Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نَا ابْنُ نُمَيْرٍ نَا أَبُو نُعَيْمٍ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ - نَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ قَالَ: (قَدِمْت مَكَّة مُتَمَتِّعًا بِعُمْرَةٍ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَقَالَ النَّاسُ: تَصِيرُ حَجَّتُك الْآنَ مَكِّيَّةً) فَدَخَلْت عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا وَأَقِيمُوا حَلَالًا حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ وَاجْعَلُوا الَّذِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً» .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ نَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - عَنْ حَاتِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «حَتَّى إذَا كَانَ آخِرَ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ، قَالَ ﵇: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى وَقَالَ: دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ، لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ» . نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نَا الْفَرَبْرِيُّ نَا الْبُخَارِيُّ نَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نَا وُهَيْبٍ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - نَا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ - الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى الصُّبْحِ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ» .
نَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَشْوَرِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْحُذَافِيُّ نَا عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَالِكٌ، وَمَعْمَرٌ عَنْ
стр. 1787
الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ وَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ بُرْهَانُ كُلِّ مَا قُلْنَا وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ -: فَفِي الْأَوَّلِ الَّذِي مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ وَلَا هَدْيَ مَعَهُ بِأَنْ يَحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَا بُدَّ، ثُمَّ يُهِلَّ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَيَصِيرُ مُتَمَتِّعًا.
وَفِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ الَّذِي مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ أَمْرُهُ ﷺ مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ قَارِنًا وَلَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَا بُدَّ؛ ثُمَّ يُهِلَّ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَيَصِيرُ أَيْضًا مُتَمَتِّعًا.
وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي الَّذِي مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ أَمْرُهُ ﷺ كُلُّ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ عُمُومًا بِأَنْ يَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ آخِرُ أَمْرِهِ عَلَى الصَّفَا بِمَكَّةَ؛ وَأَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَ بِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ مِنْ سَوْقِ الْهَدْيِ مَعَهُ، وَتَأَسَّفَ إذْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ هُوَ، وَأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ (هُوَ) بَاقٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَقَدْ أَمِنَّا أَنْ يُنْسَخَ أَبَدًا؛ وَمَنْ أَجَازَ نَسْخَ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقَدْ أَجَازَ الْكَذِبَ عَلَى خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا تَعَمُّدُهُ كُفْرٌ مُجَرَّدٌ؛ وَفِيهِ أَنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ - وَهَذَا هُوَ قَوْلُنَا لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِعُمْرَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ لَهُ يَكُونُ بِهَا مُتَمَتِّعًا أَوْ بِعُمْرَةٍ مَقْرُونَةٍ مَعَهُ وَلَا مَزِيدَ.
وَفِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ الَّذِي مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرُهُ ﷺ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَقْرُنَ بَيْنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ -: وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَغَيْرُهُ -: نَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ نَا أَبُو إسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا عَنْبَسَةُ حَدَّثَنِي يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّهُ
стр. 1788
حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا طَافَ رَجُلٌ بِالْبَيْتِ إنْ كَانَ حَاجًّا إلَّا حَلَّ بِعُمْرَةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَلَا طَافَ وَمَعَهُ هَدْيٌ إلَّا اجْتَمَعَتْ لَهُ: حَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ إلَّا حَلَّ.
فَقُلْت لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيْنَ تَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] .
قُلْت: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ؟ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ وَقَبْلَهُ.
وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ - وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَأْمُرُ الْقَارِنَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً إذَا لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ - وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَاَللَّهِ مَا تَمَّتْ حَجَّةُ رَجُلٍ قَطُّ إلَّا بِمُتْعَةٍ إلَّا رَجُلٌ اعْتَمَرَ فِي وَسَطِ السَّنَةِ -: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نَا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: «قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ فَقَالَ: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي وَغَسَلَتْ رَأْسِي» فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ فِي إمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِمَارَةِ عُمَرَ؛ فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ إذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ فَلْيَتَّئِدْ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ فَأَتَمُّوا بِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا (هَذَا) الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ قَالَ: إنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا أَبُو مُوسَى قَدْ أَفْتَى بِمَا قُلْنَا مُدَّةَ إمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَةِ
стр. 1789
عُمَرَ ﵄، وَلَيْسَ تَوَقُّفُهُ لِمَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَتَوَقَّفَ لَهُ حُجَّةٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَحَسْبُنَا قَوْلُهُ لِعُمَرَ مَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عُمَرُ.
وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ﵁ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَلَا إتْمَامَ لَهُمَا إلَّا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ وَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ، وَأُمِرَ بِبَيَانِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ ﵇ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ فَإِنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ابْنَتَهُ حَفْصَةُ ﵂ رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بَيَانَ فِعْلِهِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ «حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» .
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَلِيٌّ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشْعَرِيُّ نَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ نَا حَجَّاجٌ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ - نَا يُونُسُ يَعْنِي أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْبَرَاءِ هُوَ ابْنُ عَازِبٍ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: إنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ، لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتُمْ، وَلَكِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ» .
فَهَذَا أَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ مِنْ رَأْيٍ رَآهُ عُمَرُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ رُجُوعُهُ عَنْهُ؛ وَقَدْ خَالَفُوهُ فِيهِ أَيْضًا كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي كِتَابِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلْيَسُقْ هَدْيَهُ مَعَهُ -: نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الطَّلْمَنْكِيُّ نَا ابْنُ مُفَرِّجٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فِرَاسٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ نَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ أَنَا مَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - قَالَ: حَجَّ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَحَجَجْت مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى الْحَسَنِ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إنِّي رَجُلٌ بَعِيدُ الشُّقَّةِ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَإِنِّي قَدِمْت مُهِلًّا بِالْحَجِّ؟ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: اجْعَلْهَا عُمْرَةً وَأَحِلَّ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ عَلَى الْحَسَنِ وَشَاعَ قَوْلُهُ بِمَكَّةَ فَأَتَى عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: صَدَقَ الشَّيْخُ، وَلَكِنَّا نَفْرُقُ أَنْ نَتَكَلَّمَ بِذَلِكَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ إنْكَارُ أَهْلِ الْجَهْلِ حُجَّةً عَلَى سُنَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ وَمِنْ طَرِيقِ
стр. 1790
عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: مَنْ أَهَلَّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّنْ لَهُ مُتْعَةٌ بِالْحَجِّ خَالِصًا أَوْ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ فَهِيَ مُتْعَةُ سُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ؟» فَقَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يُفْرِدُ الْحَجَّ وَيَذْبَحُ فَقَدْ دَخَلَتْ لَهُ عُمْرَةٌ فِي الْحَجِّ فَوَجَبَتَا لَهُ جَمِيعًا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ: أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ: مَنْ جَاءَ حَاجًّا فَأَهْدَى هَدْيًا فَلَهُ عُمْرَةٌ مَعَ حَجَّةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ نَا خُصَيْفٌ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَأْمُرُ الْقَارِنَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً إذَا لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ قَالَ خُصَيْفٌ: وَكُنْت مَعَ مُجَاهِدٍ فَأَتَاهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُلَيْمٍ وَقَدْ خَرَجَ حَاجًّا فَسَأَلَ مُجَاهِدًا؟ فَقَالَ لَهُ مُجَاهِدٌ: اجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ مَا حَجَجْت فَلَا تُشَايِعُنِي نَفْسِي فَأَيُّ ذَلِكَ تَرَى أَتَمَّ؟ أَنْ أَمْكُثَ كَمَا أَنَا أَوْ أَجْعَلَهَا عُمْرَةً؟ قَالَ خُصَيْفٌ: فَقُلْت لَهُ: أَظُنُّ هَذَا أَتَمَّ لِحَجِّك أَنْ تَمْكُثَ كَمَا أَنْتَ؟ فَرَفَعَ مُجَاهِدٌ تَبِنَةً مِنْ الْأَرْضِ وَقَالَ: مَا هُوَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِإِبَاحَةِ فَسْخِ الْحَجِّ لَا بِإِيجَابِهِ - وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
قَالَ عَلِيٌّ: رَوَى أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَا هَدْيَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ حَجَّهُ بِعُمْرَةٍ وَيَحِلَّ بِأَوْكَدِ أَمْرٍ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ (كَذَلِكَ) ، وَفَاطِمَةُ بِنْت رَسُول اللَّه ﷺ ، وَعَلِيٌّ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَسَبْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَسُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃؛ وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ مِنْ التَّابِعِينَ؛ وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ ، فَلَمْ يَسَعْ أَحَدًا الْخُرُوجُ عَنْ هَذَا.
وَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَ كُلَّ هَذَا بِاعْتِرَاضَاتٍ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا؛ مِنْهَا أَنَّهُمْ ذَكَرُوا خَبَرًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ؛ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ
стр. 1791
فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ» .
وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ، وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ عَنْ رَجُلٍ ذَكَرَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَحَلَّ» فَقَالَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثٍ: قَالَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ فَرَأَيْته أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ (بِالْبَيْتِ) ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْت مَعَ الزُّبَيْرِ أَبِي فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ رَأَيْت الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى (مَا) كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ أَوَّلَ مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْت أُمِّي، وَخَالَتِي تَقْدُمَانِ لَا تَبْدَآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ الْبَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ قَطُّ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا، وَقَدْ كَذَبَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ ذَلِكَ ".
وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْحَجِّ ثُمَّ ذَكَرْت أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، أَوْ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ فَلَمْ يَحْلِلْ حَتَّى قَضَى مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ حَجًّا ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَدِيثُ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْهَا مُنْكَرَانِ، وَخَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ.
نَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ السَّقَطِيُّ نَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخُتَّلِيُّ نَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْجَوْهَرِيُّ السُّدَّانِيُّ نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَثْرَمُ نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَذَكَرَ حَدِيثَ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا فَقَالَ أَحْمَدُ: إيشِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْعَجَبِ؟ هَذَا خَطَأٌ، قَالَ الْأَثْرَمُ: فَقُلْت لَهُ: الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِخِلَافِهِ؟ قَالَ أَحْمَدُ: نَعَمْ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ.
стр. 1792
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلِأَبِي الْأَسْوَدِ الْمَذْكُورِ حَدِيثٌ آخَرُ فِي هَذَا الْبَابِ لَا خَفَاءَ بِفَسَادِهِ، وَهُوَ خَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَاهُنَا، وَنَحْنُ يَوْمئِذٍ خِفَافٌ قَلِيلٌ ظَهْرُنَا قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا فَاعْتَمَرْت أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ؛ فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنْ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمْ تَعْتَمِرْ فِي عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَبْلَ الْحَجِّ أَصْلًا؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ - وَهِيَ حَائِضٌ - حَاضَتْ بِسَرَفٍ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ إلَّا بَعْدَ أَنْ طَهُرَتْ يَوْمَ النَّحْرِ هَذَا أَمْرٌ فِي شُهْرَةِ الشَّمْسِ؛ وَلِذَلِكَ رَغِبَتْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَعْمُرَهَا بَعْدَ الْحَجِّ فَأَعْمَرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كُلِّهَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَرَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ: عُرْوَةُ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ.
