Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ إنْكَارُ الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لِلْمُسْلِمِ.
وَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ عَقَلَ ذُو عَقْلٍ قَطُّ أَنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إسْقَاطَ الزَّكَاةِ عَمَّا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ. وَهَذَا مَكَانٌ لَا يُقَابَلُ إلَّا بِالتَّعَجُّبِ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَيَكْفِي مِنْ هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» فَعَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ مِنْ الْبُرْهَانِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى الرَّافِعِ لَا عَلَى الْأَرْضِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ الْعُشْرَ مِنْ غَيْرِ الَّذِي أَصَابَ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ لَكَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ وَلَمْ يَجُزْ إجْبَارُهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ مِنْ عَيْنِ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَصَحَّ أَنَّ الزَّكَاةَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِ الرَّافِعِ؛ لَا فِي الْأَرْضِ
[مَسْأَلَةٌ زَكَاة مَا أُصِيبَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ]
٦٤٣ - مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ مَا أُصِيبَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ غَصْبَهُ الْأَرْضِ لَا يُبْطِلُ مِلْكَهُ عَنْ بَذْرِهِ؛ فَالْبَذْرُ إذَا كَانَ لَهُ فَمَا تَوَلَّدَ عَنْهُ فَلَهُ؛ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ حَقُّ الْأَرْضِ فَقَطْ؛ فَفِي حِصَّتِهِ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَهِيَ لَهُ حَلَالٌ وَمِلْكٌ صَحِيحٌ.
وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الْمُسْتَأْجَرَةُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، أَوْ الْمَأْخُوذَةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَوْ الْمَمْنُوحَةُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْبَذْرُ مَغْصُوبًا فَلَا حَقَّ لَهُ؛ وَلَا حُكْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ؛ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَرْضِهِ نَفْسِهِ أَمْ فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]
وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّ غَاصِبَ الْبَذْرِ إنَّمَا أَخَذَهُ بِالْبَاطِلِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ بَذْرٍ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَمُحَرَّمٌ عَلَيْهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَكْلُهُ، وَكُلُّ مَا تَوَلَّدَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لِصَاحِبِ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَيْسَ وُجُوبُ الضَّمَانِ بِمُبِيحٍ لَهُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَإِنْ مَوَّهُوا بِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ «الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» . فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ -:
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ رَاوِيَهُ مَخْلَدُ بْنُ خَفَّافٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ.
стр. 1297
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ وَرَدَ فِي عَبْدٍ بِيعَ بَيْعًا صَحِيحًا ثُمَّ وُجِدَ فِيهِ عَيْبٌ؛ وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُقَاسَ الْحَرَامُ عَلَى الْحَلَالِ، لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا؛ فَكَيْفَ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا أَوْلَادَ الْمَغْصُوبَةِ مِنْ الْإِمَاءِ وَالْحَيَوَانِ لِلْغَاصِبِ بِهَذَا الْخَبَرِ؛ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ زَكَاة الْبُرّ إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ]
٦٤٤ - مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا بَلَغَ الصِّنْفُ الْوَاحِدُ - مِنْ الْبُرِّ، أَوْ التَّمْرِ، أَوْ الشَّعِيرِ - خَمْسَةَ أَوْسُقٍ كَمَا ذَكَرْنَا فَصَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسْقَى بِسَاقِيَةٍ مِنْ نَهْرٍ، أَوْ عَيْنٍ، أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ.
وَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِسَاقِيَةٍ، أَوْ نَاعُورَةٍ، أَوْ دَلْوٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ - مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ - فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الْعُشْرُ، أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» .
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ قَوْلِهِ ﵇: «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، مِنْ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ» .
فَصَحَّ أَنَّ مَا نَقَصَ عَنْ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ نُقْصَانًا - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَالْعَجَبُ مِنْ تَغْلِيبِ أَبِي حَنِيفَةَ الْخَبَرَ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» عَلَى حَدِيثِ
стр. 1298
الْأَوْسُقِ الْخَمْسَةِ، وَغَلَّبَ قَوْلَهُ ﵇: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقِيَّ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ» عَلَى قَوْلِهِ ﵇: «فِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» وَعَلَى قَوْلِهِ ﵇: «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلِ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا» وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُضَمُّ قَمْحٌ إلَى شَعِيرٍ وَلَا تَمْرٌ فِي الزَّكَاة]
٦٤٥ - مَسْأَلَةٌ:
لَا يُضَمُّ قَمْحٌ إلَى شَعِيرٍ، وَلَا تَمْرٌ إلَيْهِمَا.
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو يُوسُفَ: يُضَمُّ كُلُّ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ: مِنْ الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزُ، وَالذُّرَةِ، وَالدَّخَنِ، وَجَمِيعِ الْقَطَانِيِّ، بَعْضُ ذَلِكَ إلَى بَعْضِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِلَّا فَلَا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: الْقَمْحُ، وَالشَّعِيرُ، وَالسُّلْتُ: صِنْفٌ وَاحِدٌ، يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ جَمِيعِهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا؛ وَيُجْمَعُ الْحِمَّصُ، وَالْفُولُ، وَاللُّوبِيَا، وَالْعَدَسُ، وَالْجُلُبَّانُ وَالْبَسِيلَةُ، بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ.
وَلَا يُضَمُّ إلَى الْقَمْحِ، وَلَا إلَى الشَّعِيرِ وَلَا إلَى السُّلْتِ.
قَالَ: وَأَمَّا الْأُرْزُ، وَالذُّرَةُ، وَالسِّمْسِمُ، فَهِيَ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ، لَا يُضَمُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا إلَيَّ شَيْءٍ أَصْلًا؟ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْعَلَسِ، فَمَرَّةٌ قَالَ: يُضَمُّ إلَى الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ؛ وَمَرَّةٌ قَالَ: لَا يُضَمُّ إلَى شَيْءٍ أَصْلًا وَرَأَى الْقَطَانِيَّ فِي الْبُيُوعِ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةً، حَاشَا اللُّوبِيَا، وَالْحِمَّصَ؛ فَإِنَّهُ رَآهُمَا فِي الْبُيُوعِ صِنْفًا وَاحِدًا
стр. 1299
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ؛ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ جُمْلَةً، لَا يَحْتَاجُ مِنْ إبْطَالِهِ إلَى أَكْثَرَ مِنْ إيرَادِهِ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ قَسَّمَ هَذَا التَّقْسِيمَ، وَلَا جَمَعَ هَذَا الْجَمْعَ، وَلَا فَرَّقَ هَذَا التَّفْرِيقَ قَبْلَهُ وَلَا مَعَهُ وَلَا بَعْدَهُ، إلَّا مَنْ قَلَّدَهُ، وَمَا لَهُ مُتَعَلَّقٌ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا تَابِعٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ وَلَا مِنْ رَأْيٍ يُعْرَفُ لَهُ وَجْهُ، وَلَا مِنْ احْتِيَاطٍ أَصْلًا وَأَمَّا مَنْ رَأَى جَمْعَ الْبُرِّ وَغَيْرِهِ فِي الزَّكَاةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقُوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَوْ لَمْ يَأْتِ إلَّا هَذَا الْخَبَرُ لَكَانَ هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ.
لَكِنْ قَدْ خَصَّهُ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ هُوَ الْجَحْدَرِيُّ - ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ثنا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ فِي الْبُرِّ وَالتَّمْرِ زَكَاةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَا يَحِلُّ فِي الْوَرِقِ زَكَاةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَ أَوَاقِيَ وَلَا يَحِلُّ فِي الْإِبِلِ زَكَاةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَ ذَوْدٍ» .
فَنَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ عَمَّا لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الْبُرِّ، فَبَطَل بِهَذَا إيجَابُ الزَّكَاةِ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ مَجْمُوعًا إلَى شَعِيرٍ أَوْ غَيْرَ مَجْمُوعٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقٌ عَلَى أَنْ لَا يُجْمَعَ التَّمْرُ إلَى الزَّبِيبِ، وَمَا نِسْبَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ إلَّا كَنِسْبَةِ الْبُرِّ مِنْ الشَّعِيرِ؛ فَلَا النَّصَّ اتَّبَعُوا، وَلَا الْقِيَاسَ طَرَدُوا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ كُلِّ مَنْ يَرَى الزَّكَاةَ فِي الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ فَصَاعِدًا - لَا فِي أَقَلَّ - فِي أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ التَّمْرُ إلَى الْبُرِّ، وَلَا إلَى الشَّعِيرِ؟ .
٦٤٦ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا أَصْنَافُ الْقَمْحِ فَيُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ؛ وَكَذَلِكَ تُضَمُّ أَصْنَافُ الشَّعِيرِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ؛ وَكَذَلِكَ أَصْنَافُ التَّمْرِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ الْعَجْوَةُ، وَالْبَرْنِيُّ، وَالصَّيْحَانِيُّ وَسَائِرُ أَصْنَافِهِ.
стр. 1300
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ اسْمَ بُرٍّ يَجْمَعُ أَصْنَافَ الْبُرِّ؛ وَاسْمَ تَمْرٍ يَجْمَعُ أَصْنَافَ التَّمْرِ؛ وَاسْمَ شَعِيرٍ يَجْمَعُ أَصْنَافَ الشَّعِيرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
٦٤٧ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضُونَ شَتَّى فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ؛ أَوْ فِي قُرًى شَتَّى فِي عَمَلِ مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي أَعْمَالٍ شَتَّى - وَلَوْ أَنَّ إحْدَى أَرْضَيْهِ فِي أَقْصَى الصِّينِ، وَالْأُخْرَى إلَى أَقْصَى الْأَنْدَلُسِ -: فَإِنَّهُ يَضُمُّ كُلَّ قَمْحٍ أَصَابَ فِي جَمِيعِهَا بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ؛ وَكُلَّ شَعِيرٍ أَصَابَهُ فِي جَمِيعِهَا بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ، فَيُزَكِّيهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالزَّكَاةِ فِي ذَاتِهِ، مُرَتَّبَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ فِي ذِمَّتِهِ وَمَالِهِ، دُونَ أَنْ يَخُصَّ اللَّهَ تَعَالَى؛ أَوْ رَسُولَهُ ﷺ بِذَلِكَ مَا كَانَ فِي طُسُوجٍ وَاحِدًا، أَوْ رُسْتَاقٍ وَاحِدٍ -: مِمَّا فِي طُسُّوجَيْنِ، أَوْ رُسْتَاقَيْنِ؛ وَتَخْصِيصُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ: بَاطِلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاة لِمِنْ لَقَطَ السُّنْبُلَ فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ الْبُرِّ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ]
٦٤٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَقَطَ السُّنْبُلَ فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ الْبُرِّ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا، وَمِنْ الشَّعِيرِ كَذَلِكَ -: فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهَا، الْعُشْرُ فِيمَا سُقِيَ بِالسَّمَاءِ، أَوْ بِالنَّهْرِ أَوْ بِالْعَيْنِ، أَوْ بِالسَّاقِيَّةِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ؛ وَلَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ الْتَقَطَ مِنْ التَّمْرِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ - وَبِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَهَا عَلَى مَالِكِهَا الَّذِي يَخْرُجُ فِي مِلْكِهِ الْحَبُّ مِنْ سُنْبُلِهِ إلَى إمْكَانِ كَيْلِهِ؛ وَلَمْ يَخُصَّ ﵇ مَنْ أَصَابَهُ مِنْ حَرْثِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ حَرْثِهِ؛ وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ الَّذِي الْتَقَطَ هَذَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ إمْكَانِ الْكَيْلِ فِيهِ الَّذِي بِهِ تَجِبُ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا الْتَقَطَ مِنْ التَّمْرِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِيهِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ أَزْهَى التَّمْرُ فِي مِلْكِهِ؛ بِخِلَافِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاةُ عَلَى مَنْ أَزْهَى التَّمْرُ فِي مِلْكِهِ]
٦٤٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ أَزْهَى التَّمْرُ فِي مِلْكِهِ - وَالْإِزْهَاءُ: هُوَ احْمِرَارُهُ فِي ثِمَارِهِ - وَعَلَى مَنْ مَلَكَ الْبُرَّ، وَالشَّعِيرَ قَبْلَ دِرَاسِهِمَا، وَإِمْكَانِ تَصْفِيَتِهِمَا مِنْ
стр. 1301
التِّبْنِ وَكَيْلِهِمَا بِأَيِّ وَجْهٍ مَلَكَ ذَلِكَ، مِنْ مِيرَاثٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ ابْتِيَاعٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ إصْدَاقٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ وَلَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ انْتَقَلَ مِلْكُهُ عَنْ التَّمْرِ قَبْلَ الْإِزْهَاءِ، وَلَا عَلَى مَنْ مَلَكَهَا بَعْدَ الْإِزْهَاءِ، وَلَا عَلَى مَنْ انْتَقَلَ مِلْكُهُ عَنْ الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، قَبْلَ دِرَاسِهِمَا وَإِمْكَانِ تَصْفِيَتِهِمَا وَكَيْلِهِمَا؛ وَلَا عَلَى مَنْ مَلَكَهُمَا بَعْدَ إمْكَانِ تَصْفِيَتِهِمَا وَكَيْلِهِمَا؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ» فَلَمْ يُوجِبْ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَبِّ صَدَقَةٌ إلَّا بَعْدَ إمْكَانِ تَوْسِيقِهِ؛ فَإِنَّ صَاحِبَهُ حِينَئِذٍ مَأْمُورٌ بِكَيْلِهِ وَإِخْرَاجِ صَدَقَتِهِ؛ فَلَيْسَ تَأْخِيرُهُ الْكَيْلَ - وَهُوَ لَهُ مُمْكِنٌ - بِمُسْقِطٍ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ؛ وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّوْسِيقِ الَّذِي بِهِ تَجِبُ الزَّكَاةُ قَبْلَ الدِّرَاسِ أَصْلًا؛ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ قَبْلَ الدِّرَاسِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْهَا وَلَا رَسُولَهُ ﷺ .
