Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وَإِذَا أَخَذْت فِي كَيْلِهِ: حَثَوْت لَهُمْ مِنْهُ. وَإِذَا عَلِمْت كَيْلَهُ: عَزَلْت زَكَاتَهُ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: هَذَا وَاجِبٌ حِينَ يُصْرِمُ.
وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَقَالَ: كَانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا غَيْرَ الصَّدَقَةِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: يَمُرُّ بِهِ الضَّعِيفُ وَالْمِسْكِينُ فَيُعْطِيهِ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَكُونُ.
وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . قَالَ: بَعْدَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَقَةِ، يُعْطِي الضِّغْثَ وَالشَّيْءَ.
وَعَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . قَالَ: لُقَاطِ السُّنْبُلِ.
وَعَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: شَيْءٌ يَسِيرٌ سِوَى الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ.
وَلَا يَصِحُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، وَهُوَ سَاقِطٌ؛ وَمِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ نُسِخَ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِنَصٍّ مُتَّصِلٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَّا فَمَا يَعْجَزُ أَحَدٌ عَنْ أَنْ يَدَّعِيَ فِي أَيِّ آيَةٍ شَاءَ، وَفِي أَيِّ حَدِيثٍ شَاءَ: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. وَدَعْوَى النَّسْخِ إسْقَاطٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ النَّصِّ؛ وَهَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِنَصٍّ مُسْنَدٍ صَحِيحٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ» فَهُوَ خَبَرٌ صَحِيحٌ؛ لَوْ لَمْ يَأْتِ مَا يَخُصُّهُ لَمْ يَجُزْ خِلَافُهُ لِأَحَدٍ.
стр. 1262
لَكِنْ وَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدِ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا كُلُّهُمْ: ثنا وَكِيعٌ: وَقَالَ الطَّلْمَنْكِيُّ: ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ -: ثُمَّ اتَّفَقَ وَكِيعٌ، وَيَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقِ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ» . قَالَ وَكِيعٌ فِي رِوَايَتِهِ " مِنْ تَمْرٍ " وَاتَّفَقَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، فَنَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّدَقَةَ عَنْ كُلِّ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ. وَلَفْظَةُ " دُونَ " فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ تَقَعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ وُقُوعًا مُسْتَوِيًا، لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَهُمَا بِمَعْنَى: أَقَلُّ، وَبِمَعْنَى: غَيْرُ، قَالَ : ﴿أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٢] أَيْ مِنْ غَيْرِي.
وَقَالَ : ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ [الأنفال: ٦٠] أَيْ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَحَيْثُمَا وَقَعَتْ لَفْظَةُ " دُونَ " فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ بِمَعْنَى: غَيْرُ؛ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصِرَ بِلَفْظَةِ " دُونَ " فِي هَذَا الْخَبَرِ عَلَى مَعْنَى: أَقَلُّ دُونَ مَعْنَى: غَيْرُ
стр. 1263
وَنَحْنُ إذَا حَمَلْنَا " دُونَ " هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى: غَيْرُ دَخَلَ فِيهِ: أَقَلُّ؛ وَتَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ نَصٍّ لَا يَحِلُّ. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ، وَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِنَصِّ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ عَلَى ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ فِي الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَبِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقِّنِ وَالنَّصِّ أَيْضًا.
وَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَمَّا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَلَا نَصَّ فِيهِ، بِنَفْيِ النَّبِيِّ ﷺ الزَّكَاةَ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ غَيْرُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ ثُمَّ وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ " حَبٍّ " فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلا﴾ [عبس: ٢٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَبُّ: الْبُرُّ، وَالْقَضْبُ: الْفِصْفِصَةُ، فَاقْتَصَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - وَهُوَ الْحُجَّةُ فِي اللُّغَةِ - بِالْحَبِّ عَلَى الْبُرِّ. وَذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد الدِّينَوَرِيُّ اللُّغَوِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي النَّبَاتِ فِي بَابِ تَرْجَمَتِهِ " بَابُ الزَّرْعِ وَالْحَرْثِ وَأَسْمَاءِ الْحَبِّ وَالْقَطَانِيِّ وَأَوْصَافِهَا " فَقَالَ -: قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَهُوَ الشَّيْبَانِيُّ - جَمِيعُ بُزُورِ النَّبَاتِ يُقَالُ لَهَا " الْحِبَّةُ " بِكَسْرِ الْحَاءِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ كَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: «فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ: وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: وَاحِدُ الْحَبَّةِ: حَبَّةُ،
стр. 1264
بِفَتْحِ الْحَاءِ؛ فَأَمَّا الْحَبُّ فَلَيْسَ إلَّا الْحِنْطَةَ، وَالشَّعِيرَ، وَاحِدُهَا حَبَّةٌ، بِفَتْحِ الْحَاءِ؛ وَإِنَّمَا افْتَرَقَتَا فِي الْجَمْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ - إثْرَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ لِأَبِي نَصْرٍ صَاحِبِ الْأَصْمَعِيِّ كَلَامًا نَصُّهُ: وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْحُبُوبِ كَالْأُرْزِ، وَالدَّخَنِ، قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ جُمُوعٍ -: الْحَبُّ لِلْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ خَاصَّةً، وَالْحِبَّةُ - بِكَسْرِ الْحَاءِ وَزِيَادَةِ الْهَاءِ فِي آخِرِهَا - لِكُلِّ مَا عَدَاهُمَا مِنْ الْبُزُورِ خَاصَّةً، وَالْحُبُوبُ لِلْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الْبُزُورِ. وَالْكِسَائِيُّ إمَامٌ فِي اللُّغَةِ، وَفِي الدِّينِ، وَالْعَدَالَةِ. فَإِذْ قَدْ صَحَّ أَنَّ الْحَبَّ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَصًّا بِنَفْيِ الزَّكَاةِ عَنْ غَيْرِهِمَا وَغَيْرِ التَّمْرِ -: فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ النَّبَاتِ غَيْرِهِمَا وَغَيْرِ التَّمْرِ.
وَقَدْ رَوَى مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ، عَمَّنْ لَا يُوثَقُ بِهِ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، عَمَّنْ لَا يُوثَقُ بِهِ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الْحُبُوبِ - وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبِ الْأَنْدَلُسِيُّ عَنْ الطَّلْحِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَهُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ السَّلَفِ بِمِثْلِ هَذَا، وَزَادُوا إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ: الزَّبِيبَ. كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَطَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -: قَالَ عَمْرٌو عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: «أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ لَمْ يَأْخُذْ الصَّدَقَةَ إلَّا مِنْ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ» .
وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا إلَّا مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ثنا حَجَّاجٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي صَدَقَةِ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ، قَالَ: مَا كَانَ مِنْ نَخْلٍ، أَوْ عِنَبٍ، أَوْ حِنْطَةٍ، أَوْ شَعِيرٍ.
стр. 1265
وَبِهِ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ: ثنا يَزِيدُ عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْعُشْرَ إلَّا فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ أَشْعَثَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيُّ - عَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا: الصَّدَقَةُ فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ -: الذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ، وَالْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حُمَيْدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْحَسَنِ هُوَ ابْنُ حَيٍّ - عَنْ مُطَرِّفٍ - قَالَ قَالَ لِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَقَدْ سَأَلْته عَنْ الْأَقْطَانِ، وَالسَّمَاسِمِ: أَفِيهَا صَدَقَةٌ. قَالَ: مَا حَفِظْنَا عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، إلَّا فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحَكَمُ أَدْرَكَ كِبَارَ التَّابِعِينَ وَبَعْضَ الصَّحَابَةِ. وَبِهِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ الْحُمَيْدِ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ مُوسَى: إنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي: الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ.
وَبِهِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: لَا صَدَقَةَ إلَّا فِي نَخْلٍ، أَوْ عِنَبٍ، أَوْ حَبٍّ.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَادَّعَى مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا أَنَّ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الزَّبِيبِ إجْمَاعٌ، وَذَكَرَ آثَارًا لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَصِحُّ.
стр. 1266
أَحَدُهَا - مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ: عِنْدَنَا «كِتَابُ مُعَاذٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ: التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ لَمْ يُدْرِكُ مُعَاذًا بِعَقْلِهِ.
وَآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَهِيَ صَحِيفَةٌ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «الْعُشْرُ فِي: التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ» .
وَخُصُومُنَا يُخَالِفُونَ كَثِيرًا مِنْ صَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَلَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً. وَآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، وَكِلَاهُمَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبِ الْأَنْدَلُسِيِّ عَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى - وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ وَهُوَ أَبُو جُزْءٍ، وَهُوَ سَاقِطٌ أَلْبَتَّةَ؛ كُلُّهُمْ يَذْكُرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدَ أَنَّهُ أَمَرَ بِخَرْصِ الْعِنَبِ. وَسَعِيدٌ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عَتَّابٍ بِسَنَتَيْنِ. وَعَتَّابٌ لَمْ يُوَلِّهِ النَّبِيُّ ﷺ إلَّا مَكَّةَ وَلَا زَرْعَ بِهَا، وَلَا عِنَبَ. فَسَقَطَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ، وَلَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ لَأَخَذْنَا بِهِ، وَلَمَا حَلَّ لَنَا خِلَافُهُ، كَمَا لَا يَحِلُّ الْأَخْذُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِخَبَرٍ لَا يَصِحُّ.
وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَبَاطِلٌ -: كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ثنا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ: الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ كَانَ لَا يَرَى فِي الْعِنَبِ صَدَقَةً.
وَبِهِ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ: ثنا هُشَيْمٌ عَنْ الْأَجْلَحِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الصَّدَقَةُ فِي: الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ
стр. 1267
ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بُنْدَارٌ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: لَيْسَ فِي الْخَيْلِ زَكَاةٌ؛ وَلَا فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ زَكَاةٌ؛ وَلَيْسَ فِي الزَّبِيبِ: شَيْءٌ. فَهَؤُلَاءِ: شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، لَا يَرَوْنَ فِي الزَّبِيبِ زَكَاةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ إلَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَا أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ؛ عَلَى عُمُومِ الْخَبَرِ الثَّابِتِ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» أَوْ قَوْلِنَا، وَهُوَ لَا زَكَاةَ إلَّا فِيمَا أَوْجَبَهَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاسْمِهِ، عَلَى مَا صَحَّ عَنْهُ ﵇ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ» .
وَأَمَّا مَنْ أَسْقَطَ مِنْ ذَلِكَ الْخَبَرِ مَا يَقْتَضِيهِ عُمُومُهُ، وَزَادَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا لَيْسَ فِيهِ -: فَلَمْ يَتَعَلَّقُوا بِقُرْآنٍ وَلَا بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا بِرِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْهُمْ، وَلَا بِقِيَاسٍ وَلَا بِتَعْلِيلٍ مُطَّرِدٍ؛ بَلْ خَالَفُوا كُلَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ رَاعَوْا الْقُوتَ، فَقَدْ أَسْقَطُوا الزَّكَاةَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَقْوَاتِ: كَالتِّينِ، وَالْقَسْطَلِ، وَاللَّبَنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَوْجَبُوهُ فِيمَا لَيْسَ قُوتًا: كَالزَّيْتِ وَالْحِمَّصِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُتَقَوَّتُ إلَّا لِضَرُورَةِ مَجَاعَةٍ.
وَإِنْ رَاعَوْا الْأَكْلَ فَقَدْ أَسْقَطُوهَا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُؤْكَلُ، وَأَوْجَبَهَا بَعْضُهُمْ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ: كَزَيْتِ الْفُجْلِ وَالْقُطْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِنْ رَاعَوْا مَا يُوسَقُ، فَقَدْ أَسْقَطُوهَا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُوسَقُ.