وَبَلِيَّةٌ أُخْرَى فِي هَذَا الْخَبَرِ وَهِيَ قَوْلُهُ فِيهِ: ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنْ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، كُلَّهُمْ رَوَوْا: أَنَّ الْإِحْلَالَ كَانَ يَوْمَ دُخُولِهِمْ مَكَّةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ إهْلَالَهُمْ بِالْحَجِّ كَانَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ - وَهُوَ يَوْمُ مِنًى - وَبَيْنَ يَوْمِ إحْلَالِهِمْ يَوْمَ إهْلَالِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كُتُبِنَا وَذَكَرَهَا النَّاسُ وَكُلُّ مَنْ جَمَعَ فِي الْمُسْنَدِ؛ فَظَهَرَ عَوَارُ رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ.
وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ لَا هَدْيَ لَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ» وَأَنَّهُمْ فَسَخُوهُ، وَلَا يُعْدَلُ أَبُو الْأَسْوَدِ بِالزُّهْرِيِّ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نَا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي صِفَةِ حَجَّةِ
стр. 1793
النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - وَيُقَصِّرُ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ» ؛ قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ: إنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ مَنْ لَا يُذْكَرُ مَعَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ وَهُمْ: الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ؛ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَذَكْوَانُ مَوْلَاهَا وَكَانَ يَؤُمُّهَا، وَعَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَخَصُّ بِعَائِشَةَ وَأَعْلَمُ وَأَضْبَطُ وَأَوْثَقُ مِنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَيْلَانِيُّ نَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ الْعَقَدِيُّ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ: وَفِيهِ فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: اجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَأَحَلَّ النَّاسُ إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَذَوِي الْيَسَارَةِ ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا» .
وَيَكْفِي مِنْ كُلِّ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ الثَّلَاثَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنَّمَا هِيَ مَوْقُوفَةٌ لَا مُسْنَدَةٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي مَوْقُوفٍ فَكَيْفَ إذَا رَوَى بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ التَّابِعِينَ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافَ ذَلِكَ؟ وَأَسْلَمُ الْوُجُوهِ لِحَدِيثَيْ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: إنَّ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِحَجٍّ، أَوْ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ لَمْ يَحِلُّوا إلَى يَوْمِ النَّحْرِ إنَّمَا كَانُوا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا أَوْ أَضَافَ الْعُمْرَةَ إلَى الْحَجِّ كَمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ
стр. 1794
الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ فَتَخْرُجُ حِينَئِذٍ هَذِهِ الْأَخْبَارُ سَالِمَةً لِأَنَّ مَا رَوَتْهُ الْجَمَاعَةُ عَنْهَا فِيهِ زِيَادَةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا أَبُو الْأَسْوَدِ، وَلَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوْ كَانَ مَا رَوَيَا مُسْنَدًا فَكَيْفَ وَلَيْسَ مُسْنَدًا؟ وَنَحْمِلُ حَدِيثَ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ فِي حَجِّ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَسَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَسُوقُونَ الْهَدْيَ فَتَتَّفِقُ الْأَخْبَارُ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِنَهْيِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ نَهْيُهُمَا ﵄ حُجَّةً فَقَدْ صَحَّ عَنْهُمَا النَّهْيُ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، وَهُمْ يُخَالِفُونَهُمَا فِي ذَلِكَ -: نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الطَّلْمَنْكِيُّ نَا ابْنُ مُفَرِّجٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فِرَاسٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ نَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ هُشَيْمٌ: أَنَا خَالِدُ هُوَ الْحَذَّاءُ - وَقَالَ حَمَّادٌ: عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ثُمَّ اتَّفَقَ أَيُّوبُ، وَخَالِدٌ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أُنْهِي عَنْهُمَا وَأَضْرِبُ عَلَيْهِمَا؛ هَذَا لَفْظُ أَيُّوبَ؛ وَفِي رِوَايَةِ خَالِدٍ: أَنَا أُنْهِي عَنْهُمَا، وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا: مُتْعَةُ النِّسَاء، وَمُتْعَةُ الْحَجِّ.
وَبِهِ إلَى سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ عُثْمَانَ نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ - يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ - وَبِهِ إلَى سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ نَبِيهٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ سَمِعَ رَجُلًا يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْمُهِلِّ؛ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُمْ يُخَالِفُونَهُمَا وَيُجِيزُونَ الْمُتْعَةَ حَتَّى أَنَّهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ، فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ نَهْيَ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ ﵄ عَنْ فَسْخِ الْحَجِّ حُجَّةً وَلَمْ يَجْعَلْ نَهْيَهُمَا عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ وَضَرْبَهُمَا عَلَيْهَا حُجَّةً إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ أَبَاحَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرُهُ؟ قُلْنَا: وَقَدْ أَوْجَبَ فَسْخَ الْحَجِّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ وَلَا فَرْقَ -: وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ نَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السِّجِسْتَانِيُّ نَا
стр. 1795
الْفِرْيَابِيُّ نَا أَبَانُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحَلَّ لَنَا الْمُتْعَةَ ثُمَّ حَرَّمَهَا عَلَيْنَا.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ رُخْصَةً لَنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَنْ عُثْمَانَ: كَانَتْ مُتْعَةُ الْحَجِّ لَنَا لَيْسَتْ لَكُمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ خَالَفَهُ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ، لِأَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى إبَاحَةِ مُتْعَةِ الْحَجِّ - وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَإِنَّمَا هُوَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ الرُّجُوعُ إلَى الْقَوْلِ بِهَا فِي الْحَجِّ؛ وَهَؤُلَاءِ مُخَالِفُونَ لِهَذَا الْخَبَرِ إنْ كَانَ مَحْمُولًا عِنْدَهُمْ عَلَى مُتْعَةِ الْحَجِّ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْ اعْتَمَرْت فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ حَجَجْت لَجَعَلْت مَعَ حَجَّتِي عُمْرَةً.
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بِمِثْلِهِ - وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمُرَقَّعِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فَسْخُ الْحَجِّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَنَا خَاصَّةً.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ سُلَيْمَانَ أَوْ سُلَيْمِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ فِيمَنْ حَجَّ ثُمَّ فَسَخَهَا عُمْرَةً: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ وَمِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَنَا أَنْ يَجْعَلَ حَجَّتَهُ عُمْرَةً إنَّمَا كَانَتْ لَنَا رُخْصَةً أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ إنَّ مُتْعَةَ الْحَجِّ خَاصَّةً لَهُمْ حُجَّةٌ فَلَيْسَ قَوْلُهُ: إنَّ فَسْخَ الْحَجِّ خَاصَّةً لَهُمْ حُجَّةٌ؛ لَا سِيَّمَا وَذَلِكَ الْإِسْنَادُ عَنْهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ؛ وَهَذِهِ الْأَسَانِيدُ عَنْهُ وَاهِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا عَنْ الْمُرَقَّعِ، وَسُلَيْمَانَ أَوْ سُلَيْمٍ، وَهُمَا مَجْهُولَانِ. وَعَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - فَكَيْفَ وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مُوسَى؟ فَلَمْ يَرَيَا ذَلِكَ خَاصَّةً.
стр. 1796
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ أَنَّهَا خَاصَّةٌ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ إلَّا بِنَصِّ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّ أَوَامِرَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى لُزُومِ الْإِنْسِ، وَالْجِنِّ، الطَّاعَةُ لَهَا وَالْعَمَلُ بِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ؟ قُلْنَا: فَيَجِبُ عَلَى هَذَا مَتَى وُجِدَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَقُولُ فِي آيَةٍ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ أَنْ يُقَالَ بِقَوْلِهِ؛ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ قَوْلَهُمْ فِي الْمُتْعَةِ: إنَّهَا خَاصَّةٌ، وَقَدْ خَالَفُوا ذَلِكَ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ رَبِيعَةَ الرَّأْيِ «عَنْ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَوْ لِمَنْ بَعْدَنَا؟ قَالَ: لَكُمْ خَاصَّةً» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَارِثُ بْنُ بِلَالٍ مَجْهُولٌ وَلَمْ يُخَرِّجْ أَحَدٌ هَذَا الْخَبَرَ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ؛ وَقَدْ صَحَّ خِلَافُهُ بِيَقِينٍ؛ كَمَا أَوْرَدْنَا مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ إذْ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي عُمْرَةٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا أَبُو النُّعْمَانِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَارِمٌ - نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا جَمِيعًا: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ يُهِلُّونَ بِالْحَجِّ لَا يَخْلِطُهُ شَيْءٌ؛ فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً، وَأَنْ نَحِلَّ إلَى نِسَائِنَا فَفَشَتْ فِي ذَلِكَ الْقَالَةُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا وَاَللَّهِ لَأَنَا أَبَرُّ وَأَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ؟ فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هِيَ لَنَا أَوْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ: لَا بَلْ لِلْأَبَدِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَكَذَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَابِرٍ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَبَطَلَ التَّخْصِيصُ وَالنَّسْخُ وَأُمِنَ [مِنْ] ذَلِكَ أَبَدًا، وَوَاللَّهِ إنَّ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ ثُمَّ عَارَضَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكَلَامِ أَحَدٍ وَلَوْ أَنَّهُ كَلَامُ أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأَبَوَيْهِمَا ﵃ لَهَالِكٌ؛ فَكَيْفَ بِأُكْذُوبَاتٍ كَنَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ الَّذِي هُوَ أَوْهَنُ الْبُيُوتِ؟ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ، وَالْمُرَقَّعِ، وَسُلَيْمَانَ أَوْ سُلَيْمٍ الَّذِينَ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ فِي الْخَلْقِ، وَمُوسَى الرَّبَذِيِّ، وَكَفَاك وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ
стр. 1797
