Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
مِنْ الصَّحَابَةِ، وَاخْتَلَفَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا كَمَا أَوْرَدْنَا، فَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ هُوَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ.
وَلَا حُجَّةَ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ إعَادَةَ الْأَذَانِ لِلْعِشَاءِ هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ عُمَرَ، وَابْنَ مَسْعُودٍ تَعَشَّيَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ، وَلَا أَخْبَرَا: أَنَّ إعَادَتَهُمَا الْأَذَانَ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ الْعِشَاءِ، فَهِيَ دَعْوَى فَاسِدَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إذَا صُلِّيَتْ الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَالْأُخْرَى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ بَاطِلٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَارَضَ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِقِيَاسٍ فَاسِدٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَالِمٍ ابْنِهِ، وَعَطَاءٍ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ: صَلَّيْت خَلْفَ سَالِمٍ: الْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، فَلَقِيت نَافِعًا فَقُلْت لَهُ: هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ عَبْدُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَقِيت عَطَاءً فَقُلْت لَهُ؟ فَقَالَ: قَدْ كُنْت أَقُولُ لَهُمْ: لَا صَلَاةَ إلَّا بِإِقَامَةٍ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْهُ، فَهِيَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ -: أَحَدُهُمَا: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَالثَّانِي:
الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ - وَصَحَّ أَيْضًا: عَنْ ابْنِ عُمَرَ -: وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي بَكْرٍ بْنِ دَاوُد - وَصَحَّ بِهِ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالثَّالِثُ: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ فَقَطْ؛ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَصَحَّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ سُفْيَانَ، وَأَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ وَصَحَّ بِهِ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالرَّابِعُ:
الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ - رُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ وَصَحَّ عَنْ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - وَصَحَّ بِهِ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالْخَامِسُ:
الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَالِمٍ ابْنِهِ، وَعَطَاءٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ نَأْخُذُ - وَصَحَّ بِذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالسَّادِسُ:
الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ صَحَّ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرُوِيَ
стр. 1822
عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
فَأَمَّا الْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ فَبَعْضُهَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَعْضُهَا بِإِقَامَتَيْنِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - وَبَعْضُهَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ، وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ - وَبَعْضُهَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ؛ فَاضْطَرَبَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إلَّا أَنَّ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: زَادَتْ عَلَى الْأُخْرَى؛ وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ إقَامَةٌ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ، وَإِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَعَنْ جَابِرٍ تَزِيدُ عَلَى الْأُخْرَى، وَعَلَى رِوَايَةِ أُسَامَةَ أَذَانًا، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا رِوَايَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا صَحِيحَةٌ فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهَا، فَإِذَا جَمَعْت رِوَايَةَ سَالِمٍ، وَعِلَاجٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ صَحَّ مِنْهُمَا أَذَانٌ، وَإِقَامَتَانِ كَمَا جَاءَ بَيِّنًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ؛ وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إلَّا بِمُزْدَلِفَةَ وَلَا بُدَّ، وَبَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ وَلَا بُدَّ، فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا ابْنُ سَلَّامٍ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «لَمَّا أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ عَدَلَ إلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي؟ قَالَ: الْمُصَلَّى أَمَامَكَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٌ قَالُوا: نَا إسْمَاعِيلُ نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْبَ الْأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ فَبَالَ؛ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ قَدْ قَصَدَ ﵇ تَرْكَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَأَخْبَرَ بِأَنَّ الْمُصَلَّى
стр. 1823
مِنْ أَمَامٍ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَمَامٍ، فَالْمُصَلَّى هُوَ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ وَوَقْتَ الصَّلَاةِ مِنْ أَمَامٍ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ الْمَكَانِ لَيْسَ مُصَلًّى، وَلَا الصَّلَاةُ فِيهِ صَلَاةٌ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَا صَلَاةَ إلَّا بِجَمْعٍ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نَا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ التُّسْتَرِيُّ - نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُنَا فَيَقُولُ: أَلَّا لَا صَلَاةَ إلَّا بِجَمْعٍ؟ يُرَدِّدُهَا ثَلَاثًا.
وَمِنْ طَرِيق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَا صَلَاةَ إلَّا بِجَمْعٍ، وَلَوْ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ - وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: صَلَاةُ الْمَغْرِبِ دُونَ جَمْعٍ، وَلَا حُجَّةَ إلَّا فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[حَجّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ]
وَأَمَّا بُطْلَانُ حَجِّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ مِنْ الرِّجَالِ، فَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْمِصِّيصِيِّ نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ حَتَّى يُفِيضُوا مِنْهَا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ فَلَمْ يُدْرِكْ» .
وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ أَخْبَرَنِي عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ أَخْبَرَنِي «عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْتُكَ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاَللَّهِ مَا بَقِيَ مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ هَاهُنَا، ثُمَّ أَقَامَ مَعَنَا، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَوَجَبَ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ - وَهِيَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ - وَذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - عِنْدَهَا فَرْضٌ يَعْصِي مَنْ خَالَفَهُ وَلَا حَجَّ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا أَمَرَ؛ إلَّا أَنَّ إدْرَاكَ صَلَاةِ الْفَجْرِ
стр. 1824
فِيهَا مَعَ الْإِمَامِ هُوَ الذِّكْرُ الْمُفْتَرَضُ بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَذْكُورِ، وَمَنْ أَدْرَكَ شَيْئًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَائِمَةِ الْإِبِلِ «فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ السَّائِمَةِ بِخِلَافِ السَّائِمَةِ.
وَمِمَّنْ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ ﵇ «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» دَلِيلٌ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ لَا يَرَى قَوْلَهُ ﵇: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ هَاهُنَا مَعَنَا، وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْغَدَاةَ هُنَالِكَ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ؛ فَكَيْفَ وَقَدْ غُنِينَا [عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ] بِنَصِّهِ ﵇؟ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ فَلَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةَ» ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهُمْ أَوَّلُ مُبْطِلٍ لِهَذَا الِاحْتِجَاجِ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ فَرَائِضَ يَبْطُلُ الْحَجُّ بِتَرْكِهَا سِوَى عَرَفَةَ كَتَرْكِ الْإِحْرَامِ وَتَرْكِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. وَتَرْكِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَكَمْ هَذَا التَّنَاقُضُ؟ وَلَيْسَ قَوْلُهُ ﵇: «وَالْحَجُّ عَرَفَةَ» بِمَانِعٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ عَرَفَةَ الْحَجَّ أَيْضًا إذَا جَاءَ بِذَلِكَ نَصٌّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَالْبَيْتُ غَيْرُ عَرَفَةَ بِلَا شَكٍّ.
وَسَوَّى - تَعَالَى - بَيْنَ الْأَمْرِ بِعَرَفَةَ، وَالْأَمْرِ بِمُزْدَلِفَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] .
وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ - هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ - وَلَا يَكُونُ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ إلَّا وَغَيْرُهُ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ، وَمُحَالٌ مُمْتَنِعٌ أَنْ يَكُونَ - هُوَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ - وَلَا يَكُونَ فِيهِ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ شَيْءٌ وَيَكُونَ فَرْضُ الْحَجِّ فِي غَيْرِهِ.
стр. 1825
فَصَحَّ أَنَّ جُمْلَةَ فَرَائِضِ الْحَجِّ فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَهِيَ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ الَّذِي لَا يَكُونُ فِي غَيْرِهِ، وَرَمْيُ الْجَمْرَةِ، وَالْإِفَاضَةُ؛ وَقَدْ يَكُونَانِ فِيمَا بَعْدَهُ كَمَا عَرَفَةُ فِيمَا قَبْلَهُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " مَنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ فَلَا حَجَّ لَهُ ".
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: أَلَا لَا صَلَاةَ إلَّا بِجَمْعٍ؛ فَإِذَا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ إلَّا بِمُزْدَلِفَةَ فَقَدْ جَعَلَهَا مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ يَزِيدَ الْأَزْدِيِّ عَنْ أَبِي الضُّحَى قَالَ: سَأَلْت عَلْقَمَةَ عَمَّنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَاتٍ، أَوْ جَمْعًا، أَوْ وَقَعَ بِأَهْلِهِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَزُورَ؟ فَقَالَ: عَلَيْهِ الْحَجُّ.
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: مَنْ فَاتَهُ جَمْعٌ أَوْ عَرَفَةُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
وَمِنْ طَرِيق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ، أَوْ جَمْعٌ، أَوْ جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يَزُورَ فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ جَمْعٌ جَعَلَهَا عُمْرَةً.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ فَلَا حَجَّ لَهُ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ الْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ - وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ - هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ - أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا فَاتَهُ عَرَفَةُ لَمْ يَفُتْهُ الْحَجُّ وَإِذَا فَاتَهُ يَوْمُ النَّحْرِ فَاتَهُ الْحَجُّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: صَدَقَ سَعِيدٌ؛ لِأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ عَرَفَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ لَمْ يَفُتْهُ الْحَجُّ لِأَنَّهُ يَقِفُ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ وَأَمَّا يَوْمُ النَّحْرِ فَإِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] لِأَنَّ فِيهِ فَرَائِضَ ثَلَاثًا مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ، وَهُوَ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ لَا يَكُونُ جَازِئًا إلَّا غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ؛ فَصَحَّ أَنَّ
стр. 1826
مُزْدَلِفَةَ أَشَدُّ فُرُوضِ الْحَجِّ تَأْكِيدًا وَأَضْيَقُهَا وَقْتًا؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ خِلَافُ هَذَا.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ النِّسَاءَ، وَالصِّبْيَانَ، وَالضُّعَفَاءَ بِخِلَافِ هَذَا؛ فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ نَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي «عَبْدُ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّ أَسْمَاءَ قَالَتْ لَهُ بِمُزْدَلِفَةَ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: ارْحَلْ بِي فَارْتَحَلْنَا حَتَّى رَمَتْ الْجَمْرَةَ ثُمَّ صَلَّتْ فِي مَنْزِلِهَا فَقُلْتُ لَهَا أَيْ هَنْتَاهُ لَقَدْ غَلَّسْنَا، قَالَتْ: كَلًّا أَيْ بُنَيَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِاللَّيْلِ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ - تَعَالَى - ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ وَيَقُولُ ابْنُ عُمَرَ أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ ابْنَ شَوَّالٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْبَرَتْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِهَا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْت «ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الثَّقَلِ وَفِي الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَئِذٍ قَدْ نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ وَلَمْ يَحْتَلِمْ بَعْدُ، هَكَذَا ذَكَرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ: أَنَّهُ أَتَى مِنًى عَلَى أَتَانٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَ: وَأَنَا غُلَامٌ قَدْ نَاهَزْت الِاحْتِلَامَ فَخَرَجَ هَؤُلَاءِ عَنْ وُجُوبِ حُضُورِ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ مَعَ الْإِمَامِ عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ عَلَيْهِمْ فَرْضُ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - هُنَالِكَ لَيْلَةَ
стр. 1827
النَّحْرِ وَلَا بُدَّ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] .
[رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ]
وَأَمَّا وُجُوبُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا خَالِدُ هُوَ الْحَذَّاءُ - عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إنِّي أَمْسَيْتُ، وَلَمْ أَرْمِ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ نَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ؟ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: لَمْ أُشْعِرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ» فَأَمَرَ ﵇ بِرَمْيِهَا فَوَجَبَ فَرْضًا.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» فَأَوْجَبُوا الذَّبْحَ فَرْضًا؟ قُلْنَا: إنْ كَانَ ذَلِكَ الذَّبْحُ مَنْذُورًا أَوْ هَدْيًا وَاجِبًا؟ فَنَعَمْ هُوَ فَرْضٌ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَيَكْفِي مِنْ الْبُرْهَانِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ ذَبْحُهُ فَرْضًا تَيَقُّنُ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ لَا فَرْضٌ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ لَمْ يَرْمِ الْجَمْرَةَ: إنْ ذَكَرَ وَهُوَ بِمِنًى رَمَى، وَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ حَتَّى نَفَرَ فَإِنَّهُ يَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ وَيُحَافِظُ عَلَى الْمَنَاسِكِ - وَبِهِ يَقُولُ دَاوُد، وَأَصْحَابُنَا، وَلَا يُجْزِئُ الرَّمْيُ إلَّا بِحَصًى كَحَصَى الْخَذْفِ لَا أَصْغَرَ، وَلَا أَكْبَرَ؛ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ -: نَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ عَنْ اللَّيْثِ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ
стр. 1828
الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي تُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ الدَّوْرَقِيُّ - نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - نَا عَوْفُ هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ - نَا زِيَادُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ هَاتِ اُلْقُطْ لِي؟ فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هِيَ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ: بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» .
وَقَالَ مَالِكٌ: أُحِبُّ أَكْبَرَ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ؛ وَهَذَا قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِتَعَرِّيهِ مِنْ الْبُرْهَانِ وَمُخَالَفَةِ الْأَثَرِ الثَّابِتِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا جَمِيعًا: مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا لَا مِنْ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ تَابِعٍ؛ وَهَذَانِ الْأَثَرَانِ يُبْطِلَانِ قَوْلَ مَنْ قَالَ: يُجْزِئُ الرَّمْيُ بِغَيْرِ الْحَصَى
[عَدَد الْحَصَى]
وَأَمَّا الْعَدَدُ فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا - رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: جَلَسْنَا فَقَالَ بَعْضُنَا: رَمَيْت بِسِتٍّ، وَقَالَ بَعْضُنَا: رَمَيْت بِسَبْعٍ؛ فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ يُفْتِي بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمَا رَمَى بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إلَى ابْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: صَدَقَ أَبُو حَبَّةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَبُو حَبَّةَ بَدْرِيٌّ - وَرُوِّينَا عَنْ طَاوُسٍ مَنْ تَرَكَ حَصَاةً فَإِنَّهُ يُطْعِمُ تَمْرَةً أَوْ لُقَيْمَةً - وَعَنْ عَطَاءٍ: مَنْ فَاتَتْهُ الْجِمَارُ يَوْمًا تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ، وَمَنْ فَاتَتْهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ مِنًى فَعَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: نَسِيت أَنْ أَرْمِيَ بِحَصَاةٍ مِنْ حَصَى الْجَمْرَةِ فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ إلَى
стр. 1829
ذَلِكَ الشَّيْخِ فَسَلْهُ ثُمَّ ارْجِعْ فَأَخْبِرْنِي بِمَا يَقُولُ، قَالَ: فَسَأَلْته؟ فَقَالَ لِي: لَوْ نَسِيت شَيْئًا مِنْ صَلَاتِي لَأَعَدْت، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَصَابَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا الشَّيْخُ - هُوَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ - هَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ - وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنْ نَسِيَ الْجَمْرَةَ رَمَاهَا بِاللَّيْلِ حِينَ يَذْكُرُ.
وَعَنْ طَاوُسٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْحَسَنِ قَالُوا كُلُّهُمْ: يَرْمِي بِاللَّيْلِ - هُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ؛ وَلَمْ يُوجِبُوا فِي ذَلِكَ شَيْئًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَمْيِهَا مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَبَاحَ رَمْيَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَمْسَى؛ وَهَذَا يَقَعُ عَلَى اللَّيْلِ وَالْعَشِيِّ مَعًا كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَصَاةٍ نَسِيَهَا طَعَامُ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ دَمًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ فِي الْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ فَأَكْثَرَ إنْ نَسِيَهَا دَمٌ؛ فَإِنْ تَرَكَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبَقَرَةٌ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَشَاةٌ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامٌ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَمَرَّةً قَالَ: عَلَيْهِ فِي حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ مُدُّ طَعَامٍ، وَفِي حَصَاتَيْنِ مُدَّانِ، وَفِي ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا دَمٌ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي حَصَاةٍ ثُلُثُ دَمٍ، وَفِي الْحَصَاتَيْنِ ثُلُثَا دَمٍ، وَفِي الثَّلَاثِ فَصَاعِدًا دَمٌ - وَرُوِيَ عَنْهُ لِلْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ فَصَاعِدًا دَمٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ كُلُّهَا لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا جَاءَ بِهِ نَصٌّ، وَلَا رِوَايَةٌ فَاسِدَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا قَالَ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَحَدٌ نَعْلَمُهُ قَبْلَ الْقَائِلِ بِكُلِّ قَوْلٍ ذَكَرْنَاهُ عَمَّنْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ؟ وَأَمَّا الرَّمْيُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يُجْزِئُ أَحَدًا: لَا امْرَأَةً وَلَا رَجُلًا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ الْمَرْوَزِيِّ نَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيبٍ هُوَ ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ - عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ أَهْلَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» .
وَرُوِّينَا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ: إبَاحَةَ - الرَّمْيِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
стр. 1830
وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ سُفْيَانُ: مَنْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَعَادَ الرَّمْيَ بَعْدَ طُلُوعِهَا - وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا.
[لَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إلَّا مَعَ آخِرِ حَصَاةٍ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إلَّا مَعَ آخِرِ حَصَاةٍ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا نَهَضَ إلَى عَرَفَةَ، وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ عَلِيٍّ؛ وَاحْتَجُّوا بِأَنْ قَالُوا: التَّلْبِيَةُ اسْتِجَابَةٌ فَإِذَا وَصَلَ فَلَا مَعْنَى لِلتَّلْبِيَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ فَلَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا مُنْقَطِعَةٌ إلَيْهِ؛ وَالصَّحِيحُ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَمَّا عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عُمَرَ فَقَدْ خَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَإِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ فَالْمَرْجُوعُ فِيهِ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - الرُّجُوعَ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ التَّلْبِيَةَ اسْتِجَابَةٌ فَدَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهَا؛ وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوا: لَوَجَبَتْ التَّلْبِيَةُ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ، وَوُجُوبِ النُّهُوضِ إلَى الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا؛ وَمَا التَّلْبِيَةُ إلَّا شَرِيعَةٌ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا لَا عِلَّةَ لَهَا إلَّا مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [هود: ٧] .
ثُمَّ لَوْ كَانَتْ اسْتِجَابَةً كَمَا قَالُوا: لَكَانَ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ إلَى مَا دُعِيَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ فُرُوضٌ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ لَا يَكُونُ وَاصِلًا إلَى مَا دُعِيَ إلَيْهِ إلَّا بِتَمَامِهَا كَعَرَفَةَ، وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا وَكِيعٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» . وَصَحَّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا شُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ نَا هُشَيْمٌ أَنَا حُصَيْنُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ لَبَّى حِينَ أَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ فَقِيلَ لَهُ: عَنْ أَيِّ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَسِيَ النَّاسُ أَمْ ضَلُّوا؟ سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ يَقُولُ فِي هَذَا الْمَكَانِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ» .
стр. 1831
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَيْمُونَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ لَبَّتْ حِينَ رَمَتْ الْجَمْرَةَ.
وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ سَمِعْت أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا يُمْسِكُ الْحَاجُّ عَنْ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ نَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُلَبِّي بِعَرَفَةَ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ يُلَبِّي غَدَاةَ الْمُزْدَلِفَةِ.
وَعَنْ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ سَمِعْت عِكْرِمَةَ يَقُولُ: «أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ» .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ كَانَتْ تُلَبِّي بَعْدَ عَرَفَةَ - وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ الزُّهْرِيَّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ أَبَاهُ صَعِدَ إلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ الْمِنْبَرَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ لَهُ: مَا يَمْنَعُك أَنْ تُهِلَّ؟ فَقَدْ رَأَيْت عُمَرَ فِي مَكَانِك هَذَا يُهِلُّ؟ فَأَهَلَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
وَعَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ يَقُولُ: تُلَبِّي حَتَّى يَنْقَضِيَ حَرَمُك إذَا رَمَيْت الْجَمْرَةَ - وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كُنْت مَعَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَلَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: غَدَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ فَسَمِعَ التَّكْبِيرَ عَامًا فَبَعَثَ الْحَرَسَ يَصِيحُونَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهَا التَّلْبِيَةُ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا جَرِيرُ عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ مَا دَامَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لَا، بَلْ يُلَبِّي قَبْلَ الطَّوَافِ، وَفِي الطَّوَافِ، وَبَعْدَ الطَّوَافِ، وَلَا يَقْطَعُهَا حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
стр. 1832
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ يَرْمِيهَا فِي الْجَمْرَةِ؟ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَعَ آخِرِ حَصَاةٍ مِنْ الْجَمْرَةِ لِأَنَّهُ نَصُّ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا «حَكَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ: أَنَّهُ ﵇ لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، لَقَالَا: حَتَّى بَدَأَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُهِلُّ وَهُوَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقُلْت لَهُ: فِيمَا الْإِهْلَالُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: وَهَلْ قَضَيْنَا نُسُكَنَا بَعْدُ؟ وَهُوَ الْمَفْهُومُ الظَّاهِرُ مِنْ فِعْلِ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ مَالِكٌ: إنَّ الْحَاجَّ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَإِذَا أَتَمَّ ذَلِكَ عَاوَدَهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَقْطَعُهَا - وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: نَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ فَذَكَرَ «حَدِيثَ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ» فَصَحَّ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَقْطَعْهَا -: وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّفَا قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ إنَّ نَاسًا يَنْهَوْنَ عَنْ الْإِهْلَالِ فِي هَذَا الْمَكَانِ؟ فَقَالَ: لَكِنِّي آمُرُك بِهِ؛ وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ.
