Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ وَإِجَازَةِ أَصْحَابِهِ لِمَنْ نَذَرَ صِيَامَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَصَامَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ قَبْلَهُ أَجْزَأَهُ ثُمَّ لَا يُجِيزُونَ هَدْيَ الْمُتْعَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يُجْزِئُ فِي كُلِّ بَلَدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَحُدَّ مَوْضِعَ أَدَائِهِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ - تَعَالَى - قَصْرَهُ عَلَى مَكَان دُونَ مَكَان لَبَيَّنَهُ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَلَمْ يَقُلْ فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ، وَلَا فِي هَدْيِ الْمُحْصِرِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
فَإِنْ قِيلَ: نَقِيسُ الْهَدْيَ عَلَى الْهَدْيِ فِي ذَلِكَ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ صَحَّحْتُمْ قِيَاسَكُمْ هَدْيَ الْمُتْعَةِ عَلَى هَدْيِ جَزَاءِ الصَّيْدِ لَزِمَكُمْ أَنْ تَقِيسُوهُ عَلَيْهِ فِي تَعْوِيضِ الْإِطْعَامِ مِنْ الْهَدْيِ وَالصِّيَامِ فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ هَذَا؛ فَظَهَرَ فَسَادُ قِيَاسِكُمْ وَتَنَاقُضُهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَكِنَّ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] .
فَجَاءَ النَّصُّ بِأَنَّ شَعَائِرَ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وَأَنَّ الْبُدْنَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ فِي أَنَّ حُكْمَ الْهَدْيِ كُلِّهِ كَحُكْمِ الْبُدْنِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَدْ نَحَرْتُ هُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» .
نَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ نَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا مُسَدَّدٌ نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عِنْدَ الْمَنْحَرِ: هَذَا الْمَنْحَرُ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ»
стр. 1857
«وَقَالَ ﵇ فِي مِنًى: هَذَا الْمَنْحَرُ، وَفِجَاجُ مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» فَصَحَّ أَنَّهُ حَيْثُمَا نُحِرَتْ الْبُدْنُ، وَالْإِهْدَاءُ مِنْ فِجَاجِ مَكَّةَ وَمِنًى - وَهُوَ الْحَرَمُ كُلُّهُ - فَقَدْ أَصَابَ النَّاحِرُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَحْرُ الْبُدْنِ وَالْهَدْيِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ إلَّا مَا خَصَّهُ النَّصُّ مِنْ هَدْيِ الْمُحْصِرِ، وَهَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا عَطِبَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَكَّةَ.
وَرُوِّينَا عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ قَالَا: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَدْيٍ فَهُوَ بِمَكَّةَ، وَالصِّيَامُ وَالْإِطْعَامُ حَيْثُ شِئْتَ - وَعَنْ مُجَاهِدٍ: انْحَرْ حَيْثُ شِئْت.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: وَمَنْ كَانَ أَهْلُهُ سَاكِنِينَ فِي الْحَرَمِ؟ فَلَا يَلْزَمُهُ فِي تَمَتُّعِهِ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ، وَهُوَ مُحْسِنٌ فِي تَمَتُّعِهِ - وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مُسِيءٌ فِي تَمَتُّعِهِ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
قَالَ عَلِيٌّ: فَقَالَ الْمُخَالِفُونَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرَادَ مَا قُلْتُمْ لَقَالَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ فَصَحَّ أَنَّ الْمُتْعَةَ إنَّمَا هِيَ لِغَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ كَمَا قَالُوا؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ أَوْ الصَّوْمَ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي التَّمَتُّعِ إنَّمَا هُوَ نُسُكٌ زَائِدٌ وَفَضِيلَةٌ وَلَيْسَ جَبْرًا لِنَقْصٍ كَمَا ظَنَّ مَنْ لَا يُحَقِّقُ؛ فَهُوَ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ.
بُرْهَانُ صِحَّةِ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، وَلَأَحْلَلْتُ» أَوْ كَمَا قَالَ ﵇؛ فَأَخْبَرَ ﵇ بِفَضْلِ الْمُتْعَةِ، وَأَنَّهَا أَفْضَلُ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَأَسْقَطَ اللَّهُ الْهَدْيَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالصَّوْمَ فِيهَا لِمَا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ، وَظَاهِرُهُ الرِّفْقُ بِهِمْ، لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَوْ كَلَّفَهُمْ ذَلِكَ لَكَانَ حَرَجًا عَلَيْهِمْ لِسُهُولَةِ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِمْ وَلِإِمْكَانِهَا لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ بِخِلَافِ أَهْلِ الْآفَاقِ.
وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وَيُبْطِلُ قَوْلَ الْمُخَالِفِ: أَنَّ الْآيَةَ لَوْ كَانَتْ كَمَا ظَنَّ لَحُرِّمَتْ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ
стр. 1858
عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ؛ وَهَذَا خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ الْحَضِّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَأَنَّهَا كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ.
رُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ نَا الْحَجَّاجُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ هَدْيٌ فِي الْمُتْعَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ، وَوَكِيعٌ، قَالَ هُشَيْمٌ: نَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: عَنْ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ: عَنْ الْحَسَنِ، وَقَالَ وَكِيعٌ: عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ؛ ثُمَّ اتَّفَقَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، قَالُوا كُلُّهُمْ: لَيْسَ عَلَى الْمَكِّيِّ هَدْيٌ فِي الْمُتْعَةِ وَمِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ؛ ثُمَّ اتَّفَقَ الزُّهْرِيُّ، وَعَطَاءٌ قَالَا جَمِيعًا فِي الْمَكِّيِّ يَمُرُّ بِالْمِيقَاتِ فَيَعْتَمِرُ مِنْهُ: إنَّهُ لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ - وَبِهَذَا نَقُولُ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إذَا خَرَجَ الْمَكِّيُّ إلَى الْمِيقَاتِ فَتَمَتَّعَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - وَزَعَمَ الْمَالِكِيُّونَ: أَنَّ الْهَدْيَ إنَّمَا جُعِلَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ لِإِسْقَاطِهِ سَفَرَ الْحَجِّ إلَى مَكَّةَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ بَحْتٌ، وَالْعَجَبُ مِنْ تَسْهِيلِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ الْفَاسِدِ الَّذِي يَفْتَضِحُونَ بِهِ مِنْ قُرْبٍ، وَيُقَالُ لَهُمْ: هَذِهِ الْعِلَّةُ نَفْسُهَا مَوْجُودَةٌ فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ فَقَدْ أَسْقَطَ أَحَدَ السَّفَرَيْنِ، وَأَنْتُمْ لَا تَرَوْنَ عَلَيْهِ هَدْيًا وَلَا صَوْمًا، ثُمَّ تَقُولُونَ فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ خَرَجَ إلَى مَا وَرَاءَ أَبْعَدِ الْمَوَاقِيتِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، أَوْ الشَّامِ، أَوْ الْعِرَاقِ: أَنَّهُ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ، وَلَمْ يَسْقُطْ أَحَدُ السَّفَرَيْنِ، وَيَقُولُونَ فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ لَا يُرِيدُ حَجًّا، وَكَانَتْ حَاجَتُهُ بِعُسْفَانَ، أَوَبِبَطْنٍ؛ فَلَمَّا صَارَ بِهَا بَدَا لَهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَحَجَّ بَعْدَ أَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ: فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَدْ أَسْقَطَ السَّفَرَيْنِ
стр. 1859
إلَى الْحَجِّ، وَإِلَى الْعُمْرَةِ أَيْضًا؛ وَلَعَمْرِي مَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَهُ دِينٌ، أَوْ عَقْلٌ أَنْ يُطْلِقَ عَنْ اللَّهِ - تَعَالَى - مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - نَتَأَيَّدُ.
[الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ الْهَدْيُ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا -: وَالْمُتَمَتِّعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ الْهَدْيُ هُوَ مَنْ ابْتَدَأَ عُمْرَتَهُ بِأَنْ يُحْرِمَ لَهَا فِي أَحَدِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا، وَيُتِمَّ عُمْرَتَهُ ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ سَوَاءٌ رَجَعَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ إلَى مَنْزِلِهِ أَوْ إلَى أُفُقٍ أَبْعَدَ مِنْ مَنْزِلِهِ، أَوْ مِثْلِهِ أَوْ أَقْرَبَ مِنْهُ، أَوْ أَقَامَ بِمَكَّةَ، اعْتَمَرَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ عُمَرًا كَثِيرَةً أَوْ لَمْ يَعْتَمِرْ؛ فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَلَا صَوْمَ إنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، أَقَامَ بِمَكَّةَ أَوْ لَمْ يُقِمْ عَمِلَ بَعْضَ عُمْرَتِهِ أَكْثَرَهَا أَوْ أَقَلَّهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَوْ لَمْ يَعْمَلْ مِنْهَا شَيْئًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَّا أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَكُونَ مُتَمَتِّعًا -: فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْد قَالَ: سَمِعْت ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَيْسَ بِاَلَّذِي تَصْنَعُونَ يَتَمَتَّعُ أَحَدُكُمْ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ، وَلَكِنَّ الْحَاجَّ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ أَوْ ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ أَوْ كُسِرَ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهَا عُمْرَةً، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: الْمُتْعَةُ لِمَنْ أُحْصِرَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُتَمَتِّعُ هُوَ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَيِّ - أَشْهُرِ السَّنَةِ كَانَتْ عُمْرَتُهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَهَذَا عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ؛ وَكَذَلِكَ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَمْ يَحُجَّ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ إلَى الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ.
стр. 1860
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إذَا خَرَجَ الْمَكِّيُّ إلَى الْمِيقَاتِ فَاعْتَمَرَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ الْمُتَمَتِّعُ إلَّا مِنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا الْعُمَرِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ حَفْصٌ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ وَكِيعٌ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَا جَمِيعًا: مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، ذَاكَ مَنْ أَقَامَ وَلَمْ يَرْجِعْ.
وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ الْمُغِيرَةُ: عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ يَحْيَى: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَا جَمِيعًا: مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُتَمَتِّعُ هُوَ مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا قَبْلَهَا، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَإِنْ خَرَجَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ إلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ مِنْ مَكَّةَ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ حَتَّى يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يُهِلُّ فِيهِ فَإِذَا سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنَّ الْمُتَمَتِّعَ مَنْ طَافَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ
стр. 1861
مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَطُوفُ فِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: أَحْرَمْنَا بِالْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فِي شَوَّالٍ فَسَأَلْنَا الْفُقَهَاءَ - وَالنَّاسُ مُتَوَافِرُونَ - فَكُلُّهُمْ قَالَ: هِيَ مُتْعَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَطَرٍ عَنْ مَطَرٍ بِصَلَاتِهِ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِيمَنْ أَهَلَّ فِي رَمَضَانَ وَطَافَ فِي شَوَّالٍ قَالَا جَمِيعًا: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي طَافَ فِيهِ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ وَبَعْدَ أَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا؛ فَإِنْ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَهُوَ كُلُّهُ قَوْلُ سُفْيَانَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ فَدَخَلَ الْحَرَمَ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بَعْدَ هِلَالِ شَوَّالٍ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إذَا حَجَّ مِنْ عَامِهِ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ مَعْمَرٌ: عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إذَا دَخَلَ الْمُحْرِمُ الْحَرَمَ قَبْلَ أَنْ يَرَى هِلَالَ شَوَّالٍ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بَعْدَ أَنْ يَرَى هِلَالَ شَوَّالٍ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إذَا مَكَثَ إلَى الْحَجِّ - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِثْلَ قَوْلِنَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ الْحَجِّ فَقَدْ اسْتَمْتَعَ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، أَوْ الصِّيَامُ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا -: وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سَيْفٍ عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ أَنَّ قَوْمًا اعْتَمَرُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى الْمَدِينَةِ فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَيْهِمْ الْهَدْيُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي مَنْ قَدِمَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ مُعْتَمِرًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا حَتَّى يَأْتِيَ مِنْ مِيقَاتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، قُلْت لَهُ: أَرَأْيٌ أَمْ عِلْمٌ؟ قَالَ: بَلْ عِلْمٌ.
