Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، فَذَكَرَ فِيهِ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وَخَبَرٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد -: نَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ نَا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ [قَالَ] حَدَّثَنِي أَبَانُ هُوَ ابْنُ صَالِحٍ - عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ فِيهِ «أَوْ إطْعَامَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ فَرْقًا مِنْ زَبِيبٍ» .
وَخَبَرٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ -: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ أَخْبَرَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ؛ وَفِيهِ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ نُسُكٌ؟ قَالَ: مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ «أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: هَلْ تَجِدُ مِنْ نَسِيكَةٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَهِيَ شَاةٌ؟ قَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعَ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ - أَنَا دَاوُد بْنَ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ «عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَفْسِهِ أَمَعَكَ دَمٌ؟ قَالَ: لَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِثَلَاثَةِ آصُعَ مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» لَمْ يَسْمَعْهُ الشَّعْبِيُّ مِنْ كَعْبٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
وَنَذْكُرُ الْآنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ نَا جَعْفَرُ الصَّائِغُ نَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: أَمَعَكَ هَدْيٌ؟ قُلْتُ: مَا أَجِدُهُ، قَالَ: إنَّهُ مَا اسْتَيْسَرَ؟ قُلْتُ: مَا أَجِدُهُ؟ قَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُضْطَرِبَةُ كُلُّهَا إنَّمَا هِيَ فِي رِوَايَةِ
стр. 1927
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ -: أَمَّا هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعُ تَمْرٍ فَهُوَ عَنْ أَشْعَثَ الْكُوفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَلْبَتَّةَ؛ وَفِي هَذَا الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُد عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ كَعْبٍ: إيجَابُ التَّرْتِيبِ، وَأَنْ لَا يَجْزِيَ الصِّيَامُ، وَلَا الصَّدَقَةُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ النُّسُكِ، وَذَلِكَ الْخَبَرُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ كَعْبٍ، فَحَصَلَ مُنْقَطِعًا: فَسَقَطَا مَعًا.
وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَأَبِي عَوَانَةَ عَنْ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ فَفِيهَا أَيْضًا: إيجَابُ التَّرْتِيبِ، وَقَدْ خَالَفَهُمَا شُعْبَةُ عَنْ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ فَذَكَرَهُ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ النُّسُكِ أَوْ الصَّوْمِ، أَوْ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ وَجَدْنَا شُعْبَةَ قَدْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي هَذَا الْخَبَرِ -: فَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وَرَوَى عَنْهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ: نِصْفَ صَاعٍ حِنْطَةً لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ: ثَلَاثَةَ آصُعَ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِمَاذَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كُلُّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ، وَبِنُصُوصِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا أَيْضًا، فَصَحَّ أَنَّ جَمِيعَهَا وَهْمٌ إلَّا وَاحِدًا فَقَطْ -: فَوَجَدْنَا أَصْحَابَ شُعْبَةَ قَدْ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَوَجَبَ تَرْكُ مَا اضْطَرَبُوا فِيهِ، إذْ لَيْسَ بَعْضُهُ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الَّذِي لَمْ يَضْطَرِبْ الثِّقَاتُ مِنْ رُوَاتِهِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَنْ قَضَايَا شَتَّى لَوَجَبَ الْأَخْذُ بِجَمِيعِهَا وَضَمُّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، وَأَمَّا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ أَصْلًا.
ثُمَّ وَجَدْنَا أَبَانَ بْنَ صَالِحٍ قَدْ ذَكَرَ فِي رِوَايَتِهِ «فَرْقًا مِنْ زَبِيبٍ» وَأَبَانُ لَا يُعْدَلُ فِي الْحِفْظِ بِدَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَلَا بِأَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَلَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ إحْدَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ، إذْ لَا يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا؛ لِأَنَّهَا كُلُّهَا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، فِي رَجُلٍ وَاحِدٍ، فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَوَجَبَ أَخْذُ مَا رَوَاهُ أَبُو قِلَابَةَ، وَالشَّعْبِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، لِثِقَتِهِمَا وَلِأَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لِسَائِرِ الْأَحَادِيثِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 1928
وَأَمَّا مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ عَالِمًا عَامِدًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، أَوْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَخَلَّى الْبَعْضَ عَالِمًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ: فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ فُسُوقٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفُسُوقَ يُبْطِلُ الْإِحْرَامَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ إلَّا عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِمَرَضٍ، أَوْ أَذًى بِهِ فَقَطْ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوجَبَ فِدْيَةٌ، أَوْ غَرَامَةٌ، أَوْ صِيَامٌ، لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ فَهُوَ شَرْعٌ فِي الدِّينِ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يَجُوزُ قِيَاسُ الْعَاصِي عَلَى الْمُطِيعِ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا فَكَيْفَ وَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ؟ وَأَمَّا مَنْ قَطَعَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ مَا لَا يُسَمَّى بِذَلِكَ حَالِقًا بَعْضَ رَأْسِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْصِ وَلَا أَتَى مُنْكَرًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْهَ الْمُحْرِمَ إلَّا عَنْ حَلْقِ رَأْسِهِ وَنَهَى جُمْلَةً عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ عَنْ حَلْقِ بَعْضِ الرَّأْسِ دُونَ بَعْضٍ وَهُوَ الْقَزَعُ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ صَبِيًّا قَدْ حَلَقَ بَعْضَ شَعْرِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: احْلِقُوا كُلَّهُ، أَوْ اُتْرُكُوا كُلَّهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ لَا تَصِحُّ، مِنْهَا -: مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ أَنْصَارِيٍّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَنْ يَحْلِقَ وَيُهْدِيَ بَقَرَةً» وَهَذَا مُرْسَلٌ عَنْ مَجْهُولٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ كَعْبًا ذَبَحَ بَقَرَةً بِالْحُدَيْبِيَةِ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ مِثْلُ الَّذِي أَصَابَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنًا لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَمَّا كَانَ أَبُوهُ ذَبَحَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي فِدْيَةِ رَأْسِهِ؟ فَقَالَ: بَقَرَةً - مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، وَغَيْرِهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلَ عُمَرُ ابْنًا لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ بِمَاذَا افْتَدَى أَبُوهُ؟ فَقَالَ بِبَقَرَةٍ - سُلَيْمَانَ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ.
стр. 1929
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: افْتَدَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ مِنْ أَذًى كَانَ بِرَأْسِهِ فَحَلَقَهُ بِبَقَرَةٍ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا - أَبُو مَعْشَرٍ ضَعِيفٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلْقَمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَطَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، كُلُّهُمْ قَالَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ نُسُكُ شَاةٍ، أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ.
وَصَحَّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَعِكْرِمَةَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: نُسُكُ شَاةٍ، أَوْ صِيَامُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ.
رُوِّينَا ذَلِكَ -: مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ هُشَيْمٍ: أَنَا مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ عَنْ الْحَسَنِ فَذَكَرَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ فَذَكَرَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ، وَعِكْرِمَةَ فَذَكَرَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إنْ حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ أَقَلَّ مِنْ الرُّبُعِ لِضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ صَدَقَةُ مَا تَيَسَّرَ، فَإِنْ حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ نُسُكِ مَا شَاءَ، وَيُجْزِئُهُ شَاةٌ، أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ حِنْطَةٍ، أَوْ دَقِيقُ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ مِنْ زَبِيبٍ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَيُجْزِئُ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ وَيُعَشِّيَهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنُ: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمْ إيَّاهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي قَوْلٍ لَهُ آخَرَ: إنْ حَلَقَ نِصْفَ رَأْسِهِ فَأَقَلَّ صَدَقَةٌ، وَإِنْ حَلَقَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَالْفِدْيَةُ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلٍ لَهُ آخَرَ إنْ حَلَقَ عُشْرَ رَأْسِهِ فَصَدَقَةٌ - فَإِنْ حَلَقَ أَكْثَرَ مِنْ الْعُشْرِ فَالْفِدْيَةُ الْمَذْكُورَةُ.
قَالُوا كُلُّهُمْ: فَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ لَا يُجْزِئُهُ بَدَلُهُ صِيَامٌ، وَلَا إطْعَامٌ - وَقَالَ الطَّحَاوِيَّ: لَيْسَ فِي حَلْقِ بَعْضِ الرَّأْسِ شَيْءٌ.
стр. 1930
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ وَسَاوِسُ وَاسْتِهْزَاءٌ وَشَبِيهٌ بِالْهَزْلِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ، وَلَا يُحْفَظُ هَذَا السُّخَامُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَهُمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَقَ، أَوْ نَتَفَ شَعَرَاتٍ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا فَيُطْعِمُ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ - فَإِنْ حَلَقَ، أَوْ نَتَفَ مَا يَكُونُ فِيهِ إمَاطَةَ أَذًى فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا أَيْضًا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي نَتْفِ شَعْرَةٍ أَوْ حَلْقِهَا عَامِدًا وَنَاسِيًا: مُدٌّ، وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ كَذَلِكَ مُدَّانِ، وَفِي الثَّلَاثِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا كَذَلِكَ دَمٌ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ أَحَبَّ فَشَاةٌ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ مُدَّانِ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ: لَيْسَ فِي الشَّعْرَتَيْنِ وَلَا فِي الشَّعْرَةِ شَيْءٌ، وَفِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ دَمٌ - وَكَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ نَحَا إلَى هَذَا - وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ قَالَا جَمِيعًا فِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ لِلْمُحْرِمِ: دَمٌ، النَّاسِي وَالْعَامِدُ سَوَاءٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي إسْمَاعِيلَ الْمَكِّيِّ: قَالَ: سَأَلْت عَطَاءً عَنْ مُحْرِمٍ حَلَقَ شَعْرَتَيْنِ لِدَوَاءٍ؟ قَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا أَبُو أُسَامَةَ هُوَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بَأْسًا لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحْلِقَ عَنْ الشَّجَّةِ -: قَالَ عَلِيٌّ: فَأَبَاحَ ذَلِكَ لَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا وَلَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَوْضِعُ النُّسُكِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْمُحْصِرِ نُسُكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي حَلْقِ رَأْسِهِ لِمَرَضٍ
стр. 1931
كَانَ بِهِ بِالسُّقْيَا وَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مُخَالِفًا وَنُسُكُ حَلْقِ الرَّأْسِ لَا يُسَمَّى هَدْيًا؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَهُوَ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، إذْ لَمْ يُوجِبْ كَوْنَ النُّسُكِ بِمَكَّةَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ.
وَرُوِّينَا عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ دَمٍ أَوْ طَعَامٍ فَبِمَكَّةَ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَحَيْثُ شَاءَ - وَقَالَ عَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مَا كَانَ مِنْ دَمٍ فَبِمَكَّةَ وَمَا كَانَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ صِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّ دَمٍ وَاجِبٍ فَلَيْسَ لَك أَنْ تَذْبَحَهُ إلَّا بِمَكَّةَ.
رُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: اجْعَلْ الْفِدْيَةَ حَيْثُ شِئْت -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بِالنُّسُكِ مَكَانًا دُونَ مَكَان إلَّا بِقُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ.
[مَسْأَلَةٌ حَلَقَ الْمُحْرِم رَأْسَهُ بِنُورَةٍ]
٨٧٥ - مَسْأَلَةٌ:
فَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِنُورَةٍ فَهُوَ حَالِقٌ فِي اللُّغَةِ فَفِيهِ مَا فِي الْحَالِقِ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا بِأَيِّ شَيْءٍ - حَلَقَهُ؟ فَإِنْ نَتَفَهُ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِقْهُ؛ وَالنَّتْفُ غَيْرُ الْحَلْقِ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَإِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ وَالْفِدْيَةُ فِي الْحَلْقِ لَا فِي النَّتْفِ.
[مَسْأَلَةٌ تَصَيَّدَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ]
٨٧٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ تَصَيَّدَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِقِرَانٍ أَوْ بِحَجَّةِ تَمَتُّعٍ مَا بَيْنَ أَوَّلِ إحْرَامِهِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، أَوْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ، أَوْ مُحِلٌّ فِي الْحَرَمِ -: فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَامِدًا لِقَتْلِهِ غَيْرَ ذَاكِرٍ لِإِحْرَامِهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ، أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ لِقَتْلِهِ - سَوَاءٌ كَانَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ -: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا كَفَّارَةَ وَلَا إثْمَ؛ وَذَلِكَ الصَّيْدُ جِيفَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ عَامِدًا لِقَتْلِهِ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ، أَوْ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَجُّهُ بَاطِلٌ وَعُمْرَتُهُ كَذَلِكَ - وَعَلَيْهِ مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] .