فَإِنْ ذَكَرُوا: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ
стр. 1833
الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَخْبَرَةَ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا تَرَكَ التَّلْبِيَةَ حَتَّى أَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إلَّا أَنْ يَخْلِطَهَا بِتَكْبِيرٍ أَوْ بِتَهْلِيلٍ -: وَمِنْ طَرِيقِ» ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ يُلَبِّي حَتَّى انْتَهَى إلَى الْجَمْرَةِ وَقَالَ لِي: سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يُهِلُّ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْجَمْرَةِ، وَحَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ حَتَّى انْتَهَى إلَيْهَا» .
قُلْنَا: الْحَارِثُ ضَعِيفٌ، وَأَبَانُ بْنُ صَالِحٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ؛ ثُمَّ لَوْ صَحَّا لَكَانَ خَبَرُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: زَائِدَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ زِيَادَةً لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا رَغْبَةً عَنْهَا وَاخْتِيَارًا لِغَيْرِهَا عَلَيْهَا؛ وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ نَهْيٌ عَمَّا فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يَقْطَعُ الْمُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَقْطَعُهَا إلَّا حَتَّى يَرَى بُيُوتَ مَكَّةَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: حَتَّى يَدْخُلَ بُيُوتَ مَكَّةَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقْطَعُهَا حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ فَإِذَا اسْتَلَمَهُ قَطَعَهَا.
وَقَالَ اللَّيْثُ: إذَا بَلَغَ الْكَعْبَةَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقْطَعُهَا حَتَّى يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ - وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذَا دَخَلَ أَوَّلَ الْحَرَمِ فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ، أَوْ مِنْ التَّنْعِيمِ قَطَعَهَا إذَا دَخَلَ بُيُوتَ مَكَّةَ، أَوْ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ -: رُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَقْطَعْ الْمُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْطَعُهَا إذَا رَأَى بُيُوتَ مَكَّةَ - قَالَ وَكِيعٌ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ فَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّهُ لَا يَقْطَعْهَا حَتَّى يُتِمَّ جَمِيعَ عَمَلِ الْعُمْرَةِ؛ فَإِنْ ذَكَرُوا: مَا رُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ نَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبَّى فِي عُمْرَتِهِ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» :
стр. 1834
وَمِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ ثَلَاثَ عُمَرَ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ» ؟ فَهَذَانِ أَثَرَانِ ضَعِيفَانِ - فِي أَحَدِهِمَا: ابْنُ أَبِي لَيْلَى - وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ - وَفِي الْآخَرِ: الْحَجَّاجُ، وَنَاهِيكَ بِهِ؛ وَهُوَ أَيْضًا صَحِيفَةٌ.
فَإِنْ قَالُوا: فَهَلْ عِنْدَكُمْ اعْتِرَاضٌ؟ فِيمَا رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» ؟ قُلْنَا: لَا مُعْتَرَضَ فِيهِ وَهُوَ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ؛ أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا تَذْكُرُونَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْعُمْرَةِ؛ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اخْتَارَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْحَجِّ، وَلِمَا اخْتَارَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا.
ثُمَّ نَقُولُ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا: إنَّ هَذَا خَبَرٌ لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ إنَّمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» إلَى الْمَبِيتِ بِذِي طُوًى وَصَلَاةِ الصُّبْحِ بِهَا فَقَطْ؛ وَهَكَذَا نَقُولُ.
أَوْ يَكُونُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى قَطْعِ التَّلْبِيَةِ كَمَا تَقُولُونَ؛ فَإِنْ كَانَ هَذَا فَخَبَرُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأُسَامَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَزِمَ التَّلْبِيَةَ وَلَمْ يَقْطَعْهَا حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» زَائِدٌ عَلَى مَا فِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ عِلْمًا كَانَ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[الطِّيب بِمِنًى قَبْلَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ]
وَأَمَّا اخْتِيَارُنَا الطِّيبَ بِمِنًى قَبْلَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ؛ فَلِمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي اخْتِيَارِ التَّطَيُّبِ لِلْإِحْرَامِ مِنْ النَّصِّ - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَغَيْرِهِمْ ﵃، فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ، وَبِدُخُولِ وَقْتِهَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَوْ الْقِرَانِ كُلُّ مَا كَانَ عَلَيْهِ حَرَامًا مِنْ اللِّبَاسِ، وَالطِّيبِ، وَالتَّصَيُّدِ فِي الْحِلِّ، وَعَقْدِ النِّكَاحِ لِنَفْسِهِ،
стр. 1835
وَلِغَيْرِهِ حَاشَا الْجِمَاعَ فَقَطْ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ بَعْدُ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ -: فَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ: إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ، وَالتَّصَيُّدَ، وَالطِّيبَ - قَالَ: فَإِنْ تَطَيَّبَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ تَصَيَّدَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ - وَعَنْ سَالِمٍ، وَعُرْوَةَ مِثْلُ هَذَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ، وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ عُمَرُ: عَائِشَةَ وَغَيْرَهَا؛ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَذَبَحْتُمْ، وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا الطِّيبَ، وَالنِّسَاءَ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي لَوْ اتَّبَعُوهُ لَوُفِّقُوا -: وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَالطِّيبُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ أَطِيبٌ ذَلِكَ أَمْ لَا» ؟ -: وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إذَا رَمَيْت الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَك كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ.
وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْت ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: إذَا رَمَيْت الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَك كُلُّ شَيْءٍ مَا وَرَاءَ النِّسَاءِ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَعَلْقَمَةَ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] .
وَجَاءَ النَّصُّ وَإِجْمَاعُ الْمُخَالِفِينَ مَعْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ حَرَامٌ عَلَيْهِ لِبَاسُ الْقُمُصِ، وَالْعَمَائِمِ، وَالْبَرَانِسِ، وَالْخُفَّيْنِ، وَالسَّرَاوِيلِ، وَحَلْقُ الرَّأْسِ؛ وَوَافَقُونَا مَعَ مَجِيءِ النَّصِّ عَلَى جَوَازِ لِبَاسِ كُلِّ ذَلِكَ إذَا رَمَى وَنَحَرَ.
стр. 1836
وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - جَوَازُ تَقْدِيمِ الطَّوَافِ، وَالذَّبْحِ، وَالرَّمْيِ، وَالْحَلْقِ، بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ.
فَصَحَّ أَنَّ الْإِحْرَامَ قَدْ بَطَلَ بِدُخُولِ وَقْتِ الرَّمْيِ، وَالْحَلْقِ، وَالنَّحْرِ، رَمَى أَوْ لَمْ يَرْمِ، حَلَقَ أَوْ لَمْ يَحْلِقْ، نَحَرَ أَوْ لَمْ يَنْحَرْ، طَافَ أَوْ لَمْ يَطُفْ؛ وَإِذَا حَلَّ لَهُ الْحَلْقُ الَّذِي كَانَ حَرَامًا فِي الْإِحْرَامِ؛ فَبِلَا شَكٍّ أَنَّهُ قَدْ بَطَلَ الْإِحْرَامُ، وَبَطَلَ حُكْمُهُ؛ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّ، فَحَلَّ لَهُ الصَّيْدُ الَّذِي لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ إلَّا بِالْإِحْرَامِ، وَحَلَّ لَهُ بِالْإِحْلَالِ، وَكَذَلِكَ الزَّوَاجُ وَالتَّزْوِيجُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا جَاءَ بِأَنْ لَا يَنْكِحَ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحَ، وَلَا يَخْطُبَ، فَصَحَّ أَنَّ هَذَا حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَمَنْ حَلَّ لَهُ لِبَاسُ الْقُمُصِ، وَالْبَرَانِسِ، وَحَلْقُ الرَّأْسِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَهُوَ حَلَالٌ لَا مُحَرَّمٌ فَالنِّكَاحُ، وَالْإِنْكَاحُ، وَالْخُطْبَةُ حَلَالٌ لَهُ؛ إذْ لَيْسَ مُحَرَّمًا، وَأَمَّا الْجِمَاعُ فَبِخِلَافِ هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَحُرِّمَ الرَّفَثُ، وَهُوَ الْجِمَاعُ فِي الْحَجِّ جُمْلَةً لَا عَلَى الْمُحْرِمِ خَاصَّةً، وَمَا دَامَ يَبْقَى مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ شَيْءٌ فَهُوَ بَعْدُ فِي الْحَجِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، وَالْوَطْءُ حَرَامٌ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي الْحَجِّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَالِكٌ يَرَى فِي الطِّيبِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمُحْرِمِ الْفِدْيَةُ، كَمَا يَرَى الْجَزَاءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الصَّيْدِ - ثُمَّ رَأَى هَاهُنَا الْجَزَاءَ فِي الصَّيْدِ وَلَمْ يَرَ الْفِدْيَةَ فِي التَّطَيُّبِ، وَهَذَا عَجَبٌ فَإِنْ احْتَجُّوا لَهُ بِالْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي طِيبِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: لَا يَخْلُو هَذَا الْأَثَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فَفَرْضٌ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُخَالِفُوهُ، وَأَنْتُمْ قَدْ خَالَفْتُمُوهُ، أَوْ يَكُونَ غَيْرَ صَحِيحٍ فَلَا تُرَاعُوهُ، وَأَوْجَبُوا الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ تَطَيَّبَ كَمَا أَوْجَبْتُمُوهَا عَلَى مَنْ تَصَيَّدَ، وَلَا فَرْقَ.
ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَنْ إيجَابِكُمْ الْجَزَاءَ عَلَى مَنْ تَصَيَّدَ فِي الْحِلِّ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، أَحَرَمٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ حَرَمٍ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى ثَالِثٍ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ حَرَمٌ؟ قُلْنَا لَكُمْ: فَحَرِّمُوا عَلَيْهِ اللِّبَاسَ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِينَ وَحَرِّمُوا عَلَيْهِ حَلْقَ رَأْسِهِ.
стр. 1837
وَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ حَرَامًا؟ قُلْنَا: فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِي التَّصَيُّدِ.
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ جَاءَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ بِأَمْرِهِ بِحَلْقِ رَأْسِهِ، وَبِلِبَاسِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِينَ؟ قُلْنَا: فَهَذَا بُرْهَانٌ كَافٍ فِي أَنَّهُ لَيْسَ مُحْرِمًا، وَهَذَا مَا لَا مُخَلِّصَ [لَهُمْ] مِنْهُ؛ وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ أَوْهَمُوا أَنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِعُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ؛ وَإِنَّمَا عَنْهُمَا الْمَنْعُ مِنْ التَّطَيُّبِ لَا مِنْ الصَّيْدِ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا.