فَمَنْ سَقَطَ مُلْكُهُ عَنْهُ قَبْلَ الدِّرَاسِ - بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، أَوْ إصْدَاقٍ: أَوْ مَوْتٍ، أَوْ جَائِحَةٍ، أَوْ نَارٍ، أَوْ غَرَقٍ، أَوْ غَصْبٍ - فَلَمْ يُمْكِنْهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ فِي وَقْتِ وُجُوبِهَا، وَلَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ.
وَمَنْ أَمْكَنَهُ الْكَيْلُ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ فَهُوَ الَّذِي خُوطِبَ بِزَكَاتِهِ؛ فَمَنْ مَلَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا مَلَكَهُ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى غَيْرِهِ؟ وَلَيْسَ التَّمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّصَّ جَاءَ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهِ إذَا بَدَا طِيبُهُ، كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ وَمَنْ خَالَفَنَا فِي هَذَا وَرَأَى الزَّكَاةَ فِي الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ إذَا يَبِسَا وَاسْتَغْنَيَا عَنْ الْمَاءِ.
سَأَلْنَاهُ عَنْ الدَّلِيلِ عَلَى دَعْوَاهُ هَذِهِ؟ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ وَعَارَضْنَاهُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَرَى عَلَى مَنْ بَاعَ زَرْعًا أَخْضَرَ قَصِيلًا فَفَصَلَهُ الْمُشْتَرِي وَأَطْعَمَهُ دَابَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْحَبِّ -: أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى الْبَائِعِ، عُشْرُ
стр. 1302
الثَّمَنِ أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ، وَلَا سَبِيلَ لِأَحَدِهِمَا إلَى تَرْجِيحِ قَوْلٍ عَلَى الْآخَرِ؟ وَلَوْ صَحَّ قَوْلُ مَنْ رَأَى الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِيهِ قَبْلَ دِرَاسِهِ -: لَكَانَ وَاجِبًا إذَا أَدَّى الْعُشْرَ مِنْهُ كَمَا هُوَ فِي سُنْبُلِهِ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ وَهَذَا مَا لَا يَقُولُونَهُ
[مَسْأَلَةٌ زَكَاة النَّخْل]
٦٥٠ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا النَّخْلُ فَإِنَّهُ إذَا أَزْهَى خُرِصَ وَأُلْزِمَ الزَّكَاةَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ يَفْعَلُ بِهِ مَا شَاءَ؛ وَالزَّكَاةُ فِي ذِمَّتِهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدِ الْقَطَّانِ - وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْت خُبَيْبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ نِيَارٍ قَالَ: أَتَانَا سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا أَوْ دَعُوا الثُّلُثَ؛ فَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا فَدَعُوا الرُّبُعَ» شَكَّ شُعْبَةُ فِي لَفْظَةِ تَأْخُذُوا وَ " تَدَعُوا "؟ حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ.
وَهِيَ تَذْكُرُ شَأْنَ خَيْبَرَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إلَى الْيَهُودِ فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ أَوَّلُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ، ثُمَّ يُخَيِّرُونَ الْيَهُودَ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوهَا بِذَلِكَ الْخَرْصِ أَوْ يَدْفَعُوهَا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ» وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخَرْصِ لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتَفْتَرِقُ.
٦٥١ - مَسْأَلَةٌ:
فَإِذَا خُرِصَ كَمَا ذَكَرْنَا فَسَوَاءٌ بَاعَ الثَّمَرَةَ صَاحِبُهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ أَطْعَمَهَا أَوْ أَجِيحَ فِيهَا -: كُلُّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ، وَأَطْلَقَ عَلَى الثَّمَرَةِ وَأَمْكَنَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ وَجَدَهَا، وَلَا فَرْقَ؟
стр. 1303
مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا غَلِطَ الْخَارِصُ أَوْ ظَلَمَ - فَزَادَ أَوْ نَقَصَ -: رَدَّ الْوَاجِبَ إلَى الْحَقِّ، فَأُعْطِيَ مَا زِيدَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ مِنْهُ مَا نَقَصَ؟ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْخَارِصِ ظُلْمٌ لِصَاحِبِ الثَّمَرَةِ بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] فَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى صَاحِبِ الثَّمَرَةِ إلَّا الْعُشْرَ، لَا أَقَلُّ وَلَا أَكْثَرُ، أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ، لَا أَقَلُّ وَلَا أَكْثَرُ، وَنُقْصَانُ الْخَارِصِ ظُلْمٌ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ وَإِسْقَاطٌ لِحَقِّهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ إثْمٌ وَعُدْوَانٌ.
٦٥٣ - مَسْأَلَةٌ:
فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ الْخَارِصَ ظَلَمَهُ أَوْ أَخْطَأَ؟ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ إنْ كَانَ الْخَارِصُ عَدْلًا عَالِمًا، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ جَائِرًا فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ؟ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ جَائِرًا فَهُوَ فَاسِقٌ فَخَبَرُهُ مَرْدُودٌ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] .
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَتَعَرُّضُ الْجَاهِلِ لِلْحُكْمِ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ بِمَا لَا يَدْرِي جُرْحَةٌ؛ وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ تَوْلِيَتُهُ؛ فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَتَوْلِيَتُهُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
[مَسْأَلَةٌ خَرْصُ الزَّرْعِ]
٦٥٤ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَجُوزُ خَرْصُ الزَّرْعِ أَصْلًا؛ لَكِنْ إذَا حُصِدَ، وَدُرِسَ، فَإِنْ جَاءَ الَّذِي يَقْبِضُ الزَّكَاةَ حِينَئِذٍ فَقَعَدَ عَلَى الدُّرُوسِ وَالتَّصْفِيَةِ وَالْكَيْلِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ؟ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ خَرَصَ الزَّرْعَ، فَلَا يَجُوزُ خَرْصُهُ؛ لِأَنَّهُ إحْدَاثُ حُكْمٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] .
[مَسْأَلَةٌ عِنْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ يُعْطِيَ مِنْهُ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْمَسَاكِينِ]
٦٥٥ - مَسْأَلَةٌ:
وَفُرِضَ عَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ زَرْعٌ عِنْدَ حَصَادِهِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُ مَنْ حَضَرَ
стр. 1304
مِنْ الْمَسَاكِينِ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ؛ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ قَبْلُ فِي بَابِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ ذِكْرِنَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ سَاقَى زَارِعَ أَرْضِهِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا فَعَلَى مِنْ تَكُون الزَّكَاة]
٦٥٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ سَاقَى حَائِطَ نَخْلٍ أَوْ زَارِعَ أَرْضِهِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَيُّهُمَا وَقَعَ فِي سَهْمِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ كَذَلِكَ مِنْ بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ: فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا؟ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فَصَاعِدًا فِي زَرْعٍ أَوْ فِي ثَمَرَةِ نَخْلٍ بِحَبْسٍ، أَوْ ابْتِيَاعٍ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ كُلِّهَا وَلَا فَرْقَ؟ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَسَاكِينِ، أَوْ الْعُمْيَانِ، أَوْ الْمَجْذُومِينَ، أَوْ فِي السَّبِيلِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ بِأَهْلِهِ - أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ الزَّكَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِمَّا ذَكَرْنَا؛ وَلَمْ يُوجِبْهَا عَلَى شَرِيكٍ مِنْ أَجْلِ ضَمِّ زَرْعِهِ إلَى زَرْعِ شَرِيكِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَأَمَّا مَنْ لَا يَتَعَيَّنُ فَلَيْسَ يَصِحُّ أَنَّهُ يَقَعُ لِأَحَدِهِمْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ؛ وَلَا زَكَاةَ إلَّا عَلَى مُسْلِمٍ يَقَعُ لَهُ مِمَّا يُصِيبُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي كُلِّ ذَلِكَ الزَّكَاةُ؟ وَهَذَا خَطَأٌ، لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا شَرِيعَةَ عَلَى أَرْضٍ، وَإِنَّمَا الشَّرِيعَةُ عَلَى النَّاسِ، وَالْجِنِّ؛ وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوا لَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي أَرَاضِي الْكُفَّارِ فَإِنْ قَالُوا: الْخَرَاجُ نَابَ عَنْهَا؟ قُلْنَا: كَانُوا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ يَجِبُ عَلَى قَوْلِكُمْ أَنْ تَكُونَ الزَّكَاةُ فِيمَا أَخْرَجَتْ أَرْضُهُمْ؛ وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ، وَبِإِجْمَاعِهِمْ مَعَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 1305
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا اجْتَمَعَ لِلشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَعَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ - وَسَنَذْكُرُ بُطْلَانَ هَذَا الْقَوْلِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي زَكَاةِ الْخُلَطَاءِ فِي الْمَاشِيَةِ، وَجُمْلَةُ الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إيجَابُ شَرْعٍ بِلَا بُرْهَانٍ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ عَدَّ الزَّارِعُ مَا أَنْفَقَ فِي حَرْثٍ أَوْ حَصَادٍ فَأَسْقَطَهُ مِنْ الزَّكَاةِ]
٦٥٧ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُدَّ الَّذِي لَهُ الزَّرْعُ أَوْ التَّمْرُ مَا أَنْفَقَ فِي حَرْثٍ أَوْ حَصَادٍ، أَوْ جَمْعٍ، أَوْ دَرْسٍ، أَوْ تَزْبِيلٍ أَوْ جِدَادٍ أَوْ حَفْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ -: فَيُسْقِطُهُ مِنْ الزَّكَاةِ وَسَوَاءٌ تَدَايَنَ فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَتَدَايَنْ، أَتَتْ النَّفَقَةُ عَلَى جَمِيعِ قِيمَةِ الزَّرْعِ أَوْ الثَّمَرِ أَوْ لَمْ تَأْتِ، وَهَذَا مَكَانٌ قَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِ؟ -: حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ - عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، فِي الرَّجُلِ يُنْفِقُ عَلَى ثَمَرَتِهِ، قَالَ أَحَدُهُمَا: يُزَكِّيهَا، وَقَالَ الْآخَرُ: يَرْفَعُ النَّفَقَةَ وَيُزَكِّي مَا بَقِيَ.
وَعَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ يَسْقُطُ مِمَّا أَصَابَ النَّفَقَةَ، فَإِنْ بَقِيَ مِقْدَارُ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّى، وَإِلَّا فَلَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي التَّمْرِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ: الزَّكَاةُ جُمْلَةً إذَا بَلَغَ الصِّنْفُ مِنْهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا؛ وَلَمْ يُسْقِطْ الزَّكَاةَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفَقَةِ الزَّارِعِ وَصَاحِبِ النَّخْلِ؛ فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ حَقٍّ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِغَيْرِ نَصِّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ؟ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِنَا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا، وَأَبَا حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ تَنَاقَضُوا وَأَسْقَطُوا الزَّكَاةَ عَنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا إذَا كَانَ عَلَى صَاحِبِهَا دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهَا أَوْ يَسْتَغْرِقُ بَعْضَهَا؛ فَأَسْقَطُوهَا عَنْ مِقْدَارِ مَا اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ مِنْهَا.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَعُدّ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ فِي الزَّكَاةِ مَا أَكَلَ هُوَ وَأَهْلُهُ]
٦٥٨ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُدَّ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ فِي الزَّكَاةِ مَا أَكَلَ هُوَ وَأَهْلُهُ فَرِيكًا أَوْ سَوِيقًا - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - وَلَا السُّنْبُلَ الَّذِي يَسْقُطُ فَيَأْكُلُهُ الطَّيْرُ أَوْ الْمَاشِيَةُ أَوْ يَأْخُذُهُ الضُّعَفَاءُ، وَلَا مَا تَصَدَّقَ بِهِ حِينَ الْحَصَادِ؛ لَكِنْ مَا صُفِّيَ فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إلَّا حِينَ إمْكَانِ الْكَيْلِ، فَمَا خَرَجَ عَنْ يَدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ قَبْلَ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيهِ.
стр. 1306
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاللَّيْثُ، كَذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُعَدُّ عَلَيْهِ كُلُّ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَقَدْ يَسْقُطُ مِنْ السُّنْبُلِ مَا لَوْ بَقِيَ لَأَتَمَّ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ وَلَا الْمَنْعُ مِنْهُ أَصْلًا.
وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
[مَسْأَلَةٌ مَا أَكُلّ هُوَ وَأَهْلُهُ رُطَبًا لَا يُكَلَّفُ عَنْهُ زَكَاةٌ]
٦٥٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَأَمَّا التَّمْرُ: فَفَرْضٌ عَلَى الْخَارِصِ أَنْ يَتْرُكَ لَهُ مَا يَأْكُلُ هُوَ وَأَهْلُهُ رُطَبًا عَلَى السَّعَةِ، لَا يُكَلَّفُ عَنْهُ زَكَاةٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَتْرُكُ لَهُ شَيْئًا؟ بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا أَوْ دَعُوا الثُّلُثَ أَوْ الرُّبُعَ» وَلَا يَخْتَلِفُ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْخَبَرِ - وَهُمْ أَهْلُ الْحَقِّ الَّذِينَ إجْمَاعُهُمْ الْإِجْمَاعُ الْمُتَّبَعُ - فِي أَنَّ هَذَا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ إلَى الْأَكْلِ رُطَبًا -: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ ثنا هُشَيْمٌ، وَزَيْدٌ كِلَاهُمَا: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا حَثْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَلَى خَرْصِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: إذَا وَجَدْت الْقَوْمَ فِي نَخْلِهِمْ قَدْ خَرَفُوا فَدَعْ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ، لَا تَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ.
وَبِهِ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ مَرْوَانَ بَعَثَهُ خَارِصًا لِلنَّخْلِ، فَخَرَصَ مَال سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ سَبْعمِائَةِ وَسْقٍ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي وَجَدْت فِيهِ أَرْبَعِينَ عَرِيشًا لَخَرَصْته تِسْعِمِائَةِ وَسْقٍ؛ وَلَكِنِّي تَرَكْت لَهُمْ قَدْرَ مَا يَأْكُلُونَ.
стр. 1307
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبِي حَثْمَةَ، وَسَهْلٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃، لَا مُخَالِفُ لَهُمْ يُعْرَفُ مِنْهُمْ، وَهُمْ يُشَنِّعُونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ إذَا وَافَقَهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يُزَكِّي مَا بَقِيَ بَعْدَمَا يَأْكُلُ - وَهَذَا تَخْلِيطٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلنُّصُوصِ كُلِّهَا.
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاة فِي زَرْع يُسْقَى بَعْضَ الْعَامِ بِسَاقِيَةٍ وَبَعْضَ الْعَامِ بِنَضْحٍ]
٦٦٠ - مَسْأَلَةٌ:
وَإِنْ كَانَ زَرْعٌ، أَوْ نَخْلٌ يُسْقَى بَعْضَ الْعَامِ بِعَيْنٍ، أَوْ سَاقِيَةٍ مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِمَاءِ السَّمَاءِ، وَبَعْضَ الْعَامِ بِنَضْحٍ، أَوْ سَانِيَةٍ، أَوْ خَطَّارَةٍ، أَوْ دَلْوٍ، فَإِنْ كَانَ النَّضْحُ زَادَ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً ظَاهِرَةً وَأَصْلَحَهُ: فَزَكَاتُهُ نِصْفُ الْعُشْرِ فَقَطْ؛ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَصْلَحَ فَزَكَاتُهُ الْعُشْرُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: يُزَكِّي عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ ذَلِكَ؛ وَهُوَ قَوْلٌ رُوِّينَاهُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ -: حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاجِيَّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيٌّ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ: فِي الْمَالِ يَكُونُ عَلَى الْعَيْنِ أَوْ بَعْلًا عَامَّةَ الزَّمَانِ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَى الْبِئْرِ يُسْقَى بِهَا؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ يُسْقَى بِالْعَيْنِ أَوْ الْبَعْلِ أَكْثَرُ مِمَّا يُسْقَى بِالدَّلْوِ: فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِالدَّلْوِ أَكْثَرُ مِمَّا يُسْقَى بِالْبَعْلِ: فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولَانِ هَذَا الْقَوْلَ.
وَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً: إنَّ زَكَاتَهُ بِاَلَّذِي غَذَّاهُ بِهِ وَتَمَّ بِهِ، لَا أُبَالِي بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ أَكْثَرَ سَقْيِهِ فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ - وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: يُعْطِي نِصْفَ زَكَاتِهِ الْعُشْرُ وَنِصْفُهَا نِصْفُ الْعُشْرِ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ بِنِصْفِ الْعُشْرِ، وَبِلَا شَكٍّ أَنَّ السَّمَاءَ تَسْقِيه وَيُصْلِحُهُ مَاءُ السَّمَاءِ؛ بَلْ قَدْ شَاهَدْنَا جُمْهُورَ السِّقَاءِ بِالْعَيْنِ وَالنَّضْحِ إنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ مَاءٌ السَّمَاءِ تَغَيَّرَ وَلَا بُدَّ، فَلَمْ يَجْعَلْ ﵇ لِذَلِكَ حُكْمًا؛ فَصَحَّ أَنَّ النَّضْحَ إذَا كَانَ مُصْلِحًا لِلزَّرْعِ أَوْ النَّخْلِ فَزَكَاتُهُ نِصْفُ الْعُشْرِ فَقَطْ: وَهَذَا مِمَّا تَرَكَ الشَّافِعِيُّونَ فِيهِ صَاحِبًا لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ.
стр. 1308
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاة عَلَى مِنْ زَرَعَ قَمْحًا مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ]
مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ زَرَعَ قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ حَمَلَتْ نَخْلَةٌ بَطْنَيْنِ فِي السَّنَةِ فَإِنَّهُ لَا يَضُمُّ الْبُرَّ الثَّانِي وَلَا الشَّعِيرَ الثَّانِي وَلَا التَّمْرَ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ؛ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَيْسَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ يُزَكِّهِ؛ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ بِانْفِرَادِهِ لَمْ يُزَكِّهِمَا.
قَالَ عَلِيٌّ: وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ جَمَعَا لَوَجَبَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الزَّرْعَيْنِ وَالتَّمْرَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَامَانِ أَوْ أَكْثَرُ؛ وَهَذَا بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِذْ صَحَّ نَفْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ عَمَّا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ رَاعَى الْمُجْتَمَعَ، لَا زَرْعًا مُسْتَأْنَفًا لَا يُدْرَى أَيَكُونُ أَمْ لَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
٦٦٢ - مَسْأَلَةٌ:
وَإِنْ كَانَ قَمْحُ بِكِيرٍ أَوْ شَعِيرُ بِكِيرٍ أَوْ تَمْرُ بِكِيرٍ وَآخَرُ مِنْ جِنْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُؤَخَّرٌ، فَإِنْ يَبِسَ الْمُؤَخَّرُ أَوْ أَزْهَى قَبْلَ تَمَامِ وَقْتِ حَصَادِ الْبَكِيرِ وَجِدَادِهِ فَهُوَ كُلُّهُ زَرْعٌ وَاحِدٌ وَتَمْرٌ وَاحِدٌ، يَضُمُّ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، وَتُزَكَّى مَعًا؛ إنْ لَمْ يَيْبَسْ الْمُؤَخَّرُ وَلَا أَزْهَى إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِ حَصَادِ الْبَكِيرِ فَهُمَا زَرْعَانِ وَتَمْرَانِ، يَضُمُّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ كُلَّ زَرْعٍ وَكُلَّ تَمْرٍ فَإِنَّ بَعْضَهُ يَتَقَدَّمُ بَعْضًا فِي الْيُبْسِ وَالْإِزْهَاءِ؛ وَإِنَّ مَا زُرِعَ فِي تَشْرِينَ الْأَوَّلِ يَبْدَأُ يُبْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ مَا زُرِعَ فِي شُبَاطَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْقَضِي وَقْتُ حَصَادِ الْأَوَّلِ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا صِيفَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ التَّمْرُ - وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَجْتَمِعُ وَقْتُ حَصَادِهِمَا وَلَا يَتَّصِلُ وَقْتُ إزْهَائِهِمَا فَهُمَا زَمَنَانِ اثْنَانِ كَمَا قَدَّمْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَبْكَرُ مَا صَحَّ عِنْدَنَا يَقِينًا: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِأَنْ يُزْرَعَ فِي بِلَادٍ مِنْ شِنْتَ بَرِيَّةَ، وَهِيَ مِنْ عَمَلِ مَدِينَةِ سَالِمٍ بِالْأَنْدَلُسِ، فَإِنَّهُمْ يَزْرَعُونَ الشَّعِيرَ فِي آخِرِ أَيْلُولَ وَهُوَ " شتنبر " لِغَلَبَةِ الثَّلْجِ عَلَى بِلَادِهِمْ، حَتَّى يَمْنَعُهُمْ مِنْ زَرْعِهَا إنْ لَمْ يُبَكِّرُوا بِهِ كَمَا
стр. 1309
ذَكَرْنَا؛ وَيَتَّصِلُ الزَّرْعُ بَعْدَ ذَلِكَ مُدَّةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَزِيَادَةٌ أَيَّامٍ، فَقَدْ شَاهَدْنَا فِي الْأَعْوَامِ زَرِيعَةَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ فِي صَدْرِ " آذَارٍ " وَهُوَ " مُرْسٍ ".