стр. 1932
فَصَحَّ يَقِينًا لَا إشْكَالَ فِيهِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ كُلَّهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْعَامِدِ لِقَتْلِهِ، الذَّاكِرِ لِإِحْرَامِهِ، أَوْ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ، لِأَنَّ إذَاقَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَالَ الْأَمْرِ وَعَظِيمَ وَعِيدِهِ بِالِانْتِقَامِ مِنْهُ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُخْطِئِ أَلْبَتَّةَ، وَلَا عَلَى غَيْرِ الْعَامِدِ لِلْمَعْصِيَةِ الْقَاصِدِ إلَيْهَا؛ فَبَطَلَ يَقِينًا أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ إيجَابُ حُكْمٍ فِي هَذَا الْمَكَانِ عَلَى غَيْرِ الْعَامِدِ الذَّاكِرِ الْقَاصِدِ إلَى الْمَعْصِيَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ هُوَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ الْأَسَدِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَمَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعُمَرُ: يَسْأَلُ رَجُلًا قَتَلَ ظَبْيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: عَمْدًا قَتَلْتَهُ أَمْ خَطَأً؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لَقَدْ تَعَمَّدْت رَمْيَهُ وَمَا أَرَدْت قَتْلَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَرَاك إلَّا أَشْرَكْت بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ؛ أَعْمِدْ إلَى شَاةٍ فَاذْبَحْهَا فَتَصَدَّقْ بِلَحْمِهَا وَأَسِقْ إهَابَهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَوْ كَانَ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ فِي ذَلِكَ سَوَاءً عِنْدَ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمَا سَأَلَهُ عُمَرُ أَعَمْدًا قَتَلْتَهُ أَمْ خَطَأً؟ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ فُضُولًا مِنْ السُّؤَالِ لَا مَعْنَى لَهُ؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مَدِينَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ: لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ شَيْءٌ - أَبُو مَدِينَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حِصْنٍ السَّدُوسِيُّ تَابِعِيٌّ -، سَمِعَ أَبَا مُوسَى، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ ﵃.
وَمِنْ طَرِيق شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ خَطَأً؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: فَقُلْت لَهُ: عَمَّنْ؟ قَالَ: السُّنَّةُ.
стр. 1933
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَهْدُنَا بِالْمَالِكِيِّينَ يَجْعَلُونَ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إذْ سَأَلَهُ رَبِيعَةُ عَنْ قَوْلِهِ فِي الْمَرْأَةِ يُقْطَعُ لَهَا ثَلَاثُ أَصَابِعَ لَهَا ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ فَإِنْ قُطِعَتْ لَهَا أَرْبَعُ أَصَابِعَ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي؛ فَجَعَلُوهُ حُجَّةً لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا.
وَقَدْ خَالَفَ سَعِيدٌ فِي ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرَهُمَا؛ ثُمَّ لَمْ يَجْعَلُوا هَاهُنَا حُجَّةَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ السُّنَّةَ هِيَ أَنَّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ خَطَأً، وَمَعَهُ الْقُرْآنُ، وَالصَّحَابَةُ - وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: لَا يُحْكَمُ إلَّا عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا كَمَا قَالَ اللَّهُ .
وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ فِيمَنْ أَصَابَ الْجَنَادِبَ خَطَأً؟ قَالُوا: لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَصَابَهَا مُتَعَمِّدًا حُكِمَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِنَا.
وَصَحَّ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا يُحْكَمُ عَلَى مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ خَطَأً، وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ عَامِدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ سَوَاءٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعْدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ هُوَ مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ .
وَشَغَبَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَنْ قَالُوا: قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَفَّارَةَ عَلَى قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً فَقِسْنَا عَلَيْهِ قَاتِلَ الصَّيْدِ خَطَأً؟
стр. 1934
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ وَلَكَانُوا أَيْضًا قَدْ فَارَقُوا حُكْمَ الْقِيَاسِ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا؛ أَمَّا كَوْنُهُ خَطَأً؛ فَلِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمْ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ حُكْمِ أَصْلِهِ مَخْصُوصًا أَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَى النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ فَخَرَجَ عِنْدَهُمْ إيجَابُ الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً عَنْ أَصْلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقَاسَ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنْ لَا يَقِيسُوا حُكْمَ الْوَاطِئِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ نَاسِيًا عَلَى الْوَاطِئِ فِيهِ عَمْدًا فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِمَا، وَقَتْلُ الصَّيْدِ أَشْبَهُ بِالْوَطْءِ مِنْهُ بِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْمُؤْمِنِ لَمْ يَحِلَّ قَطُّ ثُمَّ حُرِّمَ، بَلْ لَمْ يَزَلْ حَرَامًا مُذْ آمَنَ، أَوْ مُذْ وُلِدَ إنْ كَانَ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا الْوَطْءُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ فَكَانَا حَلَالَيْنِ، ثُمَّ حُرِّمَا بِالصَّوْمِ وَبِالْإِحْرَامِ فَجَمَعَتْهُمَا هَذِهِ الْعِلَّةُ فَأَخْطَئُوا فِي قِيَاسِ قَاتِلِ الصَّيْدِ خَطَأً عَلَى مَا لَا يُشْبِهُهُ.
وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُمْ لِلْقِيَاسِ هُنَا فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ مِنْ أَصْلِهِمْ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُوجَبَ بِالْقِيَاسِ ثُمَّ أَوْجَبُوهَا هَاهُنَا بِالْقِيَاسِ؛ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ قَاسُوا الْخَطَأَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ عَلَى الْخَطَأِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ فَأَوْجَبُوا الْجَزَاءَ فِي كِلَيْهِمَا وَلَمْ يَقِيسُوا قَتْلَ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا فَأَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا وَلَمْ يُوجِبُوهَا فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَبَاطِلٌ.
وَأَيْضًا فَلَمْ يَقِيسُوا نَاسِي التَّسْمِيَةِ فِي التَّذْكِيَةِ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِتَرْكِهَا فِيهَا مَعَ مَجِيءِ الْقُرْآنِ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ هُنَالِكَ؛ وَتَفْرِيقِ الْحُكْمِ هَاهُنَا.
وَالشَّافِعِيُّونَ فَرَّقُوا بَيْنَ النَّاسِي فِيمَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ وَبَيْنَ الْعَامِدِ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ وَسَاوَوْا هَاهُنَا بَيْنَ النَّاسِي وَالْعَامِدِ، وَهَذَا اضْطِرَابٌ شَدِيدٌ.
وَقَالُوا: لَيْسَ تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَمِّدَ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ بِمُوجَبِ أَنَّ الْمُخْطِئَ بِخِلَافِهِ وَذَكَرُوا مَا نَحْتَجُّ بِهِ نَحْنُ وَمَنْ وَافَقَنَا مِنْهُمْ مِنْ النُّصُوصِ فِي إبْطَالِ الْقَوْلِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا جَهْلٌ شَدِيدٌ مِنْ هَذَا الْقَائِلِ، لِأَنَّنَا إذَا أَبْطَلْنَا الْقَوْلَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ لَمْ نُوجِبْ الْقَوْلَ بِالْقِيَاسِ بَلْ أَبْطَلْنَاهُمَا جَمِيعًا، وَالْقِيَاسُ: هُوَ أَنْ يُحْكَمَ
стр. 1935
لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِحُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَدَلِيلُ الْخِطَابِ: هُوَ أَنْ يُحْكَمَ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا هُمْ فَتَلَوَّنُوا هَاهُنَا مَا شَاءُوا، فَمَرَّةً يَحْكُمُونَ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِحُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ قِيَاسًا، وَمَرَّةً يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ حُكْمِهِ أَخْذًا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ - وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ مُضَادٌّ لِلْآخَرِ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَتَعَدَّى الْقُرْآنَ وَلَا السُّنَّةَ وَنُوقِفُ أَمْرَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَلَا نَحْكُمُ لَهُ بِحُكْمِ الْمَنْصُوصِ وَلَا بِحُكْمٍ آخَرَ، بِخِلَافِ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ؛ لَكِنْ نَطْلُبُ حُكْمَهُ فِي نَصٍّ آخَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ وَلَمْ نَقُلْ قَطُّ هَاهُنَا: إنَّهُ لَمَّا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إيجَابِ الْجَزَاءِ وَالْكَفَّارَةِ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ عَمْدًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْطِئُ بِخِلَافِهِ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَقُولَ هَذَا، لَكِنْ قُلْنَا: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا الْمُتَعَمِّدُ وَحْدُهُ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِلْمُخْطِئِ لَا بِإِيجَابِ جَزَاءٍ عَلَيْهِ وَلَا بِإِسْقَاطِهِ عَنْهُ فَوَجَبَ طَلَبُ حُكْمِهِ فِي نَصٍّ آخَرَ، إذْ لَيْسَ حُكْمُ كُلِّ شَيْءٍ مَوْجُودًا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ أَحَدٌ سِوَاهُ؛ فَإِذَا وَجَدْنَا حُكْمَهُ حَكَمْنَا بِهِ، إمَّا مُوَافِقًا لِهَذَا الْحُكْمِ الْآخَرِ، وَإِمَّا مُخَالِفًا لَهُ، فَفَعَلْنَا -: فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَسْقَطَ الْجُنَاحَ عَنْ الْمُخْطِئِ.
وَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَأَنَّهُ قَدْ عَفَا عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَذَمَّ تَعَالَى مَنْ شَرَعَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ.
فَوَجَبَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَنْ لَا يَلْزَمَ قَاتِلُ الصَّيْدِ خَطَأً أَوْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ شَرْعُ صَوْمٍ، وَلَا غَرَامَةُ هَدْيٍ، أَوْ إطْعَامٌ أَصْلًا؛ فَظَهَرَ فَسَادُ احْتِجَاجِهِمْ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا: بِأَنْ قَالُوا: لَمَّا كَانَ مُتْلِفُ أَمْوَالِ النَّاسِ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا بِالْخَطَأِ وَالْعَمْدِ وَكَانَ الصَّيْدُ مِلْكًا لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ ضَمَانُهُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ، وَلَكَانُوا أَيْضًا قَدْ أَخْطَئُوا فِيهِ.
أَمَّا كَوْنَهُ خَطَأً فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ مَا أُصِيبَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ وَبَيْنَ حُكْمِ مَا أُصِيبَ مِنْ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ فَجَعَلَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ الْمِثْلَ، أَوْ الْقِيمَةَ عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ،
стр. 1936
وَجَعَلَ فِي الصَّيْدِ جَزَاءً مِنْ النَّعَمِ لَا مِنْ مِثْلِهِ مِنْ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ فِي الْإِحْلَالِ، أَوْ إطْعَامًا، أَوْ صِيَامًا، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ؛ فَسَوَّوْا بَيْنَ حُكْمَيْنِ قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا - وَهَذِهِ جُرْأَةٌ شَدِيدَةٌ وَخَطَأٌ لَائِحٌ؛ وَأَمَّا خَطَؤُهُمْ فِيهِ فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَاتِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُؤْخَذَ قِيَاسًا، وَأَوْجَبُوا هَاهُنَا قِيَاسًا، وَالْقَوْمُ لَيْسُوا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُمْ فِي شَبَهِ اللَّعِبِ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَإِنَّهُمْ قَاسُوا مُتْلِفَ الصَّيْدِ خَطَأً عَلَى مُتْلِفِ أَمْوَالِ النَّاسِ عَمْدًا، وَإِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَهُمْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ الْقِيمَةُ فَقَطْ، وَيَجِبُ عِنْدَهُمْ فِي الصَّيْدِ الْمِثْلُ مِنْ النَّعَمِ، أَوْ الْإِطْعَامُ، أَوْ الصِّيَامُ، فَقَدْ تَرَكُوا قِيَاسَهُمْ الْفَاسِدَ.
فَإِنْ قَالُوا: اتَّبَعْنَا الْقُرْآنَ؟ قُلْنَا: فَالْتَزَمُوا اتِّبَاعَهُ فِي الْعَامِدِ خَاصَّةً وَإِسْقَاطُ الْجُنَاحِ عَنْ الْمُخْطِئِ، وَأَوْجَبُوا فِي الصَّيْدِ: الْقِيمَةَ كَمَا فَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَرَدَ قِيَاسَهُ الْفَاسِدَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ لَا يَرَوْنَ ضَمَانَ مَا وَلَدَتْ الْمَاشِيَةُ الْمَغْصُوبَةُ إلَّا أَنْ تُسْتَهْلَكَ الْأَوْلَادِ، وَيَرَى عَلَى مَنْ أَخَذَ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَوَلَدَ عِنْدَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ: أَنْ يَضْمَنَ الْأُمَّ وَالْأَوْلَادَ، فَأَيْنَ قِيَاسُهُ الصَّيْدَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ؟ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّونَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ كَمَا حَرَّمَ الصَّيْدَ فِي الْإِحْرَامِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ لَا يُوجِبُونَ عَلَى مَنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ جَزَاءً، فَنَقَضُوا قِيَاسَهُمْ.
فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُحَرِّمْ قَتْلَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ؟ قُلْنَا: وَلَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَزَاءَ إلَّا عَلَى الْمُتَعَمِّدِ فَإِمَّا الْتَزَمُوا النُّصُوصَ كَمَا وَرَدَتْ وَلَا تَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ، وَإِمَّا اُطْرُدُوا قِيَاسَكُمْ فَأَوْجِبُوا الْجَزَاءَ فِي الْخِنْزِيرِ؛ وَفِي السِّبَاعِ، وَفِي ذَوَاتِ الْمَخَالِبِ، كَمَا فَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ - فَظَهَرَ أَيْضًا فَسَادُ أَقْوَالِهِمْ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِيَعْلَمَ أَنَّ حُكْمَ الْمُخْطِئِ مِثْلُهُ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ مِنْ أَسْخَفِ كَلَامٍ فِي الْأَرْضِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّ جَزَاءَ قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ عَامِدًا فِي جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 1937
وَلَعَنَهُ، لِيَعْلَمَ أَنَّ حُكْمَ قَاتِلِهِ مُخْطِئٌ مِثْلُهُ، وَإِلَّا فَقَدْ ظَهَرَ كَذِبُ هَذَا الْقَائِلِ عَلَى اللَّهِ ، وَافْتِرَاؤُهُ عَلَى خَالِقِهِ لِإِخْبَارِهِ عَنْهُ بِالْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ.
