← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

بِذَلِكَ إنَّمَا الْتَزَمَ الِاعْتِكَافَ فِي خِلَالِ مَا اسْتَثْنَاهُ، وَهَذَا مُبَاحٌ لَهُ، أَنْ يَعْتَكِفَ إذَا شَاءَ، وَيَتْرُكَ إذَا شَاءَ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ طَاعَةٌ، وَتَرْكُهُ مُبَاحٌ، فَإِنْ أَطَاعَ أُجِرَ، وَإِنْ تَرَكَ لَمْ يَقْضِ؟ وَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَكْثُرَ مِمَّنْ لَا يُجِيزُ هَذَا الشَّرْطَ وَالنُّصُوصُ كُلُّهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مُوجِبَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ يَقُولُ: بِلُزُومِ الشُّرُوطِ الَّتِي أَبْطَلَهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَنُ، مِنْ اشْتِرَاطِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ تَسَرَّى فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، وَالدَّاخِلَةُ بِنِكَاحٍ طَالِقٌ، وَالسَّرِيَّةُ حُرَّةٌ، وَهَذِهِ شُرُوطُ الشَّيْطَانِ، وَتَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ [مَسْأَلَةٌ كُلُّ فَرْضٍ عَلَى الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ] ٦٢٨ - مَسْأَلَةٌ وَكُلُّ فَرْضٍ عَلَى الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ بِاعْتِكَافِهِ، وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَغُسْلِ الِاحْتِلَامِ، وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَمِنْ الْحَيْضِ، إنْ شَاءَ فِي حَمَّامٍ أَوْ فِي غَيْرِ حَمَّامٍ. وَلَا يَتَرَدَّدُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ تَمَامِ غُسْلِهِ، وَقَضَاءِ حَاجَتِهِ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِابْتِيَاعِ مَا لَا بُدَّ لَهُ وَلِأَهْلِهِ مِنْهُ، مِنْ الْأَكْلِ وَاللِّبَاسِ، وَلَا يَتَرَدَّدُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ تَرَدَّدَ بِلَا ضَرُورَةٍ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَلَهُ أَنْ يُشَيِّعَ أَهْلَهُ إلَى مَنْزِلِهَا. وَإِنَّمَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ: خُرُوجُهُ لِمَا لَيْسَ فَرْضًا عَلَيْهِ؟ وَقَدْ افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: ثنا مُحَمَّدٌ ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» . وَأَمَرَ ﵇ مَنْ دُعِيَ - إنْ كَانَ مُفْطِرًا -: فَلْيَأْكُلْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، بِمَعْنَى أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ؟

стр. 1227

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: ٤١] . فَهَذِهِ فَرَائِضُ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا لِلِاعْتِكَافِ، وَبِلَا شَكٍّ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَدَّى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] . فَفَرَضَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ مَرَّةً وَاحِدَةً، يَسْأَلُ عَنْ حَالِهِ وَاقِفًا وَيَنْصَرِفُ لِأَنَّ مَا زَادَ عَنْ هَذَا فَلَيْسَ مِنْ الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَطْوِيلٌ، فَهُوَ يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ؟ وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِشُهُودِ الْجِنَازَةِ، فَإِذَا صَلَّى عَلَيْهَا انْصَرَفَ، لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْفَرْضَ، وَمَا زَادَ فَلَيْسَ فَرْضًا، وَهُوَ بِهِ خَارِجٌ عَنْ الِاعْتِكَافِ؟ وَفَرْضٌ عَلَيْهِ: أَنْ يَخْرُجَ إذَا دُعِيَ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا بَلَغَ إلَى دَارِ الدَّاعِي وَدَعَا وَانْصَرَفَ، وَلَا يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ؟ وَفَرْضٌ عَلَيْهِ: أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجُمُعَةِ بِمِقْدَارِ مَا يُدْرِكُ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ، فَإِذَا سَلَّمَ رَجَعَ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ الِاعْتِكَافِ، فَإِنْ خَرَجَ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ رَأَى أَنَّ فِي الْوَقْتِ فُسْحَةً فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ ثُمَّ خَرَجَ أَدْرَكَ الْخُطْبَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ، وَإِلَّا فَلْيَتَمَادَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ حَرَجٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ لِلشَّهَادَةِ إذَا دُعِيَ سَوَاءٌ قَبِلَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الشُّهَدَاءَ بِأَنْ لَا يَأْبَوْا إذَا دُعُوا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ مَنْ يَقْبَلُ مِمَّا لَا يَقْبَلُ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] إذَا أَدَّاهَا رَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ وَلَا يَتَرَدَّدُ، فَإِنْ تَرَدَّدَ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؟ وَهُوَ كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: أَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيِّ - عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ فَلْيَشْهَدْ

стр. 1228

الْجُمُعَةَ وَلْيَحْضُرْ الْجِنَازَةَ وَلْيَعُدْ الْمَرِيضَ وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ يَأْمُرُهُمْ بِحَاجَتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ؟ وَبِهِ إلَى سَعِيدٍ: نا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَعَانَ ابْنَ أُخْتِهِ جَعْدَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ بِسَبْعِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ عَطَائِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا خَادِمًا، فَقَالَ: إنِّي كُنْت مُعْتَكِفًا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَمَا عَلَيْك لَوْ خَرَجَتْ إلَى السُّوقِ فَابْتَعْت؟ وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ: نا هُشَيْمٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَعُودُ الْمَرِيضَ مِنْ أَهْلِهَا إذَا كَانَتْ مُعْتَكِفَةً إلَّا وَهِيَ مَارَّةٌ؟ وَبِهِ إلَى سَعِيدٍ: نا هُشَيْمٌ أَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ هَذِهِ الْخِصَالَ - وَهُنَّ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ -: عِيَادَةَ الْمَرِيضِ، وَلَا يَدْخَلُ سَقْفًا، وَيَأْتِي الْجُمُعَةَ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيَخْرُجُ إلَى الْحَاجَةِ؟ قَالَ إبْرَاهِيمُ: وَلَا يَدْخَلُ الْمُعْتَكِفُ سَقِيفَةً إلَّا لِحَاجَةٍ؟ وَبِهِ إلَى هُشَيْمٍ: أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيُجِيبُ الْإِمَامَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يُرَخِّصُ لِلْمُعْتَكِفِ: أَنْ يَتْبَعَ الْجِنَازَةَ، وَيَعُودَ الْمَرِيضَ وَلَا يَجْلِسَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَدْخَلُ الْبَابَ فَيُسَلِّمُ وَلَا يَقْعُدُ، يَعُودُ الْمَرِيضَ؟ وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا إذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِحَاجَتِهِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ فَيُسَائِلُهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ، أَوْ سَأَلَهُ عَنْ سُنَّةٍ مِنْ الدِّينِ، وَإِلَّا فَلَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ

стр. 1229

يَعُودَ الْمَرِيضَ، وَيَتْبَعَ الْجِنَازَةَ، وَيَأْتِيَ إلَى الْجُمُعَةِ، وَيُجِيبَ الدَّاعِيَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: إنْ نَذَرَ جِوَارًا أَيَنْوِي فِي نَفْسِهِ أَنْ لَا يَصُومَ، وَأَنَّهُ يَبِيعُ وَيَبْتَاعُ، وَيَأْتِي الْأَسْوَاقَ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَتْبَعُ الْجِنَازَةَ وَإِنْ كَانَ مَطَرٌ: فَإِنِّي أَسْتَكِنُ فِي الْبَيْتِ. وَإِنِّي أُجَاوِرُ جِوَارًا مُنْقَطِعًا، أَوْ أَنْ يَعْتَكِفَ النَّهَارَ وَيَأْتِيَ الْبَيْتَ بِاللَّيْلِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ عَلَى نِيَّتِهِ مَا كَانَتْ، ذَلِكَ لَهُ؟ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ أَيْضًا؟ وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرْضَى وَيَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ، وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ؟ وَرُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعُرْوَةَ، وَالزُّهْرِيِّ: لَا يَعُودُ الْمُعْتَكِفُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ الْجِنَازَةَ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مَكَانٌ صَحَّ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ مَا أَوْرَدْنَا، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفِيَّةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي هَذَا كِفَايَةٌ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ مَنَعَ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا حُجَّةً، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ. وَنَسْأَلُهُمْ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا أَبَاحُوا لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَابْتِيَاعِ مَا لَا بُدَّ

стр. 1230

مِنْهُ، وَبَيْنَ خُرُوجِهِ لِمَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعُودَ الْمَرِيضَ، وَلَا أَنْ يَشْهَدَ الْجِنَازَةَ، وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجُمُعَةِ بِمِقْدَارِ مَا يُصَلِّي سِتَّ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَلَهُ أَنْ يَبْقَى فِي الْجَامِعِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِقْدَارَ مَا يُصَلِّي سِتَّ رَكَعَاتٍ، فَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرَ، أَوْ خَرَجَ لِأَكْثَرَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، فَإِنْ خَرَجَ لِجِنَازَةٍ، أَوْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؟ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِكُلِّ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارُ لُبْثِهِ فِي خُرُوجِهِ لِذَلِكَ نِصْفَ يَوْمٍ فَأَقَلَّ لَمْ يَضُرَّ اعْتِكَافَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّ فِي هَذِهِ التَّحْدِيدَاتِ لَعَجَبًا وَمَا نَدْرِي كَيْفَ يَسْمَحُ ذُو عَقْلٍ أَنْ يُشَرِّعَ فِي دِينِ اللَّهِ هَذِهِ الشَّرَائِعَ الْفَاسِدَةَ فَيَصِيرُ مُحَرِّمًا مُحَلِّلًا مُوجِبًا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَمَا هُوَ إلَّا مَا جَاءَ النَّصُّ بِإِبَاحَتِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ، قَلَّ أَمَدُهُ أَوْ كَثُرَ أَوْ مَا جَاءَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ فَهُوَ حَرَامٌ قَلَّ أَمَدُهُ أَوْ كَثُرَ أَوْ مَا جَاءَ النَّصُّ بِإِيجَابِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِتَحْدِيدٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَسَمْعًا وَطَاعَةً؟ [مَسْأَلَةٌ يَعْمَلُ الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ كُلَّ مَا أُبِيحَ لَهُ] ٦٢٩ - مَسْأَلَةٌ وَيَعْمَلُ الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ كُلَّ مَا أُبِيحَ لَهُ مِنْ مُحَادَثَةٍ فِيمَا لَا يَحْرُمُ، وَمِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ أَيِّ عِلْمٍ كَانَ، وَمِنْ خِيَاطَةٍ، وَخِصَامٍ فِي حَقٍّ، وَنَسْخٍ، وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ، وَتَزَوُّجٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يَتَحَاشَ شَيْئًا، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ: هُوَ الْإِقَامَةُ كَمَا ذَكَرْنَا، فَهُوَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَتْرُكْ الِاعْتِكَافَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ لَا صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قَوْلِ مُتَقَدِّمٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ؟