وَأَبْكَرُ مَا صَحَّ عِنْدَنَا حَصَادُهُ فألش فألش " مِنْ عَمَلِ " تَدْمِيرَ " فَإِنَّهُمْ يَبْدَءُونَ بِالْحَصَادِ فِي أَيَّامٍ بَاقِيَةٍ مِنْ " نَيْسَانَ " وَهُوَ " أَبْرِيلُ " وَيَتَّصِلُ الْحَصَادُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ إلَى صَدْرِ زَمَنِ " أَيْلُولَ " وَهُوَ " أُغِشَّتْ " وَهِيَ كُلُّهَا صِيفَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاسْتِحْصَادٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ.
٦٦٣ - مَسْأَلَةٌ:
فَلَوْ حُصِدَ قَمْحٌ أَوْ شَعِيرٌ ثُمَّ أُخْلِفَ فِي أُصُولِهِ زَرْعٌ فَهُوَ زَرْعٌ آخَرُ، لَا يُضَمُّ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاة وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِ الْمَالِ لَا فِي عَيْنِ الْمَالِ]
٦٦٤ - مَسْأَلَةٌ:
وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِ الْمَالِ لَا فِي عَيْنِ الْمَالِ؛ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ اضْطَرَبَتْ أَقْوَالُ الْمُخَالِفِينَ فِي هَذَا.
وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: هُوَ أَنْ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ - مِنْ زَمَنِنَا إلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ فَأَعْطَى زَكَاتَهُ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّرْعِ وَمِنْ غَيْرِ ذَلِكَ التَّمْرِ وَمِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الذَّهَبِ وَمِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْفِضَّةِ وَمِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْإِبِلِ وَمِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْبَقَرِ وَمِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْغَنَمِ -: فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ، بَلْ سَوَاءٌ أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ، أَوْ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِهَا، أَوْ مِمَّا يَشْتَرِي، أَوْ مِمَّا يُوهَبُ، أَوْ مِمَّا يُسْتَقْرَضُ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ الزَّكَاةَ فِي الذِّمَّةِ لَا فِي الْعَيْنِ إذْ لَوْ كَانَتْ فِي الْعَيْنِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْبَتَّةُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَوَجَبَ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا يُمْنَعُ مَنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي شَيْءٍ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ أَنْ يُعْطِيَ شَرِيكَهُ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ الَّتِي هُمْ فِيهَا شُرَكَاءُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا، وَعَلَى حُكْمِ الْبَيْعِ؟ وَأَيْضًا - فَلَوْ كَانَتْ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ لَكَانَتْ لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا -: إمَّا أَنْ تَكُونَ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْمَالِ، أَوْ تَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِغَيْرِ عَيْنِهِ.
стр. 1310
فَلَوْ كَانَتْ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ لَحَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ رَأْسًا أَوْ حَبَّةً فَمَا فَوْقهَا؛ لِأَنَّ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ شَرِيكًا، وَلَحَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا شَيْئًا لِمَا ذَكَرْنَا، وَهَذَا بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَلَزِمَهُ أَيْضًا: أَنْ لَا يُخْرِجَ الشَّاةَ إلَّا بِقِيمَةٍ مُصَحَّحَةٍ مِمَّا بَقِيَ، كَمَا يُفْعَلَ فِي الشَّرِكَاتِ وَلَا بُدَّ، وَإِنْ كَانَتْ الزَّكَاةُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِغَيْرِ عَيْنِهِ؛ فَهَذَا بَاطِلٌ.
وَكَانَ يَلْزَمُ أَيْضًا: مِثْلُ ذَلِكَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَبِيعُ أَوْ يَأْكُلُ الَّذِي هُوَ حَقُّ أَهْلِ الصَّدَقَةِ.
فَصَحَّ مَا قُلْنَا يَقِينًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ مَا أَتْلَفَ بَعْد وُجُوب الزَّكَاة فِيهِ]
٦٦٥ - مَسْأَلَةٌ:
فَكُلُّ مَالٍ وَجَبَتْ فِيهِ زَكَاةٌ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا، فَسَوَاءٌ تَلَفَ ذَلِكَ أَوْ بَعْضُهُ - أَكْثَرُهُ أَوْ أَقَلُّهُ - إثْرِ إمْكَانِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْهُ، إثْرِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِمَا قَلَّ مِنْ الزَّمَنِ أَوْ كَثُرَ، بِتَفْرِيطٍ تَلَفَ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ -: فَالزَّكَاةُ كُلُّهَا وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهِ كَمَا كَانَتْ لَوْ لَمْ يَتْلَفْ، وَلَا فَرْقَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ فِي الذِّمَّةِ لَا فِي عَيْنِ الْمَالِ؟ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إثْرَ إمْكَانِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ عَيْنِ الْمَالِ الْوَاجِبَةِ فِيهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْإِبِلُ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مِمَّا يُزَكَّى بِالْغَنَمِ وَلَهُ غَنَمٌ حَاضِرَةٌ فَهَذَا تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ مِنْ الْغَنَمِ الْحَاضِرَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْطُلَ بِالزَّكَاةِ حَتَّى يَبِيعَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
[مَسْأَلَةٌ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَعَزَلَهَا لِيَدْفَعَهَا إلَى الْمُصَدِّقِ فَضَاعَتْ]
٦٦٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَعَزَلَهَا لِيَدْفَعَهَا إلَى الْمُصَدِّقِ أَوْ إلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ فَضَاعَتْ الزَّكَاةُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا فَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا كُلِّهَا وَلَا بُدَّ، لِمَا ذَكَرْنَا؛ وَلِأَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوَصِّلَهَا إلَى مَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِيصَالِهَا إلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ هَلَكَ الْمَالُ بَعْدَ الْحَوْلِ - وَلَمْ يَحُدَّ لِذَلِكَ مُدَّةً - فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ بِأَيِّ وَجْهٍ هَلَكَ؛ فَلَوْ هَلَكَ بَعْضُهُ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ مَا بَقِيَ فَقَطْ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلَفَ، فَإِنْ كَانَ هُوَ اسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ؟ .
стр. 1311
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ؛ فَإِنْ لَجَأَ إلَى أَنَّ الزَّكَاةَ فِي عَيْنِ الْمَالِ، قُلْنَا لَهُ: هَذَا بَاطِلٌ بِمَا قَدَّمْنَا آنِفًا، ثُمَّ هَبْكَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ إذَا كَانَ الْبَاقِي لَيْسَ مِمَّا يَجِبُ فِي مِقْدَارِهِ الزَّكَاةُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ عِنْدَكُمْ لَا زَكَاةَ فِيهِ لِتَلَفِهِ، وَالْبَاقِي لَيْسَ نِصَابًا، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي فِيهِ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ؟ فَالتَّالِفُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ وَلَا فَرْقَ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا؛ أَنَّ الزَّكَاةَ لَيْسَتْ مُشَاعَةٌ فِي الْمَالِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ كَالشَّرِكَةِ؛ إذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمَا جَازَ إخْرَاجُهَا إلَّا بِقِيمَةٍ مُحَقَّقَةٍ مَنْسُوبَةٍ مِمَّا بَقِيَ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ، وَقَالَ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الطَّعَامِ يَخْرُجُ عَنْ الطَّعَامِ مِنْ صِنْفِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ؛ فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ؟ وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ تَلَفَ النَّاضُّ بَعْدَ الْحَوْلِ وَلَمْ يُفَرِّطْ فِي أَدَاءِ زَكَاتِهِ فَرَجَعَ إلَى مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ عَزَلَ زَكَاةَ الطَّعَامِ فَتَلِفَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا، لَا عَنْ الْكُلِّ وَلَا عَمَّا بَقِيَ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ فَتَلَفَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ زَكَاتِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ لَيْسَتْ عَيْنًا مُعِينَةً؛ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ وَلَا جُزْءًا مُشَاعًا فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِ.
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ هُمَا اللَّذَانِ يَكُونُ مَنْ كَانَا عِنْدَهُ بِحَقٍّ مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلَفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ؛ فَإِذْ الزَّكَاةُ كَمَا ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا هِيَ حَقٌّ مُفْتَرَضٌ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إلَى الْمُصَدِّقِ، أَوْ إلَى مَنْ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ -: فَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ لَا أَمَانَةً عِنْدَهُ وَالدَّيْنُ مُؤَدًّى عَلَى كُلِّ حَالٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، وَجَرِيرٍ، وَالْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ حَفْصٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ؛ وقَالَ جَرِيرٌ عَنْ الْمُغِيرَةَ عَنْ أَصْحَابِهِ؛ وَقَالَ الْمُعْتَمِرُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ حَمَّادٍ، وَقَالَ زَيْدٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ؛ وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، ثُمَّ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ: فِيمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ فَضَاعَتْ: أَنَّهَا لَا تُجْزِي عَنْهُ وَعَلَيْهِ إخْرَاجُهَا ثَانِيَةً؟ وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ؟
стр. 1312
[مَسْأَلَةٌ زَكَاة الْبَرّ مَا يُجْزِئ مِنْهُ]
مَسْأَلَةٌ: وَأَيُّ بُرٍّ أَعْطَى، أَوْ أَيُّ شَعِيرٍ: فِي زَكَاتِهِ كَانَ أَدْنَى مِمَّا أَصَابَ أَوْ أَعْلَى -: أَجْزَأَهُ، مَا لَمْ يَكُنْ فَاسِدًا بِعَفَنٍ، أَوْ تَآكُلٍ، فَلَا يُجْزِئُ عَنْ صَحِيحٍ، أَوْ مَا كَانَ رَدِيئًا بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ إنَّمَا عَلَيْهِ بِالنَّصِّ عُشْرُ مَكِيلَةِ مَا أَصَابَ أَوْ نِصْفُ عُشْرِهَا إذَا كَانَتْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا، وَلَوْ كَانَ لَا يُجْزِئُهُ أَدْنَى مِنْ صِفَةِ مَا أَصَابَ لَكَانَ لَا يُجْزِئُهُ أَعْلَى مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ؛ وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ، فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ بِالنَّصِّ مِنْ الْعَيْنِ الَّتِي أَصَابَ؛ فَمَنْ ادَّعَى أَنْ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا مِثْلَ صِفَةِ الَّتِي أَصَابَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبُرْهَانٍ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا -: إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَعْطَى فَاسِدًا عَنْ صَحِيحٍ فَلِأَنَّ الْمَكِيلَةَ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ وَبِالْإِجْمَاعِ، وَبِالْعِيَانِ نَدْرِي أَنَّ الْعَفَنَ وَالْمُتَآكِلَ قَدْ نَقَصَا مِنْ الْمَكِيلَةِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إيفَائِهِ أَصْلًا، وَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْمَكِيلَةُ تَامَّةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ زَكَاة التَّمْرِ]
٦٦٨ - مَسْأَلَةٌ:
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي زَكَاةِ التَّمْرِ، أَيِّ تَمْرٍ أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ، سَوَاءٌ مِنْ جِنْسِ تَمْرِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، أَدْنَى مِنْ تَمْرِهِ أَوْ أَعْلَى، مَا لَمْ يَكُنْ رَدِيًّا كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ مَعْفُونًا أَوْ مُتَآكِلًا، أَوْ الْجُعْرُورُ، أَوْ لَوْنُ الْحُبَيْقِ فَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا، وَسَوَاءٌ كَانَ تَمْرُهُ كُلُّهُ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِتَمْرٍ سَالِمٍ غَيْرِ رَدِيءٍ، وَلَا مِنْ هَذَيْنِ اللَّوْنَيْنِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ثنا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لَوْنَيْنِ مِنْ التَّمْرِ: الْجُعْرُورُ، وَلَوْنُ الْحُبَيْقِ، وَكَانَ النَّاسُ يَتَيَمَّمُونَ شِرَارَ ثِمَارِهِمْ فَيُخْرِجُونَهَا فِي الصَّدَقَةِ؛ فَنُهُوا عَنْ
стр. 1313
ذَلِكَ» ، وَنَزَلَتْ ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْحِمْيَرِيِّ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ السُّدِّيَّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ كَانُوا يَجِيئُونَ فِي الصَّدَقَةِ بِأَدْنَى طَعَامِهِمْ، وَأَدْنَى تَمْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْخَبِيثُ لَا يَكُونُ إلَّا حَرَامًا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهَذَا الْمَنْهِيُّ عَنْ إخْرَاجِهِ فِي الصَّدَقَةِ هُوَ حَرَامٌ فِيهَا، فَهُوَ خَبِيثٌ فِيهَا لَا فِي غَيْرِهَا؛ وَلَا يُنْكَرُ كَوْنُ الشَّيْءِ طَاعَةً فِي وَجْهٍ مَعْصِيَةً فِي وَجْهٍ آخَرَ؛ كَالْأَكْلِ لِلصَّائِمِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، هُوَ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى طَيِّبٌ حَلَالٌ، وَلَوْ أَكَلَهُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لَأَكَلَ حَرَامًا عَلَيْهِ خَبِيثًا فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَكَذَلِكَ الْمَيْتَةُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، هُمَا حَرَامَانِ خَبِيثَانِ لِغَيْرِ الْمُضْطَرِّ، وَهُمَا لِلْمُضْطَرِّ غَيْرِ الْمُتَجَانِفِ لِإِثْمٍ حَلَالَانِ طَيِّبَانِ غَيْرُ خَبِيثَيْنِ؛ وَهَكَذَا أَكْثَرُ الْأَشْيَاءِ فِي الشَّرَائِعِ.