стр. 1862
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا وَافَقْنَا عَطَاءً فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْمُتَمَتِّعُ إلَّا مَنْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا فِي قَوْلِهِ: إنَّ مَنْ قَدِمَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ مُحْرِمًا ثُمَّ اعْتَمَرَ ثُمَّ حَلَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَنَّهُ لَيْسَ مُتَمَتِّعًا، بَلْ هُوَ مُتَمَتِّعٌ إنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي أَهَلَّ فِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ، وَأَبُو عَوَانَةَ، قَالَ أَبُو عَوَانَةَ: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَ هُشَيْمٌ: أَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَسَنُ وَسَعِيدٌ قَالَا: فِي الْمُتَمَتِّعِ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى بِلَادِهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ [أُخْرَى] : إنْ أَحْرَمَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَطَافَ مِنْ عُمْرَتِهِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ أَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَأَتَمَّ عُمْرَتَهُ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَوْ لَمْ يُقِمْ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَى بَلَدِهِ أَوْ أَهَلَّ بِعُمْرَتِهِ كَذَلِكَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ، فَمَا دُونِهَا فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ، فَإِنْ أَهَلَّ بِعُمْرَتِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَطَافَ مِنْ عُمْرَتِهِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، ثُمَّ أَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَوَافَقَهُ أَبُو يُوسُفَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَجَعَ إلَى مَا وَرَاءَ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا، وَقَالُوا: مَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَلَا هَدْيَ مَعَهُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ إذَا أَتَمَّ عُمْرَتَهُ، فَإِنْ كَانَ أَتَى بِهَدْيِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ الْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنْ حَلَّ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ لِإِحْلَالِهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ شَيْءٌ وَإِنْ قَلَّ فَأَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَوْ رَجَعَ إلَى أُفُقٍ دُونَ أُفُقِهِ فِي الْبُعْدِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ أَتَمَّ عُمْرَتَهُ فِي رَمَضَانَ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا - وَكَذَلِكَ الَّذِي يَعْتَمِرُ فِي شَهْرٍ مِنْ شُهُورِ الْحَجِّ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى أُفُقِهِ أَوْ أُفُقٍ مِثْلِ أُفُقِهِ فِي الْبُعْدِ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَنْ اعْتَمَرَ أَكْثَرَ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ خَرَجَ إلَى مَا دُونَ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إذَا حَجَّ مِنْ عَامِهِ؛ فَإِنْ خَرَجَ إلَى مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ أَوْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَقْسِيمِهِ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْوَاطِ وَالْأَقَلِّ فِيمَا يَكُونُ بِهِ مُتَمَتِّعًا، فَقَوْلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ
стр. 1863
صَحِيحَةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ؛ وَلَا قِيَاسٍ.
وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِأَنَّهُ عَوَّلَ عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ فِي الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ أَنْ طَافَتْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ غَيْرُ الْمُتْعَةِ، وَقَوْلُ عَطَاءٍ أَيْضًا فِيهَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ «أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : الْحَائِضَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ» وَلِأَنَّهُ تَقْسِيمٌ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ الْمُعْتَمِرَ - الَّذِي مَعَهُ الْهَدْيُ - الْمُرِيدَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ فَإِنَّهُ بَنَى عَلَى الْآثَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِأَمْرِهِ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِالْبَقَاءِ عَلَى إحْرَامِهِ، وَمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالْإِحْلَالِ؛ وَالِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْآثَارِ لِقَوْلٍ أَبِي حَنِيفَةَ جَهْلٌ مُظْلِمٌ وَقَوْلٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ تَعَمُّدٌ - مِمَّنْ يَعْلَمُ الْكَذِبَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكِلَاهُمَا بَلِيَّةٌ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ تِلْكَ الْآثَارِ إنَّمَا وَرَدَتْ بِأَنَّهُ ﵇ أَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ مِنْ الْمُفْرِدِينَ لِلْحَجِّ وَالْقَارِنِينَ بِالْإِحْلَالِ، وَأَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِأَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ؛ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ مُعْتَمِرًا لَمْ يُقْرِنْ بِالْبَقَاءِ عَلَى إحْرَامِهِ؛ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي ذِكْرِنَا عَمَلَ الْحَجِّ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ بَقَاءِ شَيْءٍ مِنْ السَّعْيِ لِعُمْرَتِهِ حَتَّى يَهُلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا لَهُ أَيْضًا مُتَعَلَّقٌ فِي ذَلِكَ لَا بِقُرْآنٍ، وَلَا بِسُنَّةٍ، وَلَا بِرِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ وَلَا قِيَاسٍ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا: لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هِيَ آرَاءٌ مَحْضَةٌ فَوَجَبَ النَّظَرُ فِي سَائِرِ الْأَقْوَالِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ -: أَحَدُهَا: مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَالثَّانِي: مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ أَوْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْ بَلَدِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ؛ وَالثَّالِثُ: مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ؛ وَالرَّابِعُ: هَلْ الْمُتَمَتِّعُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ كَمَا قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَمْ لَيْسَ هَذَا مُتَمَتِّعًا؟ -: فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ هَذَا فَوَجَدْنَا غَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ [﵃] قَدْ خَالَفُوهُ؛ وَوَجَدْنَاهُ قَوْلًا بِلَا دَلِيلٍ؛ بَلْ الدَّلِيلُ قَائِمٌ عَلَى خَطَئِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَمَّى مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إدْرَاكِ الْحَجِّ حَتَّى فَاتَ وَقْتُهُ: مُحْصَرًا، وَلَمْ يُسَمِّهِ: مُتَمَتِّعًا - وَفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِهِ
стр. 1864
وَبَيْنَ حُكْمِ الْمُتَمَتِّعِ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَفَرَّقَ - تَعَالَى - بَيْنَ اسْمَيْهِمَا وَبَيْنَ حُكْمَيْهِمَا؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ طَاوُسٍ: إنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَوَجَدْنَاهُ خَطَأً؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَصَحَّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَيْسَ مُتَمَتِّعًا إلَّا مَنْ حَجَّ بَعْدَ عُمْرَتِهِ لِوُجُوبِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَوْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَوْ اعْتَمَرَ بَعْضَ عُمْرَتِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَقَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا، وَبَعْضَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَقَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا، وَفِيمَنْ أَقَامَ مِنْ هَؤُلَاءِ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَمْ يُقِمْ لَكِنْ خَرَجَ إلَى مَسَافَةٍ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ أَوْ لَا تُقْصَرُ، أَوْ إلَى مِيقَاتٍ أَوْ وَرَاءَ مِيقَاتٍ إلَى بَلَدِهِ أَوْ مِثْلِ بَلَدِهِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْ بَلَدِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَكَانَ كُلُّ هَؤُلَاءِ مُمْكِنًا فِي اللُّغَةِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ: مُتَمَتِّعٌ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَمُمْكِنًا أَنْ لَا يَقَعَ عَلَيْهِ أَيْضًا اسْمُ: مُتَمَتِّعٌ - فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوقِعَ عَلَى أَحَدٍ إيجَابُ غَرَامَةِ هَدْيٍ أَوْ إيجَابُ صَوْمٍ بِالظَّنِّ إلَّا بِبَيَانٍ جَلِيٍّ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَلْزَمَهُ ذَلِكَ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى بَيَانِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ -: فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نَا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ الْهَدْيَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ
стр. 1865
حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَقْصُرْ وَيَحِلَّ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ؛ فَكَانَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ مَنْ هُوَ الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ الْمَذْكُورُ؟ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا أَمَرَ بِهَذَا أَصْحَابَهُ الْمُتَمَتِّعِينَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَهُمْ قَوْمٌ ابْتَدَءُوا الْإِحْرَامَ لِعُمْرَتِهِمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجُّوا فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ - فَخَرَجَ بِهَذَا الْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ كُلُّ مَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ عُمْرَتِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كُلِّهَا أَوْ أَكْثَرِهَا أَوْ أَقَلِّهَا؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يُخَاطِبْ بِهَذَا الْحُكْمِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِلَا شَكٍّ وَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ فِي أَمْرِ هَؤُلَاءِ بِيَقِينٍ.
وَأَيْضًا فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ: إنْ عَمِلَ الْأَكْثَرَ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ: مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا؟ دُونَ أَنْ يَقُولَ: إنَّ مَنْ عَمِلَ مِنْهَا شَيْئًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ؛ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ؟ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ هُوَ الْأَكْثَرُ؟ بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ عِنْدَك وَعِنْدَنَا إحْرَامُ مُدَّةٍ ثُمَّ سَبْعَةِ أَشْوَاطٍ، ثُمَّ سَبْعَةِ أَطَوَافً بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ فَالْبَاقِي بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْوَاطِ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِمَّا مَضَى لَهُ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ.
وَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ: إنْ عَمِلَ مِنْ عُمْرَتِهِ شَيْئًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا؟ دُونَ أَنْ تَقُولَ: إنْ عَمِلَ الْأَكْثَرَ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ؛ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَلِيلٍ أَصْلًا؛ وَكِلْتَا الدَّعْوَتَيْنِ تُعَارِضُ الْأُخْرَى، وَكِلْتَاهُمَا لَا شَيْءَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَبَقِيَ أَمْرُ مَنْ خَرَجَ بَعْدَ اعْتِمَارِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَى بَلَدِهِ أَوْ إلَى بَلَدٍ فِي الْبُعْدِ مِثْلِ بَلَدِهِ، أَوْ إلَى وَرَاءِ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ، أَوْ إلَى مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ، أَوْ إلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ -: فَوَجَدْنَا هَذَا الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُبَيِّنِ عَنْ اللَّهِ - تَعَالَى - مُرَادَهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ عَلَى مَنْ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ إقَامَةً بِمَكَّةَ وَتَرْكَ خُرُوجٍ مِنْهَا أَصْلًا ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَلَوْ كَانَ هَذَا
стр. 1866
مِنْ شَرْطِ التَّمَتُّعِ لَمَا أَغْفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيَانَهُ حَتَّى نَحْتَاجَ فِي ذَلِكَ إلَى بَيَانٍ بِرَأْيٍ فَاسِدٍ، وَظَنٍّ كَاذِبٍ، وَتَدَافُعٍ مِنْ الْأَقْوَالِ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَقَوْلُهُ ﷺ فِي هَذَا الْخَبَرِ الثَّابِتِ: «وَيَحِلَّ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ» بَيَانٌ بِإِبَاحَةِ الْمُهْلَةِ بَيْنَ الْإِحْلَالِ وَالْإِهْلَالِ؛ وَلَا مَانِعَ لِمَنْ عَرَضَتْ لَهُ مِنْهُمْ ﵃ حَاجَةٌ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ مَكَّةَ لَهَا - فَبَطَلَ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ مِنْ شُرُوطِ التَّمَتُّعِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَصَحَّ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ بِنَصِّ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ هُوَ مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ يُقَالُ لِمَنْ قَالَ: إنْ خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْهَدْيُ وَالصَّوْمُ اللَّذَانِ افْتَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَحَدَهُمَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ: مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ قَالَ: إنْ خَرَجَ إلَى بَلَدٍ مِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ؟ وَهَكَذَا يُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ: إنْ خَرَجَ إلَى بَلَدٍ فِي الْبُعْدِ مِثْلِ بَلَدِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا؟ وَهَلَّا خَصَّصَتْ بِسُقُوطِ التَّمَتُّعِ مَنْ خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ فَقَطْ؛ وَيُقَالُ لَهُمَا جَمِيعًا: هَلَّا قُلْتُمَا مَنْ خَرَجَ إلَى وَرَاءِ مِيقَاتٍ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ؟ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا مَخْلَصَ لَهُمْ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ أَصْلًا إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ؟ فَنَقُولُ لِمَنْ قَالَ هَذَا: قُلْت الْبَاطِلَ، وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - قَطُّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ وَلَا مِنْ مِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ وَلَا مِنْ مِيقَاتٍ وَلَا بُدَّ؛ بَلْ أَنْتُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ الِاسْتِطَاعَةِ لِلْحَجِّ لَوْ خَرَجَ تَاجِرًا أَوْ مُسَافِرًا لِبَعْضِ الْأَمْرِ قَبْلَ مِقْدَارٍ مَا إنْ أَرَادَ الْحَجَّ كَانَتْ لَهُ مُهْلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَقْتِ الَّذِي إذَا أَهَلَّ [فِيهِ] أَدْرَكَ الْحَجَّ عَلَى سَعَةٍ وَمَهْلٍ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى مَكَّةَ حِينَئِذٍ أَصْلًا، وَأَنَّهُ إنْ قَرُبَ مِنْ مَكَّةَ لِحَاجَتِهِ فَقَرُبَ وَقْتُ الْحَجِّ وَهُوَ بِمُسْتَطِيعٍ لَهُ فَحَجَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِأَتَمِّ مَا يَلْزَمُهُ، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَأْتِ لِلْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ أَصْلًا.
وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِيمَنْ جَازَ عَلَى مِيقَاتٍ لَا يُرِيدُ حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً، وَلَا دُخُولَ مَكَّةَ لَكِنْ لِحَاجَةٍ لَهُ فِي رِهَاطٍ أَوْ فِي بُسْتَانِ ابْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِهْلَالُ مِنْ هُنَالِكَ، وَأَنَّهُ إنْ
стр. 1867
بَدَا لَهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقَدْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَإِنَّهُ يُهِلُّ مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، وَحَجُّهُ تَامٌّ وَعُمْرَتُهُ تَامَّةٌ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَلْزَمُهُ.
فَصَحَّ أَنَّ الْقَصْدَ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ مِنْ بَلَدِ الْإِنْسَانِ، أَوْ مِنْ مِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ، أَوْ مِنْ الْمِيقَاتِ لِمَنْ لَمْ يَمُرَّ بِهِ، وَهُوَ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْحَجِّ، وَلَا الْعُمْرَةِ - فَبَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الْفَاسِدَةُ جِدًّا، وَكَانَ تَعَارُضُهَا وَتَوَافُقُهَا بُرْهَانًا فِي فَسَادِ جَمِيعِهَا، فَإِنْ قَالَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ إنْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَوَاقِيتِ لَيْسَ لَهُمْ التَّمَتُّعُ؟ قُلْنَا لَهُ: قَدْ قُلْتَ الْبَاطِلَ، وَاحْتَجَجْت لِلْخَطَأِ بِالْخَطَأِ، وَلِدَعْوَى كَاذِبَةٍ، وَكَفَى بِهَذَا مَقْتًا.
فَإِنْ قَالَ: إنَّ أَهْلَ الْمَوَاقِيتِ فَمَا دُونَهَا إلَى مَكَّةَ لَا هَدْيَ عَلَيْهِمْ وَلَا صَوْمَ فِي التَّمَتُّعِ؟ قُلْنَا: قُلْت الْبَاطِلَ وَادَّعَيْت مَا لَا يَصِحُّ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَك لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْك؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا هَدْيَ عَلَيْهِمْ، وَلَا صَوْمَ فِي التَّمَتُّعِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَحُجَّ كَذَلِكَ، بَلْ الْهَدْيُ عَلَيْهِ، أَوْ الصَّوْمُ؛ فَهَلَّا إذْ كَانَ عِنْدَك مَنْ خَرَجَ إلَى مِيقَاتٍ فَمَا دُونَهُ إلَى مَكَّةَ يَصِيرُ فِي حُكْمِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي سُقُوطِ الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ عَلَيْهِ، جَعَلْت أَيْضًا الْمُقِيمَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ فِي حُكْمِ أَهْلِ مَكَّةَ فِي سُقُوطِ الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ عَنْهُمَا - فَظَهَرَ تَنَاقُضُ هَذَا الْقَوْلِ الْفَاسِدِ أَيْضًا.
ثُمَّ يُقَالُ لِمَنْ قَالَ: إنْ خَرَجَ إلَى مَكَان تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، سَقَطَ عَنْهُ الْهَدْيُ وَالصَّوْمُ: مِنْ أَيْنَ قُلْت هَذَا؟ وَلَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ أَصْلًا.
فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ سَافَرَ إلَى الْحَجِّ؟ قُلْنَا: نَعَمْ فَكَانَ مَاذَا؟ وَمَا الَّذِي جَعَلَ سَفَرَهُ مُسْقِطًا لِلْهَدْيِ، وَالصَّوْمِ اللَّذَيْنِ أَوْجَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ؟ هَاتُوا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِنْ هَذَا الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا غَلِطَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ فِي إيجَابِهِمْ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ: أَنْ يَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِي الْخَبَرِ ﵁ وَإِنْ
стр. 1868
كَانَ قَالَ فِي أَوَّلِهِ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَإِنَّهُ بَيَّنَ إثْرَ هَذَا الْكَلَامِ صِفَةَ «عَمَلِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ أَنَّهُ ﵇ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» فَذَكَرَ صِفَةَ الْقِرَانِ.
وَهَكَذَا صَحَّ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ مِنْ رِوَايَةِ الْبَرَاءِ، وَعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَسٍ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ ﵇ كَانَ قَارِنًا.
فَصَحَّ أَنَّ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ ﵇ إذْ أَهْدَوْا بِأَنْ لَا يَحِلُّوا إنَّمَا كَانُوا قَارِنِينَ - وَهَكَذَا رَوَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ «أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِأَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ مَعَ عُمْرَتِهِ» فَعَادَ احْتِجَاجُهُمْ عَلَيْهِمْ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَابْتَدَأَ عُمْرَتَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ إلَى أَنْ حَجَّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، أَوْ الصَّوْمُ - وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إذَا أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَإِذَا خَرَجَ بَيْنَ عُمْرَتِهِ، وَحَجِّهِ مِنْ مَكَّةَ أَمُتَمَتِّعٌ [هُوَ] أَمْ لَا؟ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْمُتَمَتِّعِ؟ قُلْنَا: هَذَا خَطَأٌ، وَمَا أَجْمَعَ النَّاسُ قَطُّ عَلَى مَا قُلْتُمْ؛ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ هُوَ الْمُحْصَرُ لَا مَنْ حَجَّ بَعْدَ أَنْ اعْتَمَرَ، وَلَا مَعْنَى لِمُرَاعَاةِ الْإِجْمَاعِ مَعَ وُرُودِ بَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا إيجَابَ مُخَالَفَةِ أَوَامِرِهِ ﵇ مَا لَمْ يُجْمِعْ النَّاسُ عَلَيْهَا؛ وَهَذَا عَيْنُ الْبَاطِلِ بَلْ إذَا تَنَازَعَ النَّاسُ رَدَدْنَا ذَلِكَ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْنَا الرَّدَّ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ لَا نُرَاعِي مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ بَيَانِ السُّنَّةِ فِي أَحَدِ أَقْوَالِ الْمُتَنَازِعِينَ وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[الْوُقُوفُ بِالْهَدْيِ بِعَرَفَةَ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا يَجِبُ الْوُقُوفُ بِالْهَدْيِ بِعَرَفَةَ فَإِنْ وَقَفَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَإِلَّا فَحَسَنٌ؛ فَإِنَّ مَالِكًا وَمَنْ قَلَّدَهُ قَالَ: لَا يُجْزِئُ مِنْ الْهَدْيِ الَّذِي يُبْتَاعُ فِي الْحَرَمِ إلَّا أَنْ يُوقَفَ بِعَرَفَةَ وَلَا بُدَّ؛ وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ إنْ كَانَ وَاجِبًا؛ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلَمْ يُوقَفْ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُنْحَرُ بِمَكَّةَ وَلَا بُدَّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْحَرَ بِمِنًى، فَإِنْ اُبْتِيعَ الْهَدْيُ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أُدْخِلَ الْحَرَمَ أَجْزَأَ، وَإِنْ لَمْ يُوقَفْ بِعَرَفَةَ - وَالْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا يَكُونُ هَدْيًا إلَّا مَا قَلَّدَ وَأَشْعَرَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ -:
стр. 1869
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسُفْيَانُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَا مَعْنَى لِلتَّعْرِيفِ بِالْهَدْيِ سَوَاءٌ اُبْتِيعَ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي الْحِلِّ، إنْ عَرَّفَ فَجَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْ فَجَائِزٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَمَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا قَبْلَهُ وَلَا مَعَهُ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا أَصْلًا لَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ سَلَفٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ مَعْنَى.
وَأَمَّا قَوْلُ اللَّيْثِ فَإِنَّهُ يُحْتَجُّ لَهُ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، وَإِسْرَائِيلَ، وَيُونُسَ بْنِ يُونُسَ، قَالَ حَجَّاجٌ: عَنْ عَطَاءٍ؛ وَقَالَ إسْرَائِيلُ: عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ طَاوُسٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَّفَ بِالْبُدْنِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَانِ مُرْسَلَانِ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ، ثُمَّ إنَّ الْحَجَّاجَ، وَإِسْرَائِيلَ، وَثُوَيْرًا كُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ؛
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ لَا أَمْرٌ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَالِكٍ لِأَنَّهُ شَرَطَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ شَيْءٌ مِنْهَا، وَهَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا سِيقَ مِنْ الْمَدِينَةِ بِلَا خِلَافٍ؛ وَمَالِكٌ لَا يُوجِبُ التَّوْقِيفَ بِعَرَفَةَ فِيمَا أُدْخِلَ مِنْ الْحِلِّ.
وَيُحْتَجُّ لِقَوْلِ اللَّيْثِ أَيْضًا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا هَدْيَ إلَّا مَا قُلِّدَ، وَسِيقَ، وَوُقِفَ بِعَرَفَةَ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُلُّ هَدْيٍ لَمْ يُشْعَرْ وَيُقَلَّدْ وَيُفَضْ بِهِ مِنْ عَرَفَةَ فَلَيْسَ بِهَدْيٍ إنَّمَا هِيَ ضَحَايَا.
قَالَ عَلِيٌّ: مَالِكٌ لَا يُحْتَجُّ [لَهُ] بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى التَّرْكَ لِلتَّقْلِيدِ وَلِلْإِشْعَارِ مَانِعًا مِنْ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا.
قَالَ عَلِيٌّ: لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ عُمَرَ فِي هَذَا غَيْرَهُ - مِنْ الصَّحَابَةِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَا رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إنْ شِئْت فَعَرِّفْ الْهَدْيَ، وَإِنْ شِئْت فَلَا تُعَرِّفْ بِهِ إنَّمَا أَحْدَثَ النَّاسُ السِّيَاقَ مَخَافَةَ السُّرَّاقِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَا الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: دَعَا الْأَسْوَدُ
стр. 1870
مَوْلًى لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَنِي بِمَا قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ، فَقَالَ: نَعَمْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقُلْت: أُعَرِّفُ بِالْهَدْيِ؟ فَقَالَتْ: لَا عَلَيْك أَنْ لَا تُعَرِّفَ بِهِ.
وَعَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تُعَرِّفَ بِهِ.
وَعَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَعْرِيفِ بَدَنَةٍ أُدْخِلَتْ مِنْ الْحِلِّ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ لَمْ يَرَ هَدْيًا إلَّا مَا عُرِّفَ بِهِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ خَاصَّةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَأْتِ أَمْرٌ بِتَعْرِيفِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا يَجِبُ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي أَحَدِهِمَا، وَلَا قِيَاسَ يُوجِبُ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَنَاسِكَ الْحَجِّ إنَّمَا تَلْزَمُ النَّاسَ لَا الْإِبِلَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: وَلَا هَدْيَ عَلَى الْقَارِنِ غَيْرُ الْهَدْيِ الَّذِي سَاقَ مَعَ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَهُوَ هَدْيُ تَطَوُّعٍ سَوَاءٌ مَكِّيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَكِّيٍّ فَإِنَّ مَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: عَلَى الْقَارِنِ هَدْيٌ وَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْمُتَمَتِّعِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ فِي تَعْوِيضِ الصَّوْمِ مِنْهُ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، وَلَيْسَ عَلَى الْمَكِّيِّ عِنْدَهُمَا هَدْيٌ، وَلَا صَوْمٌ إنْ قَرَنَ، كَمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي التَّمَتُّعِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَمْ أَسْمَعْ قَطُّ أَنَّ مَكِّيًّا قَرَنَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ تَمَتَّعَ الْمَكِّيُّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ - لَا هَدْيَ، وَلَا صَوْمَ - وَإِنْ قَرَنَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَلَا بُدَّ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَوَّضَ مِنْهُ صَوْمٌ - وَجَدَ هَدْيًا أَوْ لَمْ يَجِدْ - وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا.
قَالَ: وَالْمَكِّيُّ عِنْدَهُ مَنْ كَانَ سَاكِنًا فِي أَحَدِ الْمَوَاقِيتِ فَمَا دُونَهَا إلَى مَكَّةَ - قَالَ: فَإِنْ تَمَتَّعَ مَنْ هُوَ سَاكِنٌ فِيمَا وَرَاءَ الْمَوَاقِيتِ أَوْ قَرَنَ؛ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ - وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِيهِ وُجُوهٌ جَمَّةٌ مِنْ الْخَطَأِ -: أَوَّلُهَا - أَنَّهُ تَقْسِيمٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
وَالثَّانِي - تَفْرِيقُهُ بَيْنَ قِرَانِ الْمَكِّيِّ وَبَيْنَ تَمَتُّعِهِ، وَتَسْوِيَتُهُ بَيْنَ قِرَانِ غَيْرِ الْمَكِّيِّ وَبَيْنَ تَمَتُّعِهِ بِلَا بُرْهَانٍ.
الثَّالِثُ - تَعْوِيضُهُ الصَّوْمَ مِنْ هَدْيِ غَيْرِ الْمَكِّيِّ، وَمَنْعُهُ مِنْ تَعْوِيضِهِ الصَّوْمَ مِنْ هَدْيِ الْمَكِّيِّ؛ كُلُّ ذَلِكَ رَأْيٌ فَاسِدٌ لَا سَلَفَ لَهُ فِيهِ، وَلَا دَلِيلَ أَصْلًا.
стр. 1871
فَقَالُوا: إنَّ الْمَكِّيَّ إذَا قَرَنَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي إسَاءَةٍ؟ فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ وَأَيْنَ وَجَدْتُمْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي إسَاءَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُعَوِّضَ مِنْ هَدْيهِ دَمٌ؟ وَهَذَا قَاتِلُ الصَّيْدِ مُحْرِمًا دَاخِلٌ فِي أَعْظَمِ الْإِسَاءَةِ وَأَشَدِّ الْإِثْمِ، وَقَدْ عَوَّضَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ هَدْيِهِ صَوْمًا وَإِطْعَامًا وَخَيَّرَهُ فِي أَيِّ ذَلِكَ شَاءَ؟ وَهَذَا الْمُحْصَرُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي إسَاءَةٍ بَلْ مَأْجُورٌ مَعْذُورٌ وَلَمْ يُعَوِّضْ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ هَدْيِهِ صَوْمًا وَلَا إطْعَامًا؛ فَكَمْ هَذَا التَّخْلِيطُ وَالْخَبْطُ فِي دِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِشَرْعِ الشَّرَائِعِ الْفَاسِدَةِ فِيهِ؟ وَأَيْضًا: فَالْمَكِّيُّ عِنْدَهُمْ إذَا تَمَتَّعَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي إسَاءَةٍ أَوْ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي إسَاءَةٍ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي إسَاءَةٍ فَلِمَ لَمْ يَجْعَلُوا عَلَيْهِ هَدْيًا كَاَلَّذِي جَعَلُوا فِي الْقِرَانِ عَلَيْهِ؟ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ دَاخِلًا فِي إسَاءَةٍ فَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ إذَا قَرَنَ فِي إسَاءَةٍ؟ فَهَلْ فِيمَا يَأْتِي بِهِ الْمَمْرُورُونَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَيْسَ الْمَكِّيُّ وَلَا غَيْرُهُ مُسِيئًا فِي قِرَانِهِ وَلَا فِي تَمَتُّعِهِ بَلْ هُمَا مُحْسِنَانِ فِي كُلِّ ذَلِكَ كَسَائِرِ النَّاسِ وَلَا فَرْقَ؛ فَسَقَطَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِعَظِيمِ تَنَاقُضِهِ وَفَسَادِهِ، وَأَمَّا مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُمَا قَاسَا الْقِرَانَ عَلَى الْمُتْعَةِ فِي الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْقِيَاسُ كُلُّهُ خَطَأٌ ثُمَّ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَبَهَ بَيْنَ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَجْعَلُ بَيْنَ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ إحْلَالًا وَلَا يَجْعَلُ الْقَارِنُ بَيْنَ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ إحْلَالًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْقَارِنَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَنَا لَا يَطُوفُ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا وَلَا يَسْعَى إلَّا سَعْيًا وَاحِدًا وَالْمُتَمَتِّعُ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْقَارِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ وَالْمُتَمَتِّعُ إنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَحُجَّ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحُجَّ، وَالْقِيَاسُ عِنْدَهُمَا لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى عِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ وَلَا عِلَّةَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ.
فَإِنْ قَالُوا: الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ هِيَ إسْقَاطُ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ؟ قُلْنَا: هَذِهِ عِلَّةٌ مَوْضُوعَةٌ لَا دَلِيلَ لَكُمْ عَلَى صِحَّتِهَا وَقَدْ أَرَيْنَاكُمْ بُطْلَانَهَا مِرَارًا، وَأَقْرَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ وَعَمِلَ عُمْرَتَهُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ أَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ إثْرَ
стр. 1872
إحْلَالِهِ مِنْهَا ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا وَلَا صَوْمَ؛ وَقَدْ أَسْقَطَ أَحَدَ السَّفَرَيْنِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَصَدَ إلَى مَا دُونَ التَّنْعِيمِ دَاخِلَ الْعَامِ لِحَاجَةٍ فَلَمَّا صَارَ هُنَالِكَ - وَهُوَ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً - بَدَا لَهُ فِي الْعُمْرَةِ فَاعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ؛ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ عِنْدَهُمَا؛ وَهُوَ قَدْ أَسْقَطَ السَّفَرَيْنِ جَمِيعًا سَفَرَ الْحَجِّ وَسَفَرَ الْعُمْرَةِ.
ثُمَّ يَقُولَانِ فِيمَنْ حَجَّ بَعْدَهُ بِسَاعَةٍ إثْرَ ظُهُورِ هِلَالِ شَوَّالٍ فَاعْتَمَرَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْبَيْدَاءِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ بَرِيدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، أَوْ إلَى مَدِينَةِ الْفُسْطَاطِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة عِنْدَ مَالِكٍ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ: فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ، وَهُوَ لَمْ يُسْقِطْ سَفَرًا أَصْلًا؛ فَظَهَرَ فَسَادُ هَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي لَا عِلَّةَ أَفْسَدَ مِنْهَا، وَلَا أَبْطَلَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مِمَّنْ يَرَى الْهَدْيَ فِي الْقِرَانِ بِأَنْ قَالَ: قَدْ صَحَّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ سَمَّوْا الْقِرَانَ: تَمَتُّعًا، وَهُمْ الْحُجَّةُ فِي اللُّغَةِ؛ فَإِذْ الْقِرَانُ تَمَتُّعٌ فَالْهَدْيُ فِيهِ، أَوْ الصَّوْمُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ فِي إيجَابِ ذَلِكَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَخْتَلِفُ هَؤُلَاءِ ﵃ وَلَا غَيْرُهُمْ فِي أَنَّ عَمَلَ الْمُهِلِّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا هُوَ عَمَلٌ غَيْرُ عَمَلِ الْمُهِلِّ بِعُمْرَةٍ فَقَطْ، ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ بِإِهْلَالٍ آخَرَ مُبْتَدَأً؛ فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ هُوَ بَيَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَبْكَ أَنَّ كِلَيْهِمَا يُسَمَّى تَمَتُّعًا إلَّا أَنَّهُمَا عَمَلَانِ مُتَغَايِرَانِ.
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ ﵇ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنْ النَّاس مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى
стр. 1873
يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَقْصُرْ وَيَحِلَّ؛ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ» .
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِأَنْ يَجْعَلَ مَعَ عُمْرَتِهِ حَجًّا، فَصَحَّ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ بِالْهَدْيِ، أَوْ الصَّوْمِ وَلَمْ يَأْمُرْ الْقَارِنَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ» .
وَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ لَمْ أَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِي فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ قَالَتْ: فَفَعَلْتُ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ وَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّنَا أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْدَفَنِي، وَخَرَجَ بِي إلَى التَّنْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَقَضَى اللَّهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» فَصَحَّ أَنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً، وَلَمْ يَجْعَلْ ﵇ فِي ذَلِكَ هَدْيًا وَلَا صَوْمًا.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّهَا ﵂: رَفَضَتْ عُمْرَتَهَا.
قُلْنَا: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنَّهَا حَلَّتْ مِنْهَا فَقَدْ كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهَا أَنَّ طَوَافَهَا وَسَعْيَهَا يَكْفِيهَا لِحَجَّتِهَا وَعُمْرَتِهَا، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكْفِيَهَا عَنْ عُمْرَةٍ قَدْ أَحَلَّتْ مِنْهَا؛ وَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنَّهَا رَفَضَتْهَا وَتَرَكَتْهَا بِمَعْنَى أَخَّرَتْ عَمَلَ الْعُمْرَةِ مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ حَتَّى أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ فَطَافَتْ وَسَعَتْ لِحَجَّتِهَا وَعُمْرَتِهَا مَعًا فَنَعَمْ، وَهَذَا قَوْلُنَا.
стр. 1874
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ وَكِيعًا رَوَى هَذَا الْخَبَرَ فَجَعَلَ قَوْلَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ مِنْ قَوْلِ هِشَامٍ؟ قُلْنَا: فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نُمَيْرٍ، وَعَبْدَةَ جَعَلَاهُ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ، وَمَا ابْنُ نُمَيْرٍ دُونَ وَكِيعٍ فِي الْحِفْظِ، وَالثِّقَةِ، وَكَذَلِكَ عَبْدَةٌ؛ وَكِلَا الرِّوَايَتَيْنِ حَقٌّ قَالَتْهُ هِيَ، وَقَالَهُ هِشَامٌ، وَنَحْنُ أَيْضًا نَقُولُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵇ أَهْدَى عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَقَدْ بَيَّنَ مَعْنَى ذَلِكَ الْإِهْدَاءِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ أَضَاحِيَ، لَا هَدْيَ مُتْعَةٍ، وَلَا هَدْيًا عَنْ قِرَانٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالُوا: قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَجَابِرٍ وُجُوبُ الْهَدْيِ عَلَى الْقَارِنِ؟ قُلْنَا: أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ فَإِنَّهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ، فَعَبْدُ السَّلَامِ ضَعِيفٌ، وَأَبُو مَعْشَرٍ مِثْلُهُ، وَإِبْرَاهِيمُ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ ﵁.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ جَابِرٍ فَرُوِّينَاهَا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ بِغَيْرِ هَدْيٍ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَّا فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَمُوسَى ضَعِيفٌ، وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ عَجِبَ أَلْبَتَّةَ؛ ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَكَانَتْ مُوَافِقَةً لِقَوْلِنَا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا الْمَنْعُ مِنْ الْقِرَانِ دُونَ أَنْ يَسُوقَ مَعَ نَفْسِهِ هَدْيًا، وَهَكَذَا نَقُولُ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا لَكَانَ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَكَانَ قَدْ خَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ.
وَرُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهَانَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ مَعَ قَوْمٍ عَنْ رَجُلٍ أَحْرَمَ بِالْقِرَانِ مَا كَفَّارَتُهُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَفَّارَتُهُ أَنْ يَرْجِعَ بِأَجْرَيْنِ، وَيَرْجِعُونَ بِأَجْرٍ - فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ لَأَفْتَاهُمْ بِهِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَرَنَ بَيْنَ حَجٍّ، وَعُمْرَةٍ، وَلَمْ يُهْدِ قَالَ الْحَكَمُ: وَقَرَنَ أَيْضًا شُرَيْحٌ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَمْ يُهْدِ.
стр. 1875
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ - عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا قَرَنَ الرَّجُلُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: شَاةٌ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الصِّيَامُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاةٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَأَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَ ابْنَ عُمَرَ فِي هَذَا؛ وَمِنْ التَّلَاعُبِ فِي الدِّينِ أَنْ تُوجِبُوا قَوْلَ الصَّاحِبِ حُجَّةً [لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا] إذَا وَافَقَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ مَالِكٍ، أَوْ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرَ حُجَّةٍ إذَا خَالَفَهُمْ - نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ هَذَا الْعَمَلِ.
[الْمُحْرِم إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا -: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ، مِنْ مُعْتَمِرٍ، أَوْ قَارِنٍ، أَوْ مُتَمَتِّعٍ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ؛ فَفَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ آخِرَ عَمَلِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، فَإِنْ تَرَدَّدَ بِمَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ أَعَادَ الطَّوَافَ وَلَا بُدَّ، فَإِنْ خَرَجَ وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ فَفَرَضَ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ، وَلَوْ كَانَ بَلَدُهُ بِأَقْصَى الدُّنْيَا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ مَنَازِلِ مَكَّةَ فَتَرَدَّدَ خَارِجًا مَاشِيًا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الطَّوَافَ إلَّا الَّتِي تَحِيضُ بَعْدَ أَنْ تَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَنْتَظِرَ طُهْرَهَا لِتَطُوفَ لَكِنْ تَخْرُجُ كَمَا هِيَ؛ فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَلَا بُدَّ لَهَا أَنْ تَنْتَظِرَ حَتَّى تَطْهُرَ، وَتَطُوفَ، وَتُحْبَسُ عَلَيْهَا الْكِرَى وَالرُّفْقَةُ -: فَلَمَّا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ قَالَ: نَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ نَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ فَذَكَرَتْ حَيْضَتَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ﵇: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَفَاضَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلْتَنْفِرْ» .
стр. 1876
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَمَنْ خَرَجَ وَلَمْ يُوَدِّعْ مِنْ غَيْرِ الْحَائِضِ فَقَدْ تَرَكَ فَرْضًا لَازِمًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ قَوْمًا نَفَرُوا وَلَمْ يُوَدِّعُوا فَرَدَّهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى وَدَّعُوا.
قَالَ عَلِيٌّ: وَلَمْ يَخُصَّ عُمَرُ مَوْضِعًا مِنْ مَوْضِعٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: بِتَحْدِيدِ مَكَان إذَا بَلَغَهُ لَمْ يَرْجِعْ مِنْهُ - وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يُوجِبْهُ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ قَالَ: رَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِسَاءً مِنْ ثَنِيَّةَ هَرْشَى كُنَّ أَفَضْنَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ حِضْنَ فَنَفَرْنَ فَرَدَّهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ وَيَطُفْنَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ بَلَغَ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ حَدِيثٌ غَيْرُ مَا صَنَعَ فَتَرَكَ صُنْعَهُ الْأَوَّلَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَرْشَى هِيَ نِصْفُ الطَّرِيقِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ بَيْنَ الْأَبْوَاءِ وَالْجُحْفَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ الْأَبْوَاءِ وَبِهَا عَلَمَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَامَةً؛ لِأَنَّهُ نِصْفُ الطَّرِيقِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَثَرٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَفْتَيَاهُ فِي الْمَرْأَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ تَحِيضُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ» ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ أَمْرِهِ ﵇ أَنْ لَا يَنْفِرَ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ - وَعُمُومُهُ، وَكَأَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ ﵇ الْحَائِضَ الَّتِي أَفَاضَتْ بِأَنْ تَنْفِرَ حُكْمًا زَائِدًا مَبْنِيًّا عَلَى النَّهْيِ الْمَذْكُورِ مُسْتَثْنًى مِنْهُ لِيُسْتَعْمَلَ الْخَبَرَانِ مَعًا وَلَا يُخَالَفَ شَيْءٌ مِنْهُمَا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[تَرْكُ شَيْء مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَوْ السَّعْيِ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا: مَنْ تَرَكَ عَمْدًا أَوْ بِنِسْيَانٍ شَيْئًا مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَوْ مِنْ السَّعْيِ الْوَاجِبِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلْيَرْجِعْ أَيْضًا - كَمَا ذَكَرْنَا - مُمْتَنِعًا مِنْ النِّسَاءِ حَتَّى يَطُوفَ [بِالْبَيْتِ]
стр. 1877
مَا بَقِيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ خَرَجَ ذُو الْحِجَّةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي رُجُوعِهِ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ النِّسَاءِ فَلِأَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَرْضٌ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْمَلَ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَكُونَ مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى -.
وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ مِنْ النِّسَاءِ فَلِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَهُوَ مَا لَمْ يُتِمَّ فَرَائِضَ الْحَجِّ فَهُوَ فِي الْحَجِّ بَعْدُ.
وَأَمَّا رُجُوعُهُ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ فَلَيْسَ هُوَ فِي حَجٍّ، وَلَا فِي عُمْرَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ، وَلَا أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ، وَلَا رَسُولُ اللَّهِ، وَلَا إحْرَامَ إلَّا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ - أَوْ لِطَوَافٍ مُجَرَّدٍ فَلَا.
[لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى خَرَجَ ذُو الْحِجَّةِ أَوْ وَطِئَ عَمْدًا]
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ مَنْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى خَرَجَ ذُو الْحِجَّةِ، أَوْ حَتَّى وَطِئَ عَمْدًا فَحَجُّهُ بَاطِلٌ، فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْجَهْضَمِيُّ - نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا خَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ - عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إنِّي أَمْسَيْتُ وَلَمْ أَرْمِ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ» فَأَمَرَ ﵇ بِالرَّمْيِ الْمَذْكُورِ، وَأَمْرُهُ فَرْضٌ، وَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي تَأْخِيرِهِ فَهُوَ بَاقٍ مَا دَامَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ شَيْءٌ، وَلَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إنْ ذَكَرَ، وَهُوَ بِمِنًى رَمَى، وَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَنْفِرَ فَإِنَّهُ يَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ وَيُحَافِظُ عَلَى الْمَنَاسِكِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ يُبْطِلُ حَجَّ الْمُسْلِمِ بِأَنْ بَاشَرَ امْرَأَتَهُ حَتَّى أَمْنَى مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ، وَلَا نَهْيَ عَنْ ذَلِكَ أَصْلًا لَا فِي قُرْآنٍ، وَلَا فِي سُنَّةٍ، وَلَا جَاءَ بِإِبْطَالِ حَجَّةٍ بِذَلِكَ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ، ثُمَّ لَا يُبْطِلُ حَجَّهُ بِتَرْكِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَتَرْكِ مُزْدَلِفَةَ، وَقَدْ صَحَّ الْأَمْرُ بِهِمَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ.
[يُجْزِئُ الْقَارِنَ بَيْنَ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا -: إنَّهُ يُجْزِئُ الْقَارِنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَوَافٌ وَاحِدٌ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ لَهُمَا جَمِيعًا، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ لَهُمَا جَمِيعًا، كَالْمُفْرِدِ سَوَاءٌ
стр. 1878
سَوَاءٌ -: فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ نَا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُمْ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، ثُمَّ انْطَلَقَ يُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ [وَلَمْ يَنْحَرْ] وَلَمْ يَحْلِقْ، وَلَا قَصَّرَ، وَلَا أَحَلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ نَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ نَا وُهَيْبٍ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ فَقَدِمَتْ، وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّفَرِ: يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ فَأَبَتْ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُجْزِي عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ نَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ؛ وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إلَى الْحَجِّ الْآنَ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ حَتَّى إذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَا أَشْهَبُ
стр. 1879
أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ حَدَّثَاهُ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ؛ وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَطَرٍ نَا أَبُو الْمُصْعَبِ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَكَانِيُّ قَالَا جَمِيعًا: نَا الدَّرَاوَرْدِيُّ هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلْيَطُفْ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعْيًا وَاحِدًا» .
فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ تُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لِلْقَارِنِ سَعْيٌ وَاحِدٌ، وَلِلْمُتَمَتِّعِ سَعْيَانِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَكْفِيك لَهُمَا طَوَافُك الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - يَعْنِي الْقَارِنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: حَلَفَ لِي طَاوُسٍ مَا طَافَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا.
وَمِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِلْقَارِنِ طَوَافًا وَاحِدًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ خِلَافَ مَا يَحْفَظُ أَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَمِنْ طَرِيقِ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ نَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الْيَشْكُرِيِّ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَوْ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا تُخِصُّ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا وَلَكُنْتُ مُهْدِيًا - يَعْنِي سُوقَ الْهَدْيِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ -.
وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَدَاوُد، وَأَصْحَابِهِمْ.
стр. 1880
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ، وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ الصُّبَيّ بْنَ مَعْبَدٍ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ، وَلَمْ يَحِلَّ بَيْنَهُمَا وَأَهْدَى، وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، وَيس الزَّيَّاتِ قَالَ يَس: عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ وَقَالَ عَبَّادٌ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ قَعَدَ فِي الْحِجْرِ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا لِحَجِّهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى «أَنَّ النَّبِيَّ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ» .
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي نَصْرٍ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ - وَمِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ؛ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ؛ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَزِيَادِ بْنِ مَالِكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَمْعَانَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَبُو نَصْرِ بْنُ عَمْرٍو، وَالرَّجُلُ السُّلَمِيُّ، وَالرَّجُلُ الْعُذْرِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُذَيْنَةَ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَزِيَادُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ كُلُّهُمْ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: يَطُوفُ الْقَارِنُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ - وَمِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ عَنْ زِيَادِ بْنِ مَالِكٍ - وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، ثُمَّ اتَّفَقَ زِيَادُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْقَارِنِ طَوَافَانِ، وَسَعْيَانِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: إذَا قَرَنْتَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَطُفْ طَوَافَيْنِ وَاسْعَ سَعْيَيْنِ - وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي، وَالشَّعْبِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ،
стр. 1881
وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَرُوِيَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ؛ وَأَشَارَ نَحْوَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَهَا هُنَا قَوْلٌ ثَالِثٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: نَا جَهْمُ بْنُ وَاقِدٍ الْأَنْصَارِيُّ سَأَلَتْ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ فَقُلْتُ: قَرَنْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَقَالَ: تَطُوفُ طَوَافَيْنِ بِالْبَيْتِ وَيُجْزِئُك سَعْيٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَرَى السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ؛ فَلِذَلِكَ أَجْزَأَهُ عِنْدَهُ سَعْيٌ وَاحِدٌ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لِلْحَجِّ وَحْدَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَا شَغَبَ بِهِ، مَنْ يَرَى أَنْ يَطُوفَ الْقَارِنُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَسَاقِطٌ كُلُّهُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا رَوَوْا فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنَّهُ عَمَّنْ ذَكَرْنَا مِنْ التَّابِعِينَ صَحِيحٌ إلَّا عَنْ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيُّ.
