Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
وَالْغَنَنُ - هُوَ خُرُوجُ الْكَلَامِ مِنْ الْمِنْخَرَيْنِ.
وَالصَّعَرُ - هُوَ مِيلُ الْوَجْهِ كُلِّهِ إلَى نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ بِانْفِتَالٍ ظَاهِرٍ.
وَالْحَدَبُ - تَقَوُّسٌ، وَإِنْحَاءٌ فِي فَقَرَاتِ الصُّلْبِ، أَوْ فَقَرَاتِ الصَّدْرِ، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ مَعًا، وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْكَبِيرِ كَمَا يَعْرِضُ لِلصَّغِيرِ - نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا الْحَجَّاجُ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فِي الْحَدَبِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ، وَفِي الْبَحَحِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَفِي الصَّعَرِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْغَنَنِ بِقَدْرِ مَا غَنَّنَ.
نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ الْحَجَّاجِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: فِي الصَّعَرِ - إذَا لَمْ يُلْتَفَتْ - الدِّيَةُ كَامِلَةٌ.
стр. 4622
وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الصَّعَرِ - إذَا لَمْ يَلْتَفِتُ الرَّجُلُ إلَّا مُنْحَرِفًا - نِصْفُ الدِّيَةِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ - وَبِهِ يَقُولُ مَعْمَرٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: فِي الصَّعَرِ الدِّيَةُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا حُكُومَةٌ - وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الرِّوَايَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ.
أَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - إنَّهُ إنْ حَدَثَ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ ضَرْبٍ عَمْدٍ اُقْتُصَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ بَالِغًا مَا بَلَغَ، فَإِنْ حَدَثَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتَدَى عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى - وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَدَى عَلَيْهِ بِمَا لَمْ يَعْتَدِ هُوَ بِهِ - وَلَوْ قَدَرْنَا عَلَى أَنْ نُبَلِّغَهُ حَيْثُ بَلَغَهُ هُوَ بِظُلْمِهِ لَفَعَلْنَا، وَلَكِنْ إذْ عَجَزْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ عَنَّا مَا لَا يُقْدَرْ عَلَيْهِ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَقَدْ أَمَرَنَا ﵊ بِالْقِصَاصِ جُمْلَةً.
[مَسْأَلَةٌ الدِّيَة فِي الظُّفْرِ]
٢٠٥٥ - مَسْأَلَةٌ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: فِي الظُّفْرِ إذَا أَعْوَرَ بَعِيرٌ، وَإِذَا ثَبَتَ: فَخُمْسَا بَعِيرٍ، وَفِي كُلِّ مِفْصَلٍ مِنْ مَفَاصِلِ الْأُصْبُعِ إذَا انْكَسَرَ ثُمَّ انْجَبَرَ: ثُلُثَا بَعِيرٍ، وَفِي قَصَبَةِ الْأَنْفِ إذَا انْكَسَرَتْ ثُمَّ انْجَبَرَتْ: ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الظُّفْرِ إذَا أَعْوَرَ: خُمْسُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ. .
وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ مَعْمَرٌ: عَنْ رَجُلٍ عَنْ
стр. 4623
عِكْرِمَةَ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ عِكْرِمَةُ، وَعَمْرٌو: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: فِي الظُّفْرِ إذَا اعْرَنْجَمَ وَفَسَدَ: قَلُوصٌ.
وَبِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ اجْتَمَعَ لَهُ فِي الظُّفْرِ إذَا نُزِعَ فَعُرَّ أَوْ سَقَطَ أَوْ اسْوَدَّ: الْعُشْرُ مِنْ الدِّيَةِ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا الْقَلُوصُ عَلَى أَصْلِهِمْ، لِأَنَّهُ عُشْرُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ مِنْ الْإِبِلِ.
وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: قَالَ الْحَجَّاجُ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الظُّفْرِ يُقْلَعُ إنْ خَرَجَ أَسْوَدَ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ: فَفِيهِ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ خَرَجَ أَبْيَضَ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ اسْوَدَّ الظُّفْرُ أَوْ اعْوَرَّ: فَنَاقَةٌ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنْ لَمْ يَنْبُتْ الظُّفْرُ: فَنَاقَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أُذَيْنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِي الظُّفْرِ إذَا طُرِحَتْ، فَلَمْ تَنْبُتْ: بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ: فَابْنُ لَبُونٍ.
وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْت فِي الظُّفْرِ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: فِيهِ حُكُومَةٌ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَ مَالِكٍ رُوِيَ عَنْهُ الْقَوْلُ بِالْحُكُومَةِ هَاهُنَا.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذْ لَا نَصَّ فِي هَذَا، وَلَا إجْمَاعَ: فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ - فَقَطْ، أَوْ الْمُفَادَاةِ، فَإِنَّهُ جُرْحٌ - وَأَمَّا فِي الْخَطَأِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الدِّيَة فِي الشَّفَتَيْنِ]
٢٠٥٦ - مَسْأَلَةٌ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ
стр. 4624
نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مَكْحُولٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: فِي الْحَاجِبِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الشَّفَةِ الْعُلْيَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الشَّفَةِ السُّفْلَى ثُلُثَا الدِّيَةِ، لِأَنَّهَا تَرُدُّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: قَضَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: فِي إحْدَى الشَّفَتَيْنِ النِّصْفُ - يَعْنِي: نِصْفَ الدِّيَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: الشَّفَتَانِ؟ قَالَ: خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: فِي إحْدَى الشَّفَتَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَرُوِّينَا أَيْضًا - عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الشَّفَتَانِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا تُفَضَّلُ السُّفْلَى فِي الْإِبِلِ.
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ فِيهِ عَلِيٌّ، وَزَيْدٌ، كَمَا أَوْرَدَنَا، وَلَا يَصِحُّ فِي الشَّفَتَيْنِ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ أَصْلًا، وَلَا حُجَّةٌ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ.
وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، قَدْ خَالَفُوا هَاهُنَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَخَالَفُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ: صَحَابَةً لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ بِلَا حُجَّةٍ، مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، فَالْوَاجِبُ فِي الشَّفَتَيْنِ: الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ، أَوْ الْمُفَادَاةُ، لِأَنَّهُ جُرْحٌ.
وَأَمَّا فِي الْخَطَأِ فَلَا شَيْءَ، لِرَفْعِ الْجَنَاحِ عَنْ الْمُخْطِئِ، وَتَحْرِيمِ الْأَمْوَالِ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 4625
[مَسْأَلَةٌ الدِّيَة فِي السَّمْعِ]
مَسْأَلَةٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ عَنْ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْت شَيْخًا يُحَدِّثُ فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسْتُهُ، فَقَالُوا: ذَاكَ أَبُو الْمُهَلَّبِ عَمُّ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بِحَجَرٍ فِي رَأْسِهِ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ، وَلِسَانُهُ، وَعَقْلُهُ، وَيَبِسَ ذَكَرُهُ فَقَضَى فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ شَيْءٌ فِي السَّمْعِ غَيْرَ هَذَا، وَهُوَ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ أَبَا الْمُهَلَّبِ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ أَصْلًا، وَلَا فِي السَّمْعِ أَثَرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَا صَحِيحٌ وَلَا سَقِيمٌ، وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ إيجَابُ الدِّيَةِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ، إلَّا قَتَادَةَ وَحْدَهُ - وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ -.
كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: فِي ذَهَابِ السَّمْعِ خَمْسُونَ.
وَبِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي فِي السَّمْعِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَابْنِ عُلَاثَةَ: اخْتِيَارُ دَعْوَاهُ فِي أَنَّهُ ذَهَبَ سَمْعُهُ فَقَطْ، لَا إيجَابَ دِيَةٍ أَصْلًا، وَنَذْكُرُهُ لِئَلَّا يُمَوِّهُ بِهِ مُمَوِّهٌ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: مَا اُجْتُمِعَ عَلَيْهِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ قَالَ: لَا أَسْمَعُ فِي شَيْءٍ يُصَابُ بِهِ، عَمَمٌ بِهِ فَاهُ، وَمِنْخَرَيْهِ، فَإِنْ سُمِعَ صَرِيرٌ فِي الْأُذُنِ فَلَا بَأْسَ.
وَجَاءَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَجُلٌ فَقَالَ: ضَرَبَنِي فُلَانٌ حَتَّى صُمَّتْ إحْدَى أُذُنَيْ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَعْلَمُ ذَلِكَ؟ قَالَ: اُدْعُ الْأَطِبَّةَ؟ فَدَعَاهُمْ، فَشَمُّوهَا، فَقَالُوا لِلصَّمَّاءِ: هَذِهِ الصَّمَّاءُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَغَيْرِهِ قَالَ: يُخْتَبَرُ، فَيُنْظَرُ هَلْ يَسْمَعُ أَمْ لَا؟
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ سَأَلْتُ ابْنَ عُلَاثَةَ الْقَاضِي قُلْت: الرَّجُلُ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ أَصَمَّهُ مَنْ ضَرَبَهُ، كَيْفَ لَهُ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَلْتَمِسُ - غَفَلَاتِهِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى
стр. 4626
شَيْءٍ وَإِلَّا اسْتَحْلَفَ ثُمَّ أُعْطِي، فَإِنْ ادَّعَى صَمَمًا فِي إحْدَى أُذُنَيْهِ دُونَ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ تُحْشَى الَّتِي لَمْ تُصَمَّ، وَتُلْتَمَسُ غَفَلَاتُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُمْ: فِي ذَهَابِ السَّمْعِ الدِّيَةُ - وَهَذَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا إجْمَاعَ، لِصِحَّةِ وُجُودِ الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي ذَهَابِ الشَّمِّ الدِّيَةُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا إيجَابُ شَرِيعَةٍ - وَالشَّرَائِعُ لَا يُوجِبُهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵊ فَلَا شَيْءَ فِي ذَهَابِ السَّمْعِ بِالْخَطَأِ، لِأَنَّ الْأَمْوَالَ مُحَرَّمَةٌ، إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ.
وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْقِصَاصُ مِنْهُ بِمِثْلِ مَا ضَرَبَ فَوَاجِبٌ، وَيُصَبُّ فِي أُذُنِهِ مَا يُبْطِلُ سَمْعَهُ، مِمَّا يُؤْمَنُ مَعَهُ مَوْتُهُ، فَهَذَا هُوَ الْقِصَاصُ.
[مَسْأَلَةٌ الدِّيَة فِي الْأُذُن]
٢٠٥٨ - مَسْأَلَةٌ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي صَحِيفَةِ ابْنِ حَزْمٍ وَحَدِيثِ مَكْحُولٍ: فِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ، وَجَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ: وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَضَى فِي الْأُذُنِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً وَلَمْ يَقْضِ فِيهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ، وَقَالَ: يُوَارِيهَا الشَّعْرَ وَالْعِمَامَةَ وَالْقَلَنْسُوَةَ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَضَى فِي الْأُذُنِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْإِبِلِ، وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ لَا يَضُرُّ سَمْعًا، وَلَا يَنْقُصُ قُوَّةً يُغَيِّبُهَا الشَّعْرُ وَالْعِمَامَةُ.
وَبِهِ - إلَى مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إذَا قُطِعَتْ الْأُذُنُ قَضَى فِيهَا أَبُو بَكْرٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْإِبِلِ - فَهَذَا قَوْلٌ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الْأُذُنِ إذَا اُسْتُؤْصِلَتْ بِنِصْفِ الدِّيَةِ - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَالنَّاسُ عَلَيْهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
стр. 4627
فِي الْأُذُنِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، أَوْ عِدْلِ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنِ النِّصْفُ، وَفِي الْأُذُنِ النِّصْفُ، وَفِي الْيَدِ النِّصْفُ، وَفِي الرِّجْلِ النِّصْفُ، وَفِي إحْدَى الشَّفَتَيْنِ النِّصْفُ.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: فِي الْأُذُنِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ فِي الْأُذُنِ - إذَا اُسْتُؤْصِلَتْ - خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ إذَا اُسْتُؤْصِلَتْ: نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُلُّ زَوْجَيْنِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ فَفِيهِ الدِّيَةُ.
وَبِهِ يَقُولُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ: وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الرَّحِيمِ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ - وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: فِي شَحْمَةِ الْأُذُنِ ثُلُثُ دِيَةِ الْأُذُنِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَعَهْدُنَا بِالْمَالِكِيِّينَ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَهُمْ هَاهُنَا قَدْ خَالَفُوا أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ مَسْعُودٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَلَمْ يَقُولُوا بِشَيْءٍ مِمَّا رُوِيَ عَنْهُمْ، وَنَقَضُوا أُصُولَهُمْ.
وَإِنَّمَا أَوْرَدَنَا هَذَا لِئَلَّا يَقُولُوا لَنَا: إنَّمَا عَنَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَاءَتْ عَنْهُمْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ بِالْأُذُنِ السَّمْعَ، فَإِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَقْتَحِمُونَ مِثْلَ هَذَا فَأَرَيْنَاهُمْ مَا لَا عَمَلَ لَهُمْ بِهِ.
وَيُقَالُ لَهُمْ: الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ، لَعَلَّهُ أَيْضًا إنَّمَا عَنَى الشَّمَّ فَقَطْ، لَا الْأَنْفَ الظَّاهِرَ - وَالرِّوَايَةُ عَنْ زَيْدٍ فِي شَحْمَةِ الْأُذُنِ تُبْطِلُ تَأْوِيلَكُمْ هَذَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا إلَّا فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
стр. 4628
أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ لَا مَدْخَلَ لِلشَّكِّ فِيهِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ فِي الْأُذُنَيْنِ إلَّا الْقَوَدُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ فِي الْعَمْدِ، لِأَنَّهُ جُرْحٌ وَلَا شَيْءَ فِي الْخَطَأِ فِي ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَيْنِ]
٢٠٥٩ - مَسْأَلَةٌ: قَدْ ذَكَرْنَا مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ فِي صَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَصَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَخَبَرِ مَكْحُولٍ، وَرَجُلٍ مِنْ آلِ عُمَرَ، وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ - وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ الطَّيِّبِ ﵃: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَوْفٍ عَنْ شَيْخٍ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ
وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ فِي إحْدَى الْبَيْضَتَيْنِ النِّصْفُ، وَبِهِ وَإِلَى وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ عَنْ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْت شَيْخًا يُحَدِّثُ فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسْتُهُ، فَقَالُوا: ذَاكَ أَبُو الْمُهَلَّبِ عَمُّ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بِحَجَرٍ فِي رَأْسِهِ فَذَهَبَ سَمْعُهُ لِسَانَهُ وَعَقْلَهُ وَيَبِسَ ذَكَرَهُ فَقَضَى عُمَرُ فِي ذَلِكَ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ
نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: قَضَى أَبُو بَكْرٍ فِي ذَكَرِ رَجُلٍ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ.
وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى فِي الْحَشَفَةِ بِالدِّيَةِ كَامِلَةٍ
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ
стр. 4629
حَكَمَ فِي الْبَيْضَةِ يُصَابُ صَافِنُهَا الْأَعْلَى بِسُدُسِ الدِّيَةِ.
وَعَنْ مَكْحُولٍ يَقُولُ: قَضَى عُمَرُ فِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَذَكَرِ الْخَصِيِّ يُسْتَأْصَلُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ عَنْ امْرَأَةٍ أَخَذَتْ بِأُنْثَيَيْ زَوْجِهَا فَجَبَذَتْهُ فَخَرَقَتْ الْجِلْدَ - وَلَمْ تَخْرِقْ الصِّفَاقَ فَقَضَى عَلَيْهَا بِسُدُسِ الدِّيَةِ
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي امْرَأَةٍ أَخَذَتْ بِأُنْثَيَيْ زَوْجِهَا فَخَرَقَتْ الْجِلْدَ - وَلَمْ تَخْرِقْ الصِّفَاقَ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَرَوْنَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: اجْعَلْهَا فِي مَنْزِلَةِ الْجَائِفَةِ. قَالَ عُمَرُ: لَكِنِّي أَرَى غَيْرَ ذَلِكَ، أَرَى أَنَّ فِيهَا نِصْفَ مَا فِي الْجَائِفَةِ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُلُّ زَوْجَيْنِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ فَفِيهِ الدِّيَةُ.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْأُنْثَيَانِ سَوَاءٌ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: الْبَيْضَتَانِ سَوَاءٌ
وَأَمَّا التَّابِعُونَ: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: فِي الْبَيْضَةِ الْيُمْنَى ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْيُسْرَى ثُلُثَا الدِّيَةِ، لِأَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ مِنْهَا
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: الْبَيْضَتَانِ سَوَاءٌ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: فِي الْحَشَفَةِ الدِّيَةُ.
وَعَنْ طَاوُسٍ: فِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ.
وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْحَشَفَةِ الدِّيَةُ إذَا أُصِيبَتْ؟ قُلْتُ: فَاسْتُؤْصِلَ الذَّكَرُ؟ قَالَ: فَالدِّيَةُ، قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ اُسْتُؤْصِلَتْ الْحَشَفَةُ ثُمَّ أُصِيبَ شَيْءٌ مِمَّا بَقِيَ بَعْدُ؟ قَالَ: جُرْحٌ يُرَافِيهِ، قُلْتُ: فَذَكَرُ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ؟ قَالَ: مِثْلُ مَا فِي ذَكَرِ الَّذِي يَأْتِي النِّسَاء. قُلْت: الْكَبِيرُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ مِنْهُ أَلَيْسَ يُوَفَّى قَدْرَهُ - يَعْنِي دِيَتَهُ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْت: وَالْبَيْضَتَانِ فِي كُلِّ بَيْضَةٍ خَمْسُونَ خَمْسُونَ؟ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا.
стр. 4630
وَعَنْ قَتَادَةَ فِي ذَكَرِ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ ثُلُثُ دِيَةِ ذَكَرِ الَّذِي يَأْتِي النِّسَاءَ، وَكَذَلِكَ يَقِيسُهُ عَلَى لِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ. وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ: فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ حُكْمٌ
فَحَصَلَ فِي هَذَا الْبَابِ رِوَايَاتٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ أَنَّ فِي الذَّكَرِ الدِّيَةَ - إلَّا أَنَّ عُمَرَ جَاءَ عَنْهُ: وَذَكَرُ الْخَصِيِّ ثُلُثُ دِيَةٍ، وَفِي صِفَاقِ الْبِيضِ سُدُسُ دِيَةٍ، وَعَمَّنْ بِحَضْرَتِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ: ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْبَيْضَتَيْنِ.
وَجَاءَ عَنْ التَّابِعِينَ مَا ذَكَرْنَاهُ
وَقَالَ مَالِكٌ: وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: فِي ذَكَرِ الصَّبِيِّ حُكُومَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: فِي ذَكَرِ [الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ حُكُومَةٌ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ:] فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ، وَالصَّبِيِّ، وَالْهَرِمِ، وَالْعِنِّينِ الدِّيَةُ كَامِلَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ إلَّا عَنْ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عَنْ عَلِيٍّ وَحْدَهُ - وَمُدَّعِي الْإِجْمَاعَ هَاهُنَا مُقَدَّمٌ عَلَى الْكَذِبِ عَلَى جَمِيعِ الْأَمَةِ.
فَإِنْ ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ -: حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عِنْدَهُ كِتَابًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا قُطِعَ الذَّكَرُ فَفِيهِ مِائَةُ نَاقَةٍ - قَدْ انْقَطَعَتْ شَهْوَتُهُ وَذَهَبَ نَسْلُهُ» فَهَذَا مُنْقَطِعٌ، وَإِنْ صَحَّحُوهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بِهِ أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ فِي ذَكَرِ الْعَقِيمِ، وَلَا فِي ذَكَرِ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ - وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا.
وَقَدْ خَالَفُوا عُمَرَ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ، وَالْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ: ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَخَالَفُوا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِهِ " إنَّ فِي الْبَيْضَةِ الْيُسْرَى ثُلُثَيْ الدِّيَةِ، وَفِي الْيُمْنَى ثُلُثُ الدِّيَةِ " وَلَوْ كَانَ هَذَا إجْمَاعًا لَمَا اسْتَجَازَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ خِلَافَهُ
стр. 4631
قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ " إنَّ الْوَلَدَ مِنْ الْيُسْرَى " فَقَدْ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ هَدَّاجٍ الْعَامِرِيُّ - وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا فَاضِلًا - أَنَّهُ أَصَابَهُ خُرَاجٌ فِي الْبَيْضَةِ الْيُسْرَى أَشْرَفَ مِنْهُ عَلَى الْهَلَاكِ، وَسَالَتْ كُلُّهَا، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ أَصْلًا، ثُمَّ بَرِئَ، وَوُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، ثُمَّ أَصَابَهُ خُرَاجٌ أَيْضًا فِي الْيُمْنَى فَذَهَبَ أَكْثَرُهَا، ثُمَّ بَرِئَ، وَلَمْ يُولَدْ لَهُ بَعْدَهَا شَيْءٌ - فَإِذْ لَا يَصِحُّ فِي الدِّيَةِ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ شَيْءٌ، لَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يَجِبَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ فِي الْخَطَأِ، وَأَنْ يَجِبَ فِي ذَلِكَ الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ أَوْ الْمُفَادَاةُ، لِأَنَّهُ جُرْحٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة الصُّلْب وَالْفَقَارَات]
٢٠٦٠ - مَسْأَلَةٌ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: قَضَى أَبُو بَكْرٍ فِي صُلْبِ الرَّجُلِ إذَا كُسِرَ ثُمَّ جُبِرَ بِالدِّيَةِ كَامِلَةً إذَا كَانَ لَا يَحْمِلُ لَهُ، وَبِنِصْفِ الدِّيَةِ إنْ كَانَ يَحْمِلُ لَهُ.
وَبِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ قَضَيَا فِي الصُّلْبِ إذَا لَمْ يُولَدْ لَهُ بِالدِّيَةِ، وَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ.
وَبِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ: حَضَرْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَضَى فِي رَجُلٍ كُسِرَ صُلْبُهُ، فَاحْدَوْدَبَ هُوَ وَلَمْ يَقْعُدْهُ، وَهُوَ يَمْشِي مُحْدَوْدِبًا بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ.
وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: قَضَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي فَقَارِ الظَّهْرِ كُلِّهِ بِالدِّيَةِ كُلِّهَا - وَهِيَ أَلْفُ دِينَارٍ - وَهِيَ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ فَقَارَةً، فِي كُلِّ فَقَارَةٍ إحْدَى وَثَلَاثُونَ دِينَارًا وَرُبْعُ دِينَارٍ إذَا كُسِرَتْ ثُمَّ بَرِئَتْ عَلَى غَيْرِ عَثْمٍ فَإِنْ بَرِئَتْ عَلَى عَثْمٍ فَفِي كَسْرِهَا أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ دِينَارًا وَرُبْعُ دِينَارٍ وَفِي الْعَثْمِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُكْمِ الْمُسْتَقْبَلِ سِوَى ذَلِكَ.
وَعَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ فَقَارٍ أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ دِينَارًا وَرُبْعُ دِينَارٍ
стр. 4632
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: فِي الصُّلْبِ إذَا كُسِرَ الدِّيَةُ كَامِلَةً.
وَعَنْ عَطَاءٍ مِثْلُ ذَلِكَ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ.
وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ إذَا مَنَعَهُ الْمَشْيُ.
وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ إذَا لَمْ يُولَدْ لَهُ: وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا أَثَرٌ: كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: فِي الصُّلْبِ إذَا كُسِرَ فَذَهَبَ مَاؤُهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ الْمَاءُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ - قَضَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْلَمُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَزَيْدٌ - وَهِيَ عَنْ زَيْدٍ غَيْرُ صَحِيحَةٍ.
وَلَا يَقُولُ بِهَذَا الْحَنَفِيُّونَ، وَلَا الْمَالِكِيُّونَ - وَهُوَ تَنَاقُضٌ - فَلَا يَرَوْنَ فِي ضَرْبِ الصُّلْبِ يَقْطَعُ الْوَلَدَ شَيْئًا - وَلَا يَرَوْنَ فِي الْفَقَارَاتِ أَيْضًا مَا جَاءَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِيهَا، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا مُخَالِفٌ - وَهُوَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَائِرِ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
وَفِي هَذَا أَيْضًا خَبَرٌ مُرْسَلٌ - كَمَا أَوْرَدَنَا - بِالدِّيَةِ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ، وَبِنِصْفِ الدِّيَةِ إنْ وُلِدَ لَهُ - وَهُمْ يَدَّعُونَ الْأَخْذَ بِالْمُرْسَلِ، وَلَا يُبَالُونَ بِالتَّنَاقُضِ وَالتَّشْنِيعِ عَلَى خُصُومِهِمْ.
стр. 4633
وَهُمْ يَجْعَلُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ فِي الْأَسْنَانِ الدِّيَةُ قِيَاسًا عَلَى النَّفْسِ، وَفِي كُلِّ اثْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعٍ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ عَشْرَةٍ الدِّيَةُ، فَمَا بَالُهُمْ لَا يَجْعَلُونَ فِي الْفَقَارَاتِ كَذَلِكَ - كَمَا جَاءَ عَنْ زَيْدٍ - وَهَذَا مِمَّا نَقَضُوا فِيهِ الْقِيَاسَ قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي مُرْسَلٍ، وَلَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَصِحُّ، وَلَا إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، وَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ، إلَّا مَا أَبَاحَهُ نَصٌّ، أَوْ إجْمَاعٌ، وَالْخَطَأُ مَرْفُوعٌ - كَمَا قَدْ تَقَدَّمَ - فَلَيْسَ فِي الصُّلْبِ، وَلَا فِي الْفَقَارَاتِ فِي الْخَطَأِ شَيْءٌ، وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ فَالْقَوَدُ فَقَطْ، وَلَا مُفَادَاةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ جُرْحًا - فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جُرْحًا، فَفِيهِ الْقَوَدُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا
[مَسْأَلَةٌ الدِّيَة فِي الضِّلْعِ]
٢٠٦١ - مَسْأَلَةٌ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى نا أَبِي نا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَضَى فِي الضِّرْسِ بِجَمَلٍ، وَفِي التَّرْقُوَةِ بِجَمَلٍ، وَفِي الضِّلْعِ بِجَمَلٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: فِي الضِّلْعِ جَمَلٌ، وَفِي الضِّرْسِ جَمَلٌ، وَفِي التَّرْقُوَةِ جَمَلٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: فِي الضِّلْعِ إذَا كُسِرَ بَعِيرٌ
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَضَى فِي الضِّلْعِ بِبَعِيرٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: فِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرٌ، وَفِي الضِّلْعِ بَعِيرٌ -
стр. 4634
قَالَ حَمَّادٌ: وَأَخْبَرَنَا قَتَادَةُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَضَى فِي الضِّلْعِ بِبَعِيرٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا أُجُورٌ فَبَعِيرَانِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي الضِّلْعِ إذَا كُسِرَتْ ثُمَّ جُبِرَتْ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِنْ كَانَ فِيهَا عَثْمٌ فَأَرْبَعُونَ دِينَارًا - وَفِي ضِلْعِ الْمَرْأَةِ إذَا كُسِرَتْ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ.
وَعَنْ مَسْرُوقٍ: فِي الضِّلْعِ حُكْمٌ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: فِي الضِّلْعِ بَعِيرٌ، وَفِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُمَا، وَالشَّافِعِيُّ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا حُكْمٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُوجَدُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ بِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الضِّلْعِ جَمَلٌ، وَفِي الضِّرْسِ جَمَلٌ قَالَ بِهِ كُلُّ مَنْ عُرِفَ لَهُ قَوْلٌ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّابِعِينَ حَاشَ مَسْرُوقًا، وَقَتَادَةَ، فَإِنَّ قَتَادَةَ أَضْعَفَ فِيهِ الدِّيَةَ، فَزَادَ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِي إيجَابِ دِيَةٍ فِي ذَلِكَ، فَاسْتَسْهَلَ الْمَالِكِيُّونَ وَالْحَنَفِيُّونَ خِلَافَ كُلِّ ذَلِكَ بِآرَائِهِمْ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمِثْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَيْسَتْ إجْمَاعًا، لِأَنَّهُ قَدْ يَسْكُتُ الصَّاحِبُ لِبَعْضِ الْمَعَانِي، وَقَدْ يَغِيبُ النَّفَرُ مِنْهُمْ - وَلَا إجْمَاعَ إلَّا مَا تَيَقَّنَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلِمَهُ، وَدَانَ بِهِ، كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ الَّتِي قَدْ تَيَقَّنَّا إجْمَاعَهُمْ عَلَيْهَا.
