Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
وَقَالَ زُفَرُ صَاحِبُهُ: إنْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَنْحَرَ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءَ؛ فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ؛ فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ هُوَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَنْحَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِي فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا أَخَّرَ أَوْ قَدَّمَ إلَّا مَنْ طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ هَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا دَعَاوَى بِلَا دَلِيلٍ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ سَدِيدٍ فَأَمَّا تَفْرِيقُ - أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ حُكْمِ الْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ، وَإِيجَابُ زُفَرَ ثَلَاثَةَ دِمَاءَ عَلَى الْقَارِنِ، وَدَمًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، وَتَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ تَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى النَّحْرِ، وَالذَّبْحِ، وَتَفْرِيقُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ تَقْدِيمِ السَّعْيِ عَلَى الطَّوَافِ، وَبَيْنَ سَائِرِ مَا قُدِّمَ وَأُخِّرَ -: فَأَقْوَالٌ لَا تُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَ الْقَائِلِ بِهَا مِمَّنْ ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَبِيت بِغَيْرِ مِنًى أَيَّامَ مِنًى]
٨٤٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَمْ يَبِتْ لَيَالِيَ مِنًى بِمِنًى فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الرِّعَاءَ وَأَهْلَ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ فَلَا نَكْرَهُ لَهُمْ الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ مِنًى؛ بَلْ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدَعُوا يَوْمًا.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدِ ابْنَيْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدْعُوا يَوْمًا» .
فَصَحَّ بِهَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الرَّمْيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ مِنًى لَيْسَ فَرْضًا.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا ابْنُ نُمَيْرٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - نَا أَبِي نَا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ
стр. 1892
حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى فَأَذِنَ لَهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَهْلُ السِّقَايَةِ مَأْذُونٌ لَهُمْ مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ، وَبَاتَ ﵇ بِمِنًى وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمَبِيتِ بِهَا، فَالْمَبِيتُ بِهَا سُنَّةٌ، وَلَيْسَ فَرْضًا، لِأَنَّ الْفَرْضَ إنَّمَا هُوَ أَمْرُهُ ﷺ فَقَطْ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ إذْنَهُ لِلرِّعَاءِ وَتَرْخِيصَهُ لَهُمْ وَإِذْنَهُ لِلْعَبَّاسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُمْ بِخِلَافِهِمْ؟ قُلْنَا: لَا وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ هَذَا لَوْ تَقَدَّمَ مِنْهُ ﵇ أَمْرٌ بِالْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ، فَكَانَ يَكُون هَؤُلَاءِ مُسْتَثْنَيْنَ مِنْ سَائِرِ مَنْ أُمِرُوا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ أَمْرٌ ﵇ فَنَحْنُ نَدْرِي أَنَّ هَؤُلَاءِ مَأْذُونٌ لَهُمْ، وَلَيْسَ غَيْرُهُمْ مَأْمُورًا بِذَلِكَ وَلَا مَنْهِيًّا فَهُمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ -: رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ أَيَّامَ مِنًى " وَصَحَّ هَذَا عَنْهُ ﵁ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ هَذَا؛ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْمَبِيتَ بِغَيْرِ مِنًى أَيَّامَ مِنًى، وَلَمْ يَجْعَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ فِدْيَةً أَصْلًا.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا بَأْسَ لِمَنْ كَانَ لَهُ مَتَاعٌ بِمَكَّةَ أَنْ يَبِيتَ بِهَا لَيَالِي مِنًى.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا رَمَيْت الْجِمَارَ فَبِتْ حَيْثُ شِئْت.
وَبِهِ إلَى إبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ نَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى فِي ضَيْعَتِهِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ أَوَّلَ اللَّيْلِ بِمَكَّةَ وَآخِرَهُ بِمِنًى أَوْ أَوَّلَ اللَّيْلِ بِمِنًى وَآخِرَهُ بِمَكَّةَ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ بَاتَ لَيَالِيَ مِنًى بِمَكَّةَ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ أَوْ نَحْوِهِ.
وَعَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ مِثْلُ هَذَا أَيْضًا يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ إذَا لَمْ يَبِتْ بِمِنًى.
стр. 1893
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: إذَا بَاتَ دُونَ الْعَقَبَةِ أَهْرَقَ دَمًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بِمِثْلِ قَوْلِنَا، وَقَالَ سُفْيَانُ: يُطْعِمُ شَيْئًا، وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاتَ لَيْلَةً مِنْ لَيَالِي مِنًى بِغَيْرِ مِنًى أَوْ أَكْثَرَ لَيْلَتِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ بَاتَ الْأَقَلَّ مِنْ لَيْلَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ بَاتَ لَيْلَةً مِنْ لَيَالِي التَّشْرِيقِ فِي غَيْرِ مِنًى فَلْيَتَصَدَّقْ بِمُدٍّ فَإِنْ بَاتَ لَيْلَتَيْنِ، فَمُدَّانِ فَإِنْ بَاتَ ثَلَاثًا فَدَمٌ - وَرُوِيَ عَنْهُ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثُ دَمٍ، وَفِي لَيْلَتَيْنِ ثُلُثَا دَمٍ وَفِي ثَلَاثِ لَيَالٍ دَمٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهَا يَعْنِي الصَّدَقَةَ بِدِرْهَمٍ أَوْ بِإِطْعَامِ شَيْءٍ أَوْ بِإِيجَابِ دَمٍ، أَوْ بِمُدٍّ، أَوْ مُدَّيْنِ، أَوْ ثُلُثِ دَمٍ، أَوْ ثُلُثَيْ دَمٍ، أَوْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَبِيتِ أَكْثَرَ اللَّيْلِ، أَوْ أَقَلَّهُ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَالْقَوْلُ بِهِ لَا يَجُوزُ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَالِكٍ، وَلَا لِلشَّافِعِيِّ فِي أَقْوَالِهِمْ هَذِهِ سَلَفًا أَصْلًا، لَا مِنْ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ تَابِعٍ.
[مَسْأَلَةٌ رَمَى يَوْمَيْنِ ثُمَّ نَفَرَ وَلَمْ يَرْمِ الثَّالِثَ]
٨٤٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ رَمَى يَوْمَيْنِ، ثُمَّ نَفَرَ، وَلَمْ يَرْمِ الثَّالِثَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ رَمَى الثَّالِثَ فَهُوَ أَحْسَنُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ نَفَرَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ إلَى اللَّيْلِ لَزِمَهُ أَنْ يَرْمِي الثَّالِثَ -: قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ، وَحُكْمٌ بِلَا دَلِيلٍ وَخِلَافٌ لِلْقُرْآنِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُتَمَتِّعَةُ بِعُمْرَةٍ إنْ حَاضَتْ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ]
٨٤٨ - مَسْأَلَةٌ: وَالْمَرْأَةُ الْمُتَمَتِّعَةُ بِعُمْرَةٍ إنْ حَاضَتْ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَفَرْضُهَا أَنْ تُضِيفَ حَجًّا إلَى عُمْرَتِهَا إنْ كَانَتْ تُرِيدُ الْحَجَّ مِنْ عَامِهَا وَتَعْمَلَ عَمَلَ الْحَجِّ حَاشَا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، فَإِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ، وَهَذَا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ بِذَلِكَ قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ.
[مَسْأَلَةٌ تُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَهِيَ تُرِيدُ التَّمَتُّعَ فَتَحِيضُ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ]
٨٤٩ - مَسْأَلَةٌ - وَلَا يَلْزَمُ الْغُسْلُ فِي الْحَجِّ فَرْضًا إلَّا الْمَرْأَةَ تُهِلُّ بِعُمْرَةٍ تُرِيدُ التَّمَتُّعَ فَتَحِيضُ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَهَذِهِ تَغْتَسِلُ وَلَا بُدَّ وَتُقْرِنُ حَجًّا إلَى عُمْرَتِهَا؛ وَالْمَرْأَةُ تَلِدُ قَبْلَ أَنْ تُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ، أَوْ بِالْقِرَانِ: فَفُرِضَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَلْتُهِلَّ بِالْحَجِّ -:
стр. 1894
لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ نَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ حِضْتُ وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحِلَّ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إلَى الْحَجِّ الْآنَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ» .
«وَلِأَمْرِهِ ﵇، أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ إذْ وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» ؛ وَنَحْنُ قَاطِعُونَ بِائْتِمَارِهَا لَهُ ﵇، وَأَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَغْتَسِلَا لَكَانَتَا عَاصِيَتَيْنِ، وَقَدْ أَعَاذَهُمَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ مَعْصِيَة وَهُوَ ذَاكِرٌ لِحَجِّهِ]
٨٥٠ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ تَعَمَّدَ مَعْصِيَةً أَيَّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ - وَهُوَ ذَاكِرٌ لِحَجِّهِ مُذْ يُحْرِمُ إلَى أَنْ يُتِمَّ طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ لِلْإِفَاضَةِ وَيَرْمِيَ الْجَمْرَةَ - فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ؛ فَإِنْ أَتَاهَا نَاسِيًا لَهَا، أَوْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ وَدُخُولِهِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي نِسْيَانِهَا، وَحَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ تَامَّانِ فِي نِسْيَانِهِ كَوْنَهُ فِيهِمَا، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَكَانَ مِنْ شَرْطِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْحَجِّ بَرَاءَتُهُ مِنْ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ، فَمَنْ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْهُمَا فَلَمْ يَحُجَّ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ كَمَا أُمِرَ فَلَا حَجَّ لَهُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا إبْطَالُهُمْ الْحَجَّ بِتَقْبِيلِهِ امْرَأَتَهُ الْمُبَاحَةَ لَهُ فَيُمْنِي وَلَمْ يَنْهَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - قَطُّ عَنْ هَذَا؛ ثُمَّ لَا يُبْطِلُونَهُ بِالْفُسُوقِ مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَسَائِرِ الْفُسُوقِ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إبْطَالُ أَبِي حَنِيفَةَ الْحَجَّ بِوَطْءِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يُؤَاخِذُ بِالنِّسْيَانِ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ثُمَّ لَا يُبْطِلُ الْحَجَّ بِتَعَمُّدِ الْقَصْدِ إلَى أَنْ يَلُوطَ فِي إحْرَامِهِ أَوْ يُلَاطَ بِهِ، فَهَلْ فِي الْفَضَائِحِ وَالْقَبَائِحِ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ؟ وَأَعْجَبُ شَيْءٍ دَعْوَاهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا وَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يَأْتُوا بِرِوَايَةٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي أَنَّ تَعَمُّدَ الْفُسُوقِ لَا يُبْطِلُ بَلْ الرِّوَايَاتُ عَنْ السَّلَفِ تَشْهَدُ لِقَوْلِنَا.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إنَّا لَنُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَأَخْشَى أَنْ لَا أَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى
стр. 1895
أُخْرِجَ إحْرَامِي، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ - وَإِنَّ شُرَيْحًا كَانَ إذَا أَحْرَمَ فَكَأَنَّهُ حَيَّةٌ صَمَّاءُ ٨٥١ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ أَمْكَنَهُ تَجْدِيدُ الْإِحْرَامِ فَلْيَفْعَلْ وَيَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ وَقَدْ أَدَّى فَرْضَهُ لِأَنَّ إحْرَامَهُ الْأَوَّلَ قَدْ بَطَلَ وَأَفْسَدَهُ، وَالتَّمَادِي عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: فِي سِبَابِ الْمُحْرِمِ دَمٌ؛ وَهُمْ يَجْعَلُونَ الدَّمَ فِيمَا لَا يُكْرَهُ فِيهِ مِنْ الْمَبِيتِ فِي غَيْرِ مِنًى وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَجْعَلُونَهُ فِي السِّبَابِ لِلْمُحْرِمِ فِي الْحَجِّ.
[مَسْأَلَةٌ وَقَفَ بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ مَغْصُوبٍ أَوْ جَلَّال]
٨٥٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ مَغْصُوبٍ، أَوْ جَلَّالٍ بَطَلَ حَجُّهُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ فَأَنْفَقَهُ فِي الْحَجِّ - وَلَمْ يَتَوَلَّ هُوَ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ - فَحَجُّهُ تَامٌّ.
أَمَّا الْمَغْصُوبُ، فَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ وَلَمْ يَحُجَّ كَمَا أُمِرَ - وَأَمَّا وُقُوفُهُ عَلَى بَعِيرٍ جَلَّالٍ فَلِمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نَا أَبُو دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيّ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَهْمِ نَا عَمْرٌو هُوَ ابْنُ أَبِي قَيْسٍ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا» .
وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد نَا مُسَدَّدٌ نَا عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ التَّنُّورِيُّ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْجَلَّالَةُ هِيَ الَّتِي عَلَفُهَا الْجُلَّةُ وَهِيَ الْعَذِرَةُ؛ فَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ جَلَّالٍ فَلَمْ يَقِفْ كَمَا أُمِرَ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ فِي وُقُوفِهِ [عَلَيْهِ] وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ طَاعَةٌ وَفَرْضٌ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ تَنُوبَ الْمَعْصِيَةُ عَنْ الطَّاعَةِ وَقَالَ ﵇: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَمَنْ وَقَفَ بِهَا حَامِلًا لِمَالٍ حَرَامٍ، فَلَمْ يَقِفْ كَمَا أُمِرَ بَلْ وَقَفَ عَاصِيًا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَمَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لِلْحَرَامِ عَالِمًا بِهِ فَلَيْسَ عَاصِيًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا فَهُوَ مُحْسِنٌ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَقَدْ وَقَفَ كَمَا أُمِرَ، وَعَفَا اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ عَمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ.
стр. 1896
وَأَمَّا نَفَقَةُ الْمَالِ الْحَرَامِ فِي الْحَجِّ وَطَرِيقُهُ -: فَهُوَ إنْ كَانَ عَاصِيًا بِذَلِكَ فَلَمْ يُبَاشِرْ الْمَعْصِيَةَ فِي حَالِ إحْرَامِهِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ حَجِّهِ فَلَمْ يَخْلِطْ فِي عَمَلِهِ الْوَاجِبِ عَمَلًا مُحَرَّمًا وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَكِبَ الْجَلَّالَ فِي شَيْءٍ مِنْ إحْرَامِهِ أَوْ عَمَلِ حَجِّهِ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَالْمَعْصِيَةُ: فُسُوقٌ؛ وَقَدْ وَافَقُونَا عَلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى الْفَرْضَ رَاكِبًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا عَمَلٌ مُحَرَّمٌ.
[مَسْأَلَةٌ عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ]
٨٥٣ - مَسْأَلَةٌ: وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ، وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ؛ لِأَنَّ عَرَفَةَ مِنْ الْحِلِّ، وَبَطْنَ عُرَنَةَ مِنْ الْحَرَمِ فَهُوَ غَيْرُ عَرَفَةَ؛ وَأَمَّا مُزْدَلِفَةُ فَهِيَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَهِيَ مِنْ الْحَرَمِ؛ وَبَطْنُ مُحَسِّرٍ مِنْ الْحِلِّ فَهُوَ غَيْرُ مُزْدَلِفَةَ.
نَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ نَا جَعْفَرُ الصَّائِغُ نَا أَبُو نَصْرٍ النِّمَارُ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» .
[مَسْأَلَةٌ رَمْيُ الْجِمَارِ بِحَصًى قَدْ رُمِيَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ]
٨٥٤ - مَسْأَلَةٌ: وَرَمْيُ الْجِمَارِ بِحَصًى قَدْ رُمِيَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ رَمْيُهَا رَاكِبًا حَسَنٌ؛ أَمَّا رَمْيُهَا بِحَصًى قَدْ رُمِيَ بِهِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ -: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ حَصَى الْجِمَارِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُ رُفِعَ، وَمَا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ تُرِكَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ هِضَابًا تَسُدُّ الطَّرِيقَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ فَكَانَ مَاذَا؟ وَإِنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ - رَمْيُ هَذِهِ الْحَصَى مِنْ عَمْرٍو فَيُسْتَقْبَلُ مِنْ زَيْدٍ، وَقَدْ يَتَصَدَّقُ الْمَرْءُ بِصَدَقَةٍ فَلَا يَقْبَلُهَا اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْهُ؛ ثُمَّ يَمْلِكُ تِلْكَ الْعَيْنَ آخَرُ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا فَتُقْبَلُ مِنْهُ.
وَأَمَّا رَمْيُهَا رَاكِبًا -: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - نَا وَكِيعٌ نَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
стр. 1897
قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ صَهْبَاءَ، لَا ضَرْبَ، وَلَا طَرْدَ، وَلَا إلَيْكَ إلَيْكَ» .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ: رَمْيُ الْجَمْرَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ رَاكِبًا أَفْضَلُ وَرَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ رَاجِلًا أَفْضَلُ؛ وَهَذَا تَقْسِيمٌ فَاسِدٌ بِلَا بُرْهَانٍ بَلْ رَمْيُهَا رَاكِبًا أَفْضَلُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[مَسْأَلَةٌ تَعَمُّدُ الْوَطْءِ فِي الْحَلَالِ ذَاكِرًا لِحَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ]
٨٥٥ - مَسْأَلَةٌ: وَيُبْطِلُ الْحَجَّ تَعَمُّدُ الْوَطْءِ فِي الْحَلَالِ مِنْ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ ذَاكِرًا لِحَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ فَإِنْ وَطِئَهَا نَاسِيًا؛ لِأَنَّهُ فِي عَمَلِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يَبْطُلُ بِتَعَمُّدِهِ أَيْضًا حَجُّ الْمَوْطُوءَةِ وَعُمْرَتُهَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَالرَّفَثُ الْجِمَاعُ؛ فَمَنْ جَامَعَ فَلَمْ يَحُجَّ، وَلَا اعْتَمَرَ كَمَا أُمِرَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَأَمَّا النَّاسِي، وَالْمُكْرَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وَلِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا.
[مَسْأَلَةٌ وَطِئَ وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَوْ رَمْيِ الْجَمْرَةِ]
٨٥٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَإِنْ وَطِئَ وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَوْ شَيْءٌ مِنْ رَمْيِ الْجَمْرَةِ فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ كَمَا قُلْنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
فَصَحَّ أَنَّ مَنْ رَفَثَ وَلَمْ يُكْمِلْ حَجَّهُ فَلَمْ يَحُجَّ كَمَا أُمِرَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَبْطُلُ الْحَجُّ بِالْوَطْءِ بَعْدَ عَرَفَةَ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ بَطَلَ حَجُّهُ، وَإِنْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ لَمْ يَبْطُلْ حَجُّهُ، وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ لَمْ يَبْطُلْ حَجُّهُ.
فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَتَقْسِيمٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ أَصْلًا.
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةَ» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا لِأَنَّ الَّذِي قَالَ هَذَا هُوَ الَّذِي أَخْبَرَنَا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى
стр. 1898
بِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَبِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] .
وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِرَمْيِ الْجَمْرَةِ فَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِبَعْضِ قَوْلِهِ دُونَ بَعْضٍ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَكَانَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ هُوَ الْحَجُّ كَعَرَفَةَ وَلَا فَرْقَ.
وَقَوْلُهُ ﵇: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ غَيْرَ عَرَفَةَ أَيْضًا؛ وَقَدْ وَافَقَنَا الْمُخَالِفُ عَلَى أَنَّ امْرَأً لَوْ قَصَدَ عَرَفَةَ فَوَقَفَ بِهَا فَلَمْ يُحْرِمْ وَلَا لَبَّى، وَلَا طَافَ، وَلَا سَعَى فَلَا حَجَّ لَهُ؛ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِقَوْلِهِ ﵇: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» .
[مَسْأَلَةٌ وَطِئَ عَامِدًا فَبَطَلَ حَجُّهُ]
٨٥٧ - مَسْأَلَةٌ:
فَمَنْ وَطِئَ عَامِدًا كَمَا قُلْنَا فَبَطَلَ حَجُّهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَمَادَى عَلَى عَمَلٍ فَاسِدٍ بَاطِلٍ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ لَكِنْ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَ تَمَامَ الْحَجِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ تَمَامَ الْحَجِّ فَقَدْ عَصَى، وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا هَدْيَ فِي ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ، فَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا -: فَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنْ يَتَمَادَيَا فِي حَجِّهِمَا، ثُمَّ يَحُجَّانِ مِنْ قَابِلٍ وَيَتَفَرَّقَانِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي جَامَعَ فِيهِ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَعَلَيْهَا، وَهَذَا مُرْسَلٌ عَنْ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عُمَرَ وَلَمْ يُدْرِكْ مُجَاهِدُ عُمَرَ.
وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ عَلَى كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ وَيَتَفَرَّقَانِ إذَا حَجَّا مِنْ قَابِلٍ وَهَذَا مُرْسَلٌ عَنْ عَلِيٍّ، لِأَنَّهُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَكَمُ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا.
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقْوَالًا مِنْهَا: أَنْ يَتَمَادَيَا عَلَى حَجِّهِمَا ذَلِكَ وَعَلَيْهِمَا هَدْيٌ وَحَجٌّ قَابِلٌ وَيَتَفَرَّقَانِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا صَامَ صِيَامَ الْمُتَمَتِّعِ، وَقَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ هَذَا سَوَاءٌ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعَوِّضْ مِنْ الدَّمِ صِيَامًا.
وَعَنْ ابْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا تَفْرِيقًا.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَيَتَفَرَّقَانِ مِنْ قَابِلٍ قَبْلَ الْمَوْضِعِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيٌ.
стр. 1899
وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُجَامِعِ: أُفٍّ لَا أُفْتِيكَ بِشَيْءٍ؟ وَأَمَّا مَنْ جَامَعَ بَعْدَ عَرَفَةَ -: فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَنْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَالْهَدْيُ - وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا: عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَبَدَنَةٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزُورٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا بَدَنَةٌ.
وَرُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لَا هَدْيَ إلَّا عَلَى الْمُحْصَرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ وَطِئَ قَبْلَ عَرَفَةَ تَمَادَيَا عَلَى حَجِّهِمَا ذَلِكَ وَعَلَيْهِمَا حَجٌّ؛ قَابِلٌ وَهَدْيٌ وَيُجْزِئُ فِي ذَلِكَ شَاةٌ وَلَا يَتَفَرَّقَانِ، فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ عَرَفَةَ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَانَ مِنْ الْعَجَبِ أَنَّهُ إذَا بَطَلَ حَجُّهُ أَجْزَأَهُ هَدْيُ شَاةٍ وَإِذَا تَمَّ حَجُّهُ لَمْ يُجِزْهُ إلَّا بَدَنَةٌ، وَهَذَا تَقْسِيمٌ مَا رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ؛ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ اخْتَلَفَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا ذَكَرْنَا وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَهَذَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ لَمْ يُوجِبْ فِي ذَلِكَ هَدْيًا أَصْلًا وَلَا أَمَرَ بِالتَّمَادِي عَلَى الْحَجِّ.
قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] فَمِنْ الْخَطَأِ تَمَادِيهِ عَلَى عَمَلٍ لَا يُصْلِحُهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ بِلَا خِلَافٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ، فَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُصْلِحُ عَمَلَهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْحَجَّ إنَّمَا يَجِبُ مَرَّةً؛ وَمَنْ أَلْزَمهُ التَّمَادِي عَلَى ذَلِكَ الْحَجِّ الْفَاسِدِ، ثُمَّ أَلْزَمَهُ حَجًّا آخَرَ فَقَدْ أَلْزَمَهُ حَجَّتَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ مَنْ أَبْطَلَ صَلَاتَهُ أَنَّهُ لَا يَتَمَادَى عَلَيْهَا فَلِمَ أَلْزَمُوهُ التَّمَادِي عَلَى الْحَجِّ؟ وَقَدْ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيًّا فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمْ مِنْ التَّفَرُّقِ فَلَا نَكِرَةَ فِيمَنْ خَالَفَ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي قَوْلٍ قَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَإِنَّمَا هُمْ سِتَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مُخْتَلِفُونَ كَمَا ذَكَرْنَا، فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ
стр. 1900
وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوجَبُ هَدْيٌ بِغَيْرِ قُرْآنٍ، وَلَا عَهْدٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ فِيمَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ: أَنَّ حَجَّهُ يَصِيرُ عُمْرَةً وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَبَدَنَةٌ - فَلَمْ يَرَيَا عَلَيْهِ التَّمَادِي فِي عَمَلِ الْحَجِّ.
وَرُوِّينَا عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى حَدِّهِمَا - يَعْنِي الْمِيقَاتَ - وَيُهِلَّانِ بِعُمْرَةٍ، وَيَتَفَرَّقَانِ، وَيُهْدِيَانِ هَدْيًا هَدْيًا.