وَأَيْضًا فَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ، وَهُمْ قَدْ أَبَاحُوا لِبَاسَ الْقُمُصَ، وَالسَّرَاوِيلَ وَغَيْرَ ذَلِكَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَمَنَعُوا مِنْ الصَّيْدِ، وَالطِّيبِ.
فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَاهُ عَلَى الْجِمَاعِ؟ قُلْنَا: هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ اللِّبَاسَ، وَالْحَلْقَ، وَالطِّيبَ، وَالصَّيْدَ عِنْدَكُمْ خَبَرٌ وَاحِدٌ، وَحُكْمٌ وَاحِدٌ فِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ الْحَجُّ فِي الْإِحْرَامِ، وَكَانَ لِلْجِمَاعِ خَبَرٌ آخَرُ، لِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ الْحَجُّ فِي الْإِحْرَامِ؛ فَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ قِيَاسُ الطِّيبِ، وَالصَّيْدِ، عَلَى اللِّبَاسِ، وَالْحَلْقُ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْجِمَاعِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا -: إنْ نَهَضَ إلَى مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا - لَا رَمَلَ فِيهَا - وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ لَمْ يَسْعَ إنْ كَانَ قَارِنًا، وَكَانَ قَدْ سَعَى بَيْنَهُمَا فِي أَوَّلِ دُخُولِهِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقِرَانُهُ، وَحَلَّ لَهُ النِّسَاءُ - فَإِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ مَعَ النَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] .
وَأَمَّا قَوْلُنَا -: إنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى مِنًى فَيُقِيمُونَ بِهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا - يَرْمُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ سَبْعِ حَصَيَاتٍ كُلُّ جَمْرَةٍ يَبْدَأُ بِالْقُصْوَى، ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا؛ ثُمَّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الَّتِي رَمَى يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَعَمَلُهُ كُلُّهُ - فَإِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ.
[يَقِفُ لِلدُّعَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَلَا يَقِفُ عِنْدَ الثَّالِثَةِ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا: يَقِفُ لِلدُّعَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَلَا يَقِفُ عِنْدَ الثَّالِثَةِ؛ فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ نَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ «عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ
стр. 1838
طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى؛ ثُمَّ يَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلًا ثُمَّ يَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَقُومُ طَوِيلًا ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَيَقُولَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَعْنَى قَالَا [جَمِيعًا] نَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ» .
[يَأْكُلُ الْقَارِنُ مِنْ هَدْيِهِ وَيَتَصَدَّقُ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا: وَيَأْكُلُ الْقَارِنُ مِنْ هَدْيِهِ وَلَا بُدَّ وَيَتَصَدَّقُ، وَكَذَلِكَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ؟ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَارِنِينَ، وَأَكَلَا مِنْ هَدْيِهِمَا وَتَصَدَّقَا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ أَثَرٌ: «أَنَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ فَإِنَّهُ يَعُودُ مُحْرِمًا كَمَا كَانَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورَ الشَّرَفِ وَالْجَلَالَةِ فِي الرِّيَاسَةِ فَلَيْسَ مَعْرُوفًا بِنَقْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا مَعْرُوفًا بِالْحِفْظِ؛ وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ مُسَارِعِينَ إلَى ذَلِكَ؛ وَقَدْ قَالَ بِهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
[الْمُتَمَتِّعُ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَرَمِ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ مَعَهُ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا -: فَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَرَمِ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ مَعَهُ قَاطِنِينَ هُنَالِكَ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ هَدْيًا وَلَا بُدَّ؛ وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُهْدِيَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ.
стр. 1839
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَا مَا يَبْتَاعُهُ بِهِ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ يَوْمِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إلَى انْقِضَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ إذَا انْقَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ.
فَإِنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ كَمَا ذَكَرْنَا فَلْيُؤَخِّرْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ، فَإِذَا أَتَمَّهَا كُلَّهَا طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، ثُمَّ ابْتَدَأَ بِصِيَامِ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ.
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى خَرَجَ عَنْ عَمَلِ الْحَجِّ صَامَ السَّبْعَةَ الْأَيَّامِ فَقَطْ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ إنْ كَانَ تَعَمَّدَ تَرْكَ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ.
وَلَوْ وَجَدَ هَدْيًا بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ لَمْ يُجْزِهِ وَفَرْضُهُ الصَّوْمُ وَلَا بُدَّ، فَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَفَرْضُهُ الْهَدْيُ - فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذَا نَصُّ مَا قُلْنَاهُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَثِيرًا.
وَقَدْ أَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ أَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِأَنْ يَصُومَهَا فِي الْحَجِّ، وَمَا لَمْ يُحْرِمْ الْمَرْءُ فَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَجِّ فَلَيْسَ هُوَ فِي وَقْتِ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ الْمَذْكُورُ وَلَا الصِّيَامُ الْمَذْكُورُ إلَّا بِتَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ بِنَصِّ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَا لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ فَلَيْسَ هُوَ بَعْدُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَلَا يُجْزِئُ [أَدَاءُ] فَرْضٍ إلَّا فِي وَقْتِهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهِ.
وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهَذَا خَطَأٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْبُرْهَانَ عَلَى بُطْلَانِ [هَذَا الْقَوْلِ] فِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ هَذَا الدِّيوَانِ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ جُمْلَةً.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَغَيْرُهُمْ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَصُومُ الْمُتَمَتِّعُ إلَّا وَهُوَ مُحْرِمٌ لَا يَقْضِي عَنْهُ إلَّا ذَلِكَ.
стр. 1840
وَرُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ أَيْضًا جَوَازَ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلْمُتَمَتِّعِ، وَلَا حُجَّةَ مَعَ التَّنَازُعِ إلَّا فِيمَا صَحَّ عَنْ اللَّهِ - تَعَالَى، أَوْ عَنْ رَسُولِهِ ﵇.
وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طَرِيقٍ مُنْقَطِعَةٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي الْمُتَمَتِّعِ: يَفُوتُهُ الصَّوْمُ فِي الْعَشْرِ: أَنَّهُ يَتَسَحَّرُ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَيَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ هِيَ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ التَّالِيَةُ لِآخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ - وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَصُومَهَا بَعْدُ.
قَالَ عَلِيٌّ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى - هُوَ الْحَاكِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ - وَلَمْ يُوجِبْ - تَعَالَى - صِيَامَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ إلَّا فِي الْحَجِّ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصُومَهَا لَا قَبْلَ الْحَجِّ وَلَا بَعْدَ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُوجِبْ صِيَامَهَا فِي الْإِحْرَامِ لَكِنْ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ مَا لَمْ يَطُفْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَهُوَ فِي الْحَجِّ بَعْدُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ صَامَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَهَا أَوْ بَعْدَ تَمَامِهَا، وَقَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَصُومَ السَّبْعَةَ الْأَيَّامِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ فَكَانَ هَذَا تَنَاقُضًا لَا خَفَاءَ بِهِ، وَخِلَافًا لِلْقُرْآنِ كَمَا ذَكَرْنَا بِلَا دَلِيلٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] أَيْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ فَقُلْنَا: هَذَا كَذِبٌ عَلَى الْقُرْآنِ، فَإِنْ كَانَ كَمَا تَزْعُمُونَ فَأَجِيزُوا لَهُ صِيَامَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَعْتَمِرَ، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضْتُمْ، وَصَحَّ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَصُومُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ إلَّا بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصُومُهُنَّ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ وَلَوْ بِيَوْمٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ وَخِلَافٌ لِلْقُرْآنِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقْدِيمِ الْفَرْضِ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَبَيْنَ تَأْخِيرِهِ بَعْدَ وَقْتِهِ بِغَيْرِ نَصٍّ
وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا يُجْزِئُ هَدْيُ الْمُتْعَةِ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُجْزِئُ مُذْ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ، وَبِهِ نَأْخُذُ لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا.
стр. 1841
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
فَقَالَ قَوْمٌ: إذَا رَجَعْتُمْ إلَى بِلَادِكُمْ، وَقَالَ آخَرُونَ: إذَا رَجَعْتُمْ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْقُرْآنِ بِلَا نَصٍّ وَلَا ضَرُورَةَ مُوجِبَةٌ لِتَخْصِيصِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ - تَعَالَى - صِيَامَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي الْحَجِّ؛ ثُمَّ قَالَ : ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَصَحَّ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ الْحَجِّ الْمُوجِبِ عَلَيْهِ ذَلِكَ الصِّيَامَ وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيُقَصِّرْ، وَيَحِلَّ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ» .
قُلْنَا: نَعَمْ وَالرُّجُوعُ إلَى أَهْلِهِ يَقَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمَشْيُ إلَى بَلَدِهِ، وَالْآخَرُ الرُّجُوعُ إلَى أَهْلِهِ؛ وَإِنْ حَلَّ لَهُ فِيهَا مَا كَانَ لَهُ حَرَامًا بِالْعَمَلِ لِلْحَجِّ.
وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فَحَمْلُهُ عَلَى كُلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ رُجُوعٍ هُوَ الْوَاجِبُ، فَإِنْ صَامَ السَّبْعَةَ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ مِنْ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ صَامَهَا إذَا رَجَعَ بِالْمَشْيِ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ حَتَّى أَتَمَّ الْحَجَّ فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَعُودُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْحَكَمِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيَيْنِ: هَدْيَ الْمُتْعَةِ، وَهَدْيًا لِتَأْخِيرِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ - وَبِهِ يَأْخُذُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَصُومُهُنَّ بَعْدَ الْحَجِّ - وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ - وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُطْعِمُ عَنْ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ وَيَصُومُ السَّبْعَةَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَرَسُولِهِ ﷺ وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ.
стр. 1842
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، وَلَا ثَمَنَهُ أَنَّ فَرْضَهُ الصَّوْمُ الْمَذْكُورُ، وَأَنَّهُ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ كَذَلِكَ بِيَقِينٍ، وَبِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ فَلَا يَجُوزُ سُقُوطُ فَرْضِهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
وَإِيجَابٌ هَدْيٍ قَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِسُقُوطِهِ عَنْهُ بِقَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يُصَحِّحُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَيْضًا أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي افْتَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ صِيَامَهَا فِيهِ بِقَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يُصَحِّحُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ - وَعُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولَانِ: لَا يَصُومُ بَعْدُ - وَعَلِيٌّ يَقُولُ: لَا يُهْدِي بَعْدُ - وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقُولُ: لَا يُهْدِي وَلَا يَصُومُهُنَّ، لَكِنْ يُطْعِمُ - وَغَيْرُهُ لَا يَرَى الْإِطْعَامَ، فَلَمْ يَصِحَّ إيجَابُ صَوْمٍ، أَوْ هَدْيٍ، أَوْ إطْعَامٍ بِغَيْرِ إجْمَاعٍ وَلَا نَصٍّ؛ بَلْ النَّصُّ مَانِعٌ مِنْهُمَا، وَغَيْرُ مُوجِبٍ لِلْإِطْعَامِ.