فَإِنْ قَالَ: قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ قَاتِلِ الْعَمْدِ وَقَاتِلِ الْخَطَأِ.
قُلْنَا: وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ كُلِّ مُخْطِئٍ وَكُلِّ عَامِدٍ بِقَوْلِهِ : ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ تَمْوِيهًا غَيْرَ هَذَا وَهُوَ كُلُّهُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ ذَلِكَ الصَّيْدَ حَرَامٌ أَكْلُهُ؛ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ قَتْلًا وَنَهَى عَنْهُ وَلَمْ يُبِحْ لَنَا أَكْلَ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ إلَّا بِالذَّكَاةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا ، وَلَا شَكَّ عِنْدَ كُلِّ ذِي حَسَنٍ سَلِيمٍ أَنَّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الذَّكَاةِ هُوَ غَيْرُ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْقَتْلِ؛ فَإِذْ هُوَ غَيْرُهُ فَالْقَتْلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَيْسَ ذَكَاةً؛ وَإِذْ لَيْسَ هُوَ ذَكَاةٌ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُ الْحَيَوَانِ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا خَصَّصْتُمْ الْعَامِدَ بِذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَصُّ الْآيَةِ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فَعَمَّ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ، وَسَمَّى إتْلَافَ الصَّيْدِ فِي حَالِ الْحَرَمِ قَتْلًا وَحَرَّمَهُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَأَوْجَبَ حُكْمَ الْجَزَاءِ عَلَى الْعَامِدِ خَاصَّةً بِخِلَافِ النَّهْيِ الْعَامِّ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ إحْرَامِهِ بِذَلِكَ -: فَلِأَنَّهُ بِلَا خِلَافٍ مَعْصِيَةٌ، وَالْمَعَاصِي كُلُّهَا فُسُوقٌ؛ وَالْإِحْرَامُ يَبْطُلُ بِالْفُسُوقِ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
وَمِنْ شَنَعِ الْأَقْوَالِ وَفَاسِدِهَا إبْطَالُ الْمَالِكِيِّينَ الْحَجَّ بِالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَمْ يَمْنَعْ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ ﵇، ثُمَّ لَمْ يُبْطِلُوهُ بِالْفُسُوقِ الْكَبِيرِ الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى أَشَدَّ الْوَعِيدِ فِيهِ وَهُوَ قَتْلُ الصَّيْدِ عَمْدًا.
وَأَبْطَلُوا هُمْ، وَالْحَنَفِيُّونَ الْإِحْرَامَ بِالْوَطْءِ نَاسِيًا وَلَمْ يُبْطِلْهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَلَمْ يُبْطِلُوهُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ الْمُحْرِمِ.
стр. 1938
وَأَبْطَلُوا هُمْ، وَالشَّافِعِيُّونَ الْحَجَّ بِالْإِكْرَاهِ عَلَى الْوَطْءِ وَلَمْ يُبْطِلْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ ﵇، وَلَمْ يُبْطِلُوهُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ كِتَابِيّ قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ]
٨٧٧ - مَسْأَلَةٌ:
فَلَوْ أَنَّ كِتَابِيًّا قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فَوَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُتَعَمِّدُ لِقَتْلِ الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ]
٨٧٨ - مَسْأَلَةٌ:
وَأَمَّا الْمُتَعَمِّدُ لِقَتْلِ الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَيُّهَا شَاءَ فَعَلَهُ؟ وَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يُهْدِيَ مِثْلَ الصَّيْدِ الَّذِي قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ وَهِيَ: الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ - ضَأْنُهَا، وَمَاعِزُهَا - وَعَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُشْبِهُ الصَّيْدَ الَّذِي قَتَلَ مِمَّا قَدْ حَكَمَ بِهِ عَدْلَانِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، أَوْ مِنْ التَّابِعِينَ ﵏، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ تَحْكِيمَ حُكْمَيْنِ الْآنَ وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ مَسَاكِينَ؛ وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثَةٌ، وَإِنْ شَاءَ نَظَرَ إلَى مَا يُشْبِعُ ذَلِكَ الصَّيْدَ مِنْ النَّاسِ، فَصَامَ بَدَلَ كُلِّ إنْسَانٍ يَوْمًا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] .
فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى التَّخْيِيرَ فِي ذَلِكَ بِلَفْظَةِ " أَوْ " وَأَوْجَبَ مِنْ الْمِثْلِ مَا حَكَمَ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنَّا.
فَصَحَّ أَنَّ الصَّاحِبَيْنِ إذَا حَكَمَا بِمِثْلٍ فِي ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ فَرْضًا لَازِمًا لَا يَحِلُّ تَعَدِّيهِ؛ وَكَذَلِكَ الصَّاحِبُ وَالتَّابِعُ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ حُكْمُ صَاحِبَيْنِ؛ وَكَذَلِكَ حُكْمُ التَّابِعِينَ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي حُكْمِ صَاحِبٍ، وَأَوْجَبَ تَعَالَى طَعَامَ مَسَاكِينَ، وَهَذَا بِنَاءً لَا يَقَعُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَيَقَعُ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا إلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إحْصَائِهِ إلَّا اللَّهُ ؛ فَكَانَ إيجَابُ عَدَدٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ قَوْلًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَوَجَبَ إطْعَامُ الثَّلَاثَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ لَا أَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعُ خَيْرٍ.
وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ وَنَقْطَعُ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَ فِي هَذَا عَدَدًا مَحْدُودًا مِنْ الْمَسَاكِينِ لَا يُوجِبُهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَوْ صِفَةٌ مِنْ الْإِطْعَامِ لَا يَقْتَضِيه وَظَاهِرُ الْآيَةِ لَمَا أَغْفَلَهُ عَمْدًا وَلَا نَسِيَهُ، وَلَبَيَّنَهُ لَنَا فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ كَمَا بَيَّنَ عَدَدَ الْمَسَاكِينِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ، وَكَفَّارَةِ الْعَوْدِ لِلظِّهَارِ، وَكَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ، وَكَفَّارَةِ
стр. 1939
حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْأَذَى فِي الْإِحْرَامِ، فَإِذَا لَمْ يَنُصَّ تَعَالَى هُنَا عَلَى عَدَدٍ بِعَيْنِهِ وَلَا عَلَى صِفَةٍ بِعَيْنِهَا فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ الصَّادِقَةِ أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْ فِي ذَلِكَ غَيْرَ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ بِيَقِينٍ لَا مَجَالَ لِلشَّكِّ فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُ سِوَاهُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كَقَوْلِنَا إلَّا أَنَّهُ قَالَ: مَا أُطْعِمُهُمْ وَأَيُّ مِقْدَارٍ أُطْعِمُهُمْ أَجْزَأَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] فَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ لَأَجْزَأَ إطْعَامُ حَبَّةِ بَرَّةٍ لِمِسْكِينٍ، أَوْ حَبَّةَ خَرْدَلَةٍ، أَوْ وَزْنَ حَبَّةِ صَبْرٍ، أَوْ شَحْمَ حَنْظَلٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ - لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] .
وَذَكَرَ تَعَالَى عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ رَبِّهِ فِي حَمْدِهِ إيَّاهُ هُوَ ﴿يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] فَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ بِلَا شَكٍّ مَا أَمْسَكَ الْحَيَاةَ وَطَرَدَ الْجُوعَ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ لَا مِمَّا يَحْرُمُ وَلَا مِمَّا هُوَ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ يُشْبِعُ ثَلَاثَ مَسَاكِينَ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ - وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ، وَأَمَّا سَائِرُ مَا فِيهِ الْإِطْعَامُ فَقَدْ جَاءَ مِقْدَارُ مَا يُطْعِمُ فِيهِ مَنْصُوصًا وَهِيَ: أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ فَقَطْ، الْإِطْعَامُ فِي وَطْءِ الْأَهْلِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَمْدًا، وَالْإِطْعَامُ فِي الظِّهَارِ، وَالْإِطْعَامُ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَالْإِطْعَامُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمَرِيضِ الْمُحْرِمِ قَبْلَ مَحِلِّهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي الصِّيَامِ: فَإِنَّ الْإِشَارَةَ بِلَفْظَةِ ذَلِكَ إنَّمَا تَقَعُ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي بِهِ نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَبْعَدِ مَذْكُورٍ، وَكَانَ الصَّيْدُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَبْعَدَ مَذْكُورٍ فَلَزِمَ بِذَلِكَ عَدْلَهُ صِيَامًا، وَلَا يَكُونُ عَدْلُهُ أَصْلًا إلَّا كَمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا مَنْ قَوَّمَهُ قِيمَةً، ثُمَّ قَوَّمَ الْقِيمَةَ طَعَامًا، ثُمَّ رَأَى عَدْلَ ذَلِكَ صِيَامًا فَلَمْ يُوجِبْ عَدْلَ الصَّيْدِ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ عَدْلَ قِيمَتِهِ وَلَيْسَ هَذَا فِي الْآيَةِ فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِهِ [جُمْلَةً] .
ثُمَّ نَسْأَلُ مَنْ قَالَ بِتَقْوِيمِ الْهَدْيِ دَرَاهِمَ، أَوْ طَعَامًا؛ أَيُّ الْهَدْيِ تُقَوِّمَ؟ وَقَدْ يَخْتَلِفُ قِيَمُ النُّوقِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، فَأَيُّ نَاقَةٍ تُقَوَّمُ؟ أَمْ أَيُّ بَقَرَةٍ تُقَوَّمُ؟ أَمْ أَيُّ شَاةٍ؟ وَهَذَا إلْزَامٌ مُضْمَحِلٌّ بِلَا بُرْهَانٍ.
ثُمَّ نَقُولُ لِمَنْ قَالَ بِتَقْوِيمِ الصَّيْدِ: مَتَى تُقَوِّمُهُ؟ أَحَيًّا أَمْ مَقْتُولًا؟
стр. 1940
فَإِنْ قَالُوا: مَقْتُولًا؟ قُلْنَا: هُوَ عِنْدَكُمْ جِيفَةٌ مَيِّتَةٌ، وَلَا قِيمَةَ لِلْمَيْتَةِ؛ ثُمَّ هُوَ أَيْضًا مِنْكُمْ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَإِنْ قَالُوا: بَلْ يُقَوَّمُ حَيًّا؟ قُلْنَا: وَمَا بُرْهَانُكُمْ عَلَى ذَلِكَ وَقِيمَتُهُ حَيًّا تَخْتَلِفُ فَيَكُونُ حِمَارُ وَحْشٍ يَرْغَبُ فِيهِ الْمُلُوكُ حَيًّا فَيُغَالُونَ بِهِ فَإِذَا ذُكِّيَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَبِيرُ قِيمَةٍ، ثُمَّ فِي أَيِّ الْمَوَاضِعِ يُقَوَّمُ؟ فَإِنْ قَالُوا: حَيْثُ أُصِيبَ؟ قُلْنَا: فَإِنْ أُصِيب بِفَلَاةٍ لَا قِيمَةَ لَهُ فِيهَا أَصْلًا؟ وَكُلُّ مَا قَالُوهُ فَبِلَا دَلِيلٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَاهُنَا فِي مَوَاضِعَ، أَحَدُهَا التَّخْيِيرُ -: فَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ وَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْهَدْيُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالْإِطْعَامُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالصِّيَامُ -: رُوِّينَا هَذَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جَزَاءُ ذَبْحِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَزَاءٌ قُوِّمَ جَزَاؤُهُ دَرَاهِمَ؛ ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا فَصَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَإِنَّمَا جُعِلَ الطَّعَامَ لِلصَّائِمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وُجِدَ الطَّعَامُ وُجِدَ جَزَاؤُهُ.
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانٍ - وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " أَوْ " فَهُوَ مُخَيَّرٌ وَكُلُّ شَيْءٍ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَهُوَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ.
وَرُوِّينَا التَّخْيِيرَ أَيْضًا: عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَهُوَ
قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَإِذَا تَنَازَعَ النَّاسُ فَالْمَرْجِعُ إلَى الْقُرْآنِ، وَحُكْمُ الْقُرْآنِ التَّخْيِيرُ، وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ قَاسَ قَاتِلَ الصَّيْدِ خَطَأً عَلَى الْعَامِدِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ، أَوْ عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ أَنْ يَقِيسَ حُكْمَ كَفَّارَةِ الصَّيْدِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَيَجْعَلُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ كَمَا كَفَّارَةُ الْقَتْلِ عَلَى التَّرْتِيبِ وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا؟ وَمِنْهَا اسْتِئْنَافُ التَّحْكِيمِ فَإِنَّ الرِّوَايَةَ جَاءَتْ عَنْ طَاوُسٍ: أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْحُكْمَ
стр. 1941
وَيَحْكُمَانِ بِحُكْمِ يَوْمِهِمَا وَلَا يَنْظُرَانِ إلَى حُكْمِ مَنْ مَضَى، فَإِنَّ مَالِكًا، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ، وَالثَّوْرِيَّ قَالُوا: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ اسْتِئْنَافِ تَحْكِيمِ حَكَمَيْنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ مَالِكٌ: الْخِيَارُ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لَا إلَى الْحَكَمَيْنِ؛ وَيَقُولُ لَهُمَا: لَا تَحْكُمَا عَلَيَّ إلَّا بِالْإِطْعَامِ إنْ شَاءَ أَوْ بِالصِّيَامِ إنْ شَاءَ، أَوْ بِالْجَزَاءِ إنْ شَاءَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ حَيٍّ: الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَى الْحَكَمَيْنِ لَا إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يَحْكُمَا بِغَيْرِ حُكْمِ مَنْ مَضَى.
