Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟»
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ وَأَيُّوبَ، قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَالَ أَيُّوبُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَا جَمِيعًا: إذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَنُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ: صُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَرُوِّينَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي السِّقْطِ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ قَالَ قَتَادَةُ: وَيُسَمَّى، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ أَوْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاسْمِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى، وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ - ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» .
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا اسْتَهَلَّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا مَعْنَى لِلِاسْتِهْلَالِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ
وَقَالَ حَمَّادٌ: إذَا مَاتَ الصَّبِيُّ مِنْ السَّبْيِ لَيْسَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ صُلِّيَ عَلَيْهِ؟
وَرُوِيَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: أَنَّهُ مَاتَ لَهُ ابْنٌ قَدْ لَعِبَ مَعَ الصِّبْيَانِ وَاشْتَدَّ وَلَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، اسْمُهُ عُمَرُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَى الصَّبِيِّ؟
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ
[مَسْأَلَةٌ اتِّبَاع النِّسَاءِ الْجِنَازَةَ]
٥٩٩ - مَسْأَلَةٌ وَلَا نَكْرَهُ اتِّبَاعَ النِّسَاءِ الْجِنَازَةَ، وَلَا نَمْنَعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ؟ جَاءَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ آثَارٌ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَصِحُّ، لِأَنَّهَا: إمَّا مُرْسَلَةً، وَإِمَّا عَنْ مَجْهُولٍ، وَإِمَّا عَمَّنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ
وَأَشْبَهَ مَا فِيهِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» .
стр. 1192
وَهَذَا غَيْرُ مُسْنَدٍ؛ لِأَنَّنَا لَا نَدْرِي مَنْ هَذَا النَّاهِي؟ وَلَعَلَّهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ثُمَّ لَوْ صَحَّ مُسْنَدًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، بَلْ كَانَ يَكُونُ كَرَاهَةً فَقَطْ.
بَلْ قَدْ صَحَّ خِلَافُهُ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى عُمَرُ امْرَأَةً، فَصَاحَ بِهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهَا يَا عُمَرُ فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ» . وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ؟
[مَسْأَلَةٌ زِيَارَة الْقُبُورِ]
٦٠٠ - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ، وَهُوَ فَرْضٌ وَلَوْ مَرَّةً وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَزُورَ الْمُسْلِمُ قَبْرَ حَمِيمِهِ الْمُشْرِكِ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ سَوَاءٌ؟ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي سِنَانٍ هُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ»
стр. 1193
وَقَدْ صَحَّ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِمَا: زِيَارَةُ الْقُبُورِ؟ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ النَّهْيُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَصِحَّ
[مَسْأَلَةٌ مَا يَقُولهُ مِنْ حَضَرَ عَلَى الْقُبُورِ]
٦٠١ - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ لِمَنْ حَضَرَ عَلَى الْقُبُورِ أَنْ يَقُولَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ» .
[مَسْأَلَةٌ يُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةٌ فَصَاعِدًا]
٦٠٢ - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَصَاعِدًا؟ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى نا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيعِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ: إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» .
قَالَ: فَحَدَّثْت بِهِ شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَابِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 1194
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ «يُصَلِّي عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ» رَوَاهُ شُرَيْكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الشَّفِيعُ يَكُونُ بَعْدَ الْعِقَابِ، إلَّا أَنَّهُ مُخَفِّفٌ مَا قَدْ قَضَى اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْلَا الشَّفَاعَةُ لَمْ يُخَفِّفْ، وَشَفَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ الشَّفَاعَاتِ تَكُونُ قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ وَبَعْدَ دُخُولِ النَّارِ كَمَا جَاءَتْ - الْآثَارُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ
[مَسْأَلَةٌ إدْخَالُ الْمَوْتَى فِي الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ]
٦٠٣ - مَسْأَلَةٌ وَإِدْخَالُ الْمَوْتَى فِي الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ حَسَنٌ كُلُّهُ، وَأَفْضَلُ مَكَان صُلِّيَ فِيهِ عَلَى الْمَوْتَى فِي دَاخِلَ الْمَسَاجِدِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ؟ بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ: نا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ نا بَهْزُ هُوَ ابْنُ أَسَدٍ - نا وُهَيْبٍ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - نَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ حَمْزَةَ - عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ «لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَمُرُّوا بِجِنَازَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا، فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ ثُمَّ أُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَبَلَغَهُنَّ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَانَتْ الْجَنَائِزُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إلَى أَنْ يَعِيبُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ؟ عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِالْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ إلَّا فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ» ؟
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَا عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «وَاَللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ - سُهَيْلٍ، وَأَخِيهِ - فِي الْمَسْجِدِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ
стр. 1195
عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ رَأَى النَّاسَ يَخْرُجُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ لِيُصَلُّوا عَلَى جِنَازَةٍ، فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ مَا صُلِّيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ
وَمِنْ طَرِيق ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَهَذِهِ أَسَانِيدُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَفِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ، لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا أَصْلًا؟
قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ شَهِدَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا خِيَارُ الْأُمَّةِ، فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ، فَأَيْنَ الْمُشَنِّعُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ -؟ : وَاحْتَجَّ مَنْ قَلَّدَ مَالِكًا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» .
قَالَ: وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا تَضَايَقَ بِهِمْ الْمَكَانُ رَجَعُوا وَلَمْ يُصَلُّوا؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَأَعْرِفَنَّ مَا صَلَّيْت عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَيِّتُ جِيفَةٌ، وَيَنْبَغِي تَجْنِيبُ الْجِيَفِ الْمَسَاجِدَ؟ مَا نَعْلَمُ لَهُ شَيْئًا مَوَّهُوا بِهِ غَيْرَ هَذَا، وَهُوَ كُلُّهُ لَا شَيْءَ
أَمَّا الْخَبَرُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إلَّا صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، وَهُوَ سَاقِطٌ؟
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا تَقْلِيدُ الْمَالِكِيِّينَ مَالِكًا دِينَهُمْ، فَإِذَا جَاءَتْ شَهَادَتُهُ الَّتِي لَا يَحِلُّ رَدُّهَا - لِثِقَتِهِ - اطَّرَحُوهَا وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهَا فَوَاخِلَافَاهُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: نا
стр. 1196
أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ - نا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ هُوَ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ: سَأَلْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ.
فَكَذَّبُوا مَالِكًا فِي تَجْرِيحِهِ صَالِحًا وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَةِ صَالِحٍ فِي رَدِّ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ؟ وَأَمَّا الْمُنْكِرُونَ إدْخَالَ سَعْدٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ إلَّا تَجْهِيلُهُمْ، وَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، فَصَحَّ أَنَّهُمْ عَامَّةٌ جُهَّالٌ أَوْ أَعْرَابٌ كَذَلِكَ بِلَا شَكٍّ
وَلَا يَصِحُّ لِكَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ صُحْبَةٌ؟ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمَيِّتُ جِيفَةٌ، فَقَوْلُهُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، بَلْ لَعَلَّهُ إنْ تَمَادَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَنَاقَضْ خَرَجَ إلَى الْكُفْرِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْأَنْبِيَاءِ ﵈.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» فَبَطَلَ قَوْلُ هَذَا الْجَاهِلِ.
وَصَحَّ أَنَّ الْمُؤْمِنَ: طَاهِرٌ طَيِّبٌ حَيًّا وَمَيِّتًا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[مَسْأَلَةٌ يُبْسَط فِي الْقَبْرِ تَحْتَ الْمَيِّتِ ثَوْبٌ]
٦٠٤ - مَسْأَلَةٌ - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبْسَطَ فِي الْقَبْرِ تَحْتَ الْمَيِّتِ ثَوْبٌ؟ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا شُعْبَةُ نا أَبُو جَمْرَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بُسِطَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ» .
وَرَوَاهُ أَيْضًا كَذَلِكَ وَكِيعٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِإِسْنَادِهِ؟
وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا يُكْسَاهُ الْمَيِّتُ فِي كَفَنِهِ، وَقَدْ تَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْعَمَلَ فِي دَفْنِ رَسُولِهِ الْمَعْصُومِ مِنْ النَّاسِ.
وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ، وَفَعَلَهُ خِيَرَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِإِجْمَاعٍ مِنْهُمْ، لَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
стр. 1197
وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ الْمَالِكِيُّونَ، وَهُمْ يَدَعُونَ فِي أَقَلِّ مِنْ هَذَا عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ تَرَكُوا عَمَلَهُمْ هُنَا، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي حَدِيثِ صَخْرٍ: أَنَّهُ عَمَلُهُمْ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
[مَسْأَلَةٌ تَشْيِيع الْجِنَازَةِ]
٦٠٥ - مَسْأَلَةٌ وَحُكْمُ تَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَكُونَ الرُّكْبَانُ خَلْفَهَا، وَأَنْ يَكُونَ الْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ، عَنْ يَمِينِهَا أَوْ شِمَالِهَا أَوْ أَمَامِهَا أَوْ خَلْفِهَا، وَأَحَبُّ ذَلِكَ إلَيْنَا خَلْفُهَا؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَا آنِفًا فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا» .
وَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا أَبُو الْوَلِيدِ هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - نا شُعْبَةُ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: سَمِعْت مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْد بْنِ مُقَرِّنٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَفْظُ الِاتِّبَاعِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى التَّالِي، وَلَا يُسَمَّى الْمُتَقَدِّمُ تَابِعًا، بَلْ هُوَ مَتْبُوعٌ، فَلَوْلَا الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا، وَالْخَبَرُ الَّذِي رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي نا أَبِي نا هَمَّامٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى - نا سُفْيَانُ وَمَنْصُورٌ وَزِيَادٌ كُلُّهُمْ ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ يَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيْ الْجِنَازَةِ» : لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَشْيُ خَلْفَهَا فَرْضًا لَا يُجْزِي غَيْرُهُ، لِلْأَمْرِ الْوَارِدِ بِاتِّبَاعِهَا، وَلَكِنْ هَذَانِ الْخَبَرَانِ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا نَدْبٌ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا بِنَسْخٍ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ كُلِّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ.
стр. 1198
وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: أَنَّ خَبَرَ هَمَّامٍ هَذَا خَطَأٌ، وَلَكِنَّا لَا نَلْتَفِتُ إلَى دَعْوَى الْخَطَأِ فِي رِوَايَةِ الثِّقَةِ إلَّا بِبَيَانٍ لَا يُشَكُّ فِيهِ؟ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحُمَيْدِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ؟
وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ فِيهَا إيجَابُ الْمَشْيِ خَلْفَهَا، لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا أَبَا مَاجِدٍ الْحَنَفِيَّ، وَالْمُطَرِّحَ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زُحَرٍ وَكُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ.
وَفِي الصَّحِيحِ الَّذِي أَوْرَدْنَا كِفَايَةٌ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ قَالَ السَّلَفُ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَائِدَةَ بْنِ أَوْسٍ الْكِنْدِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْت مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي جِنَازَةٍ، وَعَلِيٌّ آخِذٌ بِيَدِي، وَنَحْنُ خَلْفَهَا، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَمَامَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: إنَّ فَضْلَ الْمَاشِي خَلْفَهَا عَلَى الَّذِي يَمْشِي أَمَامَهَا كَفَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ، وَإِنَّهُمَا لَيَعْلَمَانِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَعْلَمُ، وَلَكِنَّهُمَا يُسَهِّلَانِ عَلَى النَّاسِ
وَبِهَذَا يَقُولُ سُفْيَانُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْمَشْيِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ فَقَالَ: إنَّمَا أَنْتَ مُشَيِّعٌ، فَامْشِ إنْ شِئْت أَمَامَهَا، وَإِنْ شِئْت خَلْفَهَا، وَإِنْ شِئْت عَنْ يَمِينِهَا وَإِنْ شِئْت عَنْ يَسَارِهَا؟
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: الْمَشْيُ وَرَاءَ الْجِنَازَةِ خَيْرٌ أَمْ أَمَامَهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ مَالِكٌ: الْمَشْيُ أَمَامُ أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُهُ بِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ،
стр. 1199
وَعُمَرَ -: وَعَلِيٌّ، قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَجَعَلُوا ظَنَّ مَالِكٍ أَصْدَقَ مِنْ خَبَرِ عَلِيٍّ
[مَسْأَلَةٌ الْمَيِّت بَلَعَ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا أَوْ لُؤْلُؤَةً]
٦٠٦ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ بَلَعَ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا أَوْ لُؤْلُؤَةً: شُقَّ بَطْنُهُ عَنْهَا، لِصِحَّةِ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى أَخْذِ غَيْرِ عَيْنِ مَالِهِ، مَا دَامَ عَيْنُ مَالِهِ مُمْكِنًا، لِأَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ أَوْلَى بِحَقِّهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
فَلَوْ بَلَعَهُ وَهُوَ حَيٌّ حُبِسَ حَتَّى يَرْمِيَهُ، فَإِنْ رَمَاهُ نَاقِصًا ضَمِنَ مَا نَقَصَ، فَإِنْ لَمْ يَرْمِهِ: ضَمِنَ مَا بَلَعَ؟ وَلَا يَجُوزُ شَقُّ بَطْنِ الْحَيِّ، لِأَنَّ فِيهِ قَتْلَهُ، وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَيِّتِ - وَلَا يَحِلُّ شَقُّ بَطْنِ الْمَيِّتِ بِلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ تَعَدٍّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] .
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» .
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَمْ نَكْسِرْ لَهُ عَظْمًا، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُرِيدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّهْيَ عَنْ غَيْرِ كَسْرِ الْعَظْمِ فَلَا يَذْكُرُ ذَلِكَ وَيَذْكُرُ كَسْرَ الْعَظْمِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأً شَهِدَ عَلَى مَنْ شَقَّ بَطْنَ آخَرَ بِأَنَّهُ كَسَرَ عَظْمَهُ لَكَانَ شَاهِدَ زُورٍ، وَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا الِاحْتِجَاجِ، وَلِهَذَا الْقِيَاسِ، فَلَا يَرَوْنَ الْقَوَدَ، وَلَا الْأَرْشَ: عَلَى كَاسِرِ عَظْمِ الْمَيِّتِ؟ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ فِي عَظْمِ الْحَيِّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ مَاتَتْ حَامِلٌ وَالْوَلَدُ حَيٌّ يَتَحَرَّكُ قَدْ تَجَاوَزَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ]
٦٠٧ - مَسْأَلَةٌ وَلَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ حَامِلٌ وَالْوَلَدُ حَيٌّ يَتَحَرَّكُ قَدْ تَجَاوَزَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يُشَقُّ بَطْنُهَا طُولًا وَيُخْرَجُ الْوَلَدُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]
стр. 1200
وَمَنْ تَرَكَهُ عَمْدًا حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ.
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ أَحْمَدَ ﵀: تُدْخِلُ الْقَابِلَةُ يَدَهَا فَتُخْرِجُهُ، لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ مُحَالٌ لَا يُمْكِنُ، وَلَوْ فُعِلَ ذَلِكَ لَمَاتَ الْجَنِينُ بِيَقِينٍ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَوْلَا دَفْعُ الطَّبِيعَةِ الْمَخْلُوقَةِ الْمَقْدُورَةِ لَهُ وَجُرَّ لِيَخْرُجَ لَهَلَكَ بِلَا شَكٍّ.
وَالثَّانِي - أَنَّ مَسَّ فَرْجِهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَرَامٌ.
[مَسْأَلَةٌ تَمَنَّيْ الْمَوْت]
٦٠٨ - مَسْأَلَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا لَكِنْ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَخَبَّابٍ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] فَلَيْسَ هَذَا عَلَى اسْتِعْجَالِ الْمَوْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، لَكِنْ عَلَى الدُّعَاءِ بِأَنْ لَا يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا تَوَفَّاهُ إلَّا مُسْلِمًا، وَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ الَّذِي لَا تَزَيُّدَ فِيهِ
[مَسْأَلَةٌ حَمْلُ النَّعْش]
٦٠٩ - مَسْأَلَةٌ وَيُحْمَلُ النَّعْشُ كَمَا يَشَاءُ الْحَامِلُ، إنْ شَاءَ مِنْ أَحَدِ قَوَائِمِهِ، وَإِنْ شَاءَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ؟ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْمِلُهُ مِنْ قَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ.
وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نا هُشَيْمٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ فَحَمَلَ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، ثُمَّ تَنَحَّى؟ ؟
стр. 1201
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا حُمَيْدٍ عَنْ مِنْدَلٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إنْ اسْتَطَعْت فَابْدَأْ بِالْقَائِمَةِ الَّتِي تَلِي يَدَهُ الْيَمِينَ، ثُمَّ أَطِفْ بِالسَّرِيرِ، وَإِلَّا فَكُنْ قَرِيبًا مِنْهَا؟
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاسَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي أَبَاهُ -: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ ثُمَّ يَتَطَوَّعُ بَعْدُ إنْ شَاءَ أَوْ لِيَدَعْ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: نا حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَبْدَأُ بِمَيَامِنِ السَّرِيرِ عَلَى عَاتِقِهِ الْيُمْنَى مِنْ مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ الرِّجْلِ الْيُمْنَى، ثُمَّ الرَّجُلِ الْيُسْرَى، ثُمَّ الْيَدِ الْيُسْرَى؟
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ ثَوْرٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ جُشَيْبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَالُوا: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ تَمَامِ أَجْرِ الْجِنَازَةِ أَنْ يُشَيِّعَهَا مِنْ أَهْلِهَا، وَأَنْ يَحْمِلَهَا بِأَرْكَانِهَا الْأَرْبَعِ، وَأَنْ يَحْثُوا فِي الْقَبْرِ؟
وَرُوِّينَا أَيْضًا ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ. قَالُوا: فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ: إنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ، وَلَا يُقَالُ: هَذَا إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَذَا الْقَوْلُ فَفَاسِدٌ، لِأَنَّ مِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا أَنْ يَأْتُوا إلَى قَوْلٍ لَمْ يَصِحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَلَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ الْقَطْعِ بِالْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ لَا يَلْتَفِتُونَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتِ عَنْهُ فِي قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إنَّهَا السُّنَّةُ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَصْدِيقُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، بِقَوْلِهِ ﵇: «لَا
стр. 1202
صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُضِيفَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا بِالظَّنِّ فَيَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.
وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا عَنْ ابْنِ عُمَرَ
وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَعَنْ مِنْدَلٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ؟
وَأَمَّا خَبَرَا ابْنِ مَسْعُودٍ فَمُنْقَطِعَانِ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَا يَذْكُرُ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا، وَعَامِرُ بْنُ جُشَيْبٍ غَيْرُ مَشْهُورٍ وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِ: خِلَافُ هَذَا؟
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكَ قَالَ: خَرَجْت مَعَ جِنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَرَأَيْت ابْنَ عُمَرَ جَاءَ فَقَامَ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ فِي مُقَدَّمِ السَّرِيرِ، فَوَضَعَ السَّرِيرَ عَلَى كَاهِلِهِ، فَلَمَّا وُضِعَ لِيُصَلَّى عَلَيْهِ خَلَّى عَنْهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الْمِهْزَمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَنْ حَمَلَ الْجِنَازَةَ ثَلَاثًا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ.
فَإِذْ لَيْسَ فِي حَمْلِهَا نَصٌّ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا اخْتِيَارَ فِي ذَلِكَ. وَكَيْفَمَا
стр. 1203
حَمَلَهَا الْحَامِلُ أَجْزَأَهُ.
[مَسْأَلَةٌ صَلَاة الْغَائِبِ]
٦١٠ - مَسْأَلَةٌ وَيُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ بِإِمَامٍ وَجَمَاعَةٍ.
قَدْ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّجَاشِيِّ ﵁ وَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ - وَصَلَّى مَعَهُ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ صُفُوفًا» ، وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ؟
[مَسْأَلَةٌ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ]
٦١١ - مَسْأَلَةٌ وَيُصَلَّى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، بَرٍّ، أَوْ فَاجِرٍ، مَقْتُولٍ فِي حَدٍّ، أَوْ فِي حِرَابَةٍ، أَوْ فِي بَغْيٍ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ، وَغَيْرُهُ - وَلَوْ أَنَّهُ شَرُّ مَنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، إذَا مَاتَ مُسْلِمًا لِعُمُومِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» وَالْمُسْلِمُ صَاحِبٌ لَنَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .
فَمَنْ مَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَدْ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا، وَإِنَّ الْفَاسِقَ لَأَحْوَجُ إلَى دُعَاءِ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْفَاضِلِ الْمَرْحُومِ؟
وَقَالَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى " مَاعِزٍ "؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَمْ نَقُلْ إنَّ فَرْضًا عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مَنْ رُجِمَ، إنَّمَا قُلْنَا: لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمَوْتَى، وَلَهُ أَنْ يُتْرَكَ كَسَائِرِ الْمَوْتَى، وَلَا فَرْقَ - وَقَدْ أَمَرَهُمْ ﵇ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَرْجُمْهُ مِمَّنْ رَجَمَهُ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ نا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ «مَاتَ رَجُلٌ بِخَيْبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَلُّوا
стр. 1204
عَلَى صَاحِبِكُمْ، إنَّهُ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ، فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ، لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَؤُلَاءِ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ - الْمُخَالِفُونَ لَنَا فِي هَذَا الْمَكَانِ - لَا يَرَوْنَ امْتِنَاعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَالِّ حُجَّةً فِي الْمَنْعِ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ، فَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ ﵇ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى " مَاعِزٍ " حُجَّةً فِي الْمَنْعِ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْمَرْجُومِ الْإِمَامُ؟ وَكِلَاهُمَا تَرْكٌ وَتَرْكٌ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ فَكَيْفَ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى مَنْ رُجِمَ؟ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ نا خَالِدُ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - نا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي زَنَيْتُ - وَهِيَ حُبْلَى - فَدَفَعَهَا إلَى وَلِيِّهَا، وَقَالَ لَهُ: أَحْسِنْ إلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ رَجَمَهَا، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ؟ قَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدَتْ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا» .
فَقَدْ صَلَّى ﵇ عَلَى مَنْ رُجِمَ فَإِنْ قِيلَ: تَابَتْ؟ قُلْنَا: وَ " مَاعِزٌ " تَابَ أَيْضًا وَلَا فَرْقَ
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ مَنْعِهِمْ الْإِمَامَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ أَمَرَ بِرَجْمِهِ، وَلَا يَمْنَعُونَ الْمُتَوَلِّينَ لِلرَّجْمِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ: فَأَيْنَ الْقِيَاسُ لَوْ دَرَوْا مَا الْقِيَاسُ؟
стр. 1205
وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ إذْ رَجَمَ شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةَ قَالَ لِأَوْلِيَائِهَا: اصْنَعُوا بِهَا كَمَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ؟ وَصَحَّ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى وَلَدِ الزِّنَى، وَعَلَى أُمِّهِ، وَعَلَى الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَعَلَى الَّذِي يُقَادُ مِنْهُ، وَعَلَى الْمَرْجُومِ، وَاَلَّذِي يَفِرُّ مِنْ الزَّحْفِ فَيُقْتَلُ. قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدَعُ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] قَالَ عَطَاءٌ: فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ؟ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَسَأَلْت عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ فَقَالَ: مِثْلَ قَوْلِ عَطَاءٍ
وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَحْجُبُونَ الصَّلَاةَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَاَلَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَأَنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْمَرْجُومِ.
فَلَمْ يَخُصَّ إمَامًا مِنْ غَيْرِهِ؟ وَصَحَّ عَنْ قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِنْ كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ جِدًّا فَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنَاتِ - مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اجْتَنَبَ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: مَا أَدْرَكْت أَحَدًا يَتَأَثَّمُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
وَصَحَّ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَصَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ، إنَّمَا هِيَ شَفَاعَةٌ؟
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنْ أَبِي غَالِبٍ قُلْت لِأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ: الرَّجُلُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، أَيُصَلَّى عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَعَلَّهُ اضْطَجَعَ مَرَّةً عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَغُفِرَ لَهُ؟
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ: أَيُصَلَّى عَلَيْهِ؟
стр. 1206
فَقَالَ: لَوْ كَانَ يَعْقِلُ مَا قَتَلَ نَفْسَهُ
وَصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ: مَا مَاتَ فِيكُمْ مُذْ كَذَا وَكَذَا أَحْوَجُ إلَى اسْتِغْفَارِكُمْ مِنْهُ؟ وَقَدْ رُوِّينَا فِي هَذَا خِلَافًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّهُ شَهِدَ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى عَلَى وَلَدِ زِنًى، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هُوَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هُوَ خَيْرُ الثَّلَاثَةِ
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى وَلَدِ زِنًى، صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْمَرْجُومِ، وَيُصَلَّى عَلَى الَّذِي يُقَادُ مِنْهُ، إلَّا مَنْ أُقِيدَ مِنْهُ فِي رَجْمٍ - فَلَمْ يَخُصَّ الزُّهْرِيُّ إمَامًا مِنْ غَيْرِهِ
وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي فَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ سَلَفًا مِنْ صَاحِبٍ، أَوْ تَابِعٍ فِي هَذَا الْقَوْلِ؟
وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَقَدْ رَجَّانَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَفْوِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى نَقُولَ قَدْ فُزْنَا.
وَلَقَدْ خَوَّفَنَا حَتَّى نَقُولَ: قَدْ هَلَكْنَا، إلَّا أَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنْ لَا خُلُودَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي النَّارِ - وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ خَيْرًا قَطُّ غَيْرَ شَهَادَةِ الْإِسْلَامِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَلَا امْتَنَعَ مِنْ شَرٍّ قَطُّ غَيْرَ الْكُفْرِ، وَلَعَلَّهُ قَدْ تَابَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَسَبَقَ الْمُجْتَهِدِينَ، أَوْ لَعَلَّ لَهُ حَسَنَاتٍ لَا نَعْلَمُهَا تَغْمُرُ سَيِّئَاتِهِ
فَمَنْ صَلَّى عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، أَوْ عَلَى ظَالِمٍ لِلْمُسْلِمِينَ مُتَبَلِّغٍ فِيهِمْ، أَوْ عَلَى مَنْ لَهُ قِبَلَهُ مَظَالِمُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَغْفِرَهَا لَهُ -: فَلْيَدْعُ لَهُ كَمَا يَدْعُو لِغَيْرِهِ، وَهُوَ يُرِيدُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ أَمْرُهُ بَعْدَ الْقِصَاصِ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ خُذْ لِي بِحَقِّي مِنْهُ
[مَسْأَلَةٌ عِيَادَةُ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ]
٦١٢ - مَسْأَلَةٌ وَعِيَادَةُ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ فَرْضٌ - وَلَوْ مَرَّةً - عَلَى الْجَارِ الَّذِي لَا
стр. 1207
يَشُقُّ عَلَيْهِ عِيَادَتُهُ، وَلَا نَخُصُّ مَرَضًا مِنْ مَرَضٍ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا مُحَمَّدُ هُوَ ابْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ - نا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي، سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي»
وَقَدْ «عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ غُلَامًا مِنْ الْيَهُودِ مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ؟ فَأَسْلَمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ» . فَعِيَادَةُ الْكَافِرِ فِعْلٌ حَسَنٌ؟
[مَسْأَلَةٌ الطَّاعُونِ إذَا وَقَعَ فِي بَلَدٍ]
٦١٣ - مَسْأَلَةٌ وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَهْرُبَ أَحَدٌ عَنْ الطَّاعُونِ إذَا وَقَعَ فِي بَلَدٍ هُوَ فِيهِ؟ وَمُبَاحٌ لَهُ الْخُرُوجُ لِسَفَرِهِ الَّذِي كَانَ يَخْرُجُ فِيهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ الطَّاعُونُ
وَلَا يَحِلُّ الدُّخُولُ إلَى بِلَادٍ فِيهِ الطَّاعُونُ لِمَنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهُ حَتَّى يَزُولَ؟ وَالطَّاعُونُ هُوَ الْمَوْتُ الَّذِي كَثُرَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَثْرَةً خَارِجَةً عَنْ الْمَعْهُودِ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا
стр. 1208
تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ فِي أَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمْ يَنْهَ ﵇ عَنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِنِيَّةِ الْفِرَارِ مِنْهُ فَقَطْ؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ إبَاحَةَ الْفِرَارِ عَنْهُ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[مَسْأَلَةٌ تَأْخِير الدَّفْنِ]
٦١٤ - مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَ الدَّفْنِ وَلَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً، مَا لَمْ يُخَفْ عَلَى الْمَيِّتِ التَّغْيِيرُ، لَا سِيَّمَا مَنْ تَوَقَّعَ أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ.
وَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ضَحْوَةً، وَدُفِنَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَالِمٍ الْخَيَّاطِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: يُنْتَظَرُ بِالْمَصْعُوقِ ثَلَاثًا؟ .
[مَسْأَلَةٌ جَعَلُ الْمَيِّت فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْيَمِينِ]
٦١٥ - مَسْأَلَةٌ وَيُجْعَلُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْيَمِينِ، وَوَجْهُهُ قُبَالَةَ الْقِبْلَةِ، وَرَأْسُهُ وَرِجْلَاهُ إلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ، وَيَسَارِهَا، عَلَى هَذَا جَرَى عَمَلُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَهَكَذَا كُلُّ مَقْبَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ؟
стр. 1209
[مَسْأَلَةٌ تَوْجِيهُ الْمَيِّتِ إلَى الْقِبْلَةِ]
مَسْأَلَةٌ وَتَوْجِيهُ الْمَيِّتِ إلَى الْقِبْلَةِ حَسَنٌ، فَإِنْ لَمْ يُوَجَّهْ فَلَا حَرَجَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِتَوْجِيهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلْت الشَّعْبِيَّ، عَنْ الْمَيِّتِ يُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ؟ فَقَالَ: إنْ شِئْت فَوَجِّهْهُ، وَإِنْ شِئْت فَلَا تُوَجِّهْهُ، وَلَكِنْ اجْعَلْ الْقَبْرَ إلَى الْقِبْلَةِ، قَبْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَبْرُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَبْرُ عُمَرَ إلَى الْقِبْلَةِ؟
-: وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ - فَقَالَ: وَجِّهُوهُ إلَى الْقِبْلَةِ، فَغَضِبَ سَعِيدٌ وَقَالَ: أَلَسْت إلَى الْقِبْلَةِ؟
[مَسْأَلَةٌ تَغْسِيلُ الْمَرْأَة زَوْجَهَا]
٦١٧ - مَسْأَلَةٌ وَجَائِزٌ أَنْ تُغَسِّلَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَأُمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا، وَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالْوِلَادَةِ، مَا لَمْ تُنْكَحَا، فَإِنْ نُكِحَتَا لَمْ يَحِلَّ لَهُمَا غُسْلُهُ إلَّا كَالْأَجْنَبِيَّاتِ
وَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يُغَسِّلَ امْرَأَتَهُ، وَأُمَّ وَلَدِهِ، وَأَمَتَهُ، مَا لَمْ يَتَزَوَّجْ حَرِيمَتَهَا، أَوْ يَسْتَحِلَّ حَرِيمَتَهَا بِالْمِلْكِ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ غَسْلُهَا؟ وَلَيْسَ لِلْأَمَةِ أَنْ تُغَسِّلَ سَيِّدَهَا أَصْلًا، لِأَنَّ مِلْكَهَا بِمَوْتِهِ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] : فَسَمَّاهَا زَوْجَةً بَعْدَ مَوْتِهَا وَهِيَ - إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ - امْرَأَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَكَذَلِكَ أُمُّ وَلَدِهِ، وَأَمَتُهُ، وَكَانَ حَلَالًا لَهُ رُؤْيَةُ أَبْدَانِهِنَّ فِي الْحَيَاةِ وَتَقْبِيلُهُنَّ وَمَسُّهُنَّ، فَكُلُّ ذَلِكَ بَاقٍ عَلَى التَّحْلِيلِ فَمَنْ ادَّعَى تَحْرِيمَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ فَقَوْلٌ بَاطِلٍ إلَّا بِنَصٍّ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ
وَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَ حَرِيمَتَهَا، أَوْ تَمَلَّكَهَا، أَوْ تَزَوَّجَتْ هِيَ -: فَحَرَامٌ عَلَيْهِ الِاطِّلَاعُ عَلَى بَدَنَيْهِمَا مَعًا، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الْمَرْأَةِ التَّلَذُّذُ بِرُؤْيَةِ بَدَنِ رَجُلَيْنِ مَعًا؟
وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّةٍ مِنْهُ، وَلَا يُغَسِّلُهَا هُوَ
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الرَّقِّيِّ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ دَاوُد
стр. 1210
بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرَّجُلُ أَحَقُّ بِغُسْلِ امْرَأَتِهِ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: إنِّي لَأُغَسِّلُ نِسَائِي، وَأَحُولُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أُمَّهَاتِهِنَّ وَبَنَاتِهِنَّ وَأَخَوَاتِهِنَّ
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ سَمِعْت حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ يَقُولُ: إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الْقَوْمِ فَالْمَرْأَةُ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا، وَالرَّجُلُ امْرَأَتَهُ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ هُوَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: الرَّجُلُ أَحَقُّ أَنْ يُغَسِّلَ امْرَأَتَهُ مِنْ أَخِيهَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: يُغَسِّلُهَا زَوْجُهَا إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُغَسِّلُهَا
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: يُغَسِّلُ كُلٌّ صَاحِبَهُ - يَعْنِي الزَّوْجَ، وَالزَّوْجَةَ - بَعْدَ الْمَوْتِ؟
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عَوْفٍ هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ -: أَنَّهُ شَهِدَ قَسَامَةَ بْنَ زُهَيْرٍ وَأَشْيَاخًا أَدْرَكُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَدْ أَتَاهُمْ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ امْرَأَتَهُ مَاتَتْ فَأَمَرَتْهُ أَنْ لَا يُغَسِّلَهَا غَيْرُهُ؟ فَغَسَّلَهَا، فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ أَنْكَرَ ذَلِكَ؟
وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: يُغَسِّلُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ رِجَالٍ لَيْسَ فِيهِمْ امْرَأَةٌ فَإِنَّ زَوْجَهَا يُغَسِّلُهَا؟
وَالْحَنَفِيُّونَ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَقَدْ خَالَفُوهُ
وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ غَسَّلَ فَاطِمَةَ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ؟ فَاعْتَرَضُوا عَلَى ذَلِكَ بِرِوَايَةٍ لَا تَصِحُّ: أَنَّهَا ﵂ اغْتَسَلَتْ قَبْلَ مَوْتِهَا وَأَوْصَتْ أَلَّا تُحَرَّكَ، فَدُفِنَتْ بِذَلِكَ الْغُسْلِ.
стр. 1211
وَهَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ خَالَفُوا فِي هَذَا أَيْضًا عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ؟
فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: مَاتَتْ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ، فَقَالَ: أَنَا كُنْت أَوْلَى بِهَا إذْ كَانَتْ حَيَّةً، فَأَمَّا الْآنَ فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِهَا؟ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ، أَوْلِيَاءَهَا فِي إدْخَالِهَا الْقَبْرَ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ غَسْلُهَا، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِلَفْظِ خِطَابِ الْمُذَكَّرِ، وَلَوْ خَاطَبَ النِّسَاءَ لَقَالَ: أَنْتُنَّ أَوْلَى بِهَا، وَعُمَرُ لَا يَلْحَنُ؟
[مَسْأَلَةٌ مَاتَ بَيْنَ نِسَاءٍ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ]
٦١٨ - مَسْأَلَةٌ فَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسَاءٍ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ، أَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ لَا نِسَاءَ مَعَهُمْ -: غَسَّلَ النِّسَاءُ الرَّجُلَ وَغَسَّلَ الرِّجَالُ الْمَرْأَةَ عَلَى ثَوْبٍ كَثِيفٍ، يُصَبُّ الْمَاءُ عَلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ دُونَ مُبَاشَرَةِ الْيَدِ، لِأَنَّ الْغُسْلَ فَرْضٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهُوَ مُمْكِنٌ كَمَا ذَكَرْنَا بِلَا مُبَاشَرَةٍ، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُهُ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي صَبِّ الْمَاءِ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَوِّضَ التَّيَمُّمَ مِنْ الْغُسْلِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَرُوِّينَا أَثَرًا فِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مَكْحُولٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يُيَمَّمَانِ» وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ضَعِيفٌ، فَهُوَ سَاقِطٌ
وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ قَالَا جَمِيعًا: تُغَسَّلُ وَعَلَيْهَا الثِّيَابُ، يَعْنِيَانِ فِي الْمَرْأَةِ تَمُوتُ بَيْنَ رِجَالٍ لَا امْرَأَةَ مَعَهُمْ
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ، وَزِيَادٍ الْأَعْلَمِ، وَالْحَجَّاجِ: قَالَ حُمَيْدٍ، وَزِيَادٌ: عَنْ الْحَسَنِ، وَقَالَ الْحَجَّاجُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَا جَمِيعًا - فِي الْمَرْأَةِ تَمُوتُ مَعَ رِجَالٍ لَيْسَ مَعَهُمْ امْرَأَةٌ -: أَنَّهَا يُصَبُّ عَلَيْهَا الْمَاءُ مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْقَائِلِينَ أَنَّهَا تُيَمَّمُ: فَرُّوا مِنْ الْمُبَاشَرَةِ خَلْفَ ثَوْبٍ وَأَبَاحُوهَا عَلَى الْبَشَرَةِ
стр. 1212
وَهَذَا جَهْلٌ شَدِيدٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ]
٦١٩ - مَسْأَلَةٌ وَلَا تُرْفَعُ الْيَدَانِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ إلَّا فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِرَفْعِ الْأَيْدِي فِيمَا عَدَا ذَلِكَ نَصٌّ؟
وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِنَا هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ؟ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَفْعُ الْأَيْدِي لِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ أَنْ يَرْفَعَهَا فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ قِيَاسًا عَلَى التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى.