أَنْ يَقْتَصِرَ بِقَوْلِهِ ﵇ «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ جَوَازَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ دُونَ مَا بَيَّنَهُ جَابِرٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ إنْكَارِهِ ﵇ أَنْ يَكُونَ الْفَسْخُ لَهُمْ خَاصَّةً أَوْ لِعَامِهِمْ دُونَ ذَلِكَ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِهَارًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَتَى بَعْضُهُمْ بِطَامَّةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْخَبَرَ الثَّابِتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ " فَقَالَ قَائِلُهُمْ: إنَّمَا أَمَرَهُمْ ﵇ بِذَلِكَ لِيُوقِفَهُمْ عَلَى جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَوْلًا وَعَمَلًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ عَظِيمَةٌ؛ أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي عُمْرَةٍ لِيُعَلِّمَهُمْ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: هَبْكَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَبِحَقِّ أَمْرٍ أَمْ بِبَاطِلٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: بِبَاطِلٍ كَفَرُوا، وَإِنْ قَالُوا: بِحَقٍّ؟ قُلْنَا: فَلْيَكُنْ أَمْرُهُ ﵇ بِذَلِكَ لِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ قَدْ صَارَ حَقًّا وَاجِبًا، ثُمَّ لَوْ كَانَ هَذَا الْهَوَسُ الَّذِي قَالُوهُ فَلِأَيِّ مَعْنًى كَانَ يَخُصُّ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ دُونَ مَنْ سَاقَ؟ وَأَطَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ هَذَا الْجَاهِلَ الْقَائِلَ بِذَلِكَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ بِهِمْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَامًا بَعْدَ عَامٍ قَبْلَ الْفَتْحِ، ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَامَ الْفَتْحِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي ذِي الْحُلَيْفَةِ: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيَفْعَلْ؛ فَفَعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ، فَيَا لِلَّهِ وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ أَبَلَغَ الصَّحَابَةُ ﵃ مِنْ الْبَلَادَةِ، وَالْبَلَهِ، وَالْجَهْلِ أَنْ لَا يَعْرِفُوا مَعَ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْعُمْرَةَ جَائِزَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ وَقَدْ عَمِلُوهَا مَعَهُ ﵇ عَامًا بَعْدَ عَامٍ بَعْدَ عَامٍ [فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ] حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى أَنْ يَفْسَخَ حَجَّهُمْ فِي عُمْرَةٍ لِيَعْلَمُوا جَوَازَ ذَلِكَ، تَاللَّهِ إنَّ الْحَمِيرَ لِتُمَيِّزَ الطَّرِيقَ مِنْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا؛ فَكَمْ هَذَا الْإِقْدَامُ وَالْجُرْأَةُ عَلَى مُدَافَعَةِ السُّنَنِ
стр. 1798
الثَّابِتَةِ فِي نَصْرِ التَّقْلِيدِ؟ مَرَّةً بِالْكَذِبِ الْمَفْضُوحِ، وَمَرَّةً بِالْحَمَاقَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَمَرَّةً بِالْغَثَاثَةِ وَالْبَرْدِ - حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى السَّلَامَةِ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي جَوَازِ الْإِفْرَادِ بِالْحَجِّ بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ مُسْلِمٍ فَلَا يَشُكُّ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا إلَّا بِوَحْيٍ مِنْ اللَّهِ إلَيْهِ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا أَصْلًا؛ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ وَحْيَ اللَّهِ لَا يُتْرَكُ بِشَكٍّ لِأَنَّهُ لَا يَشُكُّ، فَصَحَّ أَنَّ هَذَا الشَّكَّ مِنْ قِبَلِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ لَا مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّهُ مِنْ قِبَلِهِ ﵇ لَكَانَ ذَلِكَ إذْ كَانَ الْإِفْرَادُ مُبَاحًا، ثُمَّ نُسِخَ بِأَمْرِهِ ﵇ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالْمُتْعَةِ وَلَا بُدَّ، وَمَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِالْقِرَانِ وَلَا بُدَّ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَظَهَرَ الْحَقُّ وَاضِحًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَالَ مَالِكٌ: الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ، وَوَافَقَنَا هُوَ وَالشَّافِعِيُّ فِي صِفَةِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا لِمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَلِمَنْ لَمْ يَسُقْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً: الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ، وَمَرَّةً قَالَ: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ، وَمَرَّةً قَالَ: الْقِرَانُ أَفْضَلُ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ جَائِزٌ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: الْقِرَانُ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَهُ لِمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَلِمَنْ لَمْ يَسُقْهُ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي صِفَةِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْإِشْعَارُ: فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ نَا قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِبَدَنَتِهِ فَأَشْعَرَ فِي سَنَامِهَا مِنْ الشِّقِّ الْأَيْمَنِ ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ.
стр. 1799
وَبِهِ إلَى عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ نَا وَكِيعٌ حَدَّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْعَرَ بُدْنَهُ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نَا الْفَرَبْرِيُّ نَا الْبُخَارِيُّ نَا أَبُو النُّعْمَانِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَارِمٌ - نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ - نَا الْأَعْمَشُ نَا إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: كُنْت أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا.
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَمَنْصُورٍ، كُلِّهِمْ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَمْ يَأْتِ فِي الْبَقَرِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَرُوِّينَا كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ عَلِيًّا بِأَنْ يَقْسِمَ لُحُومَ الْبُدْنِ وَجَلَّالِهَا؛ فَصَحَّ التَّجْلِيلُ فِيهَا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مِسْهَرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا هَدْيَ إلَّا مَا قَلَّدَ وَأَشْعَرَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنْ شِئْت فَأَشْعِرْ، وَإِنْ شِئْت فَلَا تُشْعِرْ، وَإِنْ شِئْت فَقَلِّدْ، وَإِنْ شِئْت فَلَا تُقَلِّدْ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي إشْعَارِ الْبَدَنَةِ؟ فَقَالَتْ: إنْ شِئْت، إنَّمَا تُشْعِرُ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا بَدَنَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُشْعِرُ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تُشْعِرُهَا مِنْ الْأَيْمَنِ -
стр. 1800
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا أَفْلَحُ هُوَ ابْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ: رَأَيْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَشْعَرَهَا فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ -
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ وَأَبِي سُلَيْمَانَ؛ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: رَأَيْت عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِلْغَنَمِ تُسَاقُ مَعَهَا هَدْيًا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْت الْغَنَمَ يُؤْتَى بِهَا مُقَلَّدَةً.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ عَنْ بُرْدٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: رَأَيْت نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسُوقُونَ الْغَنَمَ مُقَلَّدَةً.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: رَأَيْت الْكِبَاشَ تُقَلَّدُ؛ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ بَسَّامٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: رَأَيْت الْكِبَاشَ تُقَلَّدُ - وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت الْغَنَمَ تُقَلَّدُ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: رَأَيْت الْغَنَمَ تَقْدُمُ مَكَّةَ مُقَلَّدَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَكْرَهُ الْإِشْعَارَ، وَهُوَ مُثْلَةٌ - قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ طَامَّةٌ مِنْ طَوَامِّ الْعَالَمِ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ شَيْءٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ أُفٍّ لِكُلِّ عَقْلٍ يَتَعَقَّبُ - حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَلْزَمُهُ أَنْ تَكُونَ الْحِجَامَةُ، وَفَتْحُ الْعِرْقِ: مِثْلَهُ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ مِنْ قَطْعِ الْأَنْفِ، وَقَلْعِ الْأَسْنَانِ، وَجَدْعِ الْأُذُنَيْنِ: مُثْلَةٌ؛ وَأَنْ يَكُونَ قَطْعُ السَّارِقِ وَالْمُحَارِبِ: مُثْلَةً؛ وَالرَّجْمُ لِلزَّانِي الْمُحْصَنِ: مُثْلَةً، وَالصَّلْبُ لِلْمُحَارِبِ: مُثْلَةً، إنَّمَا الْمُثْلَةُ فِعْلُ مَنْ بَلَّغَ نَفْسَهُ مَبْلَغَ انْتِقَادِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَذَا هُوَ الَّذِي مَثَّلَ بِنَفْسِهِ؛ وَالْإِشْعَارُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُثْلَةِ كَانَ قَبْلَ قِيَامِ ذَلِكَ بِأَعْوَامٍ؛ فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ مُثْلَةً وَهَذِهِ قَوْلَةٌ: لَا يُعْلَمُ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا مُتَقَدِّمٌ مِنْ السَّلَفِ، وَلَا مُوَافِقٌ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ عَصْرِهِ إلَّا مَنْ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِتَقْلِيدِهِ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَمَالِكٌ: يُشْعِرُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ قَالُوا: قَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا كَانَتْ بَدَنَةٌ وَاحِدَةٌ أَشْعَرَهَا فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ وَإِذَا كَانَتْ بَدَنَتَيْنِ قَلَّدَ إحْدَاهُمَا فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَالْأُخْرَى فِي الْأَيْسَرِ.
стр. 1801
وَعَنْ مُجَاهِدٍ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الْإِشْعَارَ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ؟ قُلْنَا: هَذَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ هُوَ قَوْلُكُمْ، وَسَالِمٌ ابْنُهُ أَوْثَقُ وَأَجَلُّ وَأَعْلَمُ بِهِ مِنْ نَافِعٍ رَوَى عَنْهُ الْإِشْعَارَ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ كَمَا أَوْرَدْنَا، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْعَجَبُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِابْنِ عُمَرَ فِي فِعْلٍ قَدْ اُخْتُلِفَ عَنْهُ فِيهِ فَمَرَّةً عَلَيْهِمْ وَمَرَّةً لَيْسَ لَهُمْ، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا قَوْلَهُ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِيهِ مِنْ أَنَّهُ لَا هَدْيَ إلَّا مَا قَلَّدَ وَأَشْعَرَ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْمَالِكِيُّونَ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ تَقُولُوا أَنْتُمْ: بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ هَدْيًا إلَّا مَا أَشْعَرَ؟ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْتُمْ آنِفًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّهُ أَمَرَ بِبَدَنَتِهِ فَأُشْعِرَ فِي سَنَامِهَا» ؟ قُلْنَا: لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَمْرٌ بِالْإِشْعَارِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ لَقُلْنَا بِإِيجَابِهِ مُسَارِعِينَ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِبَدَنَتِهِ فَأَشْعَرَ فِي سَنَامِهَا فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا فَأُدْنِيَتْ إلَيْهِ فَأَشْعَرَ فِي سَنَامِهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ ﵇ تَوَلَّى بِيَدِهِ إشْعَارَهَا، بِذَلِكَ صَحَّ الْأَثَرُ عَنْهُ ﵇ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَرُوِّينَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عُمَرَ إشْعَارَ الْبَقَرِ فِي أَسْنِمَتِهَا.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: الشَّاةُ لَا تُقَلَّدُ.
وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ خَالَفُوا ابْنَ عُمَرَ كَمَا أَوْرَدْنَا آنِفًا فِي قَوْلِهِ فِي الْهَدْيِ، فَمِنْ الْبَاطِلِ احْتِجَاجُهُمْ بِمَنْ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ فِي مُخَالَفَتِهِ.
وَرُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْإِبِلُ تُقَلَّدُ، وَتُشْعَرُ، وَالْغَنَمُ لَا تُقَلَّدُ، وَلَا تُشْعَرُ، وَالْبَقَرُ تُقَلَّدُ، وَلَا تُشْعَرُ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا - تُقَلَّدُ الْغَنَمُ - وَرَأَى مَالِكٌ إشْعَارَ الْبَقَرِ إنْ كَانَتْ لَهَا أَسْنِمَةٌ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ وَمَقْلُوبٌ؛ بَلْ الْإِبِلُ: تُقَلَّدُ، وَتُشْعَرُ؛ وَالْبَقَرُ: لَا تُقَلَّدُ، وَلَا تُشْعَرُ، وَالْغَنَمُ: تُقَلَّدُ، وَلَا تُشْعَرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقَلَّدُ إلَّا هَدْيُ الْمُتْعَةِ، وَالْقِرَانِ، وَالتَّطَوُّعِ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ فَقَطْ: وَلَا يُقَلَّدُ: هَدْيُ الْإِحْصَارِ، وَلَا الْجِمَاعِ، وَلَا جَزَاءِ الصَّيْدِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُقَلَّدُ كُلُّ هَدْيٍ وَيُشْعَرُ؛ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ لِعُمُومِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 1802
قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَعْمَاهُ الْهَوَى وَأَصَمَّهُ: إنَّمَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ هَدْيِ الْغَنَمِ مُقَلَّدَةً؛ إنَّمَا هُوَ أَنَّهَا فَتَلَتْ قَلَائِدَ الْهَدْيِ مِنْ الْغَنَمِ - أَيْ مِنْ صُوفِ الْغَنَمِ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا اسْتِسْهَالٌ لِلْكَذِبِ الْبَحْتِ وَخِلَافٌ لِمَا رَوَاهُ النَّاسُ عَنْهَا مِنْ إهْدَائِهِ ﵇ الْغَنَمَ مُقَلَّدَةً - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ الْخِذْلَانِ.
وَأَمَّا الِاشْتِرَاطُ: فَلِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ نَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - فَقَالَ لَهَا: أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا أَجِدُنِي إلَّا وَجِعَةً؟ فَقَالَ لَهَا: حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِضُبَاعَةَ حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كُلِّهِمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِضُبَاعَةَ أَهِّلِي بِالْحَجِّ وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ ضُبَاعَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا الْخُرُوجُ عَنْهَا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إنْ حَجَجْت وَلَسْت صَرُورَةً فَاشْتَرَطَ إنْ أَصَابَنِي مَرَضٌ أَوْ كَسْرٌ أَوْ حَبْسٌ فَأَنَا حِلٌّ.
стр. 1803
وَرُوِّينَا أَيْضًا الْأَمْرَ بِالِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ: وَكِيعٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، كُلِّهِمْ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى: أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَفْرِدْ الْحَجَّ وَاشْتَرِطْ، فَإِنَّ لَك مَا اشْتَرَطْت، وَلِلَّهِ عَلَيْك مَا شَرَطْت.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِثْلُ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ عُثْمَانَ رَأَى رَجُلًا وَاقِفًا بِعَرَفَةَ قَالَ لَهُ: أَشَارَطْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ جَمَّةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ مَيْسَرَةَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ إذَا أَرَادَ الْحَجَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَجَّةٌ إنْ تَيَسَّرَتْ، أَوْ عُمْرَةٌ إنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عُمَيْرَةَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ مَسْعُودٍ: حُجَّ وَاشْتَرِطْ، وَقُلْ: اللَّهُمَّ الْحَجُّ أَرَدْت وَلَهُ عَمَدْت فَإِنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لِلْحَجِّ خَرَجْت وَلَهُ عَمَدْت فَإِنْ قَضَيْت فَهُوَ الْحَجُّ وَإِنْ حَالَ دُونَهُ شَيْءٌ فَهِيَ عُمْرَةٌ؛ وَإِنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ عُرْوَةَ بِأَنْ يَشْتَرِطَ كَذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْمِنْهَالِ عَنْ عَمَّارٍ هُوَ ابْنُ يَاسِرٍ - أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَرَدْت الْحَجَّ فَاشْتَرِطْ.
وَمِنْ طَرِيقِ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ.
فَهَؤُلَاءِ: عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - وَمِنْ التَّابِعِينَ عُمَيْرَةُ بْنُ زِيَادٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَشْتَرِطُونَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ إنْ تَيَسَّرَ، وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ إنْ تَيَسَّرَتْ، اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ إنْ تَيَسَّرَتْ وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ.
стр. 1804
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا الرَّبِيعُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَا جَمِيعًا فِي الْمُحْرِمِ يَشْتَرِطُ: قَالَا جَمِيعًا: لَهُ شَرْطُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَانَ عَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ يَشْتَرِطَانِ فِي الْحَجِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ أَرَدْت الْحَجَّ فَأَرْسِلْ إلَيَّ عَبِيدَةُ هُوَ السَّلْمَانِيُّ - أَنْ اشْتَرِطْ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَشْتَرِطُ فِي الْحَجِّ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّك قَدْ عَرَفْت نِيَّتِي وَمَا أُرِيدُ؛ فَإِنْ كَانَ أَمْرًا تُتِمُّهُ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا حَرَجَ.
وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ فِي الْعُمْرَةِ؛ وَجَاءَ أَيْضًا [نَصًّا] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَعِكْرِمَةَ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ صَحَّ الْخَبَرُ قُلْت بِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ صَحَّ الْخَبَرُ وَبَالَغَ فِي الصِّحَّةِ فَهُوَ قَوْلُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَأَلَ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْحَجِّ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُهُ.
وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ اضْطِرَابًا فَرُوِّينَا عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَشْتَرِطُوا عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَكَانُوا لَا يَرَوْنَ الشَّرْطَ شَيْئًا لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ اُبْتُلِيَ - وَرُوِّينَا عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَشْتَرِطُوا فِي الْحَجِّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا تَنَاقُضٌ فَاحِشٌ، مَرَّةً كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الشَّرْطَ، وَمَرَّةً كَانُوا يَكْرَهُونَهُ، فَأَقَلُّ مَا فِي هَذَا تَرْكُ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ جُمْلَةً لِاضْطِرَابِهَا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: الْمُشْتَرِطُ وَغَيْرُ الْمُشْتَرِطِ سَوَاءٌ إذَا أَحْصَرَ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ - وَهُوَ سَاقِطٌ - عَنْ عَطَاءٍ مِثْلُ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ هَذَا، وَالصَّحِيحُ عَنْ عَطَاءٍ خِلَافُ هَذَا.
стр. 1805
وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ شَيْئًا.
وَعَنْ طَاوُسٍ الِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ لَيْسَ شَيْئًا.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ شَيْئًا.
وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادٍ مِثْلُ هَذَا؛ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْحَنَفِيِّينَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَشَغَبُوا فِي مُخَالَفَةِ السُّنَنِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَنْ قَالُوا: هَذَا الْخَبَرُ خِلَافٌ لِلْقُرْآنِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْنَا لِأَنَّهُمْ يُفْتُونَ مَنْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ أَنْ يَحِلَّ بِعُمْرَةٍ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ؛ فَقَدْ خَالَفُوا الْآيَةَ فِي إتْمَامِ الْحَجِّ؛ وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّا نَقُولُ: إنَّ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ وَأُمِرَ بِبَيَانِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَنَا قَدْ أَمَرَ بِالِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ وَأَنَّ مَحِلَّهُ حَيْثُ حَبَسَهُ رَبُّهُ تَعَالَى بِالْقَدَرِ النَّافِذِ؛ فَنَحْنُ لَمْ نُخَالِفْ الْآيَةَ إذَا أَخَذْنَا بِبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْتُمْ خَالَفْتُمُوهَا بِآرَائِكُمْ الْفَاسِدَةِ إلَى مُخَالَفَتِكُمْ السُّنَّةَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ.
وَقَالُوا: هَذَا الْخَبَرُ خِلَافٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ؟ قُلْنَا: كَذَبَ مَنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ خِلَافٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ؛ بَلْ أَنْتُمْ خَالَفْتُمُوهَا إذْ قُلْتُمْ: مَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ لَمْ يَحِلَّ إلَّا بِعُمْرَةٍ بِرَأْيٍ لَا نَصَّ فِيهِ؛ وَأَمَّا نَحْنُ فَقُلْنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ: إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ كَمَا أَمَرَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَمَرَ بِبَيَانِهَا لَنَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَنْ جَعَلَ هَذِهِ السُّنَّةَ مُعَارِضَةً لِلْقُرْآنِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ الرِّوَايَةَ فِي الْقَطْعِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مُخَالِفَةً لِلْقُرْآنِ إذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] .
لِأَنَّ حَدِيثَ الِاشْتِرَاطِ لَمْ يُضْطَرَبْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ؛ وَقَدْ اضْطَرَبَ فِي حَدِيثِ الْقَطْعِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ عَلَيْهَا - وَلَمْ يَصِحَّ قَطُّ خَبَرٌ فِي تَحْدِيدِ الْقَطْعِ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ بَلْ قَوْلُهُمْ هُوَ الْمُخَالِفُ لِلْقُرْآنِ حَقًّا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
стр. 1806
وَلَا حَرَجَ، وَلَا عُسْرَ، وَلَا تَكْلِيفَ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ أَكْثَرُ مِنْ إيجَابِ الْبَقَاءِ عَلَى حَالِ الْإِحْرَامِ، وَمَنْعِ الثِّيَابِ، وَالطِّيبِ، وَالنِّسَاءِ، لِمَنْ قَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذِهِ الْآيَاتُ لَكَفَتْ فِي وُجُوبِ إحْلَالِ مَنْ عَاقَهُ عَائِقٌ عَنْ إتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَكَيْفَ وَالسُّنَّةُ قَدْ جَاءَتْ بِذَلِكَ نَصًّا؟ وَشَغَبَ بَعْضُهُمْ بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مِنْ أَعْجَبْ شَيْءٍ لِأَنَّهُمْ احْتَجُّوا بِمَا هُوَ أَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَالِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَنْصُوصٌ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
وَإِنَّمَا الشُّرُوطُ الَّتِي لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ الشُّرُوطُ الَّتِي أَبَاحُوا: مِنْ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا عَلَى فُلَانَةَ امْرَأَتِهِ فَهِيَ طَالِقٌ، وَكُلَّ أَمَةٍ اشْتَرَاهَا عَلَيْهَا فَهِيَ حُرَّةٌ.
وَأَنْ يَكُونَ بَعْضُ الصَّدَاقِ لَا يَلْزَمُ إلَّا إلَى كَذَا وَكَذَا عَامًا وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] .
وَكَبَيْعِ السُّنْبُلِ وَعَلَى الْبَائِعِ دَرْسُهُ.
وَكَنُزُولِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَبِأَيْدِيهِمْ الْأَسْرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ الْوَطْءِ لَهُنَّ وَلَا مِنْ رَدِّهِمْ إلَى بِلَادِ الْكُفْرِ - وَسَائِرُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي أَبَاحُوا؛ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ رَوَاهُ عُرْوَةُ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٌ - وَرُوِيَ عَنْهُمْ خِلَافُهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَقُلْنَا: سَمِعْنَاكُمْ تَقْبَلُونَ هَذَا فِي الصَّاحِبِ إذَا رَوَى الْخَبَرَ وَخَالَفَهُ فَأَنْكَرْنَاهُ حَتَّى أَتَيْتُمْ بِالْآبِدَةِ إذْ جَعَلْتُمْ تَرْكَ التَّابِعِ لِمَا رَوَى حُجَّةً فِي تَرْكِ السُّنَنِ؛ وَهَذَا إنْ أَدْرَجْتُمُوهُ بَلَغَ إلَيْنَا وَإِلَى مَنْ بَعْدَنَا فَصَارَ كُلُّ مَنْ بَلَغَهُ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَتَرَكَهُ كَائِنًا مَنْ
стр. 1807
كَانَ مِنْ النَّاسِ حُجَّةً فِي رَدِّ السُّنَنِ؛ وَهَذَا حُكْمُ إبْلِيسَ اللَّعِينِ، وَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِ رَأْيِ مَنْ ذَكَرْتُمْ؛ وَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ رِوَايَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ ثِقَاتٌ عُدُولٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ مِنْ الْخَطَإِ فِي الرَّأْيِ.
وَلَا عَجَبَ مِمَّنْ يَعْتَرِضُ فِي رَدِّ السُّنَنِ بِأَنَّ طَاوُسًا، وَعَطَاءً، وَعُرْوَةَ، وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: خَالَفُوا مَا رَوَوْا مِنْ ذَلِكَ - ثُمَّ لَوْ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى صَبْغِ قَمِيصِهِ أَخْضَرَ فَقَالُوا لَهُ: بَلْ اُصْبُغْهُ أَحْمَرَ؟ لَمْ يَرَ رَأْيَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّةً وَلَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْأَخْذَ بِهِ؟ ثُمَّ رَأْيُهُمْ حُجَّةٌ فِي مُخَالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَئِنْ كَانَ خَالَفَ هَؤُلَاءِ مَا رَوَوْا فَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُمْ وَلَمْ يُخَالِفْهُ: كَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ؛ وَلَا يَصِحُّ عَنْ عَطَاءٍ إلَّا الْقَوْلُ بِهِ - وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخَذَا بِهِ.
وَقَالُوا: لَمْ يَعْرِفْهُ ابْنُ عُمَرَ؟ فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ فَقَدْ عَرَفَهُ: عُمَرُ، وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَخَذُوا بِهِ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ بَلْ لَيْسَ لِابْنِ عُمَرَ هَاهُنَا خِلَافٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِإِبْطَالِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا أَعْرِفُهُ.
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّ عُمَرَ رَأَى الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ وَمَعَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ فَخَالَفُوهُ وَتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ لَمْ يَعْرِفْهُ.
وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْإِهْلَالُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَمَعَهُ السُّنَّةُ فَخَالَفُوهُ وَتَعَلَّقُوا بِرِوَايَةٍ جَاءَتْ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - وَقَالَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، بِالِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ فَخَالَفُوهُمَا وَمَعَهُمَا السُّنَّةُ وَتَعَلَّقُوا بِهِمَا فِي الْمَنْعِ مِنْ فَسْخِ الْحَجِّ فِي عُمْرَةٍ إذْ جَاءَ عَنْهُمَا خِلَافُ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَأَنَّهُمْ مُغْرَمُونَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَنِ، وَمُخَالَفَةِ الصَّحَابَةِ فِيمَا جَاءَ عَنْهُمْ مِنْ مُوَافَقَةِ السُّنَنِ: وَالْقَوْمُ غَرْقَى فِي بِحَارِ هَوَاهُمْ وَبِكُلِّ مَا يُرْدِي الْغَرِيقَ تَعَلَّقُوا وَذَكَرُوا قَوْلَ إبْرَاهِيمَ: كَانُوا يَشْتَرِطُونَ فِي الْحَجِّ وَلَا يَرَوْنَهُ شَيْئًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ يَصِفُهُمْ بِفَسَادِ الرَّأْيِ وَالتَّلَاعُبِ؛ إذْ يَشْتَرِطُونَ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ، وَلَا يَجُوزُ، وَهَذِهِ صِفَةُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ، وَيَكْفِي مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ السُّنَّةَ إذَا صَحَّتْ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ خِلَافُهَا، وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُ أَحَدٍ حُجَّةً فِي مُعَارَضَتِهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْقُرْآنَ، وَالسُّنَّةَ الثَّابِتَةَ، وَجُمْهُورَ الصَّحَابَةِ، وَالْقِيَاسَ؛ لِأَنَّهُمْ
стр. 1808
يَقُولُونَ: مَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ فَعَجَزَ عَنْ إتْمَامِهَا قَائِمًا، وَعَنْ الرُّكُوعِ، وَعَنْ السُّجُودِ: سَقَطَ عَنْهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ فَرْضٍ فَعَجَزَ عَنْ إتْمَامِهِ: سَقَطَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلَّفْهُ؛ وَكَذَلِكَ التَّطَوُّعُ، وَقَالُوا هَاهُنَا: مَنْ دَخَلَ فِي حَجِّ فَرْضٍ، أَوْ تَطَوُّعٍ، أَوْ عُمْرَةٍ، كَذَلِكَ فَعَجَزَ عَنْهُمَا: لَمْ يَسْقُطَا عَنْهُ؛ بَلْ هُوَ مُكَلَّفٌ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ.
[مَسْأَلَةٌ تَقْدِيم لَفْظَةِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ أَوْ لَفْظَةِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ]
٨٣٤ - مَسْأَلَةٌ:
وَأَمَّا جَوَازُ تَقْدِيمِ لَفْظَةِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، أَوْ لَفْظَةِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ؛ فَلِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَبَدَأَ بِلَفْظَةِ الْحَجِّ؛ وَصَحَّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجَّةً» وَصَحَّ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» فَلَا نُبَالِي أَيُّ ذَلِكَ قُدِّمَ فِي اللَّفْظِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَارِنُ إذَا جَاءَ إلَى مَكَّةَ]
٨٣٥ - مَسْأَلَةٌ:
فَإِذَا جَاءَ الْقَارِنُ إلَى مَكَّةَ عَمِلَ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْعُمْرَةِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَرْمُلَ فِي الثَّلَاثِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فَرْضًا فِي الْحَجِّ ثُمَّ إذَا أَتَمَّ ذَلِكَ أَقَامَ مُحْرِمًا [كَمَا هُوَ] إلَى يَوْمِ مِنًى - وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ - فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الْمَذْكُورُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا ثُمَّ نَهَضَ الْقَارِنُ، وَالْمُتَمَتِّعُ إلَى مِنًى فَيَبْقَيَانِ بِهَا نَهَارَهُمَا وَلَيْلَتَهُمَا فَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ - وَهُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ - نَهَضُوا كُلُّهُمْ إلَى عَرَفَةَ فَيُصَلِّي هُنَالِكَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ الظُّهْرَ بَعْدَ أَنْ يَخْطُبَ النَّاسَ ثُمَّ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَيُقِيمَ وَيُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِالنَّاسِ، فَإِذَا سَلَّمَ مِنْ الظُّهْرِ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ إقَامَةً بِلَا أَذَانٍ وَصَلَّى بِهِمْ الْعَصْرَ إثْرَ سَلَامِهِ مِنْ الظُّهْرِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ لَا يَنْتَظِرُ وَقْتَ الْعَصْرِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ، ثُمَّ يَقِفُ النَّاسُ لِلدُّعَاءِ فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ نَهَضُوا كُلُّهُمْ إلَى مُزْدَلِفَةَ.
وَلَوْ نَهَضَ إنْسَانٌ إلَى مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ - لَا دَمَ وَلَا غَيْرَهُ وَحَجُّهُ تَامٌّ.
فَإِذَا أَتَوْا مُزْدَلِفَةَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ أَقَامَ وَصَلَّى الْإِمَامُ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَلَا يُجْزِئُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَبْلَ مُزْدَلِفَةَ وَلَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، فَإِذَا - سَلَّمَ أُقِيمَ لِصَلَاةِ الْعَتَمَةِ إقَامَةً بِلَا أَذَانٍ فَيُصَلِّيهَا بِالنَّاسِ، وَهِيَ لَيْلَةُ عِيدِ الْأَضْحَى وَيَبِيتُ النَّاسُ هُنَالِكَ، فَإِذَا انْصَدَعَ الْفَجْرُ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ.
стр. 1809
وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ مِنْ بَعْدِ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى مِقْدَارِ مَا يُدْفَعُ مِنْهَا وَيُدْرِكُ بِمُزْدَلِفَةَ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ الْإِمَامِ - فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ إنْ كَانَ رَجُلًا، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ بِمُزْدَلِفَةَ صَلَاةَ الصُّبْحِ فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ إنْ كَانَ رَجُلًا.
وَأَمَّا النِّسَاءُ فَإِنْ وَقَفْنَ بِعَرَفَةَ إلَى قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ دَفَعْنَ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - فِيهَا أَجْزَأَهُنَّ الْحَجُّ؛ وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مِنْهُنَّ بِعَرَفَةَ لَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَلَا لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهَا، وَمَنْ لَمْ تَقِفْ مِنْهُنَّ بِمُزْدَلِفَةَ بَعْدَ وُقُوفِهَا بِعَرَفَةَ وَتَذْكُرْ اللَّهَ - تَعَالَى - فِيهَا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهَا.
فَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ كَمَا ذَكَرْنَا بِمُزْدَلِفَةَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالنَّاسِ وَقَفُوا لِلدُّعَاءِ، فَإِذَا أَسْفَرَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ دَفَعُوا كُلُّهُمْ إلَى مِنًى، فَإِذَا أَتَوْا مِنًى أَحْبَبْنَا لَهُمْ التَّطَيُّبَ بَعْدَ أَنْ يَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُونَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَلَا يَقْطَعُونَ التَّلْبِيَةَ مُذْ يُهِلُّونَ بِالْحَجِّ مِنْ الْمَسْجِدِ، أَوْ بِالْقِرَانِ مِنْ الْمِيقَاتِ إلَّا مَعَ تَمَامِ رَمْيِ السَّبْعِ حَصَيَاتٍ، فَإِذَا رَمَوْهَا كَمَا ذَكَرْنَا فَقَدْ تَمَّ إحْرَامُهُمْ وَيَحْلِقُونَ أَوْ يُقَصِّرُونَ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ لِلرِّجَالِ.
وَيَنْحَرُونَ الْهَدْيَ إنْ كَانَ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُمْ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ اللِّبَاسِ حَرَامًا عَلَى الْمُحْرِمِ، وَحَلَّ لَهُمْ التَّصَيُّدُ فِي الْحِلِّ، وَالتَّطَيُّبُ حَاشَا الْوَطْءَ فَقَطْ.
