النهار، وسهر في الليل، هذا صحيح، وذل أيضاً، ولهذا تجد الإنسان المستغرق بالدين يتحاشى الناس، إذاً من الأولى: هذا الميت الذي قدم على ربه وربما يكون أخذ أموال ناس يريد أداءها فيؤدي الله عنه أو هذا الحي؟ الحي.
ثالثاً: لو قلنا بجواز صرف الزكاة في ديون الأموات لكان الناس يفتشون في الدفاتر القديمة يكون سابع جد من أجداده عليه دين، يقول: والله بقي أن أؤدي الزكاة لهذا المدين، ثم إذا تابع السابع السادس الخامس الرابع الثالث الثاني الأول؛ تذهب أموال الناس كلها في قضاء ديون الأموات؛ لأن عاطفة الناس على الأموات أكثر من عاطفتهم على الأحياء فيقول: ارحم هذا الفقير المرتهن بدينه في قبره، ارحمه وأعطه زكاتك واقض ديون الأموات، ثم يذهب الرجل ينظر في دفاتر الناس هل على أبيك دين، أو جدك، أو جدتك، أو أمك، أو أختك؛ فتنتهي الزكاة للأموات.
لذلك حكى بعض العلماء -كـ ابن عبد البر ﵀ إجماع العلماء على أن الزكاة لا تدفع في دين الميت، لكن الصحيح أن فيها خلافاً لكنه خلاف مرجوح، فالراجح أنها لا يقضى بها على ميت، وقد عرفتم وجه ذلك من دلالة السنة على هذا ودلالة النظر، هذا في الغارمين.
стр. 449
في سبيل الله
قال تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] ما المراد بقوله: (سبيل الله) ؟ المراد جهاد الأعداء بالسلاح -وأعني بهم الكفار- يدفع من الزكاة، لكن هل يعطى المجاهد أو يشترى به السلاح، أو يجمع بين الأمرين، أو ينظر للأحوج؟ ينظر للأحوج، لأن المجاهدين قد لا يحتاجون إلى السلاح لأن الأسلحة متوفرة لديهم؛ لكن يحتاجون إلى الطعام، والشراب، والرواحل، وما أشبه ذلك، وقد يكون عدد المحتاجين للسلاح كبيراً، وهو مستغنٍ بنفسه، لكن يحتاج إلى سلاح، أين نضع الزكاة؟ في السلاح، وقد تكون الحاجة متساوية فنبذل في هذا وهذا.
هل يبنى بها مدارس، أو يشترى بها كتب، أو يعان بها طلبة علم؟ لا.
في سبيل الله المراد السلاح، صحيح أن العلم في سبيل الله لكنه ليس المراد بالآية، إلا أن العلماء ﵏ قالوا: إذا تفرغ لطلب العلم وهو قادر على التكسب فإنه يعطى ما يكفيه من أجل طلب العلم، لكن بشرطين: التفرغ، والثاني: القدرة على التكسب، أما إذا كان غير قادر على التكسب وهو فقير لا نعطي العلم بل نعطيه لفقره وعدم قدرته على التكسب.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ السبيل هو الطريق، فمن ابنه؟ ابنه هو المسافر، فإذا وجدنا شخصاً مسافراً وانقطع به السفر أو تعطلت سيارته، أو ضاع ماله، أو سرق، وهو يريد أن يصل إلى بلده وهو غني من أكبر الأغنياء؛ لكن الآن ما بيده شيء نعطيه أو لا؟ نعطيه.
لكن نعطيه ما يكفيه لسنة، أو ما يوصله إلى بلده؟ نعطيه ما يوصله إلى بلده.
هؤلاء هم الأصناف التي تدفع فيهم الصدقات قال الله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] يعني الله فرض علينا أن نصرفها في هذه الأصناف، وبين أن هذا صادر عن علم وحكمة من الله .
لكن هناك موانع تمنع من صرف الزكاة لمن اتصفوا بهذه الأوصاف وهي: إذا كان هذا الفقير تجب نفقته على الغني، فهل يجوز أن يدفع الغني من زكاته لهذا الفقير ما يكون نفقة له؟ أخوه تجب نفقته عليه، إذا كان غنياً والأخ فقيراً وهو الذي يرثه وجب عليه النفقة، فيقول: أنا بدل ما أنفق عليه ألف ريال أعطيه زكاة، ألف ريال بالشهر هل يجوز أو لا؟ لا يجوز، لأن هذا يحفظ به ماليته، بدل أن يعطيه من ماله ألف ريال يجعلها من مال الفقراء من الزكاة، هذا حرام، ولا تجزئه.
فإن كان على أخيه دين وهذا الرجل الغني قائم بالنفقة، لكن أخوه عليه دين إما أنه أتلف شيئاً فضمنه، أو لأي سيبب، هل يجوز أن يقضي الأخ دين أخيه من الزكاة؟ نعم يجوز، لماذا؟ لأنه لم يدفع عن نفسه واجباً، ولأنه لا يجب عليه أن يقضي دين أخيه.