وَعَنْ الْحَسَنِ فِيمَنْ وَطِئَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ؟ قَالَ: عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَلَمْ يَذْكُرْ هَدْيًا أَصْلًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ وَطِئَ قَبْلَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَحَجٌّ قَابِلٌ وَيَتَفَرَّقَانِ مِنْ حَيْثُ جَامَعَهَا؛ فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَهَدْيُ بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَشَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ صِيَامَ الْمُتَمَتِّعِ، فَكَانَ إيجَابُ الْعُمْرَةِ، هَاهُنَا عَجَبًا لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ؟ وَكَذَلِكَ تَقْسِيمُهُ الْهَدْيَ وَتَقْسِيمُهُ وَقْتَ الْوَطْءِ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ وَطِئَ مَا بَيْنَ أَنْ يُحْرِمَ إلَى أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً فَسَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَتْ الْبَدَنَةُ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا فَأَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ - فَكَانَ هَذَا أَيْضًا قَوْلًا لَا يُؤَيِّدُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ أَخْطَأَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِذِي الْحِجَّةِ]
٨٥٨ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ أَخْطَأَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِذِي الْحِجَّةِ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ وَهُوَ يَظُنُّهُ التَّاسِعَ، وَوَقَفَ بِمُزْدَلِفَةَ اللَّيْلَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَهُوَ يَظُنُّهَا الْعَاشِرَةَ -: فَحَجُّهُ تَامٌّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْهَا؛ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ ﵇ الْوُقُوفَ بِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
стр. 1901
فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا أَجْزَأَهُ مَا لَمْ يَقِفْ فِي وَقْتٍ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ فِيهِ.
وَقَدْ تَيَقَّنَ الْإِجْمَاعُ مِنْ الصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، وَالْخَالِفِ، وَالسَّالِفِ: أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ اللَّيْلَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا حَجَّ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ وَقَفَ بِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهَا الْعَاشِرَةُ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ النَّاسِ.
[مَسْأَلَةٌ صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحَجَّة]
٨٥٩ - مَسْأَلَةٌ:
فَإِنْ صَحَّ عِنْدَهُ بِعِلْمٍ أَوْ بِخَبَرٍ صَادِقٍ: أَنَّ هَذَا هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ إلَّا أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَرَوْهُ رُؤْيَةً تُوجِبُ أَنَّهَا الْيَوْمُ الثَّامِنُ فَفَرَضَ عَلَيْهِ الْوُقُوفَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ الْيَوْمُ التَّاسِعُ، وَإِلَّا فَحَجُّهُ بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَا.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: شَهِدَ نَفَرٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ فَذَهَبَ بِهِمْ سَالِمٌ إلَى ابْنِ هِشَامٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِّ فَلَمْ يَقْبَلْهُمْ فَوَقَفَ سَالِمٌ بِعَرَفَةَ لِوَقْتِ شَهَادَتِهِمْ، ثُمَّ دَفَعَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَقَفَ مَعَ النَّاسِ.
[مَسْأَلَةٌ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ أَوْ جُنَّ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ]
٨٦٠ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ، أَوْ جُنَّ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ فِي عَقْلِهِ فَإِحْرَامُهُ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ جُنَّ بَعْدَ أَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَلَوْ طَرْفَةَ عَيْنٍ أَوْ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ شَيْئًا مِنْ الصَّلَاةِ بِمُزْدَلِفَةَ مَعَ الْإِمَامِ فَحَجُّهُ تَامٌّ؛ لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ وَالْجُنُونَ لَا يُبْطِلَانِ عَمَلًا تَقَدَّمَ أَصْلًا، وَلَا جَاءَ بِذَلِكَ نَصٌّ أَصْلًا وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَيْسَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: فَذَكَرَ النَّائِمَ حَتَّى يَنْتَبِهَ وَالْمُبْتَلَى حَتَّى يُفِيقَ وَالصَّبِيَّ حَتَّى يَبْلُغَ» بِمُوجِبِ بُطْلَانِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ: أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ فَقَطْ، فَإِذَا أَفَاقُوا صَارُوا عَلَى حُكْمِهِمْ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
[مَسْأَلَةٌ نَامَ قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ]
٨٦١ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ جُنَّ، أَوْ نَامَ قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ فَلَمْ يُفِقْ، وَلَا اسْتَيْقَظَ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ، سَوَاءٌ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ أَوْ لَمْ يَقِفْ بِهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ، أَوْ نَامَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ شَيْئًا مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ مَعَ الْإِمَامِ فَلَمْ يُفِقْ وَلَا اسْتَيْقَظَ إلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ.
فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ فَنَامَتْ، أَوْ جُنَّتْ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ تَقِفَ بِمُزْدَلِفَةَ فَلَمْ تُفِقْ،
стр. 1902
وَلَا انْتَبَهَتْ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهَا، وَسَوَاءٌ وَقَفَ بِهَا بِمُزْدَلِفَةَ، أَوْ لَمْ يَقِفْ، لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الْمَذْكُورَةَ فَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجْزِي عَمَلٌ مَأْمُورٌ بِهِ إلَّا بِنِيَّةِ الْقَصْدِ إلَيْهِ مُؤَدًّى بِإِخْلَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ كَمَا أَمَرَ ؛ وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا فَلَمْ يَعْبُدْ اللَّهَ فِي الْأَعْمَالِ الْمَذْكُورَةِ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ بِهَا فَلَمْ يَأْتِ بِهَا، وَلَا حَجَّ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا، وَلَا يُجْزِي أَنْ يَقِفَ بِهِ غَيْرُهُ هُنَالِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ امْرَأً مَرَّ بِعَرَفَةَ مُجْتَازًا لَيْلَةَ النَّحْرِ - نَزَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَنْزِلْ - وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهَا عَرَفَةُ - فَلَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَلَا حَجَّ لَهُ حَتَّى يَقِفَ بِهَا قَاصِدًا إلَى الْوُقُوفِ بِهَا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ عَنْ غَيْرِهِ فَإِذَا أَحْرَمَ بِنِيَّةِ الْحَجِّ أَجْزَأَ كُلُّ عَمَلٍ فِي الْحَجِّ بِلَا نِيَّةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: أَعْمَالُ الْحَجِّ كُلُّهَا تَجْزِي بِلَا نِيَّةٍ، وَلَوْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ حَجَّ وَلَا يَنْوِي إلَّا التَّطَوُّعُ أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا لَوْ أَنَّ امْرَأً عَلَيْهِ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا، أَوْ عَلَيْهِ الظُّهْرُ فَصَلَّى أَرْبَعًا تَطَوُّعًا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْفَرْضِ، وَأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَتَصَدَّقَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ تَطَوُّعًا أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ مِنْ الْفَرْضِ.
وَأَجْمَعُوا إلَّا زُفَرَ: أَنَّ مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ يَنْوِي بِهِ التَّطَوُّعَ فَقَطْ، أَوْ لَا يَنْوِي بِهِ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ مِنْ صَوْمِ الْفَرْضِ - فَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ لَوْ نَصَحُوا أَنْفُسَهُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ لِلصَّبِيِّ حَجًّا، وَسَمِعَ إنْسَانًا لَمْ يَكُنْ حَجَّ يُلَبِّي عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ [لَهُ] «اجْعَلْ حَجَّكَ هَذَا عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» .
стр. 1903
قُلْنَا: أَمَّا إخْبَارُهُ ﵇ أَنَّ لِلصَّبِيِّ حَجًّا فَخَبَرٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ وَلَا مُتَعَلِّقَ لَكُمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ﵇ ذَلِكَ الْحَجَّ جَازِيًا مِنْ حَجِّ الْفَرِيضَةِ، فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْكُمْ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ لِلصَّبِيِّ حَجًّا كَمَا قَالَ ﵇ وَهُوَ تَطَوُّعٌ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ لِلصَّبِيِّ صَلَاةً وَصَوْمًا وَكُلُّ ذَلِكَ تَطَوُّعٌ مِنْهُ وَلَهُ، وَقَدْ كَانَ الصِّبْيَانُ يَشْهَدُونَ الصَّلَوَاتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَجَّ بِهِمْ مَعَهُ وَلَا فَرْقَ.
وَأَمَّا خَبَرُ شُبْرُمَةَ فَلَا يَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ حَجَّهُ عَنْ شُبْرُمَةَ يُجْزِي عَنْ الَّذِي حَجَّ عَنْهُ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنْ يَجْعَلَ الْحَجَّةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي هَذَا إيجَابٌ لِلنِّيَّةِ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ فِيمَنْ عَلَيْهِ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ مِنْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ، أَوْ نَذْرٍ، وَعَلَيْهِ حَجٌّ نَذَرَهُ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ فَصَامَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَحَجَّ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَعَنْ فَرْضِ رَمَضَانَ، وَتِلْكَ الْحَجَّةُ تُجْزِئُهُ عَنْ نَذْرِهِ وَفَرْضِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ - وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قَالَ مَالِكِيٌّ: الْحَجُّ كَصَوْمِ الْيَوْمِ إذَا دَخَلَ فِيهِ بِنِيَّةٍ، ثُمَّ عَزَبَتْ نِيَّتُهُ أَجْزَأَهُ؟ قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ أَعْمَالٌ كَثِيرَةٌ مُتَغَايِرَةٌ يَحُولُ بَيْنَهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا كَالتَّلْبِيَةِ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَا بُدَّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنْ نِيَّةٍ لَهُ.
وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَهُوَ عَمَلٌ مُتَّصِلٌ لَا يَنْفَصِلُ فَيُجْزِئُهُ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهِ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ إحَالَةَ نِيَّتِهِ أَوْ إبْطَالَ إحْرَامِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
[مَسْأَلَةٌ أَدْرَكَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ فَلَمَّا سَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّهُ غَيْر طَاهِر]
٨٦٢ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ مِنْ الرِّجَالِ فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ ذَكَرَ هَذَا الْإِنْسَانُ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ صَيْدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ عَامِدًا لِقَتْلِهِ]
٨٦٣ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ قَتَلَ صَيْدًا مُتَصَيِّدًا لَهُ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ عَامِدًا لِقَتْلِهِ فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ أَوْ عُمْرَتُهُ لِبُطْلَانِ إحْرَامِهِ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ مَعَ ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] الْآيَةَ، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا فِي إحْرَامِهِ فَإِذَا فَعَلَ فَلَمْ
стр. 1904
يُحْرِمْ كَمَا أُمِرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَهُ بِإِحْرَامٍ لَيْسَ فِيهِ تَعَمُّدُ قَتْلِ صَيْدٍ، وَهَذَا الْإِحْرَامُ هُوَ بِلَا شَكٍّ غَيْرُ الْإِحْرَامِ الَّذِي فِيهِ تَعَمُّدُ قَتْلِ الصَّيْدِ فَلَمْ يَأْتِ بِالْإِحْرَامِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَعَمُّدَ قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ فُسُوقٌ، وَمَنْ فَسَقَ فِي حَجِّهِ فَلَمْ يَحُجَّ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ يَحُجَّ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نَا عَبْدُ الْوَارِثُ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَنْ قَتَلَ صَيْدًا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ - وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فَسَمَّاهُمْ: حُرُمًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا إقْدَامٌ مِنْهُمْ عَظِيمٌ عَلَى تَقْوِيلِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: حُرُمًا، قَبْلَ قَتْلِ الصَّيْدِ، وَنَهَاهُمْ إذَا كَانُوا حُرُمًا عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ، وَمَا سَمَّاهُمْ تَعَالَى قَطُّ بَعْدَ قَتْلِ الصَّيْدِ: حُرُمًا فَأُفٍّ لِكُلِّ عَصَبِيَّةٍ لِمَذْهَبٍ تَحْدُو إلَى الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى جِهَارًا.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَأَثْبَتَ الْحَجَّ وَنَهَى فِيهِ عَنْ الرَّفَثِ فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يُبْطِلُوا الْحَجَّ بِالْجِمَاعِ الَّذِي هُوَ الرَّفَثُ، وَهَذِهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا وَلَا فَرْقَ: وَإِنَّمَا جَعَلَهُمْ تَعَالَى فِي الْحَجِّ مَا لَمْ يَرْفُثُوا وَلَا فَسَقُوا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ أَوْجَبَ ﵇ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا وَلَمْ يُخْبِرْ بِأَنَّ إحْرَامَهُ بَطَلَ؟ قُلْنَا لَهُمْ: قُلْتُمْ الْبَاطِلَ، بَلْ قَدْ أَخْبَرَ ﵇ بِأَنَّ إحْرَامَهُ قَدْ بَطَلَ بِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
وَأَيْضًا: فَلَمْ يَقُلْ ﵇ قَطُّ: إنَّ إحْرَامَهُ لَمْ يَبْطُلْ؛ وَلَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 1905
[مَسْأَلَةٌ فُسُوق تَعَمَّدَهُ الْمُحْرِمُ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ]
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ فُسُوقٍ تَعَمَّدَهُ الْمُحْرِمُ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَقَدْ بَطَلَ إحْرَامُهُ، وَحَجُّهُ، وَعُمْرَتُهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَصَحَّ أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ الْفُسُوقَ ذَاكِرًا لِحَجِّهِ، أَوْ عُمْرَتِهِ، فَلَمْ يَحُجَّ كَمَا أُمِرَ، وَقَدْ أَخْبَرَ ﵇: «أَنَّ الْعُمْرَةَ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَقَالَ ﵇: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا: أَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ كَمَا تَلَوْنَا فَأَبْطَلُوا الْحَجَّ بِالرَّفَثِ وَلَمْ يُبْطِلُوهُ بِالْفُسُوقِ؛ وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: مَنْ وَطِئَ فِي إحْرَامِهِ - نَاسِيًا غَيْرَ عَامِدٍ وَلَا ذَاكِرٍ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ - امْرَأَتَهُ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَطْأَهَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ بَعْدَهُ فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ؛ فَلَوْ تَعَمَّدَ اللِّيَاطَةَ بِذَكَرٍ، أَوْ أَنْ يُلَاطَ بِهِ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَإِحْرَامُهُ مَبْرُورٌ - فَأُفٍّ لِهَذَا الْقَوْلِ عَدَدَ الرَّمْلِ، وَالْحَصَى، وَالتُّرَابِ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا يَبْطُلُ إحْرَامُهُ بِأَنْ يَأْتِيَ مَا حُرِّمَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ فَقَطْ، لَا بِمَا هُوَ حَرَامٌ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَفِي الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ الْإِحْرَامِ؟ قُلْنَا: وَعَنْ هَذَا التَّقْسِيمِ الْفَاسِدِ سَأَلْنَاكُمْ؟ وَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ، وَأَنْتُمْ تُبْطِلُونَ الصَّلَاةَ بِكُلِّ عَمَلٍ مُحَرَّمٍ، قَبْلَهَا، وَفِيهَا، وَبَعْدَهَا، كَمَا تُبْطِلُونَهَا بِمَا حُرِّمَ فِيهَا فَقَطْ.