[مَسْأَلَةٌ كَانَتْ أَظْفَارُ الْمَيِّتِ وَافِرَةً أَوْ شَارِبُهُ وَافِيًا أَوْ عَانَتُهُ]
٦٢٠ - مَسْأَلَةٌ وَإِنْ كَانَتْ أَظْفَارُ الْمَيِّتِ وَافِرَةً، أَوْ شَارِبُهُ وَافِيًا، أَوْ عَانَتُهُ: أَخَذَ كُلَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ وَرَدَ وَصَحَّ بِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْفِطْرَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَهَّزَ إلَى رَبِّهِ تَعَالَى إلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ حَلَقَ عَانَةَ مَيِّتٍ
وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مُخَالَفَةَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَهَذَا صَاحِبٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ؟ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْحَسَنِ: فِي شَعْرِ عَانَةِ الْمَيِّتِ إنْ كَانَ وَافِرًا، قَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: فَإِنْ كَانَ أَقْلَفَ أَيُخْتَنُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَالْخِتَانُ مِنْ الْفِطْرَةِ
فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ لَا تَرَوْنَ أَنْ يُطَهَّرَ لِلْجَنَابَةِ إنْ مَاتَ مُجْنِبًا، وَلَا لِلْحَيْضِ إنْ مَاتَتْ حَائِضًا، وَلَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ إنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَا الْفَرْقُ؟
стр. 1213
قُلْنَا: الْفَرْقُ أَنَّ هَذِهِ الْأَغْسَالَ مَأْمُورٌ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَا تَلْزَمُ مَنْ لَا يُخَاطَبُ: كَالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالصَّغِيرِ.
وَقَدْ سَقَطَ الْخِطَابُ عَنْ الْمَيِّتِ وَأَمَّا قَصُّ الشَّارِبِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْإِبْطِ، وَالْخِتَانِ: فَالنَّصُّ جَاءَنَا بِأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهَا الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ، بَلْ الْكُلُّ مَأْمُورُونَ بِهَا، فَيَعْمَلُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالصَّغِيرِ؟
[مَسْأَلَةٌ إدْخَالُ الْمَيِّت الْقَبْرَ]
٦٢١ - مَسْأَلَةٌ وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ كَيْفَ أَمْكَنَ، إمَّا مِنْ الْقِبْلَةِ، أَوْ مِنْ دُبُرِ الْقِبْلَةِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، إذْ لَا نَصَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَدْخَلَ يَزِيدَ بْنَ الْمُكَفَّفِ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ.
وَعَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ أَدْخَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ.
وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَدْخَلَ الْحَارِثَ الْخَارِفِيَّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ الْقَبْرِ.
وَرَوَى قَوْمٌ مُرْسَلَاتٍ لَا تَصِحُّ فِي إدْخَالِ النَّبِيِّ ﷺ : فَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: «أَنَّهُ ﵇ أُدْخِلَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ» .
وَعَنْ رَبِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: «أَنَّهُ ﵇ أُدْخِلَ مِنْ قِبَلِ الرِّجْلَيْنِ» .
وَكُلُّ هَذَا لَوْ صَحَّ لَمْ تَقُمْ بِهِ حُجَّةٌ فِي الْوُجُوبِ، فَكَيْفَ وَهُوَ لَا يَصِحُّ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَنْعٌ مِمَّا سِوَاهُ.
[مَسْأَلَةٌ التَّزَاحُمُ عَلَى النَّعْشِ]
٦٢٢ - مَسْأَلَةٌ وَلَا يَجُوزُ التَّزَاحُمُ عَلَى النَّعْشِ، لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ، وَقَدْ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرِّفْقِ» .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ نا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ
стр. 1214
جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَرِهَ الزِّحَامَ عَلَى السَّرِيرِ، وَكَانَ إذَا رَآهُمْ يَزْدَحِمُونَ قَالَ: أُولَئِكَ الشَّيَاطِينُ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْت جِنَازَةً فِيهَا أَبُو السِّوَارِ هُوَ حُرَيْثُ بْنُ حَسَّانَ الْعَدَوِيُّ فَازْدَحَمُوا عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ أَبُو السِّوَارِ: أَتَرَوْنَ هَؤُلَاءِ أَفْضَلَ أَوْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إذَا رَأَى مَحْمَلًا حَمَلَ، وَإِلَّا اعْتَزَلَ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا.
[مَسْأَلَةٌ فَوَاتُ بَعْضِ التَّكْبِيرَاتِ عَلَى الْجِنَازَةِ]
٦٢٣ - مَسْأَلَةٌ
وَمَنْ فَاتَهُ بَعْضُ التَّكْبِيرَاتِ عَلَى الْجِنَازَةِ كَبَّرَ سَاعَةَ يَأْتِي، وَلَا يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ أَتَمَّ هُوَ مَا بَقِيَ مِنْ التَّكْبِيرِ، يَدْعُو بَيْنَ تَكْبِيرَةٍ وَتَكْبِيرَةٍ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ مَعَ الْإِمَامِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَنْ أَتَى إلَى الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ مَا أَدْرَكَ وَيُتِمَّ مَا فَاتَهُ، وَهَذِهِ صَلَاةٌ، وَمَا عَدَا هَذَا فَقَوْلٌ فَاسِدٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، لَا مِنْ نَصٍّ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 1215
[كِتَابُ الِاعْتِكَافِ] [ مَسْأَلَةٌ اعْتِكَافُ يَوْمٍ دُونَ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ دُونَ يَوْمٍ]
ِ الِاعْتِكَافُ: هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ سَاعَةً فَمَا فَوْقَهَا، لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا؟ ٦٢٤ - مَسْأَلَةٌ وَيَجُوزُ اعْتِكَافُ يَوْمٍ دُونَ لَيْلَةٍ، وَلَيْلَةٍ دُونَ يَوْمٍ، وَمَا أَحَبَّ الرَّجُلُ، أَوْ الْمَرْأَةُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنَّهُ ﵇ قَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ» . فَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَبِالْعَرَبِيَّةِ خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَالِاعْتِكَافُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: الْإِقَامَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] بِمَعْنَى مُقِيمُونَ مُتَعَبِّدُونَ لَهَا. فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا، فَكُلُّ إقَامَةٍ فِي مَسْجِدٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ: اعْتِكَافٌ، وَعُكُوفٌ؟ فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا، فَالِاعْتِكَافُ يَقَعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِمَّا قَلَّ مِنْ الْأَزْمَانِ أَوْ كَثُرَ، إذْ
стр. 1216
لَمْ يَخُصَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ عَدَدًا مِنْ عَدَدٍ، وَلَا وَقْتًا مِنْ وَقْتٍ، وَمُدَّعِي ذَلِكَ مُخْطِئٌ؛ لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِلَا بُرْهَانٍ
وَالِاعْتِكَافُ: فِعْلٌ حَسَنٌ، قَدْ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجُهُ وَأَصْحَابُهُ ﵃ بَعْدَهُ وَالتَّابِعُونَ؟ وَمِمَّنْ قَالَ بِمِثْلِ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: كَمَا أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدٍ الْبُصَيْرِيُّ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ طَاهِرٌ فَهُوَ عَاكِفٌ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ -: وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْت عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يُخْبِرُ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: إنِّي لَأَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ سَاعَةً وَمَا أَمْكُثُ إلَّا لِأَعْتَكِفَ.
قَالَ عَطَاءٌ: حَسِبْت أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَنِيهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ اعْتِكَافٌ مَا مَكَثَ فِيهِ، وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ احْتِسَابَ الْخَيْرِ فَهُوَ مُعْتَكِفٌ، وَإِلَّا فَلَا؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَعْلَى صَاحِبٌ، وَسُوَيْدٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، أَفْتَى أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، لَا يُعْرَفُ لِيَعْلَى فِي هَذَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَهَذَا خِلَافٌ لِقَوْلِ يَعْلَى؟ قُلْنَا: لَيْسَ كَمَا تَقُولُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ قَطُّ عَمَّنْ ذَكَرْت: لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ كَامِلٍ، إنَّمَا جَاءَ عَنْهُمْ: أَنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ فَقَطْ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْتَكِفَ الْمَرْءُ عَلَى هَذَا سَاعَةً فِي يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ.
وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، فَبَطَلَ مَا أَوْهَمْتُمْ بِهِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَلَمْ يَخُصَّ تَعَالَى مُدَّةً مِنْ مُدَّةٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
стр. 1217
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - قَالَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ» .
فَهَذَا عُمُومٌ مِنْهُ ﵇ بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ فِي الِاعْتِكَافِ، وَلَمْ يَخُصَّ ﵇ مُدَّةً مِنْ مُدَّةٍ، فَبَطَلَ قَوْلٌ خَالَفَ قَوْلَنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟
وَقُلْنَا: هَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ.