إنسان غني حدث لابنه حادث سيارة وتكسرت السيارة وغرم عشرة آلاف، والولد فقير ما عنده شيء، هل يجوز لهذا الأب أن يدفع الزكاة في هذا، أي في غرم ولده؟ نقول: يجوز، أن يدفع زكاته في قضاء غرم ولده، لأن الأب لا يلزمه قضاء الدين عن ابنه، وأصل المنع أنه متى كان الإنسان يدفع واجباً عليه في الزكاة فلا يجوز.
نزل به ضيف والضيف يجب إكرامه، والضيف ما معه غداء، ولا عشاء، ولا بنزين لسيارته، فقال هذا الرجل الذي نزل به الضيف: أدفع له من زكاتي؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنه يجب عليه ضيافته، وهو إذا دفع من ماله دفع واجباً عن نفسه بالزكاة، وهذا لا يجوز، وعليه لو قال قائل: هل يجوز دفع الأب زكاته لابنه؟ إن قلت: لا.
أخطأت! وإن قلت: نعم.
أخطأت! فيه تفصيل، إن كان للنفقة لا يجوز، وإن كان لغرم جاز.
стр. 450
الأسئلة
стр. 451
نصيحة للنساء بالتزام الحجاب والحياء
السؤال
هذه اللقاءات المباركة نسأل الله أن يرفع بها الدرجات عنده سبحانه لكل من ساهم فيها، ولكن نرى أنها تركز على الأحكام دون الواقع الاجتماعي، وأعرض بين يديكم ما أقلقني وأزعجني.
أولاً: واقع النساء في الأسواق حيث إن بعض المحلات لا تغلق إلا في الساعة الثانية ليلاً.
ثانياً: الشباب على الأرصفة وفي البراري يسهرون الليل مع طوله على الورق واللعب والدشوش، أرجو إحياء نفوسنا بنصيحة ينفع الله بها، وما هو دور طلبة العلم وأهل الصلاح في مثل هذه الأمور؟
الجواب
نحن نشكر الأخ على هذا السؤال ونرى أنه لابد من معالجة المشاكل الاجتماعية؛ وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:٥٣] ولكن يا إخوان! المواضع لها أناس، والأحكام لها أناس، فكم من إنسان عنده فقه كبير في الدين، والفقه في الدين هو الفقه المحمود، وهو الذي قال عنه النبي ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) والفقه في الواقع وسيلة فقط لتطبيق الأحكام الشرعية عليه، لكن الفقه المحمود الذي يرفع الله به الدرجات إنما هو فقه الدين، فالناس يختلفون، هذا رجل عالم بأحكام الدين يعلم الناس، ويفتح للناس باب الاستدلال في الكتاب والسنة، وهذا إنسان عالم بالواقع يتتبع أحوال الناس وينظر فيها؛ لكن قد يكون قاصراً في الفقه في الدين، وكل واحد من الفقهين يكمل الآخر، لكن من الناس من يعطيه الله تعالى حسن إلقاء في الوعظ، تجده يحرك القلوب، وينشط أهل الخير، وبضاعته من العلم الشرعي مزجاة، لكن أعطاه الله تعالى بياناً وفصاحة وقدرة، وأهم شيء عندي أنا هو معرفة الناس بأحكام الشريعة، حتى لا يعبد الله على جهل، ولا سيما في هذا الوقت الذي كثر فيه المتعالمون، الذين يقدمون على الفتوى وكأنها لعقة عسل، أو حبة حلاوة، ويستشرفون لها ويتطلعون، ويريدون أن يتصدروا المجالس، وأن يتزببوا قبل أن يتحصرموا.
لذلك كان واجباً على طلبة العلم العناية بمعرفة الأحكام الشرعية قبل أن يسحب البساط من تحت أرجلهم، ويتولى الفتيا من ليس أهلاً لها، وهناك أناس عندهم قدرة على الموعظة والتأثير أكثر من غيرهم، ونحن نضرب لكم مثلاً برجلين من العلماء المشهورين، ابن الجوزي ﵀ صاحب التبصرة الواعظ المشهور، عنده قدرة على الموعظة مؤثرة، يجتمع عند موعظته آلاف الناس، وإذا تكلم في الوعظ ربما يصعق بعض الناس ويموت من قوة التأثير، وشيخ الإسلام ابن تيمية لا يستطيع مثل ذلك مع أن انتفاع المسلمين ونفع الإسلام بـ شيخ الإسلام أكثر بكثير؛ لأن عنده من العلم والفقه ما ليس عند ابن الجوزي فالله تعالى خلق وفرق، وليس الناس سواء، أنا من الذين لا يستطيعون المواعظ المؤثرة مثل بعض الناس، ولكن مع ذلك الذي طلبه الأخ السائل سهل ولا يحتاج إلى كبير عناء.