стр. 1314
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ثنا عَبَّادٌ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجُعْرُورِ، وَلَوْنِ ابْنِ حُبَيْقٍ أَنْ يُؤْخَذَا فِي الصَّدَقَةِ» قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَوْنَيْنِ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ؟
[زَكَاةُ الْغَنَمِ]
٦٦٩ - مَسْأَلَةٌ: الْغَنَمُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ، فَهِيَ مَجْمُوعٌ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ.
وَكَذَلِكَ أَصْنَافُ الْمَاعِزِ وَالضَّأْنِ، كَضَأْنِ بِلَادِ السُّودَانِ وَمَاعِزِ الْبَصْرَةِ وَالنَّفَدِ وَبَنَاتِ حَذَفٍ وَغَيْرِهَا.
وَكَذَلِكَ الْمَقْرُونُ الَّذِي نِصْفُهُ خِلْقَةُ مَاعِزٍ، وَنِصْفُهُ ضَأْنٍ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَنَمِ، وَالذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ سَوَاءٌ.
وَاسْمُ الشَّاءِ أَيْضًا -: وَاقِعٌ عَلَى الْمَعْزِ وَالضَّأْنِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي اللُّغَةِ.
وَلَا وَاحِدَ لِلْغَنَمِ مِنْ لَفْظِهِ، إنَّمَا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ: شَاةٌ، أَوْ مَاعِزَةٌ، أَوْ ضَانِيَةٌ، أَوْ كَبْشٌ، أَوْ تَيْسٌ: هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
٦٧٠ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا زَكَاةَ فِي الْغَنَمِ حَتَّى يَمْلِكَ الْمُسْلِمُ الْوَاحِدُ مِنْهَا أَرْبَعِينَ رَأْسًا حَوْلًا كَامِلًا مُتَّصِلًا عَرَبِيًّا قَمَرِيًّا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا، وَسَنَذْكُرُهُ فِي زَكَاةِ الْفَوَائِدِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَكْفِي مِنْ هَذَا أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْمَاشِيَةِ، وَلَمْ يَحُدَّ وَقْتًا» وَلَا نَدْرِي مِنْ هَذَا الْعُمُومِ مَتَى تَجِبُ الزَّكَاةُ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهَا ﵇ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَلَا
стр. 1315
فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَلَا مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ فَصَاعِدًا، هَذَا مَنْقُولٌ بِإِجْمَاعٍ إلَيْهِ ﷺ فَإِذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهَا مَرَّةٌ فِي الْحَوْلِ، فَلَا يَجِبُ فَرْضٌ إلَّا بِنَقْلٍ صَحِيحٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَوَجَدْنَا مَنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ، أَوْ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا بِنَقْلِ آحَادٍ وَلَا بِنَقْلِ تَوَاتُرٍ وَلَا بِنَقْلِ إجْمَاعٍ، وَوَجَدْنَا مَنْ أَوْجَبَهَا بِانْقِضَاءِ الْحَوْلِ قَدْ صَحَّ وُجُوبُهَا بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حِينَئِذٍ بِلَا شَكٍّ؛ فَالْآنُ وَجَبَتْ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنْ احْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
قُلْنَا: إنَّمَا تَجِبُ الْمُسَارَعَةُ إلَى الْفَرْضِ بَعْدَ وُجُوبِهِ لَا قَبْلَ وُجُوبِهِ، وَكَلَامُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي أَخَوَاتِهَا إنَّمَا هُوَ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ، فَإِذَا صَحَّ وُجُوبُ الْفَرْضِ فَحِينَئِذٍ تَجِبُ الْمُسَارَعَةُ إلَى أَدَائِهِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ، بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا قَوْلُنَا: أَنْ يَكُونَ الْحَوْلُ عَرَبِيًّا فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ الْحَوْلَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] . وَالْأَشْهُرُ الْحُرُمُ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الشُّهُورِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] .
وَلَا يُعَدُّ بِالْأَهِلَّةِ إلَّا الْعَامُ الْعَرَبِيُّ؛ فَصَحَّ أَنَّهُ لَا تَجِبُ شَرِيعَةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِالشُّهُورِ أَوْ بِالْحَوْلِ إلَّا بِشُهُورِ الْعَرَبِ، وَالْحَوْلِ الْعَرَبِيِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ .
٦٧١ - مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا تَمَّتْ فِي مِلْكِهِ عَامًا كَمَا ذَكَرْنَا، سَوَاءٌ كَانَتْ كُلُّهَا مَاعِزًا، أَوْ بَعْضُهَا - أَكْثَرُهَا أَوْ أَقَلُّهَا - ضَأْنًا، وَسَائِرُهَا كَذَلِكَ مِعْزَى -: فَفِيهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ لَا نُبَالِي ضَانِيَةً كَانَتْ أَوْ مَاعِزَةً، كَبْشًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مِنْ كِلَيْهِمَا، كُلُّ رَأْسٍ تُجْزِئُ مِنْهُمَا عَنْ الضَّأْنِ، وَعَنْ الْمَاعِزِ؛ وَهَكَذَا مَا زَادَتْ حَتَّى تَتِمَّ مِائَةً وَعِشْرِينَ كَمَا ذَكَرْنَا؟ فَإِذَا أَتَمَّتْهَا وَزَادَتْ لَوْ بَعْضَ شَاةٍ كَذَلِكَ عَامًا كَامِلًا كَمَا ذَكَرْنَا -: فَفِيهَا شَاتَانِ كَمَا قُلْنَا، إلَى أَنْ تَتِمَّ مِائَتَيْ شَاةٍ؟
стр. 1316
فَإِذَا أَتَمَّتْهَا وَزَادَتْ وَلَوْ بَعْضَ شَاةٍ كَذَلِكَ عَامًا كَامِلًا وَصَفْنَا فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ كَمَا حَدَّدْنَا؛ وَهَكَذَا إلَى أَنْ تُتِمَّ أَرْبَعمِائَةِ شَاةٍ كَمَا وَصَفْنَا فَإِذَا أَتَمَّتْهَا كَذَلِكَ عَامًا كَامِلًا كَمَا ذَكَرْنَا فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ.
وَأَيَّ شَاةٍ أَعْطَى صَاحِبُ الْغَنَمِ فَلَيْسَ لِلْمُصَدِّقِ وَلَا لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ رَدُّهَا، مِنْ غَنَمِهِ كَانَتْ أَوْ مِنْ غَيْرِ غَنَمِهِ، مَا لَمْ تَكُنْ هَرِمَةً أَوْ مَعِيبَةً؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ هَرِمَةً؛ أَوْ مَعِيبَةً فَالْمُصَدِّقُ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ أَخَذَهَا وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَكَلَّفَهُ فَتِيَّةً سَلِيمَةً، وَلَا نُبَالِي كَانَتْ تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيِّ أَوْ لَا تُجْزِئُ؟ وَالْمُصَدِّقُ هُوَ الَّذِي يَبْعَثُهُ الْإِمَامُ - الْوَاجِبَةُ طَاعَتُهُ - أَوْ أَمِيرُهُ فِي قَبْضِ الصَّدَقَاتِ؟ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُصَدِّقِ أَنْ يَأْخُذَ تَيْسًا ذَكَرًا إلَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُ الْغَنَمِ؛ فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ؛ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُصَدِّقِ أَنْ يَأْخُذَ أَفْضَلَ الْغَنَمِ، فَإِنْ كَانَتْ الَّتِي تَرْبَى أَوْ السَّمِينَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَفْضَلِ الْغَنَمِ جَازَ أَخْذُهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا فَاضِلَةً أَخَذَ مِنْهَا إنْ أَعْطَاهُ صَاحِبُهَا، سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا كَانَ صَاحِبُهَا حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا إذَا أَخَذَ الْمُصَدِّقُ مَا ذَكَرْنَا أَجَزَّأَ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ ثنا أَبِي ثنا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى الْبَحْرَيْنِ " هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَمَنْ سَأَلَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سَأَلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطَ ". ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ -: «فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ» فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ فَشَاتَانِ؛ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ؛ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٌ وَاحِدَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلَا يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةً، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ إلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ.
стр. 1317
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السَّلِيمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيِّ ثنا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَ الصَّدَقَةِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ إلَى عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ ﵇، فَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ عُمَرُ حَتَّى قُبِضَ، فَكَانَ فِيهِ - ذِكْرُ الْفَرَائِضِ -: وَفِي الْغَنَمِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَشَاتَانِ إلَى مِائَتَيْنِ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ الْغَنَمُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ الْمِائَةَ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ - أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ثنا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيِّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ -: فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» .
فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ نَصُّ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا - وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ خِلَافٌ.
فَمِنْ ذَلِكَ -: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا يُؤْخَذُ مِنْ الضَّأْنِ إلَّا ضَانِيَةٌ، وَمِنْ الْمَعْزِ إلَّا مَاعِزَةٌ فَإِنْ كَانَا خَلِيطَيْنِ أُخِذَ مِنْ الْأَكْثَرِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٍ؛ بَلْ الَّذِي ذَكَرُوا خِلَافٌ لِلسُّنَنِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى جَمْعِ الْمَعْزَى مَعَ الضَّأْنِ، وَعَلَى أَنَّ اسْمَ غَنَمٍ يَعُمُّهَا، وَأَنَّ اسْمَ الشَّاةِ يَقَعُ عَلَى
стр. 1318
الْوَاحِدِ مِنْ الْمَاعِزِ، وَمِنْ الضَّأْنِ؛ وَلَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ فِي حُكْمِهَا فَرْقًا لَبَيَّنَهُ، كَمَا خَصَّ التَّيْسَ، وَإِنْ وُجِدَ فِي اللُّغَةِ اسْمُ التَّيْسِ يَقَعُ عَلَى الْكَبْشِ وَجَبَ أَنْ لَا يُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ إلَّا بِرِضَا الْمُصَدِّقِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ أَخْذِ الْمَاعِزَةِ عَنْ الضَّأْنِ أَجَازَ أَخْذَ الذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ وَالْفِضَّةَ عَنْ الذَّهَبِ وَهُمَا عِنْدَهُ صِنْفَانِ، يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِمَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَالْخِلَافُ أَيْضًا فِي مَكَان آخَرَ: وَهُوَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: إنْ مَلَكَ مِائَةَ شَاةٍ وَعِشْرِينَ شَاةً وَبَعْضَ شَاةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ حَتَّى يَتِمَّ فِي مِلْكِهِ مِائَةٌ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ، وَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ شَاةٍ وَبَعْضَ شَاةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا شَاتَانِ حَتَّى يَتِمَّ فِي مِلْكِهِ مِائَتَا شَاةٍ وَشَاةٌ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةٌ " كَمَا أَوْرَدْنَاهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا ذَكَرُوا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَوْرَدْنَا " فَإِنْ زَادَتْ " وَلَمْ يَقُلْ " وَاحِدَةٌ " فَوَجَدْنَا الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا مُتَّفِقَيْنِ عَلَى أَنَّهَا إنْ زَادَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ شَاةً أَوْ عَلَى مِائَتَيْ شَاةٍ فَقَدْ انْتَقَلَتْ الْفَرِيضَةُ.