стр. 1231

وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُهُ طَلَبَ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تُرَجِّلُ شَعْرَهُ الْمُقَدَّسَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ» ، وَكُلُّ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَيْسَ مَعْصِيَةً، لَكِنَّهُ إمَّا طَاعَةً وَإِمَّا سَلَامَةً؟ [مَسْأَلَةٌ خُرُوجُ الْمُعْتَكِفِ عَنْ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ] ٦٣٠ - مَسْأَلَةٌ وَلَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ شَيْءٌ إلَّا خُرُوجُهُ عَنْ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ عَامِدًا ذَاكِرًا، لِأَنَّهُ قَدْ فَارَقَ الْعُكُوفَ وَتَرَكَهُ، وَمُبَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ التَّرْجِيلِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وَتَعَمُّدُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى - أَيِّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ، لِأَنَّ الْعُكُوفَ الَّذِي نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ هُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلَا شَكَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْعُكُوفَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَمَنْ عَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَقَدْ تَرَكَ الْعُكُوفَ عَلَى الطَّاعَةِ فَبَطَلَ عُكُوفُهُ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؟ وَقَالَ مَالِكٌ: الْقُبْلَةُ تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ مُبَاشَرَةٌ وَلَا قُبْلَةٌ إلَّا أَنْ يَنْزِلَ، وَهَذَا تَحْدِيدٌ فَاسِدٌ، قِيَاسٌ لِلْبَاطِلِ عَلَى الْبَاطِلِ، وَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ؟ [مَسْأَلَةٌ الْمُعْتَكِف إذَا عَصَى نَاسِيًا أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِد نَاسِيًا] ٦٣١ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ عَصَى نَاسِيًا، أَوْ خَرَجَ نَاسِيًا، أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ بَاشَرَ، أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا، أَوْ مُكْرَهًا -: فَالِاعْتِكَافُ تَامٌّ لَا يَكْدَحُ كُلُّ ذَلِكَ فِيهِ شَيْئًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ إبْطَالَ اعْتِكَافِهِ وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ - «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . ٦٣٢ - مَسْأَلَةٌ وَيُؤَذِّنُ فِي الْمِئْذَنَةِ إنْ كَانَ بَابُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي صَحْنِهِ، وَيَصْعَدُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ بَابُ الْمِئْذَنَةِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ؟ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.

стр. 1232

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَبْطُلُ؟ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الْمَسْجِدِ - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - مُفَارَقَةٌ لِلْعُكُوفِ وَتَرْكٌ لَهُ، وَالتَّحْدِيدُ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ نَصٍّ بَاطِلٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ خُطْوَةٍ وَخُطْوَتَيْنِ إلَى مِائَةِ أَلْفِ خُطْوَةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الِاعْتِكَافُ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ] ٦٣٣ - مَسْأَلَةٌ وَالِاعْتِكَافُ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ جُمِعَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ أَوْ لَمْ تُجْمَعْ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْقَفًا أَوْ مَكْشُوفًا، فَإِنْ كَانَ لَا يُصَلَّى فِيهِ جَمَاعَةً وَلَا لَهُ إمَامٌ: لَزِمَهُ فَرْضًا الْخُرُوجُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إلَى الْمَسْجِدِ تُصَلَّى فِيهِ جَمَاعَةً إلَّا أَنْ يَبْعُدَ مِنْهُ بُعْدًا يَكُونُ عَلَيْهِ فِيهِ حَرَجٌ فَلَا يَلْزَمُهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا يَلْزَمُهَا فَرْضُ الْجَمَاعَةِ فَتَعْتَكِفُ فِيهِ؟ وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْهُ. وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ، وَلَا لِلرَّجُلِ: أَنْ يَعْتَكِفَا - أَوْ أَحَدُهُمَا - فِي مَسْجِدِ دَارِهِ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَعَمَّ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ -: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، بِمَعْنَى أَنَّهُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ بِأَنَّ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ جَائِزٌ فِيمَا عَدَا الْمَسْجِدَ. فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَا عَدَا الْمَسْجِدِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ. فَصَحَّ أَنْ لَا طَاعَةَ فِي إقَامَةٍ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ. فَصَحَّ أَنْ لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ، وَهَذَا يُوجِبُ مَا قُلْنَا؟ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ . كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، أَحْسِبُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 1233

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلَ سَعِيدٍ فَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، لَا شَكَّ فِي أَحَدِهِمَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَقَطْ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَا جِوَارَ إلَّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، قُلْت لَهُ: فَمَسْجِدُ إِيلِيَا؟ قَالَ: لَا تُجَاوِرُ إلَّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ؟ وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ الْجِوَارَ هُوَ الِاعْتِكَافُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ، أَوْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: جَاءَ حُذَيْفَةُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ لَهُ: أَلَا أَعْجَبُك مِنْ نَاسٍ عُكُوفٍ بَيْنَ دَارِك وَدَارِ الْأَشْعَرِيِّ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا وَأَخْطَأْت، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا أُبَالِي، أَفِيهِ أَعْتَكِفُ، أَوْ فِي سُوقِكُمْ هَذِهِ، إنَّمَا الِاعْتِكَافُ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى؟ قَالَ إبْرَاهِيمُ: وَكَانَ الَّذِينَ اعْتَكَفُوا فَعَابَ عَلَيْهِمْ حُذَيْفَةُ -: فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ الْأَكْبَرِ؟ وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قَوْمٌ عُكُوفٌ بَيْنَ دَارِك وَدَارِ أَبِي مُوسَى، أَلَّا تَنْهَاهُمْ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا وَأَخْطَأْت، وَحَفِظُوا وَنَسِيت، فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدِ مَكَّةَ، وَمَسْجِدِ إيلْيَاءَ؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ؟ رُوِّينَا هَذَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَهُوَ أَوَّلُ قَوْلَيْهِ؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ؟

стр. 1234

كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ نَبِيٍّ؟ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ الْقَوَارِيرِيُّ - ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ ثنا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ نَبِيٍّ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ؟ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَعْمَرٍ، قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ مَعْمَرٌ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَرَجُلٍ، قَالَ هِشَامٌ: عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ يَحْيَى: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقَالَ الرَّجُلُ: عَنْ الْحَسَنِ، قَالُوا كُلُّهُمْ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ؟ وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي قِلَابَةَ: إبَاحَةُ الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا تُصَلَّى فِيهَا الْجُمُعَةُ، وَهُوَ قَوْلُنَا، لِأَنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ بُنِيَ لِلصَّلَاةِ فَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ فِيهِ جَائِزَةٌ فَهُوَ مَسْجِدُ جَمَاعَةٍ؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الِاعْتِكَافُ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، وَيَعْتَكِفُ الرَّجُلُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إسْرَائِيل عَنْ رَجُلٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَكِفَ الرَّجُلُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا؟ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَنْ حَدَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَحْدَهُ، أَوْ مَسْجِدَ مَكَّةَ وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، أَوْ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ، أَوْ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ فَأَقْوَالٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهَا فَلَا

стр. 1235

مَعْنَى لَهَا هُوَ تَخْصِيصٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ أَنْتُمْ عَمَّا رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: نا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ أَوْ قَالَ مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ» ؟ قُلْنَا: هَذَا شَكٌّ مِنْ حُذَيْفَةَ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ، وَلَا يُقْطَعُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَكٍّ، وَلَوْ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: " لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ " لَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا، وَلَمْ يُدْخِلْ فِيهِ شَكًّا. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: نَا هُشَيْمٌ أَنَا جُوَيْبِرٌ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مَسْجِدٍ فِيهِ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ فَالِاعْتِكَافُ فِيهِ يَصْلُحُ» . قُلْنَا: هَذِهِ سَوْأَةٌ لَا يَشْتَغِلُ بِهَا ذُو فَهْمٍ، جُوَيْبِرٌ هَالِكٌ، وَالضَّحَّاكُ ضَعِيفٌ وَلَمْ يُدْرِكْ حُذَيْفَةَ. وَأَمَّا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، فَخَطَأٌ، لِأَنَّ مَسْجِدَ الْبَيْتِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مَسْجِدٍ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ، وَفِي أَنْ يُجْعَلَ كَنِيفًا؟ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ اعْتَكَفْنَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُنَّ كُنَّ مَعَهُ ﵇؟ فَقُلْنَا: كَذِبَ مَنْ قَالَ هَذَا وَافْتَرَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَثِمَ؟