ثُمَّ أَيْضًا - لَوْ رَاعَوْا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي وَطَرَدُوا أَصْلَهُمْ لَكَانُوا قَائِلِينَ بِلَا بُرْهَانٍ؛ لَكِنْ بِدَعْوَى فَاسِدَةٍ وَظَنٍّ كَاذِبٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» .
فَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا أَحَدُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ؛ فَإِنَّ قَوْلَ مَنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ مَا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ حَرَجٌ شَدِيدٌ، وَشِقُّ الْأَنْفُسِ، وَعُسْرٌ لَا يُطَاقُ.
وَالْأَخْذُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ، وَمُمْتَنِعٌ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ لَا يَنْبُتَ فِي دَارِ أَحَدٍ، أَوْ فِي قِطْعَةِ أَرْضٍ لَهُ: عُشْبٌ، وَلَوْ أَنَّهُ وَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ نَرْجِسَةُ، أَوْ فُولٌ، أَوْ غُصْنُ حُرْفٍ أَوْ بَهَارَةٌ أَوْ تِينَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ عُشْرُ كُلِّ
стр. 1268
ذَلِكَ، أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ.
وَكَذَلِكَ وَرَقُ الشَّجَرِ وَالتِّبْنُ، حَتَّى تِبْنُ الْفُولِ، وَقَصَبُ الْكَتَّانِ؛ نَعَمْ. وَأُصُولُ الشَّجَرِ نَفْسُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا يَسْقِيهِ الْمَاءُ؛ وَهَذَا مَا لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]
وَامْتَنَّ تَعَالَى عَلَيْنَا إذْ أَجَابَنَا فِي دُعَائِنَا الَّذِي أَمَرَنَا تَعَالَى أَنْ نَدْعُوَ بِهِ فَنَقُولَ ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» .
فَإِنْ قِيلَ: يُفْعَلُ فِي ذَلِكَ مَا يَفْعَلُ الشَّرِيكَانِ فِيهِ. قُلْنَا: هَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ بَيْعَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ مُبَاحٌ، وَتَحْلِيلُهُ لَهُ جَائِزٌ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا، وَلَا التَّحْلِيلُ مِنْهَا أَصْلًا. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ؛ فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا نَدْرِي مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِبَيَانِ نَصٍّ آخَرَ. فَصَحَّ أَنْ لَا زَكَاةَ إلَّا فِيمَا أَوْجَبَهُ بَيَانُ نَصٍّ غَيْرِ ذَلِكَ النَّصِّ، أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ إلَّا فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ فَقَطْ.
وَمَنْ تَعَدَّى هَذَا فَإِنَّمَا يُشَرِّعُ بِرَأْيِهِ، وَيُخَصِّصُ الْأَثَرَ بِظَنِّهِ الْكَاذِبِ - وَهَذَا حَرَامٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الْمَعَادِنُ: فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ عَلَى أَنَّ الصُّفْرَ، وَالْحَدِيدَ، وَالرَّصَاصَ، وَالْقَزْدِيرَ: لَا زَكَاةَ فِي أَعْيَانِهَا، وَإِنْ كَثُرَتْ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا إذَا مُزِجَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي: الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ، وَالْحُلِيِّ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُزَكَّى تِلْكَ الدَّنَانِيرُ، وَالدَّرَاهِمُ: بِوَزْنِهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ نَصًّا فِيمَا دُونِ
стр. 1269
خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ، وَفِيمَا دُونِ مِقْدَارِهَا مِنْ الذَّهَبِ، وَلَمْ يُوجِبْ - بِلَا خِلَافٍ - زَكَاةً فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَعَادِنِ الْمَذْكُورَةِ، فَمَنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ الْمَمْزُوجَةِ بِالنُّحَاسِ، أَوْ الْحَدِيدِ، أَوْ الرَّصَاصِ، أَوْ الْقَزْدِيرِ؛ فَقَدْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ -:
إحْدَاهُمَا - فِي إيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الرَّقَّةِ.
وَالثَّانِيَةُ - فِي إيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي أَعْيَانِ الْمَعَادِنِ الْمَذْكُورَةِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُمْ تَنَاقَضُوا إذْ أَوْجَبُوا الزَّكَاةَ فِي: الصُّفْرِ، وَالرَّصَاصِ، وَالْقَزْدِيرِ، وَالْحَدِيدِ، إذَا مُزِجَ شَيْءٌ مِنْهَا بِفِضَّةٍ، أَوْ ذَهَبٍ، وَأَسْقَطُوا الزَّكَاةَ عَنْهَا إذَا كَانَتْ صِرْفًا وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يَحِلُّ.
وَأَيْضًا: فَنَسْأَلُهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَادِنِ مُزِجَ بِفِضَّةٍ، أَوْ ذَهَبٍ، فَكَانَ الْمَمْزُوجُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ الذَّهَبِ، وَمِنْ الْفِضَّةِ. ثُمَّ لَا نَزَالُ نَزِيدُهُمْ إلَى أَنْ نَسْأَلَهُمْ عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ دِرْهَمٍ فَلْسُ فِضَّةٍ فَقَطْ وَسَائِرُهَا نُحَاسٌ. فَإِنْ جَعَلُوا فِيهَا الزَّكَاةَ أَفْحَشُوا جِدًّا، وَإِنْ أَسْقَطُوهَا سَأَلْنَاهُمْ عَنْ الْحَدِّ الَّذِي يُوجِبُونَ فِيهِ الزَّكَاةَ وَاَلَّذِي يُسْقِطُونَهَا فِيهِ. فَإِنْ حَدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًّا زَادُوا فِي التَّحَكُّمِ بِالْبَاطِلِ، وَإِنْ لَمْ يَحُدُّوا حَدًّا كَانُوا قَدْ خَلَطُوا مَا يُحَرِّمُونَ بِمَا يُحِلُّونَ؛ وَلَمْ يُبَيِّنُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِمَنْ اتَّبَعَهُمْ الْحَرَامَ فَيَجْتَنِبُوهُ، مِنْ الْحَلَالِ فَيَأْتُوهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْحَقُّ مِنْ هَذَا، هُوَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ فِي اللُّغَةِ وَالدِّيَانَةِ وَاقِعَةٌ عَلَى الْمُسَمَّيَاتِ بِصِفَاتٍ مَحْمُولَةٍ فِيهَا؛ فَلِلْفِضَّةِ صِفَاتُهَا الَّتِي إذَا وُجِدَتْ فِي شَيْءٍ سُمِّيَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِضَّةً؛ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي اسْمِ الذَّهَبِ وَاسْمِ النُّحَاسِ وَاسْمِ كُلِّ مُسَمًّى فِي الْعَالَمِ. وَأَحْكَامُ الدِّيَانَةِ إنَّمَا جَاءَتْ عَلَى الْأَسْمَاءِ؛ فَلِلْفِضَّةِ حُكْمُهَا، وَلِلذَّهَبِ حُكْمُهُ،
стр. 1270
وَكَذَلِكَ كُلُّ اسْمٍ فِي الْعَالَمِ.
فَإِذَا سَقَطَ الِاسْمُ الَّذِي عَلَيْهِ جَاءَ النَّصُّ بِالْحُكْمِ سَقَطَ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَانْتَقَلَ الْمُسَمَّى إلَى الْحُكْمِ الَّذِي جَاءَ فِي النَّصِّ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ؛ كَالْعَصِيرِ وَالْخَمْرِ، وَالْخَلِّ، وَالْمَاءِ، وَالدَّمِ، وَاللَّبَنِ، وَاللَّحْمِ، وَالْآنِيَةِ، وَالدَّنَانِيرِ، وَكُلِّ مَا فِي الْعَالَمِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَزْجُ فِي الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ لَا يُغَيِّرُ صِفَاتِهِمَا الَّتِي مَا دَامَتْ فِيهَا سُمِّيَا فِضَّةً؛ وَذَهَبًا فَهِيَ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ؛ فَالزَّكَاةُ فِيهِمَا. وَإِنْ كَانَ الْمَزْجُ فِي الْفِضَّةِ، أَوْ الذَّهَبِ قَدْ غَيَّرَ صِفَاتِهِمَا - وَسَقَطَ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ اسْمُ فِضَّةٍ وَاسْمُ ذَهَبٍ لِظُهُورِ الْمَزْجِ فِيهِمَا - فَهُوَ حِينَئِذٍ: فِضَّةٌ مَعَ ذَهَبٍ؛ أَوْ فِضَّةٌ مَعَ نُحَاسٍ، فَالْوَاجِبُ أَنَّ فِي مِقْدَارِ الْفِضَّةِ الَّتِي فِي تِلْكَ الدَّرَاهِمِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا خَاصَّةً، وَلَا زَكَاةَ فِي النُّحَاسِ الظَّاهِرِ فِيهَا أَثَرُهُ - وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الذَّهَبِ مَعَ مَا مُزِجَ بِهِ. فَإِنْ كَانَ فِي الدَّنَانِيرِ ذَهَبٌ تَجِبُ فِي مِقْدَارِهِ الزَّكَاةُ، وَفِضَّةٌ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ؛ فَالزَّكَاةُ فِيمَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ. وَإِنْ كَانَ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَمَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ؛ فَالزَّكَاةُ فِيمَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ. وَإِنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ وَمِنْ الذَّهَبِ مَا تَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الزَّكَاةُ، زُكِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَحُكْمِهِ وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا.
وَإِنْ كَانَ مَا فِيهِمَا مِنْ الذَّهَبِ وَمِنْ الْفِضَّةِ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَوْ انْفَرَدَ، فَلَا زَكَاةَ هُنَاكَ أَصْلًا.
فَإِنْ زَادَ الْمَزْجُ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْفِضَّةِ وَلَا لِلذَّهَبِ هُنَاكَ صِفَةٌ فَلَيْسَ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ فِضَّةٌ أَصْلًا وَلَا ذَهَبٌ؛ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا أَصْلًا، اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ صَدَقَةُ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ]
وَأَمَّا الْخَيْلُ، وَالرَّقِيقُ - فَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ الرَّأْسِ عَشَرَةً وَمِنْ الْفَرَسِ
стр. 1271
عَشَرَةً، وَمِنْ الْبَرَاذِينِ خَمْسَةً - يَعْنِي رَأْسَ الرَّقِيقِ وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَخَمْسَةَ دَرَاهِمَ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ - قَالَ: إنَّ حَيَّ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ يَقُولُ: ابْتَاعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمَيَّةَ أَخُو يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فَرَسًا أُنْثَى بِمِائَةِ قَلُوصٍ؛ فَنَدِمَ الْبَائِعُ، فَلَحِقَ بِعُمَرَ، فَقَالَ: غَصَبَنِي يَعْلَى وَأَخُوهُ فَرَسًا لِي. فَكَتَبَ عُمَرُ إلَى يَعْلَى: أَنْ الْحَقْ بِي فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ؛ فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ الْخَيْلَ لَتَبْلُغُ عِنْدَكُمْ هَذَا؟ فَقَالَ يَعْلَى: مَا عَلِمْت فَرَسًا بَلَغَ هَذَا قَبْلَ هَذَا. فَقَالَ عُمَرُ: فَنَأْخُذُ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَلَا نَأْخُذُ مِنْ الْخَيْلِ شَيْئًا خُذْ مِنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينَارًا قَالَ: قَالَ: فَضَرَبَ عَلَى الْخَيْلِ دِينَارًا دِينَارًا.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاجِيَّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُسَيْنٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ السَّائِبَ ابْنَ أُخْتِ نَمِرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِصَدَقَاتِ الْخَيْلِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يُصْدِقُ الْخَيْلَ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ مَرْوَانَ بَعَثَ إلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنْ ابْعَثْ إلَيَّ بِزَكَاةِ رَقِيقِك. فَقَالَ لِلرَّسُولِ: إنَّ مَرْوَانَ لَا يَعْلَمُ إنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نُطْعِمَ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ صَاعَ تَمْرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ؛ وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: وَفِي الْخَيْلِ الزَّكَاةُ. فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَلَّدَهُ إلَى أَنَّ فِي الْخَيْلِ الزَّكَاةَ - وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآثَارِ، وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] .