وَقَدْ نَقَضْتُمْ هَذَا الْأَصْلَ الْفَاسِدَ فَلَمْ تُبْطِلُوا الْإِحْرَامَ بِتَعَمُّدِ لِبَاسِ مَا حُرِّمَ فِيهِ مِمَّا هُوَ حَلَالٌ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ هَذَا التَّقْسِيمَ الْفَاسِدَ فَأَيْنَ الْقِيَاسَ الَّذِي تَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ بِزَعْمِكُمْ؟ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَكَّدَ الْحَجَّ وَخَصَّهُ بِتَحْرِيمِ الْفُسُوقِ فِيهِ، كَمَا خَصَّهُ بِتَحْرِيمِ الرَّفَثِ فِيهِ وَلَا فَرْقَ؟ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ الرَّازِيّ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النَّحَّاسِ بِمِصْرَ نَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ نَا عُبَيْدُ بْنُ غَنَّامِ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ النَّخَعِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ نَا أَحْمَدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الْأَحْمَسِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَابِرٍ الْأَحْمَسِيَّةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا فِي امْرَأَةٍ حَجَّتْ مَعَهَا مُصْمِتَةً: قُولِي لَهَا: تَتَكَلَّمُ فَإِنَّهُ لَا حَجَّ لِمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ» .
وَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةَ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ نُوحِ بْنِ حَبِيبٍ الْقُومِسِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . أَمَرَ الَّذِي أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامًا» .
стр. 1906
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى أَنْ يُوجِدُوا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّ الْفُسُوقَ لَا يُبْطِلُ الْإِحْرَامَ؛ وَأَمَّا مَنْ فَسَقَ غَيْرَ ذَاكِرٍ لِإِحْرَامِهِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ إحْرَامُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إبْطَالَهُ وَلَا أَتَى بِإِحْرَامِهِ بِخِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ عَامِدًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْجَدَلُ بِالْبَاطِلِ وَفِي الْبَاطِلِ عَمْدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ]
٨٦٥ - مَسْأَلَةٌ:
وَالْجِدَالُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ فِي وَاجِبٍ وَحَقٍّ، وَقِسْمٌ فِي بَاطِلٍ؛ فَاَلَّذِي فِي الْحَقِّ وَاجِبٌ فِي الْإِحْرَامِ وَغَيْرِ الْإِحْرَامِ قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
وَمَنْ جَادَلَ فِي طَلَبِ حَقٍّ لَهُ فَقَدْ دَعَا إلَى سَبِيلِ رَبِّهِ تَعَالَى، وَسَعَى فِي إظْهَارِ الْحَقِّ وَالْمَنْعِ مِنْ الْبَاطِلِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ جَادَلَ فِي حَقٍّ لِغَيْرِهِ أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَالْجَدَلُ بِالْبَاطِلِ وَفِي الْبَاطِلِ عَمْدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ مُبْطِلٌ لِلْإِحْرَامِ وَلِلْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ مَنْ لَمْ يُلَبِّ فِي شَيْءٍ مِنْ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ]
٨٦٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ لَمْ يُلَبِّ فِي شَيْءٍ مِنْ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ بَطَلَ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ فَإِنْ لَبَّى وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً أَجْزَأَهُ، وَالِاسْتِكْثَارُ أَفْضَلُ؛ فَلَوْ لَبَّى وَلَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ فَلَا حَجَّ لَهُ وَلَا عُمْرَةَ لِأَمْرِ جِبْرِيلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ اللَّهِ بِأَنْ يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَمَنْ لَمْ يُلَبِّ أَصْلًا أَوْ لَبَّى وَلَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَحُجَّ وَلَا اعْتَمَرَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ ﵇: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَلَوْ أَنَّهُمْ ﵃ إذْ أَمَرَهُمْ ﵇ بِرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّلْبِيَةِ أَبَوْا لَكَانُوا عُصَاةً بِلَا شَكٍّ، وَالْمَعْصِيَةُ فُسُوقٌ بِلَا خِلَافٍ، وَقَدْ أَعَاذَهُمْ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفُسُوقَ يُبْطِلُ الْحَجَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمَنْ لَبَّى مَرَّةً وَاحِدَةً رَافِعًا صَوْتَهُ فَقَدْ لَبَّى كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَوَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ: مُلَبٍّ وَعَلَى فِعْلِهِ اسْمُ: التَّلْبِيَةِ، فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، وَمَنْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فَرْضًا أَنْ يُؤَدِّيَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَكُونُ إلَّا مَحْدُودَةً لِيَعْلَمَ النَّاسُ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْهَا، وَمَا لَا حَدَّ لَهُ فَلَيْسَ فَرْضًا عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؛ لِأَنَّ فِي إلْزَامِهِ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ - وَقَدْ أَمَّنَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ.
стр. 1907
[مَسْأَلَةٌ لِلْمُحْرِمِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَتَظَلَّلُوا فِي الْمَحَامِلِ]
مَسْأَلَةٌ:
وَجَائِزٌ لِلْمُحْرِمِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَتَظَلَّلُوا فِي الْمَحَامِلِ وَإِذَا نَزَلُوا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَتَظَلَّلُونَ إذَا نَزَلُوا وَلَا يَتَظَلَّلُونَ فِي الْمَحَامِلِ وَلَا رِكَابًا، وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ فَهُوَ خَطَأٌ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مَنْ قَدَّمَ ثِقْلَهُ مِنْ مِنًى فَلَا حَجَّ لَهُ، فَمَا الَّذِي جَعَلَ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّظَلُّلِ حُجَّةً وَلَمْ يَجْعَلْ قَوْلَ أَبِيهِ فِي النَّهْيِ عَنْ تَقَدُّمِ الثِّقَلِ مِنْ مِنًى وَتَشَدُّدِهِ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ؟ وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِيمَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ نَاسِيًا أَنَّ صِيَامَهُ تَامٌّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَصَحَّ عَنْهُ إبَاحَةُ تَقْرِيدِ الْبَعِيرِ لِلْمُحْرِمِ.
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَنْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ بَطَلَ حَجُّهُ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ رَأَى حَجَّ مَنْ وَطِئَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ تَامًّا فَخَالَفُوهُ؛ فَمَا الَّذِي جَعَلَ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ حُجَّةً، وَفِي بَعْضِهَا لَيْسَ حُجَّةً؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ نَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ نَا مَعْقِلٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: سَمِعْت جَدَّتِي أُمِّ الْحُصَيْنِ تَقُولُ «حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْته حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ انْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَأُسَامَةُ، أَحَدُهُمَا يَقُودُ رَاحِلَتَهُ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الشَّمْسِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ جَدَّتِهِ قَالَتْ «حَجَجْتُ مَعَ
стр. 1908
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ، وَبِلَالًا وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» .
فَهَذَا هُوَ الْحُجَّةُ لَا مَا سِوَاهُ، وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ عُمَرَ فِي هَذَا الْقَوْلِ بِلَالًا وَأُسَامَةَ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْأَسْوَدِ، وَغَيْرِهِمَا.
[مَسْأَلَةٌ الْكَلَامُ فِي الطَّوَافِ]
٨٦٨ - مَسْأَلَةٌ:
وَالْكَلَامُ مَعَ النَّاسِ فِي الطَّوَافِ جَائِزٌ، وَذِكْرُ اللَّهِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَأْتِ بِمَنْعٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَمَا لَمْ يُفَصِّلْ تَحْرِيمَهُ فَهُوَ حَلَالٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ نِكَاحُ الْمُحْرِم]
٨٦٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ، وَلَا لِامْرَأَةٍ، أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ تَتَزَوَّجَ، وَلَا أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ مِنْ وَلِيَّتِهِ، وَلَا أَنْ يَخْطُبَ خُطْبَةَ نِكَاحٍ مُذْ يُحْرِمَانِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَيَدْخُلَ وَقْتُ - رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ قَبْلَ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ، كَانَ فِيهِ دُخُولٌ وَطُولُ مُدَّةٍ وَوِلَادَةٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ فَإِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ الْمَذْكُورُ حَلَّ لَهُمَا النِّكَاحُ وَالْإِنْكَاحُ؛ وَلَهُ أَنْ يُرَاجِعَ زَوْجَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ فَقَطْ، وَلَهَا أَنْ يُرَاجِعَهَا زَوْجُهَا كَذَلِكَ أَيْضًا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ؛ وَلَهُ أَنْ يَبْتَاعَ الْجَوَارِيَ لِلْوَطْءِ وَلَا يَطَأُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ نَبِيهِ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ» وَهَذَا لَفْظٌ يَقْتَضِي كُلَّ مَا قُلْنَاهُ.
وَالْمُحْرِمُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْجِنْسِ وَيَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، وَمُرَاجَعَةُ الْمَرْأَةِ [الْمُطَلَّقَةِ] فِي عِدَّتِهَا لَا يُسَمَّى نِكَاحًا؛ لِأَنَّهَا امْرَأَتُهُ، كَمَا كَانَتْ تَرِثُهُ وَيَرِثُهَا وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا
стр. 1909
وَإِسْكَانُهَا، وَلَا صَدَاقَ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُرَاعَى إذْنُهَا، وَلَا حُكْمَ لِلْوَلِيِّ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا بَعْدَ
стр. 1910
انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَهُوَ نِكَاحٌ لَا مُرَاجَعَةٌ، وَلَا يَكُونُ إلَّا بِرِضَاهُمَا وَبِصَدَاقٍ وَوَلِيٍّ.
وَابْتِيَاعُ الْجَوَارِي لِلْوَطْءِ لَا يُسَمَّى نِكَاحًا، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ النِّكَاحِ وَالْإِنْكَاحِ وَالْخِطْبَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ.
وَالْمُحْرِمُ هُوَ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَيْهِ لِبَاسُ الْقُمُصِ، وَالْعَمَائِمِ، وَالْبَرَانِسِ، وَحَلْقُ رَأْسِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ؛ فَإِذَا صَارَ فِي حَالٍ يَجُوزُ لَهُ كُلُّ ذَلِكَ فَلَيْسَ مُحْرِمًا بِلَا شَكٍّ، فَقَدْ تَمَّ إحْرَامُهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا حَلَّ لَهُ النِّكَاحُ وَالْإِنْكَاحُ وَالْخُطْبَةُ.