стр. 1236

وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِقَوْلِ عَائِشَةَ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا صَنَعَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بُطْلَانَ التَّعَلُّقِ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَأُقَرِّبُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ تَرْكُ مَا لَمْ يَتْرُكْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا الْمَنْعُ مِمَّا لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ﵇: لِظَنِّ أَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَتَرَكَهُ وَمَنَعَ مِنْهُ، وَهَذَا إحْدَاثُ شَرِيعَةٍ فِي الدِّينِ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ الْقَائِلَةُ هَذَا لَمْ تَرَ قَطُّ مَنْعَ النِّسَاءِ مِنْ الْمَسَاجِدِ فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حَيْض الْمُعْتَكِفَةُ] ٦٣٤ - مَسْأَلَةٌ وَإِذَا حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ أَقَامَتْ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا هِيَ تَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ إذَا وَلَدَتْ، فَإِنَّهَا إنْ اُضْطُرَّتْ إلَى الْخُرُوجِ خَرَجَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ إذَا قَدَرَتْ؟ لِمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ مِنْ أَنَّ الْحَائِضَ تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، وَلَا يَجُوزُ مَنْعُهَا مِنْهُ إذْ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْعِ لَهَا مِنْهُ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا قُتَيْبَةُ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» . [مَسْأَلَةٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ اعْتِكَافٍ] ٦٣٥ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ اعْتِكَافٍ: قَضَاهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، أَوْ اُسْتُؤْجِرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ، لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ؟ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] . وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» .

стр. 1237

وَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْضِهِ عَنْهَا» وَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ نَذْرِ طَاعَةٍ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ هَلْ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ أَمْ لَا، قَبْلَ فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسٍ بِقَضَاءِ نَذْرِ الِاعْتِكَافِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: نا أَبُو الْأَحْوَصِ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ مُصْعَبٍ قَالَ: " اعْتَكَفَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَخِيهَا بَعْدَ مَا مَاتَ "؟ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ اعْتِكَافٌ: اعْتَكَفَ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَعْتَكِفُ عَنْهُ وَلِيُّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُطْعِمُ قَالَ: وَمَنْ نَذَرَ صَلَاةً فَمَاتَ: صَلَّاهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ؟ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: يَعْتَكِفُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَيُصَلِّي عَنْهُ وَلِيُّهُ إذَا نَذَرَ صَلَاةً أَوْ اعْتِكَافًا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الْإِطْعَامُ عَنْهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْتَكِفَ عَنْهُ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ؟ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا قَوْلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، وَمَا لِلْإِطْعَامِ مَدْخَلٌ فِي الِاعْتِكَافِ وَهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَقَدْ خَالَفُوا هَهُنَا عَائِشَةَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَقَوْلُهُمْ فِي هَذَا قَوْلٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ

стр. 1238

صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِكُلِّ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ وَهُوَ مَرِيضٌ فَلَمْ يَصِحَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ وَهُوَ صَحِيحٌ فَلَمْ يَعِشْ إثْرَ نَذْرِهِ إلَّا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَمَاتَ؟ فَإِنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ ثَلَاثُونَ مِسْكِينًا، وَقَدْ لَزِمَهُ اعْتِكَافُ شَهْرٍ. قَالَ: فَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا؟ لَزِمَهُ يَوْمٌ بِلَا لَيْلَةٍ. فَإِنْ قَالَ عَلِيٌّ اعْتِكَافُ يَوْمَيْنِ لَزِمَهُ يَوْمَانِ وَمَعَهُمَا لَيْلَتَانِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَتَيْنِ؟ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا يَوْمَانِ وَلَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ وَلَا فَرْقَ. فَهَلْ فِي التَّخْلِيطِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ؟ [مَسْأَلَةٌ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ مُسَمَّاةٍ أَوْ أَرَادَ ذَلِكَ تَطَوُّعًا] ٦٣٦ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ مُسَمَّاةٍ، أَوْ أَرَادَ ذَلِكَ تَطَوُّعًا -: فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي اعْتِكَافِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَيَخْرُجُ إذَا غَابَ جَمِيعُ قُرْصِ الشَّمْسِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ؟ وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ أَوْ لَيَالٍ مُسَمَّاةٍ أَوْ أَرَادَ ذَلِكَ تَطَوُّعًا -: فَإِنَّهُ يَدْخُلُ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ غُرُوبُ جَمِيعِ قُرْصِ الشَّمْسِ، وَيَخْرُجُ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، لِأَنَّ مَبْدَأَ اللَّيْلِ إثْرَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَتَمَامُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَمَبْدَأُ الْيَوْمِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَتَمَامُهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ كُلِّهَا، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ إلَّا مَا الْتَزَمَ أَوْ مَا نَوَى؟ فَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ أَوْ أَرَادَهُ تَطَوُّعًا -: فَمَبْدَأُ الشَّهْرِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ فَيَدْخُلُ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ غُرُوبُ جَمِيعِ قُرْصِ الشَّمْسِ، وَيَخْرُجُ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ كُلُّهَا مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، سَوَاءٌ رَمَضَانُ وَغَيْرُهُ. لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الْمُسْتَأْنَفَةَ لَيْسَتْ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ الَّذِي نَذَرَ اعْتِكَافَهُ أَوْ نَوَى اعْتِكَافَهُ.

стр. 1239

فَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ: دَخَلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ التَّاسِعِ عَشْرَ. لِأَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَا يَصِحُّ لَهُ اعْتِكَافُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ إلَّا كَمَا قُلْنَا، وَإِلَّا فَإِنَّمَا اعْتَكَفَ تِسْعَ لَيَالٍ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ؟ عَلِمَ أَنَّهُ اعْتَكَفَ لَيْلَةً زَائِدَةً، وَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ اعْتِكَافَ اللَّيْلَةِ الْآخِرَةِ لِيَفِيَ بِنَذْرِهِ، إلَّا مَنْ عَلِمَ بِانْتِقَالِ الْقَمَرِ، فَيَدْخُلُ بِقَدْرِ مَا يَدْرِي أَنَّهُ يَفِي بِنَذْرِهِ. وَاَلَّذِي قُلْنَا - مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ - هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ هَارُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَهُ «اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ» . وَهَذَا نَصُّ قَوْلِنَا -: وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ هُوَ الزُّبَيْدِيُّ - حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، والدَّراوَرْدِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ الْعَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَيَسْتَقْبِلُ إحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إلَى مَسْكَنِهِ، وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ» . وَهَذَا نَصُّ قَوْلِنَا، إلَّا أَنَّ فِيهِ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَبْقَى يَوْمَهُ إلَى أَنْ يُمْسِيَ وَهَذَا يُخَرَّجُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ -:

стр. 1240

إمَّا أَنَّهُ تَنَفُّلٌ مِنْهُ ﵇. وَإِمَّا أَنَّهُ ﵇ نَوَى أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ اللَّيَالِيَ بِعَشْرَةِ أَيَّامِهَا؟ وَهَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، فَوَقَعَ فِي لَفْظِهِ تَخْلِيطٌ وَإِشْكَالٌ لَمْ يَقَعَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ إلَّا أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُمَا فِي الْمَعْنَى؟ وَهُوَ أَنَّنَا رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ نَفْسَهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إذَا كَانَ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ - وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ - قَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ، فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إحْدَى وَعِشْرِينَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِنْ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ ﵇ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ بَعْدَ انْقِضَاءِ لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَيُنْذِرُ بِسُجُودِهِ فِي مَاءٍ وَطِينٍ فِيمَا يَسْتَأْنِفُ، وَيَكُونَ ذَلِكَ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ الَّتِي مَضَتْ، فَصَحَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الرَّاوِي، " حَتَّى إذَا كَانَ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ " أَرَادَ اسْتِقْبَالَ لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَبِهَذَا تَتَّفِقُ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مَعَ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ،

стр. 1241

كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَرِوَايَةُ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَابْنِ أَبِي حَازِمٍ، وَمَالِكٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمِ التَّيْمِيِّ -: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا أَبُو النُّعْمَانِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ نا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ - عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا تَطَوُّعٌ مِنْهُ ﵇، وَلَيْسَ أَمْرًا مِنْهُ وَمَنْ زَادَ فِي الْبِرِّ زَادَ خَيْرًا. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ وَالْمُعْتَكِفَةِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ أَحَدٍ خِبَاءٌ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ، ائْتِسَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 1242

[كِتَابُ الزَّكَاةِ] [ مَسْأَلَةٌ حُكْم الزَّكَاة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الزَّكَاةِ ٦٣٧ - مَسْأَلَةٌ: الزَّكَاةُ فَرْضٌ كَالصَّلَاةِ، هَذَا إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَلَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى سَبِيلَ أَحَدٍ حَتَّى يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَيَتُوبَ عَنْ الْكُفْرِ، وَيُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِيَ الزَّكَاةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ، وَمِنْ أَيِّ الْأَمْوَالِ تُؤْخَذُ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ تُؤْخَذُ، وَمَنْ يَأْخُذُهَا، وَأَيْنَ تُوضَعُ؟ [مَسْأَلَةٌ عَلَى مِنْ تجب الزَّكَاة] ٦٣٨ - مَسْأَلَةٌ: وَالزَّكَاةُ فَرْضٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْأَحْرَارِ مِنْهُمْ وَالْحَرَائِرُ وَالْعَبِيدُ، وَالْإِمَاءُ، وَالْكِبَارُ وَالصِّغَارِ، وَالْعُقَلَاءُ، وَالْمَجَانِينُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ كَافِرٍ.