وَقَدْ وَجَدْنَا اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَهُوَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ فِي وَقْتٍ قَدْ فَاتَ، فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا بَعْدُ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَسَقَطَ عَنْهُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ لِعَجْزِهِ عَنْ أَدَائِهَا كَمَا أَمَرَ وَبَقِيَ عَلَيْهِ صِيَامُ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ، لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ عَلَيْهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا أَبَدًا وَتُجْزِئُ عَنْهُ، فَإِنْ مَاتَ، وَلَمْ يَصُمْهَا صَامَهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ وَلَا تُصَامُ عَنْهُ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ بَعْدُ، إلَّا أَنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ - تَعَالَى - إنْ كَانَ تَعَمَّدَ تَرْكَ صِيَامِهَا حَتَّى فَاتَ وَقْتُهَا فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلْيَتُبْ وَلْيُكْثِرْ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ وَجَدَ هَدْيًا قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ صِيَامَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ أَوْ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّهُنَّ، وَقَبْلَ أَنْ يَحِلَّ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَقَدْ بَطَلَ صَوْمُهُ وَعَادَ حُكْمُهُ إلَى الْهَدْيِ، وَإِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ النَّحْرِ - وَقَدْ حَلَّ أَوْ لَمْ يَحِلَّ - فَصَوْمُهُ تَامٌّ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ وَجَدَ الْهَدْيَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ [وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ] وَإِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي الصَّوْمِ عَادَ حُكْمُهُ إلَى الْهَدْيِ -: قَالَ عَلِيٌّ: كِلَا الْقَوْلَيْنِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِنَّمَا أَوْجَبَ - تَعَالَى - مَا أَوْجَبَ مِنْ الْهَدْيِ، أَوْ مِنْ الصَّوْمِ إنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ بِأَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا
стр. 1843
بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَهُوَ مَا لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ، فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ - حَتَّى الْآنَ - هَدْيٌ، وَلَا صَوْمٌ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ إنْ اعْتَمَرَ، وَهُوَ يُرِيدُ التَّمَتُّعَ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إلَّا بِدُخُولِهِ فِي الْحَجِّ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَإِذًا لَا شَكَّ فِي هَذَا فَإِنَّمَا حُكْمُهُ حِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالتَّمَتُّعِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ فِي أَثَرٍ حِينَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ قَادِرًا عَلَى هَدْيٍ فَفَرْضُهُ الْهَدْيُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ أَعْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ مُعْسِرًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ مِنْ الْهَدْيِ بِدَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ مَتَى وَجَدَ.
فَإِنْ كَانَ فِي أَثَرٍ حِينَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ لَا يَقْدِرُ عَلَى هَدْيٍ فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ سَوَاءً كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَادِرًا عَلَى هَدْيٍ أَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ بِدَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ.
وَقَاسَهُ الْحَنَفِيُّونَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ فَتَحِيضُ قَبْلَ إتْمَامِ عِدَّتِهَا فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى الْعِدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ، أَوْ بِالْمُطَلَّقَةِ يَمُوتُ زَوْجُهَا قَبْلَ تَمَامِ عِدَّتِهَا فَتَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ لِأَنَّهُ لَا نِسْبَةَ بَيْنَ الْحَجِّ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَتْ الَّتِي لَمْ تَحِضْ إلَى الْعِدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بِذَلِكَ نَصًّا، وَبِأَنَّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ الْأَقْرَاءُ إلَّا أَنَّ الَّتِي لَمْ تَحِضْ أَوْ يَئِسَتْ مِنْ الْحَيْضِ عِدَّتُهَا الشُّهُورُ، فَإِذَا حَاضَتْ فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ اللَّوَاتِي لَمْ يَحِضْنَ، وَلَا مِنْ اللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ فَوَجَبَ أَنْ تَعْتَدَّ بِمَا أَمَرَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْ تَعْتَدَّ بِهِ مِنْ الْأَقْرَاءِ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَتْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ؛ لِأَنَّهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ فَهِيَ زَوْجَةٌ لَهُ، وَجَمِيعُ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ بَاقٍ عَلَيْهَا، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، فَإِذَا مَاتَ زَوْجُهَا لَزِمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا كَمَا أَمَرَهَا اللَّهُ - تَعَالَى، فَظَهَرَ تَخْلِيطُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَجَهْلُهُمْ بِالْقِيَاسِ، وَخِلَافُهُمْ الْقُرْآنَ بِآرَائِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ هَذَا حُكْمُ مَنْ كَانَ أَهْلُهُ قَاطِنِينَ فِي الْحَرَمِ بِمَكَّةَ فَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى
стр. 1844
قَالَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَوَجَدْنَا النَّاسَ اخْتَلَفُوا - فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُوَ مَنْ كَانَ سَاكِنًا فِي أَحَدِ الْمَوَاقِيتِ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، وَصَحَّ عَنْ مَكْحُولٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُمْ مَنْ كَانَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ بُرْدٍ بِحَيْثُ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إلَى مَكَّةَ؛ وَصَحَّ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، وَذِي طُوًى. وَقَالَ سُفْيَانُ، وَدَاوُد: هُمْ أَهْلُ دُورِ مَكَّةَ فَقَطْ؛ وَصَحَّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ الْأَعْرَجِ. وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ: أَنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ إلَّا أَنَّ طَاوُسًا قَالَ: إذَا اعْتَمَرَ الْمَكِّيُّ مِنْ أَحَدِ الْمَوَاقِيتِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ - رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ: مَنْ كَانَ أَهْلُهُ مِنْ مَكَّةَ عَلَى يَوْمٍ أَوْ نَحْوِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ: الْحَرَمُ كُلُّهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالُوا كُلُّهُمْ: هِيَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ فِي الْحَرَمِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: وَجَدْنَا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَا دُونَ الْمَوَاقِيتِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ إذَا أَرَادُوا الْحَجَّ أَوْ
стр. 1845
الْعُمْرَةَ أَنْ يَتَجَاوَزُوا الْمَوَاقِيتَ إلَّا مُحْرِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا قَبْلَهَا، فَصَحَّ أَنَّ لِلْمَوَاقِيتِ حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ مَا قَبْلَهَا.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ فِي غَايَةِ الْغَثَاثَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: [نَعَمْ] فَكَانَ مَاذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ فَمَا وَرَاءَهَا إلَى مَكَّةَ هُمْ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ وَهَلْ هَذَا التَّخْلِيطُ إلَّا كَمَنْ قَالَ: وَجَدْنَا كُلَّ مَنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْلِقَ سَيْفَهُ - فِيمَنْ لَقِيَ - وَغَارَتَهُ؟ وَوَجَدْنَا مَنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَهُ أَنْ يُطْلِقَ سَيْفَهُ وَغَارَتَهُ، فَصَحَّ أَنَّ لِأَهْلِ [دَارِ] الْإِسْلَامِ حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ غَيْرِهَا فَوَجَبَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: إنَّ الْحَاضِرَ عِنْدَكُمْ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، وَالْمُسَافِرُ يَقْصُرُهَا فَإِذَا كَانَ أَهْلُ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالْجُحْفَةِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - وَهُمْ عِنْدَكُمْ يَقْصُرُونَ إلَى مَكَّةَ وَيُفْطِرُونَ - فَكَيْفَ يَكُونُ الْحَاضِرُ يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ؟ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنْ جَعَلَ مَنْ كَانَ فِي ذِي الْحُلَيْفَةِ سَاكِنًا مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَكَّةَ نَحْوُ مِائَتَيْ مِيلٍ، وَجَعَلَ مَنْ كَانَ سَاكِنًا خَلْفَ يَلَمْلَمُ لَيْسَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا، فَهَلْ فِي التَّخْلِيطِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ؛ إذْ صَارَتْ الشَّرَائِعُ فِي دِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - تُشَرَّعُ بِمِثْلِ هَذَا الرَّأْيِ وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ: فَتَخْصِيصُهُ ذَا طُوًى قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَا نَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ مَالِكٍ؟ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: فَإِنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ هَاهُنَا عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَقَوْلُهُ هُنَالِكَ خَطَأٌ فَبَنَى الْخَطَأَ عَلَى الْخَطَأِ - وَيُقَالُ لَهُمْ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْحَاضِرِ الْمُقِيمِ أَصْلًا وَيَجُوزُ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِيلٍ وَنَحْوِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ؛ فَهَلَّا جَعَلْتُمْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؟ وَهَذَا مَا لَا انْفِكَاكَ مِنْهُ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ: صَاحِبًا، لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ يُشَنِّعُونَ بِهَذَا.
وَأَمَّا قَوْلُ سُفْيَانَ، وَدَاوُد: فَوَهْمٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَقُلْ: حَاضِرِي مَكَّةَ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَسَقَطَتْ مُرَاعَاةُ مَكَّةَ هَاهُنَا،
стр. 1846
وَصَحَّ أَنَّ الْمُرَاعَى هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَقَطْ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَوَاجِبٌ أَنْ نَطْلُبَ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] لِنَعْرِفَ مَنْ أَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْهَدْيَ أَوْ الصَّوْمَ - إنْ تَمَتَّعَ - مِمَّنْ لَمْ يُلْزِمْهُ اللَّهُ - تَعَالَى - ذَلِكَ؟ فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا لَفْظَةَ " الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ لَا رَابِعَ لَهَا: إمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَرَادَ الْكَعْبَةَ فَقَطْ، أَوْ مَا أَحَاطَتْ بِهِ جُدْرَانُ الْمَسْجِدِ فَقَطْ، أَمْ أَرَادَ الْحَرَمَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ اسْمُ " مَسْجِدٍ حَرَامٍ " إلَّا عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ فَقَطْ.
فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَرَادَ الْكَعْبَةَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ لَا يَسْقُطُ الْهَدْيُ إلَّا عَمَّنْ أَهْلُهُ فِي الْكَعْبَةِ وَهَذَا مَعْدُومٌ وَغَيْرُ مَوْجُودٍ.
وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا أَحَاطَتْ بِهِ جُدْرَانُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قَدْ زِيدَ فِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةً فَكَانَ لَا يَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ يَنْتَقِلُ وَلَا يَثْبُتُ.