وَلَهُ قَوْلٌ: لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ سَبْعِ لَيَالٍ، مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ.
وَكُلُّ هَذَا قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَعْتَكِفْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقَلَّ مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يَعْتَكِفْ قَطُّ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَلَا تُجِيزُوا الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ مَسْجِدِهِ ﵇، وَلَا اعْتَكَفَ قَطُّ إلَّا فِي رَمَضَانَ، وَشَوَّالٍ، فَلَا تُجِيزُوا الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ؟
وَالِاعْتِكَافُ فِي فِعْلِ خَيْرٍ، فَلَا يَجُوزُ الْمَنْعُ مِنْهُ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ بِالْمَنْعِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا عَلَى مَسْجِدِهِ ﵇ سَائِرَ الْمَسَاجِدِ؟ قِيلَ لَهُمْ: فَقِيسُوا عَلَى اعْتِكَافِهِ عَشْرًا، أَوْ عِشْرِينَ: مَا دُونَ الْعَشْرِ. وَمَا فَوْقَ الْعِشْرِينَ، إذْ لَيْسَ مِنْهَا سَاعَةٌ وَلَا يَوْمٌ إلَّا وَهُوَ فِيهِ مُعْتَكِفٌ
[مَسْأَلَةٌ صَوْمُ الْمُعْتَكِف]
٦٢٥ - مَسْأَلَةٌ وَلَيْسَ الصَّوْمُ مِنْ شُرُوطِ الِاعْتِكَافِ، لَكِنْ إنْ شَاءَ الْمُعْتَكِفُ صَامَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْ.
وَاعْتِكَافُ: يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ: حَسَنٌ.
وَكَذَلِكَ اعْتِكَافُ: لَيْلَةٍ بِلَا يَوْمٍ، وَيَوْمٍ بِلَا لَيْلَةٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
стр. 1218
وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ - عَنْ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِي اعْتِكَافٌ، فَسَأَلْت عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهَا صِيَامٌ إلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا. فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ عُمَرَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَظُنُّهُ قَالَ: فَعَنْ عُثْمَانَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ أَبُو سُهَيْلٍ: لَقِيت طَاوُسًا، وَعَطَاءً، فَسَأَلْتهمَا؟ فَقَالَ طَاوُسٍ: كَانَ فُلَانٌ لَا يَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا إلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَقَالَ عَطَاءٌ: لَيْسَ عَلَيْهَا صِيَامٌ إلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا
وَبِهِ إلَى سَعِيدٍ: نا حِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ نا لَيْثٌ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ: أَنَّ عَلِيًّا، وَابْنَ مَسْعُودٍ قَالَا جَمِيعًا: الْمُعْتَكِفُ لَيْسَ عَلَيْهِ صَوْمٌ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؟
وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُحَمَّدٌ الْقَلَعِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّوَّافُ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى بْنِ صَالِحِ بْنِ عُمَيْرَةَ نا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ نا أَبُو سُهَيْلِ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: اجْتَمَعْت أَنَا وَابْنُ شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ عَلَى امْرَأَتِي اعْتِكَافُ ثَلَاثٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَكُونُ اعْتِكَافٌ إلَّا بِصَوْمٍ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَمِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمِنْ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمِنْ عُمَرَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمِنْ عُثْمَانَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ أَبُو سُهَيْلٍ: فَانْصَرَفْت فَلَقِيت طَاوُسًا، وَعَطَاءً، فَسَأَلْتهمَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ طَاوُسٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامًا إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ رَأْيِي؟
стр. 1219
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ إنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْ
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا عَبْدَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ لَا أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؟
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ.
وَصَحَّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيِّ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عَنْ طَاوُسٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَصَحَّ عَنْهُمَا كِلَا الْأَمْرَيْنِ؟
كَتَبَ إلَى دَاوُد بْنِ بَابْشَاذَ بْنِ دَاوُد الْمَصْرِيِّ قَالَ: نا عَبْدُ الْغَنِيّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ نا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ الرُّعَيْنِيُّ نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ قَالَا جَمِيعًا: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ؟
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: مَنْ اعْتَكَفَ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: شَغِبَ مَنْ قَلَّدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ بِأَنْ قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
قَالُوا: فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الِاعْتِكَافَ إثْرَ ذِكْرِهِ لِلصَّوْمِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِصَوْمٍ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا سُمِعَ بِأَقْبَحَ مِنْ هَذَا التَّحْرِيفِ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِقْحَامِ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَمَا عَلِمَ قَطُّ ذُو تَمْيِيزٍ: أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى شَرِيعَةً إثْرَ ذِكْرِهِ أُخْرَى مُوجِبَةٌ عَقْدَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى.
стр. 1220
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: بَلْ لَمَّا ذَكَرَ الصَّوْمَ ثُمَّ الِاعْتِكَافَ: وَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ صَوْمٌ إلَّا بِاعْتِكَافٍ؟
فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ قُلْنَا: فَقَدْ أَقْرَرْتُمْ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى بُطْلَانِ حُجَّتِكُمْ، وَعَلَى أَنَّ ذِكْرَ شَرِيعَةٍ مَعَ ذِكْرِ أُخْرَى لَا يُوجِبُ أَنْ لَا تَصِحَّ إحْدَاهُمَا إلَّا بِالْأُخْرَى.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ خُصُومَنَا مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ: هُوَ بِاللَّيْلِ مُعْتَكِفٌ كَمَا هُوَ بِالنَّهَارِ، وَهُوَ بِاللَّيْلِ غَيْرُ صَائِمٍ.
فَلَوْ صَحَّ لَهُمْ هَذَا الِاسْتِدْلَال لَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِالنَّهَارِ الَّذِي لَا يَكُونُ الصَّوْمُ إلَّا فِيهِ - فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْآيَةِ، حَيْثُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا مَوَّهُوا بِهِ، لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيم نا أَبُو دَاوُد هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: اعْتَكِفْ وَصُمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُدَيْلٍ مَجْهُولٌ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ مُسْنَدِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَصْلًا، وَمَا نَعْرِفُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثًا مُسْنَدًا إلَّا ثَلَاثَةً، لَيْسَ، هَذَا مِنْهَا -: أَحَدُهَا: فِي الْعُمْرَةِ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] . وَالثَّانِي: فِي صِفَةِ الْحَجِّ. وَالثَّالِثُ: «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» .
стр. 1221
فَسَقَطَ عَنَّا هَذَا الْخَبَرُ، لَبُطْلَانِ سَنَدِهِ؟
ثُمَّ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى احْتِجَاجُهُمْ بِهِ فِي إيجَابِ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ وَمُخَالَفَتُهُمْ إيَّاهُ فِي إيجَابِ الْوَفَاءِ بِمَا نَذَرَهُ الْمَرْءُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَهَذِهِ عَظِيمَةٌ لَا يَرْضَى بِهَا ذُو دِينٍ
فَإِنْ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ " فِي الْجَاهِلِيَّةِ " أَيْ أَيَّامِ ظُهُورِ الْجَاهِلِيَّةِ بَعْدَ إسْلَامِهِ؟ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ هَذَا: إنْ كُنْت تَقُولُ هَذَا قَاطِعًا بِهِ فَأَنْتَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ، لِقَطْعِك بِمَا لَا دَلِيلَ لَك عَلَيْهِ، وَلَا وَجَدْت قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَإِنْ كُنْت تَقُولُهُ ظَنًّا، فَإِنَّ الْحَقَائِقَ لَا تُتْرَكُ بِالظُّنُونِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» . فَكَيْفَ وَقَدْ صَحَّ كَذِبُ هَذَا الْقَوْلِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ «نَذَرْتُ نَذْرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَمَا أَسْلَمْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ أُوفِيَ بِنَذْرِي» .
وَهَذَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، لَا كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ الذَّاهِبِ فِي الرِّيَاحِ؟ فَهَلْ سَمِعَ بِأَعْجَبَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَزَالُونَ يَأْتُونَ بِالْخَبَرِ يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى مَنْ لَا يُصَحِّحُهُ فِيمَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفِينَ لِذَلِكَ الْخَبَرِ نَفْسِهِ فِيمَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ -: فَكَيْفَ يَصْعَدُ مَعَ هَذَا عَمَلٌ؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ، فَعَادَ خَبَرُهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْنَا، وَلَوْ صَحَّ، وَرَأَيْنَاهُ حُجَّةً لَقُلْنَا: بِهِ
وَمَوَّهُوا بِأَنَّ هَذَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ. قَالُوا: وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ.