وَقَالُوا: وَالْخَيْلُ أَمْوَالٌ؛ فَالصَّدَقَةُ فِيهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثَّابِتِ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ «وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا، وَلَا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ» .
стр. 1272
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مَا مَوَّهَ بِهِ الْحَنَفِيُّونَ مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَفِعْلِ الصَّحَابَة؛ وَهُمْ مُخَالِفُونَ لِكُلِّ ذَلِكَ -: أَمَّا الْآيَةُ فَلَيْسَ فِيهَا أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ صَدَقَةٌ، وَإِنَّمَا فِيهَا ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَلَوْ لَمْ يَرِدْ إلَّا هَذَا النَّصُّ وَحْدَهُ لَأَجْزَأَ فَلْسٌ وَاحِدٌ عَنْ جَمِيعِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ أُخِذَتْ مِنْ أَمْوَالِهِ. ثُمَّ لَوْ كَانَ فِي الْآيَةِ أَنَّ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ صَدَقَةً وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهَا لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهَا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مِقْدَارُ الْمَالِ الْمَأْخُوذِ، وَلَا مِقْدَارُ الْمَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَلَا مَتَى تُؤْخَذُ تِلْكَ الصَّدَقَةُ.
وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِيهِ بِقَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَأْمُورِ بِالْبَيَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حَقًّا فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا، غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَلَا مُبَيَّنَ الْمِقْدَارِ؛ وَلَا مَدْخَلَ لِلزَّكَاةِ فِي ظُهُورِ الْخَيْلِ بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ.
فَصَحَّ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ إنَّمَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ حُمِلَ عَلَى مَا طَابَتْ نَفْسُهُ مِنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَارِيَّةُ ظُهُورِهَا لِلْمُضْطَرِّ.
وَأَمَّا فِعْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ فَقَدْ خَالَفُوهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ الذُّكُورِ وَلَوْ كَثُرَتْ وَبَلَغَتْ أَلْفَ فَرَسٍ فَإِنْ كَانَتْ إنَاثًا، أَوْ إنَاثًا وَذُكُورًا، سَائِمَةً غَيْرَ مَعْلُوفَةٍ فَحِينَئِذٍ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَصِفَةُ تِلْكَ الزَّكَاةِ أَنَّ صَاحِبَ الْخَيْل مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ أَعْطَى عَنْ كُلِّ فَرَسٍ مِنْهَا دِينَارًا أَوْ عَشَرَة دَرَاهِمَ؛ وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا فَأَعْطَى مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خِلَافُ فِعْلِ عُمَرَ. وَأَيْضًا فَقَدْ خَالَفُوا فِعْلَ عُمَرَ فِي أَخْذِهِ الزَّكَاةَ مِنْ الرَّقِيقِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ كُلِّ رَأْسٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِذِي عَقْلٍ وَدِينٍ أَنْ يَجْعَلَ بَعْضَ فِعْلِ عُمَرَ حُجَّةً وَبَعْضَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَخَالَفُوا عَلِيًّا فِي إسْقَاطِ زَكَاةِ الْخَيْلِ جُمْلَةً، وَأَتَوْا بِقَوْلٍ فِي صِفَةِ زَكَاتِهَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُمْ؛ فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً.
стр. 1273
وَذَهَبَ جُمْهُورُ النَّاسِ إلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ أَصْلًا. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ الدَّبَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَدْ عَفَوْت عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ إنَّمَا أَخَذَهَا عَلَى أَنَّهَا صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ مِنْهُمْ لَا وَاجِبَةٌ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ شُبَيْلِ بْنِ عَوْفٍ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ؛ فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خَيْلٌ لَنَا وَرَقِيقٌ افْرِضْ عَلَيْنَا عَشَرَةً عَشَرَةً. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَفْرِضُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَرَأْت عَلَى أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ زُهَيْرٍ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - ثنا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيِّ - عَنْ حَارِثَةَ هُوَ ابْنُ مُضَرِّبٍ - قَالَ: «حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَتَاهُ أَشْرَافُ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّا أَصَبْنَا رَقِيقًا وَدَوَابَّا فَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا صَدَقَةً تُطَهِّرُنَا وَتَكُونُ لَنَا زَكَاةً. فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَفْعَلْهُ اللَّذَانِ كَانَا قَبْلِي» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ أَسَانِيدُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَالْإِسْنَادُ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْخَيْلِ صَدَقَةً؛ وَلَا أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ؛ وَأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَفْرِضْ ذَلِكَ. وَأَنَّ عَلِيًّا بَعْدَهُ لَمْ يَأْخُذْهَا.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ثنا أَبُو أُسَامَةَ هُوَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ - ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَدْ عَفَوْتُ عَنْ الْخَيْلِ، فَأَدُّوا صَدَقَةَ أَمْوَالِكُمْ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةٌ» .
стр. 1274
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ» .
وَالْفَرَسُ وَالْعَبْدُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ صَدَقَةٌ لَمَا أَغْفَلَ ﵇ بَيَانَ مِقْدَارِهَا وَمِقْدَارِ مَا تُؤْخَذُ مِنْهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَمَكْحُولٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَهُوَ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ كَمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا.
وَأَمَّا الْحَمِيرُ فَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ فِيهَا الزَّكَاةَ، إلَّا شَيْئًا حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ مَنْصُورٌ: سَأَلْته عَنْ الْحَمِيرِ أَفِيهَا زَكَاةٌ. فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: أَمَّا أَنَا فَأُشَبِّهُهَا بِالْبَقَرِ؛ وَلَا نَعْلَمُ فِيهَا شَيْئًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَا لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ بِزَكَاةٍ مَحْدُودَةٍ مَوْصُوفَةٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَلَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَى مَنْ رَأَى الزَّكَاةَ فِي الْخَيْلِ بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ الْحَمِيرِ، لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ، وَكَانَ يَلْزَمُ مَنْ قَاسَ الصَّدَاقَ عَلَى مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ أَنْ يَقِيسَهَا عَلَى الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، لِأَنَّهَا ذَاتُ أَرْبَعٍ مِثْلُهَا، وَإِنْ افْتَرَقَتْ
стр. 1275
فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الصَّدَاقُ يُخَالِفُ السَّرِقَةَ فِي أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاةَ فِي الْعَسَلِ]
وَأَمَّا الْعَسَلُ: فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَبَا سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابَهُمْ: لَمْ يَرَوْا فِيهِ زَكَاةً. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ النَّحْلُ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ عُشْرُ مَا أُصِيبَ مِنْهُ - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضِ خَرَاجٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ - قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَرَأَى فِي الْمَوَاشِي الزَّكَاةَ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي أَرْضِ عُشْرٍ أَوْ فِي أَرْضِ خَرَاجٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذْ بَلَغَ الْعَسَلُ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ فَفِيهِ رَطْلٌ وَاحِدٌ؛ وَهَكَذَا مَا زَادَ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَالرَّطْلُ هُوَ الْفُلْفُلِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إذَا بَلَغَ الْعَسَلُ خَمْسَةَ أَفْرَاقٍ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَإِلَّا فَلَا - وَالْفَرْقُ: سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رَطْلًا فُلْفُلِيَّةً، وَالْخَمْسَةُ الْأَفْرَاقِ: مِائَةُ رَطْلٍ وَثَمَانُونَ رَطْلًا فُلْفُلِيَّةً؛ قَالَ: وَالسُّكَّرُ كَذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مُنَاقَضَةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِيجَابُهُ الزَّكَاةَ فِي الْعَسَلِ وَلَوْ أَنَّهُ قَطْرَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَظَاهِرَةٌ لَا خَفَاءَ بِهَا.
وَأَمَّا تَحْدِيدُ صَاحِبِيهِ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالْخَبْطِ وَالتَّخْلِيطِ. وَهُوَ إلَى الْهَزْلِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْجِدِّ. لَكِنَّ فِي الْعَسَلِ خِلَافٌ قَدِيمٌ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ فِي الْعَسَلِ: إنَّ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَفْرَاقٍ فَرْقًا.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُنِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أَنَّهُ أَخَذَ عُشْرَ الْعَسَلِ مِنْ قَوْمِهِ وَأَتَى بِهِ عُمَرُ؛ فَجَعَلَهُ عُمَرُ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ؛ قَالَ: «وَقَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْتُ وَاسْتَعْمَلَنِي عَلَى قَوْمِي، وَاسْتَعْمَلَنِي أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ مِنْ بَعْدِهِ فَقُلْت لِقَوْمِي: فِي الْعَسَلِ
стр. 1276
زَكَاةٌ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي مَالٍ لَا يُزَكَّى فَقَالُوا: كَمْ تَرَى. فَقُلْت: الْعُشْرُ، فَأَخَذْتُهُ وَأَتَيْتُ بِهِ عُمَرَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ بَقِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ مُرَّةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي عُشُورِ الْعَسَلِ: مَا كَانَ مِنْهُ فِي السَّهْلِ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَبَلِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ.
وَصَحَّ عَنْ مَكْحُولٍ، وَالزُّهْرِيِّ: أَنَّ فِي كُلِّ عَشْرَةِ أَزْقَاقٍ مِنْ الْعَسَلِ زِقًّا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتَةٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى: فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَزْقَاقٍ مِنْ عَسَلٍ زِقٌّ، قَالَ: وَالزِّقُّ يَسَعُ رَطْلَيْنِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ لَا تَصِحُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ، وَابْنِ وَهْبٍ، وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «جَاءَ هِلَالٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ لَهُ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: سَلَبَةُ، فَحَمَاهُ لَهُ»
وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَرِّرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْعَسَلِ الْعُشُورُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى «أَنَّ أَبَا سَيَّارَةَ الْمُتَعِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّ لِي نَحْلًا. قَالَ: فَأَدِّ مِنْهُ الْعُشْرَ»
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ كَتَبْت إلَى إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ أَسْأَلُهُ عَنْ زَكَاةِ الْعَسَلِ. فَذَكَرَ جَوَابَهُ، وَفِيهِ: أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ لِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَهْلِي: أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيَّ
стр. 1277
قَالَ لَهُ: إنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عَنْ صَدَقَةِ الْعَسَلِ. فَرَدَّ إلَيْهِ عُمَرُ: قَدْ وَجَدْنَا بَيَانَ صَدَقَةِ الْعَسَلِ بِأَرْضِ الطَّائِفِ؛ فَخُذْ مِنْهُ الْعُشُورَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ.
أَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: فَصَحِيفَةٌ لَا تَصِحُّ، وَقَدْ تَرَكُوهَا حَيْثُ لَا تُوَافِقُ تَقْلِيدَهُمْ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَرَّرٍ وَهُوَ أَسْقَطُ مِنْ كُلِّ سَاقِطٍ مُتَّفَقٌ عَلَى اطِّرَاحِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَيَّارَةَ الْمُتَعِيِّ: فَمُنْقَطِعٌ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى لَا يُعْرَفُ لَهُ لِقَاءُ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَمُنْقَطِعٌ، لِأَنَّهُ عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ.
وَأَمَّا خَبَرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْهُ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ عَطَاءٌ، وَعَنْ مُنِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، وَكِلَاهُمَا مَجْهُولٌ، وَبَعْضُ رُوَاتِهِ يَقُولُ: مُتَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، وَعَنْ بَقِيَّةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، ثُمَّ عَنْ هِلَالِ بْنِ مُرَّةَ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ. فَبَطَلَ أَنْ يَصِحَّ فِي هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ، أَوْ عَنْ عُمَرَ، أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ عَارَضَ ذَلِكَ كُلَّهُ خَبَرٌ مُرْسَلٌ أَيْضًا كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ: «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ لَمَّا أَتَى الْيَمَنَ أُتِيَ بِالْعَسَلِ وَأَوْقَاصِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: لَمْ أُؤْمَرْ فِيهَا بِشَيْءٍ.»