وَوَجَدْنَا حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْفَرِيضَةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ وَعَلَى الْمِائَتَيْنِ، فَكَانَ هَذَا عُمُومًا لِكُلِّ زِيَادَةٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا، فَصَارَ مَنْ قَالَ بِقَوْلِنَا قَدْ أَخَذَ بِالْحَدِيثَيْنِ، فَلَمْ يُخَالِفْ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ وَصَارَ مَنْ قَالَ بِخِلَافِ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، مُخَصِّصًا لَهُ بِلَا بُرْهَانٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَهَاهُنَا أَيْضًا خِلَافٌ آخَرُ: وَهُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ، ثُمَّ اتَّفَقَ شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا زَادَتْ الْغَنَمُ وَاحِدَةٌ عَلَى ثَلَثِمِائَةٍ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ، فَكُلُّ مَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَهُوَ كَذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَقَدْ يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ - لَا سِيَّمَا الْمَالِكِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْحَنَفِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ مَا عَظُمَتْ بِهِ الْبَلْوَى لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ -: أَنْ يَقُولُوا بِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ؛
стр. 1319
لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمِائَتَيْ شَاةٍ إذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَإِنَّ الْفَرِيضَةَ تَنْتَقِلُ وَيَجِبُ فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَكَذَلِكَ إذَا زَادَتْ عَلَى الثَّلَاثِمِائَةِ وَاحِدَةٌ أَيْضًا، فَيَجِبُ أَنْ تَنْتَقِلَ الْفَرِيضَةُ، وَلَا سِيَّمَا وَالْحَنَفِيُّونَ قَدْ قَلَّدُوا إبْرَاهِيمَ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ الْبَقَرَةِ الْوَاحِدَةِ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَقَرَةً، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا فِي الْبَقَرِ وَقْصًا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ أَنْ يُقَلِّدُوهُ هَاهُنَا وَيَقُولُوا: لَمْ نَجِدْ فِي الْغَنَمِ وَقْصًا مِنْ مِائَةٍ وَثَمَانٍ وَتِسْعِينَ شَاةً؛ لَا سِيَّمَا وَمَعَهُمْ هَاهُنَا فِي الْغَنَمِ قِيَاسٌ مُطَرَّدٌ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ فِي الْبَقَرِ قِيَاسٌ أَصْلًا، وَكُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ فِي الْبَقَرِ فَهُوَ لَازِمٌ لَهُمْ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِمِائَةِ مِنْ الْغَنَمِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وَنَحْوُ ذَلِكَ - وَهَلَّا قَالُوا: هَذَا مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَا جَهِلَهُ إبْرَاهِيمُ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ خِلَافَ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ صَحِيفَةِ ابْنِ حَزْمٍ؟ قُلْنَا: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ إلَّا وَقَدْ خَالَفْتُمُوهَا، فَلَمْ تَكُنْ حُجَّةٌ فِيمَا خَالَفْتُمُوهُ فِيهِ، وَكَانَ حُجَّةٌ عِنْدَكُمْ فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّهُ خَبْطٌ لَا مَعْنَى لَهُ وَإِنَّمَا نُرِيهِمْ تَنَاقُضَهُمْ وَتَحَكُّمَهُمْ فِي الدِّينِ بِتَرْكِ الْقِيَاسِ لِلسُّنَنِ إذَا وَافَقَتْ تَقْلِيدَهُمْ، وَبِتَرْكِ السُّنَنِ لِلْقِيَاسِ كَذَلِكَ، وَبِتَرْكِهِمَا جَمِيعًا كَذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ رَاعَى فِي الشَّاةِ الْمَأْخُوذَةِ مَا تُجْزِئُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ - وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ - فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا قَالَ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ؛ فَكَيْفَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَخْذِ الْجَذَعَةِ فَمَا دُونَهَا فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ، وَلَا تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَإِنَّمَا «قَالَ ﵇ لِأَبِي بُرْدَةَ وَلَنْ تُجْزِئَ جَذَعَةٌ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ» يَعْنِي فِي الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَنْهَا سَأَلَهُ، وَقَدْ صَحَّ
стр. 1320
النَّصُّ بِإِيجَابِ الْجَذَعَةِ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ؛ فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَعْنِ إلَّا الْأُضْحِيَّةَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا إنْ كَانَتْ الْغَنَمُ كُلُّهَا كَرَائِمُ أَخَذَ مِنْهَا بِرِضَا صَاحِبِهَا؛ فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ كَرَائِمِ الْغَنَمِ» ؛ وَهَذَا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي الْغَنَمِ - وَلَا بُدَّ - مَا لَيْسَ بِكَرَائِمَ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ كُلُّهَا كَرَائِمُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا: هَذِهِ كَرَائِمُ هَذِهِ الْغَنَمِ؛ لَكِنْ يُقَالُ هَذِهِ كَرِيمَةٌ مِنْ هَذِهِ الْغَنَمِ الْكَرَائِمِ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُؤْمَرُ الْمُصَدِّقُ أَنْ يَصْدَعَ الْغَنَمَ صَدْعَيْنِ فَيَخْتَارُ صَاحِبُ الْغَنَمِ خَيْرَ الصَّدْعَيْنِ وَيَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنْ الْآخَرِ؟ وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: يُفَرِّقُ الْغَنَمَ أَثْلَاثًا، ثُلُثُ خِيَارٍ، وَثُلُثُ رُذَالٍ، وَثُلُثُ وَسَطٍ؛ ثُمَّ تَكُونُ الصَّدَقَةُ فِي الْوَسَطِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا لَا نَصَّ فِيهِ؛ وَلَكِنْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَا يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ هَرِمَةً وَلَا ذَاتَ عَوَارٍ وَلَا تَيْسًا.
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ: وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنِي بِشْرُ بْنُ عَاصِم بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ
стр. 1321
حَدَّثَهُ (أَنَّ سُفْيَانَ أَبَاهُ حَدَّثَهُ) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ: إنِّي لَا آخُذُ الشَّاةَ الْأَكُولَةَ وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ، وَلَا الرُّبَى وَلَا الْمَاخِضَ، وَلَكِنِّي آخُذُ الْعَنَاقَ وَالْجَذَعَةَ، وَالثَّنِيَّةَ وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْمَالِ وَخِيَارِهِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصْدِقًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْجَذَعَةَ، وَالثَّنِيَّةَ.
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاة فِي الْغَنَم مِمَّا أَتَمَّ سَنَةٍ]
٦٧٢ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَا صَغُرَ عَنْ أَنْ يُسَمَّى: شَاةً، لَكِنْ يُسَمَّى خَرُوفًا، أَوْ جَدْيًا، أَوْ سَخْلَةً: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلَا أَنْ يُعَدَّ فِيمَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ، إلَّا أَنْ يُتِمَّ سَنَةً؛ فَإِذَا أَتَمَّهَا عُدَّ، وَأُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ.
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُضَمُّ الْفَوَائِدُ كُلُّهَا مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْمَوَاشِي، إلَى مَا عِنْدَ صَاحِبِ الْمَالِ فَتُزَكَّى مَعَ مَا كَانَ عِنْدَهُ، وَلَوْ لَمْ يَفِدْهَا إلَّا قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِسَاعَةٍ.
هَذَا إذَا كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ تَجِبُ فِي مِقْدَارِ مَا مَعَهُ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نِصَابٌ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَآخِرِهِ، وَلَا يُبَالِي أَنَقَصَ فِي دَاخِلِ الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ أَمْ لَا؟ قَالَ: فَإِنْ مَاتَتْ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ كُلَّهَا وَبَقِيَ مِنْ عَدَدِ الْخِرْفَانِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ: فَلَا زَكَاةَ فِيهَا؟ وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ عِجْلًا فَصَاعِدًا، أَوْ خَمْسًا مِنْ الْفُصْلَانِ فَصَاعِدًا، عَامًا كَامِلًا دُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ فَمَا فَوْقَهَا -: فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا؟
стр. 1322
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُضَمُّ فَوَائِدُ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، إلَى مَا عِنْدَ الْمُسْلِمِ مِنْهَا؛ بَلْ يُزَكَّى كُلُّ مَالٍ بِحَوْلِهِ، حَاشَا رِبْحَ الْمَالِ وَفَوَائِدَ الْمَوَاشِي كُلِّهَا؛ فَإِنَّهَا تُضَمُّ إلَى مَا عِنْدَهُ وَيُزَكَّى الْجَمِيعُ بِحَوْلِ مَا كَانَ عِنْدَهُ، وَلَوْ لَمْ يُفِدْهَا إلَّا قَبْلَ الْحَوْلِ بِسَاعَةٍ، إلَّا أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ فَائِدَةِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْمَاشِيَةِ، مِنْ غَيْرِ الْوِلَادَةِ، فَلَمْ يَرَ أَنْ يُضَمَّ إلَى مَا عِنْدَ الْمَرْءِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا إذَا كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ مِنْهَا مِقْدَارًا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا.
وَرَأَى أَنْ تُضَمَّ وِلَادَةُ الْمَاشِيَةِ خَاصَّةً إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْهَا، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ مِنْهَا تَجِبُ فِي مِقْدَارِهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا تَجِبُ فِي مِقْدَارِهِ الزَّكَاةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُضَمُّ فَائِدَةٌ أَصْلًا إلَى مَا عِنْدَهُ، إلَّا أَوْلَادَ الْمَاشِيَةِ فَقَطْ، فَإِنَّهَا تُعَدُّ مَعَ أُمَّهَاتِهَا، وَلَوْ لَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِهَا إلَّا قَبْلَ الْحَوْلِ بِسَاعَةٍ، هَذَا إذَا كَانَتْ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ نَقَصَتْ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ: فَلَا زَكَاةَ فِيهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا تَنَاقُضُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَتَقْسِيمِهِمَا فَلَا خَفَاءَ بِهِ، لِأَنَّهُمَا قَسَّمَا تَقْسِيمًا لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَهُ هَاهُنَا أَيْضًا تَنَاقُضٌ أَشْنَعُ مِنْ تَنَاقُضِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ رَأَى أَنْ يُرَاعَى أَوَّلُ الْحَوْلِ وَآخِرِهِ دُونَ وَسَطٍ، وَرَأَى أَنْ تُعَدَّ أَوْلَادُ الْمَاشِيَةِ مَعَ أُمَّهَاتِهَا وَلَوْ لَمْ تَضَعْهَا إلَّا قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي بِسَاعَةٍ، ثُمَّ رَأَى فِي أَرْبَعِينَ خَرُوفًا صِغَارًا وَمَعَهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ مُسِنَّةٌ أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ، وَهِيَ تِلْكَ الْمُسِنَّةُ فَقَطْ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مُسِنَّةٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ مِائَةُ خَرُوفٍ وَعِشْرُونَ خَرُوفًا صِغَارًا كُلَّهَا وَمَعَهَا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَ: إنْ كَانَ فِيهَا مُسِنَّتَانِ فَصَدَقَتُهَا تَانِكَ الْمُسِنَّتَانِ مَعًا، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مَعَهُمَا إلَّا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا تِلْكَ الْمُسِنَّةِ وَحْدَهَا فَقَطْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مُسِنَّةٌ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ أَصْلًا.