أقول: إن مشكلة النساء في الواقع من عدة أوجه: أولاً: أن بعضهن نزع منهن الحياء -والعياذ بالله- فصارت الأنثى تتطلب الأزياء الكاشفة العارية من حيث لا تشعر، تشتري المرأة ما يسمى بالبردة لتطلع على لباس الكافرات وتقلدها، ثم تدعي أنها تخيطها خياطة إسلامية، إذا كانت خياطة إسلامية ليس مضاهاة لها، وإذا قدر أنها في هذه السنة خيطت خياطة إسلامية؛ في السنة الأخرى لا تخاط، لأننا نعرف أن الشر يتصاعد ولا يتناقض، هذه محنة إلى حد أن المرأة ذهبت تطلب أن تلبس البنطلون، امرأة تلبس البنطلون!! نحن رجال نستحي أن نمشي بالبنطلون حتى فيما بيننا، لا يستطيع الإنسان أن يمشي بالبنطلون؛ إلا أناس اعتادوها فيما بينهم في بلادهم، يا شباب! ما الفائدة من البنطلون للمرأة، إلا أنه يصف الحجم فخذها كبير! فخذه صغير! عجيزتها كبيرة! عجيزتها صغيرة! ثديها صغير! ثديها كبير! هذا هو حتى لو كانت المرأة في الوقت الحاضر تلبس بنطلوناً واسعاً؛ سيجيء الوقت عن قريب الذي تلبس فيه البنطلون الضيق، كما هي العادة الجارية.
ثم إن البنطلون من لباس الرجال، يعني: على فرض أنه ساتر من كل وجه؛ واسع، وفضفاض، وطويل فإن فيه التشبه بالرجال، من الذي يلبس البنطلون حتى في البلاد الأخرى؟ إما كافرات، وإما رجال اعتادوه، ففيه تشبه إما بالكافرات، وإما بالرجال.
ثانياً: عند النساء أيضاً قلة حياء في كشف الوجه، فتجد بعض النساء تلبس (ردفة) خفيفة جداً يظهر منها الوجه، وربما تكسو الوجه جمالاً أكثر مما لو كان مكشوفاً، وتدعي أن هذا هو الحجاب الشرعي، الحجاب الشرعي هو ما شرعه الله ورسوله، وأين في كتاب الله أو سنة رسوله جواز كشف الوجه للأجانب؟ أين ذلك؟ نقول لكل امرأة: أرينا آية من كتاب الله، أو حديثاً عن رسول الله ﵊ صحيحاً يدل على جواز كشف الوجه؟ أبداً ما هناك إلا حديث أسماء بنت أبي بكر المنكر متناً الضعيف سنداً، وهذا لا عبرة به بإجماع العلماء، أن الحديث الضعيف سنداً أو المنكر متناً لا يحتج به، لأن من شرط الصحيح أن يكون رواه عدل تام الضبط بسند متصل، وأن يسلم من الشذوذ والعلة القادحة، وإنكار المتن علة قادحة لا شك.
يقول هذا الحديث أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على الرسول ﵊ بثياب رقاق -انظر بثياب رقاق يعني تصف ما وراءها- فأعرض عنها، وأسماء بنت أبي بكر في ذلك الوقت يمكن لها ثمانية عشر سنة، هل يمكن لامرأة بهذا الشباب تدخل على سيد المرسلين بثياب رقاق تصفها، يقول: فأعرض عنها ثم قال: (إن المرأة إذا بلغت سن المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى الوجه والكفين) هل يعقل هذا؟ لا يعقل، فالمتن منكر، ثم يسأل كل إنسان نفسه، أيهما أشد فتنة القدم أو الكف؟ القدم أشد فتنة؟ الله لا يقلب رءوسنا! لو أن امرأة أخرجت كفها وامرأة أخرجت قدمها أيهما أشد فتنة؟ الكف لا شك، ثم نقول: أيهما أشد فتنة امرأة ظهر قدمها أو ظهر وجهها؟ الثاني لا شك، هل يعقل أن الشريعة التي نزلت من لدن حكيم عليم أن تبيح للمرأة إظهار الوجه الجميل، ويجب عليها أن تستر الرجل المشوهة، هل يعقل؟ الشريعة من لدن حكيم خبير، لا يمكن أبداً أن يفرق الله بين متماثلين، أو يجمع بين مختلفين، فكيف بين شيئين متباعدين، فرق بين إظهار الوجه وإظهار القدم، ولهذا كلما تدبر الإنسان هذا القول وجده في غاية الضعف، أعني القول بأنه يجوز كشف الوجه.