وَبِدُخُولِ وَقْتِ رَمْيِ الْجَمْرَةِ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا، رَمَى أَوْ لَمْ يَرْمِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ إبَاحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ تَقْدِيمَ الْحَلْقِ عَلَى - الرَّمْيِ.
فَإِنْ نَكَحَ الْمُحْرِمُ أَوْ الْمُحْرِمَةُ فُسِخَ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَكَذَلِكَ إنْ أَنْكَحَ مَنْ لَا نِكَاحَ لَهَا إلَّا بِإِنْكَاحِهِ فَهُوَ نِكَاحٌ مَفْسُوخٌ لِمَا ذَكَرْنَا؛ وَلِفَسَادِ الْإِنْكَاحِ الَّذِي لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ إلَّا بِهِ، وَلَا صِحَّةَ لِمَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَا يَصِحُّ.
وَأَمَّا الْخِطْبَةُ فَإِنْ خَطَبَ فَهُوَ عَاصٍ وَلَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْخِطْبَةَ لَا مُتَعَلِّقَ لَهَا بِالنِّكَاحِ، وَقَدْ يَخْطُبُ وَلَا يُتِمُّ النِّكَاحَ إذَا رُدَّ الْخَاطِبُ، وَقَدْ يَتِمُّ نِكَاحٌ بِلَا خِطْبَةٍ أَصْلًا، لَكِنْ بِأَنْ يَقُولَ لَهَا: انْكِحِينِي نَفْسَك؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ قَدْ فَعَلْت، وَيَقُولُ هُوَ: قَدْ رَضِيت وَيَأْذَنُ الْوَلِيُّ فِي ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا فَأَجَازَ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ طَائِفَةٌ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذٍ - وَقَالَ بِهِ عَطَاءٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَسْخُ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ إذَا نَكَحَ.
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ قَالَ: الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكَحُ لَا يَخْطُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى مَنْ سِوَاهُ.
وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ إنْ نَكَحَ نَزَعْنَا مِنْهُ امْرَأَتَهُ؛ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمْ.
стр. 1911
وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى نِكَاحَهُ جَائِزًا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» .
وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُمَا مُحْرِمَانِ» وَكَذَلِكَ رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَعَارَضَهُمْ الْآخَرُونَ بِأَنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْأَصَمِّ ابْنِ أُخْتِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «عَنْ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَقَالَ مَنْ أَجَازَ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ: لَا يَعْدِلُ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ أَعْرَابِيٌّ بَوَّالٌ عَلَى عَقِبَيْهِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - وَقَالُوا: قَدْ يَخْفَى عَلَى مَيْمُونَةَ كَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمًا، فَالْمُخْبِرُ عَنْ كَوْنِهِ ﵇ مُحْرِمًا زَائِدٌ عِلْمًا؛ وَقَالُوا: خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَارِدٌ بِحُكْمٍ زَائِدٍ فَهُوَ أَوْلَى؛ وَقَالُوا فِي خَبَرِ عُثْمَانَ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ» : إنَّمَا مَعْنَاهُ لَا يُوطِئُ غَيْرَهُ وَلَا يَطَأُ؛ ثُمَّ اعْتَرَضُوا بِوَسَاوِسَ مِنْ الْقِيَاسِ عُورِضُوا بِمِثْلِهَا لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهَا؛ لِأَنَّهَا حَمَاقَاتٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ وَكُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ أَمَّا تَأْوِيلُهُمْ فِي خَبَرِ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَطَأُ وَلَا يُوطِئُ: فَبَاطِلٌ وَتَخْصِيصٌ لِلْخَبَرِ بِالدَّعْوَى الْكَاذِبَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ صَرَفُوا كَلَامَهُ ﵇ إلَى بَعْضِ مَا يَقْتَضِيهِ دُونَ بَعْضٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] .
وَيُبَيِّنُ ضَلَالَ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ ﵇ «وَلَا يَخْطُبُ» فَصَحَّ أَنَّهُ ﵇ أَرَادَ النِّكَاحَ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ هَذَا اللَّفْظَ بِلَا نَصٍّ بَيِّنٍ.
وَأَمَّا تَرْجِيحُهُمْ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى خَبَرِ مَيْمُونَةَ بِقَوْلِهِمْ: لَا يُقْرَنُ يَزِيدُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَنَعَمْ وَاَللَّهِ لَا نَقْرِنُهُ إلَيْهِ وَلَا كَرَامَةَ، وَهَذَا تَمْوِيهٌ مِنْهُمْ إنَّمَا رَوَى يَزِيدُ عَنْ مَيْمُونَةَ، وَرَوَى أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلْيَسْمَعُوا الْآنَ إلَى الْحَقِّ -: نَحْنُ نَقُولُ: لَا نَقْرِنُ ابْنَ عَبَّاسٍ صَبِيًّا مِنْ صِبْيَانِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى
стр. 1912
مَيْمُونَةَ الْمُتَّكِئَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فِرَاشٍ وَاحِدٍ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، الْقَدِيمَةِ الْإِسْلَامِ وَالصُّحْبَةِ، وَلَكِنْ نَقْرِنُ يَزِيدَ بْنَ الْأَصَمِّ إلَى أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يُقْطَعُ بِفَضْلِهِمْ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: قَدْ يَخْفَى عَلَى مَيْمُونَةَ إحْرَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ تَزَوَّجَهَا فَكَلَامٌ سَخِيفٌ، وَيُعَارَضُونَ بِأَنْ يُقَالَ لَهُمْ: قَدْ يَخْفَى عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إحْلَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ إحْرَامِهِ، فَالْمُخْبِرَةُ عَنْ كَوْنِهِ قَدْ أَحَلَّ زَائِدَةٌ عِلْمًا؛ فَحَصَلْنَا عَلَى: قَدْ يَخْفَى وَقَدْ لَا يَخْفَى؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَارِدٌ بِحُكْمٍ زَائِدٍ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ خَبَرُ عُثْمَانَ هُوَ الْوَارِدُ بِالْحُكْمِ الزَّائِدِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَبَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ، فَبَقِيَ أَنْ نُرَجِّحَ خَبَرَ عُثْمَانَ، وَخَبَرَ مَيْمُونَةَ عَلَى خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ جَمِيعِهِمْ.
فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: خَبَرُ يَزِيدَ عَنْ مَيْمُونَةَ هُوَ الْحَقُّ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهْمٌ مِنْهُ بِلَا شَكٍّ لِوُجُوهٍ بَيِّنَةٍ -: أَوَّلِهَا: أَنَّهَا ﵂ أَعْلَمُ بِنَفْسِهَا مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لِاخْتِصَاصِهَا بِتِلْكَ الْقِصَّةِ دُونَهُ؛ هَذَا مَا لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ. وَثَانِيهَا:
أَنَّهَا ﵂ كَانَتْ حِينَئِذٍ امْرَأَةٌ كَامِلَةٌ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ يَوْمئِذٍ ابْنَ عَشْرَةِ أَعْوَامٍ وَأَشْهُرٍ فَبَيْنَ الضَّبْطَيْنِ فَرْقٌ لَا يَخْفَى. وَالثَّالِثِ:
أَنَّهُ ﵇ إنَّمَا تَزَوَّجَهَا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، هَذَا مَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ وَمَكَّةُ يَوْمئِذٍ دَارُ حَرْبٍ، وَإِنَّمَا هَادَنَهُمْ ﵇ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مُعْتَمِرًا وَيَبْقَى بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ ثُمَّ يَخْرُجَ، فَأَتَى مِنْ الْمَدِينَةِ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُقَدِّمْ شَيْئًا، إذْ دَخَلَ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَتَمَّ إحْرَامَهُ فِي الْوَقْتِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ إنَّمَا تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ حَاضِرًا بِهَا لَا بِالْمَدِينَةِ.
فَصَحَّ أَنَّهُ بِلَا شَكٍّ إنَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ تَمَامِ إحْرَامِهِ لَا فِي حَالِ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً، وَبَقِيَ خَبَرُ مَيْمُونَةَ، وَخَبَرُ عُثْمَانَ، لَا مُعَارِضَ لَهُمَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
стр. 1913
ثُمَّ لَوْ صَحَّ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِيَقِينٍ وَلَمْ يَصِحَّ خَبَرُ مَيْمُونَةَ لَكَانَ خَبَرُ عُثْمَانَ هُوَ الزَّائِدُ الْوَارِدُ بِحُكْمٍ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ، لِأَنَّ النِّكَاحَ مُذْ أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَلَالٌ فِي كُلِّ حَالٍ لِلصَّائِمِ، وَالْمُحْرِمِ، وَالْمُجَاهِدِ، وَالْمُعْتَكِفِ، وَغَيْرِهِمْ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ.
ثُمَّ لَمَّا أَمَرَ ﵇ بِأَنْ لَا يَنْكِحَ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحَ، وَلَا يَخْطُبَ كَانَ ذَلِكَ بِلَا شَكٍّ نَاسِخًا لِلْحَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ الْإِبَاحَةِ، لَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا أَصْلًا، وَكَانَ يَكُونُ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْسُوخًا بِلَا شَكٍّ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْحَالَةِ الْمَنْسُوخَةِ بِيَقِينٍ.
وَمَنْ ادَّعَى فِي حُكْمٍ قَدْ صَحَّ نَسْخُهُ وَبُطْلَانُهُ أَنَّهُ قَدْ عَادَ حُكْمُهُ وَبَطَلَ نَسْخُهُ فَقَدْ كَذَبَ أَوْ قَطَعَ بِالظَّنِّ إنْ لَمْ يُحَقِّقْ ذَلِكَ، وَكِلَاهُمَا لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْيَقِينِ لِلظُّنُونِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالُوا: لَمَّا حَلَّ لَهُ شِرَاءُ جَارِيَةٍ لِلْوَطْءِ وَلَا يَطَأُ: حَلَّ لَهُ نِكَاحُ زَوْجَةٍ لِلْوَطْءِ وَلَا يَطَأُ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: لَوْ اسْتَعْمَلْتُمْ هَذَا فِي قَوْلِكُمْ: لَا يَكُونُ صَدَاقٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْفَرْجُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَهَلَّا قُلْتُمْ: كَمَا حَلَّ لَهُ اسْتِبَاحَةُ فَرْجِ جَارِيَةٍ مُحْرِمَةٍ بِأَنْ يَبْتَاعَهَا بِدِرْهَمٍ حَلَّ لَهُ فَرْجُ زَوْجَةٍ مُحْرِمَةٍ بِأَنْ يَصْدُقَهَا دِرْهَمًا؟ وَالْقِيَاسَاتُ لَا يُعَارَضُ بِهَا الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ كُلُّهُ بَاطِلٌ.
وَقَالُوا: كَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَ الْمُطَلَّقَةَ فِي عِدَّتِهَا جَازَ لَهُ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ؟ فَقُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قِيَاسُ النِّكَاحِ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ حَقًّا لَوَجَبَ أَنْ يَقُولُوا: كَمَا جَازَتْ الْمُرَاجَعَةُ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَلَا إذْنِ وَلِيِّهَا، وَبِغَيْرِ صَدَاقٍ: وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ النِّكَاحُ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَلَا إذْنِ وَلِيِّهَا وَبِغَيْرِ صَدَاقٍ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَهُ، وَهَذِهِ صِفَةُ قِيَاسَاتِهِمْ السَّخِيفَةِ؟ وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا نِكَاحَ الْمَوْهُوبَةِ إذَا ذُكِرَ فِيهِ صَدَاقٌ، وَمَنَعُوا مِنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، وَهُمْ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ فِي الْأَوَامِرِ: هَذَا نَدْبٌ.
كَقَوْلِهِمْ فِي قَوْلِهِ ﵇ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ» إنَّمَا هُوَ نَدْبٌ.
فَهَلَّا قَالُوا: هَاهُنَا فِي قَوْلِهِ ﵇: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ» : هَذَا نَدْبٌ؟ وَلَكِنَّهُمْ إنَّمَا يَجْرُونَ عَلَى مَا سَنَحَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 1914
[مَسْأَلَةٌ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ]
مَسْأَلَةٌ:
وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ، وَأَنْ يَسْتَقِيَ بِيَدِهِ مِنْهَا، وَأَنْ يَشْرَبَ مِنْ نَبِيذِ السِّقَايَةِ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ حَدِيثَ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ بِالْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ وَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ فَاسْتَسْقَى فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ فَشَرِبَ وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ وَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ هَكَذَا فَاصْنَعُوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَحْنُ لَا نُرِيدُ أَنْ نُغَيِّرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ أَمْرَ شُرْبِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَمِنْ شَرَابِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ النَّبِيذِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ طَاوُسٍ: هُوَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] .