وَهَكَذَا قَالَ فِي الْعَجَاجِيلِ وَالْفُصْلَانِ أَيْضًا، وَلَوْ مَلَكَهَا سَنَةً فَأَكْثَرَ
стр. 1323
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ شَرِيعَةُ إبْلِيسَ لَا شَرِيعَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ نَعْنِي قَوْلَهُ: إنْ كَانَ مَعَ الْمِائَةِ خَرُوفٌ وَالْعِشْرُونَ خَرُوفًا: مُسِنَّتَانِ زَائِدَتَانِ أُخِذَتَا عَنْ زَكَاةِ الْخِرْفَانِ كِلْتَاهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا إلَّا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ: أُخِذَتْ وَحْدُهَا عَنْ زَكَاةِ الْخِرْفَانِ وَلَا مَزِيدَ وَمَا جَاءَ بِهَذَا قَطُّ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَا أَحَدُ نَعْلَمُهُ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا قِيَاسٌ وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً فِي أَرْبَعِينَ خَرُوفًا: يُؤْخَذُ عَنْ زَكَاتِهَا شَاةٌ مُسِنَّةٌ، وَبِهِ يَأْخُذُ زُفَرُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنْ قَالَ: بَلْ يُؤْخَذُ عَنْ زَكَاتِهَا خَرُوفٌ مِنْهَا؛ وَبِهِ يَأْخُذُ أَبُو يُوسُفَ؛ ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنْ قَالَ: لَا زَكَاةَ فِيهَا؛ وَبِهِ يَأْخُذُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِ زُفَرَ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَقَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ مَنْ رَأَى أَنْ تُعَدَّ الْخِرْفَانُ مَعَ أُمَّهَاتِهَا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّهُ كَانَ مُصَدِّقًا فِي مَخَالِيفِ الطَّائِفِ، فَشَكَا إلَيْهِ أَهْلُ الْمَاشِيَةِ تَصْدِيقَ الْغِذَاءِ، وَقَالُوا: إنْ كُنْت مُعْتَدًّا بِالْغِذَاءِ فَخُذْ مِنْهُ صَدَقَتَهُ. قَالَ عُمَرُ: فَقُلْ لَهُمْ: إنَّا نَعْتَدُّ بِالْغِذَاءِ كُلِّهَا حَتَّى السَّخْلَةُ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدِهِ؛ وَقُلْ لَهُمْ: إنِّي لَا آخُذُ الشَّاةَ الْأَكُولَةَ؛ وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ، وَلَا الرُّبَى، وَلَا الْمَاخِضَ؛ وَلَكِنِّي آخُذُ الْعَنَاقُ، وَالْجَذَعَةَ، وَالثَّنِيَّةَ: وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْمَالِ، وَخِيَارِهِ.
وَرُوِّينَا هَذَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ وَمِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ سُفْيَانَ.
مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا؟
стр. 1324
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ:
أَوَّلُهَا - أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَهُ.
وَالثَّانِي -
أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ عُمَرُ ﵁ فِي هَذَا غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ لَا يَأْخُذُ مِنْ مَالِ زَكَاةٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ -: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: لَا يُزَكَّى حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ: تَعْنِي الْمَالَ الْمُسْتَفَادَ -: وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
فَهَذَا عُمُومٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعَائِشَةَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃، لَمْ يَخُصُّوا فَائِدَةَ مَاشِيَةٍ بِوِلَادَةٍ مِنْ سَائِرِ مَا يُسْتَفَادُ؛ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَوْلَادَ الْمَاشِيَةِ إلَّا كَانَ كَاذِبًا عَلَيْهِمْ، وَقَائِلًا بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يَقُولُوهُ قَطُّ؟ وَأَيْضًا - فَإِنَّ الَّذِينَ حَكَى عَنْهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَنْ يَعُدَّ عَلَيْهِمْ أَوْلَادَ الْمَاشِيَةِ مَعَ أُمَّهَاتِهَا -: قَدْ كَانَ فِيهِمْ بِلَا شَكٍّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ سُفْيَانَ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَيَّامَ عُمَرَ ﵁ وَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ، وَبَقِيَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانُوا بِالطَّائِفِ، وَأَهْلُ الطَّائِفِ أَسْلَمُوا قَبْلَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِ عَامٍ وَنِصْفٍ وَرَأَوْهُ عَلَيْهِ
стр. 1325
فَقَدْ صَحَّ الْخِلَافُ فِي هَذَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ بِلَا شَكٍّ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ؛ وَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذْ يَقُولُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] .
وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ هَذَا عَنْ عُمَرَ مِنْ طَرِيقٍ مُتَّصِلَةٍ إلَّا مِنْ طَرِيقَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ أَوْ مِنْ طَرِيقِ ابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ لَمْ يُسَمَّ.
وَالثَّانِيَةُ -
مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَالرَّابِعُ -
أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ: خَالَفُوا قَوْلَ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا، فَقَالُوا: لَا يُعْتَدُّ بِمَا وَلَدَتْ الْمَاشِيَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ - دُونَ الْأَوْلَادِ - عَدَدًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا تُعَدُّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَادُ، وَلَيْسَ هَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ.
وَالْخَامِسُ - أَنَّهُمْ لَا يَلْتَفِتُونَ مَا قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ ﵁ بِأَصَحِّ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ، أَشْيَاءَ لَا يُعْرَفُ لَهُ فِيهَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، إذَا خَالَفَ رَأْيَ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ -: كَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ قَوْلَ عُمَرَ: الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ.
وَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ: أَخْذَ عُمَرَ الزَّكَاةَ مِنْ الرَّقِيقِ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، وَصِفَةِ أَخْذِهِ الزَّكَاةَ مِنْ الْخَيْلِ.
وَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ إيجَابَ عُمَرَ الزَّكَاةَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، وَلَا يَصِحُّ خِلَافُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ: أَمْرَ عُمَرَ الْخَارِصَ بِأَنْ يَتْرُكَ لِأَصْحَابِ النَّخْلِ مَا
стр. 1326
يَأْكُلُونَهُ لَا يَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ، وَغَيْرِ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا؟ فَقَدْ وَضَحَ أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِعُمَرَ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ وَافَقَ شَهَوَاتِهِمْ لَا حَيْثُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَهَذَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ جِدًّا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ فَصَاعِدًا كَمَا وَصَفْنَا، وَأَوْجَبَ فِيهَا شَاةً أَوْ شَاتَيْنِ أَوْ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةً، وَأَسْقَطَهَا عَمَّا عَدَا ذَلِكَ.
وَوَجَدْنَا الْخِرْفَانَ وَالْجِدْيَانَ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ شَاةٍ وَلَا اسْمُ شَاءٍ فِي اللُّغَةِ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِهَا دِينَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَخَرَجَتْ الْخِرْفَانُ، وَالْجِدْيَانُ عَنْ أَنْ تَجِبَ فِيهَا زَكَاةٌ.
وَأَيْضًا - فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ خَرُوفٌ وَلَا جَدْيٌ فِي الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ عَنْ الشَّاءِ فَأَقَرُّوا بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَاةً وَلَا لَهُ حُكْمُ الشَّاءِ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا زَكَاةٌ، فَلَا تَجُوزُ هِيَ فِي الزَّكَاةِ بِغَيْرِ نَصٍّ فِي ذَلِكَ.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ زَكَاةَ مَاشِيَةٍ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا حَوْلٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ؟ وَأَمَّا مَنْ مَلَكَ خِرْفَانًا أَوْ عُجُولًا أَوْ فُصْلَانًا سَنَةً كَامِلَةً فَالزَّكَاةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ تَمَامِ الْعَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُسَمَّى غَنَمًا، وَبَقَرًا وَإِبِلًا.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ «أَتَانَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسْتُ إلَيْهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إنَّ فِي عَهْدِي أَنْ لَا نَأْخُذَ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ» .
стр. 1327
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَوْ أَرَادَ أَنْ لَا يُؤْخَذَ هُوَ فِي الزَّكَاةِ لَقَالَ " أَنْ لَا نَأْخُذَ رَاضِعَ لَبَنٍ " لَكِنْ لَمَّا مُنِعَ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ - وَرَاضِعُ لَبَنٍ اسْمٌ لِلْجِنْسِ - صَحَّ بِذَلِكَ أَنْ لَا تُعَدَّ الرَّوَاضِعُ فِيمَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ.
وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا عَابَ هِلَالَ بْنَ خَبَّابٍ، إلَّا أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ: لَقِيته وَقَدْ تَغَيَّرَ، وَهَذَا لَيْسَ جُرْحَةٌ، لِأَنَّ هُشَيْمًا أَسَنُّ مِنْ يَحْيَى بِنَحْوِ عِشْرِينَ سَنَةً، فَكَانَ لِقَاءُ هُشَيْمٍ لِهِلَالٍ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ بِلَا شَكٍّ.
وَأَمَّا سُوَيْدٌ فَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَتَى إلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵇ بِنَحْوِ خَمْسِ لَيَالٍ، وَأَفْتَى أَيَّامَ عُمَرَ ﵁: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ فَطَرَدَا قَوْلَهُمَا، إذْ أَوْجَبَا أَخْذَ خَرُوفٍ صَغِيرٍ فِي الزَّكَاةِ عَنْ أَرْبَعِينَ خَرُوفًا فَصَاعِدًا، وُلِدَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ مَاتَتْ أُمَّهَاتُهَا؟ وَأَخْذُ مِثْلِ هَذَا فِي الزَّكَاةِ عَجَبٌ جِدًّا وَأَمَّا إذَا أَتَمَّتْ سَنَةً فَاسْمُ شَاةٍ يَقَعُ عَلَيْهَا فَهِيَ مَعْدُودَةٌ وَمَأْخُوذَةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَحَصَلُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ قَلَّدُوا عُمَرَ ﵁؛ وَهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا، فَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ أَنْ تُعَدَّ الْأَوْلَادُ مَعَ الْأُمَّهَاتِ إلَّا إذَا كَانَتْ
стр. 1328
الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا؛ وَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ كَذَلِكَ؟ وَحَصَلَ مَالِكٌ عَلَى قِيَاسٍ فَاسِدٍ مُتَنَاقِضٍ؛ لِأَنَّهُ قَاسَ فَائِدَةَ الْمَاشِيَةِ خَاصَّةً - دُونَ سَائِرِ الْفَوَائِدِ - عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ مِنْ عَدِّ أَوْلَادِهَا مَعَهَا، ثُمَّ نَقَضَ قِيَاسَهُ فَرَأَى أَنْ لَا تُضَمَّ فَائِدَةُ الْمَاشِيَةِ بِهِبَةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ، أَوْ شِرَاءِ إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْهَا إلَّا إنْ كَانَ مَا عِنْدَهُ نِصَابًا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا - وَرَأَى أَنْ تُضَمَّ أَوْلَادُهَا إلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا تَجِبُ فِي الزَّكَاةِ؟ وَهَذِهِ تَقَاسِيمَ لَا يُعْرَفُ أَحَدُ قَالَ بِهَا قَبْلَهُمْ، وَلَا هُمْ اتَّبَعُوا عُمَرَ، وَلَا طَرَدُوا الْقِيَاسَ، وَلَا اتَّبَعُوا نَصَّ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ.
