Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وَقَالَ ﵇ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ سَعْدٍ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ " صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جِنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ ".
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو أُمَامَةَ: السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرِ مُخَافَتَةً، ثُمَّ يُكَبِّرَ، وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْآخِرَةِ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى الْجِنَازَةِ بِ أُمِّ الْكِتَابِ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: يَقْرَأُ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ: فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ: أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً قَصِيرَةً، رَفَعَ بِهِمَا صَوْتَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَا أَجْهَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَّلَاةُ عَجْمَاءَ، وَلَكِنِّي أَرَدْت أَنْ أُعَلِّمَكُمْ أَنَّ فِيهَا قِرَاءَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَرَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرُ: الْمُخَافَتَةَ لَيْسَتْ فَرْضًا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَدْعُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ فِي الْجِنَازَةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُونَ وَيَنْصَرِفُونَ وَلَا يَقْرَءُونَ.
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْت أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يُحَدِّثُ
стр. 1157
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ أَنْ تُكَبِّرَ، ثُمَّ تَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ تُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ تُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَلَا تَقْرَأُ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يُسَلِّمُ فِي نَفْسِهِ عَنْ يَمِينِهِ.
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الصَّلَاةِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى؟
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ: يُكَبِّرُ ثُمَّ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ذَكَرَ دُعَاءً.
وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ؟ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِيهَا بِأَنْ قَالُوا: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا حَدِيثٌ سَاقِطٌ، مَا رُوِيَ قَطُّ مِنْ طَرِيقٍ يُشْتَغَلُ بِهَا ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا مَنَعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إخْلَاصِ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ نَهْيٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ، وَنَحْنُ نُخْلِصُ لَهُ الدُّعَاءَ وَنَقْرَأُ كَمَا أُمِرْنَا؟ وَقَالُوا: قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ؟ فَذَكَرَ دُعَاءً وَلَمْ يَذْكُرْ قِرَاءَةً وَعَنْ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ: أَنَّهُ سُئِلَ: أَيَقْرَأُ فِي الْجِنَازَةِ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَقُلْنَا - لَيْسَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ
стр. 1158
وَنَعَمْ، نَحْنُ نَقُولُ: لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ
فَلَا يَصِحُّ خِلَافٌ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ مَنْ صَرَّحَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ، وَالضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، لَا سِيَّمَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَذْكُرْ تَكْبِيرًا وَلَا تَسْلِيمًا.
فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ بِهِ مُتَعَلَّقٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الْجِنَازَةِ، فَكَيْفَ وَلَوْ صَحَّ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ؟ لَوَجَبَ الرَّدُّ عِنْدَ تَنَازُعِهِمْ إلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّدِّ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
وَقَدْ قَالَ ﵇ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» وَقَالُوا: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ قَرَءُوهَا عَلَى أَنَّهُ دُعَاءٌ
فَقُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ ثَبَتَ عَنْهُمْ الْأَمْرُ بِقِرَاءَتِهَا، وَأَنَّهَا سُنَّتُهَا، فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: لَعَلَّهُمْ قَرَءُوهَا عَلَى أَنَّهَا دُعَاءٌ -: كَذِبٌ بَحْتٌ؟ ثُمَّ لَا نَدْرِي مَا الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قِرَاءَتِهَا حَتَّى يَتَقَحَّمُوا فِي الْكَذِبِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الضَّعِيفَةِ؟ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا صَلَاةٌ، وَيُوجِبُونَ فِيهَا: التَّكْبِيرَ، وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ، وَالْإِمَامَةَ لِلرِّجَالِ، وَالطَّهَارَةَ، وَالسَّلَامَ، ثُمَّ يُسْقِطُونَ الْقِرَاءَةَ
فَإِنْ قَالُوا: لَمَّا سَقَطَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالْجُلُوسُ: سَقَطَتْ الْقِرَاءَةُ؟ قُلْنَا: وَمِنْ أَيْنَ يُوجَبُ هَذَا الْقِيَاسُ دُونَ قِيَاسِ الْقِرَاءَةِ عَلَى التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ؟ بَلْ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَكَانَ قِيَاسُ الْقِرَاءَةِ عَلَى التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ - لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ - أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ الْقِرَاءَةِ عَلَى عَمَلِ الْجَسَدِ، وَلَكِنْ هَذَا عِلْمُهُمْ بِالْقِيَاسِ وَالسُّنَنِ؟ وَهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الْعَمَلِ بِالْمَدِينَةِ، وَهَهُنَا أَرَيْنَاهُمْ عَمَلَ الصَّحَابَةِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَخَالَفُوهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
стр. 1159
[مَسْأَلَةٌ الدُّعَاء عَلَى الْجِنَازَةِ]
مَسْأَلَةٌ: وَأَحَبُّ الدُّعَاءِ إلَيْنَا عَلَى الْجِنَازَةِ هُوَ مَا -: حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ، وَثَلْجٍ، وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَقِه فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَعَذَابَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ» .
وَمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الرَّقِّيُّ ثنا شُعَيْبٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ - عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا، وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» .
فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَلْيَقُلْ " اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِك " لِلْأَثَرِ الَّذِي صَحَّ أَنَّ الصِّغَارَ مَعَ إبْرَاهِيمَ ﷺ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ.
وَمَا دَعَا بِهِ فَحَسَنٌ؟
[مَسْأَلَةٌ اللَّحْد]
٥٧٦ - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ اللَّحْدَ، وَهُوَ الشَّقُّ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْقَبْرِ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الضَّرِيحِ، وَهُوَ الشَّقُّ فِي وَسَطِ الْقَبْرِ. وَنَسْتَحِبُّ اللَّبِنَ أَنْ تُوضَعَ عَلَى فَتْحِ اللَّحْدِ، وَنَكْرَهُ الْخَشَبَ، وَالْقَصَبَ، وَالْحِجَارَةَ. وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ؟ -:
стр. 1160
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمِسْوَرِيُّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَمِّهِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ أَبَاهُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ " أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ "
[مَسْأَلَةٌ بِنَاءُ الْقَبْرِ وَتَجْصِيصُهُ]
٥٧٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُبْنَى الْقَبْرُ، وَلَا أَنْ يُجَصَّصَ، وَلَا أَنْ يُزَادَ عَلَى تُرَابِهِ شَيْءٌ، وَيُهْدَمُ كُلُّ ذَلِكَ، فَإِنْ بُنِيَ عَلَيْهِ بَيْتٌ أَوْ قَائِمٌ: لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَشَ اسْمَهُ فِي حَجَرٍ: لَمْ نَكْرَهْ ذَلِكَ؟ -: رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ثنا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَيٍّ حَدَّثَهُ قَالَ: «كُنَّا مَعَ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ، فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فُضَالَةُ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، وَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا» -: وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ [ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ] عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا» .
стр. 1161
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ أَنْذَرَ ﵇ بِمَوْضِعِ قَبْرِهِ بِقَوْلِهِ «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» وَأَعْلَمَ أَنَّهُ فِي بَيْتِهِ بِذَلِكَ.
وَلَمْ يُنْكِرْ ﵇ كَوْنَ الْقَبْرِ فِي بَيْتٍ، وَلَا نَهَى عَنْ بِنَاءٍ قَائِمٍ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ بِنَاءٍ عَلَى الْقَبْرِ: قُبَّةٍ فَقَطْ
وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ: كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ أَوْ تُطَيَّنَ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَفِيرِهَا؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: تَسْوِيَةُ الْقُبُورِ مِنْ السُّنَّةِ؟ وَعَنْ عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵁ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ، وَأَنْ تُرْفَعَ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ
стр. 1162
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَقَطَ الْحَائِطُ الَّذِي عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَسُتِرَ، ثُمَّ بُنِيَ، فَقُلْت لِلَّذِي سَتَرَهُ: ارْفَعْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ حَتَّى أَنْظُرَ إلَيْهِ، فَنَظَرْت إلَيْهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ جَبُوبٌ وَرَمْلٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رَمْلِ الْعَرْصَةِ؟
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ ثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ هَانِئٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْت: يَا أُمَّهُ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا لَاطِئَةٍ وَلَا مُشْرِفَةٍ، مَبْطُوحَةً بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ، فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُقَدَّمًا، وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَرِجْلَاهُ بَيْنَ كَتِفَيْ النَّبِيِّ ﷺ وَرَأَيْت عُمَرَ عِنْدَ رِجْلَيْ أَبِي بَكْرٍ ﵄.