[مَسْأَلَةٌ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ بِعَرَفَةَ أَوْ مُزْدَلِفَةَ]
٨٧١ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ بِعَرَفَةَ أَوْ مُزْدَلِفَةَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ صَلَّاهُمَا مَعَ الْإِمَامِ بِعَرَفَةَ.
فَلَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْعَصْرِ لَزِمَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ وَيَنْوِيَ بِهَا الظُّهْرَ وَلَا بُدَّ، لَا يُجْزِيه غَيْرُ ذَلِكَ.
стр. 1915
فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ أَتَمَّ صَلَاتَهُ إنْ كَانَ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ إنْ أَمْكَنَهُ فِي جَمَاعَةٍ وَإِلَّا فَوَحْدَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ الْإِمَامَ بِمُزْدَلِفَةَ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَلْيَدْخُلْ مَعَهُ وَلْيَنْوِ بِهَا الْمَغْرِبَ وَلَا بُدَّ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
أَمَّا الْجَمْعُ فَإِنَّهُ حُكْمُ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ هُنَالِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَتِلْكَ اللَّيْلَةِ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ خِلَافُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا تَقْدِيمُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ فَلِأَنَّهُمَا قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْعَتَمَةِ وَلَا يَحِلُّ تَقْدِيمُ مُؤَخَّرَةٍ مِنْهُمَا وَلَا تَأْخِيرُ مُقَدَّمَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ جَوَازَ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ.
فَإِنْ أَدْرَكَهَا مِنْ أَوَّلِهَا فَلْيَقْعُدْ فِي الثَّالِثَةِ وَلَا يَقُمْ حَتَّى يَقَعَ الْإِمَامُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ سَلَّمَ مَعَهُ، وَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فَلْيَقُمْ فِي الثَّانِيَةِ بِقِيَامِ الْإِمَامِ وَلَا بُدَّ، وَلْيَقْعُدْ فِي الْأُولَى بِقُعُودِهِ وَلْيُسَلِّمْ بِسَلَامِهِ.
أَمَّا قُعُودُهُ فِي الثَّالِثَةِ، فَلِأَنَّهُ لَوْ قَامَ لَصَلَّى الْمَغْرِبَ أَرْبَعًا عَامِدًا، وَهَذَا حَرَامٌ وَفَسَادٌ لِلصَّلَاةِ وَكُفْرٌ مِمَّنْ دَانَ بِهِ.
وَأَمَّا إنْ أَدْرَكَ ثَلَاثًا فَقَطْ فَقُعُودُهُ فِي الْأُولَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» وَلَا خِلَافَ فِي نَصٍّ وَلَا بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ الْمَأْمُومَ إنْ وَجَدَ الْإِمَامَ جَالِسًا جَلَسَ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ أَيِّ الصَّلَوَاتِ كَانَتْ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ إمَامًا لَقَامَ.
وَأَمَّا قِيَامُهُ مِنْ الثَّانِيَةِ، فَلِلنَّصِّ الْوَارِدِ وَالْإِجْمَاعِ فِي أَنَّ الْإِمَامَ إنْ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ سَاهِيًا فَفَرْضٌ عَلَى الْمَأْمُومِينَ اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ.
هَذَا كُلُّهُ إنْ أَتَمَّ الْإِمَامُ أَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ مِمَّنْ يُتِمَّ وَإِلَّا فَلَا.
فَإِذَا أَتَمَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ صَلَّى الْعَتَمَةَ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ وَحْدَهُ إنْ لَمْ يَجِدْ جَمَاعَةً وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ كَانَ فِي طَوَافِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ]
٨٧٢ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ كَانَ فِي طَوَافِ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَوْ عَرَضَتْ لَهُ صَلَاةُ جِنَازَةٍ، أَوْ عَرَضَ لَهُ بَوْلٌ، أَوْ حَاجَةٌ، فَلْيُصَلِّ وَلْيَخْرُجْ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى طَوَافِهِ وَيُتِمَّهُ.
стр. 1916
وَكَذَلِكَ مَنْ عَرَضَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي سَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا فَرْقَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ فَيَبْتَدِئُ وَلَا بُدَّ إلَّا فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَبْنِي؛ وَأَمَّا فِي طَوَافِ التَّطَوُّعِ فَيَبْنِي فِي كُلِّ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا تَقْسِيمٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ أَصْلًا، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ عَلَى وُجُوبِ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ إنْ قَطَعَ لِحَاجَةٍ، وَلَا بِإِبْطَالِ مَا طَافَ مِنْ أَشْوَاطِهِ وَسَعَى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَإِنَّمَا افْتَرَضَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ سَبْعًا، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِوُجُوبِ اتِّصَالِهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَمَلٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَطْ، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَبَثًا فَلَا عَمَلَ لِعَابِثٍ وَلَا يُجْزِئُهُ -: نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ نَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْحِمْيَرِيُّ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ نَا جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ طَافَ فِي يَوْمٍ حَارٍّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ أَصَابَهُ حَرٌّ فَدَخَلَ الْحِجْرَ فَجَلَسَ، ثُمَّ خَرَجَ فَبَنَى عَلَى مَا كَانَ طَافَ.
وَعَنْ عَطَاءٍ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْلِسَ الْإِنْسَانُ فِي الطَّوَافِ لِيَسْتَرِيحَ وَفِيمَنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ فِي طَوَافِهِ لِيَذْهَبَ وَلِيَقْضِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى مَا كَانَ طَافَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ مَنْ عَرَضَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ إتْمَامِ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ]
٨٧٣ - مَسْأَلَةٌ:
وَأَمَّا الْإِحْصَارُ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَرَضَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ إتْمَامِ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ، قَارِنًا كَانَ، أَوْ مُتَمَتِّعًا، مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ كَسْرٍ، أَوْ خَطَأِ طَرِيقٍ، أَوْ خَطَأٍ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، أَوْ سِجْنٍ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ: فَهُوَ مُحْصِرٌ.
فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ عِنْدَ إحْرَامِهِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ حَبَسَهُ اللَّهُ فَلْيُحِلَّ مِنْ إحْرَامِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ شَرَعَ فِي عَمَلِ الْحَجِّ، أَوْ الْعُمْرَةِ، أَوْ لَمْ يَشْرَعْ بَعْدُ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، مَضَى لَهُ أَكْثَرُ فَرْضِهِمَا أَوْ أَقَلُّهُ، كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَا هَدْيَ فِي ذَلِكَ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ وَلَا اعْتَمَرَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ وَلَا بُدَّ.
فَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْتَرِطْ كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ يُحِلُّ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ، وَعَلَيْهِ
стр. 1917
هَدْيٌ وَلَا بُدَّ، كَمَا قُلْنَا فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعَوَّضُ مِنْ هَذَا الْهَدْيِ صَوْمٌ وَلَا غَيْرُهُ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْهُ فَهُوَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى يَجِدَهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إلَّا إنْ كَانَ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ وَلَا اعْتَمَرَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ.
وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْإِحْصَارِ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ: نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَا إحْصَارَ إلَّا مِنْ عَدُوٍّ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَا زَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْتِ صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا فَيَبْقَى بِهَا ثَلَاثًا وَلَا يَدْخُلَهَا إلَّا بِجُلْبَانِ السِّلَاحِ السَّيْفِ وَقِرَابِهِ، وَلَا يَخْرُجُ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَا يَمْنَعُ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ» فَسَمَّى الْبَرَاءُ مَنْعَ الْعَدُوِّ: إحْصَارًا.
وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: الْإِحْصَارُ مِنْ الْخَوْفِ وَالْمَرَضِ، وَالْكَسْرِ؛ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْبِسُهُ.
وَأَمَّا الْحَصْرُ -: فَرُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَصْرُ، وَالْمَرَضُ، وَالْكَسْرُ، وَشِبْهُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا حَصْرَ إلَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ.
وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ: لَا حَصْرَ الْآنَ، قَدْ ذَهَبَ الْحَصْرُ.
وَعَنْ عَلْقَمَةَ: الْحَصْرُ الْخَوْفُ وَالْمَرَضُ.
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: الْحَصْرُ مَا حَبَسَهُ مِنْ حَابِسٍ مِنْ وَجَعٍ، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ ابْتِغَاءِ ضَالَّةٍ.
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: الْحَصْرُ مَا مَنَعَهُ مِنْ وَجَعٍ، أَوْ عَدُوٍّ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ.
стр. 1918
وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الْإِحْصَارِ، وَالْحَصْرِ -: فَرُوِّينَا عَنْ الْكِسَائِيِّ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ الْمَرَضِ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ: أَحُصِرَ، فَهُوَ مُحْصِرٌ، وَمَا كَانَ مِنْ حَبْسٍ قِيلَ: حَصْرٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا كَانَ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، قِيلَ فِيهِ: أُحْصِرَ، فَهُوَ مُحْصِرٌ؛ وَمَا كَانَ مِنْ حَبْسٍ قِيلَ: حَصْرٌ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو عُبَيْدٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْحُجَّةُ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَمْرِ الْحُدَيْبِيَةِ إذْ مَنَعَ الْكُفَّارُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ إتْمَامِ عُمْرَتِهِ، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَنْعَ الْعَدُوِّ إحْصَارًا.
وَكَذَلِكَ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ - وَهُمْ فِي اللُّغَةِ فَوْقَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَالْكَسَائِيّ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] .
فَهَذَا هُوَ مَنْعُ الْعَدُوِّ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ إنَّمَا مَنَعَهُمْ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ الْكُفَّارُ بِلَا شَكٍّ؛ وَبَيَّنَ ذَلِكَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] .
فَصَحَّ أَنَّ الْإِحْصَارَ، وَالْحَصْرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّهُمَا اسْمَانِ يَقَعَانِ عَلَى كُلِّ مَانِعٍ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْمُحْصِرِ الْمَمْنُوعِ مِنْ إتْمَامِ حَجِّهِ، أَوْ عُمْرَتِهِ. فَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ أَفْتَى فِي مُحْرِمٍ بِحَجٍّ مَرِضَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّهُوضِ: أَنَّهُ يَبْعَثُ بِهَدْيٍ، فَإِذَا بَلَغَ مَحَلَّهُ حَلَّ؛ فَإِنْ اعْتَمَرَ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ إذَا بَرَأَ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ قَابِلٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ، فَإِنْ لَمْ يَزُرْ الْبَيْتَ حَتَّى يَحُجَّ وَيَجْعَلَهُمَا سَفَرًا وَاحِدًا فَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ: سَفَرَانِ وَهَدْيٌ أَوْ هَدَيَانِ وَسَفَرٌ - وَهَذَا عَنْهُ مُنْقَطِعٌ لَا يَصِحُّ.
وَصَحَّ عَنْهُ: أَنَّهُ أَفْتَى فِي مُحْرِمٍ بِعُمْرَةٍ لُدِغَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّفُوذِ: أَنَّهُ يَبْعَثُ بِهَدْيٍ وَيُوَاعِدُ أَصْحَابَهُ، فَإِذَا بَلَغَ الْهَدْيَ أَحَلَّ.
стр. 1919
وَصَحَّ عَنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ أَفْتَى فِي مَرِيضٍ مُحْرِمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّفُوذِ: بِأَنْ يَنْحَرَ عَنْهُ بَدَنَةً؛ ثُمَّ لِيُهِلَّ عَامًا قَابِلًا بِمِثْلِ إهْلَالِهِ الَّذِي أَهَلَّ بِهِ.
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ فِي مُحْرِمٍ بِعُمْرَةٍ مَرِضَ بِوَقْعَةٍ مِنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَا جَمِيعًا: لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ كَوَقْتِ الْحَجِّ، يَكُونُ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يُصَلِّ إلَى الْبَيْتِ - وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُ هَذَا أَيْضًا.
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ أُحْصِرَ: يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ فَإِذَا نَحَرَ فَقَدْ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ يُحَالُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ وَذَلِكَ حِينَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْت كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ حِينَ حَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت عُمْرَةً؛ ثُمَّ قَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ إنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَجِّ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ اثْنَانِ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذْ حَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ - وَكَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ﵃ نَحَرَ وَحَلَّ وَانْصَرَفَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، " أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَخَرَجَ مَعَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ فَمَرُّوا عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ مَرِيضُ بِالسُّقْيَا فَأَقَامَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ حَتَّى إذَا خَافَ الْفَوَاتَ خَرَجَ وَبَعَثَ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ فَقَدِمَا عَلَيْهِ، وَأَنَّ حُسَيْنًا أَشَارَ إلَى رَأْسِهِ فَأَمَرَ عَلِيٌّ بِرَأْسِهِ فَحُلِقَ، ثُمَّ نَسَكَ عَنْهُ بِالسُّقْيَا فَنَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا ".