أَمَّا حَدِيثُ الضَّبِّيِّ بْنِ مَعْبَدٍ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ لَمْ يُدْرِكْ الضَّبِّيَّ، وَلَا سَمِعَ مِنْهُ، وَلَا أَدْرَكَ عُمَرَ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الثِّقَاتُ: مُجَاهِدٌ، وَمَنْصُورٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الضَّبِّيِّ - فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ طَوَافًا، وَلَا طَوَافَيْنِ، وَلَا سَعْيًا، وَلَا سَعْيَيْنِ أَصْلًا؛ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَقَطْ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَمُرْسَلٌ؛ ثُمَّ هُوَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ؛ وَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِرِوَايَتِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَعَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، وَيس، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ جِدًّا فِي غَايَةِ السُّقُوطِ، فَسَقَطَ كُلُّ ذَلِكَ، وَتَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ.
وَوَاللَّهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - عُذْرًا لِمَنْ يُعَارِضُ رِوَايَةَ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعُرْوَةَ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرِوَايَةُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعُفُونَاتِ الذَّفِرَةِ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ.
стр. 1882
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ فَأَبُو نَصْرِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُذَيْنَةَ، وَزِيَادُ بْنُ مَالِكٍ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَنْ هُمْ؟ وَأَمَّا الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ فَلَمْ يُدْرِكْهُ عَلِيًّا وَلَا وَلَدًا إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ الْحُسَيْنِ ابْنِهِ، فَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَهُوَ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فَزِيَادُ بْنُ مَالِكٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ.
وَأَمَّا أَبُو إِسْحَاقَ فَلَمْ يُولَدْ إلَّا سَنَةَ مَوْتِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ بَعْدَهَا.
فَمَنْ أَعْجَبُ مِمَّنْ يُعَارِضُ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَرِوَايَةَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرِوَايَةَ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ الصَّحَابَةِ جُمْلَةً، وَرِوَايَةَ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ جَابِرٍ، وَرِوَايَةَ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ كُلِّ مَنْ قَرَنَ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَذِهِ النَّطَائِحِ الْمُتَرَدِّيَاتِ، وَهَذَا - لِمَنْ تَأَمَّلَهُ - إجْمَاعٌ صَحِيحٌ مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ ﵃ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَكْدَحُ فِيهِ مَا جَاءَ بَعْدَهُ - لَوْ جَاءَ - فَكَيْفَ وَكُلُّهُ بَاطِلٌ مُطْرَحٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ طَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ عَطَاءٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ طَاوُسٍ عَنْ سُرَاقَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ تَحْتَاجَ الْعُمْرَةُ إلَى عَمَلٍ غَيْرِ عَمَلِ الْحَجِّ، وَقَدْ دَخَلَتْ فِيهِ؛ وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا احْتِجَاجُهُمْ بِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ السُّقَّاطِ الَّذِينَ يُؤْنَسُ بِالْخَيْرِ فَقْدُهُمْ مِنْهُ، وَيُوحَشُ مِنْهُ وُجُودُهُمْ فِيهِ.
ثُمَّ يَقُولُونَ فِي الثَّابِتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَمْرِهِ مَنْ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِأَنْ يَطُوفَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعْيًا وَاحِدًا: هَذَا مِنْ رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، نَعَمْ، إنَّهُ لَمِنْ رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ الثِّقَةِ الْمَأْمُونِ، لَا مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، وَعَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، وَيس الزَّيَّاتِ، الْمُطْرَحَيْنِ الْمَتْرُوكَيْنِ.
ثُمَّ أَعْجَبُ شَيْءٍ: أَنَّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ الْمَذْكُورِ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ لَا
стр. 1883
يَجُوزُ لِمَنْ بَدَأَ بِالْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ أَنْ يُرْدِفَ عَلَيْهِ عُمْرَةً فَجَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا رَوَى ابْنُ أُذَيْنَةَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ حُجَّةً خَالَفَ لَهَا السُّنَنَ الثَّابِتَةَ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَا رَوَاهُ ابْنُ أُذَيْنَةَ عَنْ عَلِيٍّ -: مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ بَدَأَ بِالْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ عُمْرَةً -: حُجَّةً، فَمَا هَذَا التَّلَاعُبُ؟ وَلَئِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ عَلِيٍّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ حُجَّةً: إنَّهَا لَحُجَّةٌ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ، وَلَئِنْ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَمَا هِيَ حُجَّةٌ فِي الْآخَرِ.
ثُمَّ اعْتَرَضُوا فِي الْآثَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَلَوْ أَنَّ الَّذِي احْتَجَّ بِهَذَا يَسْتَحْيِي مِمَّنْ حَضَرَهُ مِنْ النَّاسِ [مِنْ] قَبْلِ أَنْ يَبْلُغَ إلَى الْحَيَاءِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ مِنْ الَّذِي إلَيْهِ مَعَادُهُ : لَرَدَعَهُ عَنْ هَذِهِ الْمُجَاهَرَةِ الْقَبِيحَةِ.
وَهَذَا الْخَبَرُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ وَفِيهِ [مِنْ] «تَمَتُّعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» فَوَصَفَ عَمَلَ الْقِرَانِ وَسَمَّاهُ: تَمَتُّعًا.
وَالْعَجَبُ أَنَّ هَذَا الْمُجَاهِرَ بِهَذِهِ الْعَظِيمَةِ يُنَاظِرُ الدَّهْرَ فِي إثْبَاتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَارِنًا، ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ الْآنَ وَجَعَلَ يُوهِمُ: أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَهَذَا مِنْ الْغَايَةِ فِي السَّمَاجَةِ وَالصِّفَةِ الْمَذْمُومَةِ، وَاعْتَرَضَ فِي الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ مِنْ «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ اُرْفُضِي الْعُمْرَةَ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ، وَاتْرُكِي الْعُمْرَةَ، وَامْتَشِطِي، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ» وَأَوْهَمَ هَذَا الْمُكَابِرُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ: أَنَّهَا أَحَلَّتْ مِنْ الْعُمْرَةِ؛ وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ - مَعْنَى «اُرْفُضِي الْعُمْرَةَ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ، وَاتْرُكِي الْعُمْرَةَ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ» أَنْ تَدَعَ الطَّوَافَ الَّذِي هُوَ عَمَلُ الْعُمْرَةِ وَتَتْرُكَهُ، وَتَرْفُضَ عَمَلَ الْعُمْرَةِ مِنْ أَجْلِ حَيْضِهَا، وَتُدْخِلَ حَجًّا عَلَى عُمْرَتِهَا، فَتَكُونَ قَارِنَةً، فَإِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ حِينَئِذٍ لِلْعُمْرَةِ وَلِلْحَجِّ.
وَأَمَّا نَقْضُ الرَّأْسِ وَالِامْتِشَاطُ فَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْإِحْرَامِ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ مُطْلَقٌ -: بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهَا حِينَئِذٍ «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَسَعْيُكِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» .
стр. 1884
فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكْفِيَهَا طَوَافُهَا وَسَعْيُهَا لِعُمْرَةٍ قَدْ أَحَلَّتْ مِنْهَا؟ لَوْلَا الْهَوَى الْمُعْمِي الْمُصِمُّ الْمُقْحِمُ فِي بِحَارِ الضَّلَالَةِ بِالْمُجَاهَرَةِ بِالْبَاطِلِ.
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ إنَّمَا كَفَاهَا طَوَافُهَا وَسَعْيُهَا لِحَجِّهَا وَعُمْرَتِهَا اللَّذَيْنِ كَانَتْ قَارِنَةً بَيْنَهُمَا؛ هَذَا مَا لَا يَحِيلُ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يُمَوِّهُ بِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلَا فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مِنْ الصَّحَابَةِ طَافُوا لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا.
فَرَجَعَ إلَى أَنْ قَالَ: إنَّ عَلِيًّا كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجِّهِ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، فَلَمْ يَقُلْ مَا قَالَ إلَّا عَنْ عِلْمٍ؟ فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ: إنَّك تَنْسِبُ إلَى عَلِيٍّ الْبَاطِلَ، وَقَوْلًا لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ قَطُّ، ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ عَنْهُ فَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ أَبْطَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأَعْلَمَ بِهِ مِنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِ عَلِيٍّ؛ وَإِذْ صَارَ عَلِيٌّ هَاهُنَا يَجِبُ تَقْلِيدُهُ وَإِطْرَاحُ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ؛ وَأَقْوَالِ سَائِرِ الصَّحَابَةِ لِقَوْلٍ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، فَهَلَّا وَجَبَ تَقْلِيدُهُ فِي الثَّابِتِ عَنْهُ مِنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَمِنْ قَوْلِهِ: إنَّ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ خَمْسَ شِيَاهٍ؛ وَسَائِرِ مَا خَالَفُوهُ فِيهِ لِمَا هُوَ أَقَلُّ مِمَّا تَرَكُوا هَاهُنَا؟ وَلَكِنَّ الْهَوَى إلَهٌ مَعْبُودٌ؟ وَعَهْدُنَا بِهِمْ يَقُولُونَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ إذْ قَالَتْ لِأُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي بَيْعِهَا غُلَامًا مِنْ زَيْدٍ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ، ثُمَّ ابْتَاعَتْهُ مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ نَقْدًا: أَبْلِغْ زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ لَمْ يَتُبْ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ - فَهَلَّا قَالُوا هَاهُنَا فِي قَوْلِ عَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ الْقَارِنَ يُجْزِئُهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، وَلَكِنْ حَسْبُهُمْ وَنَصْرُ الْمَسْأَلَةِ الْحَاصِلَةِ الْحَاضِرَةِ بِمَا يُمْكِنُ وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ الْمَعِيبُ مِنْ الْهَدْيِ]
٨٣٧ - مَسْأَلَةٌ: وَيُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ: الْمَعِيبُ، وَالسَّالِمُ أَحَبُّ إلَيْنَا - وَلَا تُجْزِئُ جَذَعَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَلَا مِنْ الْبَقَرِ، وَلَا مِنْ الْغَنَمِ، إلَّا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فَقَطْ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ «نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الْعَرْجَاءِ الْبَيِّنِ عَرَجُهَا، وَالْعَوْرَاءِ الْبَيِّنِ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةِ الْبَيِّنِ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءِ الَّتِي لَا تُنَقَّى، وَأَنْ لَا يُضَحَّى بِشَرْقَاءَ، وَلَا
стр. 1885
خَرْقَاءَ، وَلَا مُقَابِلَةٍ، وَلَا مُدَابِرَةٍ» ، إنَّمَا جَاءَ فِي الْأَضَاحِيّ نَصًّا، وَالْأُضْحِيَّةُ غَيْرُ الْهَدْيِ، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ.
وَقَدْ وَافَقْنَا الْمُخَالِفَ عَلَى اخْتِلَافِ حُكْمِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ فِي الْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ، وَحُكْمُهُ إذَا عَطِبَ قِبَلَ مَحِلِّهِ.
فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُقَاسَ حُكْمُ الْهَدْيِ عَلَى الْأَضَاحِيّ فِي مَكَان، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فِي مَكَان آخَرَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ مُفَرِّقٍ بَيْنَ ذَلِكَ، وَالْهَدْيُ جَائِزٌ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَلَا تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةَ عِنْدَهُمْ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ؛ فَبَطَلَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الْجَذَعَةُ -: فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ «عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ خَالَهُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا الْيَوْمَ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَإِنِّي عَجَّلْتُ نَسِيكَتِي لِأُطْعِمَ أَهْلِي، وَجِيرَانِي، وَأَهْلَ دَارِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعِدْ نُسُكًا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عِنْدِي عِنَاقَ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ؟ فَقَالَ ﵇: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ، وَلَا تُجْزِئُ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» .