وَأَيْضًا فَكَانَ لَا يَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ إلَّا لِمَنْ أَهْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ، فَإِذْ قَدْ بَطَلَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فَقَدْ صَحَّ الثَّالِثُ إذْ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا كَانَ اسْمُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَقَعُ عَلَى الْحَرَمِ كُلِّهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَصَّ بِهَذَا الْحُكْمِ بَعْضُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ دُونَ سَائِرِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدْ بَيَّنَ عَلَيْنَا فَقَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ - تَعَالَى - بَعْضَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ دُونَ بَعْضٍ لَمَا أَهْمَلَ ذَلِكَ وَلَبَيَّنَهُ، أَوْ لَكَانَ اللَّهُ - تَعَالَى - مُعَنِّتًا لَنَا غَيْرَ مُبَيِّنٍ عَلَيْنَا مَا أَلْزَمَنَا، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَظُنَّ هَذَا مُسْلِمٌ.
فَصَحَّ إذْ لَمْ يُبَيِّنْ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ أَرَادَ بَعْضَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ دُونَ بَعْضٍ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ - تَعَالَى - أَرَادَ كُلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ - تَعَالَى - أَرَادَ الْحَرَمَ كُلَّهُ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالدَّعْوَى.
وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ، وَحُذَيْفَةَ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» .
стр. 1847
فَصَحَّ أَنَّ الْحَرَمَ مَسْجِدٌ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَرْضِ فَهُوَ كُلُّهُ مَسْجِدٌ حَرَامٌ فَهُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ بِلَا شَكٍّ، وَالْحَاضِرُونَ هُمْ الْقَاطِنُونَ غَيْرُ الْخَارِجِينَ؛ فَصَحَّ أَنَّ مَنْ كَانَ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُمْ مَنْ كَانَ أَهْلُهُ قَاطِنِينَ الْحَرَمَ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ مَنْ سَكَنَ خَارِجًا مِنْهُ بِقُرْبِهِ هُمْ حَاضِرُوهُ؟ قُلْنَا: هَذَا خَطَأٌ: وَبُرْهَانُ فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّنَا نَسْأَلُكُمْ عَنْ تَحْدِيدِ ذَلِكَ الْقُرْبِ الَّذِي يَكُونُ مَنْ هُوَ فِيهِ حَاضِرًا مِمَّا يَكُونُ مَنْ هُوَ فِيهِ غَيْرَ حَاضِرٍ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَى تَفْصِيلِهِ إلَّا بِدَعْوَى كَاذِبَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا خَطٌّ بَعْدَ خَطٍّ إلَى مُنْقَطَعِهَا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ نَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ لَهُ: «سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّهُ الْحَرَمُ كُلُّهُ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ لَمْ تُبْنَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا بَنَاهَا إبْرَاهِيمُ، وَإِسْمَاعِيلُ ﵉، قَالَ : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] وَلَمْ يُبْنَ الْمَسْجِدُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّهُ لَوْ زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ أَبَدًا حَتَّى يَعُمَّ بِهِ جَمِيعَ الْحَرَمِ يُسَمَّى مَسْجِدًا حَرَامًا، وَأَنَّهُ لَوْ زِيدَ فِيهِ مِنْ الْحِلِّ لَمْ يُسَمَّ مَا زِيدَ فِيهِ مَسْجِدًا حَرَامًا، فَارْتَفَعَ كُلُّ إشْكَالٍ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَثِيرًا.
[مَسْأَلَةٌ المتمتع كَانَ لَهُ أَهْلٌ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَهْلٌ غَيْرُ حَاضِرِينَ]
مَسَائِلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ ٨٣٦ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَهْلٌ غَيْرُ حَاضِرِينَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَنْ حَجَّ بِأَهْلِهِ فَتَمَتَّعَ، فَإِنْ أَقَامَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِأَهْلِهِ بِمَكَّةَ فَأَهْلُهُ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بِهَا إلَّا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ فَلَيْسَ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ.
وَقَدْ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَهْلُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ﵃ بِأَهْلِهِمْ فَوَجَبَ عَلَى مَنْ تَمَتَّعَ مِنْهُمْ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ، فَصَحَّ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَلَيْسَ أَهْلُهُ
стр. 1848
حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنَّمَا أَقَامَ [رَسُولُ اللَّهِ]﵇ بِمَكَّةَ أَرْبَعًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، ثُمَّ رَجَعْنَا عَنْ هَذَا الْقَوْلِ إلَى أَنَّهُ إنْ أَقَامَ بِأَهْلِهِ بِمَكَّةَ عِشْرِينَ يَوْمًا فَأَقَلَّ فَلَيْسَ مِمَّنْ أَهْلُهُ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا مُذْ يَدْخُلُ مَكَّةَ إلَى أَنْ يُهِلُّ بِالْحَجِّ فَهُوَ مِمَّنْ أَهْلُهُ حَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ لَيْلَةً يُقْصِرُ الصَّلَاةَ.
وَإِنْ كَانَ مَكِّيٌّ لَا أَهْلَ لَهُ أَصْلًا، أَوْ لَهُ أَهْلٌ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَتَمَتَّعَ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ أَهْلُهُ حَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَالْأَهْلُ: هُمْ الْعِيَالُ خَاصَّةً هَاهُنَا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ فَإِنَّ أَهْلَهُمْ كَانُوا بِمَكَّةَ - يَعْنِي أَقَارِبَهُمْ - فَلَمْ يُسْقِطْ هَذَا عَنْهُمْ حُكْمَ الْهَدْيِ أَوْ الصَّوْمِ الَّذِي عَلَى الْمُتَمَتِّعِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ الْهَدْيَ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ رَأْسٌ مِنْ الْغَنَمِ أَوْ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ مِنْ الْبَقَرِ، أَوْ شِرْكٌ فِي بَقَرَةٍ أَوْ نَاقَةٍ بَيْنَ عَشْرَةٍ فَأَقَلَّ سَوَاءٌ كَانُوا مُتَمَتِّعِينَ أَوْ بَعْضُهُمْ، أَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُرِيدُ نَصِيبَهُ لَحْمًا لِلْأَكْلِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ لِنَذْرٍ أَوْ لِتَطَوُّعٍ فَلِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَاسْمُ الْهَدْيِ يَقَعُ عَلَى الشَّاةِ، وَالْبَقَرَةِ، وَالْبَدَنَةِ.
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ فِي ذَلِكَ الشَّاةَ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فَرُوِيَ عَنْهَا مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ شَاةٌ وَأَنَّهُ إنَّمَا فِي ذَلِكَ النَّاقَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ.
كَمَا رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيِّ - عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْت إلَى أَهْلِك أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَسْأَلُ عَنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ - وَهُمْ يَذْكُرُونَ الشَّاةَ - فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: شَاةٌ شَاةٌ، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ؛ لَا؛ بَلْ بَقَرَةٌ، أَوْ نَاقَةٌ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ.
стр. 1849
وَرُوِّينَا عَنْ طَاوُسٍ التَّرْتِيبَ - رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ طَاوُسٍ يَزْعُمُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بِقَدْرِ يَسَارِ الرَّجُلِ إنْ اسْتَيْسَرَ جَزُورٌ فَجَزُورٌ، وَإِنْ اسْتَيْسَرَ بَقَرَةٌ فَبَقَرَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَيْسِرْ إلَّا شَاةً فَشَاةً. قَالَ: وَكَانَ أَبِي يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا اسْتَيْسَرَ وَتَيَسَّرَ. قَالَ: فَإِنْ اسْتَيْسَرَ عَلَى قَدْرِ يَسَارِهِ، وَتَيَسَّرَ مَا شَاءَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَنَا شُعْبَةُ نَا أَبُو جَمْرَةَ هُوَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ - قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ الْمُتْعَةِ؟ فَأَمَرَنِي بِهَا وَسَأَلْته عَنْ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ؛ وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي تَفْسِيرِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهَذَا نَأْخُذُ.
فَأَمَّا إجَازَةُ الشَّاةِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ: وَأَمَّا الشِّرْكُ فِي الدَّمِ فَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ؛ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَا يَجُوزُ الشِّرْكُ فِي الدَّمِ إلَّا بِأَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ يُرِيدُونَهُ لِلْهَدْيِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهُمْ.
وَقَالَ صَاحِبُهُ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِأَنْ تَكُونَ أَسْبَابُهُمْ وَاحِدَةً، مِثْلُ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مُتَمَتِّعِينَ، أَوْ كُلُّهُمْ مُفْتَدِينَ، وَنَحْوُ هَذَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: كَمَا قُلْنَا، إلَّا أَنَّهُمْ [كُلَّهُمْ] قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْرَكَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ.
فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ: فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِرِوَايَةٍ رُوِّينَاهَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، كُلُّهُمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: يَقُولُونَ: الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ. وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، مَا أَعْلَمُ النَّفْسَ تُجْزِئُ إلَّا عَنْ النَّفْسِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنْت أَشْعُرُ أَنَّ النَّفْسَ تُجْزِئُ إلَّا عَنْ النَّفْسِ
стр. 1850
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْلَمُ وَمَا يُرَاقُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ إنْسَانٍ وَاحِدٍ.
وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ سِيرِينَ؛ وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَكَمُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شُبْهَةً غَيْرَ هَذَا - وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ رَجَعَ عَنْ هَذَا إلَى إجَازَةِ الِاشْتِرَاكِ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ هَاهُنَا بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ وَلَا شَعَرَ بِهِ، وَلَيْسَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ حُجَّةً عَلَى مَنْ عَلِمَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ الْقَاضِي نَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ نَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُوسَى الْعُقَيْلِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْهَاشِمِيُّ نَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ نَا عَرِيفُ بْنُ دِرْهَمٍ عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الْجَزُورُ، وَالْبَقَرَةُ، عَنْ سَبْعَةٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إجَازَتُهُ عَنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ بِالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَهَا، وَقَدْ جَاءَ هَذَا نَصًّا عَنْهُ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا ابْنُ نُمَيْرٍ نَا مُجَالِدٌ عَنْ «الشَّعْبِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: الْبَقَرَةُ، وَالْبَعِيرُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ؟ فَقَالَ: وَكَيْفَ؟ أَلَهَا سَبْعَةُ أَنْفُسٍ؟ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ بِالْكُوفَةِ أَفْتَوْنِي؛ فَقَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا شَعَرْتُ» ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ حَمَّادٌ، وَالْحَكَمُ، لَكِنْ كَرِهَاهُ فَقَطْ، فَصَحَّ أَنَّهُمَا مُجِيزَانِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ سِيرِينَ رَأْيٌ لَا عَنْ أَثَرٍ - فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْقَوْلِ مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ آنِفًا أَنَّهُ رَأَى الصَّوْمَ فِي التَّمَتُّعِ وَلَمْ يُجِزْ الشَّاةَ فِي ذَلِكَ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ سَأَلَ عَمَّنْ يُهْدِي جَمَلًا؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ.