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: إنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ خَرَجَ
стр. 1920
مُعْتَمِرًا مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمَّا كَانَ بِالْعَرَجِ مَرِضَ، فَلَمَّا أَتَى السُّقْيَا بِرَسْمٍ فَكَانَ أَوَّلُ إفَاقَتِهِ أَنْ أَشَارَ إلَى رَأْسِهِ فَحُلِقَ عَلَى رَأْسِهِ وَنَحَرَ عَنْهُ بِهَا جَزُورًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا أَتَيْنَا بِهَذَا الْخَبَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَمِرًا فَهَذَا عَلِيٌّ، وَالْحُسَيْنُ، وَأَسْمَاءُ رَأَوْا أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَيُهْدِيَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُنَا.
وَعَنْ عَلْقَمَةَ فِي الْمُحْصِرِ قَالَ: يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ فَإِذَا ذُبِحَ حَلَّ.
وَرُوِّينَا عَنْ عَلْقَمَةَ أَيْضًا: لَا يُحِلُّهُ إلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ. وَرُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا إنْ حَلَّ قَبْلَ نَحْرِ هَدْيِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ: لَا يُحِلُّهُ إلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ.
وَرُوِّينَا عَنْهُمْ أَيْضًا: حَاشَا الشَّعْبِيَّ: إنْ حَلَّ دُونَ الْبَيْتِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ سِوَى الَّذِي لَزِمَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ، وَلَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَاعَدَهُمْ لِبُلُوغِهِ مَكَّةَ وَنَحْرِهِ.
وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ أَيْضًا فِي الْقَارِنِ يُحْصِرُ قَالَ: عَلَيْهِ هَدْيَانِ.
وَرُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا: وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الْقَارِنِ يُحْصِرُ قَالَا جَمِيعًا: عَلَيْهِ عُمْرَتَانِ وَحَجَّةٌ - وَعَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ لَيْسَ عَلَى الْقَارِنِ إلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا: إنْ أَحَلَّ الْمُحْصِرُ قَبْلَ نَحْرِ هَدْيِهِ فَعَلَيْهِ فِدْيَةُ الْأَذَى - إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ شَاةٌ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِي الْقَارِنِ يُحْصِرُ؟ قَالَ: يَبْعَثُ بِهَدْيٍ يَحِلُّ بِهِ، ثُمَّ يُهِلُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَا كَانَ أَهَلَّ بِهِ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي الْقَارِنِ يُحْصِرُ: أَنَّهُ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ فَإِذَا بَلَغَ مَحَلَّهُ حَلَّ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ - قَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَثَلَاثُ عُمَرَ.
وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمُحْصِرِ إذَا رَجَعَ لَا يَحِلُّ مِنْهُ إلَّا رَأْسُهُ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ مَنْ أُحْصِرَ بِالْحَرْبِ نَحَرَ حَيْثُ حُبِسَ وَحَلَّ مِنْ النِّسَاءِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمٍ، وَابْنُ سِيرِينَ: يَبْعَثُ هَدْيَهُ فَإِذَا نَحَرَ فَقَدْ حَلَّ مِنْ
стр. 1921
كُلِّ شَيْءٍ - وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا إذَا حَلَّ الْمُحْصِرُ قَبْلَ نَحْرِ هَدْيِهِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَأُحْصِرَ: عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِثَمَنِ هَدْيٍ فَيُشْتَرَى لَهُ بِمَكَّةَ فَيُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَحِلُّ، وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا أَقَامَ مُحْرِمًا حَتَّى يَجِدَ هَدْيًا وَلَهُ أَنْ يُوَاعِدَهُمْ بِنَحْرِهِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ قَالَ: وَالْمُعْتَمِرُ يَنْحَرُ هَدْيَهُ مَتَى شَاءَ، وَالْإِحْصَارُ عِنْدَهُ بِالْعَدُوِّ، وَالْمَرَضِ، وَبِكُلِّ مَانِعٍ سِوَاهُمَا سَوَاءٌ سَوَاءٌ، فَإِنْ تَمَادَى مَرَضُهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَكَمَا قُلْنَا - وَإِنْ هُوَ أَفَاقَ قَبْلَ وَقْتِ الْحَجِّ لَمْ يَجْزِهِ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ كَمَا كَانَ؛ فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَأَفَاقَ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إدْرَاكِ الْهَدْيِ الَّذِي بَعَثَ مَضَى وَقَضَى عُمْرَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ حَلَّ إذَا نَحَرَ عَنْهُ الْهَدْيَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَإِنَّهُ يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ حُبِسَ وَيُحِلُّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ، فَإِنْ لَمْ يُهْدِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا مَعَهُ قَدْ سَاقَهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَإِنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ لَكِنْ بِحَبْسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ إلَّا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَوْ بَقِيَ كَذَلِكَ إلَى عَامٍ آخَرَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ، أَوْ بِسِجْنٍ فَإِنَّهُ يُهْدِي وَيُحِلُّ حَيْثُ كَانَ مِنْ حِلٍّ، أَوْ حَرَمٍ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إلَّا إنْ كَانَ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ وَلَا اعْتَمَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى هَدْيٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ - أَحَدُهُمَا: لَا يَحِلُّ إلَّا حَتَّى يُهْدِيَ؛ وَالْآخَرُ يُحِلُّ، وَالْهَدْيُ دَيْنٌ عَلَيْهِ - وَقَدْ قِيلَ: عَلَيْهِ إطْعَامٌ، أَوْ صِيَامٌ - إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهَدْيِ - فَإِنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ أَوْ حَبْسٍ لَمْ يُحِلَّهُ إلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، فَإِنْ لَمْ يُفِقْ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ طَافَ، وَسَعَى، وَحَلَّ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُحْصِرِ بِعَدُوٍّ، وَبِغَيْرِ عَدُوٍّ فَفَاسِدٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا قَبْلُ وَأَمَّا إسْقَاطُ الْهَدْيِ عَنْ الْمُحْصِرِ بِعَدُوٍّ، أَوْ غَيْرِهِ فَخِلَافٌ لِلْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَأَمَّا إيجَابُ الْقَضَاءِ فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ اعْتَمَرَ بَعْدَ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَنَحْنُ لَمْ نَمْنَعْ مِنْ الْقَضَاءِ عَامًا آخَرَ لِمَنْ أَحَبَّ، وَإِنَّمَا نَمْنَعُ مِنْ إيجَابِهِ فَرْضًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ .
стр. 1922
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْمُسْلِمِ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً وَعُمْرَةً فِي الدَّهْرِ، فَلَا يَجُوزُ إيجَابُ أُخْرَى، إلَّا بِقُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ فَيُوقَفُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِبَقَاءِ الْمُحْصِرِ بِمَرَضٍ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَقَوْلٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَلَا أَوْجَبَهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ بَلْ هُوَ خِلَافُ الْقُرْآنِ كَمَا أَوْرَدْنَا - وَالصَّحَابَةُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فِي الْعُمْرَةِ خَاصَّةً وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ فِي الْحَجِّ أَصْلًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ؟ قُلْنَا نَعَمْ، وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى: إنَّ الْمُحْصِرَ لَا يُحِلُّ إلَّا بِالطَّوَافِ.
وَاَلَّذِي قَالَ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] هُوَ الَّذِي قَالَ ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يُحِلَّ وَيَرْجِعَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَتِهِ الَّتِي صُدَّ فِيهَا عَنْ الْبَيْتِ، وَلَا يَحِلُّ ضَرْبُ أَوَامِرِهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ؟ وَأَمَّا الْقَوْلُ: بِبَعْثِهِ هَدْيًا يَحِلُّ بِهِ، فَقَوْلٌ لَا يُؤَيِّدُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَالصَّحَابَةُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ كَمَا أَوْرَدْنَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْمُحْصَرِ وَحْدَهُ، بَلْ هُوَ حُكْمُ كُلِّ مَنْ سَاقَ هَدْيًا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ عَلَى عُمُومِ الْآيَةِ -: فَالْحَاجُّ، وَالْقَارِنُ إذَا كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ مِنْ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى، فَلَهُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ.
وَالْمُعْتَمِرُ إذَا أَتَمَّ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ فَقَدْ بَلَغَ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ مِنْ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِمَكَّةَ فَلَهُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ.
стр. 1923
وَالْمُحْصَرُ إذَا صُدَّ فَقَدْ بَلَغَ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ فَلَهُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ إنْ كَانَ مَعَ هَؤُلَاءِ هَدْيٌ، وَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ قَطُّ: إنَّ الْمُحْصَرَ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ هَدْيُهُ مَكَّةَ، بَلْ هُوَ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّنْ نَسَبَهُ إلَيْهِ ؛ فَظَهَرَ خَطَأُ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، فِي الْإِحْصَارِ، فَلَا يُحْفَظُ قَوْلٌ مِنْهَا - بِتَمَامِهِ وَتَقْسِيمِهِ - عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَصْلًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَوَجَبَ الرُّجُوعُ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّجُوعَ إلَيْهِ إذْ يَقُولُ : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] .
فَوَجَدْنَا حُكْمَ الْإِحْصَارِ يَرْجِعُ -: إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عُمُومُ إيجَابِ الْهَدْيِ عَلَى كُلِّ مَنْ أُحْصِرَ بِأَيِّ وَجْهٍ أُحْصِرَ.
وَإِلَى «فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْتِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَحَلُّوا بِالْحُدَيْبِيَةِ» .
وَإِلَى «أَمْرِهِ ﵇ مَنْ حَجَّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ.
وَإِلَى مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيُّ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَا: صَدَقَ ".
стр. 1924
فَهَذِهِ النُّصُوصُ تَنْتَظِمُ كُلَّ مَا قُلْنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ عَلَيْهِ حَجَّةً أُخْرَى، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ هَدْيٍ؟ قُلْنَا: إنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بِإِيجَابِ الْهَدْيِ، فَهُوَ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ ذِكْرٌ لِإِسْقَاطِ الْهَدْيِ وَلَا لِإِيجَابِهِ، فَوَجَبَ إضَافَةُ مَا زَادَهُ الْقُرْآنُ إلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّ اللَّازِمَ لِلنَّاسِ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ فَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ، وَبِهَذَا تَتَأَلَّفُ الْأَخْبَارُ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ مَا رُوِيَ مِنْ هَذَا؟ قُلْنَا: الْحُجَّةُ إنَّمَا هِيَ فِيمَا رَوَى لَا فِي رَأْيِهِ وَقَدْ يَنْسَى، أَوْ يَتَأَوَّلُ؛ وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّوْهِينَ بِمَا رَوَى لِمَا رُوِيَ عَنْهُ مِمَّا يُخَالِفُ مَا رَوَى - أَوْلَى مِنْ تَوْهِينِ مَا رَوَى بِمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ خِلَافِهِ لِمَا رَوَى، لِأَنَّ الطَّاعَةَ عَلَيْنَا إنَّمَا هِيَ لِمَا رَوَى لَا لِمَا رَأَى بِرَأْيِهِ.
وَأَيْضًا فَلَوْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ مَا رُوِيَ لَكَانَ الْحَجَّاجُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، قَدْ رَوَيَاهُ وَلَمْ يُخَالِفَاهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْحَرُ هَدْيَ الْإِحْصَارِ إلَّا فِي الْحَرَمِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ نَاجِيَةَ بْنَ كَعْبٍ نَهَضَ بِالْهَدْيِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي شِعَابٍ وَأَوْدِيَةٍ حَتَّى نَحَرَهُ فِي الْحَرَمِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَوْ صَحَّ هَذَا لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ ﵇ وَلَا أَوْجَبَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ عَمَلًا عَمِلَهُ، وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ لِأَمْرِهِ ﵇.