[مَسْأَلَةٌ الْجُلُوس عَلَى الْقَبْرِ]
٥٧٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَيْنَ يَجْلِسُ: فَلْيَقِفْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، وَلَوْ اسْتَوْفَزَ وَلَمْ يَقْعُدْ لَمْ يَبْنِ أَنَّهُ يُحْرَجُ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» .
وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، كِلَاهُمَا: عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيَ عَنْ الْقُعُودِ عَلَى الْقَبْرِ: وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا بِيَسِيرٍ؟ وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» .
стр. 1163
فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ
وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ ﵃، مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ سَالِمٍ الْبَرَّادِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَأَنْ أَطَأَ عَلَى رَضْفٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرٍ
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ حَتَّى تَبْرُدَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَعَمَّدَ وَطْءَ قَبْرٍ لِي عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ حَتَّى تَبْرُدَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرٍ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ.
فَقَالَ قَائِلُونَ بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ، وَحَمَلُوا الْجُلُوسَ الْمُتَوَعَّدَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ لِلْغَائِطِ خَاصَّةً؟ وَهَذَا بَاطِلٌ بَحْتٌ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلُهَا - أَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَصَرْفٌ لِكَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا
وَثَانِيهَا - أَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ قَطْعًا، بِقَوْلِهِ ﵇ «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ: خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» .
وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ: أَنَّ الْقُعُودَ لِلْغَائِطِ لَا يَكُونُ هَكَذَا أَلْبَتَّةَ، وَمَا عَهِدْنَا قَطُّ أَحَدًا يَقْعُدُ عَلَى ثِيَابِهِ لِلْغَائِطِ إلَّا مَنْ لَا صِحَّةَ لِدِمَاغِهِ؟
وَثَالِثُهَا - أَنَّ الرُّوَاةَ لِهَذَا الْخَبَرِ لَمْ يَتَعَدَّوْا بِهِ وَجْهَهُ مِنْ الْجُلُوسِ الْمَعْهُودِ، وَمَا عَلِمْنَا قَطُّ فِي اللُّغَةِ - جَلَسَ فُلَانٌ - بِمَعْنَى تَغَوَّطَ، فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ؟
وَقَدْ ذَكَرْنَا تَحْرِيمَ الصَّلَاةِ إلَى الْقَبْرِ وَعَلَيْهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى مَحْمُودٌ؟
[مَسْأَلَةٌ الْمَشْي بَيْنَ الْقُبُورِ]
٥٧٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْشِيَ بَيْنَ الْقُبُورِ بِنَعْلَيْنِ سِبْتِيَّتَيْنِ وَهُمَا اللَّتَانِ لَا شَعْرَ فِيهِمَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا شَعْرٌ: جَازَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا بِشَعْرٍ، وَالْأُخْرَى بِلَا شَعْرٍ: جَازَ الْمَشْيُ فِيهِمَا؟ -:
стр. 1164
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ثنا وَكِيعٌ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ شَعْبَانَ - وَكَانَ ثِقَةً - عَنْ خَالِدِ بْنِ سَمِيرٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ «عَنْ بَشِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ الْخَصَاصِيَةِ - قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى رَجُلًا يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ فِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِهِمَا» ؟
وَحَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَصْرِيُّ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ثنا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ سَمِيرٍ أَخْبَرَنِي بَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ أَخْبَرَنِي بَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَةِ - وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ زَحْمٌ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشِيرًا - قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي بَيْنَ الْمَقَابِرِ وَعَلَيَّ نَعْلَانِ، إذْ نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، إذَا كُنْت فِي مِثْلِ هَذَا الْمَكَانِ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ، قَالَ: فَخَلَعْتُهُمَا» ؟ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قِيلَ - فَهَلَّا مَنَعْتُمْ مِنْ كُلِّ نَعْلٍ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇ «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» ؟ قُلْنَا: مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَجْهَانِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ﵇ إنَّمَا دَعَا صَاحِبَ سِبْتِيَّتَيْنِ، بِنَصِّ كَلَامِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ؟
وَالثَّانِي مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ ثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
стр. 1165
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ ﵇ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ، وَأَنَّ النَّاسَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَيَلْبَسُونَ النِّعَالَ فِي مَدَافِنِ الْمَوْتَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَلَى عُمُومِ إنْذَارِهِ ﵇ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَالْأَخْبَارُ لَا تُنْسَخُ أَصْلًا.
فَصَحَّ إبَاحَةُ لِبَاسِ النِّعَالِ فِي الْمَقَابِرِ، وَوَجَبَ اسْتِثْنَاءُ السِّبْتِيَّةِ مِنْهَا، لِنَصِّهِ ﵇ عَلَيْهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي بِمَا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ فَقَالَ: لَعَلَّ تَيْنِكَ النَّعْلَيْنِ كَانَ فِيهِمَا قَذَرٌ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ قَطَعَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ قَوَّلَهُ مَا لَمْ يَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَقْطَعْ بِذَلِكَ فَقَدْ حَكَمَ بِالظَّنِّ، وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَكِلَاهُمَا خُطَّتَا خَسْفٍ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُمَا؟
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: فَهَبْكَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؟ أَتَقُولُونَ: بِهَذَا أَنْتُمْ؟ فَتَمْنَعُونَ مِنْ الْمَشْيِ، بَيْنَ الْقُبُورِ بِنَعْلَيْنِ فِيهِمَا قَذَرٌ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَا؟ فَيُقَالُ لَهُمْ: فَأَيُّ رَاحَةٍ لَكُمْ فِي دَعْوَى كَاذِبَةٍ؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لِمَ تَقُولُوا بِهَا، وَلَبَقِيتُمْ مُخَالِفِينَ لِلْخَبَرِ بِكُلِّ حَالٍ؟ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: وَلَعَلَّ الْبِنَاءَ فِي الرُّعَافِ إنَّمَا هُوَ فِي الدَّمِ الْأَسْوَدِ لِشَبَهِهِ بِدَمِ الْحَيْضِ، وَلَعَلَّ فَسَادَ صَلَاةِ الرَّجُلِ إلَى جَنْبِ الْمَرْأَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ شَابَّةً خَوْفَ الْفِتْنَةِ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ
[مَسْأَلَةٌ الصَّلَاة عَلَى أجزاء الْمَيِّت]
٥٨٠ - مَسْأَلَةٌ: وَيُصَلَّى عَلَى مَا وُجِدَ مِنْ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ أَنَّهُ ظُفْرٌ أَوْ شَعْرٌ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ شَهِيدٍ فَلَا يُغَسَّلُ، لَكِنْ يُلَفُّ وَيُدْفَنُ؟ وَيُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَا يُوجَدُ مِنْهُ شَيْءٌ.
فَإِنْ وُجِدَ مِنْ الْمَيِّتِ عُضْوٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا غُسِّلَ أَيْضًا، وَكُفِّنَ، وَدُفِنَ، وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ثَانِيَةً، وَهَكَذَا أَبَدًا؟
стр. 1166
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ وُجُوبَ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَصَحَّ بِذَلِكَ غُسْلُ جَمِيعِ أَعْضَائِهِ - قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا - وَسَتْرُ جَمِيعِهَا بِالْكَفَنِ وَالدَّفْنِ، فَذَلِكَ بِلَا شَكٍّ وَاجِبٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ.
فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَوَاجِبٌ عَمَلُهُ فِيمَا أَمْكَنَ عَمَلُهُ فِيهِ، بِالْوُجُودِ مَتَى وُجِدَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ ذَلِكَ فِي الْأَعْضَاءِ الْمُفَرَّقَةِ بِلَا بُرْهَانٍ
وَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ عَلَى مَا وُجِدَ مِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى جَمِيعِهِ: جَسَدِهِ، وَرُوحِهِ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: إنْ وُجِدَ نِصْفُ الْمَيِّتِ الَّذِي فِيهِ الرَّأْسُ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الرَّأْسُ -: غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ؟ وَإِنْ وُجِدَ النِّصْفُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الرَّأْسُ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ الَّذِي فِيهِ الرَّأْسُ -: لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَا كُفِّنَ، وَلَا صُلِّيَ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَخْلِيطٌ نَاهِيَك بِهِ
وَقِيلَ لَهُمْ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى أَكْثَرِهِ وَاجِبَةٌ، وَعَلَى نِصْفِهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ؟ وَأَنْتُمْ قَدْ جَعَلْتُمْ الرُّبْعَ - فِيمَا أَنْكَشَفَ مِنْ بَطْنِ الْحُرَّةِ وَشَعْرِهَا - كَثِيرًا فِي حُكْمِ الْكُلِّ، وَجَعَلْتُمْ الْعُشْرَ - فِي بَعْضِ مَسَائِلِكُمْ أَيْضًا - فِي حُكْمِ الْكُلِّ؟ وَهُوَ مِنْ حَلْقِ عُشْرِ رَأْسِهِ، أَوْ عُشْرِ لِحْيَتِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، فَمِنْ أَيْنَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا؟
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵄: أَنَّهُمَا صَلَّيَا عَلَى رِجْلِ، إنْسَانٍ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ صَلَّى عَلَى عِظَامٍ وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى رَأْسٍ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ فَقَدْ جَاءَ بِهِ نَصٌّ قَاطِعٌ، أَغْنَى عَنْ النَّظَرِ، وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ
стр. 1167
تَجِبُ بِهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» عُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَائِبُ وَالْحَاضِرُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا، بَلْ فَرْضٌ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهِيَ فِيمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ نَدْبٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ؟ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا» .
وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ثنا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ " قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ الْحَبَشِ، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ، فَصَفَفْنَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ» .
وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا مُسَدَّدٌ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ. قَالَ جَابِرٌ: فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ قَوِيَّةٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . فَهَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَمَلُهُ وَعَمَلُ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ، فَلَا إجْمَاعَ أَصَحُّ مِنْ هَذَا، وَآثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ كَمَا أَوْرَدْنَا؟
وَمَنَعَ مِنْ هَذَا: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَادَّعَى أَصْحَابُهُمَا الْخُصُوصَ لِلنَّجَاشِيِّ، وَهَذِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قَالُوا: هَلْ فَعَلَ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَهَلْ جَاءَ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ زَجَرَ عَنْ هَذَا أَوْ أَنْكَرَهُ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ تَعَالَى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]
стр. 1168
[مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ]
مَسْأَلَةٌ: وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ عَلَى الْقَبْرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صُلِّيَ عَلَى الْمَدْفُونِ فِيهِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ: صُلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ مَا بَيْنَ دَفْنِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ دُفِنَ بَعْدَ أَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ لَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ عَلَى قَبْرِهِ؟
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ؟
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَإِنْ كَانَ قَدْ صُلِّيَ عَلَى الْمَدْفُونِ فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ؟ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَى شَهْرٍ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؟
وَقَالَ إِسْحَاقُ: يُصَلِّي الْغَائِبُ عَلَى الْقَبْرِ إلَى شَهْرٍ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْحَاضِرُ إلَى ثَلَاثٍ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، فَقَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ» .
فَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ ﵇ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ خُصُوصٌ لَهُ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْكَلَامِ بَرَكَةُ صَلَاتِهِ ﵇ وَفَضِيلَتُهَا عَلَى صَلَاةِ غَيْرِهِ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيُ غَيْرِهِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ أَصْلًا، بَلْ قَدْ
стр. 1169
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ دَعْوَى الْخُصُوصِ هَهُنَا مَا رُوِّينَاهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ «انْتَهَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا»
قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: قُلْت لِعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: مَنْ حَدَّثَك؟ قَالَ: الثِّقَةُ، مَنْ شَهِدَهُ، ابْنُ عَبَّاسٍ.
فَهَذَا أَبْطَلَ الْخُصُوصَ، لِأَنَّ أَصْحَابَهُ ﵇، وَعَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللَّهِ صَلَّوْا مَعَهُ عَلَى الْقَبْرِ، فَبَطَلَتْ دَعْوَى الْخُصُوصِ
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُرْعُرَةَ السَّامِيِّ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ [عَنْ ثَابِتٍ] عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ لَا يَسَعُ الْخُرُوجُ عَنْهَا
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَبْرِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَلَا رَسُولُهُ ﵇، فَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِعْلُ خَيْرٍ، وَالدَّعْوَى بَاطِلٌ إلَّا بِبُرْهَانٍ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقَبْرِ وَعَلَى الْقَبْرِ مَانِعٌ مِنْ هَذَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا عَجَبٌ مَا مِثْلُهُ عَجَبٌ وَهُوَ أَنَّ الْمُحْتَجَّ بِهَذَا عَكَسَ الْحَقَّ عَكْسًا؛ لِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ إلَيْهِ.
أَوْ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَعَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: كُلُّ هَذَا مُبَاحٌ
وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فِي مَنْعِهِ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَبْرِ،
стр. 1170
وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فِي إبَاحَتِهِ الْحَرَامَ مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَإِلَى الْقَبْرِ، وَعَلَيْهِ؟ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي عَلَى الْقَبْرِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، كَانَ لَا يُصَلِّي سَائِرَ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْقَبْرِ، وَيُصَلِّي صَلَاةَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَبْرِ أَبَدًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ قَدْ صَحَّ مَا يُعَارِضُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ ﵁ صَلَّى صَلَاةَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَبْرِ، ثُمَّ لَوْ لَمْ يَأْتِ هَذَا عَنْهُ لَكَانَ قَدْ عَارَضَهُ مَا صَحَّ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، فَكَيْفَ وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَلَا يَصِحُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ وَرُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، فَحَمَلْنَاهُ فَجِئْنَا بِهِ مَكَّةَ فَدَفَنَّاهُ، فَقَدِمَتْ عَلَيْنَا عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: أَيْنَ قَبْرُ أَخِي؟ فَدَلَلْنَاهَا عَلَيْهِ، فَوَضَعَتْ فِي هَوْدَجِهَا عِنْدَ قَبْرِهِ فَصَلَّتْ عَلَيْهِ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَدِمَ وَقَدْ مَاتَ أَخُوهُ عَاصِمٌ، فَقَالَ: أَيْنَ قَبْرُ أَخِي؟ فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، لَا الدُّعَاءُ فَقَطْ
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ أَمَرَ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى قَبْرِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ بِقَوْمٍ جَاءُوا بَعْدَمَا دُفِنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ؟ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَيْضًا: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَمَا صُلِّيَ عَلَيْهَا؟ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ثنا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَمَا صُلِّيَ عَلَيْهَا وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إبَاحَةُ ذَلِكَ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَمَا صُلِّيَ عَلَيْهَا
стр. 1171
وَعَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَيْهَا.
فَهَذِهِ طَوَائِفُ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ؟ وَأَمَّا أَمْرُ تَحْدِيدِ الصَّلَاةِ بِشَهْرٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَخَطَأٌ لَا يُشْكِلُ، لِأَنَّهُ تَحْدِيدٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ حَدَّ بِهَذَا، أَوْ مَنْ حَدَّ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ كَافِرَةً فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَمَاتَتْ حَامِلًا]
٥٨٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَزَوَّجَ كَافِرَةً فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَمَاتَتْ حَامِلًا -: فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَلَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدُ: دُفِنَتْ مَعَ أَهْلِ دِينِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَالرُّوحُ قَدْ نُفِخَ فِيهِ: دُفِنَتْ فِي طَرَفِ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يُدْفَنَ مُسْلِمٌ مَعَ مُشْرِكٍ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ثنا وَكِيعٌ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ - وَكَانَ ثِقَةً - عَنْ خَالِدِ بْنِ سَمِيرٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ بَشِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ الْخَصَاصِيَةِ قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ شَرًّا كَثِيرًا، ثُمَّ مَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا» .