ثم على فرض أنه جاز كشف الوجه، يجب أن يمنع لأنه ذريعة لكشف ما وراء الوجه، وانظر البلاد التي رخص علماؤها بكشف الوجه للمرأة هل اقتصرت المرأة على الوجه؟ أبداً، أخرجت الوجه والرأس والرقبة والساق والرجل، وسد الذرائع من الطرق الشرعية الثابتة.
انظر إلى قول الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] سب آلهة المشركين مطلوب، والله تعالى يسبها بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تجيب دعاءً، ومع ذلك إذا كان سب آلهة المشركين يؤدي إلى سب الله فيمنع لأنه ذريعة، وليس هو بعلة وسبب، بمعنى: متى وجد سب الآلهة وجد سب الله؛ فهو في هذه الحال ذريعة، فحرم الله هذه الذريعة؛ لأنها تؤدي إلى محرم.
كشف الوجه لو قلنا بجوازه، لقلنا بمنعه؛ لأنه يؤدي إلى شيء محرم لا شك فيه، ولهذا نسأل دائماً عن النقاب -وهو البرقع- وهل تغطي المرأة وجهها بشيء ليس فيه إلا نقب للعينين، ولهذا يسما نقاباً، هل يجوز أم لا؟ إن قلت: لا يجوز مشكلة، وإن قلت: يجوز مشكلة أيضاً، فنقول: النقاب في عهد الرسول ﵊ معروف، كان النساء ينتقبن في عهد الرسول لا شك، والدليل على ذلك أنه قال في المحرمة: (لا تنتقب) فدل ذلك على أنه لباسٌ معروف؛ وإلا لم يكن لنهي المحرمة عن الانتقاب فائدة.
ولكن إذا كان النقاب ذريعة إلى شيء لا يجوز؛ فيمنع، وإن كان جائزاً وهو ذريعة إلى ما لا يجوز تفتح المرأة هذه السنة لعينيها فقط، وبعدئذٍ يتوسع النقب، إلى الحاجب، والوجنة، وبعد ذلك لا يشعر، أوسع، حتى يزول الحياء عن المرأة، وإذا زال الحياء عن المرأة فلا تسأل! كل شيء يمكن يسهل معها.
فنقول نحن: النقاب جائز ولا إشكال فيه عندنا لكننا نمنعه ونقول: تغطي المرأة وجهها كاملاً خوفاً من أن يترقى الأمر إلى شيء محرم.
ثالثاً: ومما نعانيه من النساء كثرة تجولهن في الأسواق بدون حاجة، وهذا خطر عليهن من الفساق، وخطر منهن على المعتدلين، لماذا تتجول في السوق، بيتها خير لها، إذا كانت تريد حاجة فلتطلب من محرمها أن يقضي لها هذه الحاجة، أو تذهب على الأقل مع المحرم ويقف هو على صاحب الدكان ويقول: هاتي الحاجة الفلانية ويعرضها عليها.
وكذلك أيضاً من مشاكل النساء أن بعضهن تمشي في الأسواق مشية الرجال بقوة وكلام وحديث، وهذا من المشاكل.
رابعاً: من المشاكل أيضاً ما أشار إليه السائل أنها تخرج في الليل -بعد منتصف الليل- ربما تخرج معها امرأة أخرى وتكلم الرجل، ورأيت بعض النساء يدخلن في الدكان وليس في الدكان إلا البائع فقط، وكل هذا خطر عظيم.
المسئول الأول: كل امرأة مسئولة عن نفسها، عليها أن تتقي الله ، وأن تحذر من هذا، ثم المسئول بالدرجة الثانية وليها من الرجال؛ لأن الله قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] فالواجب على الرجال أن ينتبهوا، سبحان الله بعض الرجال لو ضاعت له غنمة واحدة سهر الليل يطلبها، أين ذهبت؟ ماذا فيها؟ بينما هو مهمل أبناءه وبناته الذين بصلاحهم فلاحه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) .
وأما ما أشار إليه السائل من جلوس الشباب على الأرصفة، وضياع الوقت ليس في أمر مباح فقط؛ بل في أمر محرم، فهذا أيضاً مشك
стр. 452
زكاة ما أعد للتنمية
السؤال
هذا سؤال قد وجهته في اللقاء الماضي ولم يعرض، أنا صاحب مزرعة وعندي حمام تقدر بخمسة آلاف ريال ولكني أبيع منها أحياناً في الشهر بخمسمائة ريال، وأحياناً أكثر، وأحياناً أقل، وأحياناً لا أخرج شيئاً فهل عليها زكاة أم لا؟ وما مقدارها؟
الجواب
هذه ليس فيها زكاة، لأنها معدة للتنمية، فلا زكاة فيها، أما الإنسان الذي يتجر بالحمام، يعني يشتري هذا اليوم ويبيعه غداً، ويشتري غيره ليتكسب؛ فإن الحمام تكون من باب عروض التجارة، أما الذي يتخذه للتنمية متى نمت باع نماءها فليس فيها زكاة، ونماءها الذي يبيعه إذا أخذ العوض وهي دراهم؛ فإن بقيت عنده سنة زكاها، وإن أنفقها قبل تمام السنة سقطت زكاتها.