قَالَ عَلِيٌّ: مِنْ الْبَاطِلِ الْفَاحِشِ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ، أَوْ غَيْرُهُ حُجَّةً فِي مَكَان غَيْرَ حُجَّةٍ فِي [مَكَان] آخَرَ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُولُونَ: الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ.
وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُشْرِكُونَ السَّبْعَةَ فِي الْبَدَنَةِ مِنْ الْإِبِلِ.
стр. 1851
وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ الْقَرِّيِّ عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ.
وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ زَافِرٍ الْعَبْسِيِّ قَالَ: أَنَا وَأُمِّي أَخَذْنَا مَعَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ مِنْ بَقَرَةٍ عَنْ سَبْعَةٍ فِي الْأَضْحَى.
وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ قَالَ: تُنْحَرُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: الْبَقَرَةُ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ.
وَبِهِ إلَى ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْبَقَرَةُ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: الْجَزُورُ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ.
وَصَحَّ الْقَوْلُ بِذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَالْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ نَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا أُبَيٌّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ - نَا «جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ حَجَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهَا فَنَحَرَ ﵇ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، فَأَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ» وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا أَبُو دَاوُد هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - نَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ»
стр. 1852
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ إجْمَاعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا أَوْرَدْنَا - وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ إلَّا عَنْ سَبْعَةٍ فَإِنَّهُ تَعَلَّقَ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
فَأَمَّا الصَّحَابَةُ ﵃ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَقَدْ اخْتَلَفُوا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى نَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ عَلْيَاءَ بْنِ أَحْمَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَضَرَ النَّحْرُ فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ عَشَرَةٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ نَا قَتَادَةُ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: الْبَدَنَةُ عَنْ عَشَرَةٍ -: فَهَذَا اخْتِلَافٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، عَلَى أَنَّنَا إذَا تَأَمَّلْنَا فِعْلَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَقَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ أَنَّ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مَنْعٌ مِنْ جَوَازِهِمَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ.
وَكَذَلِكَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْضًا إنَّمَا فِيهِ «أَنَّهُ ﵇: نَحَرَ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» ، وَهَذَا حَقٌّ وَدَيْنٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مَنْعُ مَنْ نَحَرَهُمَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ، أَوْ عَنْ أَقَلَّ مِنْ سَبْعَةٍ ".
وَكَذَلِكَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ» .
فَنَعَمْ، قَالَ: الْحَقُّ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَنْعٌ مِنْ جَوَازِهِمَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ إنْ جَاءَ بُرْهَانٌ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ بِالدَّعْوَى.
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيّ قَالَا [جَمِيعًا] : ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَبَحَ عَمَّنْ اعْتَمَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ» .
стр. 1853
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ - نَا جَرِيرُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَرَى إلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فَأَحْلَلْنَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُنَّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِنَّ تِسْعًا خَرَجَتْ مِنْهُنَّ عَائِشَةُ لِأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لَكِنَّهَا أَرْدَفَتْ حَجًّا عَلَى عُمْرَتِهَا كَمَا جَاءَ فِي أَثَرٍ آخَرَ فَبَقِيَ ثَمَانٍ لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْيَ فَأَحْلَلْنَ كَمَا تَسْمَعُ وَنَحَرَ ﵇ عَنْهُنَّ كُلِّهِنَّ بَقَرَةً وَاحِدَةً فَهَذَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ أَهْدَى عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ؟ قُلْنَا: هَذَا لَفْظٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَذَكَرَتْ حَدِيثًا، وَفِيهِ: «فَأَتَيْنَا بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ» .
وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ نَفْسَهُ عَمَّنْ هُوَ أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ مِنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَبَيَّنَ مَا أَجْمَلَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ " وَفِيهِ «قَالَتْ: فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ» .
فَبَيَّنَ سُفْيَانُ فِي هَذَا الْخَبَرِ - وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ نَفْسُهُ - أَنَّ تِلْكَ الْبَقَرَ كَانَتْ أَضَاحِيَ، وَالْأَضَاحِيُّ غَيْرُ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ فِي التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ بِلَا شَكٍّ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ «فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ وَنَجْمَعَ النَّفَرَ مِنَّا فِي الْفِدْيَةِ وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي هَدْيِهِمْ مِنْ حَجِّهِمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا سَنَدٌ لَا نَظِيرَ لَهُ، وَبَيَانٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَالْبَقَرُ يَقَعُ عَلَى الْعَشَرَةِ
стр. 1854
وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ؛ فَنَظَرْنَا فِي الْآيَةِ فَوَجَدْنَا اللَّهَ - تَعَالَى - أَيْضًا يَقُولُ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ فَجَازَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ بِظَاهِرِ الْآيَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ اقْتَصَرْتُمْ عَلَى الْعَشَرَةِ فَقَطْ؟ قُلْنَا: لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي هَدْيِ فَرْضٍ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ؟ وَالثَّانِي: مَا رُوِّينَاهُ عَنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو الْأَحْوَصِ نَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَذَكَرَ حَدِيثَ حُنَيْنٍ " وَفِيهِ: «أَنَّهُ ﵇ قَسَمَ بَيْنَهُمْ وَعَدَلَ بَعِيرًا بِعَشْرِ شِيَاهٍ» .
قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ صَحَّ إجْمَاعُ الْمُخَالِفِينَ لَنَا مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ بِأَنَّ شَاةً تُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ فِي التَّمَتُّعِ، وَالْإِحْصَارِ، وَالتَّطَوُّعِ، وَقَدْ عَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ شِيَاهٍ بِبَعِيرٍ.
فَصَحَّ أَنَّ الشَّاةَ بِإِزَاءِ عُشْرِ الْبَعِيرِ جُمْلَةً؛ وَأَنَّ الْبَقَرَةَ كَالْبَعِيرِ فِي جَوَازِ الِاشْتِرَاكِ فِيهَا فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ فِيمَا ذَكَرْنَا.
فَصَحَّ أَنَّ الْبَعِيرَ وَالْبَقَرَةَ يُجْزِئَانِ عَمَّا يُجْزِئُ عَنْهُ عَشْرُ شِيَاهٍ، وَعَشْرُ شِيَاهٍ تُجْزِئُ عَنْ عَشْرَةٍ، فَالْبَعِيرُ، وَالْبَقَرَةُ يُجْزِئُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ عَشَرَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ.
وَبِهِ نَقُولُ لِمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ مِنْ اخْتِلَافِ أَغْرَاضِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْهَدْيِ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِأَنْ قَالُوا: إذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُرِيدُ نَصِيبَهُ لِلْبَيْعِ، أَوْ لِلْأَكْلِ لَا لِلْهَدْيِ فَلَمْ تَحْصُلْ الْبَدَنَةُ، وَلَا الْبَقَرَةُ مُذَكَّاةً لِلْهَدْيِ الْمَقْصُودِ بِهِ إلَى اللَّهِ .
وَحُجَّةُ زُفَرَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ الْهَدْيُ الْمَذْكُورُ إذَا اشْتَرَكَ فِيهِ الْمُحْصِرُ، وَالْمُتَمَتِّعُ، وَالْمُتَطَوِّعُ، وَالْقَارِنُ، فَلَمْ يَحْصُلْ مُذَكًّى لِمَا قَصَدَهُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَالذَّكَاةُ لَا تَتَبَعَّضُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا
стр. 1855
أَوْرَدْنَا أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنْهُمْ فِي الْهَدْيِ وَأَنَّهُ قَالَ ﵇: «الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ» فَعَمَّ ﵇ وَلَمْ يَخُصَّ مَنْ اتَّفَقَتْ أَغْرَاضُهُمْ مِمَّنْ اخْتَلَفَتْ؛ وَإِنَّمَا أُمِرْنَا فِي الْهَدْيِ بِالتَّذْكِيَةِ وَبِالنِّيَّةِ عَمَّا يَقْصِدُهُ الْمَرْءُ، وَقَدْ قَالَ ﵇: «وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَحَصَلَتْ الْبَدَنَةُ، وَالْبَقَرَةُ مُذَكَّاةٌ إذْ ذُكِّيَتْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِأَمْرِ مَالِكِهَا وَسَمَّى اللَّهَ - تَعَالَى - عَلَيْهَا؛ ثُمَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي حِصَّتِهِ مِنْهَا نِيَّةٌ، قَالَ : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَأَحْكَامُ جُمْلَتِهَا أَنَّهَا مُذَكَّاةٌ؛ وَحُكْمُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا مَا نَوَاهُ فِيهِ مَالِكُهُ، وَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ أَجْزَاءِ سَبْعَةٍ مِنْ الْبَقَرَةِ، أَوْ الْبَعِيرِ وَبَيْنَ سَبْعِ شِيَاهٍ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ أَغْرَاضُهُمْ مُتَّفِقَةً وَكَانَ سَبَبُهُمْ كُلُّهُمْ وَاحِدًا، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمَهُ وَأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ بَعْضِهِمْ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ بَعْضِهِمْ؛ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي حِصَّةِ الْمُتَقَبَّلِ مِنْهُ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُهْدِيَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَذْبَحَهُ أَوْ يَنْحَرَهُ مَتَى شَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُهْدِيَهُ، وَيَنْحَرَهُ إلَّا بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ؛ فَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ - تَعَالَى - عَلَى مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، لَا عَلَى مَنْ لَمْ يَتَمَتَّعْ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ [بِلَا شَكٍّ] فَهُوَ مَا لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ فَلَمْ يَتَمَتَّعْ بَعْدُ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَإِذْ لَمْ يَتَمَتَّعْ بَعْدُ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَالْهَدْيُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَنْ وَاجِبٍ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ فِي ذَلِكَ؛ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ فِي أَنَّهُ إنْ بَدَا لَهُ فَلَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ؛ فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ [عَلَيْهِ] هَدْيٌ بَعْدُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُهُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ عَمَّا يَكُونُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَأَمَّا ذَبْحُهُ وَنَحْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِأَنَّ هَذَا الْهَدْيَ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَنَا أَوَّلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ، وَلَمْ يَحُدَّ آخِرَ وَقْتَ وُجُوبِهِ بِحَدٍّ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ دَيْنٌ بَاقٍ أَبَدًا حَتَّى يُؤَدَّى؛ وَالْأَمْرُ بِهِ ثَابِتٌ حَتَّى يُؤَدَّى؛ وَمَنْ خَصَّهُ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ فَقَدْ قَالَ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مَا لَمْ يَقُلْهُ وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ هَدْيُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ بَلْ هُوَ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ سَاقِطٌ؛ وَالْعَجَبُ مِنْ تَجْوِيزِ أَبِي حَنِيفَةَ
стр. 1856
تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ وَإِجَازَةِ أَصْحَابِهِ لِمَنْ نَذَرَ صِيَامَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَصَامَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ قَبْلَهُ أَجْزَأَهُ ثُمَّ لَا يُجِيزُونَ هَدْيَ الْمُتْعَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يُجْزِئُ فِي كُلِّ بَلَدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَحُدَّ مَوْضِعَ أَدَائِهِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ - تَعَالَى - قَصْرَهُ عَلَى مَكَان دُونَ مَكَان لَبَيَّنَهُ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَلَمْ يَقُلْ فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ، وَلَا فِي هَدْيِ الْمُحْصِرِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
فَإِنْ قِيلَ: نَقِيسُ الْهَدْيَ عَلَى الْهَدْيِ فِي ذَلِكَ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ صَحَّحْتُمْ قِيَاسَكُمْ هَدْيَ الْمُتْعَةِ عَلَى هَدْيِ جَزَاءِ الصَّيْدِ لَزِمَكُمْ أَنْ تَقِيسُوهُ عَلَيْهِ فِي تَعْوِيضِ الْإِطْعَامِ مِنْ الْهَدْيِ وَالصِّيَامِ فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ هَذَا؛ فَظَهَرَ فَسَادُ قِيَاسِكُمْ وَتَنَاقُضُهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَكِنَّ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] .