فَصَحَّ بِهَذَا تَفْرِيقُ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ.
وَالْحَمْلُ مَا لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّمَا هُوَ بَعْضُ جِسْمِ أُمِّهِ، وَمِنْ حَشْوَةِ بَطْنِهَا، وَهِيَ مَدْفُونَةٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَهُوَ خَلْقٌ آخَرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ، فَهُوَ حِينَئِذٍ إنْسَانٌ حَيٌّ غَيْرُ أُمِّهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَكَرًا وَهِيَ أُنْثَى، وَهُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ فَلَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُدْفَنَ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ، وَهِيَ كَافِرَةٌ، فَلَا تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَوَجَبَ أَنْ تُدْفَنَ بِنَاحِيَةٍ لِأَجْلِ ذَلِكَ
стр. 1172
رُوِّينَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَفَنَ امْرَأَةً نَصْرَانِيَّةً مَاتَتْ حُبْلَى مِنْ مُسْلِمٍ -: فِي مَقْبَرَةٍ لَيْسَتْ بِمَقْبَرَةِ النَّصَارَى، وَلَا بِمَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ ذَلِكَ.
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهَا تُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ وَلَدِهَا
[مَسْأَلَةٌ الصَّغِيرُ يُسْبَى مَعَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ دُونَهُمَا فَيَمُوتُ]
٥٨٣ - مَسْأَلَةٌ: وَالصَّغِيرُ يُسْبَى مَعَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ دُونَهُمَا فَيَمُوتُ -: فَإِنَّهُ يُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ فَهُوَ مُسْلِمٌ، إلَّا مَنْ أَقَرَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْكُفْرِ، وَلَيْسَ إلَّا مَنْ وُلِدَ بَيْنَ ذِمِّيَّيْنِ كَافِرَيْنِ، أَوْ حَرْبِيَّيْنِ كَافِرَيْنِ، وَلَمْ يُسْبَ حَتَّى بَلَغَ، وَمَا عَدَا هَذَيْنِ فَمُسْلِمٌ؟
[مَسْأَلَةٌ أَحَقُّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ]
٥٨٤ - مَسْأَلَةٌ: وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْمَيِّتَةِ: الْأَوْلِيَاءُ -: وَهُمْ: الْأَبُ وَآبَاؤُهُ، وَالِابْنُ وَأَبْنَاؤُهُ، ثُمَّ الْإِخْوَةُ الْأَشِقَّاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ، ثُمَّ الْأَعْمَامُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُوهُمْ، ثُمَّ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ، إلَّا أَنْ يُوصِيَ الْمَيِّتُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ، فَهُوَ أَوْلَى.
ثُمَّ الزَّوْجُ، ثُمَّ الْأَمِيرُ أَوْ الْقَاضِي، فَإِنْ صَلَّى غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا أَجْزَأَ -: بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ» يَدْخُلُ فِيهِ: ذُو الرَّحِمِ، وَالزَّوْجُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْحَدِيثِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَذُو الرَّحِمِ أَوْلَى بِالْآيَةِ، ثُمَّ الزَّوْجُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بِالْحَدِيثِ؟
رُوِّينَاهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْأَةِ: أَبٌ، أَوْ
стр. 1173
ابْنٌ، أَوْ أَخٌ: أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا مِنْ الزَّوْجِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا مَاتَتْ -: الْوَلِيُّ دُونَ الزَّوْجِ؟ وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا مَاتَتْ: الْأَخُ أَحَقُّ مِنْ الزَّوْجِ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ: كَانُوا يُقَدِّمُونَ الْأَئِمَّةَ عَلَى جَنَائِزِهِمْ، فَإِنْ تَدَارَءُوا فَالْوَلِيُّ، ثُمَّ الزَّوْجُ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَدَّمَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ -: سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ عَلَى وَلِيٍّ لَهُ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّهَا سُنَّةٌ مَا قَدَّمْتُك؟ وَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ لِإِخْوَةِ زَوْجَتِهِ: أَنَا أَحَقُّ مِنْكُمْ قُلْنَا: لَمْ نَدَّعِ لَكُمْ إجْمَاعًا فَتُعَارِضُونَا بِهَذَا، وَلَكِنْ إذَا تَنَازَعَ الْأَئِمَّةُ وَجَبَ الرَّدُّ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَفِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا أَوْرَدْنَا، وَلَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى الرَّدَّ فِي التَّنَازُعِ إلَى غَيْرِ كَلَامِهِ وَحُكْمِ نَبِيِّهِ ﷺ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: الْأَوْلِيَاءُ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا مِنْ الزَّوْجِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إنْ كَانَ وَلَدُهَا ابْنَ زَوْجِهَا الْحَاضِرُ فَالزَّوْجُ أَبُو الْوَلَدِ أَحَقُّ - وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ
[مَسْأَلَةٌ أَحَقُّ النَّاسِ بِإِنْزَالِ الْمَرْأَةِ فِي قَبْرِهَا]
٥٨٥ - مَسْأَلَةٌ: وَأَحَقُّ النَّاسِ بِإِنْزَالِ الْمَرْأَةِ فِي قَبْرِهَا مَنْ لَمْ يَطَأْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، حَضَرَ زَوْجُهَا أَوْ أَوْلِيَاؤُهَا أَوْ لَمْ يَحْضُرُوا، وَأَحَقُّهُمْ بِإِنْزَالِ الرَّجُلِ أَوْلِيَاؤُهُ؟
أَمَّا الرَّجُلُ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] وَهَذَا عُمُومٌ، لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَّا بِنَصٍّ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمُسْنَدِيُّ - ثنا أَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ -
стр. 1174
ثنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْت عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، قَالَ: فَانْزِلْ؟ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا» .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ثنا رَوْحُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ رُقَيَّةُ ابْنَتُهُ ﵂: لَا يَدْخُلْ الْقَبْرَ رَجُلٌ قَارَفَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَدْخُلْ عُثْمَانُ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمُقَارَفَةُ الْوَطْءُ، لَا مُقَارَفَةُ الذَّنْبِ.
وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَزَكَّى أَبُو طَلْحَةَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ لَمْ يُقَارِفْ ذَنْبًا.
فَصَحَّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَطَأْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوْلَى مِنْ الْأَبِ وَالزَّوْجِ وَغَيْرِهِمَا؟
[مَسْأَلَةٌ الْوَصِيَّة بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْمُوصِي غَيْرُ الْوَلِيِّ وَغَيْرُ الزَّوْجِ]
٥٨٦ - بَقِيَّةٌ مِنْ الْمَسْأَلَةِ: الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاسْتَدْرَكْنَا الْوَصِيَّةَ بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْمُوصِي غَيْرُ الْوَلِيِّ وَغَيْرُ الزَّوْجِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى - وَقَدْ ذَكَرَ وَصِيَّةَ الْمُحْتَضَرِ - قَالَ ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ غَيْرُ أَمِيرٍ وَلَا وَلِيٍّ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا وَلَا مِنْ قَوْمِهَا، وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ: أَنَّ أَبَا مَيْسَرَةَ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ شُرَيْحٌ وَلَيْسَ مِنْ قَوْمِهِ.
стр. 1175
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ: أَنَّ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيَّ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ.