стр. 453
جلسات رمضانية (١٤١٥هـ) [٥]
تكلم الشيخ عن أول وأعظم انتصار في رمضان للمسلمين، وهو غزوة بدر، وكيف كسر الله شوكة الباطل بعصا الإيمان، وأجاب بعد ذلك عن الأسئلة، ومما ورد سؤال عن أحكام صلاة الوتر، وقد أجاب الشيخ عنه وأطال في ذكر أحكام صلاة الوتر.
стр. 454
انتصارات المسلمين في رمضان
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله على حين فترة من الرسل، وانطماس من السبل، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وفتح الله به قلوباً غلفاً، وآذاناً صماً، وعيوناً عمياً، فبارك الله في دعوته فبلغت مشارق الأرض ومغاربها، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة: فهذا هو اللقاء الخامس الذي يتم في شهر رمضان عام (١٤١٥هـ) وهو في الليلة السابعة عشرة من هذا الشهر في هذه الليلة، بل في يوم هذه الليلة اليوم السابع عشر مناسبة كبرى للمسلمين ألا وهي غزوة بدر التي انتصر فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه على أبي جهل وأصحابه، انتصر فيها حزب الرحمن على حزب الشيطان.
وسبب هذه الغزوة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمع أن أبا سفيان قدم من الشام بعير لقريش، ومن المعلوم أن المدينة بين الشام ومكة، فلما سمع بهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ندب أصحابه أن يخرجوا إلى هذه العير ليأخذوها، وإنما استباح النبي ﷺ أموال قريش لأن قريشاً كانوا في حرب معه، وهم أيضاً -أعني: قريشاً- استباحوا ديار المسلمين وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، فكانت أموال قريش حلالاً للمسلمين، فندب النبي ﷺ أصحابه من أجل أن يأخذوا هذه العير.
ولكن أبا سفيان كان رجلاً ذكياً، لما سمع بما أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خالف عن الطريق وسلك ساحل البحر، وأرسل إلى قريش يخبرهم بما أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أخذ عيرهم.
فقامت قريش برجالها، وحدها وحديدها، وفخرها، وخيلائها، وبطرها خرجت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تريد غزوه، وهذا من نعمة الله أن أغراهم بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى خرج كبراؤهم وصناديدهم وزعماؤهم إلى قتال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فالتقوا في بدر على غير ميعاد، ليس بينهم وبين النبي ﷺ موعد ولكنهم التقوا في هذا المكان، وكان النبي ﷺ على قلة وذلة، ليس معه إلا سبعون بعيراً فقط وفرسان، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً يتعاقبون الإبل والفرسين، التقوا بعدوهم، وكان عدوهم ما بين تسعمائة إلى ألف في أقوى ما يكون من العدة، خرجوا كما قال الله تعالى: ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ [الأنفال:٤٧] .
التقوا بالمسلمين فأنزل الله تعالى في تلك الليلة غيثاً ومطراً لتثبيت الأرض للمسلمين، وجعل الأرض زلقاً للكافرين؛ لأن الكافرين كانوا في جهة أخرى فكان زلقاً لهم، أما المسلمون فكانوا في الرمل؛ ولكن الرمل مع المطر اشتد وقوي، حتى ثبت الله أقدام المؤمنين ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] .
فأنزل الله هذا المطر وألقى فيهم النوم والنعاس، حتى إن الواحد يسقط سيفه من يده، وهذا يدل على قوة طمأنينتهم وثقتهم بنصر الله ، إذ لم يكن في قلوبهم رعب؛ لأن من في قلبه الرعب لا يمكن أن ينام، ولكن الله تعالى ألقى في قلوبهم السكينة التقوا بهؤلاء الكفار فصارت ولله الحمد الهزيمة.
قتل منهم سبعون رجلاً وأسر سبعون، ولم يستشهد من الصحابة إلا بضعة عشر رجلاً، وقتل من صناديدهم وكبرائهم نحو أربعة وعشرين رجلاً، فسحبوا جميعاً والقوا في قليب في بدر خبيثة منتنة رديئة إذلالاً لهم في الحياة، فلما انتهى القتال ركب النبي ﷺ ناقته حتى وقف على البئر وقال: (يا فلان ابن فلان! -يخاطبهم بأسمائهم وأسماء آبائهم- هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً -يخاطبهم وهم أموات- قالوا: يا رسول الله! كيف تخاطب قوماً ماتوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم؛ ولكنهم لا يجيبون) أموات يسمعون توبيخ الرسول ﷺ لهم ولكن لا يجيبون.