قَالَ ابْنُ حَيٍّ: إنْ كَانَ حُكْمُ الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ حُكْمِ مَنْ مَضَى؛ حُكِمَ بِحُكْمِ الْيَوْمِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْيَوْمِ أَقَلَّ مِنْ حُكْمِ مَنْ مَضَى: حُكِمَ بِحُكْمِ مَنْ مَضَى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، أَبُو سُلَيْمَانَ: لَا يَسْتَأْنِفُ الْحُكْمَ الْيَوْمَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: إنَّمَا هُوَ مَا حَكَمَ بِهِ السَّلَفُ لَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاَللَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ مَا حَكَمَ بِهِ فِي ذَلِكَ ذَوَا عَدْلٍ مِنَّا فَإِذَا حَكَمَ اثْنَانِ مِنْ السَّلَفِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّاعَةَ لِمَا حَكَمَا بِهِ فَاسْتِئْنَافُ تَحْكِيمِ آخَرَيْنِ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ -: فَهُوَ عَمَلٌ فَارِغٌ فَاسِدٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ أَصْلًا.
ثُمَّ قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّ الْخِيَارَ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ خَطَأً مُكَرَّرٌ، إذْ لَوْ وَجَبَ تَحْكِيمُ حَكَمَيْنِ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُمَا فِيمَا حَكَمَا بِهِ مِمَّا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمَا الْحُكْمَ بِهِ لَكَانَ ذَلِكَ عَمَلًا فَاسِدًا.
فَإِنْ مَوَّهُوا بِالْحَكَمَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ إلَيْهِمَا فُرْقَةً وَلَا إيجَابَ غَرَامَةٍ، وَإِنَّمَا جَعَلَ تَعَالَى إلَيْهِمَا الْإِصْلَاحَ لِيُوَفِّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا فَقَطْ.
وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَ مَنْ ذَكَرْنَا رَأَى التَّحْكِيمَ فِي الْإِطْعَامِ، وَالصِّيَامِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ التَّحْكِيمَ فِي ذَلِكَ إلَّا فِي الْجَزَاءِ بِالْهَدْيِ فَقَطْ هَذَا هُوَ نَصُّ الْآيَةِ، ثُمَّ الْقَائِلُ بِهَذَا قَدْ خَالَفَ مَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْحُكْمِ فِي الْإِطْعَامِ، وَالصِّيَامِ فَتَنَاقَضَ.
وَمِنْهَا مِقْدَارُ الْإِطْعَامِ، وَالصِّيَامِ -: فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا أَنْ يُقَوَّمَ الْجَزَاءُ
стр. 1942
مِنْ النَّعَمِ دَرَاهِمَ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا فَيَصُومُ بَدَلَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا؛ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ عَنْهُمَا، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْإِطْعَامَ يَكُونُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ إنْ قَتَلَ نَعَامَةً، أَوْ حِمَارَ وَحْشٍ فَبَدَنَةٌ مِنْ الْإِبِلِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَالْإِطْعَامُ مُدُّ مُدٍّ فَقَطْ، فَإِنْ قَتَلَ أُيَّلًا أَوْ نَحْوَهُ فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا، فَإِنْ قَتَلَ ظَبْيًا فَشَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ قَوْلَةً غَيْرَ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا.
وَرُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنْ يَحْكُمَ فِي ذَلِكَ بِهَدْيٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَ الْهَدْيُ طَعَامًا، ثُمَّ قُوِّمَ الطَّعَام صِيَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ، وَمَكَانُ كُلِّ مِسْكِينٍ صَوْمُ يَوْمٍ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ نَحْوَ هَذَا.
وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ أَيْضًا.
وَعَنْ عَطَاءٍ يُقَوَّمُ الْجَزَاءُ طَعَامًا، ثُمَّ يَصُومُ بَدَلَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، فَإِنْ وَجَدَ الطَّعَامَ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ الصَّوْمِ أَطْعَمَ.
وَرُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا بَدَلَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ صِيَامَ يَوْمٍ.
عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانٍ: أَنَّ صِيَامَ يَوْمٍ بَدَلَ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا.
وَعَنْ أَبِي عِيَاضٍ - وَهُوَ تَابِعِيٌّ - رَوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: أَكْثَرُ الصَّوْمِ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا.
وَصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوْمُ فِي فِدْيَةِ الصَّيْدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ مَا نَعْلَمُ عَنْ تَابِعٍ فِي هَذَا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا.
وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا يَتَجَاوَزُ فِي ذَلِكَ بِالصَّوْمِ سِتِّينَ يَوْمًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ دَرَاهِمَ فَيَبْتَاعُ بِهَا طَعَامًا فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعَ شَعِيرٍ أَوْ زَبِيبٍ، أَوْ يَصُومُ بَدَلَ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ.
стр. 1943
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يُطْعِمُ [لِكُلِّ مِسْكِينٍ] مُدًّا مُدًّا أَوْ يَصُومُ بَدَلَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَقَوْلُهُمْ بِتَقْوِيمِ الصَّيْدِ لَا نَعْلَمُهُ قَبْلَهُمْ عَنْ أَحَدٍ وَإِنَّمَا قَالَ مَنْ ذَكَرْنَا قَبْلُ بِتَقْوِيمِ الْهَدْيِ وَهُوَ الْجَزَاءُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقَوَّمُ الْجَزَاءُ لَا الصَّيْدُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا فَيُطْعِمُ مُدًّا مُدًّا أَوْ يَصُومُ بَدَلَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْإِطْعَامُ ثَلَاثَةُ آصُعَ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، وَالصِّيَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَكُلُّهَا قَدْ خَالَفَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، لِأَنَّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ التَّرْتِيبَ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ.
وَفِيهِ: أَنْ يُقَوِّمَ الْجَزَاءَ، وَلَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا مَالِكٌ بِهِ.
وَفِيهِ: عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَكَانُ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَلَا يَقُولُ مَالِكٌ، وَلَا الشَّافِعِيُّ بِهِ - وَأَمَّا قَوْلُهُ الثَّانِي فَكُلُّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ جُمْلَةً، وَلَا يُعْرَفُ فِيمَا ذَكَرْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
قَالَ عَلِيٌّ: لَمْ نَجِدْ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بُرْهَانًا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا حُجَّةٍ إلَّا فِيهِمَا، وَلَا أَفْحَشُ قَوْلًا مِمَّنْ اسْتَسْهَلَ خِلَافَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِرَأْيِ نَفْسِهِ أَوْ بِرَأْيِ تَابِعٍ قَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ التَّابِعِينَ، ثُمَّ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ الْتِزَامًا لِلْقُرْآنِ، وَنَحْنُ رَاضُونَ مَسْرُورُونَ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا وَلَهُمْ لَا أَعْدَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِمَنِّهِ [وَفَضْلِهِ] آمِينَ.
وَالتَّابِعُونَ مُخْتَلِفُونَ كَمَا ذَكَرْنَا فَمَنْ تَعَلَّقَ بِبَعْضِ قَوْلَةٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِلَا نَصٍّ فِي ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَهُ نَفْسَهُ وَغَيْرُهُ مِنْ التَّابِعِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلَةٍ أُخْرَى فِي الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا هُمْ سَبْعَةٌ فَقَطْ مُخْتَلِفُونَ مُتَنَازِعُونَ: مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو عِيَاضٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، فَمَعَ اخْتِلَافِهِمْ وَتَنَازُعِهِمْ فَلَا بُرْهَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ تَابِعٍ مُوَافِقٍ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ فِي قَوْلِهِ كُلِّهِ فِي ذَلِكَ.
стр. 1944
وَأَمَّا اللَّيْثُ فَإِنَّهُ قَاسَ الصِّيَامَ فِي ذَلِكَ عَلَى الصِّيَامِ فِي قَتْلِ النَّفْسِ، وَلَقَدْ كَانَ يُلْزِمُ مَنْ قَاسَ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأً عَلَى وُجُوبِهَا فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً أَنْ يَقِيسَ الصِّيَامَ فِي هَذِهِ عَلَى الصِّيَامِ فِي ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ اللَّيْثُ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ لَمْ يُبْلِغْ دِيَةَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ إلَى دِيَةِ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ، وَمَنْ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمًا، وَقَالَ: لَا أُفَضِّلُ بَهِيمَةً عَلَى إنْسَانٍ، ثُمَّ فَضَّلَ الْبَهَائِمَ هَاهُنَا عَلَى النَّاسِ فِي الصِّيَامِ عَنْ نُفُوسِهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَاهُنَا بَاطِلًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ مِثْلًا مِنْ النَّعَمِ أَوْ إطْعَامًا وَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً بَلْ أَوْجَبَ هُنَالِكَ دِيَةً. وَعِتْقَ رَقَبَةٍ وَلَمْ يُوجِبْهَا هَاهُنَا؛ فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُ أَحَدٌ قِيَاسَ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا.
وَأَمَّا أَبُو ثَوْرٍ فَإِنَّهُ قَاسَ الْإِطْعَامَ، وَالصِّيَامَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ فِي فِدْيَةِ حَلْقِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ لِلْأَذَى يَكُونُ بِهِ وَالْمَرَضِ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ قَاتِلَ الصَّيْدِ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَاسِقٌ آثِمٌ، ثُمَّ مُتَوَعِّدٌ أَشَدَّ الْوَعِيدِ، وَحَالِقُ رَأْسِهِ لِمَرَضِ بِهِ: مُطِيعٌ مُحْسِنٌ مَأْجُورٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ قِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَلَيْسَ مِثْلُهُ؟ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ تَحْكِيمَ حَكَمَيْنِ وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ فِي حَالِقِ رَأْسِهِ، وَهَذَا بَيِّنٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: أَحْسَنُ مَا كُنْت أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يُوَافِقُنِي عَلَيْهَا، فَلَمْ يُنْكِرْ أَبُو يَعْقُوبَ ﵀ الْقَوْلَ بِمَا لَا يَعْلَمُ بِهِ قَائِلٌ إذَا وَافَقَ الْقُرْآنَ، أَوْ السُّنَّةَ لَا كَمَنْ يُنْكِرُ هَذَا - ثُمَّ يَأْتِي بِأَقْوَالٍ مِنْ رَأْيِهِ مُخَالِفَةٍ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ لَا يَعْرِفُ أَنَّ أَحَدًا قَالَ بِهَا قَبْلَهُ، وَفِي قَوْلِ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، مَا لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَالَ بِهِ قَبْلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ التَّقْسِيمِ الَّذِي قَسَّمُوهُ، فَمُتَّبِعُ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ أَوْلَى بِالْحَقِّ.
وَمِنْهَا: مَا هُوَ الْمِثْلُ الَّذِي يُجْزِئُ بِهِ الصَّيْدُ مِنْ النَّعَمِ فَإِنَّ الرِّوَايَةَ جَاءَتْ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ قَالُوا جَمِيعًا: إذَا
стр. 1945
أَصَابَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ فَاشْتَرَى بِهِ هَدْيًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَ طَعَامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ لِكُلِّ صَاعٍ يَوْمَيْنِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْجَزَاءُ بِالْمِثْلِ مِنْ النَّعَمِ لَا بِالْقِيمَةِ - وَهَكَذَا رُوِّينَا عَنْ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَطَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵃، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَمَّنْ ذَكَرْنَا مِنْ التَّابِعِينَ، وَعَنْ شُرَيْحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَغَيْرِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ حَيٍّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ.
فَأَتَى أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلٍ لَمْ يُسْمَعْ بِأَوْحَشَ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَتَلَ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَبْتَاعُ بِتِلْكَ الدَّرَاهِمِ مَا بَلَغَتْ مِنْ الْهَدْيِ وَلَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ إلَّا الْجِذْعُ مِنْ الضَّأْنِ فَصَاعِدًا وَالثَّنْيُ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرُ، وَالْمَاعِزُ، فَصَاعِدًا.
فَإِنْ وَجَدَ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ هَدْيَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً: لَزِمَهُ أَنْ يُهْدِيَ كُلَّ ذَلِكَ - هَكَذَا يَفْعَلُ فِي الظَّبْيِ وَالنَّعَامَةِ، وَحِمَارِ الْوَحْشِ، وَالْإِبِلِ، وَالْبَقَرَةِ الْوَحْشِيَّةِ، وَالضَّبِّ، وَالْيَرْبُوعِ وَالْحَمَامَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قِيمَةُ ذَلِكَ هَدْيًا ابْتَاعَ بِهِ طَعَامًا فَأَطْعَمَ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ قَبْلُ.
فَإِنْ قَتَلَ فِيلًا لَمْ يَتَجَاوَزْ بِالْهَدْيِ فِي جَزَائِهِ شَاةً وَاحِدَةً - وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَ قِرْدًا.