стр. 1243

قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَهَذَا خِطَابٌ مِنْهُ تَعَالَى لِكُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ، مِنْ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى: لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَعَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَى طُهْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ وَتَزْكِيَتِهِ إيَّاهُمْ، وَكُلُّهُمْ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِي عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» . فَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ غَنِيٍّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ إذَا كَانُوا أَغْنِيَاءَ. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فَقَالَا: زَكَاةُ مَالِ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَذَانِ فَقَدْ وَافَقَا أَهْلَ الْحَقِّ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي: هَلْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ مَالَهُ أَمْ لَا؟ وَلَيْسَ هَذَا مَكَانَ الْكَلَامِ فِي

стр. 1244

هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ وَحَسْبُنَا أَنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ مَعَنَا فِي أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْعَبْدِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الْعَبْدِ، لَا عَلَيْهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ. وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ جِدًّا، لِخِلَافِهِ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: الْعَبْدُ لَيْسَ بِتَامِّ الْمِلْكِ. فَقُلْنَا: أَمَّا تَامُّ الْمِلْكِ فَكَلَامٌ لَا يُعْقَلُ. لَكِنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ لَا رَابِعَ لَهَا -: إمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ، وَهَذَا قَوْلُنَا، وَإِذَا كَانَ لَهُ فَهُوَ مَالِكُهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا فَرْقَ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِسَيِّدِهِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، فَيُزَكِّيهِ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ؛ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُمَا مَعًا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا لِلْعَبْدِ وَلَا لِلسَّيِّدِ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ. فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى السَّيِّدِ؛ وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُ الْإِمَامُ، فَيَضَعُهُ حَيْثُ يَضَعُ كُلَّ مَالٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ رَبٌّ. وَهَذَا لَا يَقُولُونَ بِهِ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَنَاقُضِهِمْ فِي إبَاحَتِهِمْ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ فَلَوْلَا أَنَّهُ عِنْدَهُمْ مَالِكٌ لِمَالِهِ لَمَا حَلَّ لَهُ وَطْءُ فَرْجٍ لَا يَمْلِكُهُ أَصْلًا، وَلَكَانَ زَانِيًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ مَالِكًا مِلْكَ يَمِينِهِ لَكَانَ عَادِيًا إذَا تَسَرَّى. وَهُمْ يَرَوْنَ الزَّكَاةَ عَلَى: السَّفِيهِ، وَالْمَجْنُونِ، وَلَا يَنْفُذُ أَمْرُهُمَا فِي أَمْوَالِهِمَا؛ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَالِ الْعَبْدِ. وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ. فَقُلْنَا: هَذَا الْبَاطِلُ، وَمَا رُوِيَ إسْقَاطُ الزَّكَاةِ عَنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ إلَّا عَنْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ مِنْ بَيْنِ صَاحِبٍ وَتَابِعٍ؛ وَقَدْ صَحَّ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃: أَنَّ الْمُكَاتَبَ: عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. وَصَحَّ إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الْعَبْدِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ؛ فَالزَّكَاةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ.

стр. 1245

وَهَذَا مَكَانٌ تَنَاقَضَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، فَقَالَا: لَا زَكَاةَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ. وَاحْتَجَّا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ مِلْكٌ بَعْدُ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا مُجْمِعَانِ مَعَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ فَلْسًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَاجِبٍ؛ وَأَنَّ مَالَهُ بِيَدِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ، مِنْ نَفَقَةٍ عَلَى نَفْسِهِ، وَكِسْوَةٍ، وَبَيْعٍ وَابْتِيَاعٍ، تَصَرُّفَ ذِي الْمِلْكِ فِي مِلْكِهِ؛ فَلَوْلَا أَنَّهُ مَالُهُ وَمِلْكُهُ مَا حَلَّ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فِيهِ. وَهُمْ كَثِيرًا يُعَارِضُونَ السُّنَنَ بِأَنَّهَا خِلَافُ الْأُصُولِ، كَقَوْلِهِمْ فِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ وَحَدِيثِ الْعِتْقِ فِي السِّتَّةِ الْأَعْبُدِ بِالْقُرْعَةِ وَحَدِيثِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَيْتَ شِعْرِي. فِي أَيِّ الْأُصُول وَجَدُوا مَالًا مَحْكُومًا بِهِ لِإِنْسَانٍ مَمْنُوعًا مِنْهُ كُلُّ أَحَدٍ سِوَاهُ مُطْلَقَةً عَلَيْهِ يَدُهُ فِي بَيْعٍ وَابْتِيَاعٍ وَنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى -؛ وَهُوَ لَيْسَ لَهُ. أَمْ فِي أَيِّ سَنَةٍ وَجَدُوا هَذَا. أَمْ فِي أَيِّ الْقُرْآنِ. أَمْ فِي غَيْرِ قِيَاسٍ؟ وَمِمَّنْ رَأَى الزَّكَاةَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ: أَبُو ثَوْرٍ، وَغَيْرُهُ. وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ؛ وَالشَّافِعِيَّ: مُجْمِعَانِ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ، عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ؛ فَمِنْ أَيْنَ أَسْقَطَا الزَّكَاةَ عَنْ مَالِهِ دُونَ مَالِ غَيْرِهِ مِنْ الْعَبِيدِ. وَأَيْضًا - فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَالِ الْمُكَاتَبِ، وَمَالِ الْعَبْدِ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ -: إمَّا أَنْ يَعْتِقَ الْمُكَاتَبُ، فَمَالُهُ لَهُ وَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَرِقَّ، فَمَالُهُ - قَبْلُ وَبَعْدُ - كَانَ عِنْدَهُمَا لِسَيِّدِهِ؛ فَزَكَاتُهُ عَلَى السَّيِّدِ وَشَغَبَ بَعْضُهُمْ بِرِوَايَاتٍ رُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِهِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃: لَا زَكَاةَ فِي مَالِ الْعَبْدِ، وَالْمُكَاتَبُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْحَنَفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ فَقَدْ خَالَفُوا هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَرَأَوْا الزَّكَاةَ فِي مَالِ الْعَبْدِ - وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا بَعْضُهُ حُجَّةٌ وَبَعْضُهُ خَطَأٌ؛ فَهَذَا هُوَ التَّحَكُّمُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَاطِلِ.

стр. 1246

وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَيُقَالُ لَهُمْ: قَدْ خَالَفَ مَنْ ذَكَرْنَا مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ التُّسْتَرِيُّ - ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ حَدَّثَنِي جَابِرٌ الْحَذَّاءُ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ قُلْت: عَلَى الْمَمْلُوكِ زَكَاةٌ. قَالَ: أَلَيْسَ مُسْلِمًا. قُلْت: بَلَى؛ قَالَ: فَإِنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ -: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُطَرِّفُ بْنُ قَيْسٍ ثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ثنا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. فَالزَّكَاةُ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الْمُكَاتَبِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: لِأُقَاتِلَنِّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ. وَالنَّصُّ قَدْ جَاءَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ عَلَى مَا أَوْجَبَهُمَا النَّصُّ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: فِي مَالِ الْعَبْدِ، قَالَ: يُزَكِّيهِ الْعَبْدُ. وَبِهِ إلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسٍ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَنَّهُ قَالَ فِي زَكَاةِ مَالِ الْعَبْدِ، قَالَ: يُزَكِّيهِ الْمَمْلُوكُ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ حُجَيْرٍ: أَنَّ طَاوُسًا كَانَ يَقُولُ: فِي مَالِ الْعَبْدِ زَكَاةٌ -: حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ الْمُرَادِيُّ ثنا

стр. 1247

بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ زَمْعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فِي مَالِ الْعَبْدِ زَكَاةٌ؟ وَبِهِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا غُنْدَرٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَبْدِ هَلْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ؟ : وَقَدْ رُوِّينَا نَحْوَ هَذَا عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِنَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكَمْ قِصَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِمَا جَمِيعًا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ: مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ. وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وَأَمَّا مَالُ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ؛ فَإِنَّ مَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ قَالَا بِقَوْلِنَا؟ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، وَجَابِرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا زَكَاةَ فِي أَمْوَالِهِمَا مِنْ النَّاضِّ وَالْمَاشِيَةِ خَاصَّةً، وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي ثِمَارِهِمَا وَزُرُوعِهِمَا؟ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَقَدَّمَهُ إلَى هَذَا التَّقْسِيمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ: لَا زَكَاةَ فِي ذَهَبِهِ وَفِضَّتِهِ خَاصَّةً - وَأَمَّا الثِّمَارُ وَالزُّرُوعُ وَالْمَوَاشِي فَفِيهَا الزَّكَاةُ؟ وَأَمَّا إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَشُرَيْحٌ، فَقَالَا: لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ جُمْلَةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَسَقَطُ كَلَامٍ وَأَغَثُّهُ؟ لَيْتَ شِعْرِي مَا الْفَرْقُ بَيْنَ زَكَاةِ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَبَيْنَ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ فَلَوْ أَنَّ عَاكِسًا عَكَسَ قَوْلَهُمْ، فَأَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي ذَهَبِهِمَا وَفِضَّتِهِمَا وَمَاشِيَتِهِمَا وَأَسْقَطَهَا عَنْ زَرْعِهِمَا وَثَمَرَتِهِمَا، أَكَانَ يَكُونُ بَيْنَ التَّحَكُّمَيْنِ فَرْقٌ فِي الْفَسَادِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ مَوَّهَ مُمَوِّهٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِمَا؟