وَرُوِّينَا خَبَرًا فِيهِ: أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْبُدْنِ لِلْهَدْيِ - وَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو حَاضِرٍ الْأَزْدِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ احْتَاجَ إلَى حَلْقِ رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ]
٨٧٤ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ احْتَاجَ إلَى حَلْقِ رَأْسِهِ - وَهُوَ مُحْرِمٌ لِمَرَضٍ، أَوْ صُدَاعٍ، أَوْ لِقَمْلٍ، أَوْ لِجُرْحٍ بِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْذِيهِ - فَلْيَحْلِقْهُ، وَعَلَيْهِ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَيُّهَا شَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهَا.
إمَّا أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِمَّا أَنْ يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُتَغَايِرِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مِنْهُمْ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ وَلَا بُدَّ، وَإِمَّا أَنْ يُهْدِيَ شَاةً يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، أَوْ يَصُومَ، أَوْ يُطْعِمَ، أَوْ يَنْسَكَ الشَّاةَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي حَلَقَ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ.
فَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَوْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ دُونَ بَعْضٍ عَامِدًا عَالِمًا أَنَّ ذَلِكَ
стр. 1925
لَا يَجُوزُ بَطَلَ حَجُّهُ، فَلَوْ قَطَعَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ مَا لَا يُسَمَّى بِهِ حَالِقًا بَعْضَ رَأْسِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا إثْمَ وَلَا كَفَّارَةَ بِأَيِّ وَجْهٍ قَطَعَهُ، أَوْ نَزَعَهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ التَّخْيِيرُ فِي أَيِّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَعْمَالِ أَحَبَّ، وَلَيْسَ فِيهَا بَيَانُ كَمْ يَصُومُ؟ وَلَا بِكَمْ يَتَصَدَّقُ؟ وَلَا بِمَاذَا يَنْسَك؟ وَفِي الْآيَةِ أَيْضًا حَذْفٌ بَيَّنَهُ الْإِجْمَاعُ، وَالسُّنَّةُ وَهُوَ: فَحَلَقَ رَأْسَهُ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ فَانْسُكْ نَسِيكَةً، وَإِنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعَ مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ» .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى نَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ لَهُ: آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ احْلِقْ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ اطْعَمْ ثَلَاثَةَ آصُعَ مِنْ تَمْرٍ: عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا أَكْمَلُ الْأَحَادِيثِ وَأَبْيَنُهَا، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طُرُقٍ -: فِي بَعْضِهَا «أَوْ نُسُكِ مَا تَيَسَّرَ» .
وَبَعْضُهَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَخْبَرَهُ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَفِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ حِينَئِذٍ: أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ» .
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ الزَّهْرَانِيِّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ
стр. 1926
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، فَذَكَرَ فِيهِ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وَخَبَرٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد -: نَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ نَا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ [قَالَ] حَدَّثَنِي أَبَانُ هُوَ ابْنُ صَالِحٍ - عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ فِيهِ «أَوْ إطْعَامَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ فَرْقًا مِنْ زَبِيبٍ» .
وَخَبَرٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ -: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ أَخْبَرَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ؛ وَفِيهِ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ نُسُكٌ؟ قَالَ: مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ «أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: هَلْ تَجِدُ مِنْ نَسِيكَةٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَهِيَ شَاةٌ؟ قَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعَ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ - أَنَا دَاوُد بْنَ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ «عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَفْسِهِ أَمَعَكَ دَمٌ؟ قَالَ: لَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِثَلَاثَةِ آصُعَ مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» لَمْ يَسْمَعْهُ الشَّعْبِيُّ مِنْ كَعْبٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
وَنَذْكُرُ الْآنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ نَا جَعْفَرُ الصَّائِغُ نَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: أَمَعَكَ هَدْيٌ؟ قُلْتُ: مَا أَجِدُهُ، قَالَ: إنَّهُ مَا اسْتَيْسَرَ؟ قُلْتُ: مَا أَجِدُهُ؟ قَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُضْطَرِبَةُ كُلُّهَا إنَّمَا هِيَ فِي رِوَايَةِ
стр. 1927
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ -: أَمَّا هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعُ تَمْرٍ فَهُوَ عَنْ أَشْعَثَ الْكُوفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَلْبَتَّةَ؛ وَفِي هَذَا الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُد عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ كَعْبٍ: إيجَابُ التَّرْتِيبِ، وَأَنْ لَا يَجْزِيَ الصِّيَامُ، وَلَا الصَّدَقَةُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ النُّسُكِ، وَذَلِكَ الْخَبَرُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ كَعْبٍ، فَحَصَلَ مُنْقَطِعًا: فَسَقَطَا مَعًا.
وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَأَبِي عَوَانَةَ عَنْ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ فَفِيهَا أَيْضًا: إيجَابُ التَّرْتِيبِ، وَقَدْ خَالَفَهُمَا شُعْبَةُ عَنْ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ فَذَكَرَهُ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ النُّسُكِ أَوْ الصَّوْمِ، أَوْ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ وَجَدْنَا شُعْبَةَ قَدْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي هَذَا الْخَبَرِ -: فَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وَرَوَى عَنْهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ: نِصْفَ صَاعٍ حِنْطَةً لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ: ثَلَاثَةَ آصُعَ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِمَاذَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كُلُّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ، وَبِنُصُوصِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا أَيْضًا، فَصَحَّ أَنَّ جَمِيعَهَا وَهْمٌ إلَّا وَاحِدًا فَقَطْ -: فَوَجَدْنَا أَصْحَابَ شُعْبَةَ قَدْ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَوَجَبَ تَرْكُ مَا اضْطَرَبُوا فِيهِ، إذْ لَيْسَ بَعْضُهُ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الَّذِي لَمْ يَضْطَرِبْ الثِّقَاتُ مِنْ رُوَاتِهِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَنْ قَضَايَا شَتَّى لَوَجَبَ الْأَخْذُ بِجَمِيعِهَا وَضَمُّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، وَأَمَّا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ أَصْلًا.
ثُمَّ وَجَدْنَا أَبَانَ بْنَ صَالِحٍ قَدْ ذَكَرَ فِي رِوَايَتِهِ «فَرْقًا مِنْ زَبِيبٍ» وَأَبَانُ لَا يُعْدَلُ فِي الْحِفْظِ بِدَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَلَا بِأَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَلَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ إحْدَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ، إذْ لَا يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا؛ لِأَنَّهَا كُلُّهَا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، فِي رَجُلٍ وَاحِدٍ، فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَوَجَبَ أَخْذُ مَا رَوَاهُ أَبُو قِلَابَةَ، وَالشَّعْبِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، لِثِقَتِهِمَا وَلِأَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لِسَائِرِ الْأَحَادِيثِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 1928
وَأَمَّا مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ عَالِمًا عَامِدًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، أَوْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَخَلَّى الْبَعْضَ عَالِمًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ: فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ فُسُوقٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفُسُوقَ يُبْطِلُ الْإِحْرَامَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ إلَّا عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِمَرَضٍ، أَوْ أَذًى بِهِ فَقَطْ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوجَبَ فِدْيَةٌ، أَوْ غَرَامَةٌ، أَوْ صِيَامٌ، لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ فَهُوَ شَرْعٌ فِي الدِّينِ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يَجُوزُ قِيَاسُ الْعَاصِي عَلَى الْمُطِيعِ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا فَكَيْفَ وَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ؟ وَأَمَّا مَنْ قَطَعَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ مَا لَا يُسَمَّى بِذَلِكَ حَالِقًا بَعْضَ رَأْسِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْصِ وَلَا أَتَى مُنْكَرًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْهَ الْمُحْرِمَ إلَّا عَنْ حَلْقِ رَأْسِهِ وَنَهَى جُمْلَةً عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ عَنْ حَلْقِ بَعْضِ الرَّأْسِ دُونَ بَعْضٍ وَهُوَ الْقَزَعُ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ صَبِيًّا قَدْ حَلَقَ بَعْضَ شَعْرِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: احْلِقُوا كُلَّهُ، أَوْ اُتْرُكُوا كُلَّهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ لَا تَصِحُّ، مِنْهَا -: مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ أَنْصَارِيٍّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَنْ يَحْلِقَ وَيُهْدِيَ بَقَرَةً» وَهَذَا مُرْسَلٌ عَنْ مَجْهُولٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ كَعْبًا ذَبَحَ بَقَرَةً بِالْحُدَيْبِيَةِ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ مِثْلُ الَّذِي أَصَابَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنًا لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَمَّا كَانَ أَبُوهُ ذَبَحَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي فِدْيَةِ رَأْسِهِ؟ فَقَالَ: بَقَرَةً - مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، وَغَيْرِهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلَ عُمَرُ ابْنًا لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ بِمَاذَا افْتَدَى أَبُوهُ؟ فَقَالَ بِبَقَرَةٍ - سُلَيْمَانَ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ.
стр. 1929
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: افْتَدَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ مِنْ أَذًى كَانَ بِرَأْسِهِ فَحَلَقَهُ بِبَقَرَةٍ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا - أَبُو مَعْشَرٍ ضَعِيفٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلْقَمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَطَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، كُلُّهُمْ قَالَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ نُسُكُ شَاةٍ، أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ.
وَصَحَّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَعِكْرِمَةَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: نُسُكُ شَاةٍ، أَوْ صِيَامُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ.
رُوِّينَا ذَلِكَ -: مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ هُشَيْمٍ: أَنَا مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ عَنْ الْحَسَنِ فَذَكَرَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ فَذَكَرَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ، وَعِكْرِمَةَ فَذَكَرَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إنْ حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ أَقَلَّ مِنْ الرُّبُعِ لِضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ صَدَقَةُ مَا تَيَسَّرَ، فَإِنْ حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ نُسُكِ مَا شَاءَ، وَيُجْزِئُهُ شَاةٌ، أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ حِنْطَةٍ، أَوْ دَقِيقُ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ مِنْ زَبِيبٍ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَيُجْزِئُ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ وَيُعَشِّيَهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنُ: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمْ إيَّاهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي قَوْلٍ لَهُ آخَرَ: إنْ حَلَقَ نِصْفَ رَأْسِهِ فَأَقَلَّ صَدَقَةٌ، وَإِنْ حَلَقَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَالْفِدْيَةُ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلٍ لَهُ آخَرَ إنْ حَلَقَ عُشْرَ رَأْسِهِ فَصَدَقَةٌ - فَإِنْ حَلَقَ أَكْثَرَ مِنْ الْعُشْرِ فَالْفِدْيَةُ الْمَذْكُورَةُ.
قَالُوا كُلُّهُمْ: فَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ لَا يُجْزِئُهُ بَدَلُهُ صِيَامٌ، وَلَا إطْعَامٌ - وَقَالَ الطَّحَاوِيَّ: لَيْسَ فِي حَلْقِ بَعْضِ الرَّأْسِ شَيْءٌ.
стр. 1930
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ وَسَاوِسُ وَاسْتِهْزَاءٌ وَشَبِيهٌ بِالْهَزْلِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ، وَلَا يُحْفَظُ هَذَا السُّخَامُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَهُمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَقَ، أَوْ نَتَفَ شَعَرَاتٍ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا فَيُطْعِمُ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ - فَإِنْ حَلَقَ، أَوْ نَتَفَ مَا يَكُونُ فِيهِ إمَاطَةَ أَذًى فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا أَيْضًا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي نَتْفِ شَعْرَةٍ أَوْ حَلْقِهَا عَامِدًا وَنَاسِيًا: مُدٌّ، وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ كَذَلِكَ مُدَّانِ، وَفِي الثَّلَاثِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا كَذَلِكَ دَمٌ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ أَحَبَّ فَشَاةٌ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ مُدَّانِ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ: لَيْسَ فِي الشَّعْرَتَيْنِ وَلَا فِي الشَّعْرَةِ شَيْءٌ، وَفِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ دَمٌ - وَكَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ نَحَا إلَى هَذَا - وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ قَالَا جَمِيعًا فِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ لِلْمُحْرِمِ: دَمٌ، النَّاسِي وَالْعَامِدُ سَوَاءٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي إسْمَاعِيلَ الْمَكِّيِّ: قَالَ: سَأَلْت عَطَاءً عَنْ مُحْرِمٍ حَلَقَ شَعْرَتَيْنِ لِدَوَاءٍ؟ قَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا أَبُو أُسَامَةَ هُوَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بَأْسًا لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحْلِقَ عَنْ الشَّجَّةِ -: قَالَ عَلِيٌّ: فَأَبَاحَ ذَلِكَ لَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا وَلَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَوْضِعُ النُّسُكِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْمُحْصِرِ نُسُكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي حَلْقِ رَأْسِهِ لِمَرَضٍ
следующие страницы →