[مَسْأَلَةٌ تَقْبِيلُ الْمَيِّتِ]
٥٨٧ - مَسْأَلَةٌ: وَتَقْبِيلُ الْمَيِّتِ جَائِزٌ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ أَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، - أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ - تَعْنِي إذْ مَاتَ ﵇ قَالَتْ: فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
[مَسْأَلَةٌ يُسَجَّى الْمَيِّتُ بِثَوْبٍ وَيُجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ مَا يَمْنَعُ انْتِفَاخَهُ]
٥٨٨ - مَسْأَلَةٌ: وَيُسَجَّى الْمَيِّتُ بِثَوْبٍ وَيُجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ مَا يَمْنَعُ انْتِفَاخَهُ -: أَمَّا التَّسْجِيَةُ - فَلِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُلُّ مَا فُعِلَ فِيهِ ﷺ فَهُوَ حَقٌّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]
وَهَذَا عُمُومٌ، لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَّا بِنَصٍّ؟
وَأَمَّا قَوْلُنَا: يُوضَعُ عَلَى بَطْنِهِ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَكُلُّ مَا فِيهِ رِفْقٌ بِالْمُسْلِمِ وَدَفْعٌ لِلْمَثُلَةِ عَنْهُ، فَهُوَ بِرٌّ وَتَقْوَى؟
[مَسْأَلَةٌ الصِّيَاح وَضَرْب الْوَجْهِ وَالصَّدْرِ وَنَتْف الشَّعْرِ وَحَلْقُهُ لِلْمَيِّتِ]
٥٨٩ - مَسْأَلَةٌ: وَالصَّبْرُ وَاجِبٌ، وَالْبُكَاءُ مُبَاحٌ، مَا لَمْ يَكُنْ نَوْحٌ، فَإِنَّ النَّوْحَ حَرَامٌ، وَالصِّيَاحَ، وَخَمْشَ الْوُجُوهِ وَضَرْبَهَا، وَضَرْبَ الصَّدْرِ، وَنَتْفَ الشَّعْرِ وَحَلْقَهُ لِلْمَيِّتِ -: كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي هُوَ تَسَخُّطٌ لِأَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى، وَشَقُّ الثِّيَابِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا آدَم ثنا شُعْبَةُ ثنا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ،
стр. 1176
فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي؟» .
وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» .
وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنِي قُرَيْشٌ هُوَ ابْنُ حَيَّانَ - عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إنَّهَا رَحْمَةٌ، الْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ؟» .
فَهَذَا إبَاحَةُ الْحُزْنِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى دَفْعِهِ، وَ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَفِيهِ إبَاحَةُ الْبُكَاءِ، وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى
وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» .
стр. 1177
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ نا أَبَانُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ - نا يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَامٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ، النَّائِحَةُ إذَا مَاتَتْ وَلَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: أرنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ أَنَا أَبُو عُمَيْسٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا صَخْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَا (جَمِيعًا) : أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ، فَأَفَاقَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي - وَكَانَ يُحَدِّثُهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ»
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نَا أَصْبَغُ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَعَادَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَاشِيَتِهِ فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا، فَقَالَ: أَلَا
стр. 1178
تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا الْخَبَرُ بِتَمَامِهِ يُبَيِّنُ مَعْنَى مَا وَهَلَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» .
وَلَاحَ بِهَذَا أَنَّ هَذَا الْبُكَاءَ الَّذِي يُعَذَّبُ بِهِ الْمَيِّتُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي لَا يُعَذَّبُ بِهِ مِنْ دَمْعِ الْعَيْنِ، وَحُزْنِ الْقَلْبِ.
فَصَحَّ أَنَّهُ الْبُكَاءُ بِاللِّسَانِ، إذْ يُعَذِّبُونَهُ بِرِيَاسَتِهِ الَّتِي جَارَ فِيهَا فَعُذِّبَ عَلَيْهَا، وَشَجَاعَتِهِ الَّتِي يُعَذَّبُ عَلَيْهَا، إذْ صَرَفَهَا فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِجُودِهِ الَّذِي أَخَذَ مَا جَادَ بِهِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ فَأَهْلُهُ يَبْكُونَهُ بِهَذِهِ الْمَفَاخِرِ، وَهُوَ يُعَذَّبُ بِهَا بِعَيْنِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ لِمَنْ يَتَكَلَّفُ فِي ظَاهِرِ الْخَبَرِ مَا لَيْسَ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْبُكَاءَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَالَ: اللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى؟
[مَسْأَلَةٌ مَاتَ الْمُحْرِمُ بَعْد الْإِحْرَام وَقَبْل طُلُوع شَمْس يَوْمِ النَّحْرِ]
٥٩٠ - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ مَا بَيْنَ أَنْ يُحْرِمَ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إنْ كَانَ حَاجًّا، أَوْ أَنْ يُتِمَّ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ، إنْ كَانَ مُعْتَمِرًا -: فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنْ يُغَسَّلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ فَقَطْ - إنْ وُجِدَ السِّدْرُ -.
وَلَا يُمَسُّ بِكَافُورٍ وَلَا بِطَيِّبٍ، وَلَا يُغَطَّى وَجْهُهُ، وَلَا رَأْسُهُ؟ وَلَا يُكَفَّنُ إلَّا فِي ثِيَابِ إحْرَامِهِ فَقَطْ، أَوْ فِي ثَوْبَيْنِ غَيْرَ ثِيَابِ إحْرَامِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ فَكَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ رَأْسَهَا تُغَطَّى وَيُكْشَفُ وَجْهُهَا، وَلَوْ أُسْدِلَ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا فَلَا بَأْسَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُقَنَّعَ؟ فَمَنْ مَاتَ مِنْ مُحْرِمٍ، أَوْ مُحْرِمَةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَكَسَائِرِ الْمَوْتَى، رَمَى الْجِمَارَ أَوْ لَمْ يَرْمِهَا؟
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: هُمَا كَسَائِرِ الْمَوْتَى فِي كُلِّ ذَلِكَ -:
стр. 1179
بُرْهَانُ قَوْلِنَا -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نا شُعْبَةُ سَمِعْت أَبَا بِشْرٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْصَعَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَيُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ، خَارِجَ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي» وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ أَنَا أَبُو دَاوُد هُوَ الْحَفْرِيُّ - عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَاتَ رَجُلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَسِّلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثِيَابِهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا قُتَيْبَةُ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، إذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو النُّعْمَانِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَارِمٌ - نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تَمَسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا» .
стр. 1180
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ الْحَكَمِ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ» .
فَهَذَا لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ كَالشَّمْسِ صِحَّةً، رَوَاهُ شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَمَنْصُورٌ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. وَرَوَاهُ قَبْلَهُمْ أَبُو بِشْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالْحَكَمُ، وَأَيُّوبُ، وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ كُلُّهُمْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ شَهِدَ الْقِصَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، آخِرَ حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَحَّتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْخَبَرِ كُلُّهَا، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْهَا
، وَأَمَرَ ﵇ بِذَلِكَ فِي مُحْرِمٍ سُئِلَ عَنْهُ، وَالْمُحْرِمُ يَعُمُّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، وَالْبَعْثُ وَالتَّلْبِيَةُ يَجْمَعُهُمَا، وَبِهِمَا جَاءَ الْأَثَرُ، وَالسَّبَبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّكُمْ تُجِيزُونَ لِلْمُحْرِمِ الْحَقَّ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ، وَتَمْنَعُونَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ الِاعْتِرَاضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَأْمُرْ الْمُحْرِمَ الْحَيَّ بِكَشْفِ وَجْهِهِ، وَأَمَرَ بِذَلِكَ فِي الْمَيِّتِ، فَوَقَفْنَا عِنْدَ أَمْرِهِ ﵇، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]
وَمَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنْ لَا يُفَرِّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ حُكْمِ الْمُحْرِمِ الْحَيِّ وَالْمُحْرِمِ الْمَيِّتِ؟ أَمْ فِي أَيِّ سُنَّةٍ وَجَدُوا ذَلِكَ أَمْ فِي أَيِّ دَلِيلِ عَقْلٍ؟
ثُمَّ هُمْ أَوَّلُ قَائِلِينَ بِهَذَا نَفْسِهِ، فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ حُكْمِ الْمُحْرِمِ الْحَيِّ وَالْمُحْرِمِ الْمَيِّتِ بِآرَائِهِمْ الْفَاسِدَةِ، وَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا: خُصُوصٌ لِذَلِكَ الْمُحْرِمِ. فَقُلْنَا: هَذَا الْكَذِبُ مِنْكُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا أَفْتَى بِذَلِكَ فِي الْمُحْرِمِ يَمُوتُ إذْ
стр. 1181
سُئِلَ عَنْهُ، كَمَا أَفْتَى فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، وَكَمَا أَفْتَى أُمَّ سَلَمَةَ فِي أَنْ لَا تَحِلَّ ضَفْرَ رَأْسِهَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَسَائِرِ مَا اُسْتُفْتِيَ فِيهِ ﵇؟ فَأَفْتَى فِيهِ فَكَانَ عُمُومًا؟ .