стр. 1248

قِيلَ لَهُ: قَدْ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَمَّنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ؟ وَإِنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ عَلَى الْعَاقِلِ الْبَالِغِ ذِي الْمَالِ الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ؛ فَإِنْ سَقَطَ الْمَالُ: سَقَطَتْ الزَّكَاةُ، وَلَمْ تَسْقُطْ الصَّلَاةُ؛ وَإِنْ سَقَطَ الْعَقْلُ أَوْ الْبُلُوغُ: سَقَطَتْ الصَّلَاةُ وَلَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ فَرْضٌ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ ﷺ إلَّا حَيْثُ أَسْقَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ ﷺ . وَلَا يَسْقُطُ فَرْضٌ مِنْ أَجْلِ سُقُوطِ فَرْضٍ آخَرَ بِالرَّأْيِ الْفَاسِدِ، بِلَا نَصِّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ. وَأَيْضًا: فَإِنْ أَسْقَطُوا الزَّكَاةَ عَنْ مَالِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ؛ لِسُقُوطِ الصَّلَاةِ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَاجَانِ إلَى طَهَارَةٍ فَلِيُسْقِطَاهَا بِهَذِهِ الْعِلَّةِ نَفْسِهَا مِنْ زَرْعِهِمَا وَثِمَارِهِمَا وَلَا فَرْقَ؛ وَلِيُسْقِطَا أَيْضًا عَنْهُمَا زَكَاةَ الْفِطْرِ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ، فَإِنْ قَالُوا: النَّصُّ جَاءَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ؟ قُلْنَا: وَالنَّصُّ جَاءَ بِهَا عَلَى الْعَبْدِ، فَأَسْقَطْتُمُوهَا عَنْ رَقِيقِ التِّجَارَةِ بِآرَائِكُمْ، وَهَذَا مِمَّا تَرَكُوا فِيهِ الْقِيَاسَ، إذْ لَمْ يَقِيسُوا زَكَاةَ الْمَاشِيَةِ وَالنَّاضِّ عَلَى زَكَاةِ الزَّرْعِ، وَالْفِطْرِ أَوْ فَلْيُوجِبُوهَا عَلَى الْمُكَاتَبِ؛ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ -: وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: زَكَاةُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي الْأَرْضِ، يَجِبُ بِأَوَّلِ خُرُوجِهِمَا -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ كَذَبَ هَذَا الْقَائِلُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَوَاشِي مِنْ حِينِ اكْتِسَابِهَا إلَى تَمَامِ الْحَوْلِ وَبَيْنَ وُجُوبِهِ فِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ مِنْ حِينِ ظُهُورِهَا إلَى حُلُولِ وَقْتِ الزَّكَاةِ فِيهَا، وَالزَّكَاةُ سَاقِطَةٌ بِخُرُوجِ كُلِّ ذَلِكَ عَنْ يَدِ مَالِكِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَقَبْلَ حُلُولِ وَقْتِ الزَّكَاةِ فِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ. وَإِنَّمَا الْحَقُّ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لَا عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا شَرِيعَةَ عَلَى أَرْضٍ أَصْلًا، إنَّمَا هِيَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] فَظَهَرَ كَذِبُ هَذَا الْقَائِلِ وَفَسَادُ قَوْلِهِ. وَأَيْضًا: فَلَوْ كَانَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الْأَرْضِ لَا عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لَوَجَبَ أَخْذُهَا فِي

стр. 1249

مَالِ الْكَافِرِ مِنْ زَرْعِهِ وَثِمَارِهِ، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى النِّسَاءِ كَهِيَ عَلَى الرِّجَالِ. وَهُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ أَرَضُونَ كَثِيرَةٌ لَا حَقَّ فِيهَا مِنْ زَكَاةٍ وَلَا مِنْ خَرَاجٍ كَأَرْضِ مُسْلِمٍ جَعَلَهَا قَصَبًا وَهِيَ تُغِلُّ الْمَالَ الْكَثِيرَ، أَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَجْعَلْ فِيهَا شَيْئًا، وَكَأَرْضِ ذِمِّيٍّ صَالَحَ عَلَى جِزْيَةٍ رَأْسِهِ فَقَطْ؟ وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَأَشْهَبُ، وَالشَّافِعِيُّ: إنَّ الْخَرَاجِيَّ الْكَافِرَ إذَا ابْتَاعَ أَرْضَ عُشْرٍ مِنْ مُسْلِمٍ فَلَا خَرَاجَ فِيهَا وَلَا عُشْرَ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ بِالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْبَحْرَيْنِ كَانَتْ لَهُمَا أَرَضُونَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ﵇ فِيهَا عُشْرًا وَلَا خَرَاجًا. فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَذَكَرَ الصَّبِيَّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَالْمَجْنُونَ حَتَّى يُفِيقَ» ؟ قُلْنَا: فَأَسْقَطُوا عَنْهُمَا بِهَذِهِ الْحُجَّةِ زَكَاةَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، وَأُرُوشَ الْجِنَايَاتِ، الَّتِي هِيَ سَاقِطَةٌ بِهَا بِلَا شَكٍّ، وَلَيْسَ فِي سُقُوطِ الْقَلَمِ سُقُوطُ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا فِيهِ سُقُوطُ الْمَلَامَةِ، وَسُقُوطُ فَرَائِضِ الْأَبْدَانِ فَقَطْ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالُوا لَا نِيَّةَ لِمَجْنُونٍ، وَلَا لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وَالْفَرَائِضُ لَا تُجْزِئُ إلَّا بِنِيَّةٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِأَخْذِهَا الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَإِذَا أَخَذَهَا مَنْ أُمِرَ بِأَخْذِهَا بِنِيَّةِ أَنَّهَا الصَّدَقَةُ أَجْزَأَتْ عَنْ الْغَائِبِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ، وَمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ؟ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ -:

стр. 1250

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَمِعُوا الْقَاسِمَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ يَقُولُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُزَكِّي أَمْوَالَنَا وَنَحْنُ أَيْتَامٌ فِي حِجْرِهَا؛ زَادَ يَحْيَى: وَإِنَّهُ لِيَتَّجِرَ بِهَا فِي الْبَحْرِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: ثنا وَكِيعٌ ثنا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ هُوَ الْحُدَّانِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ قَالَ قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إنَّ عِنْدِي مَالَ يَتِيمٍ قَدْ كَادَتْ الصَّدَقَةُ أَنْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَمُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَلِي مَالَ الْيَتِيمِ، قَالَ: يُعْطِي زَكَاتَهُ وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: بَاعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَرْضًا لَنَا بِثَمَانِينَ أَلْفًا، وَكُنَّا يَتَامَى فِي حِجْرِهِ؛ فَلَمَّا قَبَضْنَا أَمْوَالَنَا نَقَصَتْ. فَقَالَ: إنِّي كُنْت أُزَكِّيهِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: احْصِ مَا فِي مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ زَكَاةٍ، فَإِذَا بَلَغَ، فَإِنْ آنَسْت مِنْهُ رُشْدًا فَأَخْبِرْهُ، فَإِنْ شَاءَ زَكَّى وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ؟ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ إلَّا رِوَايَةً ضَعِيفَةً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ وَقَدْ حَدَّثَنَا حُمَامٌ عَنْ ابْنِ مُفَرِّجٍ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ الدَّبَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ابْتَغُوا فِي مَالِ الْيَتِيمِ لَا تَأْكُلْهُ الزَّكَاةُ»

стр. 1251

وَالْحَنَفِيُّونَ يَقُولُونَ: الْمُرْسَلُ كَالْمُسْنَدِ، وَقَدْ خَالَفُوا هَاهُنَا الْمُرْسَلَ وَجُمْهُورَ الصَّحَابَةِ ﵃ [مَسْأَلَةٌ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ كَافِرٍ] ٦٣٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ كَافِرٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُعَذَّبٌ عَلَى مَنْعِهَا؛ إلَّا أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَلَا فَرْقَ، فَإِذَا أَسْلَمَ فَقَدْ تَفَضَّلَ بِإِسْقَاطِ مَا سَلَفَ عَنْهُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] وَقَالَ ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا خِلَافَ فِي كُلِّ هَذَا، إلَّا فِي وُجُوبِ الشَّرَائِعِ عَلَى الْكُفَّارِ، فَإِنْ طَائِفَةٌ عَنَدَتْ عَنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ: خَالَفُوا فِي ذَلِكَ [مَسْأَلَةٌ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ إلَّا فِي ثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ مِنْ الْأَمْوَالِ] ٦٤٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ إلَّا فِي ثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ مِنْ الْأَمْوَالِ فَقَطْ وَهِيَ: الذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ، وَالْقَمْحُ، وَالشَّعِيرُ، وَالتَّمْرُ، وَالْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ ضَأْنُهَا وَمَاعِزُهَا فَقَطْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، وَفِيهَا جَاءَتْ السُّنَّةُ، عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَاخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ مِمَّا عَدَاهَا. ٦٤١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ الثِّمَارِ، وَلَا مِنْ الزَّرْعِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَعَادِنِ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا؟ وَلَا فِي الْخَيْلِ، وَلَا فِي الرَّقِيقِ، وَلَا فِي الْعَسَلِ، وَلَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، لَا عَلَى

стр. 1252

مُدِيرٍ وَلَا غَيْرِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَا؛ فَأَوْجَبَ بَعْضُهُمْ الزَّكَاةَ فِيهَا، وَلَمْ يُوجِبْهَا بَعْضُهُمْ وَاتَّفَقُوا فِي أَصْنَافٍ سِوَى هَذِهِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا. فَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ كُلُّ مَا اُكْتُسِبَ لِلْقُنْيَةِ لَا لِلتِّجَارَةِ، مِنْ جَوْهَرٍ، وَيَاقُوتٍ، وَوِطَاءٍ، وَغِطَاءٍ، وَثِيَابٍ، وَآنِيَةِ نُحَاسٍ؛ أَوْ حَدِيدٍ، أَوْ رَصَاصٍ، أَوْ قَزْدِيرٍ، وَسِلَاحٍ، وَخَشَبٍ، وَدُرُوعٍ وَضِيَاعٍ، وَبِغَالٍ، وَصُوفٍ، وَحَرِيرٍ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ كُلِّهِ لَا تَحَاشَ شَيْئًا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كُلُّ مَا عُمِلَ مِنْهُ خُبْزٌ أَوْ عَصِيدَةٌ: فَفِيهِ الزَّكَاةُ؛ وَمَا لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا تَفَكُّهًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ، وَالسُّلْتِ وَهِيَ كُلُّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ. قَالَ: وَفِي الْعَلْسِ وَهُوَ صِنْفٌ مُنْفَرِدٌ. وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: إنَّهُ يُضَمُّ إلَى الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ، وَالسُّلْتِ. قَالَ: وَفِي الدَّخَنِ؛ وَهُوَ صِنْفٌ مُنْفَرِدٌ، وَفِي السِّمْسِمِ وَالْأُرْزِ، وَالذُّرَةِ، وَكُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا مُنْفَرِدٌ لَا يُضَمُّ إلَى غَيْرِهِ. وَفِي الْفُولِ وَالْحِمَّصِ وَاللُّوبِيَا، وَالْعَدَسِ وَالْجُلُبَّانِ وَالْبَسِيلِ وَالتُّرْمُسِ؛ وَسَائِرِ الْقُطْنِيَّةِ. وَكُلِّ مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ صِنْفٌ وَاحِدٌ يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ.