[زَكَاةُ الْبَقَرِ]
[مَسْأَلَةٌ الْجَوَامِيسُ صِنْفٌ مِنْ الْبَقَرِ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ]
زَكَاةُ الْبَقَرِ
٦٧٣ - مَسْأَلَةٌ:
الْجَوَامِيسُ صِنْفٌ مِنْ الْبَقَرِ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا زَكَاةَ فِي أَقَلِّ مِنْ خَمْسِينَ مِنْ الْبَقَرِ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا، أَوْ ذُكُورًا، وَإِنَاثًا، فَإِذَا تَمَّتْ خَمْسُونَ رَأْسًا مِنْ الْبَقَرِ وَأَتَمَّتْ فِي مِلْكِ صَاحِبِهَا عَامًا قَمَرِيًّا مُتَّصِلًا كَمَا قَدَّمْنَا -: فَفِيهَا بَقَرَةٌ، إلَى أَنْ تَبْلُغَ مِائَةً مِنْ الْبَقَرِ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا وَأَتَمَّتْ كَذَلِكَ عَامًا قَمَرِيًّا فَفِيهَا بَقَرَتَانِ، وَهَكَذَا أَبَدًا، فِي كُلِّ خَمْسِينَ مِنْ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وَلَا شَيْءَ زَائِدٌ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ؛ وَلَا يُعَدُّ فِيهَا مَا لَمْ يُتِمَّ حَوْلًا كَمَا ذَكَرْنَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِي خَمْسٍ مِنْ الْبَقَرِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ؛ وَفِي خَمْسِ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ: وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ ثنا يَزِيدُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ الْبَقَرَ يُؤْخَذُ
стр. 1329
مِنْهَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْإِبِلِ، يَعْنِي فِي الزَّكَاةِ، قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا غَيْرُهُمْ؟ فَقَالُوا: فِيهَا مَا فِي الْإِبِلِ.
يَزِيدُ هَذَا هُوَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَوْ ابْنُ زُرَيْعٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ كِلَاهُمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنْ الْبَقَرِ شَاةٌ؛ وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَرَائِضُ الْبَقَرِ مِثْلُ فَرَائِضِ الْإِبِلِ، غَيْرَ الْأَسْنَانِ فِيهَا، فَإِذَا كَانَتْ الْبَقَرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا بَقَرَتَانِ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةٌ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَبَلَغَنَا أَنَّ قَوْلَهُمْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةٌ» أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَخْفِيفًا لِأَهْلِ الْيَمَنِ، ثُمَّ كَانَ هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُرْوَى -: حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ دَاوُد عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: اُسْتُعْمِلْت عَلَى صَدَقَاتِ عَكَّ، فَلَقِيت أَشْيَاخًا مِمَّنْ صَدَقَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اجْعَلْهَا مِثْلَ صَدَقَةِ الْإِبِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِي ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِي أَرْبَعِينَ بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي قِلَابَةَ وَآخَرُ قَالُوا: صَدَقَاتُ الْبَقَرِ كَنَحْوِ صَدَقَاتِ الْإِبِلِ، فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، وَفِي كُلِّ عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي
стр. 1330
خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِنْ زَادَتْ فَبَقَرَتَانِ مُسِنَّتَانِ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذْ زَادَتْ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ -: وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ سَوَاءٌ -: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ الْفَهْمِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ صَدَقَةَ الْبَقَرِ صَدَقَةُ الْإِبِلِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا أَسْنَانَ فِيهَا.
فَهَؤُلَاءِ كُتَّابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَجَمَاعَةٌ أَدَّوْا الصَّدَقَاتِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ التَّابِعِينَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلْدَةَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَغَيْرُهُمْ؟ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ ثنا يَزِيدُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: «إنَّ فِي كِتَابِ صَدَقَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ الْبَقَرَ يُؤْخَذُ مِنْهَا مِثْلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْإِبِلِ» -: وَبِمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا مَعْمَرُ قَالَ: «أَعْطَانِي سِمَاكُ بْنُ الْفَضْلِ كِتَابًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَى مَالِكِ بْنِ كُفْلَانِسَ الْمُصْعَبِيِّينَ فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْأَنْهَارُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّنَا نِصْفُ الْعُشْرِ،
стр. 1331
وَفِي الْبَقَرِ مِثْلُ الْإِبِلِ» .
وَبِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ هَذَا هُوَ آخِرُ الْأَمْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّبِيعِ: نُسِخَ بِهَذَا.
وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ الْخَبَرِ «مَا مِنْ صَاحِبِ بَقَرٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إلَّا بُطِحَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالُوا: فَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ بَقَرٍ إلَّا مَا خَصَّهُ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ.
وَقَالُوا: مَنْ عَمِلَ مِثْلَ قَوْلِنَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ؛ وَمَنْ خَالَفَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنَّ مَا وَجَبَ بِيَقِينٍ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِمِثْلِهِ؟ وَقَالُوا: قَدْ وَافَقْنَا أَكْثَرَ خُصُومِنَا عَلَى أَنَّ الْبَقَرَ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ كَالْبَدَنَةِ؛ وَأَنَّهَا تُعَوَّضُ مِنْ الْبَدَنَةِ، وَأَنَّهَا لَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ مِنْ هَذِهِ إلَّا مَا يُجْزِئُ مِنْ تِلْكَ، وَأَنَّهَا تُشْعَرُ إذَا كَانَتْ لَهَا أَسْنِمَةٌ كَالْبُدْنِ؛ فَوَجَبَ قِيَاسُ صَدَقَتِهَا عَلَى صَدَقَتِهَا.
وَقَالُوا: لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ نِصَابًا مَبْدَؤُهُ ثَلَاثُونَ؛ لَكِنْ إمَّا خَمْسَةٌ كَالْإِبِلِ، وَالْأَوَاقِي، وَالْأَوْسَاقِ، وَإِمَّا أَرْبَعُونَ كَالْغَنَمِ، فَكَانَ حَمْلُ الْبَقَرِ عَلَى الْأَكْثَرِ - وَهُوَ الْخَمْسَةُ - أَوْلَى.
وَقَالُوا: إنْ احْتَجُّوا بِالْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ «فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ» فَنَعَمْ، نَحْنُ نَقُولُ: بِهَذَا، أَوْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ إسْقَاطُ الزَّكَاةِ عَمَّا دُونَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ، لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَحُكْمُهُ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلْدَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَهَؤُلَاءِ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَيَلْزَمُ الْمَالِكِيِّينَ اتِّبَاعَهُمْ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا تَبِيعٌ أَوْ
стр. 1332
تَبِيعَةٌ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ؛ لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ؛ ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا تَبِيعَتَانِ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ سَبْعِينَ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ، ثُمَّ هَكَذَا أَبَدًا، لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ عَشْرًا زَائِدَةً، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ؟
وَهَذَا قَوْلٌ صَحَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِنْ طَرِيقِ، أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ.
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -: وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ قَوْمٍ صَدَّقُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ شَيْءٌ -: وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وَطَاوُسٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَذَكَرَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَرِوَايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ، وَأَبِي وَائِلٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ثَنِيَّةٌ
стр. 1333
وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْ مُعَاذٍ مِثْلُهُ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ؟ وَعَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُعَاذٍ: «أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْأَوْقَاصِ، مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ، وَمَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ إلَى الْخَمْسِينَ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ» ؟ وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعٌ جَذَعٌ قَدْ اسْتَوَى قَرْنَاهُ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «فَرَائِضُ الْبَقَرِ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا عِجْلٌ رَائِعٌ جَذَعٌ، إلَى أَنْ تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ، إلَى أَنْ تَبْلُغَ سَبْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَبْعِينَ فَإِنَّ فِيهَا بَقَرَةً وَعِجْلًا جَذَعًا، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَمَانِينَ فَفِيهَا مُسِنَّتَانِ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ» -: وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْجَزَرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ، وَبَعَثَهُ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَهَذِهِ نُسْخَتُهُ وَفِيهِ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَاقُورَةً تَبِيعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَاقُورَةً بَقَرَةٌ» .
وَبِمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيِّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيُّ ثنا
стр. 1334
أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَبَّوَيْهِ الْمَرْوَزِيِّ ثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ثنا بَقِيَّةُ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً جَذَعًا أَوْ جَذَعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً بَقَرَةً مُسِنَّةً، قَالُوا: فَالْأَوْقَاصُ؟ قَالَ: مَا أَمَرَنِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ؛ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ، فَقَدْ تَقَصَّيْنَاهُ لَهُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا - نَعْلَمُ - تَقَصَّوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ ثَلَاثِينَ شَيْءٌ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ الْبَقَرُ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا تَبِيعٌ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا بَقَرَةٌ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا بَقَرَةٌ وَرُبْعٌ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ سَبْعِينَ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ سَبْعِينَ فَفِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ -: وَرُوِّينَا هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ فَذَكَرَهُ كَمَا أَوْرَدْنَا؛ وَهِيَ رِوَايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُمَوِّهَ هَؤُلَاءِ بِالْخَبَرِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ آنِفًا مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ عَنْ مُعَاذٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «فِيمَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَعْنِي مِنْ الْبَقَرِ» وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا تَبِيعٌ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ؛ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا بَقَرَةٌ وَجُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مِنْ بَقَرَةٍ؛ وَهَكَذَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ تَزِيدُ فَفِيهَا جُزْءٌ آخَرُ
стр. 1335
زَائِدٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ بَقَرَةٍ؛ هَكَذَا إلَى السِّتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا تَبِيعَانِ؛ ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا إلَّا فِي كُلِّ عَشْرَةٍ زَائِدَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ؛ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت حَمَّادًا هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ - فَقُلْت إنْ كَانَتْ خَمْسِينَ بَقَرَةً؟ فَقَالَ: بِحِسَابِ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ الْحَجَّاجِ هُوَ ابْنُ أَرْطَاةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: يُحَاسَبُ صَاحِبُ الْبَقَرِ بِمَا فَوْقَ الْفَرِيضَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ الْعُكْلِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ فِي صَدَقَةِ الْبَقَرِ: مَا زَادَ فَبِالْحِسَابِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا عُمُومُ إبْرَاهِيمَ، وَحَمَّادٍ، وَمَكْحُولٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَعَلَى الْأَرْبَعِينَ إلَى السِّتِّينَ فَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ زَائِدَةٌ جُزْءٌ مِنْ بَقَرَةٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخٍ كَانُوا قَدْ صَدَّقُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ، مُخَالِفِينَ لِمَنْ جَعَلَ فِي أَقَلَّ مِنْ الْأَرْبَعِينَ شَيْئًا.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْخَمْسِينَ وَلَا مَا فَوْقَهَا شَيْءٌ؛ وَأَنَّ صَدَقَةَ الْبَقَرِ إنَّمَا هِيَ فِي كُلِّ خَمْسِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ فَقَطْ هَكَذَا أَبَدًا كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ عُمَّالُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عَوْفٍ وَعُمَّالِهِ، يَأْخُذُونَ مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ بَقَرَةً بَقَرَةً؛ وَمِنْ كُلِّ مِائَةٍ بَقَرَتَيْنِ، فَإِذَا كَثُرَتْ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا حَضَرْنَا ذِكْرُهُ مِمَّا رُوِّينَاهُ مِنْ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ، وَكُلُّ أَثَرٍ رُوِّينَاهُ فِيهَا وَوَجَبَ النَّظَرُ لِلْمَرْءِ لِنَفْسِهِ فِيمَا يَدِينُ بِهِ رَبَّهُ تَعَالَى فِي دِينِهِ -: فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ فَرْضٌ وَاجِبٌ فِي الْبَقَرِ -:
следующие страницы →