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا أَنَّهُمْ أَتَوْا إلَى قَوْلِهِ ﵇ «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّدًا» وَيُلَبِّي " " وَيُهِلُّ " فَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ، وَأَوْقَفُوهُ عَلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ، وَأَتَوْا إلَى مَا خَصَّهُ ﵇ مِنْ الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ -: فَتَعَدَّوْا بِحُكْمِهَا إلَى مَا لَمْ يَحْكُمْ ﵇ قَطُّ بِهَذَا الْحُكْمِ فِيهِ فَإِنَّمَا أَوْلَعُوا بِمُخَالَفَةِ الْأَوَامِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عُمَرَ: تَحْنِيطُ الْمُحْرِمِ إذَا مَاتَ، وَتَطْيِيبُهُ، وَتَخْمِيرُ رَأْسِهِ؟
قُلْنَا: وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُثْمَانَ، وَغَيْرِهِ خِلَافُ ذَلِكَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ مُعْتَمِرًا مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَمَاتَ بِالسُّقْيَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَمْ يُغَيِّبْ عُثْمَانُ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُمْسِسْهُ طِيبًا، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ -: وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا أَبِي قَالَ: تُوُفِّيَ عُبَيْدُ بْنُ يَزِيدَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يُغَيِّبْ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ رَأْسَهُ فِي النَّعْشِ -: وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ، يُغْسَلُ رَأْسُهُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ، وَلَا يَمَسُّ طِيبًا؟ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ وَالْعَجَبُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَهُمْ يَدَّعُونَ الْإِجْمَاعَ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذَا كَدَعْوَاهُمْ فِي الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ: ثَمَانِينَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَالَفَ ابْنُ عُمَرَ عُثْمَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا؟
قُلْنَا: وَقَدْ خَالَفَ: عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَالْحَسَنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: فِي حَدِّ الْخَمْرِ بَعْدَ عُمَرَ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا؟ وَإِذَا تَنَازَعَ السَّلَفُ فَالْفَرْضُ عَلَيْنَا رَدُّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لَا إلَى قَوْلِ أَحَدٍ دُونَهُمَا؟
стр. 1182
وَمِنْ طَرَائِفِ الدُّنْيَا احْتِجَاجُهُمْ فِي هَذَا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «خَمِّرُوا وُجُوهَهُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» .
وَهَذَا بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلُهَا - أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ؟ وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ - لَوْ صَحَّ - عَلَى أَنَّهُ فِي الْمُحْرِمِ أَصْلًا، بَلْ كَانَ يَكُونُ فِي سَائِرِ الْمَوْتَى؟ وَثَالِثُهَا - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَهُ ﵇ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ، وَالْيَهُودُ لَا تَكْشِفُ وُجُوهَ مَوْتَاهَا.
فَصَحَّ أَنَّهُ بَاطِلٌ، سَمِعَهُ عَطَاءٌ مِمَّنْ لَا خَيْرَ فِيهِ أَوْ مِمَّنْ وَهَمَ وَالرَّابِعُ -: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ مُسْنَدًا فِي الْمُحْرِمِينَ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الْآخَرُ بِلَا شَكٍّ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَقُولَ ﵇ فِي أَمْرٍ أَمَرَ بِهِ أَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالْيَهُودِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَنْهَى عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، ثُمَّ يَأْمُرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، لَا تَشَبُّهًا بِهِمْ كَمَا قَالَ ﵇ فِي قَوْلِ الْيَهُودِيَّةِ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، ثُمَّ أَتَاهُ الْوَحْيُ بِصِحَّةِ عَذَابِ الْقَبْرِ
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ «إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ عَلَّمَهُ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَهَكَذَا نَقُولُ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ عَمَلُ غَيْرِهِ فِيهِ، بَلْ غَيْرُهُ مَأْمُورٌ فِيهِ بِأَعْمَالٍ مُفْتَرَضَةٍ، مِنْ غُسْلٍ، وَصَلَاةٍ، وَدَفْنٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْعَمَلُ لَيْسَ هُوَ عَمَلُ الْمُحْرِمِ الْمَيِّتِ، إنَّمَا هُوَ عَمَلُ الْأَحْيَاءِ - فَظَهَرَ تَخْلِيطُهُمْ وَتَمْوِيهُهُمْ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
стр. 1183
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]
وَهَذِهِ إحَالَةٌ مِنْهُمْ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَمْ نَقُلْ قَطُّ: إنَّ هَذَا مِنْ سَعْيِ الْمَيِّتِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ سَعْيِ الْأَحْيَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْمَيِّتِ كَمَا أُمِرْنَا بِأَنْ لَا نُغَسِّلَ الشَّهِيدَ وَلَا نُكَفِّنَهُ، وَأَنْ نَدْفِنَهُ فِي ثِيَابِهِ، وَلَيْسَ هُوَ عَمَلُ الشَّهِيدِ وَلَا سَعْيُهُ، لَكِنَّهُ عَمَلُنَا فِيهِ وَسَعْيُنَا لِأَنْفُسِنَا الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ فِيهِ وَلَا فَرْقَ؟
وَالْقَوْلُ مُتَحَكِّمُونَ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ وَلَا مَزِيدَ إلَّا إنْ كَانُوا يَحُومُونَ حَوْلَ أَنْ يَعْتَرِضُوا بِهَذَا كُلِّهِ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّدًا» يُلَبِّي " " وَيُهِلُّ " فَهَذَا رِدَّةٌ؟
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ ﵇ «إنَّ الْمُحْرِمَ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي وَيُهِلُّ وَمُلَبِّدًا» وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﵇ «إنَّ مَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» .
وَكُلُّ هَذِهِ فَضَائِلُ لَا تُنْسَخُ وَلَا تُرَدُّ، وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، فَهَلَّا قَالُوا: الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمَيِّتُ مُحْرِمًا: كِلَاهُمَا مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُكْمُ أَحَدِهِمَا خِلَافُ حُكْمِ الْمَوْتَى، فَكَذَلِكَ الْآخَرُ؟
وَلَكِنَّهُمْ لَا النُّصُوصَ يَتَّبِعُونَ، وَلَا الْقِيَاسَ يُحْسِنُونَ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الشَّبَهَ بَيْنَ الْجِهَادِ، وَالْحَجِّ أَقْرَبُ مِنْ الشَّبَهِ بَيْنَ السَّرِقَةِ، وَالنِّكَاحِ
[مَسْأَلَةٌ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ إذَا رَآهَا الْمَرْءُ]
؟ ٥٩١ - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ الْقِيَامَ لِلْجِنَازَةِ إذَا رَآهَا الْمَرْءُ - وَإِنْ كَانَتْ جِنَازَةَ كَافِرٍ - حَتَّى تُوضَعَ أَوْ تَخْلُفَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ فَلَا حَرَجَ
لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا قُتَيْبَةُ نَا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الْجِنَازَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يَخْلُفَهَا أَوْ تَخْلُفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْلُفَهُ» .
стр. 1184
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، كُلِّهِمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مُسْنَدًا. وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مُسْنَدًا.
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُسْلِمٌ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ - نَا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - نا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُعَاذُ بْنُ فُضَالَةَ نا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ «جَابِرٍ قَالَ مَرَّ بِنَا جِنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْنَا بِهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ؟ قَالَ: فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا»
وَبِهِ يَأْخُذُ أَبُو سَعِيدٍ - وَيَرَاهُ وَاجِبًا - وَابْنُ عُمَرَ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ - عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَسْعُودَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَعَدَ يَعْنِي لِلْجِنَازَةِ» فَكَانَ قُعُودُهُ ﷺ بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْقِيَامِ مُبَيِّنًا أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ، وَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَسْخًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ سُنَّةٍ مُتَيَقَّنَةٍ إلَّا بِيَقِينِ نَسْخٍ، وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنَّهْيِ، أَوْ بِتَرْكٍ مَعَهُ نَهْيٌ؟
стр. 1185
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ: قُمْت إلَى جَنْبِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ لِي: حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِيَامِ. ثُمَّ أَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ» فَهَلَّا قَطَعْتُمْ بِالنَّسْخِ بِهَذَا الْخَبَرِ؟
قُلْنَا: كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ، لَوْلَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْأَعْوَرُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَا جَمِيعًا: «مَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَهِدَ جِنَازَةً قَطُّ فَجَلَسَ حَتَّى تُوضَعَ» .