стр. 1253

قَالَ: وَأَمَّا فِي الْبُيُوعِ فَكُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا عَلَى حِيَالِهِ، إلَّا الْحِمَّصَ، وَاللُّوبِيَا؛ فَإِنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ؟ وَمَرَّةً رَأَى الزَّكَاةَ فِي حَبِّ الْعُصْفُرِ، وَمَرَّةً لَمْ يَرَهَا فِيهِ؟ وَأَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي زَيْتِ الْفُجْلِ. وَلَمْ يَرَ الزَّكَاةَ فِي زَرِيعَةِ الْكَتَّانِ وَلَا فِي زَيْتِهَا وَلَا فِي الْكَتَّانِ، وَلَا فِي الْكِرْسِنَّةِ. وَلَا فِي الْخُضَرِ كُلِّهَا وَلَا فِي اللُّفْتِ. وَرَأَى الزَّكَاةَ فِي زَيْتِ الزَّيْتُونِ لَا فِي حَبِّهِ. وَلَمْ يَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الثِّمَارِ، لَا فِي تِينٍ وَلَا بَلُّوطٍ، وَلَا قَسْطَلٍ، وَلَا رُمَّانٍ، وَلَا جَوْزِ الْهِنْدِ، وَلَا جَوْزٍ، وَلَا لَوْزٍ. وَلَا غَيْرَ غَيْرِ ذَلِكَ أَصْلًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ مِنْ حُبُوبٍ أَوْ ثِمَارٍ أَوْ نُوَّارٍ لَا تَحَاشَ شَيْئًا حَتَّى الْوَرْدُ وَالسَّوْسَنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ حَاشَا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ فَقَطْ، وَهِيَ: الْحَطَبُ، وَالْقَصَبُ، وَالْحَشِيشُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا؟ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي قَصَبِ الذَّرِيرَةِ فَمَرَّةً رَأَى فِيهَا الزَّكَاةَ، وَمَرَّةً لَمْ يَرَهَا فِيهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا زَكَاةَ فِي الْخُضَرِ كُلِّهَا، وَلَا فِي الْفَوَاكِهِ؟ وَأَوْجَبَا الزَّكَاةَ فِي الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالتِّينِ، وَحَبِّ الزَّيْتُونِ، وَالْجِلَّوْزِ وَالصَّنَوْبَرِ، وَالْفُسْتُقِ، وَالْكَمُّونِ، وَالْكَرَوْيَا وَالْخَرْدَلِ، وَالْعُنَّابِ، وَحَبِّ الْبَسْبَاسِ. وَفِي الْكَتَّانِ، وَفِي زَرِيعَتِهِ أَيْضًا، وَفِي حَبِّ الْعُصْفُرِ، وَفِي نُوَّارِهِ، وَفِي حَبِّ

стр. 1254

الْقِنَّبِ لَا فِي كَتَّانِهِ، وَفِي الْفُوَّهِ إذَا بَلَغَ كُلُّ صِنْفٍ مِمَّا ذَكَرْنَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَإِلَّا فَلَا؟ وَأَوْجَبَا الزَّكَاةَ فِي الزَّعْفَرَانِ، وَفِي الْقُطْنِ، وَالْوَرْسِ؟ ثُمَّ اخْتَلَفَا -: فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا بَلَغَ مَا يُصَابُ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ مِنْ ذُرَةٍ، أَوْ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ مِنْ زَبِيبٍ - أَحَدَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ فَقَطْ، لَا مِنْ شَيْءٍ غَيْرَهَا -: فَفِيهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ نَقَصَ عَنْ قِيمَةِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ أَحَدِ مَا ذَكَرْنَا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إنْ بَلَغَ مَا يُرْفَعُ مِنْ الزَّعْفَرَانِ: خَمْسَةَ أَمْنَانٍ وَهِيَ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَلِكَ الْوَرْسُ. وَإِنْ بَلَغَ الْقُطْنُ خَمْسَةَ أَحْمَالٍ وَهِيَ ثَلَاثَةُ آلَافِ رِطْلٍ فُلْفُلِيَّةٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا. وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ حَبَّ الْعُصْفُرِ إنْ بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ زُكِّيَ هُوَ وَنُوَّارُهُ، وَإِنْ نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُزَكَّ لَا حَبُّهُ وَلَا نُوَّارُهُ. وَاخْتَلَفَا فِي الْإِجَّاصِ وَالْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْحِنَّاءِ، فَمَرَّةً أَوْجَبَا فِيهَا الزَّكَاةَ وَمَرَّةً أَسْقَطَاهَا؟ وَأَسْقَطَا الزَّكَاةَ عَنْ خُيُوطِ الْقِنَّبِ، وَعَنْ حَبِّ الْقُطْنِ، وَعَنْ الْبَلُّوطِ، وَالْقَسْطَلِ، وَالنَّبْقِ وَالتُّفَّاحِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالْمِشْمِشِ، وَالْهَلِيلِجِ وَالْقِثَّاءِ، وَاللُّفْتِ، وَالتُّوتِ،

стр. 1255

وَالْخَرُّوبِ، وَالْحُرْفِ وَالْحُلْبَةِ، وَالشُّونِيزِ وَالْكُرَّاثِ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُد بْنُ عَلِيٍّ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ، وَفِي كُلِّ ثَمَرَةٍ، وَفِي الْحَشِيشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَا تَحَاشَ شَيْئًا. قَالُوا: فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْكَيْلَ لَمْ تَجِبْ فِيهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَبْلُغَ الصِّنْفُ الْوَاحِدُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا، وَمَا كَانَ لَا يَحْتَمِلُ فَفِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الزَّكَاةُ. وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ السَّلَفِ الْأَوَّلِ أَقْوَالًا؟ -: فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْ الْكُرَّاثِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ رَأَى الزَّكَاةَ فِي السُّلْتِ؟ وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَهُوَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْهُ. وَرَوَاهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْهُ، وَأَنَّهُ قَالَ: فِي عَشْرِ دَسْتَجَاتِ بَقْلٍ دَسْتَجَةٌ. وَرَوَاهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ شُعْبَةُ وَرُوِّينَا عَنْ الزُّهْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الثِّمَارِ عُمُومًا، دُونَ تَخْصِيصِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ. وَعَنْ الزُّهْرِيِّ إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي التَّوَابِلِ وَالزَّعْفَرَانِ: عُشْرُ مَا يُصَابُ مِنْهَا. وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي الْبُقُولِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ مِنْ إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي السُّلْتِ فَإِنَّهُ قَدَّرَ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْقَمْحِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْقَمْحُ يَسْتَحِيلُ فِي بَعْضِ الْأَرَضِينَ سُلْتًا؛ فَإِنَّ اسْمَهُمَا عِنْدَ الْعَرَبِ مُخْتَلِفٌ، وَحَدُّهُمَا فِي الْمُشَاهَدَةِ مُخْتَلِفٌ، فَهُمَا

стр. 1256

صِنْفَانِ بِلَا شَكٍّ وَقَدْ يَسْتَحِيلُ الْعَصِيرُ خَمْرًا، وَيَسْتَحِيلُ الْخَمْرُ خَلًّا، وَهِيَ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ بِلَا خِلَافٍ؛ وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ بُرْهَانٌ مِنْ نَصٍّ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ وَلَا مِنْ مَعْقُولٍ عَلَى أَنَّ مَا اسْتَحَالَ إلَى شَيْءٍ آخَرَ؛ فَهُمَا نَوْعٌ وَاحِدٌ؛ وَلَكِنْ إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَسْمَاءُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُوقَعَ حُكْمٌ وَرَدَ فِي اسْمِ صِنْفٍ مَا عَلَى مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يُوقَعَ عَلَى غَيْرِ السَّارِقِ حُكْمُ السَّارِقِ، وَعَلَى غَيْرِ الْغُنْمِ حُكْمُ الْغَنَمِ. وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَرُوِّينَا فِي ذَلِكَ أَثَرًا لَا يَصِحُّ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَهُوَ سَاقِطٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «إنَّ هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: فِي النَّخْلِ وَالزَّرْعِ قَمْحُهُ وَسُلْتُهُ وَشَعِيرُهُ فِيمَا سُقِيَ مِنْ ذَلِكَ بِالرِّشَاءِ نِصْفُ الْعُشْرِ» . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَهَذِهِ صَحِيفَةٌ لَا تُسْنَدُ، وَقَدْ خَالَفَ خُصُومُنَا أَكْثَرَ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ حَدَّ حَدًّا فَاسِدًا لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُ؛ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ سَاقِطٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُ قَاسَ عَلَى الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ كُلَّ مَا يُعْمَلُ مِنْهُ خُبْزٌ أَوْ عَصِيدَةٌ، وَلَمْ يَقِسْ عَلَى التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ كُلَّ مَا يَتَقَوَّتُ مِنْ الثِّمَارِ، فَإِنَّ الْبَلُّوطَ وَالتِّينَ وَالْقَسْطَلَ وَجَوْزَ الْهِنْد أَقْوَى وَأَشْهَرَ فِي التَّقَوُّتِ مِنْ الزَّبِيبِ بِلَا شَكٍّ؛ فَمَا عَلِمَنَا بَلَدًا يَكُونُ قُوتُ أَهْلِهِ الزَّبِيبُ صِرْفًا، وَنَعْلَمُ بِلَادًا لَيْسَ قُوتُهَا إلَّا الْقَسْطَلَ، وَجَوْزَ الْهِنْدِ وَالتِّينَ صِرْفًا؛ وَكَذَلِكَ