فَقُلْنَا: أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، فَصَحَّ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِنَا.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ: عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ سَمِعْت عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ يَقُولُ: إنَّ أُمَّنَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا اعْتِكَافٌ، فَسَأَلْت
стр. 1222
ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقَالَ: اعْتَكِفْ عَنْهَا وَصُمْ
فَمِنْ أَيْنَ صَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ حُجَّةً فِي إيجَابِ الصَّوْمِ عَلَى الْمُعْتَكِفِ - وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ -. وَلَمْ يَصِرْ حُجَّةً فِي إيجَابِهِ عَلَى الْوَلِيِّ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ عَنْ الْمَيِّتِ؟
وَهَلَّا قُلْتُمْ هَاهُنَا: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ: بِالرَّأْيِ وَعَهِدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ هَذَا عِنْدَ فُلَانٍ صَحِيحًا مَا تَرَكَهُ. أَوْ يَقُولُونَ: لَمْ يَتْرُكْ مَا عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا لِمَا هُوَ أَصَحُّ عِنْدَهُ؟
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عَطَاءٍ آنِفًا أَنَّهُ لَمْ يَرَ الصَّوْمَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ، وَسَمِعَ طَاوُسًا يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
فَهَلَّا قَالُوا: لَمْ يَتْرُكْ عَطَاءٌ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ إلَّا لِمَا هُوَ عِنْدَهُ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ مُتَلَاعِبُونَ
وَأَمَّا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ رُوِّينَا عَنْهَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد -: نا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ أَنَا خَالِدٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا " قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ لَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، وَلَا يَمَسُّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرُهَا، وَلَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ؟
فَمِنْ أَيْنَ صَارَ قَوْلُهَا فِي إيجَابِ الِاعْتِكَافَ حُجَّةً، وَلَمْ يَصِرْ قَوْلُهَا " لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ " حُجَّةً وَرُوِّينَا عَنْهَا عَنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٍ -: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ عَائِشَةَ نَذَرَتْ جِوَارًا فِي جُودِ ثَبِيرٍ مِمَّا يَلِي مِنًى.
стр. 1223
وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: اعْتَكَفَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بَيْنَ حِرَاءَ، وَثَبِيرٍ، فَكُنَّا نَأْتِيهَا هُنَالِكَ.
فَخَالَفُوا عَائِشَةَ فِي هَذَا أَيْضًا، وَهَذَا عَجَبٌ وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا اعْتَكَفَ ضَرَبَ فُسْطَاطًا، أَوْ خِبَاءً يَقْضِي فِيهِ حَاجَتَهُ، وَلَا يُظِلُّهُ سَقْفُ بَيْتٍ؟
فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ حُجَّةً فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي أَنَّهُ كَانَ إذَا اعْتَكَفَ لَا يُظِلُّهُ سَقْفُ بَيْتٍ؟
فَصَحَّ أَنَّ الْقَوْمَ إنَّمَا يُمَوِّهُونَ بِذِكْرِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ إيهَامًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَافِهِمْ فِيمَا لَمْ يُوَافِقْ مِنْ أَقْوَالِهِمْ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ حُجَّةً إلَّا إذَا وَافَقَتْ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ فَقَطْ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ.
فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ، لِتَعَرِّيهِ مِنْ الْبُرْهَانِ وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا، وَمِنْ الْهَوَسِ قَوْلُهُمْ: لَمَّا كَانَ الِاعْتِكَافُ لُبْثًا فِي مَوْضِعٍ: أَشْبَهَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَا يَصِحُّ إلَّا مُحْرِمًا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ الصَّوْمُ.
فَقِيلَ لَهُمْ: لَمَّا كَانَ اللُّبْثُ بِعَرَفَةَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّوْمِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِكَافُ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّوْمِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِنْ الْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا اعْتِكَافُ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَلَا يَخْلُو صَوْمُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِرَمَضَانَ خَالِصًا - وَكَذَلِكَ هُوَ - فَحَصَلَ الِاعْتِكَافُ مُجَرَّدًا عَنْ صَوْمٍ يَكُونُ مِنْ شَرْطِهِ، وَإِذَا لَمْ يَحْتَجْ الِاعْتِكَافُ إلَى صَوْمٍ يَنْوِي بِهِ الِاعْتِكَافَ فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ مِنْ شُرُوطِ الِاعْتِكَافِ وَصَحَّ أَنَّهُ جَائِزٌ بِلَا صَوْمٍ، وَهَذَا بُرْهَانُ مَا قَدَرُوا عَلَى
стр. 1224
اعْتِرَاضِهِ إلَّا بِوَسَاوِسَ لَا تُعْقَلُ.
وَلَوْ قَالُوا: إنَّهُ ﵇ صَامَ لِلِاعْتِكَافِ لَا لِرَمَضَانَ، أَوْ لِرَمَضَانَ، وَالِاعْتِكَافِ - لَمْ يَبْعُدُوا عَنْ الِانْسِلَاخِ مِنْ الْإِسْلَامِ وَأَيْضًا: فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ هُوَ بِاللَّيْلِ كَهُوَ بِالنَّهَارِ، وَلَا صَوْمَ بِاللَّيْلِ، فَصَحَّ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَحْتَاجُ إلَى صَوْمٍ.
فَقَالَ مُهْلِكُوهُمْ هَهُنَا: إنَّمَا كَانَ الِاعْتِكَافُ بِاللَّيْلِ تَبَعًا لِلنَّهَارِ؟ فَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: بَلْ إنَّمَا كَانَ بِالنَّهَارِ تَبَعًا لِلَّيْلِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فَاسِدٌ.
فَقَالُوا: إنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الِاعْتِكَافَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ صَوْمٍ. فَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَلَمَّا كَانَ الِاعْتِكَافُ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ صَوْمٌ يَنْوِي بِهِ الِاعْتِكَافَ صَحَّ ضَرُورَةً أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِهِ، وَلَا مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَا مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ صَوْمٌ، وَقَدْ جَاءَ نَصٌّ صَحِيحٌ بِقَوْلِنَا؟
كَأَنْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، قَالَتْ: وَإِنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَتْ: فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِبِنَائِي فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِبِنَائِهِنَّ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ إلَى الْأَبْنِيَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟ فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوِّضَ، وَأَمَرَ أَزْوَاجَهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقَوَّضْنَ ثُمَّ أَخَّرَ الِاعْتِكَافَ إلَى الْعَشْرِ الْأُوَلِ، يَعْنِي مِنْ شَوَّالٍ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالٍ وَفِيهَا يَوْمُ
стр. 1225
الْفِطْرِ، وَلَا صَوْمَ فِيهِ
وَمَالِكٌ يَقُولُ: لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ اعْتِكَافِهِ إلَّا حَتَّى يَنْهَضَ إلَى الْمُصَلَّى.
فَنَسْأَلُهُمْ: أَمُعْتَكِفٌ هُوَ مَا لَمْ يَنْهَضْ إلَى الْمُصَلَّى، أَمْ غَيْرُ مُعْتَكِفٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: هُوَ مُعْتَكِفٌ، تَنَاقَضُوا، وَأَجَازُوا الِاعْتِكَافَ بِلَا صَوْمٍ بُرْهَةً مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ.
وَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ مُعْتَكِفًا قُلْنَا: فَلِمَ مَنَعْتُمُوهُ الْخُرُوجَ إذَنْ؟
[مَسْأَلَةٌ مُبَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ حَال اعتكافه]
٦٢٦ - مَسْأَلَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مُبَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ مُبَاشَرَةُ الرَّجُلِ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ بِشَيْءٍ مِنْ الْجِسْمِ، إلَّا فِي تَرْجِيلِ الْمَرْأَةِ لِلْمُعْتَكِفِ خَاصَّةً، فَهُوَ مُبَاحٌ، وَلَهُ إخْرَاجُ رَأْسِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ لِلتَّرْجِيلِ؟ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
فَصَحَّ أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ عُمُومِ الْمُبَاشَرَةِ - ذَاكِرًا لِاعْتِكَافِهِ - فَلَمْ يَعْتَكِفْ كَمَا أُمِرَ، فَلَا اعْتِكَافَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ نَذْرًا قَضَاهُ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَحُرِّمَتْ الْمُبَاشَرَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ» . فَخَرَجَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ عُمُومِ نَهْيِ اللَّهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُعْتَكِف إذَا اشْتَرَطَ مُبَاحًا]
٦٢٧ - مَسْأَلَةٌ وَجَائِزٌ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا شَاءَ مِنْ الْمُبَاحِ وَالْخُرُوجِ لَهُ، لِأَنَّهُ
стр. 1226
بِذَلِكَ إنَّمَا الْتَزَمَ الِاعْتِكَافَ فِي خِلَالِ مَا اسْتَثْنَاهُ، وَهَذَا مُبَاحٌ لَهُ، أَنْ يَعْتَكِفَ إذَا شَاءَ، وَيَتْرُكَ إذَا شَاءَ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ طَاعَةٌ، وَتَرْكُهُ مُبَاحٌ، فَإِنْ أَطَاعَ أُجِرَ، وَإِنْ تَرَكَ لَمْ يَقْضِ؟ وَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَكْثُرَ مِمَّنْ لَا يُجِيزُ هَذَا الشَّرْطَ
وَالنُّصُوصُ كُلُّهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مُوجِبَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ يَقُولُ: بِلُزُومِ الشُّرُوطِ الَّتِي أَبْطَلَهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَنُ، مِنْ اشْتِرَاطِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ تَسَرَّى فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، وَالدَّاخِلَةُ بِنِكَاحٍ طَالِقٌ، وَالسَّرِيَّةُ حُرَّةٌ، وَهَذِهِ شُرُوطُ الشَّيْطَانِ، وَتَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ
[مَسْأَلَةٌ كُلُّ فَرْضٍ عَلَى الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ]
٦٢٨ - مَسْأَلَةٌ وَكُلُّ فَرْضٍ عَلَى الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ بِاعْتِكَافِهِ، وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَغُسْلِ الِاحْتِلَامِ، وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَمِنْ الْحَيْضِ، إنْ شَاءَ فِي حَمَّامٍ أَوْ فِي غَيْرِ حَمَّامٍ. وَلَا يَتَرَدَّدُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ تَمَامِ غُسْلِهِ، وَقَضَاءِ حَاجَتِهِ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ
وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِابْتِيَاعِ مَا لَا بُدَّ لَهُ وَلِأَهْلِهِ مِنْهُ، مِنْ الْأَكْلِ وَاللِّبَاسِ، وَلَا يَتَرَدَّدُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ تَرَدَّدَ بِلَا ضَرُورَةٍ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَلَهُ أَنْ يُشَيِّعَ أَهْلَهُ إلَى مَنْزِلِهَا.
وَإِنَّمَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ: خُرُوجُهُ لِمَا لَيْسَ فَرْضًا عَلَيْهِ؟
وَقَدْ افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: ثنا مُحَمَّدٌ ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» .
وَأَمَرَ ﵇ مَنْ دُعِيَ - إنْ كَانَ مُفْطِرًا -: فَلْيَأْكُلْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، بِمَعْنَى أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ؟
стр. 1227
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: ٤١] .
فَهَذِهِ فَرَائِضُ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا لِلِاعْتِكَافِ، وَبِلَا شَكٍّ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَدَّى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] .
فَفَرَضَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ مَرَّةً وَاحِدَةً، يَسْأَلُ عَنْ حَالِهِ وَاقِفًا وَيَنْصَرِفُ لِأَنَّ مَا زَادَ عَنْ هَذَا فَلَيْسَ مِنْ الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَطْوِيلٌ، فَهُوَ يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ؟
وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِشُهُودِ الْجِنَازَةِ، فَإِذَا صَلَّى عَلَيْهَا انْصَرَفَ، لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْفَرْضَ، وَمَا زَادَ فَلَيْسَ فَرْضًا، وَهُوَ بِهِ خَارِجٌ عَنْ الِاعْتِكَافِ؟ وَفَرْضٌ عَلَيْهِ: أَنْ يَخْرُجَ إذَا دُعِيَ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا بَلَغَ إلَى دَارِ الدَّاعِي وَدَعَا وَانْصَرَفَ، وَلَا يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ؟
وَفَرْضٌ عَلَيْهِ: أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجُمُعَةِ بِمِقْدَارِ مَا يُدْرِكُ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ، فَإِذَا سَلَّمَ رَجَعَ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ الِاعْتِكَافِ، فَإِنْ خَرَجَ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ رَأَى أَنَّ فِي الْوَقْتِ فُسْحَةً فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ ثُمَّ خَرَجَ أَدْرَكَ الْخُطْبَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ، وَإِلَّا فَلْيَتَمَادَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ حَرَجٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِلشَّهَادَةِ إذَا دُعِيَ سَوَاءٌ قَبِلَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الشُّهَدَاءَ بِأَنْ لَا يَأْبَوْا إذَا دُعُوا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ مَنْ يَقْبَلُ مِمَّا لَا يَقْبَلُ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] إذَا أَدَّاهَا رَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ وَلَا يَتَرَدَّدُ، فَإِنْ تَرَدَّدَ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؟
وَهُوَ كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا؟
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: أَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيِّ - عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ فَلْيَشْهَدْ
стр. 1228
الْجُمُعَةَ وَلْيَحْضُرْ الْجِنَازَةَ وَلْيَعُدْ الْمَرِيضَ وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ يَأْمُرُهُمْ بِحَاجَتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ؟
وَبِهِ إلَى سَعِيدٍ: نا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَعَانَ ابْنَ أُخْتِهِ جَعْدَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ بِسَبْعِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ عَطَائِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا خَادِمًا، فَقَالَ: إنِّي كُنْت مُعْتَكِفًا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَمَا عَلَيْك لَوْ خَرَجَتْ إلَى السُّوقِ فَابْتَعْت؟
وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ: نا هُشَيْمٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَعُودُ الْمَرِيضَ مِنْ أَهْلِهَا إذَا كَانَتْ مُعْتَكِفَةً إلَّا وَهِيَ مَارَّةٌ؟
وَبِهِ إلَى سَعِيدٍ: نا هُشَيْمٌ أَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ هَذِهِ الْخِصَالَ - وَهُنَّ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ -: عِيَادَةَ الْمَرِيضِ، وَلَا يَدْخَلُ سَقْفًا، وَيَأْتِي الْجُمُعَةَ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيَخْرُجُ إلَى الْحَاجَةِ؟ قَالَ إبْرَاهِيمُ: وَلَا يَدْخَلُ الْمُعْتَكِفُ سَقِيفَةً إلَّا لِحَاجَةٍ؟
وَبِهِ إلَى هُشَيْمٍ: أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيُجِيبُ الْإِمَامَ؟
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يُرَخِّصُ لِلْمُعْتَكِفِ: أَنْ يَتْبَعَ الْجِنَازَةَ، وَيَعُودَ الْمَرِيضَ وَلَا يَجْلِسَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَدْخَلُ الْبَابَ فَيُسَلِّمُ وَلَا يَقْعُدُ، يَعُودُ الْمَرِيضَ؟ وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا إذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِحَاجَتِهِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ فَيُسَائِلُهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ، أَوْ سَأَلَهُ عَنْ سُنَّةٍ مِنْ الدِّينِ، وَإِلَّا فَلَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ
стр. 1229
يَعُودَ الْمَرِيضَ، وَيَتْبَعَ الْجِنَازَةَ، وَيَأْتِيَ إلَى الْجُمُعَةِ، وَيُجِيبَ الدَّاعِيَ؟
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: إنْ نَذَرَ جِوَارًا أَيَنْوِي فِي نَفْسِهِ أَنْ لَا يَصُومَ، وَأَنَّهُ يَبِيعُ وَيَبْتَاعُ، وَيَأْتِي الْأَسْوَاقَ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَتْبَعُ الْجِنَازَةَ وَإِنْ كَانَ مَطَرٌ: فَإِنِّي أَسْتَكِنُ فِي الْبَيْتِ. وَإِنِّي أُجَاوِرُ جِوَارًا مُنْقَطِعًا، أَوْ أَنْ يَعْتَكِفَ النَّهَارَ وَيَأْتِيَ الْبَيْتَ بِاللَّيْلِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ عَلَى نِيَّتِهِ مَا كَانَتْ، ذَلِكَ لَهُ؟
وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ أَيْضًا؟
وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرْضَى وَيَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ، وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ؟
وَرُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعُرْوَةَ، وَالزُّهْرِيِّ: لَا يَعُودُ الْمُعْتَكِفُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ الْجِنَازَةَ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مَكَانٌ صَحَّ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ مَا أَوْرَدْنَا، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفِيَّةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي هَذَا كِفَايَةٌ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ مَنَعَ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا حُجَّةً، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ.
وَنَسْأَلُهُمْ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا أَبَاحُوا لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَابْتِيَاعِ مَا لَا بُدَّ
стр. 1230
مِنْهُ، وَبَيْنَ خُرُوجِهِ لِمَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؟
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعُودَ الْمَرِيضَ، وَلَا أَنْ يَشْهَدَ الْجِنَازَةَ، وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجُمُعَةِ بِمِقْدَارِ مَا يُصَلِّي سِتَّ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَلَهُ أَنْ يَبْقَى فِي الْجَامِعِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِقْدَارَ مَا يُصَلِّي سِتَّ رَكَعَاتٍ، فَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرَ، أَوْ خَرَجَ لِأَكْثَرَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، فَإِنْ خَرَجَ لِجِنَازَةٍ، أَوْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؟ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِكُلِّ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارُ لُبْثِهِ فِي خُرُوجِهِ لِذَلِكَ نِصْفَ يَوْمٍ فَأَقَلَّ لَمْ يَضُرَّ اعْتِكَافَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّ فِي هَذِهِ التَّحْدِيدَاتِ لَعَجَبًا وَمَا نَدْرِي كَيْفَ يَسْمَحُ ذُو عَقْلٍ أَنْ يُشَرِّعَ فِي دِينِ اللَّهِ هَذِهِ الشَّرَائِعَ الْفَاسِدَةَ فَيَصِيرُ مُحَرِّمًا مُحَلِّلًا مُوجِبًا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى؟
وَمَا هُوَ إلَّا مَا جَاءَ النَّصُّ بِإِبَاحَتِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ، قَلَّ أَمَدُهُ أَوْ كَثُرَ
أَوْ مَا جَاءَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ فَهُوَ حَرَامٌ قَلَّ أَمَدُهُ أَوْ كَثُرَ
أَوْ مَا جَاءَ النَّصُّ بِإِيجَابِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِتَحْدِيدٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَسَمْعًا وَطَاعَةً؟
[مَسْأَلَةٌ يَعْمَلُ الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ كُلَّ مَا أُبِيحَ لَهُ]
٦٢٩ - مَسْأَلَةٌ وَيَعْمَلُ الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ كُلَّ مَا أُبِيحَ لَهُ مِنْ مُحَادَثَةٍ فِيمَا لَا يَحْرُمُ، وَمِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ أَيِّ عِلْمٍ كَانَ، وَمِنْ خِيَاطَةٍ، وَخِصَامٍ فِي حَقٍّ، وَنَسْخٍ، وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ، وَتَزَوُّجٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يَتَحَاشَ شَيْئًا، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ: هُوَ الْإِقَامَةُ كَمَا ذَكَرْنَا، فَهُوَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَتْرُكْ الِاعْتِكَافَ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ لَا صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قَوْلِ مُتَقَدِّمٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ؟
следующие страницы →