فَهَذَا عَمَلُهُ ﵇ الْمُدَاوِمُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ مَا فَارَقَاهُ ﵇ حَتَّى مَاتَ، فَصَحَّ أَنَّ أَمْرَهُ بِالْجُلُوسِ إبَاحَةٌ وَتَخْفِيفٌ، وَأَمْرَهُ بِالْقِيَامِ وَقِيَامَهُ نَدْبٌ
وَمِمَّنْ كَانَ يَجْلِسُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ]
٥٩٢ - مَسْأَلَةٌ: وَيَجِبُ الْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ، وَنَسْتَحِبُّ أَنْ لَا يَزُولَ عَنْهَا مَنْ صَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَإِنْ انْصَرَفَ قَبْلَ الدَّفْنِ فَلَا حَرَجَ، وَلَا مَعْنَى لِانْتِظَارِ إذْنِ وَلِيِّ الْجِنَازَةِ؟
أَمَّا وُجُوبُ الْإِسْرَاعِ، فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو الطَّاهِرِ نا ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَرَّبْتُمُوهَا إلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . وَهُوَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ وَهُشَيْمٍ كِلَاهُمَا عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ «أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ
стр. 1186
رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّا لَنَكَادُ نَرْمُلُ بِالْجِنَازَةِ رَمَلًا» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ - الْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُغَفَّلٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا صَحِيحًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْإِسْرَاعُ بِهَا أَمْرٌ، وَهَذَا الْآخَرُ نَدْبٌ، وَفِي إبَاحَتِهِ ﵇ لِمَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ لَا يَشْهَدَ دَفْنَهَا وَجُعِلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ قِيرَاطُ أَجْرٍ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ -: بَيَانٌ جَلِيٌّ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِذْنِ صَاحِبِ الْجِنَازَةِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: إذَا صَلَّيْت عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَدْ قَضَيْت الَّذِي عَلَيْك، فَخَلِّهَا وَأَهْلَهَا، وَكَانَ يَنْصَرِفُ وَلَا يَسْتَأْذِنُهُمْ؟ وَبِهِ إلَى مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ كَانَ يَنْصَرِفُ وَلَا يَنْتَظِرُ إذْنَهُمْ، يَعْنِي فِي الْجِنَازَةِ وَبِهِ يَأْخُذُ مَعْمَرٌ.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ.
وَصَحَّ عَنْ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
[مَسْأَلَةٌ مَوْقِفُ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ]
٥٩٣ - مَسْأَلَةٌ: وَيَقِفُ الْإِمَامُ - إذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ - قُبَالَةَ رَأْسِهِ وَمِنْ الْمَرْأَةِ قُبَالَةَ وَسَطِهَا -: قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقِفُ مِنْ الرَّجُلِ قُبَالَةَ وَسَطِهِ، وَمِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْكِبِهَا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا: يَقِفُ قُبَالَةَ الصَّدْرِ مِنْ كِلَيْهِمَا؟ بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: نا دَاوُد بْنُ مُعَاذٍ نا عَبْدُ الْوَارِثِ
стр. 1187
عَنْ أَبِي غَالِبٍ نَافِعٍ قَالَ «شَهِدْت جِنَازَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَنَا خَلْفَهُ، فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ قَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ، الْمَرْأَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ فَقَرَّبُوهَا وَعَلَيْهَا نَعْشٌ أَخْضَرُ، فَقَامَ عَلَيْهَا عِنْدَ عَجِيزَتِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا نَحْوَ صَلَاتِهِ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ كَصَلَاتِكَ، يُكَبِّرُ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَيَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ»
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ فَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا، وَفِي آخِرِهِ: فَأَقْبَلَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: احْفَظُوا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مَكَانٌ خَالَفَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ أُصُولَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُشَنِّعُونَ بِخِلَافِ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ، وَهَذَا صَاحِبٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَقَدْ خَالَفُوهُ؟ وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ؟ وَلَا نَعْلَمُ لِمَنْ قَالَ: يَقِفُ فِي كِلَيْهِمَا عِنْدَ الْوَسَطِ -: حُجَّةً، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى وُقُوفِ الْإِمَامِ مُقَابِلَ وَسَطِ الصَّفِّ خَلْفَهُ، وَهَذَا أَسْخَفُ قِيَاسٍ فِي الْعَالَمِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ مَأْمُومًا لِلْإِمَامِ فَيَقِفُ وَسَطَهُ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ: يَقِفُ عِنْدَ الصَّدْرِ أَنَّهُمْ قَالُوا: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ اتِّخَاذِ النُّعُوشِ، فَيَسْتُرُ الْمَرْأَةَ مِنْ النَّاسِ وَهَذَا بَاطِلٌ، وَدَعْوَى كَاذِبَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ.
ثُمَّ مَعَ كَذِبِهِ بَارِدٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ وَإِنْ سَتَرَ عَجِيزَتَهَا عَنْ النَّاسِ لَمْ يَسْتُرْهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ وَالنَّاسُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ؟
[مَسْأَلَةٌ سَبُّ الْأَمْوَاتِ]
٥٩٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ سَبُّ الْأَمْوَاتِ عَلَى الْقَصْدِ بِالْأَذَى، وَأَمَّا تَحْذِيرٌ مِنْ كُفْرٍ أَوْ بِدْعَةٍ أَوْ مِنْ عَمَلٍ فَاسِدٍ: فَمُبَاحٌ، وَلَعْنُ الْكُفَّارِ: مُبَاحٌ؟
стр. 1188
لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا آدَم نا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا» .
وَقَدْ سَبَّ اللَّهُ تَعَالَى: أَبَا لَهَبٍ، وَفِرْعَوْنَ، تَحْذِيرًا مِنْ كُفْرِهِمَا
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وَأَخْبَرَ ﵇ «أَنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غَلَّهَا مِدْعَمٌ تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا» ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ
[مَسْأَلَةٌ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ شَهَادَةَ الْإِسْلَامِ]
٥٩٥ - مَسْأَلَةٌ: وَيَجِبُ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ الَّذِي يَمُوتُ فِي ذِهْنِهِ وَلِسَانُهُ مُنْطَلِقٌ - أَوْ غَيْرُ مُنْطَلِقٍ - شَهَادَةَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ".
لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَمْرٌو النَّاقِدُ نا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» .
وَصَحَّ هَذَا أَيْضًا عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: لَقِّنُونِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَسْرِعُوا بِي إلَى حُفْرَتِي وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ فِي ذِهْنِهِ فَلَا يُمْكِنُ تَلْقِينُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَلَقَّنُ؟ وَأَمَّا مَنْ مُنِعَ الْكَلَامَ فَيَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ، نَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرَ ذَلِكَ الْمَقَامِ
[مَسْأَلَةٌ تَغْمِيضُ عَيْنَيْ الْمَيِّتِ]
٥٩٦ - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ تَغْمِيضُ عَيْنَيْ الْمَيِّتِ إذَا قَضَى؟ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو نا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ» .
стр. 1189
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ أَمَرَ بِتَغْمِيضِ أَعْيُنِ الْمَوْتَى
[مَسْأَلَةٌ يَقُول الْمُصَابُ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ]
٥٩٧ - مَسْأَلَةٌ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ الْمُصَابُ " إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا ".
لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ سَمِعْتُ ابْنَ سَفِينَةَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إلَّا آجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» .