стр. 1257

الْبَلُّوطُ، وَقَدْ يُعْمَلُ مِنْهُ الْخُبْزُ وَالْعَصِيدَةُ؛ فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَأَشَدُّ وَأَبْيَنُ فِي الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ عِلَّتُهُ التَّقَوُّتَ فَإِنَّ الْقَسْطَلَ، وَالْبَلُّوطَ، وَالتِّينَ، وَجَوْزَ الْهِنْدِ، وَاللُّفْتَ، بِلَا شَكٍّ أَقْوَى فِي التَّقَوُّتِ مِنْ الزَّيْتِ وَمِنْ الزَّيْتُونِ وَمِنْ الْحِمَّصِ وَمِنْ الْعَدَسِ وَمِنْ اللُّوبْيَاءِ. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ إيجَابُهُ الزَّكَاةَ فِي زَيْتِ الْفُجْلِ. وَهُوَ لَا يُؤْكَلُ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْوَقِيدِ خَاصَّةً؛ وَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِأَرْضِ مِصْرَ فَقَطْ. وَأَخْبَرَنِي ثِقَةٌ فِي نَقْلِهِ وَتَمْيِيزِهِ أَنَّ الْمُسَمَّى بِمِصْرَ فُجْلًا يُعْمَلُ مِنْهُ الزَّيْتُ الَّذِي رَأَى مَالِكٍ فِيهِ الزَّكَاةَ، هُوَ النَّبَاتُ الْمُسَمَّى عِنْدَنَا بِالْأَنْدَلُسِ " اللبشتر " وَهُوَ نَبَاتٌ صَحْرَاوِيٌّ لَا يُغْتَرَسُ أَصْلًا. وَلَمْ يَرَ الزَّكَاةَ فِي زَيْتِ زَرِيعَةِ الْكَتَّانِ، وَلَا فِي زَيْتِ السِّمْسِمِ، وَزَيْتِ الْجَوْزِ، وَزَيْتِ الهركان، وَزَيْتِ الزنبوج وَزَيْتِ الضَّرْوِ وَهَذِهِ تُؤْكَلُ وَيُوقِدُ بِهَا، وَهِيَ زُيُوتُ خُرَاسَانَ، وَالْعِرَاقِ، وَأَرْضِ الْمُصَامَدَةِ، وَصِقِلِّيَّةَ؟ وَلَا مُتَعَلَّقَ لِقَوْلِهِ فِي قُرْآنٍ، وَلَا فِي سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا فِي رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ دَلِيلِ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا رَأَى فِيهِ الزَّكَاةَ لَيْسَ يُعْرَفُ بِالْمَدِينَةِ؟ وَمَا نَعْرِفُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ: فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَالَا نَصًّا عَنْهُمَا: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الزَّكَاةِ عِنْدَهُمَا، ثُمَّ

стр. 1258

يُسْقِطَانِ الزَّكَاةَ عَنْ أَكْثَرِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بِاسْمِهِ مِنْ الرُّمَّانِ، وَسَائِرِ مَا يَكُونُ فِي الْجَنَّاتِ، وَهَذَا عَجَبٌ لَا نَظِيرَ لَهُ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الزَّكَاةَ فِيهَا فِيمَا يُحْصَدُ. فَقِيلَ لِلْمَالِكِيِّينَ: فَمِنْ أَيْنَ أَوْجَبْتُمْ الزَّكَاةَ فِي الزَّيْتُونِ، وَهُوَ عِنْدَكُمْ لَا يُحْصَدُ. وَيُقَالُ لِلشَّافِعِيِّينَ: مَنْ لَكُمْ بِأَنَّ الْحَصَادَ لَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الزَّرْعِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ فَقَالَ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] . «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ: اُحْصُدُوهُمْ حَصْدًا» . وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ: فَأَسْقَطُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا وَأَشَدُّهَا تَنَاقُضًا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَا التَّحْدِيدَ بِمَا يُتَقَوَّتُ، وَلَا بِمَا يُكَالُ، وَلَا بِمَا يُؤْكَلُ وَلَا بِمَا يَيْبَسُ، وَلَا بِمَا يُدَّخَرُ، وَأَتَيَا بِأَقْوَالٍ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ. فَأَوْجَبَا الزَّكَاةَ فِي الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ، وَالْجِلَّوْزِ، وَالصَّنَوْبَرِ. وَأَسْقَطَاهَا عَنْ الْبَلُّوطِ، وَالْقَسْطَلِ، وَاللُّفْتِ. وَأَوْجَبَاهَا فِي الْبَسْبَاسِ، وَأَسْقَطَاهَا عَنْ الشُّونِيزِ، وَهُمَا أَخَوَانِ. وَأَوْجَبَاهَا - فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ - فِي الثُّومِ وَالْبَصَلِ، وَأَسْقَطَاهَا عَنْ الْكُرَّاثِ. وَأَوْجَبَاهَا فِي خُيُوطِ الْكَتَّانِ وَحَبِّهِ. وَأَوْجَبَاهَا فِي حَبِّ الْعُصْفُرِ وَنُوَّارِهِ. وَأَوْجَبَاهَا فِي خُيُوطِ الْقُطْنِ دُونَ حَبِّهِ. وَأَوْجَبَاهَا فِي خُيُوطِ الْقِنَّبِ، وَأَسْقَطَاهَا عَنْ خُيُوطِهِ. وَأَوْجَبَاهَا فِي الْخَرْدَلِ، وَأَسْقَطَاهَا عَنْ الْحُرْفِ. وَأَوْجَبَاهَا فِي الْعُنَّابِ، وَأَسْقَطَاهَا عَنْ النَّبْقِ وَهُمَا أَخَوَانِ. وَأَوْجَبَاهَا فِي الرُّمَّانِ، وَأَسْقَطَاهَا عَنْ التُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَهِيَ سَوَاءٌ. فَإِنْ قِيلَ: الرُّمَّانُ مَذْكُورٌ فِي الْآيَةِ. قِيلَ: وَالزَّرْعُ مَذْكُورٌ فِي الْآيَةِ. وَقَدْ أَسْقَطَا الزَّكَاةَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُزْرَعُ. وَهَذِهِ وَسَاوِسُ تُشْبِهُ مَا يَأْتِي بِهِ الْمَمْرُورُ. وَمَا لَهُمَا مُتَعَلِّقٌ لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا

стр. 1259

قَالَ بِذَلِكَ قَبْلَهُمَا، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ الْفَاسِدُ أَيْضًا جُمْلَةً. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُ بِالْقُرْآنِ، وَلَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» لِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الْقَصَبَ، وَالْحَشِيشَ وَوَرَقَ الثِّمَارِ كُلِّهَا، وَهَذَا تَخْصِيصٌ لِمَا احْتَجَّ بِهِ، بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ نَصٍّ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ يُعْقَلُ، مَعَ خِلَافِهِ لِلسُّنَّةِ. فَخَرَجَ أَيْضًا هَذَا الْقَوْلُ عَنْ الْجَوَازِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَقَوْلُنَا، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَوَجَدْنَا أَصْحَابَنَا يَحْتَجُّونَ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَبِالثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» لَا حُجَّةَ لَهُمْ غَيْرُ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ. فَوَجَدْنَا الْآيَةَ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهَا لِوُجُوهٍ -: أَحَدُهَا: أَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَالزَّكَاةُ مَدَنِيَّةٌ، بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ فَبَطَلَ أَنْ تَكُونَ أُنْزِلَتْ فِي الزَّكَاةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ: نَعَمْ هِيَ مَكِّيَّةٌ؛ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ وَحْدَهَا، فَإِنَّهَا مَدَنِيَّةٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ عَلَى صِحَّتِهَا، وَتَخْصِيصٍ بِلَا دَلِيلٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ. لِأَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ زَعَمَ أَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي شَأْنِ ثَابِت بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ ﵁؛ إذْ جَذَّ ثَمَرَتَهُ فَتَصَدَّقَ مِنْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ. فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهَا الزَّكَاةُ. وَالثَّانِي: قَوْله تَعَالَى فِيهَا: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجُوزُ إيتَاؤُهَا يَوْمَ الْحَصَادِ؛ لَكِنْ فِي الزَّرْعِ بَعْدَ الْحَصَادِ، وَالدَّرْسِ وَالذَّرْوِ وَالْكَيْلِ، وَفِي الثِّمَارِ بَعْدَ الْيُبْسِ وَالتَّصْفِيَةِ وَالْكَيْلِ. فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحَقُّ الْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الزَّكَاةُ الَّتِي لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّالِثُ: قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا: ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] وَلَا سَرَفَ فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا مَحْدُودَةٌ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُنْقَصَ مِنْهَا حَبَّةٌ وَلَا تُزَادُ أُخْرَى.