وَيُجْزِئُ الْخِنْزِيرُ الْبَرِّيُّ إنْ قَتَلَهُ؛ فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يُقَوَّمُ الْخِنْزِيرُ؟ وَقَالَ صَاحِبُهُ زُفَرُ: يُقَوَّمُ الصَّيْدُ فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَةُ النَّعَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ بَدَنَةٍ لَمْ يَتَجَاوَزْ بِهَا بَدَنَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَةُ حِمَارِ الْوَحْشِ، وَثَوْرِ الْوَحْشِ، وَالْأَيْلِ، وَالْأَرْوِيِّ أَكْثَرَ مِنْ بَقَرَةٍ لَمْ يَتَجَاوَزْ بِهَا بَقَرَةً وَاحِدَةً؛ فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَةُ الثَّيْتَلِ وَالْغَزَالِ، وَالظَّبْيِ، وَالْأَرْنَبِ، وَالْوَبَرِ، وَالْيَرْبُوعِ، وَالضَّبِّ، وَالْحَمَامَةِ، وَالْحَجْلَةِ، وَالْقَطَاةِ، وَالدُّبْسِيِّ، وَالْحِبَارَيْ، وَالْكَرَوَانِ، وَالْكَرَاكِيِّ، وَالدَّجَاجَةِ الْحَبَشِيَّةِ، أَكْثَرَ مِنْ شَاةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَتَجَاوَزْ بِهَا شَاةً
стр. 1946
وَاحِدَةً؛ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ هَدْيٍ ابْتَاعَ بِهِ طَعَامًا كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَخَالَفَهُمَا أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، فَرَأَيَا الْجَزَاءَ بِالْمِثْلِ كَمَا قَالَ سَائِرُ النَّاسِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَمُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] يَقُولُ تَعَالَى: فَجَزَاءُ قِيمَةِ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ، وَلَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا وَلَا تَحْتَمِلُهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الضَّبُعِ: كَبْشٌ، وَلَمْ يَجْعَلْ فِيهَا قِيمَةً، وَقَدْ وَجَدْنَا قِيمَةَ الْحَمَامَةِ الْهَادِيَةِ، وَالْمُقِلِّينَ الْمُغَرِّدِ يَبْلُغُ عَشْرَاتِ الدَّنَانِيرِ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَكُونُ جَزَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْهَدْيِ أَكْثَرَ مِنْ جَزَاءِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ - وَالنَّعَامَةِ مِنْ الْهَدْيِ، فَهَذَا مَعَ خِلَافِ الْقُرْآنِ تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ.
ثُمَّ سَائِرُ تَقْسِيمِهِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ شَيْءٌ لَمْ يُحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَهُ، وَقَدْ وَقَفَ أَبُو يُوسُفَ أَبَا حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ قَدْ رُوِيَتْ فِيهِ آثَارٌ مُؤَقَّتَةٌ؛ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ وَقَالَ: إنَّمَا نَتْبَعُ لِلْقُرْآنِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَوَاَللَّهِ مَا وُفِّقَ فِي هَذَا لِاتِّبَاعِ الْقُرْآنِ، وَلَا لِاتِّبَاعِ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ، وَقَدْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُمْ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِبْرَاهِيمَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا إطْلَاقٌ فَاسِدٌ إنَّمَا جَاءَ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ: أَنْ يُقَوِّمَ الصَّيْدَ فَقَطْ وَجَاءَ عَنْهُمْ خِلَافُهُ.
وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ إلَّا مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فَقَطْ مِمَّا قَدْ خَالَفُوهُ كُلَّهُ - وَلَقَدْ أَقْدَمَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: الْقِيمَةُ أَعْدَلُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: كَذَبَ الْآفِكُ الْآثِمُ - وَلَا كَرَامَةَ - أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَعْدَلَ مِنْ الْمِثْلِ مِنْ النَّعَمِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، بَلْ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ جَوْرٌ وَظُلْمٌ؛ وَإِنَّمَا هُوَ أَصْلٌ بَنُوهُ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ لَهُمْ فَاسِدٌ وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ فِيمَا أَتْلَفَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ مِمَّا لَا يُكَالُ، وَلَا يُوزَنُ بِالْقِيمَةِ لَا بِالْمِثْلِ - وَهَذَا رَدٌّ مِنْهُمْ لِلْخَطَأِ عَلَى الْخَطَأِ، وَمَا الْوَاجِبُ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا الْمِثْلُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ.
стр. 1947
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ قَدْ بَطَلَتْ هَذِهِ التَّخَالِيطُ فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى الْقُرْآنِ وَمَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا حَكَمَ بِهِ الْعُدُولُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ ﵃ كَمَا أَمَرَ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِمْ هَاهُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ مِنْ الْإِبِلِ]
٨٧٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ، وَثَوْرِ الْوَحْشِ، وَالْأُرْوِيَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَالْأُيَّلِ: بَقَرَةٌ، وَفِي الْغَزَالِ، وَالْوَعِلِ وَالظَّبْيِ: عَنْزٌ، وَفِي الضَّبِّ، وَالْيَرْبُوعِ، وَالْأَرْنَبِ وَأُمِّ حُبَيْنٍ جَدْيٌ، وَفِي الْوَبْرِ: شَاةٌ، وَكَذَلِكَ فِي الْوَرَلِ وَالضَّبُعِ، وَفِي الْحَمَامَةِ، وَكُلِّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ مِنْ الطَّيْرِ: شَاةٌ، وَكَذَلِكَ الْحُبَارَى وَالْكُرْكِيُّ، والبلدج، وَالْإِوَزُّ الْبَرِّيُّ، وَالْبُرَكُ الْبَحْرِيُّ، وَالدَّجَاجُ الْحَبَشِيُّ، وَالْكَرَوَانُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَلَا يَخْلُو الْمِثْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، أَوْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، أَوْ مِنْ أَغْلَبِ الْوُجُوهِ؛ فَوَجَدْنَا الْمُمَاثَلَةَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ مَعْدُومَةً مِنْ الْعَالَمِ جُمْلَةً لِأَنَّ كُلَّ غَيْرَيْنِ فَلَيْسَا مِثْلَيْنِ فِي تَغَايُرِهِمَا فَبَطَلَ هَذَا الْقِسْمُ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الْمُمَاثَلَةِ مِنْ أَقَلِّ الْوُجُوهِ، وَهُوَ وَجْهٌ وَاحِدٌ فَوَجَدْنَا كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ لَا تَحَاشَ شَيْئًا، فَهُوَ يُمَاثِلُ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنْ وَجْهٍ وَلَا بُدَّ وَهُوَ الْخَلْقُ، لِأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ - وَهُوَ مَا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى - فَهُوَ مَخْلُوقٌ فَبَطَلَ هَذَا الْقِسْمُ أَيْضًا.
وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ لَأَجْزَأَتْ الْعَنْزُ بَدَلَ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ، وَالنَّعَامَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَيَّانِ مَخْلُوقَانِ مَعًا؛ وَهَذَا مَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ.
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ مِنْ أَغْلَبِ الْوُجُوهِ، وَأَظْهَرِهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَّا أَقْوَالٌ مَحْصُورَةٌ فَبَطَلَتْ كُلُّهَا إلَّا وَاحِدًا فَهُوَ الْحَقُّ بِلَا شَكٍّ؛ فَهَذَا مُوجَبُ الْقُرْآنِ.
وَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَكَمَ فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، فَعَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّهُ ﵇ إنَّمَا بَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ إنَّمَا هِيَ فِي الْقَدِّ وَهَيْئَةِ الْجِسْمِ، لِأَنَّ الْكَبْشَ أَشْبَهُ النَّعَمِ بِالضَّبُعِ - وَبِهَذَا جَاءَ حُكْمُ السَّلَفِ الطَّيِّبِ ﵃.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ
стр. 1948
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ: هُوَ صَيْدٌ وَجَعَلَ فِيهِ كَبْشًا إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ نَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: حَكَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ رَبَاحٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَكَمَ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: فِي الضَّبُعِ كَبْشٌ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا جَمِيعًا: فِي الضَّبُعِ كَبْشٌ فَهُمْ: عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ بَلَغَ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَوْلُ عُمَرَ هَذَا فَلَمْ يُخَالِفْهُ - وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالُوا فِي النَّعَامَةِ: بَدَنَةٌ مِنْ الْإِبِلِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ، قَالَا: فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ يَعْنِي مِنْ الْإِبِلِ - وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَلَا شَيْءَ أَشْبَهُ بِالنَّعَامَةِ مِنْ النَّاقَةِ فِي طُولِ الْعُنُقِ، وَالْهَيْئَةِ وَالصُّورَةِ.
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ بَدَنَةٌ - وَعَنْ إبْرَاهِيمَ فِيهِ بَدَنَةٌ - وَعَنْ عَطَاءٍ فِيهِ بَدَنَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا فِيهِ بَقَرَةٌ - وَالرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا تَصِحُّ، وَلَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ عَنْهُ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَا جَمِيعًا: فِي حِمَارِ الْوَحْشِ: بَقَرَةٌ، وَفِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ: بَقَرَةٌ، قَالَ عَطَاءٌ: وَفِي الْأَرْوَى بَقَرَةٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِي الْقَادِرِ الْعَظِيمِ مِنْ الْأَرْوَى بَقَرَةٌ، وَهَذَا صَحِيحٌ عَنْهُمَا وَهُمَا ذَوَا عَدْلٍ مِنَّا -
стр. 1949
فَوَجَدْنَا حِمَارَ الْوَحْشِ أَشْبَهَ بِالْبَقَرَةِ مِنْهُ بِالنَّاقَةِ، لِأَنَّ الْبَقَرَ، وَحِمَارَ الْوَحْشِ، ذَوَا شَعْرٍ وَذَنَبٍ سَابِغٍ وَلَيْسَ لَهُمَا سَنَامٌ، وَالنَّاقَةُ ذَاتُ وَبَرٍ وَذَنَبٍ قَصِيرٍ وَسَنَامٍ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِالْبَقَرَةِ لِقُوَّةِ الْمُمَاثَلَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْأُيَّلِ: بَقَرَةٌ - وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ.
وَفِي الثَّيْتَلِ: بَقَرَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ.
وَفِي الْوَبْرِ: شَاةٌ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَطَاءٍ فِي الْغَزَالِ: شَاةٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الشَّاةُ تَقَعُ عَلَى الْمَاعِزَةِ كَمَا تَقَعُ عَلَى الضَّأْنِيَّةِ.
وَعَنْ سَعْدٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الظَّبْيِ: تَيْسٌ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَزَيْدٍ عَنْ جَابِرٍ فِي الضَّبِّ: جَدْيٌ رَاعٍ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَطَارِقِ بْنِ شِهَابٍ مِثْلُهُ أَيْضًا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ هَذَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ فِي الضَّبِّ: شَاةٌ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِي الضَّبِّ: حُفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ لَا شَيْءَ لِأَنَّ خِلَافَ حُكْمِ عُمَرَ، وَطَارِقٍ، وَمَنْ مَعَهُمَا لَا يُجَوِّزُ خِلَافَهُ، لِأَنَّهُمْ ذَوُو عَدْلٍ مِنَّا مَعَ مُوَافَقَتِهِمْ الْقُرْآنَ فِي الْمُمَاثَلَةِ؛ وَقَوْلُ عَطَاءٍ حَادِثٌ بَعْدَهُمْ، وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ مَعَ خِلَافِ قَوْلِهِمَا، وَقَوْلِ مَالِكٍ لِلْقُرْآنِ.
وَبِقَوْلِ عُمَرَ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمْ.
وَعَنْ عُمَرَ فِي الْأَرْنَبِ: عَنَاقٌ، وَهِيَ الْجَدْيُ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَمْرِو بْنِ حَبَشِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يَجُوزُ - فَخَالَفُوا كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا، وَالْمُمَاثَلَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا فِي الْقُرْآن.
وَعَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُجَاهِدٍ فِي الْيَرْبُوع: سَخْلَةٌ، أَوْ جَفْرَةٌ، وَهُمَا
стр. 1950
سَوَاءٌ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ: فِيهِ حُكُومَةٌ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ: فِيهِ قِيمَتُهُ - وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْأَرْنَبِ، وَالضَّبِّ، وَالْيَرْبُوعِ قِيمَتُهُ يُبْتَاعُ بِهِ طَعَامٌ - وَهَذَا خَطَأٌ لَمْ يُوجِبْهُ الْقُرْآنُ، وَلَا السُّنَّةُ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ.
فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا عَلَى الْأَضَاحِيِّ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْجَذَعُ مِنْ غَيْرِ الضَّأْنِ وَلَا مَا دُونَ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكُنْتُمْ أَوَّلَ مُخَالِفٍ لِهَذَا الْقِيَاسِ لِأَنَّكُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الْكَبْشَ، وَالتَّيْسَ، أَفْضَلُ فِي الْأَضَاحِيِّ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَإِنَّ الذَّكَرَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الْأُنْثَى، وَتَقُولُونَ فِي الْهَدْيِ كُلِّهِ: إنَّ الْإِبِلَ، وَالْبَقَرَ: أَفْضَلُ مِنْ الضَّأْنِ، وَالْمَاعِزِ، وَإِنَّ الْإِنَاثَ أَفْضَلُ فِيهَا مِنْ الذُّكُورِ؛ فَمَرَّةً تَقِيسُونَ حُكْمَ بَعْضِ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ، وَمَرَّةً تُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَحْكَامِهَا بِلَا نَصٍّ وَلَا دَلِيلٍ.
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُجْزِئُ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَ أَبِي بُرْدَةَ» .