وهذا من باب العزة بنصر الله ، فالمؤمن له العزة بدينه، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] فمن عزة الرسول ﵊ أنه وقف على القليب التي فيها صناديد قريش كـ أبي جهل ونحوه يوبخهم.
وأسروا سبعين رجلاً دخلوا بهم المدينة مأسورين، وقتلوا سبعين رجلاً، وسمى الله هذا اليوم يوم الفرقان؛ لأن الله تعالى فرق فيه بين الحق والباطل، وبين أوليائه وأعدائه ومن ذلك اليوم عز الإسلام، وقوي، وخافه المشركون، وبرز النفاق في المدينة -النفاق يعني: إظهار الإيمان وإبطان الكفر- من السنة الثانية من الهجرة بدأ النفاق الذي يظهر فيه صاحبه بأنه مؤمن وهو كافر؛ لأن الإسلام صار له هيبة، هذه مناسبة في اليوم السابع عشر من شهر رمضان.
وفي رمضان أيضاً مناسبة أخرى وهي غزوة الفتح، ومن المعلوم أيها الإخوة أن انتصار المسلمين في ذاك الزمن انتصار لنا اليوم، لأننا أمة واحدة، فنصرهم نصر لنا، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا شكر نعمته، ونسأله أن ينصر إخواننا المجاهدين اليوم في الشيشان والبوسنة والهرسك وغيرها من بلاد المسلمين؛ لأن أعداء الإسلام تكالبوا على الإسلام اليوم، حتى صار زعماء منهم يصرحون ويقولون: إننا قضينا على عدونا الشيوعي؛ ولكن بقي عدونا الأصولي، ويعنون بالأصولي: المسلمين.
وهذا لا شك أنه يرعبهم أكثر مما يرعبهم الشيوعيون؛ لأنهم ليسوا على دين، والمسلمون على دين منصور؛ ولذلك كانوا يخافونه فتسلطوا الآن، وقويت سلطتهم والعياذ بالله، وعدوانهم على المسلمين من كل ناحية، ولكن إن صدقنا الله صدقنا وعده، وإن نصرنا الله نصرنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] فنسأل الله تعالى أن ينصرنا بنصره، وأن يعزنا بدينه وألا يذلنا بمعاصينا إنه على كل شيء قدير.
стр. 455
فوائد متفرقة في باب الزكاة
في اللقاء الماضي تكلمنا على الأموال الزكوية، أخذنا منها كم صنفاً؟ الذهب والفضة، وعروض التجارة، والأنعام وهي كالآتي: الإبل، والبقر، والغنم.
هل الدين تجب فيه الزكاة أم لا؟ إذا كان على مليء باذل ففيه زكاة، وإن كان على فقير أو على غني مماطل فيه قيدٍ، أيضاً من لا تمكن مطالبته فإنه لا زكاة فيه، والذي لا تمكن مطالبته إما شرعاً وإما حساً، فالذي لا تمكن مطالبته شرعاً الأب، الإنسان لا يمكن أن يطالب أباه أبداً؛ إلا في شيء واحد فقط وهو النفقة الواجبة، يعني لو أن الأب أبى أن ينفق؛ فللابن أن يطالبه عند القاضي، أبى أن يزوج ابنه مع حاجته للزواج وفقره؛ فللابن أن يطالب أباه عند القاضي أن يزوجه؛ لأن له أن يطالب أباه بالنفقة الواجبة، أما الدين فلا، أو يعجز عن المطالبة به حساً كما لو كان الحق أو الدين على أمير، أو على جبار لا يستطيع أن يطالبه.
الخلاصة: إذا كان على غني باذل ففيه الزكاة، وإن كان على فقير أو غني مماطل لا تمكن مطالبته فلا زكاة فيه.
أصحاب الزكاة الذين يستحقون الزكاة أصناف ثمانية، مذكورون في آية من كتاب الله وهي: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] .
ما الفرق بين الفقراء والمساكين؟ الفقير أحوج من المسكين، والفقير هو: الذي لا يجد من النفقة إلا أقل من النصف، أو لا يجد شيئاً ودون الكفاية.
هل الوكلاء في تفريق الزكاة لشخص معين من العاملين عليها، أم لا؟
الجواب
لا.
فمثلاً: أعطيتك ألف ريال، وقلت: توزعه على المستحق هل لك منه شيء؟ لا.
إذا كان هؤلاء قد وكل إليهم من قبل الدولة -الحكومة- هل يأخذون؟ الحكومة مثلاً جعلت أناساً على الزكاة يقبضونها ويفرقونها، هل لهم فيها حق؟ الجواب: إذا كان له راتب ما يستحق، وإذا لم يكن له راتب يستحق؛ لقوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠] .
إذا كان رجل راتبه في الشهر ألف ريال ونفقته ألفي ريال، هل يعطى من الزكاة؟ نعم.
كم يعطى؟ اثني عشر ألفاً في السنة.