стр. 1260

فَإِنْ قِيلَ: فَمَا هَذَا الْحَقُّ الْمُفْتَرَضُ فِي الْآيَةِ. قُلْنَا: نَعَمْ، هُوَ حَقٌّ غَيْرُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَ الْحَاصِدُ حِينَ الْحَصْدِ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَلَا بُدَّ، لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، هَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ. وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ، كَمَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَشْعَثَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: كَانُوا يُعْطُونَ مَنْ اعْتَرَّ بِهِمْ شَيْئًا سِوَى الصَّدَقَةِ. وَبِهِ إلَى إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ. ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: يُعْطِي نَحْوًا مِنْ الضِّغْثِ. وَمِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: إذَا حَصَدْت وَحَضَرَك الْمَسَاكِينُ: طَرَحْت لَهُمْ مِنْهُ. وَإِذَا طَيَّبْت: طَرَحْت لَهُمْ مِنْهُ. وَإِذَا نَقَّيْته وَأَخَذْت فِي كَيْلِهِ: حَثَوْت لَهُمْ مِنْهُ. وَإِذَا عَلِمْت كَيْلَهُ: عَزَلْت زَكَاتَهُ. وَإِذَا أَخَذْت فِي جِدَادِ النَّخْلِ طَرَحْت لَهُمْ مِنْ التَّفَارِيقِ وَالتَّمْرِ

стр. 1261

وَإِذَا أَخَذْت فِي كَيْلِهِ: حَثَوْت لَهُمْ مِنْهُ. وَإِذَا عَلِمْت كَيْلَهُ: عَزَلْت زَكَاتَهُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: هَذَا وَاجِبٌ حِينَ يُصْرِمُ. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَقَالَ: كَانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا غَيْرَ الصَّدَقَةِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: يَمُرُّ بِهِ الضَّعِيفُ وَالْمِسْكِينُ فَيُعْطِيهِ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَكُونُ. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . قَالَ: بَعْدَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَقَةِ، يُعْطِي الضِّغْثَ وَالشَّيْءَ. وَعَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . قَالَ: لُقَاطِ السُّنْبُلِ. وَعَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: شَيْءٌ يَسِيرٌ سِوَى الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ. وَلَا يَصِحُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، وَهُوَ سَاقِطٌ؛ وَمِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ نُسِخَ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِنَصٍّ مُتَّصِلٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَّا فَمَا يَعْجَزُ أَحَدٌ عَنْ أَنْ يَدَّعِيَ فِي أَيِّ آيَةٍ شَاءَ، وَفِي أَيِّ حَدِيثٍ شَاءَ: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. وَدَعْوَى النَّسْخِ إسْقَاطٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ النَّصِّ؛ وَهَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِنَصٍّ مُسْنَدٍ صَحِيحٍ. وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ» فَهُوَ خَبَرٌ صَحِيحٌ؛ لَوْ لَمْ يَأْتِ مَا يَخُصُّهُ لَمْ يَجُزْ خِلَافُهُ لِأَحَدٍ.

стр. 1262

لَكِنْ وَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدِ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا كُلُّهُمْ: ثنا وَكِيعٌ: وَقَالَ الطَّلْمَنْكِيُّ: ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ -: ثُمَّ اتَّفَقَ وَكِيعٌ، وَيَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقِ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ» . قَالَ وَكِيعٌ فِي رِوَايَتِهِ " مِنْ تَمْرٍ " وَاتَّفَقَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، فَنَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّدَقَةَ عَنْ كُلِّ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ. وَلَفْظَةُ " دُونَ " فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ تَقَعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ وُقُوعًا مُسْتَوِيًا، لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَهُمَا بِمَعْنَى: أَقَلُّ، وَبِمَعْنَى: غَيْرُ، قَالَ : ﴿أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٢] أَيْ مِنْ غَيْرِي. وَقَالَ : ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ [الأنفال: ٦٠] أَيْ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَحَيْثُمَا وَقَعَتْ لَفْظَةُ " دُونَ " فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ بِمَعْنَى: غَيْرُ؛ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصِرَ بِلَفْظَةِ " دُونَ " فِي هَذَا الْخَبَرِ عَلَى مَعْنَى: أَقَلُّ دُونَ مَعْنَى: غَيْرُ

стр. 1263

وَنَحْنُ إذَا حَمَلْنَا " دُونَ " هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى: غَيْرُ دَخَلَ فِيهِ: أَقَلُّ؛ وَتَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ نَصٍّ لَا يَحِلُّ. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ، وَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِنَصِّ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ فِي الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَبِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقِّنِ وَالنَّصِّ أَيْضًا. وَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَمَّا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَلَا نَصَّ فِيهِ، بِنَفْيِ النَّبِيِّ ﷺ الزَّكَاةَ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ غَيْرُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ ثُمَّ وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ " حَبٍّ " فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلا﴾ [عبس: ٢٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَبُّ: الْبُرُّ، وَالْقَضْبُ: الْفِصْفِصَةُ، فَاقْتَصَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - وَهُوَ الْحُجَّةُ فِي اللُّغَةِ - بِالْحَبِّ عَلَى الْبُرِّ. وَذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد الدِّينَوَرِيُّ اللُّغَوِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي النَّبَاتِ فِي بَابِ تَرْجَمَتِهِ " بَابُ الزَّرْعِ وَالْحَرْثِ وَأَسْمَاءِ الْحَبِّ وَالْقَطَانِيِّ وَأَوْصَافِهَا " فَقَالَ -: قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَهُوَ الشَّيْبَانِيُّ - جَمِيعُ بُزُورِ النَّبَاتِ يُقَالُ لَهَا " الْحِبَّةُ " بِكَسْرِ الْحَاءِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ كَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: «فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ: وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: وَاحِدُ الْحَبَّةِ: حَبَّةُ،

стр. 1264

بِفَتْحِ الْحَاءِ؛ فَأَمَّا الْحَبُّ فَلَيْسَ إلَّا الْحِنْطَةَ، وَالشَّعِيرَ، وَاحِدُهَا حَبَّةٌ، بِفَتْحِ الْحَاءِ؛ وَإِنَّمَا افْتَرَقَتَا فِي الْجَمْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ - إثْرَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ لِأَبِي نَصْرٍ صَاحِبِ الْأَصْمَعِيِّ كَلَامًا نَصُّهُ: وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْحُبُوبِ كَالْأُرْزِ، وَالدَّخَنِ، قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ جُمُوعٍ -: الْحَبُّ لِلْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ خَاصَّةً، وَالْحِبَّةُ - بِكَسْرِ الْحَاءِ وَزِيَادَةِ الْهَاءِ فِي آخِرِهَا - لِكُلِّ مَا عَدَاهُمَا مِنْ الْبُزُورِ خَاصَّةً، وَالْحُبُوبُ لِلْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الْبُزُورِ. وَالْكِسَائِيُّ إمَامٌ فِي اللُّغَةِ، وَفِي الدِّينِ، وَالْعَدَالَةِ. فَإِذْ قَدْ صَحَّ أَنَّ الْحَبَّ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَصًّا بِنَفْيِ الزَّكَاةِ عَنْ غَيْرِهِمَا وَغَيْرِ التَّمْرِ -: فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ النَّبَاتِ غَيْرِهِمَا وَغَيْرِ التَّمْرِ. وَقَدْ رَوَى مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ، عَمَّنْ لَا يُوثَقُ بِهِ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، عَمَّنْ لَا يُوثَقُ بِهِ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الْحُبُوبِ - وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبِ الْأَنْدَلُسِيُّ عَنْ الطَّلْحِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَهُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ السَّلَفِ بِمِثْلِ هَذَا، وَزَادُوا إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ: الزَّبِيبَ. كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَطَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -: قَالَ عَمْرٌو عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: «أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ لَمْ يَأْخُذْ الصَّدَقَةَ إلَّا مِنْ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ» . وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا إلَّا مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ثنا حَجَّاجٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي صَدَقَةِ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ، قَالَ: مَا كَانَ مِنْ نَخْلٍ، أَوْ عِنَبٍ، أَوْ حِنْطَةٍ، أَوْ شَعِيرٍ.

стр. 1265

وَبِهِ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ: ثنا يَزِيدُ عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْعُشْرَ إلَّا فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ أَشْعَثَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيُّ - عَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا: الصَّدَقَةُ فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ -: الذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ، وَالْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حُمَيْدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْحَسَنِ هُوَ ابْنُ حَيٍّ - عَنْ مُطَرِّفٍ - قَالَ قَالَ لِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَقَدْ سَأَلْته عَنْ الْأَقْطَانِ، وَالسَّمَاسِمِ: أَفِيهَا صَدَقَةٌ. قَالَ: مَا حَفِظْنَا عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، إلَّا فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحَكَمُ أَدْرَكَ كِبَارَ التَّابِعِينَ وَبَعْضَ الصَّحَابَةِ. وَبِهِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ الْحُمَيْدِ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ مُوسَى: إنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي: الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ. وَبِهِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: لَا صَدَقَةَ إلَّا فِي نَخْلٍ، أَوْ عِنَبٍ، أَوْ حَبٍّ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَادَّعَى مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا أَنَّ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الزَّبِيبِ إجْمَاعٌ، وَذَكَرَ آثَارًا لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَصِحُّ.
следующие страницы →