وَهَذَا عُمُومٌ مِنْهُ ﵇ وَابْتِدَاءُ قَضِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهَا وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ هَذَا مَقْصُورًا عَلَى الْأُضْحِيَّةَ لَوْ قَالَ ﵇: وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك، فَكَانَ يَكُونُ الضَّمِيرُ مَرْدُودًا إلَى الْأُضْحِيَّةَ؛ لَكِنْ ابْتَدَأَ ﵇ فَأَخْبَرَ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَهَا؛ فَعَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ.
وَإِنَّمَا خَصَّصْنَا جَزَاءَ الصَّيْدِ بِنَصِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَعَمَّ - تَعَالَى - أَيْضًا، وَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ الْجَذَعُ بِمِثْلِهِ، وَالصَّغِيرُ بِمِثْلِهِ، وَالْمَعِيبُ بِمِثْلِهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا]
٨٣٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ، فَإِنْ غَطَّى قُبُلَهُ وَدُبُرَهُ، فَلَا يُسَمَّى: عُرْيَانَ، فَإِنْ انْكَشَفَ سَاهِيًا لَمْ يَضُرَّهُ، قَالَ اللَّهُ : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ الشَّعْبِيِّ «عَنْ الْمُحَرِّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ
стр. 1886
قَالَ: كُنْت مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَكَّةَ بِبَرَاءَةَ كُنَّا نُنَادِي: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ» .
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] .
[مَسْأَلَةٌ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ]
٨٣٩ - مَسْأَلَةٌ: وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَائِزٌ، وَلِلنُّفَسَاءِ، وَلَا يَحْرُمُ إلَّا عَلَى الْحَائِضِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَنَعَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - إذْ حَاضَتْ - مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
وَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَمَرَهَا ﵇ بِأَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ، وَلَمْ يَنْهَهَا عَنْ الطَّوَافِ؛ فَلَوْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ لَبَيَّنَهُ [رَسُولُ اللَّهِ] ﷺ كَمَا بَيَّنَ أَمْرَ الْحَائِضِ، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إجَازَتِهِمْ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ، وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيِ الْجَمْرَةِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، وَبَيْنَ جَوَازِ الطَّوَافِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ إلَّا حَيْثُ مَنَعَ مِنْهُ النَّصُّ فَقَطْ.
رُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: حَاضَتْ امْرَأَةٌ وَهِيَ تَطُوفُ مَعَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَأَتَمَّتْ بِهَا عَائِشَةُ بَقِيَّةَ طَوَافِهَا - فَهَذِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ تَرَ الطَّهَارَةَ مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ - وَلَا نَقُولُ بِهَذَا فِي الْحَيْضِ خَاصَّةً لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ حَاضَتْ امْرَأَةٌ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا مِنْ الطَّوَافِ إلَّا شَوْطٌ أَوْ بَعْضُهُ]
٨٤٠ - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ حَاضَتْ امْرَأَةٌ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا مِنْ الطَّوَافِ إلَّا شَوْطٌ أَوْ بَعْضُهُ، أَوْ أَشْوَاطٌ، فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَتَقْطَعُ وَلَا بُدَّ، فَإِذَا طَهُرَتْ بَنَتْ عَلَى مَا كَانَتْ طَافَتْهُ، وَلَهَا أَنْ تَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُنْهَ إلَّا عَنْ الطَّوَافِ [بِالْبَيْتِ] فَقَطْ.
وَقَدْ وَافَقُونَا عَلَى إجَازَةِ كُلِّ ذَلِكَ لِلْحَائِضِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَنْهَ الْجُنُبَ، وَلَا النُّفَسَاءَ، عَنْ الطَّوَافِ، وَلَا فَرْقَ [وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ] .
[مَسْأَلَةٌ قَطَعَ طَوَافَهُ لِعُذْرٍ أَوْ لِكَلَلٍ]
٨٤١ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَطَعَ طَوَافَهُ لِعُذْرٍ أَوْ لِكَلَلٍ بَنَى عَلَى مَا طَافَ، وَكَذَلِكَ السَّعْيُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَافَ مَا طَافَ كَمَا أُمِرَ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ، فَلَوْ قَطَعَهُ عَابِثًا فَقَدْ بَطَلَ طَوَافُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ كَمَا أُمِرَ.
[مَسْأَلَةٌ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ رَاكِبًا]
٨٤٢ - مَسْأَلَةٌ: وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ رَاكِبًا جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ رَمْيُ الْجَمْرَةِ -: لِعُذْرٍ وَلِغَيْرِ عُذْرٍ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ثَنِيّ أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى أَنَا ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي
стр. 1887
يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ هُوَ خَالُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَاسْمُهُ خَالِدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ جَدَّتِهِ «أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَبِلَالًا أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» .
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ، وَعُرْوَةَ: الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[مَسْأَلَةٌ التَّبَاعُدُ عَنْ الْبَيْتِ عِنْدَ الطَّوَافِ]
٨٤٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ التَّبَاعُدُ عَنْ الْبَيْتِ عِنْدَ الطَّوَافِ إلَّا فِي الزِّحَامِ؛ لِأَنَّ التَّبَاعُدَ عَنْهُ عَمَلٌ بِخِلَافِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَبَثٌ لَا مَعْنَى لَهُ فَلَا يَجُوزُ.
[مَسْأَلَةٌ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ جَائِزٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ]
٨٤٤ - مَسْأَلَةٌ: وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ جَائِزٌ، وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَيَرْكَعُ عِنْدَ ذَلِكَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - نَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُنَّ أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ بِإِسْنَادِهِ -: وَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ ابْنَيْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: الطَّوَافُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصَّلَاةُ حِينَئِذٍ إثْرَ الطَّوَافِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ -: وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ طَافَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ حِينَئِذٍ
стр. 1888
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ جُمْلَةً فَمَنْ أَجَازَ الطَّوَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ فَقَدْ تَحَكَّمَ بِلَا دَلِيلٍ.
[مَسْأَلَةٌ حُكْم الْحَلْق قَبْل الرَّمْي]
٨٤٥ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ فِي - رَمْيِ الْجَمْرَةِ، وَالْحَلْقِ، وَالنَّحْرِ، وَالذَّبْحِ، وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَنْ تُقَدِّمَ أَيَّهَا شِئْت عَلَى أَيُّهَا شِئْت لَا حَرَجَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَادَ نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ، وَلَا حَرَجَ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ، وَأَتَاهُ آخَرُ وَقَالَ: إنِّي أَفَضْت إلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ قَالَ فَمَا رَأَيْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إلَّا قَالَ: افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَمْ أُشْعِرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ، وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَمْ أُشْعِرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ - قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ يَوْمَئِذٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إلَّا قَالَ: اصْنَعْ وَلَا حَرَجَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَا أَبُو الْمُصْعَبِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُشْعِرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ، فَقَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُشْعِرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ، وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ نَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ نَا وُهَيْبٍ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ، وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ؟ فَقَالَ: لَا حَرَجَ» .
стр. 1889
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ «أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَمِنْ قَائِلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا فَكَانَ يَقُولُ: لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ» ، ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَخَذَ بِهَذَا جُمْهُورٌ مِنْ السَّلَفِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ نَا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ.
وَرُوِّينَا عَنْهُ غَيْرَ هَذَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ أَيْضًا -: نَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَقِيَ ابْنَ أَخِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ قَدْ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُقَصِّرَ، ثُمَّ يَرْجِعَ فَيَفِيضَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْهَاشِمِيِّ نَا رَوْحٌ نَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ؟ قَالَ: خَالَفَ السُّنَّةَ، قُلْت: مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: إنَّك لَضَخْمُ اللِّحْيَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نَا الصَّاغَانِيُّ نَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ مُقَاتِلٍ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قَوْمٍ حَلَقُوا قَبْلَ أَنْ يَذْبَحُوا؟ قَالَ: أَخْطَأْتُمْ السُّنَّةَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْكُمْ.
قَالَ عَلِيٌّ: مَا أَخْطَئُوا السُّنَّةَ وَلَا خَالَفُوهَا؛ لِأَنَّ مَا أَبَاحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَرَ فِيهِ حَرَجًا فَهُوَ سُنَّةٌ لَكِنْ تَرَكُوا الْأَفْضَلَ فَقَطْ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى قَبْلَ الْأُولَى قَالَ: يَرْمِي الَّتِي تَرَكَ (وَأَجْزَأَهُ) .
وَبِهِ نَصًّا إلَى سُفْيَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ بَدَأَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ الْبَيْتِ؟ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ - وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ أَتَى الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ بِمَكَّةَ ثَانِيَ يَوْمِ النَّحْرِ
стр. 1890
قَدْ بَدَأَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْأُخْرَى قَالَ: فَسَأَلْت فُقَهَاءَ مَكَّةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ صَدَقَةَ قَالَ: سَأَلْت طَاوُسًا، وَمُجَاهِدًا عَمَّنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ؟ قَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَدَاوُد، وَأَصْحَابِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ غَيْرُ هَذَا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا سَلَّامُ بْنُ مُطِيعٍ وَهُوَ أَبُو الْأَحْوَصِ - عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ حَجِّهِ أَوْ أَخَّرَهُ فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ مِنْ حَجِّهِ أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ أَهْرَقَ دَمًا، وَقَرَأَ ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ صَدَقَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَاهِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَأَمَّا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فِي أَنَّ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ: فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ الْفِدْيَةُ، وَاحْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَغَفْلَةٌ مِمَّنْ احْتَجَّ بِهَذَا؛ لِأَنَّ مَحِلَّ الْهَدْيِ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ بِمِنًى ذَبَحَ أَوْ نَحَرَ، أَوْ لَمْ يَذْبَحْ وَلَا نَحْرَ إذَا دَخَلَ يَوْمُ النَّحْرِ وَالْهَدْيُ بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ فَقَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ فَحَلَّ الْحَلْقُ، وَلَمْ يَقُلْ - تَعَالَى -: حَتَّى تَنْحَرُوا أَوْ تَذْبَحُوا، وَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ سِوَاهُ ﵇.
وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ عَمَّنْ ذَكَرْنَا -: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ أَوْ يَذْبَحَ فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ.
стр. 1891
وَقَالَ زُفَرُ صَاحِبُهُ: إنْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَنْحَرَ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءَ؛ فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ؛ فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ هُوَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَنْحَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِي فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا أَخَّرَ أَوْ قَدَّمَ إلَّا مَنْ طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ هَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا دَعَاوَى بِلَا دَلِيلٍ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ سَدِيدٍ فَأَمَّا تَفْرِيقُ - أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ حُكْمِ الْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ، وَإِيجَابُ زُفَرَ ثَلَاثَةَ دِمَاءَ عَلَى الْقَارِنِ، وَدَمًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، وَتَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ تَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى النَّحْرِ، وَالذَّبْحِ، وَتَفْرِيقُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ تَقْدِيمِ السَّعْيِ عَلَى الطَّوَافِ، وَبَيْنَ سَائِرِ مَا قُدِّمَ وَأُخِّرَ -: فَأَقْوَالٌ لَا تُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَ الْقَائِلِ بِهَا مِمَّنْ ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَبِيت بِغَيْرِ مِنًى أَيَّامَ مِنًى]
٨٤٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَمْ يَبِتْ لَيَالِيَ مِنًى بِمِنًى فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الرِّعَاءَ وَأَهْلَ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ فَلَا نَكْرَهُ لَهُمْ الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ مِنًى؛ بَلْ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدَعُوا يَوْمًا.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدِ ابْنَيْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدْعُوا يَوْمًا» .