قُلْنَا: نَعَمْ، وَاَلَّذِي أَخْبَرَ بِهَذَا هُوَ الَّذِي أَخْبَرَنَا عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى بِإِيجَابِ مِثْلِ الصَّيْدِ الْمَقْتُول مِنْ النَّعَمِ، وَلَيْسَ بَعْضُ كَلَامِهِ أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِنْ بَعْضٍ، بَلْ كُلُّهُ فُرِضَ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْهُ لِشَيْءٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلَمْ يَنْهَ قَطُّ ﵇ عَنْ مَا دُونَ الْجَذَعِ بِاسْمِهِ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ بَعْضُ مَا دُونَ الْجَذَعِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَاةٍ لَمْ يُجْزِ فِيمَا جَاءَ فِيهِ النَّصُّ بِإِيجَابِ شَاةٍ فَقَطْ.
وَأَمَّا الْجَذَعَةُ فَلَا تُجْزِئُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا عُمُومٌ، إلَّا حَيْثُ أُوجِبَتْ بِاسْمِهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، فَقَطْ، مَعَ أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ، وَالْمَاعِزِ، وَالْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ: لَا مَعْنَى لِمُرَاعَاتِهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ إنَّمَا يُرَاعَى الْمِثْلُ فِي الْقَدِّ وَالصُّورَةِ لَا مَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ فَرِّ الْأَسْنَانِ - فَصَحَّ أَنَّ الْجَذَعَةَ لَا تُجْزِئُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ فِي الْوَرَلِ: شَاةٌ.
стр. 1951
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ عَظِيمًا فِي مِقْدَارِ الشَّاةِ فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَفِيهِ، وَفِي الْقُنْفُذِ: جَدْيٌ صَغِيرٌ.
وَعَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ فِي الْحَمَامَةِ: شَاةٌ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَحْمَدَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: كُلُّ مَا يَعُبُّ كَمَا تَعُبُّ الشَّاةُ فَفِيهِ شَاةٌ بِهَذِهِ الْمُمَاثَلَةِ - وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الدُّبْسِيِّ، وَالْقُمْرِيِّ، وَالْحُبَارَى، وَالْقَطَاةِ، وَالْحَجَلَةِ شَاةٌ شَاةٌ.
وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ مِثْلَ هَذَا أَيْضًا. وَكَذَلِكَ فِي الْكَرَوَانِ، وَابْنِ الْمَاءِ.
وَرُوِّينَا عَنْ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ: ثُلُثُ مُدٍّ: خَيْرٌ مِنْ حَجَلَةٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ هَاهُنَا خِلَافُ مَا حَكَمَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَعَنْ عَطَاءٍ فِي الْهُدْهُدِ: دِرْهَمٌ، وَفِي الْوَطْوَاطِ: ثُلُثَا دِرْهَمٍ، وَفِي الْعُصْفُورِ: نِصْفُ دِرْهَمٍ.
وَعَنْ عُمَرَ فِي الْجَرَادَةِ: تَمْرَةٌ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا شَيْءَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا إنْ غُمِسَتْ فِي الْبَحْرِ مَاتَتْ.
وَعَنْ كَعْبٍ فِي الْجَرَادَةِ دِرْهَمٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَحْكِيمٍ فِي الْجَزَاءِ مِنْ النَّعَمِ لَا فِي الْإِطْعَامِ وَلَا فِي الصِّيَامِ، فَلَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي هَذَيْنِ الْعَمَلَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، فَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ مِثْلٌ مِنْ صِغَارِ النَّعَمِ جُزِيَ بِهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ مِنْ كِبَارِ النَّعَمِ وَلَا صِغَارِهِ فَإِنَّمَا فِيهِ فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ كَمَا قَالَ : ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] لِأَنَّ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُوجِبَ اللَّهُ تَعَالَى جَزَاءَ صَيْدٍ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ وَهُوَ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْهَا، لِأَنَّ هَذَا تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَلَا شَكَّ أَيْضًا فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ الَّذِي خُلِقَ صَغِيرًا جِدًّا كَصِغَارِ الْعَصَافِيرِ وَالْجَرَادِ فَلَمْ يَجْعَلْ فِي كَبِيرِ الصَّيْدِ وَصَغِيرِهِ إلَّا فِدْيَةً طَعَامَ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلَهُ صِيَامًا -: فَوَجَبَ فِي الْجَرَادَةِ فَمَا فَوْقَهَا إلَى
стр. 1952
النَّعَامَةِ، وَفِي وَلَدِ أَصْغَرِ الطَّيْرِ إلَى حِمَارِ الْوَحْشِ: إطْعَامُ ثَلَاثَةِ مَسَاكِينَ فَقَطْ.
وَأَمَّا الصِّيَامُ فَلَا صِيَامَ فِي الْإِسْلَامِ أَقَلُّ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ، فَفِي كُلِّ صَغِيرٍ مِنْهَا صَوْمُ يَوْمٍ فَقَطْ؛ فَإِنْ كَانَ يُشْبِعُ بِكِبَرِ جِسْمِهِ إنْسَانَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ: فَلِكُلِّ آكِلٍ صَوْمُ يَوْمٍ كَمَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ هَذَا قَوْلٌ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَلَفَ؟ قُلْنَا: نَحْنُ لَا نَدَّعِي الْإِحَاطَةَ بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ جَمِيعِهِمْ وَالتَّابِعِينَ كُلِّهِمْ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ؟ بَلْ نَقُولُ وَنَقْطَعُ: أَنَّ مَنْ ادَّعَى الْإِحَاطَةَ بِأَقْوَالِهِمْ فَقَدْ كَذَبَ كَذِبًا مُتَيَقَّنًا لَا خَفَاءَ بِهِ، وَلَا نُنْكِرُ الْقَوْلَ بِمَا أَوْجَبَهُ الْقُرْآنُ أَوْ السُّنَّةُ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ رِوَايَةٌ عَنْ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ لَنَا قَطُّ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ لَا تَقُولُوا بِمَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّ إنْسَانًا قَالَ بِمَا فِيهِمَا؛ بَلْ هَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا ضَلَالٌ وَبِدْعَةٌ وَكَبِيرَةٌ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] .
وَالنَّاسُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْجَرَادِ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَزِّمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى عَنْ حَمَّادٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ جَابَانَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا مِثْلُهُ.
وَعَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ الْجَرَادَ نَثْرُ حُوتٍ يَنْثُرُهُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ، وَأَبَاحَ أَكْلَهُ لِلْمُحْرِمِ وَصَيْدَهُ؛ فَهَذَا قَوْلٌ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ نَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ كَعْبٌ: ذُكِرَ لِعُمَرَ أَنِّي أَصَبْت جَرَادَتَيْنِ وَأَنَا مُحْرِمٌ فَقَالَ لِي عُمَرُ: مَا نَوَيْت فِي نَفْسِك؟ قُلْت: دِرْهَمَيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ: تَمْرَتَانِ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَتَيْنِ، امْضِ لِمَا نَوَيْت فِي نَفْسِك.
فَهَذَا عُمَرُ، وَكَعْبٌ: جَعَلَا فِي الْجَرَادَةِ دِرْهَمًا - فَهَذَا قَوْلٌ آخَرُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي مُحْرِمٍ أَصَابَ جَرَادَةً: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ.
стр. 1953
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ حَكَمَ فِي الْجَرَادَةِ تَمْرَةٌ - فَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ فِي جَرَادَةٍ يُصِيبُهَا الْمُحْرِمُ بِأَنْ يَقْصِدَ بِقَبْضَةٍ مِنْ طَعَامٍ - وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فِي الْجَرَادَةِ إذَا صَادَهَا الْمُحْرِمُ: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ فِي الْجَرَادَةِ: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ - فَهَذَا قَوْلٌ رَابِعٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ فِي الْجَرَادَةِ: قَبْضَةٌ أَوْ لُقْمَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، قَالُوا كُلُّهُمْ: فِي الْجَرَادَةِ لَيْسَ فِيهَا فِي الْخَطَأِ شَيْءٌ فَإِنْ قَتَلَهَا عَمْدًا أَطْعَمَ شَيْئًا.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي الْجَرَادَةِ قَالَ: يُطْعِمُ كِسْرَةً - فَهَذَا قَوْلٌ خَامِسٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي مُحْرِمٍ أَصَابَ صَيْدًا لَيْسَ لَهُ نِدٌّ مِنْ النَّعَمِ: إنَّهُ يُهْدِي ثَمَنَهُ إلَى مَكَّةَ.
وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ فِيهِ ثَمَنُهُ - فَهَذَا قَوْلٌ سَادِسٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ أَنَا مَنْصُورٌ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ - فَهَذَا قَوْلٌ سَابِعٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ نَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ عُمَرَ كَرِهَ أَكْلَ الْجَرَادِ لِلْمُحْرِمِ وَلَمْ يَجْعَلْ فِيهِ جَزَاءً.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ هُشَيْمٍ أَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: نَهَى ابْنُ عَبَّاسٍ
стр. 1954
عَنْ أَخْذِ الْجَرَادِ فِي الْحَرَمِ قَالَ: لَوْ عَلِمُوا مَا فِيهِ مَا أَخَذُوهُ، فَهِيَ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ كَمَا أَوْرَدْنَا، فَمَا الَّذِي جَعَلَ بَعْضَهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ؟ وَأَمَّا الْخَبَرُ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَوْضُوعٌ بِلَا شَكٌّ لِأَنَّ فِي أَحَدِ طَرِيقَيْهِ أَبَا الْمُهَزِّمِ وَهُوَ هَالِكٌ - وَفِي الْأُخْرَى مَيْمُونُ بْنُ جَابَانَ وَهُوَ مَجْهُولٌ.
وَبِالْعِيَانِ يَرَى النَّاسُ الْجَرَادَ يَبِيضُ فِي الْبَرِّ وَفِي الْبَرِّ يَفْقِسُ عَنْهُ الْبَيْضُ وَفِي الْبَرِّ يَبْقَى حَتَّى يَمُوتَ، وَأَنَّهُ لَوْ غُمِسَ فِي مَاءٍ عَذْبٍ أَوْ مَلْحٍ لَمَاتَ فِي مِقْدَارِ مَا يَمُوتُ فِيهِ سَائِرُ حَيَوَانِ الْبَرِّ إذَا غُمِسَ فِي الْمَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُولُ الْكَذِبَ؛ فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ بِيَقِينٍ.
وَصَحَّ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَفِي الْحَرَمِ بِلَا شَكٍّ.
وَالْأَقْوَالُ الْبَاقِيَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَعْبٍ فِي الْجَرَادَةِ: دِرْهَمٌ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي الْجَرَادَة: تَمْرَةٌ.
وَقَالَ عُمَرُ: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الْجَرَادَةِ: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ.
وَعَنْ عَطَاءٍ: قَبْضَةٌ أَوْ لُقْمَةٌ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: كِسْرَةٌ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ: يُطْعِمُ شَيْئًا إنْ أَصَابَهَا عَمْدًا وَإِلَّا فَلَا.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا لَا نِدَّ لَهُ مِنْ النَّعَمِ: ثَمَنُهُ يُهْدِيهِ إلَى مَكَّةَ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: ثَمَنُهُ - وَالْجَرَادَةُ مِمَّا لَا نِدَّ لَهَا مِنْ النَّعَمِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ: هِيَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَعَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: الْمَنْعُ مِنْ صَيْدِهَا - وَلَمْ يَجْعَلَا فِيهَا شَيْئًا.
فَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ هُوَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا الرُّجُوعَ إلَيْهِ إذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] .
стр. 1955
وَالْقُرْآنُ يُوجِبُ مَا قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ فِي بَيْضِ الصَّيْدِ كُلَّ مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فَأَنَّى لَهُمْ إنْكَارُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِمْ؟ وَفِي صِغَارِ الصَّيْدِ: مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، أَوْ الطَّيْرِ صِغَارُهَا فِي صِغَارِهِ، وَكِبَارُهَا فِي كِبَارِهِ، فَفِي رَأْلِ النَّعَمِ: فَصِيلٌ مِنْ الْإِبِلِ.
وَفِي وَلَدِ كُلِّ مَا فِيهِ بَقَرَةٌ عُجَيْلٌ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّغِيرِ، وَفِيمَا فِيهِ شَاةٌ، حَمَلٌ، أَوْ جَدْيٌ: عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: فِي صِغَارِهَا مَا فِي كِبَارِهَا - وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْكَبِيرَ لَيْسَ مِثْلًا لِلصَّغِيرِ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ حَكَمَ فِي فَرْخَيْ حَمَامَةٍ وَأُمِّهِمَا بِثَلَاثَةٍ مِنْ الْغَنَمِ - وَقَدْ خَالَفُوا ابْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
وَيُفْدَى الْمَعِيبُ بِمَعِيبٍ مِثْلِهِ، وَالسَّالِمُ بِسَالِمٍ، وَالذَّكَرُ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: فِي الظَّبْيَةِ الْوَالِدِ: شَاةٌ وَالِدٌ. وَفِي الْحِمَارَةِ الْوَحْشِ النَّتُوجِ بَقَرَةٌ نَتُوجٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَرَأَيْت لَوْ أَصَبْت صَيْدًا فِيهِ نَقْصٌ أَوْ عَوَرٌ أَغْرَمُ مِثْلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: الْوَفِيُّ أَحَبُّ إلَيْك؟ قَالَ: نَعَمْ وَفِي وَلَدِ الضَّبُعِ وَلَدُ الْكَبْشِ لِأَنَّ الصَّغِيرَ مِنْ الضِّبَاعِ لَا يُسَمَّى ضَبُعًا إنَّمَا يُسَمَّى الْفَرْغَلَ.