стр. 456
الأسئلة
стр. 457
كيفية أداء التراويح بعد الجمع في حال المطر
السؤال
من الملاحظ في شهر رمضان هذه السنة نزول بعض الأمطار فهل يجمع الناس بين صلاة المغرب والعشاء؟ ثم إذا جمعوا فهل يصلون التراويح مباشرة، أم ماذا يصنعون؟
الجواب
أظن أننا تلونا بعد صلاة الجمعة قبل الماضية فتوى من اللجنة الدائمة بالتحذير من التساهل في الجمع بين المغرب والعشاء، أو الظهر والعصر وقالوا: إنه لا يجمع في المطر إلا إذا كان يبل الثياب، وتوجد معه مشقة، وعلقنا على ذلك وحذرنا من التهاون، وما زلنا على هذا، لكن إذا كان المطر حقيقة شديداً؛ فإن الجمع جائز، وإذا انتهى من الجمع فالذي أرى أن يخير الجماعة يقول: هل تحبون أن نصلي التراويح الآن وننصرف إلى البيوت، أو تنصرفوا إلى بيوتكم وكل يصلي في بيته، أو تأتون إلى المسجد ونصلي التراويح لكن هذه ممتنعة، لماذا؟ لأنهم لو قالوا: نعم نأتي للتراويح، قلنا: إذاً لا حاجة إلى الجمع، فما بقي عندنا إلا أن نخيرهم إن شاءوا أقاموا التراويح بعد صلاة العشاء وإن شاءوا انصرفوا وكل يصلي في بيته.
стр. 458
كيفية توزيع الزكاة
السؤال
هل أهل الزكاة يعطون من أموال الزكاة بحسب ترتيبهم الوارد في الآية؟
الجواب
ليسوا على الترتيب، بل ربما تعطي المسكين ولا تعطي الفقير، لكن من المعلوم أن كل من كان أشد حاجة فهو بها أولى، وإذا اجتمع قرابة وشدة حاجة وكان هذا القريب ممن لا تلزمك نفقته فهو أولى من البعيد، وكذلك فقراء البلد أولى من الفقراء في غير بلدك، ومن كان أقرب من بلدك أولى ممن كان أبعد.
стр. 459
الصفات الواردة في السنة لصلاة التراويح
السؤال
تكررت أسئلة النية في صلاة الوتر ثلاثاً أو اثنتين، وهذه الأسئلة تدور على الإمام والمأموم، وخاصة إذا كان المأموم ممن ينوي جهراً قبل صلاته؟
الجواب
الوتر صلاة مقيدة معينة، فهي صلاة وتر، وإذا كانت معينة فلابد فيها من النية من أولها، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) وعلى هذا فإذا كان الإمام من عادته أن يصلي أربع تسليمات ثم يوتر، فإن المأموم إذا صلى أربع تسليمات ثم قام الإمام بعد ذلك ينوي الوتر، وإذا نوى الوتر فهو على نيته سواء سرد الإمام الثلاث جميعاً أو سلم بالركعتين ثم أتى بالثالثة؛ لأن الركعتين اللتين تسبق الواحدة هي من الوتر لكنه وتر مفصول، وإذا سرد الثلاث جميعاً بتشهد واحد فهو وتر موصول، وكلاهما جائز.
لكن سمعنا أن بعض الأئمة يصلي أربع تسليمات ويقوم للتسليمة الخامسة على أنها الوتر لكنه يقرأ فيها من قراءة التراويح حرصاً منه على أن يختم، وهذا غلط من وجوه: الوجه الأول: أننا لا نعلم عن رسول الله ﷺ أنه ختم القرآن في التراويح أبداً، بل لم يصل إلا ثلاث ليال، وكذلك لا نعلم أن الصحابة كانوا يتعمدون ذلك، صحيح أن بعض العلماء من السابقين واللاحقين قالوا: ينبغي أن يقرأ القرآن كله على الجماعة ويختم.
أما الوجه الثاني: أنه ترك القراءة المشروعة إلى قراءة غير مشروعة، ما هي القراءة المشروعة في الوتر؟ أن يقرأ بسبح في الركعة الأولى، وبالكافرون في الثانية، وبالإخلاص في الثالثة، وهذا عدل وأتى بقراءة غير مشروعة في الوتر.
الوجه الثالث: أنه لبس على المصلين؛ إذ أن المصلي ولو كان قد دخل مع الإمام من أول الصلاة إذا قرأ الإمام من قراءة التراويح سوف يكون عنده شك، يقول: لعلي أخطأت في عدد الركعات السابقة، لعل هذه بقية التراويح ثم يبقى متردداً، وربما ينوي التراويح، فإذا نوى التراويح وصار هو الوتر ثم نواه في أثناء الصلاة لم يصح، ولم يكن وتراً، ولكن ماذا يصنع؟ نقول: إذا لم يصح أن يكون وتراً فإذا سلم إمامك فقم وائت بركعة لتكون شفعاً، ثم صل الوتر بعد ذلك، وإن شئت صليت آخر الليل.