стр. 1278
وَلَكِنَّا لَا نَسْتَحِلُّ الْحِجَاجَ بِمُرْسَلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ.
وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى الْيَمَنِ، فَأَرَدْت، أَنْ آخُذَ مِنْ الْعَسَلِ الْعُشْرَ. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ الصَّنْعَانِيُّ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ فَكَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. فَقَالَ: صَدَقَ، هُوَ عَدْلٌ رَضِيٌّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبِأَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْعَسَلِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمْ.
قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ قُلْنَا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
فَلَا يَجُوزُ إيجَابُ فَرْضِ زَكَاةٍ فِي مَالٍ لَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ إيجَابُهَا. فَإِنْ احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] .
قِيلَ لَهُمْ: فَأَوْجِبُوهَا فِيمَا خَرَجَ مِنْ مَعَادِن الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَفِي الْقَصَبِ، وَفِي ذُكُورِ الْخَيْلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ أَمْوَالٌ لِلْمُسْلَمِينَ، بَلْ أَوْجَبُوهَا حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَسْقَطُوهَا مِمَّا خَرَجَ مِنْ النَّخْلِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ، وَفِي الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ.
وَلَكَنَّهُمْ قَوْمٌ يَجْهَلُونَ
[مَسْأَلَةٌ زَكَاة عُرُوضِ التِّجَارَةِ]
وَأَمَّا عُرُوضُ التِّجَارَةِ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْعُرُوضِ الْمُتَّخَذَةِ لِلتِّجَارَةِ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ سَمُرَةَ «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنْ الَّذِي نَعُدُّ لِلْبَيْعِ» .
стр. 1279
وَبِخَبَرٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيّ قَالَ: كُنْت عَلَى بَيْتِ الْمَالِ زَمَانَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكَانَ إذَا خَرَجَ الْعَطَاءُ جَمَعَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ ثُمَّ حَسَبَهَا، غَائِبَهَا وَشَاهِدَهَا، ثُمَّ أَخَذَ الزَّكَاةَ مِنْ شَاهِدِ الْمَالِ عَنْ الْغَائِبِ وَالشَّاهِدِ.
وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ: إنَّ عُمَّالَ عُمَرَ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ التُّجَّارَ شَكَوْا شِدَّةَ التَّقْوِيمِ، فَقَالَ عُمَرُ: هَاهْ هَاهْ خَفِّفُوا.
وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَمَاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَّ بِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا حَمَاسُ، أَدِّ زَكَاةَ مَالِك. فَقُلْت: مَا لِي مَالٌ إلَّا جِعَابٌ وَأَدَمٌ. فَقَالَ: قَوِّمْهَا قِيمَةً ثُمَّ أَدِّ زَكَاتَهَا.
وَبِخَبَرٍ صَحِيحٍ رُوِّينَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا بَأْسَ بِالتَّرَبُّصِ حَتَّى يَبِيعَ، وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِيهِ.
وَبِخَبَرٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لَيْسَ فِي الْعُرُوضِ زَكَاةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ لِتِجَارَةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الزَّكَاةُ مَوْضُوعٌ فِيمَا يَنْمِي مِنْ الْأَمْوَالِ. مَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُتَعَلَّقًا غَيْرَ هَذَا، وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ.
أَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَسَاقِطٌ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ رُوَاتِهِ مَا بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَسَمُرَةَ ﵁ مَجْهُولُونَ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُمْ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ هِيَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ؛ بَلْ لَوْ أَرَادَ ﵇ بِهَا الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ لَبَيَّنَ وَقْتَهَا وَمِقْدَارَهَا وَكَيْفَ تُخْرَجُ، أَمِنْ أَعْيَانِهَا، أَمْ بِتَقْوِيمٍ، وَبِمَاذَا تُقَوَّمُ؟ وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ ﵇ يُوجِبُ عَلَيْنَا زَكَاةً لَا يُبَيَّنُ كَمْ هِيَ. وَلَا كَيْفَ تُؤْخَذُ. وَهَذِهِ الصَّدَقَةُ لَوْ صَحَّتْ لَكَانَتْ مَوْكُولَةً إلَى أَصْحَابِ تِلْكَ السِّلَعِ.
كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ ثنا مُعَاوِيَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ «قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرْزَةَ قَالَ: مَرَّ بِنَا
стр. 1280
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ» .
فَهَذِهِ صَدَقَةٌ مَفْرُوضَةٌ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، لَكِنْ مَا طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، وَتَكُونُ كَفَّارَةً لِمَا يَشُوبُ الْبَيْعَ مِمَّا لَا يَصِحُّ مِنْ لَغْوٍ وَحَلِفٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ؛ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَمَاسٍ عَنْ أَبِيهِ، وَهُمَا مَجْهُولَانِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: ثنا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: سَمِعْت أَبَا الْأَسْوَدِ هُوَ حُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ - يَقُولُ: ذَكَرْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ حَدِيثَ ابْنِ حَمَاسٍ فِي الْمَتَاعِ يُزَكَّى، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. فَقَالَ مَالِكٌ: يَحْيَى قَمَّاشٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْقُمَاشَ، وَهُوَ الْكُنَاسَةُ: أَيْ يَرْوِي عَمَّنْ لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا يَسْتَحِقُّ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ فَمُرْسَلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرُ بِعَقْلِهِ وَلَا بِسِنِّهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيّ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ تِلْكَ الْأَمْوَالَ كَانَتْ عُرُوضًا لِلتِّجَارَةِ وَقَدْ كَانَتْ لِلتُّجَّارِ أَمْوَالٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُزَادَ فِي الْخَبَرِ مَا لَيْسَ فِيهِ، فَيَحْصُلُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ عَلَى الْكَذِبِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَهُوَ خَارِجٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورِ عَنْهُ فِي أَنَّهُ كَانَ يَرَى الزَّكَاةَ وَاجِبَةً فِي فَائِدَةِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْمَاشِيَةِ حِينَ تُسْتَفَادُ، فَرَأَى الزَّكَاةَ فِي الثَّمَنِ إذَا بَاعُوهُ.
стр. 1281
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثنا أَبِي عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ التَّنُّورِيِّ ثنا حَمَّادٌ ثنا قَتَادَةُ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ: يُزَكِّيهِ حِينَ يَسْتَفِيدُهُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا عَطَاءٌ: وَهُوَ أَكْبَرُ أَصْحَابِهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ: فَصَحِيحٌ؛ إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَمْ قَضِيَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ، وَابْنَهُ. مِنْهَا لِلْمَالِكِيِّينَ الرِّوَايَةُ فِي زَكَاةِ الْعَسَلِ؛ وَلِلْحَنَفِيِّينَ حُكْمُهُ فِي زَكَاةِ الرَّقِيقِ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا - وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ وَابْنُهُ حُجَّةً فِي مَوْضِعٍ دُونَ آخَرَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ: خَالَفُوا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا؛ فَمَالِكٌ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُدِيرِ وَغَيْرِ الْمُدِيرِ، وَأَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَمَّنْ بَاعَ عَرَضًا بِعَرَضٍ، مَا لَمْ يَنِضَّ لَهُ دِرْهَمٌ، وَلَيْسَ هَذَا فِيمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ.
وَالشَّافِعِيُّ: يَرَى أَنْ لَا يُزَكِّيَ الرِّبْحَ مَعَ رَأْسِ الْمَالِ إلَّا الصَّيَارِفَةُ خَاصَّةً، وَلَيْسَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَلَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَكُلُّهُمْ يَرَى فِيمَنْ وَرِثَ عُرُوضًا أَوْ ابْتَاعَهَا لِلْقُنْيَةِ ثُمَّ نَوَى بِهَا التِّجَارَةَ: أَنَّهَا لَا زَكَاةَ فِيهَا، وَلَوْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ سِنِينَ؛ وَلَا فِي ثَمَنِهَا إذَا بَاعَهَا؛ لَكِنْ يَسْتَأْنِفُ حَوْلًا؛ وَهَذَا خِلَافُ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ؛ فَبَطَلَ احْتِجَاجُهُمْ بِهِمَا ﵄. وَقَدْ جَاءَ خِلَافُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ عَنْ غَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ الْخُوزِيُّ قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَافِعٍ إذْ جَاءَهُ زِيَادٌ الْبَوَّابُ فَقَالَ لَهُ: إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ - يَقُولُ: أَرْسِلْ زَكَاةَ مَالِك. فَقَامَ فَأَخْرَجَ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ لَهُ: اقْرَأْ ﵇، وَقُلْ لَهُ: إنَّمَا الزَّكَاةُ فِي النَّاضِّ. قَالَ نَافِعٌ: فَلَقِيت زِيَادًا فَقُلْت لَهُ: أَبْلَغْته. قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَمَاذَا قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ. فَقَالَ: قَالَ: صَدَقَ.
стр. 1282
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: مَا أَرَى الزَّكَاةَ إلَّا فِي الْعَيْنِ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ قَطَنٍ قَالَ: مَرَرْت بِوَاسِطَ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالُوا: قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنْ لَا تَأْخُذُوا مِنْ أَرْبَاحِ التُّجَّارِ شَيْئًا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثنا مُعَاذٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ قَالَ: أَتَيْت الْمَسْجِدَ وَقَدْ قُرِئَ الْكِتَابُ، فَقَالَ صَاحِبٌ لِي: لَوْ شَهِدْت كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي أَرْبَاحِ التُّجَّارِ أَنْ لَا يُعْرَضَ لَهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ. فَهَذَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَافِعٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ.
وَذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَأْتِ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ لَمَا وَجَبَتْ شَرِيعَةٌ بِغَيْرِ نَصِّ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ لَا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ قَالَ بِهِ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ ﵃. وَقَدْ أَسْقَطَ الْحَنَفِيُّونَ الزَّكَاةَ عَنْ الْإِبِلِ الْمَعْلُوفَةِ وَالْبَقَرِ الْمَعْلُوفَةِ، وَأَمْوَالِ الصِّغَارِ كُلِّهَا إلَّا مَا أَخْرَجَتْ أَرْضُهُمْ. وَأَسْقَطَ الْمَالِكِيُّونَ الزَّكَاةَ عَنْ أَمْوَالِ الْعَبِيدِ، وَالْحُلِيِّ. وَأَسْقَطَهَا الشَّافِعِيُّونَ عَنْ الْحُلِيِّ، وَعَنْ الْمَوَاشِي الْمُسْتَعْمَلَةِ. وَكُلُّ هَذَا خِلَافٌ لِلسُّنَنِ الثَّابِتَةِ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَذَكَرُوا الْخَبَرَ الَّذِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَدِّقًا فَقَالَ: مَنَعَ الْعَبَّاسُ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَابْنُ جَمِيلٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، إنَّ خَالِدًا قَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
стр. 1283
قَالُوا: فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ طُلِبَتْ مِنْهُ فِي دُرُوعِهِ، وَأَعْبُدِهِ؛ وَلَا زَكَاةَ فِيهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ لِتِجَارَةٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ لَا نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ وَلَا إشَارَةٌ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ادَّعَوْهُ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ ظَلَمُوا خَالِدًا إذْ نَسَبُوا إلَيْهِ مَنْعَ الزَّكَاةِ وَهُوَ قَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْبُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَطْ، صَدَقَ ﵇، إذْ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ عَاقِلٌ ذُو دِينٍ يُنْفِقُ النَّفَقَةَ الْعَظِيمَةَ فِي التَّطَوُّعِ ثُمَّ يَمْنَعُ الْيَسِيرَ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ؛ هَذَا حُكْمُ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا إعْمَالُ الظَّنِّ الْكَاذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَاطِلٌ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ» .