وَالسُّلَحْفَاةُ هِيَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، لِأَنَّ عَيْشَهَا الدَّائِمَ فِي الْبَرِّ فَفِيهَا الْجَزَاءُ بِصَغِيرٍ مِنْ الْغَنَمِ.
وَمَا كَانَ سَاكِنًا فِي الْمَاءِ أَبَدًا لَا يُفَارِقُهُ فَهُوَ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ فِيمَا عَاشَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ؟ فِيهِ: نِصْفُ الْجَزَاءِ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لِلْمُحْرِمِ صَيْدَ الْبَحْرِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ
стр. 1956
صَيْدَ الْبَرِّ فَلَيْسَ إلَّا حَرَامٌ أَوْ حَلَالٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَلَالٌ حَرَامٌ مَعًا، وَلَا لَا حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْضُ النَّعَامِ وَسَائِر الصَّيْدِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ وَفِي الْحَرَمِ]
٨٨٠ - مَسْأَلَةٌ:
وَبَيْضُ النَّعَامِ وَسَائِرِ الصَّيْدِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ وَفِي الْحَرَمِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا: لِأَنَّ الْبَيْضَ لَيْسَ صَيْدًا، وَلَا يُسَمَّى صَيْدًا، وَلَا يُقْتَلُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُحْرِمِ قَتْلَ صَيْدِ الْبَرِّ فَقَطْ؛ فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا فَرْخَ مَيِّتٍ فَلَا جَزَاءَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ صَيْدًا وَلَمْ يَقْتُلْهُ؛ فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا فَرْخَ حَيٍّ فَمَاتَ فَجَزَاؤُهُ بِجَنِينٍ مِنْ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ قَتَلَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ: عُشْرُ الْبَدَنَةِ، وَفِي بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ، عُشْرُ الشَّاةِ، قَالَ: لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِلْمُحْرِمِ، وَلَا لِلْحَلَالِ إذَا شَوَاهُ الْمُحْرِمُ أَوْ كَسَرَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ قِيمَتُهُ فَقَطْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَخَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ صَيْدًا؛ وَأَخْطَأَ خَطَأً آخَرَ أَيْضًا وَهُوَ أَنَّهُ جَزَاؤُهُ بِثَمَنِهِ وَالْجَزَاءُ بِالثَّمَنِ لَا يُوجَدُ فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَجَمَعَ فِيهِ مِنْ الْخَطَأِ وُجُوهًا -: أَوَّلُهَا:
أَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَالَ بِهِ قَبْلَهُ - وَهُمْ يُنْكِرُونَ مِثْلَ هَذَا أَشَدَّ الْإِنْكَارِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا فِي قَوْلِنَا فِي الْجَرَادِ. وَثَانِيهَا:
أَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ. وَثَالِثُهَا:
أَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ الِاشْتِرَاكَ فِي الْهَدْيِ حَيْثُ صَحَّ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالسُّنَّةِ عَلَى جَوَازِهِ، ثُمَّ أَجَازُوهُ هَاهُنَا حَيْثُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ يُعْرَفُ قَبْلَهُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا تُقَوَّمُ الْبَدَنَةُ، أَوْ الشَّاةُ، ثُمَّ نَأْخُذُ عُشْرَ تِلْكَ الْقِيمَةِ فَنُطْعِمُ بِهِ؟ قُلْنَا: هَذَا خَطَأٌ رَابِعٌ فَاحِشٌ لِأَنَّكُمْ تُلْزِمُونَهُ وَتَأْمُرُونَهُ بِمَا تَنْهَوْنَهُ عَنْهُ مِنْ وَقْتِكُمْ فَتُوجِبُونَ عَلَيْهِ عُشْرَ بَدَنَةٍ، وَعُشْرَ شَاةٍ وَلَا يَجُوزُ لَهُ إهْدَاؤُهُ، إنَّمَا يَلْزَمُهُ طَعَامٌ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الْعُشْرِ، وَهَذَا تَخْلِيطٌ نَاهِيكَ بِهِ، وَتَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ. وَخَامِسُهَا:
احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى جَنِينِ الْحُرَّةِ الَّذِي فِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ؟
стр. 1957
فَقُلْنَا: هَذَا قِيَاسٌ لِلْخَطَأِ عَلَى الْخَطَأِ وَتَشْبِيهٌ لِلْبَاطِلِ بِالْبَاطِلِ الْمُشَبَّهِ بِالْبَاطِلِ وَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ وَلَا فِي جَنِينِ الْأَمَةِ: عُشْرَ دِيَةِ أُمِّهِ، وَلَا عُشْرَ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى «فِي الْجَنِينِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇: غُرَّةً عَبْدًا، أَوْ أَمَةً فَقَطْ» ، وَلَا جَعَلَ فِي الدِّيَةِ قِيمَةً؛ بَلْ جَعَلَهَا مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي هَذَا فَإِنَّنَا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَا عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْضًا وَتَتْمِيرَ وَحْشٍ؟ فَقَالَ لَهُ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ فَإِنَّا حُرُمٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلُهُ حَرْفًا حَرْفًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَوَّلُ مُرْسَلٌ، وَفِي الثَّانِي عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّا لَمَا كَانَ فِيهِمَا نَهْيٌ عَنْ أَكْلِهَا وَإِنَّمَا هُوَ تَرْكٌ مِنْهُ ﵇ وَقَدْ يَتْرُكُ مَا لَيْسَ حَرَامًا كَمَا تَرَكَ الضَّبَّ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ. وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ هُوَ أَبُو الزِّنَادِ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ بَيْضِ نَعَامٍ أَصَابَهَا مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ ﵇: فِي كُلِّ بَيْضَةٍ صِيَامُ يَوْمٍ أَوْ إطْعَامُ مِسْكِينٍ» .
قَالَ عَلِيٌّ: أَبُو الزِّنَادِ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ ﵂ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ، وَقَالَ بِهَذَا بَعْضُ السَّلَفِ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهَا الْمُحْرِمُ: صَوْمُ يَوْمٍ، أَوْ إطْعَامُ مِسْكِينٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدَةُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهَا الْمُحْرِمُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِيهِ: صَوْمُ يَوْمٍ، أَوْ إطْعَامُ مِسْكِينٍ.
стр. 1958
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَالَ: فِي كُلِّ بَيْضَةٍ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ صِيَامُ يَوْمٍ، أَوْ إطْعَامُ مِسْكِينٍ - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ أَفْتَى بِذَلِكَ عَلَى مُحْرِمٍ أَشَارَ لِحَلَالٍ إلَى بَيْضِ نَعَامٍ فَهَذَا قَوْلٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَضَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهَا الْمُحْرِمُ تُرْسِلُ الْفَحْلَ عَلَى إبِلِك فَإِذْ تَبَيَّنَ لِقَاحُهَا سَمَّيْت عَدَدَ مَا أَصَبْت مِنْ الْبَيْضِ فَقُلْت: هَذَا هَدْيٌ ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْك ضَمَانُ مَا فَسَدَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَعَجِبَ مُعَاوِيَةُ مِنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَعْجَبْ مُعَاوِيَةُ مِنْ عَجَبٍ مَا هُوَ إلَّا مَا يُبَاعُ بِهِ الْبَيْضُ فِي السُّوقِ يُتَصَدَّقُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ عَطَاءٌ: مَنْ كَانَتْ لَهُ إبِلٌ فَإِنَّ فِيهِ مَا قَالَ عَلِيٌّ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إبِلٌ فَفِي كُلِّ بَيْضَةٍ دِرْهَمَانِ - فَهَذَا قَوْلٌ آخَرُ؛ وَثَالِثٌ وَرَابِعٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي بَيْضِ النَّعَامِ: قِيمَتُهُ. أَوْ ثَمَنُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي بَيْضِ النَّعَامِ: قِيمَتُهُ، أَوْ ثَمَنُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ. وَأَمَّا بَيْضُ الْحَمَامِ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَطَاءٍ كِلَاهُمَا قَالَ: إنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فِي كُلِّ بَيْضَتَيْنِ دِرْهَمٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي كُلِّ بَيْضَةٍ مِنْ بَيْضِ حَمَامِ مَكَّةَ دِرْهَمٌ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ؛ وَقَالَ: فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَرْخٌ فَدِرْهَمٌ.
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بِنِصْفِ دِرْهَمٍ طَعَامٌ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ.
стр. 1959
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي بَيْضِ حَمَامِ مَكَّةَ: دِرْهَمٌ وَفِي بَيْضَةٍ مِنْ بَيْضِ حَمَامِ الْحِلِّ: مُدٌّ.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فِيهِ ثَمَنُهُ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي الْبَيْضَةِ: دِرْهَمٌ فَهِيَ أَقْوَالٌ كَمَا تَرَى -: أَحَدُهَا: أَنَّ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ صَوْمَ يَوْمٍ، أَوْ إطْعَامَ مِسْكِينٍ فِيهِ خَبَرٌ مُسْنَدٌ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنَيْهِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ. وَثَانِيهَا:
أَنَّ فِي كُلِّ بَيْضَةٍ مِنْهَا لِقَاحَ نَاقَةٍ - وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعَطَاءٍ. وَثَالِثُهَا:
أَنَّ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ ثَمَنَهَا - هُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ. وَرَابِعُهَا:
أَنَّ مَنْ لَهُ إبِلٌ فَفِي كُلِّ بَيْضَةٍ لِقَاحُ نَاقَةٍ وَمَنْ لَا إبِلَ لَهُ فَفِي كُلِّ بَيْضَةٍ دِرْهَمَانِ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ.
وَفِي بَيْضِ الْحَمَامِ أَقْوَالٌ -: أَحَدُهَا:
فِي الْبَيْضَةِ دِرْهَمٌ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَثَانِيهَا:
فِي الْبَيْضَةِ نِصْفُ دِرْهَمٍ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَثَالِثُهَا: فِيهَا نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَرْخٌ فَدِرْهَمٌ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَرَابِعُهَا: فِي بَيْضَةٍ مِنْ حَمَامِ مَكَّةَ دِرْهَمٌ، وَفِي بَيْضَةٍ مِنْ حَمَامِ الْحِلِّ مُدٌّ - وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ. وَخَامِسُهَا:
فِيهَا ثَمَنُهَا - وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ.
فَخَرَجَ قَوْلَا: مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ عَنْ أَنْ يُعْرَفَ لَهُمَا قَائِلٌ مِنْ السَّلَفِ. وَهُمْ يُعَظِّمُونَ هَذَا إذَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُجْزَى الْهَدْيُ إلَّا مُوقَفًا عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ]
٨٨١ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يُجْزَى الْهَدْيُ فِي ذَلِكَ إلَّا مُوقَفًا عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ يُنْحَرُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] .
стр. 1960
مَسْأَلَةٌ:
وَأَمَّا الْإِطْعَامُ وَالصِّيَامُ فَحَيْثُ شَاءَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَحُدَّ لَهُمَا مَوْضِعًا.
[مَسْأَلَةٌ صَيْدُ الْبَحْر لِلْمُحْرِمِ]
٨٨٣ - مَسْأَلَةٌ:
وَصَيْدُ كُلِّ مَا سَكَنَ الْمَاءَ مِنْ الْبِرَكِ، أَوْ الْأَنْهَارِ، أَوْ الْبَحْرِ، أَوْ الْعُيُونِ أَوْ الْآبَارِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ صَيْدُهُ وَأَكْلُهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] فَسَمَّى تَعَالَى كُلَّ مَاءٍ عَذْبٍ أَوْ مِلْحٍ بَحْرًا، وَحَتَّى لَوْ لَمْ تَأْتِ هَذِهِ الْآيَةُ لَكَانَ صَيْدُ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَكُلِّ مَا ذَكَرْنَا حَلَالًا بِلَا خِلَافٍ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
ثُمَّ حُرِّمَ بِالْإِحْرَامِ وَفِي الْحَرَمِ صَيْدُ الْبَرِّ وَلَمْ يُحَرَّمْ صَيْدُ الْبَحْرِ فَكَانَ مَا عَدَا صَيْدَ الْبَرِّ حَلَالًا كَمَا كَانَ إذْ لَمْ يَأْتِ مَا يُحَرِّمُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ مَا أُصِيبَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ أَوْ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ]
٨٨٤ - مَسْأَلَةٌ:
وَالْجَزَاءُ وَاجِبٌ كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ سَوَاءٌ فِيمَا أُصِيبَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، أَوْ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ أَصَابَهُ حَلَالٌ، أَوْ مُحْرِمٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] الْآيَةَ.
فَمَنْ كَانَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، أَوْ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ فَاسْمُ " حَرَمٍ " يَقَعُ عَلَيْهِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ أَبِي لَيْلَى عَمَّنْ أَصَابَ صَيْدًا بِالْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ النَّيْسَابُورِيِّ، وَبَعْضِ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ وَهُمَا حَرَّتَانِ بِهَا مَعْرُوفَتَانِ، وَحَرَمُ الْمَدِينَةِ مَعْرُوفٌ كَحَرَمِ مَكَّةَ» .