فَصَحَّ بِهَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الرَّمْيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ مِنًى لَيْسَ فَرْضًا.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا ابْنُ نُمَيْرٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - نَا أَبِي نَا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ
стр. 1892
حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى فَأَذِنَ لَهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَهْلُ السِّقَايَةِ مَأْذُونٌ لَهُمْ مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ، وَبَاتَ ﵇ بِمِنًى وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمَبِيتِ بِهَا، فَالْمَبِيتُ بِهَا سُنَّةٌ، وَلَيْسَ فَرْضًا، لِأَنَّ الْفَرْضَ إنَّمَا هُوَ أَمْرُهُ ﷺ فَقَطْ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ إذْنَهُ لِلرِّعَاءِ وَتَرْخِيصَهُ لَهُمْ وَإِذْنَهُ لِلْعَبَّاسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُمْ بِخِلَافِهِمْ؟ قُلْنَا: لَا وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ هَذَا لَوْ تَقَدَّمَ مِنْهُ ﵇ أَمْرٌ بِالْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ، فَكَانَ يَكُون هَؤُلَاءِ مُسْتَثْنَيْنَ مِنْ سَائِرِ مَنْ أُمِرُوا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ أَمْرٌ ﵇ فَنَحْنُ نَدْرِي أَنَّ هَؤُلَاءِ مَأْذُونٌ لَهُمْ، وَلَيْسَ غَيْرُهُمْ مَأْمُورًا بِذَلِكَ وَلَا مَنْهِيًّا فَهُمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ -: رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ أَيَّامَ مِنًى " وَصَحَّ هَذَا عَنْهُ ﵁ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ هَذَا؛ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْمَبِيتَ بِغَيْرِ مِنًى أَيَّامَ مِنًى، وَلَمْ يَجْعَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ فِدْيَةً أَصْلًا.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا بَأْسَ لِمَنْ كَانَ لَهُ مَتَاعٌ بِمَكَّةَ أَنْ يَبِيتَ بِهَا لَيَالِي مِنًى.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا رَمَيْت الْجِمَارَ فَبِتْ حَيْثُ شِئْت.
وَبِهِ إلَى إبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ نَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى فِي ضَيْعَتِهِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ أَوَّلَ اللَّيْلِ بِمَكَّةَ وَآخِرَهُ بِمِنًى أَوْ أَوَّلَ اللَّيْلِ بِمِنًى وَآخِرَهُ بِمَكَّةَ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ بَاتَ لَيَالِيَ مِنًى بِمَكَّةَ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ أَوْ نَحْوِهِ.
وَعَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ مِثْلُ هَذَا أَيْضًا يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ إذَا لَمْ يَبِتْ بِمِنًى.
стр. 1893
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: إذَا بَاتَ دُونَ الْعَقَبَةِ أَهْرَقَ دَمًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بِمِثْلِ قَوْلِنَا، وَقَالَ سُفْيَانُ: يُطْعِمُ شَيْئًا، وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاتَ لَيْلَةً مِنْ لَيَالِي مِنًى بِغَيْرِ مِنًى أَوْ أَكْثَرَ لَيْلَتِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ بَاتَ الْأَقَلَّ مِنْ لَيْلَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ بَاتَ لَيْلَةً مِنْ لَيَالِي التَّشْرِيقِ فِي غَيْرِ مِنًى فَلْيَتَصَدَّقْ بِمُدٍّ فَإِنْ بَاتَ لَيْلَتَيْنِ، فَمُدَّانِ فَإِنْ بَاتَ ثَلَاثًا فَدَمٌ - وَرُوِيَ عَنْهُ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثُ دَمٍ، وَفِي لَيْلَتَيْنِ ثُلُثَا دَمٍ وَفِي ثَلَاثِ لَيَالٍ دَمٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهَا يَعْنِي الصَّدَقَةَ بِدِرْهَمٍ أَوْ بِإِطْعَامِ شَيْءٍ أَوْ بِإِيجَابِ دَمٍ، أَوْ بِمُدٍّ، أَوْ مُدَّيْنِ، أَوْ ثُلُثِ دَمٍ، أَوْ ثُلُثَيْ دَمٍ، أَوْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَبِيتِ أَكْثَرَ اللَّيْلِ، أَوْ أَقَلَّهُ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَالْقَوْلُ بِهِ لَا يَجُوزُ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَالِكٍ، وَلَا لِلشَّافِعِيِّ فِي أَقْوَالِهِمْ هَذِهِ سَلَفًا أَصْلًا، لَا مِنْ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ تَابِعٍ.
[مَسْأَلَةٌ رَمَى يَوْمَيْنِ ثُمَّ نَفَرَ وَلَمْ يَرْمِ الثَّالِثَ]
٨٤٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ رَمَى يَوْمَيْنِ، ثُمَّ نَفَرَ، وَلَمْ يَرْمِ الثَّالِثَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ رَمَى الثَّالِثَ فَهُوَ أَحْسَنُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ نَفَرَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ إلَى اللَّيْلِ لَزِمَهُ أَنْ يَرْمِي الثَّالِثَ -: قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ، وَحُكْمٌ بِلَا دَلِيلٍ وَخِلَافٌ لِلْقُرْآنِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُتَمَتِّعَةُ بِعُمْرَةٍ إنْ حَاضَتْ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ]
٨٤٨ - مَسْأَلَةٌ: وَالْمَرْأَةُ الْمُتَمَتِّعَةُ بِعُمْرَةٍ إنْ حَاضَتْ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَفَرْضُهَا أَنْ تُضِيفَ حَجًّا إلَى عُمْرَتِهَا إنْ كَانَتْ تُرِيدُ الْحَجَّ مِنْ عَامِهَا وَتَعْمَلَ عَمَلَ الْحَجِّ حَاشَا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، فَإِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ، وَهَذَا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ بِذَلِكَ قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ.
[مَسْأَلَةٌ تُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَهِيَ تُرِيدُ التَّمَتُّعَ فَتَحِيضُ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ]
٨٤٩ - مَسْأَلَةٌ - وَلَا يَلْزَمُ الْغُسْلُ فِي الْحَجِّ فَرْضًا إلَّا الْمَرْأَةَ تُهِلُّ بِعُمْرَةٍ تُرِيدُ التَّمَتُّعَ فَتَحِيضُ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَهَذِهِ تَغْتَسِلُ وَلَا بُدَّ وَتُقْرِنُ حَجًّا إلَى عُمْرَتِهَا؛ وَالْمَرْأَةُ تَلِدُ قَبْلَ أَنْ تُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ، أَوْ بِالْقِرَانِ: فَفُرِضَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَلْتُهِلَّ بِالْحَجِّ -:
стр. 1894
لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ نَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ حِضْتُ وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحِلَّ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إلَى الْحَجِّ الْآنَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ» .
«وَلِأَمْرِهِ ﵇، أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ إذْ وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» ؛ وَنَحْنُ قَاطِعُونَ بِائْتِمَارِهَا لَهُ ﵇، وَأَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَغْتَسِلَا لَكَانَتَا عَاصِيَتَيْنِ، وَقَدْ أَعَاذَهُمَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ مَعْصِيَة وَهُوَ ذَاكِرٌ لِحَجِّهِ]
٨٥٠ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ تَعَمَّدَ مَعْصِيَةً أَيَّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ - وَهُوَ ذَاكِرٌ لِحَجِّهِ مُذْ يُحْرِمُ إلَى أَنْ يُتِمَّ طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ لِلْإِفَاضَةِ وَيَرْمِيَ الْجَمْرَةَ - فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ؛ فَإِنْ أَتَاهَا نَاسِيًا لَهَا، أَوْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ وَدُخُولِهِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي نِسْيَانِهَا، وَحَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ تَامَّانِ فِي نِسْيَانِهِ كَوْنَهُ فِيهِمَا، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَكَانَ مِنْ شَرْطِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْحَجِّ بَرَاءَتُهُ مِنْ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ، فَمَنْ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْهُمَا فَلَمْ يَحُجَّ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ كَمَا أُمِرَ فَلَا حَجَّ لَهُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا إبْطَالُهُمْ الْحَجَّ بِتَقْبِيلِهِ امْرَأَتَهُ الْمُبَاحَةَ لَهُ فَيُمْنِي وَلَمْ يَنْهَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - قَطُّ عَنْ هَذَا؛ ثُمَّ لَا يُبْطِلُونَهُ بِالْفُسُوقِ مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَسَائِرِ الْفُسُوقِ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إبْطَالُ أَبِي حَنِيفَةَ الْحَجَّ بِوَطْءِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يُؤَاخِذُ بِالنِّسْيَانِ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ثُمَّ لَا يُبْطِلُ الْحَجَّ بِتَعَمُّدِ الْقَصْدِ إلَى أَنْ يَلُوطَ فِي إحْرَامِهِ أَوْ يُلَاطَ بِهِ، فَهَلْ فِي الْفَضَائِحِ وَالْقَبَائِحِ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ؟ وَأَعْجَبُ شَيْءٍ دَعْوَاهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا وَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يَأْتُوا بِرِوَايَةٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي أَنَّ تَعَمُّدَ الْفُسُوقِ لَا يُبْطِلُ بَلْ الرِّوَايَاتُ عَنْ السَّلَفِ تَشْهَدُ لِقَوْلِنَا.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إنَّا لَنُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَأَخْشَى أَنْ لَا أَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى
стр. 1895
أُخْرِجَ إحْرَامِي، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ - وَإِنَّ شُرَيْحًا كَانَ إذَا أَحْرَمَ فَكَأَنَّهُ حَيَّةٌ صَمَّاءُ ٨٥١ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ أَمْكَنَهُ تَجْدِيدُ الْإِحْرَامِ فَلْيَفْعَلْ وَيَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ وَقَدْ أَدَّى فَرْضَهُ لِأَنَّ إحْرَامَهُ الْأَوَّلَ قَدْ بَطَلَ وَأَفْسَدَهُ، وَالتَّمَادِي عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: فِي سِبَابِ الْمُحْرِمِ دَمٌ؛ وَهُمْ يَجْعَلُونَ الدَّمَ فِيمَا لَا يُكْرَهُ فِيهِ مِنْ الْمَبِيتِ فِي غَيْرِ مِنًى وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَجْعَلُونَهُ فِي السِّبَابِ لِلْمُحْرِمِ فِي الْحَجِّ.
[مَسْأَلَةٌ وَقَفَ بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ مَغْصُوبٍ أَوْ جَلَّال]
٨٥٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ مَغْصُوبٍ، أَوْ جَلَّالٍ بَطَلَ حَجُّهُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ فَأَنْفَقَهُ فِي الْحَجِّ - وَلَمْ يَتَوَلَّ هُوَ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ - فَحَجُّهُ تَامٌّ.
أَمَّا الْمَغْصُوبُ، فَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ وَلَمْ يَحُجَّ كَمَا أُمِرَ - وَأَمَّا وُقُوفُهُ عَلَى بَعِيرٍ جَلَّالٍ فَلِمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نَا أَبُو دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيّ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَهْمِ نَا عَمْرٌو هُوَ ابْنُ أَبِي قَيْسٍ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا» .
وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد نَا مُسَدَّدٌ نَا عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ التَّنُّورِيُّ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْجَلَّالَةُ هِيَ الَّتِي عَلَفُهَا الْجُلَّةُ وَهِيَ الْعَذِرَةُ؛ فَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ جَلَّالٍ فَلَمْ يَقِفْ كَمَا أُمِرَ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ فِي وُقُوفِهِ [عَلَيْهِ] وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ طَاعَةٌ وَفَرْضٌ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ تَنُوبَ الْمَعْصِيَةُ عَنْ الطَّاعَةِ وَقَالَ ﵇: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَمَنْ وَقَفَ بِهَا حَامِلًا لِمَالٍ حَرَامٍ، فَلَمْ يَقِفْ كَمَا أُمِرَ بَلْ وَقَفَ عَاصِيًا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَمَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لِلْحَرَامِ عَالِمًا بِهِ فَلَيْسَ عَاصِيًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا فَهُوَ مُحْسِنٌ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَقَدْ وَقَفَ كَمَا أُمِرَ، وَعَفَا اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ عَمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ.
следующие страницы →