[مَسْأَلَةٌ الصَّلَاة عَلَى الْمَوْلُودِ يُولَدُ حَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ]
٥٩٨ - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَوْلُودِ يُولَدُ حَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ - اسْتَهَلَّ أَوْ لَمْ يَسْتَهِلَّ - وَلَيْسَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَرْضًا مَا لَمْ يَبْلُغْ؟
أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا فِعْلُ خَيْرٍ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَهْيٌ
أَمَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ نا يَعْقُوبُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «مَاتَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ وَلَكِنْ إنَّمَا فِيهِ تَرْكُ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْهَا، وَقَدْ جَاءَ أَثَرَانِ مُرْسَلَانِ بِأَنَّهُ ﵇ صَلَّى عَلَيْهِ، وَالْمُرْسَلُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ نا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» .
وَبِهَذَا يَأْخُذُ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ
стр. 1190
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: أَحَقُّ مَنْ صَلَّيْنَا عَلَيْهِ أَطْفَالُنَا -: وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مَنْفُوسٍ إنْ عَمِلَ خَطِيئَةً قَطُّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ - إذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوَرِثَ؟
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا تَمَّ خَلْقُهُ فَصَاحَ: صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوَرِثَ وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ: نا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَدْرَكْت بَقَايَا الْأَنْصَارِ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا مَاتَ
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ يَحْيَى: نا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: نا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ، ثُمَّ اتَّفَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَأَيُّوبُ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ قَالَ: صَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سِقْطٍ لَهُ لَا أَدْرِي اسْتَهَلَّ أَمْ لَا؟ هَذَا لَفْظُ أَيُّوبَ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: " مَوْلُودٍ " مَكَانَ " سِقْطٍ ".
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: السِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِأَبَوَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ؟
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ إذَا تَمَّ خَلْقُهُ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ -: وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ «عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو عَلَى الصَّغِيرِ كَمَا يَدْعُو عَلَى الْكَبِيرِ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا لَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ؟ فَقَالَ: وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ
стр. 1191
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟»
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ وَأَيُّوبَ، قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَالَ أَيُّوبُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَا جَمِيعًا: إذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَنُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ: صُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَرُوِّينَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي السِّقْطِ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ قَالَ قَتَادَةُ: وَيُسَمَّى، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ أَوْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاسْمِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى، وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ - ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» .
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا اسْتَهَلَّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا مَعْنَى لِلِاسْتِهْلَالِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ
وَقَالَ حَمَّادٌ: إذَا مَاتَ الصَّبِيُّ مِنْ السَّبْيِ لَيْسَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ صُلِّيَ عَلَيْهِ؟
وَرُوِيَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: أَنَّهُ مَاتَ لَهُ ابْنٌ قَدْ لَعِبَ مَعَ الصِّبْيَانِ وَاشْتَدَّ وَلَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، اسْمُهُ عُمَرُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَى الصَّبِيِّ؟
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ
[مَسْأَلَةٌ اتِّبَاع النِّسَاءِ الْجِنَازَةَ]
٥٩٩ - مَسْأَلَةٌ وَلَا نَكْرَهُ اتِّبَاعَ النِّسَاءِ الْجِنَازَةَ، وَلَا نَمْنَعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ؟ جَاءَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ آثَارٌ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَصِحُّ، لِأَنَّهَا: إمَّا مُرْسَلَةً، وَإِمَّا عَنْ مَجْهُولٍ، وَإِمَّا عَمَّنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ
وَأَشْبَهَ مَا فِيهِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» .
стр. 1192
وَهَذَا غَيْرُ مُسْنَدٍ؛ لِأَنَّنَا لَا نَدْرِي مَنْ هَذَا النَّاهِي؟ وَلَعَلَّهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ثُمَّ لَوْ صَحَّ مُسْنَدًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، بَلْ كَانَ يَكُونُ كَرَاهَةً فَقَطْ.
بَلْ قَدْ صَحَّ خِلَافُهُ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى عُمَرُ امْرَأَةً، فَصَاحَ بِهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهَا يَا عُمَرُ فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ» . وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ؟
[مَسْأَلَةٌ زِيَارَة الْقُبُورِ]
٦٠٠ - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ، وَهُوَ فَرْضٌ وَلَوْ مَرَّةً وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَزُورَ الْمُسْلِمُ قَبْرَ حَمِيمِهِ الْمُشْرِكِ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ سَوَاءٌ؟ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي سِنَانٍ هُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ»
стр. 1193
وَقَدْ صَحَّ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِمَا: زِيَارَةُ الْقُبُورِ؟ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ النَّهْيُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَصِحَّ
[مَسْأَلَةٌ مَا يَقُولهُ مِنْ حَضَرَ عَلَى الْقُبُورِ]
٦٠١ - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ لِمَنْ حَضَرَ عَلَى الْقُبُورِ أَنْ يَقُولَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ» .
[مَسْأَلَةٌ يُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةٌ فَصَاعِدًا]
٦٠٢ - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَصَاعِدًا؟ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى نا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيعِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ: إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» .
قَالَ: فَحَدَّثْت بِهِ شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَابِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 1194
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ «يُصَلِّي عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ» رَوَاهُ شُرَيْكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الشَّفِيعُ يَكُونُ بَعْدَ الْعِقَابِ، إلَّا أَنَّهُ مُخَفِّفٌ مَا قَدْ قَضَى اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْلَا الشَّفَاعَةُ لَمْ يُخَفِّفْ، وَشَفَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ الشَّفَاعَاتِ تَكُونُ قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ وَبَعْدَ دُخُولِ النَّارِ كَمَا جَاءَتْ - الْآثَارُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ
[مَسْأَلَةٌ إدْخَالُ الْمَوْتَى فِي الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ]
٦٠٣ - مَسْأَلَةٌ وَإِدْخَالُ الْمَوْتَى فِي الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ حَسَنٌ كُلُّهُ، وَأَفْضَلُ مَكَان صُلِّيَ فِيهِ عَلَى الْمَوْتَى فِي دَاخِلَ الْمَسَاجِدِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ؟ بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ: نا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ نا بَهْزُ هُوَ ابْنُ أَسَدٍ - نا وُهَيْبٍ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - نَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ حَمْزَةَ - عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ «لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَمُرُّوا بِجِنَازَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا، فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ ثُمَّ أُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَبَلَغَهُنَّ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَانَتْ الْجَنَائِزُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إلَى أَنْ يَعِيبُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ؟ عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِالْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ إلَّا فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ» ؟
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَا عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «وَاَللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ - سُهَيْلٍ، وَأَخِيهِ - فِي الْمَسْجِدِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ
стр. 1195
عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ رَأَى النَّاسَ يَخْرُجُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ لِيُصَلُّوا عَلَى جِنَازَةٍ، فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ مَا صُلِّيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ
وَمِنْ طَرِيق ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَهَذِهِ أَسَانِيدُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَفِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ، لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا أَصْلًا؟
قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ شَهِدَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا خِيَارُ الْأُمَّةِ، فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ، فَأَيْنَ الْمُشَنِّعُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ -؟ : وَاحْتَجَّ مَنْ قَلَّدَ مَالِكًا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» .
قَالَ: وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا تَضَايَقَ بِهِمْ الْمَكَانُ رَجَعُوا وَلَمْ يُصَلُّوا؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَأَعْرِفَنَّ مَا صَلَّيْت عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَيِّتُ جِيفَةٌ، وَيَنْبَغِي تَجْنِيبُ الْجِيَفِ الْمَسَاجِدَ؟ مَا نَعْلَمُ لَهُ شَيْئًا مَوَّهُوا بِهِ غَيْرَ هَذَا، وَهُوَ كُلُّهُ لَا شَيْءَ
أَمَّا الْخَبَرُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إلَّا صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، وَهُوَ سَاقِطٌ؟
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا تَقْلِيدُ الْمَالِكِيِّينَ مَالِكًا دِينَهُمْ، فَإِذَا جَاءَتْ شَهَادَتُهُ الَّتِي لَا يَحِلُّ رَدُّهَا - لِثِقَتِهِ - اطَّرَحُوهَا وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهَا فَوَاخِلَافَاهُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: نا
следующие страницы →