وَأَنَّهُ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَمَّا دُونَ الْأَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ، وَعَمَّا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ وَالْحَبِّ؛ فَمَنْ أَوْجَبَ زَكَاةً فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ يُوجِبُهَا فِي كُلِّ مَا نُفِيَ عَنْهُ ﵇ الزَّكَاةُ مِمَّا ذَكَرْنَا. وَصَحَّ عَنْهُ ﵇ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي: عَبْدِهِ، وَلَا فَرَسِهِ، صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ» وَأَنَّهُ ﵇ قَالَ: «قَدْ عَفَوْتُ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ» .
وَأَنَّهُ ﵇ ذَكَرَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي: الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْكَنْزِ «فَسُئِلَ عَنْ الْخَيْلِ، فَقَالَ: الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ» .
«فَسُئِلَ عَنْ الْحَمِيرِ فَقَالَ: مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] »
فَمَنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ يُوجِبُهَا فِي الْخَيْلِ، وَالْحَمِيرِ، وَالْعَبِيدِ،
стр. 1284
وَقَدْ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ لَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ؛ فَلَوْ كَانَتْ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، أَوْ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ ﵇ زَكَاةٌ إذَا كَانَ لِتِجَارَةٍ -: لَبَيَّنَ ذَلِكَ بِلَا شَكٍّ؛ فَإِذْ لَمْ يُبَيِّنْهُ ﵇ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا أَصْلًا. وَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ الْمُتَيَقَّنُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ كُلِّ عَرْضٍ كَحُكْمِ الْخَيْلِ، وَالْحَمِيرِ، وَالرَّقِيقِ، وَمَا دُونَ النِّصَابِ مِنْ الْمَاشِيَةِ، وَالْعَيْنِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فَمِنْ مُوجِبِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ إذَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ، وَمِنْ مَسْقَطٍ لِلزَّكَاةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ لِتِجَارَةٍ كَانَتْ أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ.
وَصَحَّ بِالنَّصِّ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ، وَلَا فِي الرَّقِيقِ، وَلَا فِي الْحَمِيرِ، وَلَا فِيمَا دُونَ النِّصَابِ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَالْعَيْنِ؛ وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى أَنَّ حُكْمَ كُلِّ عَرَضٍ فِي التِّجَارَةِ كَحُكْمِ هَذِهِ. فَصَحَّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ بِالْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ.
ثُمَّ ادَّعَى قَوْمٌ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ فَفِيهَا زَكَاةٌ؛ وَهَذِهِ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ.
وَأَجْمَعَ الْحَنَفِيُّونَ وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ: عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلَعًا لِلْقُنْيَةِ ثُمَّ نَوَى بِهَا التِّجَارَةَ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا - وَهَذَا تَحَكُّمٌ فِي إيجَابِهِمْ الزَّكَاةَ فِي أَثْمَانِهَا إذَا بِيعَتْ ثُمَّ اُتُّجِرَ بِهَا بِلَا بُرْهَانٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الزَّكَاةَ فِيمَا يَنْمَى، فَدَعْوَى كَاذِبَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ؛ لِأَنَّ عُرُوضَ الْقُنْيَةِ تَنْمَى قِيمَتُهَا كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَلَا فَرْقَ. فَإِنْ قَالُوا: الْعُرُوض لِلتِّجَارَةِ فِيهَا النَّمَاءُ. قُلْنَا: وَفِيهَا أَيْضًا الْخَسَارَةُ، وَكَذَلِكَ الْحَمِيرُ تَنْمَى، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَهُمْ، وَالْخَيْلُ تَنْمَى، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، وَالْإِبِلُ الْعَوَامِلُ تَنْمَى وَلَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ الْحَنَفِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، وَمَا أُصِيبَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ يَنْمَى، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ الْحَنَفِيِّينَ، وَأَمْوَالُ الْعَبِيدِ تَنْمَى، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ الْمَالِكِيِّينَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَقْوَالُهُمْ وَاضْطِرَابُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا بُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّهَا
стр. 1285
لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ قَالَتْ: تُزَكَّى عُرُوضُ التِّجَارَةِ مِنْ أَعْيَانِهَا. وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ. وَطَائِفَةً قَالَتْ: بَلْ نُقَوِّمُهَا ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: نُقَوِّمُهَا بِالْأَحْوَطِ لِلْمَسَاكِينِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ رُبَّمَا اشْتَرَاهَا بِهِ؛ فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى عَرَضًا بِعَرَضٍ قَوَّمَهُ بِمَا هُوَ الْأَغْلَبُ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ عَرْضًا بِعَرْضٍ أَبَدًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إلَّا حَتَّى يَبِيعَ وَلَوْ بِدِرْهَمٍ، فَإِذَا نَضَّ لَهُ وَلَوْ دِرْهَمٌ قَوَّمَ حِينَئِذٍ عُرُوضَهُ وَزَكَّاهَا.
فَلَيْتَ شِعْرِي مَا شَأْنُ الدِّرْهَمِ هَاهُنَا، إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ.
فَكَيْفَ إنْ لَمْ يَنِضَّ لَهُ إلَّا نِصْفُ دِرْهَمٍ، أَوْ حَبَّةُ فِضَّةٍ، أَوْ فَلْسٌ؛ كَيْفَ يَصْنَعُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يُقَوِّمُ وَيُزَكِّي وَإِنْ لَمْ يَنِضَّ لَهُ دِرْهَمٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُدِيرُ الَّذِي يَبِيعُ وَيَشْتَرِي يُقَوِّمُ كُلَّ سَنَةٍ وَيُزَكِّي، وَأَمَّا الْمُحْتَكِرُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ - وَلَوْ حَبَسَ عُرُوضَهُ سِنِينَ - إلَّا حَتَّى يَبِيعَ، فَإِذَا بَاعَ زَكَّى حِينَئِذٍ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ - وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: كِلَاهُمَا سَوَاءٌ، يُقَوِّمَانِ كُلَّ سَنَةٍ وَيُزَكِّيَانِ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: لَا صَدَقَةَ فِي لُؤْلُؤٍ، وَلَا فِي زَبَرْجَدٍ، وَلَا يَاقُوتٍ، وَلَا فُصُوصٍ وَلَا عَرَضٍ وَلَا شَيْءٍ لَا يُدَارُ.
فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُدَارُ فَفِيهِ الصَّدَقَةُ فِي ثَمَنِهِ حِين يُبَاعُ - وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّ: لَا يُضِيفُ الرِّبْحَ إلَى رَأْسِ الْمَالِ إلَّا الصَّيَارِفَةُ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ وَمَالِكٌ؛ بَلْ يُضِيفُ الرِّبْحَ إلَى رَأْسِ الْمَالِ وَلَوْ لَمْ يَرْبَحْهُ إلَّا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكَانَ هَذَا أَيْضًا عَجَبًا.
وَأَقْوَالُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَرِيفَةٌ جِدًّا لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ
стр. 1286
صَحِيحَةٌ وَلَا رِوَايَةٌ فَاسِدَةٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ أَصْلًا، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ لَهُ قَائِلٌ قَبْلَ مَنْ قَالَهُ مِنْهُمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] .
فَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ رَدَّ هَؤُلَاءِ هَذَا الِاخْتِلَافَ إلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ . وَهَلْ وَجَدُوا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ نَصًّا أَوْ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْفَاسِدَةِ. وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً لِلْقُنْيَةِ فَنَوَى بِهَا التِّجَارَةَ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، فَإِنْ اشْتَرَاهَا لِلتِّجَارَةِ فَنَوَى بِهَا الْقُنْيَةَ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَنْهَا؛ فَاحْتَاطُوا لِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ الَّتِي أَوْجَبُوهَا بِجَهْلِهِمْ.
وَقَالُوا كُلُّهُمْ: مَنْ اشْتَرَى مَاشِيَةً لِلتِّجَارَةِ، أَوْ زَرَعَ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّ زَكَاةَ التِّجَارَةِ تَسْقُطُ وَتَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ؛ وَكَانَ فِي هَذَا كِفَايَةٌ لَوْ أَنْصَفُوا أَنْفُسَهُمْ، وَلَوْ كَانَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ حَقًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَسْقَطَتْهَا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ؛ وَلَكِنَّ الْحَقَّ يَغْلِبُ الْبَاطِلَ.
فَإِنْ قَالُوا: لَا تَجْتَمِعُ زَكَاتَانِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ. قُلْنَا: فَمَا الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ لَيْتَ شِعْرِي إذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَهُمَا جَمِيعًا أَوْ رَسُولُهُ ﷺ
[مَسْأَلَةٌ زَكَاةُ التَّمْرِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ]
٦٤٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا زَكَاةَ فِي تَمْرٍ، وَلَا بُرٍّ، وَلَا شَعِيرٍ: حَتَّى يَبْلُغَ مَا يُصِيبُهُ الْمَرْءُ الْوَاحِدُ مِنْ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا؛ وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ .
وَالْمُدُّ مِنْ رَطْلٍ وَنِصْفٍ إلَى رَطْلٍ وَرُبْعٍ عَلَى قَدْرِ رَزَانَةِ الْمُدِّ وَخِفَّتِهِ، وَسَوَاءٌ زَرَعَهُ فِي أَرْضٍ لَهُ أَوْ فِي أَرْضٍ لِغَيْرِهِ بِغَصْبِ أَوْ بِمُعَامَلَةٍ جَائِزَةٍ، أَوْ غَيْرِ جَائِزَةٍ، إذَا كَانَ النَّذْرُ غَيْرَ مَغْصُوبٍ، سَوَاءٌ أَرْضَ خَرَاجٍ كَانَتْ أَوْ أَرْضَ عُشْرٍ.
وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ النَّاسِ، وَبِهِ يَقُولُ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُزَكَّى مَا قَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَمَا كَثُرَ، فَإِنْ كَانَ فِي أَرْضِ خَرَاجٍ فَلَا زَكَاةَ فِيمَا أُصِيبَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَأْجَرَةً فَالزَّكَاةُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لَا عَلَى الزَّارِعِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، فَإِنْ قُضِيَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِمَا نَقَصَهَا الزَّرْعَ فَالزَّكَاةُ عَلَى
стр. 1287
صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَإِنْ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِشَيْءٍ فَالزَّكَاةُ عَلَى الزَّارِعِ - قَالَ: وَالْمُدُّ رَطْلَانِ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ مَوَاضِعَ خَالَفَ فِيهَا الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ ثَمَرٍ صَدَقَةٌ» . وَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» .
وَأَخْطَأَ فِي هَذَا، لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ هَذَا الْخَبَرَ وَعَصَى الْآخَرَ وَهَذَا لَا يَحِلُّ، وَنَحْنُ أَطَعْنَا مَا فِي الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ قَدْ خَالَفَ هَذَا الْخَبَرَ أَيْضًا، إذْ خَصَّ مِمَّا سَقَتْ السَّمَاءُ كَثِيرًا بِرَأْيِهِ، كَالْقَصَبِ، وَالْحَطَبِ، وَالْحَشِيشِ، وَوَرَقِ الشَّجَرِ وَمَا أُصِيبَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ، وَلَمْ يَرَ أَنْ يَخُصَّهُ بِكَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَلِفَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطَاقُ كَمَا قَدَّمْنَا وَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ مَا أُصِيبَ فِي عَرَصَاتِ الدُّورِ، وَهَذِهِ تَخَالِيطُ لَا نَظِيرَ لَهَا.
وَأَمَّا أَبُو سُلَيْمَانَ فَقَالَ: مَا كَانَ يَحْتَمِلُ التَّوْسِيقَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَمَا كَانَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْسِيقَ فَالزَّكَاةُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَسَادَ هَذَا الْقَوْلِ قَبْلُ. وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ صَاحِبُ قِيَاسٍ، وَهُوَ لَمْ يَرَ فِيمَا يُزَكَّى شَيْئًا قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ فَهَلَّا قَاسَ الزَّرْعَ عَلَى الْمَاشِيَةِ وَالْعَيْنِ. فَلَا النَّصَّ اتَّبَعَ، وَلَا الْقِيَاسَ طَرَدَ.