стр. 1961
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا جَزَاءَ فِيهِ - وَهُوَ خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا؛ وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ اُمْتُحِنَ بِتَقْلِيدِهِمَا بِخَبَرَيْنِ -: فِي أَحَدِهِمَا: أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ كَانَ يَتَصَيَّدُ بِالْعَقِيقِ - وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا [أَنْ يَكُونَ] قَبْلَ تَحْرِيمِ الْحَرَمِ بِالْمَدِينَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ صَيْدِهَا. وَالثَّانِي: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَهُ وَحْشٌ فَكَانَ يَلْعَبُ فَإِذَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَعَ» وَهُوَ خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ الصَّيْدَ إذَا صِيدَ فِي الْحِلِّ، ثُمَّ أُدْخِلَ فِي الْحَرَمِ حَلَّ مِلْكُهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ قَتْلَ صَيْدٍ فِي الْحِلِّ وَهُوَ فِي الْحَرَمِ]
٨٨٥ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ تَعَمَّدَ قَتْلَ صَيْدٍ فِي الْحِلِّ وَهُوَ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ لِأَنَّهُ قَتَلَ الصَّيْدَ وَهُوَ حَرَمٌ، فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ وَالْقَاتِلُ فِي الْحِلِّ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ وَلَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الصَّيْدُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ؛ أَمَّا سُقُوطُ الْجَزَاءِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ حَرَمًا وَأَمَّا عِصْيَانُهُ وَالْمَنْعُ مِنْ أَكْلِ الصَّيْدِ فَلِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ جَزَاءٌ إنَّمَا جَاءَ تَحْرِيمُهُ فَقَطْ؛ وَإِنَّمَا جَاءَ الْجَزَاءُ عَلَى الْقَاتِلِ إذَا كَانَ حَرَمًا.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرُ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ فَذَكَرَ كَلَامًا فِيهِ: هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ نَا أَبِي نَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ نَا عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " أَنَّهُ قَالَ: «إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ -
стр. 1962
عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ تَحْرِيمُ قَتْلِ صَيْدِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَحُكْمِ حَرَمِ مَكَّةَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ صَيْدٍ قُتِلَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ فَهُوَ غَيْرُ ذَكِيٍّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ: مَنْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ، وَالرَّامِي فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَارِنُ وَالْمُعْتَمِرُ وَالْمُتَمَتِّعُ سَوَاءٌ فِي جَزَاءِ قَتْلَ الصَّيْد]
٨٨٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَالْقَارِنُ، وَالْمُعْتَمِرُ، وَالْمُتَمَتِّعُ: سَوَاءٌ فِي الْجَزَاءِ فِيمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ فِي حِلٍّ أَصَابُوهُ، أَوْ فِي حَرَمٍ - إنَّمَا فِي كُلِّ ذَلِكَ جَزَاءٌ وَاحِدٌ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَى الْقَارِنِ جَزَاءَانِ فَإِنْ قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَجَزَاءٌ وَاحِدٌ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ شَدِيدٌ؛ ثُمَّ قَالَ: إنْ قَتَلَ الْمُحِلُّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَإِنَّمَا فِيهِ الْهَدْيُ، أَوْ الصَّدَقَةُ فَقَطْ، وَلَا يُجْزِئُهُ صِيَامٌ - وَهَذَا تَخْلِيطٌ آخَرُ، وَقَوْلٌ لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ قَالَ بِهِ قَبْلَهُ؛ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ وَهُوَ حَرَمٌ جَزَاءَ مِثْلِ مَا قَتَلَ، لَا جَزَاءَ مِثْلَيْ مَا قَتَلَ؛ فَخَالَفَ الْقُرْآنَ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنْ الصَّيْدِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ؟ فَمَا سَأَلُوا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَقَارِنٌ هُوَ، أَمْ مُفْرِدٌ، أَمْ مُعْتَمِرٌ؟ فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ عَامِدِينَ]
٨٨٧ - مَسْأَلَةٌ:
فَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ عَامِدِينَ لِذَلِكَ كُلُّهُمْ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَلَيْسَ فِي الصَّيْدِ إلَّا مِثْلُهُ لَا أَمْثَالُهُ.
стр. 1963
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ أَنَّ مَوَالِيَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ قَتَلُوا ضَبُعًا وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَسَأَلُوا ابْنَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: اذْبَحُوا كَبْشًا فَقَالُوا عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ مِنَّا؟ فَقَالَ: بَلْ كَبْشٌ وَاحِدٌ جَمِيعَكُمْ - وَهَذَا فِي أَوَّلِ دَوْلَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مُخَالِفٌ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ؛ وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ.
وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمَّا الْمُحْرِمُونَ فَسَوَاءٌ أَصَابُوهُ فِي الْحَرَمِ، أَوْ الْحِلِّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ، وَأَمَّا الْحَلَالَانِ فَصَاعِدًا يُصِيبُونَ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ؛ فَكَانَ هَذَا الْفَرْقُ طَرِيفًا جِدًّا لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ -: وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ إحْرَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحْرِمِينَ غَيْرُ إحْرَامِ صَاحِبِهِ، وَالْحَرَمُ شَيْءٌ وَاحِدٌ؟ فَقِيلَ لَهُمْ: بَلْ مَوْضِعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْحَرَمِ غَيْرُ مَوْضِعِ الْآخَرِ، وَكُلُّ مَكَان مِنْ الْحَرَمِ فَهُوَ حَرَمٌ آخَرُ، غَيْرُ الْمَكَانِ الثَّانِي، وَالْإِحْرَامُ حُكْمٌ وَاحِدٌ لَازِمٌ لِجَمِيعِ الْمُحْرِمِينَ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ رَأَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ بِأَنْ قَالَ: هِيَ كَفَّارَةٌ، فَكَمَا عَلَى كُلِّ قَاتِلِ خَطَأٍ إذَا اشْتَرَكُوا فِي دَمِ الْمُؤْمِنِ كَفَّارَةٌ، وَعَلَى كُلِّ حَانِثٍ إذَا اشْتَرَكُوا فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ فَهَذَا مِثْلُهُ - فَعَارَضَهُمْ الْآخَرُونَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَذَلِكَ عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ وَإِطْعَامٌ وَاحِدٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَمْوَالَ النَّاسِ مَحْظُورَةٌ فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُهُمْ غَرَامَةً بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ، فَالْجَزَاءُ بَيْنَهُمْ وَالْإِطْعَامُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا الصِّيَامُ فَإِنْ اخْتَارُوهُ: فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الصِّيَامُ كُلُّهُ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يُشْتَرَكُ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ.
فَإِنْ اخْتَلَفُوا: فَمَنْ اخْتَارَ مِنْهُمْ الْجَزَاءَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا بِمِثْلٍ كَامِلٍ لَا بِبَعْضِ مِثْلٍ - وَمَنْ
стр. 1964
اخْتَارَ الْإِطْعَامَ لَمْ يُجْزِهِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ مَسَاكِينَ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ خِلَافَ النَّصِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُحْرِم إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ]
٨٨٨ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ مَرَّةٍ جَزَاءٌ وَلَيْسَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] بِمُسْقِطٍ لِلْجَزَاءِ عَنْهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، بَلْ قَدْ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ عَلَى الْقَاتِلِ لِلصَّيْدِ عَمْدًا، فَهُوَ عَلَى كُلِّ قَاتِلٍ مَعَ النِّقْمَةِ عَلَى الْعَائِدِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ مَا عَدَا الصَّيْدَ]
٨٨٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَحَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ مَا عَدَا الصَّيْدَ مِمَّا يَأْكُلُهُ النَّاسُ مِنْ الدَّجَاجِ، وَالْإِوَزِّ الْمُتَمَلَّكِ، وَالْبُرَكِ الْمُتَمَلَّكِ، وَالْحَمَامِ الْمُتَمَلَّكِ، وَالْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْخَيْلِ، وَكُلِّ مَا لَيْسَ صَيْدًا - الْحِلُّ وَالْحَرَمُ سَوَاءٌ - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مَعَ أَنَّ النَّصَّ لَمْ يُحَرِّمْهُ؛ وَكَذَلِكَ يَذْبَحُ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ بِلَا خِلَافٍ أَيْضًا مَعَ أَنَّ النَّصَّ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ؟
[مَسْأَلَةٌ الْمُحْرِم إذَا قَتَلَ مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ]
٨٩٠ - مَسْأَلَةٌ:
وَجَائِزٌ لِلْمُحْرِمِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلِلْمُحِلِّ فِي الْحَرَمِ وَالْحِلِّ قَتْلُ كُلِّ مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ مِنْ الْخَنَازِيرِ، وَالْأُسْدِ وَالسِّبَاعِ، وَالْقَمْلِ، وَالْبَرَاغِيثِ، وَقِرْدَانِ بَعِيرِهِ أَوْ غَيْرِ بَعِيرِهِ، وَالْحَلَمِ كَذَلِكَ.
وَنَسْتَحِبُّ لَهُمْ قَتْلَ الْحَيَّاتِ، وَالْفِئْرَانِ، وَالْحِدَأِ وَالْغِرْبَانِ، وَالْعَقَارِبِ، وَالْكِلَابِ الْعَقُورَةِ، صِغَارُ كُلِّ ذَلِكَ وَكِبَارُهُ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الْوَزَغُ وَسَائِرُ الْهَوَامِّ - وَلَا جَزَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَلَا فِي الْقَمْلِ.
فَإِنْ قَتَلَ مَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ مِنْ هُدْهُدٍ، أَوْ صُرَدٍ، أَوْ ضُفْدَعٍ، أَوْ نَمْلٍ: فَقَدْ عَصَى وَلَا جَزَاءَ فِي ذَلِكَ.
بُرْهَانُ مَا ذَكَرْنَا -: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ قَتْلَ مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ الْمُحْرِمَ إلَّا عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ فَقَطْ، وَلَا نَهَى إلَّا عَنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَقَطْ، وَلَا جَعَلَ الْجَزَاءَ إلَّا فِي الصَّيْدِ فَقَطْ.
فَمَنْ حَرَّمَ مَا لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ، أَوْ جَعَلَ جَزَاءً فِيمَا لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِالْجَزَاءِ فِيهِ: فَقَدْ شَرَّعَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ إلَّا الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْغُرَابَ، وَالذِّئْبَ فَقَطْ، وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِيهَا.
стр. 1965
فَأَمَّا الْأَسَدُ، وَالنَّمِرُ، وَالسَّبُعُ، وَالدُّبُّ، وَالْخِنْزِيرُ، وَسَائِرُ سِبَاعِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَجَمِيعُ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَفِيهَا الْجَزَاءُ إلَّا أَنْ تَكُونَ ابْتَدَأَتْهُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَجَزَاؤُهَا عِنْدَهُ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ كُلِّ ذَلِكَ أَوْ شَاةٌ، وَلَا يَتَجَاوَزُ بِجَزَاءِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَاةً وَاحِدَةً، وَيَقْتُلُ الْقِرْدَانَ عَنْ بَعِيرِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقْتُلُ الْقُمَّلَ، فَإِنْ قَتَلَهَا أَطْعَمَ شَيْئًا، وَلَهُ قَتْلُ الْبُرْغُوثِ، وَالذَّرِّ، وَالْبَعُوضِ، وَلَا جَزَاءَ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ زُفَرُ: سَوَاءٌ ابْتَدَأَتْ الْمُحْرِمَ السِّبَاعُ أَوْ لَمْ تَبْتَدِئْهُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ فِيمَا قَتَلَ مِنْهَا؛ وَقَالَ الطَّحَاوِيَّ: لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْحَيَّةَ، وَلَا الْوَزَغَ، وَلَا شَيْئًا غَيْرَ الْحِدَأَةِ، وَالْغُرَابِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْفَأْرَةِ وَالْعَقْرَبِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْفَأْرَةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْغُرَابَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْحَيَّةَ، وَجَمِيعَ سِبَاعِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ قَتْلَ الْغُرَابِ، وَالْحِدَأَةِ، إلَّا أَنْ يُؤْذِيَاهُ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ الثَّعْلَبِ، وَلَا الْهِرِّ الْوَحْشِيِّ، وَفِيهِمَا الْجَزَاءُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُمَا، إلَّا إنْ ابْتَدَآهُ بِالْأَذَى.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ صِغَارِ السِّبَاعِ أَصْلًا وَلَا قَتْلُ الْوَزَغِ، وَلَا قَتْلُ الْبَعُوضِ، وَلَا قِرْدَانِ بَعِيرِهِ خَاصَّةً، فَإِنْ قَتَلَهُ أَطْعَمَ شَيْئًا، وَلَا يَقْتُلُ شَيْئًا مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ، فَإِنْ فَعَلَ فَفِيهَا الْجَزَاءُ، وَلَهُ قَتْلُ الْقُرَادِ إذَا وَجَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ صِغَارِ الْغِرْبَانِ، وَلَا صِغَارِ الْحِدَأَةِ؛ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي صِغَارِ الْفِئْرَانِ أَيَقْتُلُهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: وَلَا يَقْتُلُ الْقُمَّلَ، فَإِنْ قَتَلَهَا أَطْعَمَ شَيْئًا.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا إلَّا فِي الثَّعْلَبِ فَإِنَّهُ رَأَى فِيهِ الْجَزَاءَ.
وَرُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ: قَتِّلْ الْحِدَأَةَ، وَارْمِ الْغُرَابَ، وَلَا تَقْتُلْهُ.
وَمِنْ طَرِيق وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْفَأْرَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَا ذَكَرْنَا آرَاءٌ فَاسِدَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ، وَلَئِنْ كَانَتْ السِّبَاعُ مُحَرَّمَةً عَلَى
следующие страницы →