فَإِنْ نَهَضُوا مِنْ يَوْمِهِمْ إلَى مَكَّةَ فَطَافُوا بِالْبَيْتِ سَبْعًا لَا خَبَبَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا - إنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ إنْ كَانَ لَمْ يَسْعَ بَيْنَهُمَا أَوَّلَ دُخُولِهِ إنْ كَانَ قَارِنًا - فَقَدْ تَمَّ الْحَجُّ كُلُّهُ، أَوْ الْقِرَانُ كُلُّهُ وَحَلَّ لَهُمْ الْوَطْءُ.
وَيَرْجِعُونَ إلَى مِنًى فَيُقِيمُونَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ يَرْمُونَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، سَبْعِ حَصَيَاتٍ، سَبْعِ حَصَيَاتٍ: يَبْدَأُ بِالْقُصْوَى، ثُمَّ بِاَلَّتِي تَلِيهَا، ثُمَّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الَّتِي رَمَى يَوْمَ النَّحْرِ يَقِفُ عِنْدَ الْأُولَيَيْنِ لِلدُّعَاءِ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ فَإِذَا تَمَّ ذَلِكَ، فَقَدْ تَمَّ جَمِيعُ [عَمَلِ] الْحَاجِّ.
وَيَأْكُلُ الْقَارِنُ وَلَا بُدَّ مِنْ الْهَدْيِ الَّذِي سَاقَ مَعَ نَفْسِهِ وَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ وَلَا بُدَّ.
فَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ، وَلَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ مَعَهُ قَاطِنِينَ هُنَالِكَ: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ هَدْيًا، وَلَا بُدَّ -: إمَّا رَأْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، أَوْ مِنْ الْبَقَرِ، وَإِمَّا شَاةٌ، وَإِمَّا نَصِيبٌ مُشْتَرَكٌ فِي رَأْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، أَوْ فِي رَأْسٍ مِنْ الْبَقَرِ بَيْنَ عَشَرَة أَنْفُسٍ فَأَقَلَّ - لَا نُبَالِي
стр. 1810
مُتَمَتِّعِينَ كَانُوا أَوْ غَيْرَ مُتَمَتِّعِينَ، وَسَوَاءٌ أَرَادَ بَعْضُهُمْ حِصَّتَهُ لِلْأَكْلِ، أَوْ لِلْبَيْعِ، أَوْ لِلَّهِ دْيِ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُهْدِيَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَيَذْبَحَهُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى وَلَا بُدَّ، أَوْ مَتَى شَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى هَدْيٍ فَفَرْضُهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَا بَيْنَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إلَى أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ النَّحْرِ، فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَلْيُؤَخِّرْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ - وَهُوَ الطَّوَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا يَوْمَ النَّحْرِ - إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ؛ ثُمَّ يَطُوفَ بَعْدَ تَمَامِ صِيَامِهِنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ؛ ثُمَّ يَصُومَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ إذَا رَجَعَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ كُلِّهِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ؛ فَإِنْ كَانَ أَهْلُهُ بِمَكَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ إنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا هَدْيٌ، وَلَا صِيَامٌ، وَهُوَ مُحْسِنٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
[نسك التَّمَتُّع]
وَالْمُتَمَتِّعُ هُوَ مَنْ اعْتَمَرَ مِمَّنْ لَيْسَ أَهْلُهُ مِنْ سُكَّانِ الْحَرَمِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ، أَوْ إلَى الْمِيقَاتِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ، وَلَا يَضُرُّ الْهَدْيَ أَنْ لَا يُوقَفَ بِعَرَفَةَ، وَلَا هَدْيَ عَلَى الْقَارِنِ - مَكِّيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَكِّيٍّ - حَاشَا الْهَدْيَ الَّذِي كَانَ مَعَهُ عِنْدَ إحْرَامِهِ.
فَمَنْ أَرَادَ مِمَّنْ ذَكَرْنَا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مَكَّةَ فَلْيَجْعَلْ آخِرَ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ يَخْرُجَ إثْرَ تَمَامِهِ مَوْصُولًا بِهِ وَلَا بُدَّ؛ فَإِنْ تَرَدَّدَ لِأَمْرٍ مَا أَعَادَ الطَّوَافَ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْ مَكَّةَ، فَإِنْ خَرَجَ وَلَمْ يَطُفْ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ وَلَا بُدَّ - وَلَوْ مِنْ أَقْصَى الدُّنْيَا - حَتَّى يَجْعَلَ آخِرَ عَمَلِهِ بِمَكَّةَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ
[تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَعْضَ شَوْطٍ حَتَّى خَرَجَ]
وَمَنْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ - وَلَوْ بَعْضَ شَوْطٍ حَتَّى خَرَجَ -: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ حَتَّى يُتِمَّهُ؛ فَإِنْ خَرَجَ ذُو الْحِجَّةِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهُ فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ.
[لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَاقِيَ ذِي الْحِجَّةِ]
وَمَنْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَاقِيَ ذِي الْحِجَّةِ فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ؛ وَيُجْزِئُ الْقَارِنَ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِعُمْرَتِهِ وَلِحَجِّهِ، كَالْمُفْرِدِ بِالْحَجِّ وَلَا فَرْقَ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - جَمِيعًا عَنْ حَاتِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ (. . .) قَالَ: قُلْت لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَخْبِرْنِي
стр. 1811
عَنْ حَجَّة الْوَدَاعِ؟ فَقَالَ جَابِرٌ - فَذَكَرَ حَدِيثًا - وَفِيهِ «فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ - فَذَكَرَ كَلَامًا - ثُمَّ قَالَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ - فَذَكَرَ كَلَامًا - ثُمَّ قَالَ: حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. . . ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا؛ فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ؛ فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ. ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي حَتَّى إذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ قَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً؛ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ - فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى وَقَالَ: دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ - لَا، بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ فَاطِمَةَ مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إنِّي أُمِرْتُ بِهَذَا. . . فَأَخْبَرَ عَلِيٌّ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: صَدَقَتْ صَدَقَتْ مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ ﷺ قَالَ: فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ. . . فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ. . . فَنَزَلَ فِي الْقُبَّةِ بِنَمِرَةَ حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا - ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا - ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ
стр. 1812
وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا؛ ثُمَّ رَكِبَ ﵇ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا. . . وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّمَا أَتَى جَبَلًا مِنْ الْجِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ ﵇ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ؛ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ؛ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا؛ ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي؛ ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ. ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ فَتَنَاوَلَ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ دُعَاءٍ، وَصِفَةِ مَشْيٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا تَحَاشَ شَيْئًا، فَهُوَ كُلُّهُ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ
[دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا: مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَوُجُوبُ فَرْضِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ كَمَا ذَكَرْنَا -: فَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ أَنَا وَكِيعٌ نَا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ قَالَ «شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ - وَسُئِلَ عَنْ الْحَجِّ -؟ فَقَالَ: الْحَجُّ عَرَفَةَ فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ أَدْرَكَ» .
стр. 1813
وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ نَا خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ قَالَ: سَمِعْت الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي «عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ الطَّائِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِجَمْعٍ فَقُلْت لَهُ: هَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا وَوَقَفَ هَذَا الْمَوْقِفَ حَتَّى يُفِيضَ، وَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ أَفَاضَ مِنْهَا نَهَارًا فَحَجُّهُ تَامٌّ وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا لَيْلًا فَلَا حَجَّ لَهُ، وَاحْتَجَّ لَهُ مَنْ قَلَّدَهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ بِهَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ؟ فَقُلْنَا: وَوَقَفَ نَهَارًا، فَأَبْطَلُوا حَجَّ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا نَهَارًا.
فَقَالُوا: قَدْ قَالَ ﵇، «مَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ» ؟ فَقُلْنَا: وَقَدْ قَالَ ﵇: «وَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ أَدْرَكَ» فَبَلَّحُوا.
فَأَتَوْا بِنَادِرَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ " لَيْلًا أَوْ نَهَارًا " إنَّمَا هُوَ لَيْلًا وَنَهَارًا كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] ؟ فَقُلْنَا: هَذَا الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ صُرَاحًا؛ وَلَوْ كَانَ كَمَا تَأَوَّلْتُمُوهُ لَمَا كَانَ ﵇ مَنْهِيًّا عَنْ أَنْ يُطِيعَ مِنْهُمْ آثِمًا إلَّا حَتَّى يَكُونَ كَفُورًا؛ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ، بَلْ هُوَ ﵇ مَنْهِيٌّ عَنْ أَنْ يُطِيعَ مِنْهُمْ الْآثِمَ، وَالْكَفُورَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْآثِمُ كَفُورًا.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكُمْ فِي الْخَبَرِ تَأْوِيلُكُمْ الْفَاسِدُ لَكَانَ لَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ حَجٌّ حَتَّى يَقِفَ بِهَا نَهَارًا وَلَيْلًا مَعًا، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِكُمْ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقِفْ بِهَا إلَّا نَهَارًا وَدَفَعَ مِنْهَا إثْرَ تَمَامِ غُرُوبِ الْقُرْصِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَالدَّفْعُ لَا يُسَمَّى وُقُوفًا، بَلْ هُوَ زَوَالٌ عَنْهَا.
стр. 1814
وَذَكَرُوا خَبَرًا فَاسِدًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ عَنْ دَاوُد بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ رَحْمَةَ بْنِ مُصْعَبٍ الْفَرَّاءِ الْوَاسِطِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا عَوْرَةٌ لِأَنَّ أَبَا عَوْنِ بْنَ عَمْرٍو، وَرَحْمَةَ بْنَ مُصْعَبٍ، وَدَاوُد بْنَ جُبَيْرٍ مَجْهُولُونَ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى سَيِّئُ الْحِفْظِ؛ وَعَلَى هَذَا الْخَبَرِ يَبْطُلُ حَجُّ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ إنَّمَا دَفَعَ مِنْهَا فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ أَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى نَا عَطَاءٌ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ» وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ جَلِيٌّ بِأَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى سَيِّئُ الْحِفْظِ، وَهَذَا مِمَّا تَرَكَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ الْمُرْسَلَ.
وَخَبَرٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيِّ، نَا ابْنُ أَبِي نَافِعٍ عَنْ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْفَعُوا مِنْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ حَتَّى يَدْفَعَ الْإِمَامُ» .
وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِوُجُوهٍ -: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُرْسَلٌ؛ وَالثَّانِي: أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةً ضُعَفَاءَ فِي نَسَقٍ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إيجَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَصْلًا؛ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُبْطِلُونَ حَجَّ مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ مِنْ عَرَفَةَ، وَلَا مِنْ مُزْدَلِفَةَ.