وَأَمَّا الْمُدُّ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ احْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «وَيُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ رَطْلَانِ» ، مَعَ الْأَثَرِ الصَّحِيحِ فِي «أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ» . وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ شَرِيكًا مُطَّرِحٌ، مَشْهُورٌ بِتَدْلِيسِ الْمُنْكَرَاتِ إلَى الثِّقَاتِ، وَقَدْ أَسْقَطَ حَدِيثَهُ الْإِمَامَانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ؛ وَتَاللَّهِ لَا أَفْلَحَ مَنْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِالْجُرْحَةِ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُدَّ رَطْلَانِ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ بِثُلُثَيْ الْمُدِّ» ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ يُعَيِّرُ لَهُ الْمَاءَ
стр. 1288
لِلْوُضُوءِ بِكَيْلٍ كَكَيْلِ الزَّيْتِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. أَيْضًا - فَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِي قَوْلِهِ ﵇ «يُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ رَطْلَانِ» مَانِعٌ مِنْ أَنْ يُجْزِئَ أَقَلُّ، وَهُمْ أَوَّلُ مُوَافِقٍ لَنَا فِي هَذَا، فَمَنْ تَوَضَّأَ عِنْدَهُمْ بِنِصْفِ رِطْلٍ أَجْزَأَهُ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْأَثَرِ. وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى الْجُهَنِيِّ: كُنْت عِنْدَ مُجَاهِدٍ فَأَتَى بِإِنَاءٍ يَسَعُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ تِسْعَةَ أَرْطَالٍ، عَشَرَةَ أَرْطَالٍ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ بِمِثْلِ هَذَا» مَعَ الْأَثَرِ الثَّابِتِ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ.» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ مُوسَى قَدْ شَكَّ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ إلَى عَشَرَةٍ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ: إنَّ الصَّاعَ يَزِيدُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ وَلَا فَلْسًا.
وَأَيْضًا - فَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ ﵇ اغْتَسَلَ هُوَ وَعَائِشَةُ ﵂ جَمِيعًا مِنْ إنَاءٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ» ؛ وَأَيْضًا مِنْ إنَاءٍ هُوَ الْفَرْقُ، وَالْفَرْقُ: اثْنَا عَشَرَ مُدًّا، وَأَيْضًا - بِخَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَأَيْضًا - بِخَمْسَةِ مَكَاكِيَّ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَالْإِسْنَادِ الْوَثِيقِ الثَّابِتِ الْمُتَّصِلِ، وَالْخَمْسَةُ مَكَاكِيَّ: خَمْسُونَ مُدًّا.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ ﵇ لَمْ يُعَيِّرْ لَهُ الْمَاءَ لِلْغُسْلِ بِكَيْلٍ كَكَيْلِ الزَّيْتِ، وَلَا تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ بِإِنَاءَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ بَلْ قَدْ تَوَضَّأَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَر بِلَا مُرَاعَاةٍ لِمِقْدَارِ الْمَاءِ.
هُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا التَّحْدِيدِ فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ امْرَأً لَوْ اغْتَسَلَ نِصْفَ صَاعٍ لَأَجْزَأهُ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآثَارِ الْوَاهِيَةِ.
وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَتَيْنِ وَاهِيَتَيْنِ -:
стр. 1289
إحْدَاهُمَا - مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ: أَنَّ الْقَفِيزَ الْحَجَّاجِيَّ قَفِيزُ عُمَرَ، أَوْ صَاعُ عُمَرَ.
وَالْأُخْرَى - مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الْقَفِيزُ الْحَجَّاجِيُّ - صَاعُ عُمَرَ.
وَبِرِوَايَةٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ: عَيَّرْنَا صَاعَ عُمَرَ فَوَجَدْنَاهُ حَجَّاجِيًّا.
وَبِرِوَايَةٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ «كَانَ صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ، وَمُدُّهُ رَطْلَيْنِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ، وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ. أَمَّا حَدِيثُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ فَبَيْنَ أَبِي إِسْحَاقَ وَبَيْنَهُ مَنْ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؛ وَمُجَالِدٌ ضَعِيفٌ، أَوَّلُ مَنْ ضَعَّفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ كُلُّ ذَلِكَ لَمَا انْتَفَعُوا بِهِ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نُنَازِعْهُمْ فِي صَاعِ عُمَرَ ﵁ وَلَا فِي قَفِيزِهِ، إنَّمَا نَازَعْنَاهُمْ فِي صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَسْنَا نَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ لِعُمَرَ: صَاعٌ، وَقَفِيزٌ، وَمُدٌّ. رَتَّبَهُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ لِنَفَقَاتِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ؛ كَمَا بِمِصْرَ الْوَيْبَةُ وَالْإِرْدَبُّ؛ وَبِالشَّامِ الْمُدُّ وَكَمَا كَانَ لِمَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ مُدٌّ اخْتَرَعَهُ، وَلِهِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ مُدٌّ اخْتَرَعَهُ، وَلَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ فِي صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُدِّهِ: فَقَوْلُ إبْرَاهِيمَ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ فِي الرَّغْبَةِ عَنْهُمَا إذَا خَالَفَا الصَّوَابَ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيّ ثنا الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ «كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمْ الْيَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ» وَرُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي مَكِيلَةِ زَكَاةِ الْفِطْرِ بِالْمُدِّ الْأَصْغَرِ مُدُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
стр. 1290
وَعَنْهُ أَيْضًا فِي زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالزَّيْتُونِ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ صَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ بِمُدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُدِّ الْأَوَّلِ فَصَحَّ أَنَّ بِالْمَدِينَةِ صَاعًا، وَمُدًّا غَيْرَ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَوْ كَانَ صَاعُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُوَ صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ لَمَا نُسِبَ إلَى عُمَرَ أَصْلًا دُونَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إلَى أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا دُونَ أَنْ يُضَافَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَحَّ بِلَا شَكٍّ أَنَّ مُدَّ هِشَامٍ إنَّمَا رَتَّبَهُ هِشَامٌ، وَأَنَّ صَاعَ عُمَرَ إنَّمَا رَتَّبَهُ عُمَرُ.
هَذَا إنْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ هُنَالِكَ صَاعٌ يُقَالُ لَهُ " صَاعُ عُمَرَ " فَإِنَّ صَاعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُدَّهُ مَنْسُوبَانِ إلَيْهِ لَا إلَى غَيْرِهِ، بَاقِيَانِ بِحَسَبِهِمَا.
وَأَمَّا حَقِيقَةُ الصَّاعِ الْحَجَّاجِيِّ الَّذِي عَوَّلُوا عَلَيْهِ فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ: صَاعِي هَذَا صَاعُ عُمَرَ أَعْطَتْنِيهِ عَجُوزٌ بِالْمَدِينَةِ. فَإِنْ احْتَجُّوا بِرِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ فَرِوَايَتُهُ هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا أَصْلُ صَاعِ الْحَجَّاجِ، فَلَا كَثُرَ وَلَا طِيبَ وَلَا بُورِكَ فِي الْحَجَّاجِ وَلَا فِي صَاعِهِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحُمَيْدِ - عَنْ يَزِيدَ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: الصَّاعُ يَزِيدُ عَلَى الْحَجَّاجِيِّ مِكْيَالًا. فَبَطَلَ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ الْبَاطِلِ وَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - وَمُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ إِسْحَاقُ عَنْ الْمُلَائِيِّ وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ - كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمِكْيَالُ عَلَى مِكْيَالِ أَهْلِ
стр. 1291
الْمَدِينَةِ، وَالْوَزْنُ عَلَى وَزْنِ أَهْلِ مَكَّةَ» .
فَلَمْ يَسَعْ أَحَدًا الْخُرُوجُ عَنْ مِكْيَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِقْدَارِهِ عِنْدَهُمْ، وَلَا عَنْ مَوَازِينِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَوَجَدْنَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ " لَا يَخْتَلِفُ مِنْهُمْ اثْنَانِ فِي أَنَّ مُدَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بِهِ تُؤَدَّى الصَّدَقَاتُ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ رَطْلٍ وَنِصْفٍ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ رَطْلٍ وَرُبْعٍ ".
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَطْلٌ وَثُلُثٌ، وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا؛ لَكِنَّهُ عَلَى حَسَبِ رَزَانَةِ الْمَكِيلِ مِنْ الْبُرِّ، وَالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ -: حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ «أَنَّ مُدَّ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُ بِهِ الصَّدَقَاتِ: رَطْلٌ وَنِصْفٌ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: صَاعُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهُوَ صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: ذَكَرَ أَبِي أَنَّهُ عَيَّرَ مُدَّ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحِنْطَةِ فَوَجَدَهَا رَطْلًا وَثُلُثًا فِي الْبُرِّ، قَالَ: وَلَا يَبْلُغُ مِنْ التَّمْرِ هَذَا الْمِقْدَارُ -: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: دَفَعَ إلَيْنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ الْمُدَّ، وَقَالَ هَذَا مُدُّ مَالِكٍ، وَهُوَ عَلَى مِثَالِ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ فَذَهَبْت بِهِ إلَى السُّوقِ، وَخُرِطَ لِي عَلَيْهِ مُدٌّ وَحَمَلْته مَعِي إلَى الْبَصْرَةِ، فَوَجَدْته نِصْفَ كَيْلَجَةٍ بِكَيْلَجَةِ الْبَصْرَةِ، يَزِيدُ عَلَى كَيْلَجَةِ الْبَصْرَةِ شَيْئًا يَسِيرًا
стр. 1292
خَفِيفًا، إنَّمَا هُوَ شَبِيهٌ بِالرُّجْحَانِ الَّذِي لَا يَقَعُ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنْ الْأَجْزَاءِ، وَنِصْفُ كَيْلَجَةِ الْبَصْرَةِ هُوَ رُبْعُ كَيْلَجَةِ بَغْدَادَ - فَالْمُدُّ: رُبْعُ الصَّاعِ، وَالصَّاعُ مِقْدَارُ كَيْلَجَةٍ بَغْدَادِيَّةٍ يَزِيدُ الصَّاعُ عَلَيْهَا شَيْئًا يَسِيرًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَخُرِطَ لِي مُدٌّ عَلَى تَحْقِيقِ الْمُدِّ الْمُتَوَارَثِ عِنْدَ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ، وَهُوَ عِنْدَ أَكْبَرِهِمْ لَا يُفَارِقُ دَارِهِ، أُخْرِجُهُ إلَى ثِقَتِي الَّذِي كَلَّفْته ذَلِكَ: عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ وَذَكَرَ أَنَّهُ مُدُّ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَأَبِي جَدِّهِ أَخَذَهُ وَخَرَطَهُ عَلَى مُدِّ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ، وَأَخْبَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّهُ خَرَطَهُ عَلَى مُدِّ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهُ ابْنُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَخَرَطَهُ يَحْيَى عَلَى مُدِّ مَالِكٍ، وَلَا أَشُكُّ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ خَالِدٍ صَحَّحَهُ أَيْضًا عَلَى مُدِّ مُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ بِالْمَدِينَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ كِلْته بِالْقَمْحِ الطَّيِّبِ، ثُمَّ وَزَنْته فَوَجَدَتْهُ رَطْلًا وَاحِدًا وَنِصْفَ رَطْلٍ بِالْفُلْفُلِيِّ، لَا يَزِيدُ حَبَّةً، وَكِلْته بِالشَّعِيرِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالطَّيِّبِ؛ فَوَجَدْتُهُ رَطْلًا وَاحِدًا وَنِصْفَ أُوقِيَّةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُورٌ بِالْمَدِينَةِ مَنْقُولٌ نَقْلَ الْكَافَّةِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ، وَصَالِحِهِمْ وَطَالِحِهِمْ، وَعَالِمِهِمْ وَجَاهِلِهِمْ، وَحَرَائِرِهِمْ وَإِمَائِهِمْ، كَمَا نَقَلَ أَهْلُ مَكَّةَ مَوْضِعَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ كَالْمُعْتَرِضِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ فِي مَوْضِعِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا فَرْقَ، وَكَمَنْ يَعْتَرِضُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ وَالْبَقِيعِ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ الدِّيَانَةِ وَالْمَعْقُولِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبَحَثْت أَنَا غَايَةَ الْبَحْثِ عِنْدَ كُلِّ مَنْ وَثِقْت بِتَمْيِيزِهِ، فَكُلٌّ اتَّفَقَ لِي عَلَى أَنَّ دِينَارَ الذَّهَبِ بِمَكَّةَ وَزْنُهُ: اثْنَانِ وَثَمَانُونَ حَبَّةً وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ بِالْحَبِّ مِنْ الشَّعِيرِ الْمُطْلَقِ، وَالدِّرْهَمَ سَبْعَةُ أَعْشَارِ الْمِثْقَالِ؛ فَوَزْنُ الدِّرْهَمِ الْمَكِّيِّ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ حَبَّةً وَسِتَّةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ وَعُشْرُ حَبَّةٍ، فَالرَّطْلُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَاحِدَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا بِالدِّرْهَمِ الْمَذْكُورِ.