فَجَاءَ النَّصُّ بِأَنَّ شَعَائِرَ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وَأَنَّ الْبُدْنَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ فِي أَنَّ حُكْمَ الْهَدْيِ كُلِّهِ كَحُكْمِ الْبُدْنِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَدْ نَحَرْتُ هُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» .
نَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ نَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا مُسَدَّدٌ نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عِنْدَ الْمَنْحَرِ: هَذَا الْمَنْحَرُ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ»
стр. 1857
«وَقَالَ ﵇ فِي مِنًى: هَذَا الْمَنْحَرُ، وَفِجَاجُ مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» فَصَحَّ أَنَّهُ حَيْثُمَا نُحِرَتْ الْبُدْنُ، وَالْإِهْدَاءُ مِنْ فِجَاجِ مَكَّةَ وَمِنًى - وَهُوَ الْحَرَمُ كُلُّهُ - فَقَدْ أَصَابَ النَّاحِرُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَحْرُ الْبُدْنِ وَالْهَدْيِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ إلَّا مَا خَصَّهُ النَّصُّ مِنْ هَدْيِ الْمُحْصِرِ، وَهَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا عَطِبَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَكَّةَ.
وَرُوِّينَا عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ قَالَا: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَدْيٍ فَهُوَ بِمَكَّةَ، وَالصِّيَامُ وَالْإِطْعَامُ حَيْثُ شِئْتَ - وَعَنْ مُجَاهِدٍ: انْحَرْ حَيْثُ شِئْت.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: وَمَنْ كَانَ أَهْلُهُ سَاكِنِينَ فِي الْحَرَمِ؟ فَلَا يَلْزَمُهُ فِي تَمَتُّعِهِ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ، وَهُوَ مُحْسِنٌ فِي تَمَتُّعِهِ - وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مُسِيءٌ فِي تَمَتُّعِهِ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
قَالَ عَلِيٌّ: فَقَالَ الْمُخَالِفُونَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرَادَ مَا قُلْتُمْ لَقَالَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ فَصَحَّ أَنَّ الْمُتْعَةَ إنَّمَا هِيَ لِغَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ كَمَا قَالُوا؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ أَوْ الصَّوْمَ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي التَّمَتُّعِ إنَّمَا هُوَ نُسُكٌ زَائِدٌ وَفَضِيلَةٌ وَلَيْسَ جَبْرًا لِنَقْصٍ كَمَا ظَنَّ مَنْ لَا يُحَقِّقُ؛ فَهُوَ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ.
بُرْهَانُ صِحَّةِ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، وَلَأَحْلَلْتُ» أَوْ كَمَا قَالَ ﵇؛ فَأَخْبَرَ ﵇ بِفَضْلِ الْمُتْعَةِ، وَأَنَّهَا أَفْضَلُ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَأَسْقَطَ اللَّهُ الْهَدْيَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالصَّوْمَ فِيهَا لِمَا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ، وَظَاهِرُهُ الرِّفْقُ بِهِمْ، لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَوْ كَلَّفَهُمْ ذَلِكَ لَكَانَ حَرَجًا عَلَيْهِمْ لِسُهُولَةِ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِمْ وَلِإِمْكَانِهَا لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ بِخِلَافِ أَهْلِ الْآفَاقِ.
وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وَيُبْطِلُ قَوْلَ الْمُخَالِفِ: أَنَّ الْآيَةَ لَوْ كَانَتْ كَمَا ظَنَّ لَحُرِّمَتْ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ
стр. 1858
عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ؛ وَهَذَا خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ الْحَضِّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَأَنَّهَا كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ.
رُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ نَا الْحَجَّاجُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ هَدْيٌ فِي الْمُتْعَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ، وَوَكِيعٌ، قَالَ هُشَيْمٌ: نَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: عَنْ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ: عَنْ الْحَسَنِ، وَقَالَ وَكِيعٌ: عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ؛ ثُمَّ اتَّفَقَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، قَالُوا كُلُّهُمْ: لَيْسَ عَلَى الْمَكِّيِّ هَدْيٌ فِي الْمُتْعَةِ وَمِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ؛ ثُمَّ اتَّفَقَ الزُّهْرِيُّ، وَعَطَاءٌ قَالَا جَمِيعًا فِي الْمَكِّيِّ يَمُرُّ بِالْمِيقَاتِ فَيَعْتَمِرُ مِنْهُ: إنَّهُ لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ - وَبِهَذَا نَقُولُ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إذَا خَرَجَ الْمَكِّيُّ إلَى الْمِيقَاتِ فَتَمَتَّعَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - وَزَعَمَ الْمَالِكِيُّونَ: أَنَّ الْهَدْيَ إنَّمَا جُعِلَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ لِإِسْقَاطِهِ سَفَرَ الْحَجِّ إلَى مَكَّةَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ بَحْتٌ، وَالْعَجَبُ مِنْ تَسْهِيلِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ الْفَاسِدِ الَّذِي يَفْتَضِحُونَ بِهِ مِنْ قُرْبٍ، وَيُقَالُ لَهُمْ: هَذِهِ الْعِلَّةُ نَفْسُهَا مَوْجُودَةٌ فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ فَقَدْ أَسْقَطَ أَحَدَ السَّفَرَيْنِ، وَأَنْتُمْ لَا تَرَوْنَ عَلَيْهِ هَدْيًا وَلَا صَوْمًا، ثُمَّ تَقُولُونَ فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ خَرَجَ إلَى مَا وَرَاءَ أَبْعَدِ الْمَوَاقِيتِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، أَوْ الشَّامِ، أَوْ الْعِرَاقِ: أَنَّهُ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ، وَلَمْ يَسْقُطْ أَحَدُ السَّفَرَيْنِ، وَيَقُولُونَ فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ لَا يُرِيدُ حَجًّا، وَكَانَتْ حَاجَتُهُ بِعُسْفَانَ، أَوَبِبَطْنٍ؛ فَلَمَّا صَارَ بِهَا بَدَا لَهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَحَجَّ بَعْدَ أَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ: فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَدْ أَسْقَطَ السَّفَرَيْنِ
стр. 1859
إلَى الْحَجِّ، وَإِلَى الْعُمْرَةِ أَيْضًا؛ وَلَعَمْرِي مَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَهُ دِينٌ، أَوْ عَقْلٌ أَنْ يُطْلِقَ عَنْ اللَّهِ - تَعَالَى - مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - نَتَأَيَّدُ.
[الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ الْهَدْيُ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا -: وَالْمُتَمَتِّعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ الْهَدْيُ هُوَ مَنْ ابْتَدَأَ عُمْرَتَهُ بِأَنْ يُحْرِمَ لَهَا فِي أَحَدِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا، وَيُتِمَّ عُمْرَتَهُ ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ سَوَاءٌ رَجَعَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ إلَى مَنْزِلِهِ أَوْ إلَى أُفُقٍ أَبْعَدَ مِنْ مَنْزِلِهِ، أَوْ مِثْلِهِ أَوْ أَقْرَبَ مِنْهُ، أَوْ أَقَامَ بِمَكَّةَ، اعْتَمَرَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ عُمَرًا كَثِيرَةً أَوْ لَمْ يَعْتَمِرْ؛ فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَلَا صَوْمَ إنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، أَقَامَ بِمَكَّةَ أَوْ لَمْ يُقِمْ عَمِلَ بَعْضَ عُمْرَتِهِ أَكْثَرَهَا أَوْ أَقَلَّهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَوْ لَمْ يَعْمَلْ مِنْهَا شَيْئًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَّا أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَكُونَ مُتَمَتِّعًا -: فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْد قَالَ: سَمِعْت ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَيْسَ بِاَلَّذِي تَصْنَعُونَ يَتَمَتَّعُ أَحَدُكُمْ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ، وَلَكِنَّ الْحَاجَّ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ أَوْ ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ أَوْ كُسِرَ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهَا عُمْرَةً، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: الْمُتْعَةُ لِمَنْ أُحْصِرَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُتَمَتِّعُ هُوَ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَيِّ - أَشْهُرِ السَّنَةِ كَانَتْ عُمْرَتُهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَهَذَا عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ؛ وَكَذَلِكَ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَمْ يَحُجَّ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ إلَى الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ.
стр. 1860
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إذَا خَرَجَ الْمَكِّيُّ إلَى الْمِيقَاتِ فَاعْتَمَرَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ الْمُتَمَتِّعُ إلَّا مِنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا الْعُمَرِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ حَفْصٌ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ وَكِيعٌ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَا جَمِيعًا: مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، ذَاكَ مَنْ أَقَامَ وَلَمْ يَرْجِعْ.
وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ الْمُغِيرَةُ: عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ يَحْيَى: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَا جَمِيعًا: مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُتَمَتِّعُ هُوَ مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا قَبْلَهَا، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَإِنْ خَرَجَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ إلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ مِنْ مَكَّةَ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ حَتَّى يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يُهِلُّ فِيهِ فَإِذَا سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنَّ الْمُتَمَتِّعَ مَنْ طَافَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ
следующие страницы →