وَمِنْهَا: خَبَرٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْمَدَنِيِّ عَنْ
стр. 1815
يَزِيدَ بْنِ عِيَاضٍ هُوَ ابْنُ جُعْدُبَةَ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَجَازَ بَطْنَ عُرَنَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ فَلَا حَجَّ لَهُ» ؟ وَهَذِهِ بَلِيَّةٌ، لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ سَاقِطٌ وَأَبَا مُعَاوِيَةَ مَجْهُولٌ؛ وَيَزِيدَ كَذَّابٌ ثُمَّ هُوَ مُرْسَلٌ؛ ثُمَّ إنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّ بَطْنَ عُرَنَةَ مِنْ الْحَرَمِ - وَهُوَ غَيْرُ عَرَفَةَ - فَلَيْسَ فِيهِ وُجُوبُ الْوُقُوفِ لَيْلًا بِعَرَفَةَ أَصْلًا.
وَخَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّا لَا نَدْفَعُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ - يَعْنِي مِنْ عَرَفَاتٍ - وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَإِنَّا نَدْفَعُ قَبْلَ ذَلِكَ، هَدْيُنَا مُخَالِفٌ لِهَدْيِهِمْ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، ثُمَّ هُوَ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ، ثُمَّ هُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُبْطِلُونَ حَجَّ مَنْ دَفَعَ مِنْ جَمْعٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا أَصْلًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ إيجَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَيْلًا، وَإِبْطَالُ الْحَجِّ بِتَرْكِهِ؟ وَهُمْ لَا يُبْطِلُونَ الْحَجَّ بِمُخَالَفَةِ عَمَلِ النَّبِيِّ ﷺ كُلِّهِ فِي عَرَفَةَ، وَفِي الدَّفْعِ مِنْهَا، وَفِي مُزْدَلِفَةَ -: فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ أَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ؟ قُلْنَا: قَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ هَدْيًا إلَّا مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ فَخَالَفْتُمُوهُ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ: مَنْ قَدِمَ ثِقَلُهُ مِنْ مِنًى بَطَلَ حَجُّهُ فَخَالَفْتُمُوهُ؛ فَمِنْ أَيْنَ صَارَ ابْنُ عُمَرَ هَاهُنَا حُجَّةً، وَلَمْ يَصِرْ حُجَّةً هُوَ وَلَا أَبُوهُ فِيمَا ذَكَرْنَا عَنْهُمَا مِمَّا اسْتَسْهَلْتُمْ خِلَافَهُمَا فِيهِ؛ وَمَا نَعْلَمُ لِمَالِكٍ فِي هَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً أَصْلًا؟ وَأَمَّا إيجَابُ الدَّمِ فِي ذَلِكَ فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ
стр. 1816
غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَ مَا أُبِيحَ لَهُ أَوْ مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ؛ فَإِنْ كَانَ فَعَلَ مَا أُبِيحَ لَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ فَعَلَ مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ فَحَجُّهُ بَاطِلٌ وَلَا مَزِيدَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مِلَاكُ الْحَجِّ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ لَيْلَةَ عَرَفَةَ مَنْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ.
[لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ]
وَأَمَّا اسْتِحْبَابُنَا لِلْمُتَمَتِّعِ أَنَّ يُهِلَّ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فِي أَخْذِهِ فِي النُّهُوضِ إلَى مِنًى فَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ فِعْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِحَضْرَتِهِ؛ وَاخْتَارَ مَالِكٌ أَنَّ يُهِلَّ الْمُتَمَتِّعُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ إذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَةٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ يَقْدَمُ النَّاسُ شُعْثًا وَأَنْتُمْ مُدَّهِنُونَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَأَهِلُّوا؛ فَإِنَّ هَذِهِ رِوَايَةٌ لَا نَعْلَمُهَا تَتَّصِلُ إلَى عُمَرَ؛ إنَّمَا نَذْكُرُهَا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عُمَرَ؛ وَكِلَاهُمَا لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بِأَعْوَامٍ؛ ثُمَّ لَوْ صَحَّ عَنْهُ لَكَانَ الثَّابِتُ الْمُتَّصِلُ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى مِنْ رَأْيٍ رَآهُ عُمَرُ؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ نَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَدْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إذْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ عَامًا ثُمَّ عَامًا آخَرَ؛ فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الثَّالِثِ قِيلَ لَهُ: قَدْ رُئِيَ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ؟ فَقَالَ: مَا أَنَا إلَّا كَرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي، وَمَا أَرَانِي أَفْعَلُ إلَّا كَمَا فَعَلُوا، فَأَمْسَكَ إلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْ الْبَطْحَاءِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ بِالْحَجِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَحْرَمَ عَامًا مِنْ الْمَسْجِدِ حِينَ أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ عَامًا آخَرَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الثَّالِثُ لَمْ يُحْرِمْ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ قَالَ مُجَاهِدٌ: فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إنِّي كُنْت امْرَأً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَأَحْبَبْت أَنْ أُهِلَّ بِإِهْلَالِهِمْ ثُمَّ ذَهَبْت أَنْظُرُ فَإِذَا أَنَا أَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي وَأَنَا مُحْرِمٌ وَأَخْرُجُ وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَإِذَا ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا أَحْرَمَ خَرَجَ لِوَجْهِهِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَقُلْت لِابْنِ عُمَرَ: فَأَيَّ ذَلِكَ تَرَى؟ قَالَ: يَوْمَ التَّرْوِيَةِ.
فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ فِعْلَ الصَّحَابَةِ أَنْ يُهِلَّ الْمُتَمَتِّعُ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَرَغِبَ عَنْ رَأْيِ أَبِيهِ لَوْ ثَبَتَ أَيْضًا عَنْهُ.
стр. 1817
فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا اخْتَرْنَا لَهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَشْعَثَ؟ قُلْنَا: مَا عَلَّمَنَا اللَّهُ - تَعَالَى - وَلَا رَسُولُهُ ﷺ اخْتِيَارَ الشُّعْثِ لِلْمُحْرِمِ؟ فَإِنْ اخْتَرْتُمُوهُ فَأْمُرُوهُمْ بِالْإِهْلَالِ مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ فَهُوَ أَتَمُّ لِلشُّعْثِ؟
[الْإِمَامُ إذَا أَتَمَّ الْخُطْبَةَ بِعَرَفَة]
وَأَمَّا قَوْلُنَا: أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ إذَا أَتَمَّ الْإِمَامُ الْخُطْبَةَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ يُقِيمَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ يُقِيمَ لِلْعَصْرِ وَلَا يُؤَذِّنَ لَهَا؛ فَلِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آنِفًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ؛ وَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً أُخْرَى: إنْ شَاءَ أَذَّنَ، وَالْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ، وَإِنْ شَاءَ إذَا أَتَمَّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يُؤَذِّنُ إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْخُطْبَةِ - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُؤَذِّنُ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ؛ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يُؤَذِّنُ بَعْدَ صَدْرٍ مِنْ الْخُطْبَةِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ مُؤَذِّنٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَأْخُذُ فِي الْأَذَانِ إذَا أَتَمَّ الْإِمَامُ الْخُطْبَةَ الْأُولَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ لَا حُجَّةَ لِصِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا؟ فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الْجُمُعَةِ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قِيَاسُ الْأَذَانِ بِعَرَفَةَ عَلَى الْأَذَانِ بِالْجُمُعَةِ بِأَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ لِلْجُمُعَةِ عَلَى مَا رُوِيَ فِي عَرَفَةَ لَا سِيَّمَا وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: لَا جُمُعَةَ بِعَرَفَةَ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الْجُمُعَةَ بِعَرَفَةَ كَمَا هِيَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُبِيحٍ مُخَالَفَةَ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِفَةِ الْأَذَانِ فِيهَا بِخِلَافِهِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ كَمَا كَانَ بِعَرَفَةَ حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ خِلَافٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ كُلِّهِمْ فِي الْقَوْلِ بِذَلِكَ لَصَدَقْنَا.
[الْجَمْع بَيْنَ صَلَاتَيْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا: بِالْجَمْعِ بَيْنَ صَلَاتَيْ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَبِمُزْدَلِفَةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ كَذَلِكَ أَيْضًا فَلِمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ؛ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ فِي الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ كَمَا قُلْنَا.
стр. 1818
وَقَالَ مَالِكٌ: بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ، وَمَا نَعْلَمُ لِهَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً أَصْلًا لَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ عَمَلِ صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ، فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الْجَمْعِ بِمُزْدَلِفَةَ؟ قُلْنَا: هَذَا قِيَاسٌ لِلْخَطَأِ عَلَى الْخَطَأِ، وَقَوْلُكُمْ هَذَا فِي مُزْدَلِفَةَ خَطَأٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى.
فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَاتِ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ [هَذَا] مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، بِعَرَفَةَ لَيْسَتَا فَائِتَتَيْنِ، وَمِنْ الْبَاطِلِ قِيَاسُ صَلَاةٍ تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا عَلَى صَلَاةٍ فَائِتَةٍ لَا سِيَّمَا وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهَذَا الْعَمَلِ فِي الْفَائِتَاتِ، وَقَالَ سُفْيَانُ، وَإِسْحَاقُ: يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، بِعَرَفَةَ بِإِقَامَتَيْنِ فَقَطْ بِلَا أَذَانٍ.
وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِمَكَّةَ وَبِمِنًى كُلَّ صَلَاةٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَصَلَّى - بِعَرَفَةَ، وَبِجَمْعٍ - كُلَّ صَلَاةٍ بِإِقَامَةٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ خَبَرَ جَابِرٍ وَرَدَ بِزِيَادَةِ ذِكْرِ الْأَذَانِ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ وَاجِبٌ قَبُولُهَا، وَلَا بُدَّ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بِمُزْدَلِفَةَ كَمَا ذَكَرْنَا فَلِلْخَبَرِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا.
وَفِي هَذَا خِلَافٌ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمْ أَحْفَظْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَذَانًا وَلَا إقَامَةً بِجَمْعٍ - يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.
وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِجَمْعٍ الْمَغْرِبَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، ثُمَّ الْعِشَاءَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ.
وَقَوْلٌ ثَانٍ -: وَهُوَ أَنَّنَا رُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةِ بِلَا أَذَانٍ - وَرُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ - وَذَكَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ.
стр. 1819
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا - وَبِهِ أَخَذَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد.
وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَقَالَ الْقَطَّانُ: عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ؛ ثُمَّ اتَّفَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ: عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بِمُزْدَلِفَةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ.
وَقَوْلٌ ثَالِثٌ -: وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ - لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةٌ دُونَ أَذَانٍ -: رُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ - يَعْنِي بِمُزْدَلِفَةَ - وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ - يَعْنِي بِمُزْدَلِفَةَ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمُزْدَلِفَةَ فَجَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ - فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِمْ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى مُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا عَاصِمٌ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ [﵄] قَالَ «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
стр. 1820
بِجَمْعٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» وَهَذَانِ خَبَرَانِ صَحِيحَانِ.