وَقَدْ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إلَى الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَوَقَفَ عَلَى أَمْدَادِ أَهْلِهَا.
стр. 1293
وَقَدْ مَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ الْوَسْقُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَسْقِ الْبَعِيرِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا طَرِيفٌ فِي الْهُوجِ جِدًّا وَلَيْتَ شِعْرِي مَنْ لَهُ بِذَلِكَ وَهَلَّا قَالَ: لِأَنَّهُ وَسْقُ الْحِمَارِ، ثُمَّ أَيْضًا - فَإِنَّ الْوِسْقَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ عِنْدَهُمْ: سِتَّةَ عَشَرَ رُبْعًا بِالْقُرْطُبِيِّ، وَحِمْلُ الْبَعِيرِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْمِقْدَارِ بِنَحْوِ نِصْفِهِ.
وَأَمَّا إسْقَاطُهُمْ الزَّكَاةَ عَمَّا أُصِيبَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ مِنْ بُرٍّ، وَتَمْرٍ، وَشَعِيرٍ؛ فَفَاحِشٌ جِدًّا، وَعَظِيمٌ مِنْ الْقَوْلِ.
وَإِسْقَاطٌ لِلزَّكَاةِ الْمُفْتَرَضَةِ. وَمَوَّهُوا فِي هَذَا بِطَوَامَّ، مِنْهَا: أَنْ قَالَ قَائِلُهُمْ: - إنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذْ الزَّكَاةَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَمْوِيهٌ بَارِدٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ إنَّمَا ضَرَبَ الْخَرَاجَ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ، وَلَا زَكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ. فَإِنْ ادَّعَى: أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذْ الزَّكَاةَ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَصْحَابِ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَقَدْ كَذَبَ جِدًّا، وَلَا يَجِدُ هَذَا أَبَدًا؛ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ - عُمَرَ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنْهُمْ كَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَسْقَطَ الصَّلَاةَ عَنْهُمْ وَلَا فَرْقَ. وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ذِكْرَ مَا قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: «مَنَعَتْ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا، وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدَّيْهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ» شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ، قَالُوا: فَأَخْبَرَ ﵇ بِمَا يَجِبُ فِي هَذِهِ الْأَرَضِينَ، وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّ فِيهَا زَكَاةً؛ وَلَوْ كَانَ فِيهَا زَكَاةٌ لَأَخْبَرَ بِهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِثْلُ هَذَا لَيْسَ لِإِيرَادِهِ وَجْهٌ؛ إلَّا لِيَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى مَنْ سَمِعَهُ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْ عَظِيمِ مَا اُبْتُلُوا بِهِ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ بِالْبَاطِلِ، وَمُعَارَضَةِ الْحَقِّ بِأَغَثِّ مَا يَكُونُ مِنْ الْكَلَامِ.
стр. 1294
وَلَيْتَ شِعْرِي فِي أَيِّ مَعْقُولٍ وَجَدُوا أَنَّ كُلَّ شَرِيعَةٍ لَمْ تُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهِيَ سَاقِطَةٌ. وَهَلْ يَقُولُ هَذَا مَنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ التَّمْيِيزِ. وَهَلْ بَيْنَ مَنْ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ - لِأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي هَذَا الْخَبَرِ - فَرْقٌ، وَبَيْنَ مَنْ أَسْقَطَ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُذْكَرَا فِي هَذَا الْخَبَرِ. وَحَتَّى لَوْ صَحَّ لَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَصَدَ بِهَذَا الْخَبَرِ ذِكْرَ مَا يَجِبُ فِي هَذِهِ الْأَرَضِينَ - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَصِحَّ هَذَا فَهُوَ الْكَذِبُ الْبَحْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا كَانَ فِي ذَلِكَ إسْقَاطُ سَائِرِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَهْلِهَا.
وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَدِيثٌ انْتَظَمَ ذِكْرَ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ أَوَّلِهَا عَنْ آخِرِهَا، نَعَمْ، وَلَا سُورَةٌ أَيْضًا.
وَإِنَّمَا قَصَدَ ﵇ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِنْذَارَ بِخَلَاءِ أَيْدِي الْمُفْتَتِحِينَ لِهَذِهِ الْبِلَادِ مِنْ أَخْذِ طَعَامِهَا وَدَرَاهِمِهَا وَدَنَانِيرِهَا فَقَطْ؛ وَقَدْ ظَهَرَ مَا أَنْذَرَ بِهِ ﵇.
وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُرِيدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا زَعَمُوا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ، وَكَانَ أَرْبَابُ أَرَاضِي الشَّامِ، وَمِصْرَ، وَالْعِرَاقِ مُسْلِمِينَ؛ فَمَنْ هُمْ الْمُخَاطَبُونَ بِأَنَّهُمْ يَعُودُونَ كَمَا بَدَءُوا وَمِنْ الْمَانِعِ مَا ذَكَرَ مَنْعَهُ.
هَذَا تَخْصِيصٌ مِنْهُمْ بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مِنْهُ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ، وَلَوْ قِيلَ لَهُمْ: بَلْ فِي قَوْلِهِ ﵇: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الْخَرَاجِ وَبُطْلَانِهِ، إذْ لَوْ كَانَ فِيهَا خَرَاجٌ لَذَكَرَهُ ﵇. وَالْعَجَبُ أَيْضًا إسْقَاطُهُمْ الْجِزْيَةَ بِهَذَا الْخَبَرِ عَنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ فَأَسْقَطُوا فَرْضَيْنِ مِنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ بِرَأْيِ صَاحِبٍ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا.
وَخَالَفُوا ذَلِكَ الصَّاحِبَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ إيجَابُ الْجِزْيَةِ مَعَ الْخَرَاجِ؛ فَمَرَّةً يَكُونُ فِعْلُهُ حُجَّةً يُخَالِفُ بِهَا الْقُرْآنَ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كَاذِبُونَ عَلَيْهِ، فَمَا رُوِيَ عَنْهُ قَطُّ إسْقَاطُ الزَّكَاةِ عَمَّا أُصِيبَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ؛ وَمَرَّةً لَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً أَصْلًا وَمَعَهُ الْحَقُّ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَخْذِ الْخَرَاجِ قِيلَ لَهُمْ: وَالصَّحَابَةُ أَجْمَعُوا عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ قَبْلَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى الْخَرَاجِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ بِلَا شَكٍّ؛ وَلَا عَجَبَ أَعْجَبُ مِنْ إيجَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخَرَاجَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ إذَا مَلَكَهَا، وَإِسْقَاطُ الزَّكَاةِ عَنْهُ، وَإِيجَابُهُ الزَّكَاةَ عَلَى الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إذَا مَلَكَا أَرْضَ الْعُشْرِ، وَإِسْقَاطُ الْخَرَاجِ عَنْهُمَا وَفَاعِلُ هَذَا مُتَّهَمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.
стр. 1295
وَقَالُوا: لَا يَجْتَمِعُ حَقَّانِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كَذَبُوا وَأَفِكُوا بَلْ تَجْتَمِعُ حُقُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي مَالٍ وَاحِدٍ؛ وَلَوْ أَنَّهَا أَلْفُ حَقٍّ، وَمَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ حَقَّانِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ؛ وَهُمْ يُوجِبُونَ الْخُمْسَ فِي مَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالزَّكَاةِ أَيْضًا؛ إمَّا عِنْدَ الْحَوْلِ، وَإِمَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إنْ كَانَ بَلَغَ حَوْلَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ وَيُوجِبُونَ أَيْضًا الْخَرَاجَ فِي أَرْضِ الْمَعْدِنِ إنْ كَانَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ.
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا تَغْلِيبُهُمْ الْخَرَاجَ عَلَى الزَّكَاةِ فَأَسْقَطُوهَا بِهِ، ثُمَّ غَلَّبُوا زَكَاةَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمَاشِيَةِ عَلَى زَكَاةِ التِّجَارَةِ، فَأَسْقَطُوهَا بِهَا؛ ثُمَّ غَلَّبُوا زَكَاةَ التِّجَارَةِ فِي الرَّقِيقِ عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَأَسْقَطُوهَا بِهَا؛ فَمَرَّةً رَأَوْا زَكَاةَ التِّجَارَةِ أَوْكَدَ مِنْ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَمَرَّةً رَأَوْا الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ أَوْلَى مِنْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ.
وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: يَرَى أَنْ يُزَكَّى مَا زُرِعَ لِلتِّجَارَةِ زَكَاةَ التِّجَارَةِ لَا الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةِ. وَذَكَرْنَا هَذَا لِئَلَّا يَدَّعُوا فِي ذَلِكَ إجْمَاعًا، فَهَذَا أَخَفُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ. وَإِنَّ تَنَاقُضَ الْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ لَظَاهِرٍ فِي إسْقَاطِهِمْ الزَّكَاةَ عَنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ لِلزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَإِبْقَائِهِمْ إيَّاهَا مَعَ زَكَاةِ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا - تَنَاقَضَ الْحَنِيفِيُّونَ إذْ أَثْبَتُوا الْإِجَارَةَ وَالزَّكَاةَ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ.
وَمِمَّنْ صَحَّ عَنْهُ إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي الْخَارِجِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَشُرَيْكٌ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ. وَقَالَ سُفْيَانُ، وَأَحْمَدُ: إنْ فَضَلَ بَعْدَ الْخَرَاجِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ. وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ.
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ تَمْوِيهِهِمْ بِالثَّابِتِ عَنْ عُمَرَ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ إذْ أَسْلَمَتْ دِهْقَانَةُ نَهَرَ الْمَلِكِ إنْ اخْتَارَتْ أَرْضَهَا أَوْ أَدَّتْ مَا عَلَى أَرْضِهَا فَخَلُّوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْضِهَا، وَإِلَّا فَخَلُّوا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْضِهِمْ - وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُ هَذَا.
стр. 1296
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ إنْكَارُ الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لِلْمُسْلِمِ.
وَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ عَقَلَ ذُو عَقْلٍ قَطُّ أَنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إسْقَاطَ الزَّكَاةِ عَمَّا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ. وَهَذَا مَكَانٌ لَا يُقَابَلُ إلَّا بِالتَّعَجُّبِ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَيَكْفِي مِنْ هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» فَعَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ مِنْ الْبُرْهَانِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى الرَّافِعِ لَا عَلَى الْأَرْضِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ الْعُشْرَ مِنْ غَيْرِ الَّذِي أَصَابَ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ لَكَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ وَلَمْ يَجُزْ إجْبَارُهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ مِنْ عَيْنِ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَصَحَّ أَنَّ الزَّكَاةَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِ الرَّافِعِ؛ لَا فِي الْأَرْضِ
[مَسْأَلَةٌ زَكَاة مَا أُصِيبَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ]
٦٤٣ - مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ مَا أُصِيبَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ غَصْبَهُ الْأَرْضِ لَا يُبْطِلُ مِلْكَهُ عَنْ بَذْرِهِ؛ فَالْبَذْرُ إذَا كَانَ لَهُ فَمَا تَوَلَّدَ عَنْهُ فَلَهُ؛ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ حَقُّ الْأَرْضِ فَقَطْ؛ فَفِي حِصَّتِهِ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَهِيَ لَهُ حَلَالٌ وَمِلْكٌ صَحِيحٌ.
وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الْمُسْتَأْجَرَةُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، أَوْ الْمَأْخُوذَةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَوْ الْمَمْنُوحَةُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْبَذْرُ مَغْصُوبًا فَلَا حَقَّ لَهُ؛ وَلَا حُكْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ؛ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَرْضِهِ نَفْسِهِ أَمْ فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]
وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّ غَاصِبَ الْبَذْرِ إنَّمَا أَخَذَهُ بِالْبَاطِلِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ بَذْرٍ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَمُحَرَّمٌ عَلَيْهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَكْلُهُ، وَكُلُّ مَا تَوَلَّدَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لِصَاحِبِ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَيْسَ وُجُوبُ الضَّمَانِ بِمُبِيحٍ لَهُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَإِنْ مَوَّهُوا بِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ «الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» . فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ -:
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ رَاوِيَهُ مَخْلَدُ بْنُ خَفَّافٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ.
стр. 1297
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ وَرَدَ فِي عَبْدٍ بِيعَ بَيْعًا صَحِيحًا ثُمَّ وُجِدَ فِيهِ عَيْبٌ؛ وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُقَاسَ الْحَرَامُ عَلَى الْحَلَالِ، لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا؛ فَكَيْفَ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا أَوْلَادَ الْمَغْصُوبَةِ مِنْ الْإِمَاءِ وَالْحَيَوَانِ لِلْغَاصِبِ بِهَذَا الْخَبَرِ؛ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ زَكَاة الْبُرّ إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ]
٦٤٤ - مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا بَلَغَ الصِّنْفُ الْوَاحِدُ - مِنْ الْبُرِّ، أَوْ التَّمْرِ، أَوْ الشَّعِيرِ - خَمْسَةَ أَوْسُقٍ كَمَا ذَكَرْنَا فَصَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسْقَى بِسَاقِيَةٍ مِنْ نَهْرٍ، أَوْ عَيْنٍ، أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ.
وَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِسَاقِيَةٍ، أَوْ نَاعُورَةٍ، أَوْ دَلْوٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ - مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ - فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الْعُشْرُ، أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» .
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ قَوْلِهِ ﵇: «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، مِنْ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ» .
فَصَحَّ أَنَّ مَا نَقَصَ عَنْ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ نُقْصَانًا - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَالْعَجَبُ مِنْ تَغْلِيبِ أَبِي حَنِيفَةَ الْخَبَرَ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» عَلَى حَدِيثِ
стр. 1298
الْأَوْسُقِ الْخَمْسَةِ، وَغَلَّبَ قَوْلَهُ ﵇: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقِيَّ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ» عَلَى قَوْلِهِ ﵇: «فِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» وَعَلَى قَوْلِهِ ﵇: «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلِ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا» وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُضَمُّ قَمْحٌ إلَى شَعِيرٍ وَلَا تَمْرٌ فِي الزَّكَاة]
٦٤٥ - مَسْأَلَةٌ:
لَا يُضَمُّ قَمْحٌ إلَى شَعِيرٍ، وَلَا تَمْرٌ إلَيْهِمَا.
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو يُوسُفَ: يُضَمُّ كُلُّ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ: مِنْ الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزُ، وَالذُّرَةِ، وَالدَّخَنِ، وَجَمِيعِ الْقَطَانِيِّ، بَعْضُ ذَلِكَ إلَى بَعْضِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِلَّا فَلَا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: الْقَمْحُ، وَالشَّعِيرُ، وَالسُّلْتُ: صِنْفٌ وَاحِدٌ، يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ جَمِيعِهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا؛ وَيُجْمَعُ الْحِمَّصُ، وَالْفُولُ، وَاللُّوبِيَا، وَالْعَدَسُ، وَالْجُلُبَّانُ وَالْبَسِيلَةُ، بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ.
وَلَا يُضَمُّ إلَى الْقَمْحِ، وَلَا إلَى الشَّعِيرِ وَلَا إلَى السُّلْتِ.
قَالَ: وَأَمَّا الْأُرْزُ، وَالذُّرَةُ، وَالسِّمْسِمُ، فَهِيَ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ، لَا يُضَمُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا إلَيَّ شَيْءٍ أَصْلًا؟ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْعَلَسِ، فَمَرَّةٌ قَالَ: يُضَمُّ إلَى الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ؛ وَمَرَّةٌ قَالَ: لَا يُضَمُّ إلَى شَيْءٍ أَصْلًا وَرَأَى الْقَطَانِيَّ فِي الْبُيُوعِ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةً، حَاشَا اللُّوبِيَا، وَالْحِمَّصَ؛ فَإِنَّهُ رَآهُمَا فِي الْبُيُوعِ صِنْفًا وَاحِدًا
стр. 1299
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ؛ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ جُمْلَةً، لَا يَحْتَاجُ مِنْ إبْطَالِهِ إلَى أَكْثَرَ مِنْ إيرَادِهِ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ قَسَّمَ هَذَا التَّقْسِيمَ، وَلَا جَمَعَ هَذَا الْجَمْعَ، وَلَا فَرَّقَ هَذَا التَّفْرِيقَ قَبْلَهُ وَلَا مَعَهُ وَلَا بَعْدَهُ، إلَّا مَنْ قَلَّدَهُ، وَمَا لَهُ مُتَعَلَّقٌ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا تَابِعٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا مِنْ رَأْيٍ يُعْرَفُ لَهُ وَجْهُ، وَلَا مِنْ احْتِيَاطٍ أَصْلًا وَأَمَّا مَنْ رَأَى جَمْعَ الْبُرِّ وَغَيْرِهِ فِي الزَّكَاةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقُوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَوْ لَمْ يَأْتِ إلَّا هَذَا الْخَبَرُ لَكَانَ هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ.
لَكِنْ قَدْ خَصَّهُ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ هُوَ الْجَحْدَرِيُّ - ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ثنا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ فِي الْبُرِّ وَالتَّمْرِ زَكَاةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَا يَحِلُّ فِي الْوَرِقِ زَكَاةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَ أَوَاقِيَ وَلَا يَحِلُّ فِي الْإِبِلِ زَكَاةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَ ذَوْدٍ» .
فَنَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ عَمَّا لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الْبُرِّ، فَبَطَل بِهَذَا إيجَابُ الزَّكَاةِ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ مَجْمُوعًا إلَى شَعِيرٍ أَوْ غَيْرَ مَجْمُوعٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقٌ عَلَى أَنْ لَا يُجْمَعَ التَّمْرُ إلَى الزَّبِيبِ، وَمَا نِسْبَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ إلَّا كَنِسْبَةِ الْبُرِّ مِنْ الشَّعِيرِ؛ فَلَا النَّصَّ اتَّبَعُوا، وَلَا الْقِيَاسَ طَرَدُوا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ كُلِّ مَنْ يَرَى الزَّكَاةَ فِي الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ فَصَاعِدًا - لَا فِي أَقَلَّ - فِي أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ التَّمْرُ إلَى الْبُرِّ، وَلَا إلَى الشَّعِيرِ؟ .
٦٤٦ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا أَصْنَافُ الْقَمْحِ فَيُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ؛ وَكَذَلِكَ تُضَمُّ أَصْنَافُ الشَّعِيرِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ؛ وَكَذَلِكَ أَصْنَافُ التَّمْرِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ الْعَجْوَةُ، وَالْبَرْنِيُّ، وَالصَّيْحَانِيُّ وَسَائِرُ أَصْنَافِهِ.
стр. 1300
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ اسْمَ بُرٍّ يَجْمَعُ أَصْنَافَ الْبُرِّ؛ وَاسْمَ تَمْرٍ يَجْمَعُ أَصْنَافَ التَّمْرِ؛ وَاسْمَ شَعِيرٍ يَجْمَعُ أَصْنَافَ الشَّعِيرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
٦٤٧ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضُونَ شَتَّى فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ؛ أَوْ فِي قُرًى شَتَّى فِي عَمَلِ مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي أَعْمَالٍ شَتَّى - وَلَوْ أَنَّ إحْدَى أَرْضَيْهِ فِي أَقْصَى الصِّينِ، وَالْأُخْرَى إلَى أَقْصَى الْأَنْدَلُسِ -: فَإِنَّهُ يَضُمُّ كُلَّ قَمْحٍ أَصَابَ فِي جَمِيعِهَا بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ؛ وَكُلَّ شَعِيرٍ أَصَابَهُ فِي جَمِيعِهَا بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ، فَيُزَكِّيهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالزَّكَاةِ فِي ذَاتِهِ، مُرَتَّبَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ فِي ذِمَّتِهِ وَمَالِهِ، دُونَ أَنْ يَخُصَّ اللَّهَ تَعَالَى؛ أَوْ رَسُولَهُ ﷺ بِذَلِكَ مَا كَانَ فِي طُسُوجٍ وَاحِدًا، أَوْ رُسْتَاقٍ وَاحِدٍ -: مِمَّا فِي طُسُّوجَيْنِ، أَوْ رُسْتَاقَيْنِ؛ وَتَخْصِيصُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ: بَاطِلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاة لِمِنْ لَقَطَ السُّنْبُلَ فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ الْبُرِّ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ]
٦٤٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَقَطَ السُّنْبُلَ فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ الْبُرِّ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا، وَمِنْ الشَّعِيرِ كَذَلِكَ -: فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهَا، الْعُشْرُ فِيمَا سُقِيَ بِالسَّمَاءِ، أَوْ بِالنَّهْرِ أَوْ بِالْعَيْنِ، أَوْ بِالسَّاقِيَّةِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ؛ وَلَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ الْتَقَطَ مِنْ التَّمْرِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ - وَبِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَهَا عَلَى مَالِكِهَا الَّذِي يَخْرُجُ فِي مِلْكِهِ الْحَبُّ مِنْ سُنْبُلِهِ إلَى إمْكَانِ كَيْلِهِ؛ وَلَمْ يَخُصَّ ﵇ مَنْ أَصَابَهُ مِنْ حَرْثِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ حَرْثِهِ؛ وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ الَّذِي الْتَقَطَ هَذَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ إمْكَانِ الْكَيْلِ فِيهِ الَّذِي بِهِ تَجِبُ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا الْتَقَطَ مِنْ التَّمْرِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِيهِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ أَزْهَى التَّمْرُ فِي مِلْكِهِ؛ بِخِلَافِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاةُ عَلَى مَنْ أَزْهَى التَّمْرُ فِي مِلْكِهِ]
٦٤٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ أَزْهَى التَّمْرُ فِي مِلْكِهِ - وَالْإِزْهَاءُ: هُوَ احْمِرَارُهُ فِي ثِمَارِهِ - وَعَلَى مَنْ مَلَكَ الْبُرَّ، وَالشَّعِيرَ قَبْلَ دِرَاسِهِمَا، وَإِمْكَانِ تَصْفِيَتِهِمَا مِنْ
следующие страницы →