ولهذا يحصل الارتباك للمأمومين إذا فعل الإمام مثل هذا الشيء، والذي ينبغي للإمام أن يعلم أنه لا يصلي لنفسه حتى يصنع ما شاء، بل يصلي لغيره، ولهذا يعبر الصحابة فيقولون: [صلى لنا رسول الله ﷺ ] .
فهو يصلي لغيره.
ويوجد أيضاً بعض الأئمة يسرد بالجماعة تسع ركعات، من أول ما يبدأ إلى آخره تسع ركعات، بناءً على أن النبي ﷺ أوتر بتسع فسردها ولم يتشهد إلا في الثامنة ولم يسلم، ثم صلى التاسعة وسلم، وهذا أيضاً من الغلط، هو يقول: أريد أن أحيي السنة نقول: نعم أحيها؛ لكن هل الرسول ﵊ -وهو أحرص منك على نشر السنة- صلى بأصحابه تسع ركعات؟ أبداً ما صلى إلا ركعتين ركعتين.
ثم في هذا من المشقة على الناس ما هو ظاهر، قد يحصر الإنسان في أثناء الصلاة فإن انفتل من صلاته خجل، وإن استمر في صلاته تعب، بخلاف ما إذا كان المصلي على ركعتين ركعتين، فهو إذا سلم ذهب، ثم إن الناس يكفيهم أن يقال في الحديث الوتر على أصناف متعددة كذا وكذا وكذا ويعرفون، ولهذا ما عهدنا مشائخنا الذين هم أكبر منا، وأحرص منا على نشر السنة، ما رأيناهم يفعلون هذا، يصلون بالناس بتسع ركعات، بل ولا بسبع، ولا بخمس؛ فلذلك ينبغي للإمام أن يكون عنده حكمة في كيفية معاملة الناس، أليس الرسول ﵊ قال: (إذا صلى أحدكم لنفسه فليطل ما شاء) لكن للناس يراعيهم حتى لا يحصل عليهم الارتباك والتعب.
نعم لو فرضنا أن قوماً كانوا في بساتين محصورين ما عندهم أحد، واتفقوا فيما بينهم على أن يوتروا بتسع فلا حرج لأن هؤلاء اختاروا بأنفسهم، أما مسجد عام كل يدخل فيه، ولا يعلم الناس عما يريد الإمام؛ فهذه مشكلة، حتى لو فرض أن الرجل هذا أوتر بتسع، ثم إن الناس أول ما يكبرون ماذا ينوون: الوتر أم صلاة الليل؟ ينوون صلاة الليل، وينوون أن تكون اثنتين، ولا ينوون الوتر، معناه كل التسع الركعات هذه لا تجزئهم عن الوتر؛ لأنهم لم ينووا.
فالمهم نحن نحث الأئمة على أن يراعوا الناس الذين وراءهم، والسنة يمكن فعلها في بيوتهم كما فعل الرسول في بيته، فالرسول لم يصل بالناس لا بتسع، ولا بسبع، ولا بخمس، يفعلونها في بيوتهم، ويبينون للناس السنة في القراءة وفي الحديث.
стр. 460
زكاة العسل
السؤال
أنا أتاجر في العسل فهل يجب علي الزكاة فيه، مع العلم بأني أشتري منه وأبيع، ولا يمضي عليه فترة؟ وإذا كان فيه زكاة فما مقدار هذه الزكاة الواجبة؟ وكيف أؤديها؟
الجواب
أما من جهة الذين يبيعون ويشترون في العسل فهؤلاء تجار عسل، وتجب عليهم الزكاة في العسل على أنها عروض تجارة كالتجار، فإذا جاء وقت الزكاة فإنهم يقدرون ثمن العسل الذي عندهم ويخرجون ربع العشر، وكيف أعرف ربع العشر؟ أعرف ربع العشر بأن أقسم الدراهم على أربعين، فما خرج بالقسمة فهو ربع العشر، فإذا كان عندي أربعون ألفاً كم ربع العشر؟ ألف.
إذا أردت أن تعرف مقدار ربع العشر فاقسم ما عندك على أربعين، والخارج بالقسمة هو ربع العشر، أما إذا كان العسل يجنى -يعني: الإنسان عنده منحلة يجني منها العسل ويبيعه- فقد اختلف العلماء ﵏: هل تجب فيه الزكاة أم لا تجب؟ فمنهم من قال: إن الزكاة واجبة فيه ومقدارها العشر، ومنهم من قال: إن الزكاة لا تجب فيه؛ لأنه ليس من الحبوب ولا من الثمار، لكن الأحوط للإنسان أن يخرج الزكاة عنه.
следующие страницы →