وَقَوْلٌ رَابِعٌ -: وَهُوَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ حُمَيْدٍ أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِمُزْدَلِفَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو الْأَحْوَصِ نَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِمُزْدَلِفَةَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، أَوْ أَمَرَ بِذَلِكَ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيْنَا فَقَالَ: الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ أَشْعَثُ: وَأَخْبَرَنِي عِلَاجُ بْنُ عَمْرٍو «عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِهَذَا قَالَ: فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا» . وَبِهِ يَأْخُذُ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ تَطَوَّعَ بَيْنَهُمَا أَقَامَ لِلْعِشَاءِ إقَامَةً أُخْرَى.
وَقَوْلٌ خَامِسٌ -: وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ كُنْت مَعَ عُمَرَ فَأَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، كُلُّ صَلَاةٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ -: نَا حَمَامٌ نَا الْبَاجِيَّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نَا بَقِيٌّ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَغْرِبَ بِجَمْعٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِعِشَائِنَا فَتَعَشَّيْنَا، ثُمَّ صَلَّى بِنَا الْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ.
وَبِهِ نَصًّا إلَى أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِمُزْدَلِفَةَ كُلُّ صَلَاةٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ - وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَذَكَرَهُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؛ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ.
وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ خَبَرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٍّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ
стр. 1821
مِنْ الصَّحَابَةِ، وَاخْتَلَفَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا كَمَا أَوْرَدْنَا، فَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ هُوَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ.
وَلَا حُجَّةَ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ إعَادَةَ الْأَذَانِ لِلْعِشَاءِ هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ عُمَرَ، وَابْنَ مَسْعُودٍ تَعَشَّيَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ، وَلَا أَخْبَرَا: أَنَّ إعَادَتَهُمَا الْأَذَانَ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ الْعِشَاءِ، فَهِيَ دَعْوَى فَاسِدَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إذَا صُلِّيَتْ الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَالْأُخْرَى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ بَاطِلٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَارَضَ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِقِيَاسٍ فَاسِدٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَالِمٍ ابْنِهِ، وَعَطَاءٍ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ: صَلَّيْت خَلْفَ سَالِمٍ: الْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، فَلَقِيت نَافِعًا فَقُلْت لَهُ: هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ عَبْدُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَقِيت عَطَاءً فَقُلْت لَهُ؟ فَقَالَ: قَدْ كُنْت أَقُولُ لَهُمْ: لَا صَلَاةَ إلَّا بِإِقَامَةٍ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْهُ، فَهِيَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ -: أَحَدُهُمَا: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَالثَّانِي:
الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ - وَصَحَّ أَيْضًا: عَنْ ابْنِ عُمَرَ -: وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي بَكْرٍ بْنِ دَاوُد - وَصَحَّ بِهِ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالثَّالِثُ: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ فَقَطْ؛ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَصَحَّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ سُفْيَانَ، وَأَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ وَصَحَّ بِهِ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالرَّابِعُ:
الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ - رُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ وَصَحَّ عَنْ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - وَصَحَّ بِهِ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالْخَامِسُ:
الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَالِمٍ ابْنِهِ، وَعَطَاءٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ نَأْخُذُ - وَصَحَّ بِذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالسَّادِسُ:
الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ صَحَّ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرُوِيَ
стр. 1822
عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
فَأَمَّا الْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ فَبَعْضُهَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَعْضُهَا بِإِقَامَتَيْنِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - وَبَعْضُهَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ، وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ - وَبَعْضُهَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ؛ فَاضْطَرَبَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إلَّا أَنَّ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: زَادَتْ عَلَى الْأُخْرَى؛ وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ إقَامَةٌ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ، وَإِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَعَنْ جَابِرٍ تَزِيدُ عَلَى الْأُخْرَى، وَعَلَى رِوَايَةِ أُسَامَةَ أَذَانًا، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا رِوَايَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا صَحِيحَةٌ فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهَا، فَإِذَا جَمَعْت رِوَايَةَ سَالِمٍ، وَعِلَاجٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ صَحَّ مِنْهُمَا أَذَانٌ، وَإِقَامَتَانِ كَمَا جَاءَ بَيِّنًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ؛ وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إلَّا بِمُزْدَلِفَةَ وَلَا بُدَّ، وَبَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ وَلَا بُدَّ، فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا ابْنُ سَلَّامٍ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «لَمَّا أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ عَدَلَ إلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي؟ قَالَ: الْمُصَلَّى أَمَامَكَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٌ قَالُوا: نَا إسْمَاعِيلُ نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْبَ الْأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ فَبَالَ؛ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ قَدْ قَصَدَ ﵇ تَرْكَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَأَخْبَرَ بِأَنَّ الْمُصَلَّى
стр. 1823
مِنْ أَمَامٍ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَمَامٍ، فَالْمُصَلَّى هُوَ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ وَوَقْتَ الصَّلَاةِ مِنْ أَمَامٍ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ الْمَكَانِ لَيْسَ مُصَلًّى، وَلَا الصَّلَاةُ فِيهِ صَلَاةٌ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَا صَلَاةَ إلَّا بِجَمْعٍ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نَا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ التُّسْتَرِيُّ - نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُنَا فَيَقُولُ: أَلَّا لَا صَلَاةَ إلَّا بِجَمْعٍ؟ يُرَدِّدُهَا ثَلَاثًا.
وَمِنْ طَرِيق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَا صَلَاةَ إلَّا بِجَمْعٍ، وَلَوْ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ - وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: صَلَاةُ الْمَغْرِبِ دُونَ جَمْعٍ، وَلَا حُجَّةَ إلَّا فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[حَجّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ]
وَأَمَّا بُطْلَانُ حَجِّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ مِنْ الرِّجَالِ، فَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْمِصِّيصِيِّ نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ حَتَّى يُفِيضُوا مِنْهَا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ فَلَمْ يُدْرِكْ» .
وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ أَخْبَرَنِي عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ أَخْبَرَنِي «عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْتُكَ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاَللَّهِ مَا بَقِيَ مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ هَاهُنَا، ثُمَّ أَقَامَ مَعَنَا، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَوَجَبَ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ - وَهِيَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ - وَذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - عِنْدَهَا فَرْضٌ يَعْصِي مَنْ خَالَفَهُ وَلَا حَجَّ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا أَمَرَ؛ إلَّا أَنَّ إدْرَاكَ صَلَاةِ الْفَجْرِ
стр. 1824
فِيهَا مَعَ الْإِمَامِ هُوَ الذِّكْرُ الْمُفْتَرَضُ بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَذْكُورِ، وَمَنْ أَدْرَكَ شَيْئًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَائِمَةِ الْإِبِلِ «فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ السَّائِمَةِ بِخِلَافِ السَّائِمَةِ.
وَمِمَّنْ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ ﵇ «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» دَلِيلٌ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ لَا يَرَى قَوْلَهُ ﵇: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ هَاهُنَا مَعَنَا، وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْغَدَاةَ هُنَالِكَ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ؛ فَكَيْفَ وَقَدْ غُنِينَا [عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ] بِنَصِّهِ ﵇؟ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ فَلَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةَ» ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهُمْ أَوَّلُ مُبْطِلٍ لِهَذَا الِاحْتِجَاجِ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ فَرَائِضَ يَبْطُلُ الْحَجُّ بِتَرْكِهَا سِوَى عَرَفَةَ كَتَرْكِ الْإِحْرَامِ وَتَرْكِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. وَتَرْكِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَكَمْ هَذَا التَّنَاقُضُ؟ وَلَيْسَ قَوْلُهُ ﵇: «وَالْحَجُّ عَرَفَةَ» بِمَانِعٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ عَرَفَةَ الْحَجَّ أَيْضًا إذَا جَاءَ بِذَلِكَ نَصٌّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَالْبَيْتُ غَيْرُ عَرَفَةَ بِلَا شَكٍّ.
وَسَوَّى - تَعَالَى - بَيْنَ الْأَمْرِ بِعَرَفَةَ، وَالْأَمْرِ بِمُزْدَلِفَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] .
وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ - هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ - وَلَا يَكُونُ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ إلَّا وَغَيْرُهُ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ، وَمُحَالٌ مُمْتَنِعٌ أَنْ يَكُونَ - هُوَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ - وَلَا يَكُونَ فِيهِ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ شَيْءٌ وَيَكُونَ فَرْضُ الْحَجِّ فِي غَيْرِهِ.
стр. 1825
فَصَحَّ أَنَّ جُمْلَةَ فَرَائِضِ الْحَجِّ فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَهِيَ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ الَّذِي لَا يَكُونُ فِي غَيْرِهِ، وَرَمْيُ الْجَمْرَةِ، وَالْإِفَاضَةُ؛ وَقَدْ يَكُونَانِ فِيمَا بَعْدَهُ كَمَا عَرَفَةُ فِيمَا قَبْلَهُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " مَنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ فَلَا حَجَّ لَهُ ".
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: أَلَا لَا صَلَاةَ إلَّا بِجَمْعٍ؛ فَإِذَا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ إلَّا بِمُزْدَلِفَةَ فَقَدْ جَعَلَهَا مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ يَزِيدَ الْأَزْدِيِّ عَنْ أَبِي الضُّحَى قَالَ: سَأَلْت عَلْقَمَةَ عَمَّنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَاتٍ، أَوْ جَمْعًا، أَوْ وَقَعَ بِأَهْلِهِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَزُورَ؟ فَقَالَ: عَلَيْهِ الْحَجُّ.
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: مَنْ فَاتَهُ جَمْعٌ أَوْ عَرَفَةُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
وَمِنْ طَرِيق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ، أَوْ جَمْعٌ، أَوْ جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يَزُورَ فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ جَمْعٌ جَعَلَهَا عُمْرَةً.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ فَلَا حَجَّ لَهُ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ الْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ - وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ - هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ - أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا فَاتَهُ عَرَفَةُ لَمْ يَفُتْهُ الْحَجُّ وَإِذَا فَاتَهُ يَوْمُ النَّحْرِ فَاتَهُ الْحَجُّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: صَدَقَ سَعِيدٌ؛ لِأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ عَرَفَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ لَمْ يَفُتْهُ الْحَجُّ لِأَنَّهُ يَقِفُ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ وَأَمَّا يَوْمُ النَّحْرِ فَإِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] لِأَنَّ فِيهِ فَرَائِضَ ثَلَاثًا مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ، وَهُوَ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ لَا يَكُونُ جَازِئًا إلَّا غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ؛ فَصَحَّ أَنَّ
следующие страницы →