فَإِذْ لَا نَصَّ، وَلَا إجْمَاعَ هَاهُنَا فَلَا شَيْءَ فِي الضِّلْعِ إذَا كَانَ خَطَأً لِأَنَّ الْخَطَأَ
стр. 4635
مَرْفُوعٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِيهِ الْقَوَدُ فَقَطْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِجُرْحٍ فَفِيهِ الْقَوَدُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي التَّرْقُوَة الدِّيَة]
٢٠٦٢ - مَسْأَلَةٌ: قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ عُمَرَ: فِي التَّرْقُوَةِ جَمَلٌ - فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا مُتَّصِلًا بِهِ وَخُطْبَتُهُ بِذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَقَوْلٌ آخَرَ - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا الْحَجَّاجُ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي التَّرْقُوَةِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، قَالَا جَمِيعًا: فِي التَّرْقُوَةِ إنْ كُسِرَتْ أَرْبَعُونَ دِينَارًا، وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي التَّرْقُوَةِ عِشْرُونَ دِينَارًا.
وَقَضَى فِيهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِبَعِيرَيْنِ، فَإِنْ بَرِئَتْ وَفِيهَا أُجُورٌ فَأَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ حُكُومَةٌ إلَّا التَّرْقُوَةَ فَفِيهَا بَعِيرَانِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خِلَافٌ مَوْجُودٌ ثَابِتٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ دِيَةٌ مُؤَقَّتَةٌ: وَالْعَيْنَانِ، وَالْأَسْنَانِ أَعْضَاءٌ - فَبَطَلَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ - وَعَنْ مَسْرُوقٍ: فِي التَّرْقُوَةِ حُكْمٌ، وَفِي الضِّرْسِ حُكْمٌ
وَبِهِ يَأْخُذُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَأَصْحَابُهُمْ.
أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ زَيْدٍ - فَوَاهِيَةٌ، لِأَنَّهُ نَقْلُ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - ثُمَّ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ زَيْدٍ، وَمَكْحُولٌ لَمْ يُدْرِكْ زَيْدًا.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ - فَثَابِتَةٌ، قَالَهَا عَلَى الْمِنْبَرِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهَذَا قَدْ خَالَفَهُ الْمَالِكِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ بِآرَائِهِمْ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ
стр. 4636
هَاهُنَا نَصٌّ، فَلَا يَجِبُ فِي التَّرْقُوَةِ شَيْءٌ فِي الْخَطَأِ لِمَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ - فَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ الْقِصَاصُ فَقَطْ، إلَّا إنْ كَانَ جُرْحًا فَالْقَوَدُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي الثَّدْي الدِّيَة]
٢٠٦٣ - مَسْأَلَةٌ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فِي حَلَمَةِ ثَدْيِ الرَّجُلِ إذَا قُطِعَتْ ثَمَنُ دِيَةِ الثَّنْدُوَةِ، وَفِي حَلَمَةِ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ إذَا قُطِعَتْ رُبْعُ دِيَةِ ثَدْيِهَا.
نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: فِي حَلَمَةِ الثَّدْيِ رُبْعُ الدِّيَةِ.
وَرُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ جَعَلَ فِي حَلَمَةِ ثَدْيِ الرَّجُلِ خَمْسِينَ دِينَارًا، وَفِي حَلَمَةِ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ مِائَةَ دِينَارٍ، قَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْت عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: قَضَى أَبُو بَكْرٍ فِي ثَدْيِ الْمَرْأَةِ بِعَشْرَةٍ مِنْ الْإِبِلِ إذَا لَمْ يُصِبْ إلَّا حَلَمَةَ ثَدْيِهَا فَإِذَا قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِ فَخَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْإِبِلِ.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ فِي حَلَمَةِ ثَدْيِ الرَّجُلِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ.
وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَمْ فِي حَلَمَةِ الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: فِي أَحَدِ ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَتِهَا
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: فِي ثَدْيِ الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ وَفِي ثَدْيِ الرَّجُلِ حُكُومَةٌ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ فِي ثَدْي الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ - وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ،
стр. 4637
وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُهُمْ - وَقَالَ هَؤُلَاءِ: فِي ثَدْيِ الرَّجُلِ حُكُومَةٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: فِيهِمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الرُّجُوعَ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ. فَفَعَلْنَا، فَلَمْ نَجِدْ فِي ذَلِكَ نَصَّ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ لَا صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا إجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا، وَكُلُّ حُكْمٍ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْعَمْدِ فَهُوَ بَاطِلٌ [بِيَقِينٍ] .
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَلَيْسَ فِي أَقْوَالِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ صَاحِبٍ أَوْ تَابِعٍ سُنَّةٌ، وَلَا قُرْآنٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَمْوَالَ مُحَرَّمَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»
فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجِبَ فِي الثَّدْيَيْنِ غَرَامَةٌ أَصْلًا، فَإِنْ أُصِيبَا خَطَأً فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِيهِ الْقَوَدُ - وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا - وَبِهِ نَأْخُذُ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قَطَعَ الرَّجُلُ حَلَمَةَ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ قُطِعَ ثَدْيُهُ كُلُّهُ، لِأَنَّهُ كُلُّهُ حَلَمَةٌ لَا ثَدْيَ لَهُ، فَإِنْ قَطَعَتْ هِيَ ثَدْيَهُ قُطِعَتْ حَلَمَتُهَا، فَإِنْ قَطَعَ جَمِيعَ ثَدْيِهَا عَمْدًا - قُطِعَ مِنْ جِلْدِهِ مَا حَوَالَيَّ ثَدْيِهِ مِقْدَارُ ذَلِكَ - لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
[مَسْأَلَةٌ دِيَةُ إفْضَاءِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ]
٢٠٦٤ - مَسْأَلَةٌ: نا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ الْمُرَادِيُّ
стр. 4638
نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَجُلًا اسْتَكْرَهَ امْرَأَةً فَأَفْضَاهَا فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحَدَّ، وَغَرَّمَهُ ثُلُثَ دِيَتِهَا
نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْمَرْأَةِ إذَا غُلِبَتْ عَلَى نَفْسِهَا فَأُفْضِيَتْ أَوْ ذَهَبَتْ عَذْرَتُهَا بِثُلُثِ دِيَتِهَا وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي الرَّجُلِ يُصِيبُ الْمَرْأَةَ فَيُفْضِيهَا؟ قَالَ ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَقَوْلٌ آخَرَ - كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحْرِزٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فِي الْمَرْأَةِ يُفْضِيهَا زَوْجُهَا، إنْ حَبَسَتْ الْحَاجَتَيْنِ وَالْوَلَدَ فَثُلُثُ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ تَحْبِسْ الْحَاجَتَيْنِ وَالْوَلَدَ فَالدِّيَةُ كَامِلَةً
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدَ الْعَزِيزِ قَالَ فِي إفْضَاءِ الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ كَامِلَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تَمْنَعُ اللَّذَّةَ وَالْجِمَاعَ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو الْفَزَارِيّ قَالَ: شَهِدْت عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ إذْ جَاءَهُ كِتَابٌ مِنْ عَامِلِهِ بِنَجْرَانَ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي رَجُلٍ ذِي جِدَةٍ وَسَعَةٍ خَطَبَ إلَى رَجُلٍ ذِي فَاقَةٍ بِنْتَهُ فَزَوَّجَهُ إيَّاهَا، فَقَالَ: ادْفَعْهَا إلَيَّ فَإِنِّي أُوسِعُ لَهَا فِيمَا أُنْفِقُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: إنِّي أَخَافُك عَلَيْهَا أَنْ تَقَعَ بِهَا، فَقَالَ: لَا تَخَفْ، لَا أَقْرَبُهَا، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ، فَوَقَعَ بِهَا فَخَرَقَهَا، فَهُرِيقَتْ دَمًا وَمَاتَتْ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ: غَرِمَ وَاَللَّهِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: غَرِمَ وَاَللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَعَقْلًا وَصَدَاقًا، أَعَقْلًا وَصَدَاقًا؟ وَقَالَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: إنْ كَانَتْ أَدْرَكَتْ مَا أَدْرَكَ النِّسَاءَ فَلَا دِيَةَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَدْرَكَتْ مَا أَدْرَكَ النِّسَاءَ فَلَهَا الدِّيَةُ. فَكَتَبَ عُمَرُ بِذَلِكَ إلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ
стр. 4639
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّهُ رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ تَزَوَّجَ جَارِيَةً فَأَفْضَاهَا فَقَالَ فِيهَا هُوَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ إذَا كَانَ لَا يَسْتَمْسِكُ الْغَائِطُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً
وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مِثْلَ ذَلِكَ، وَزَادَ: فَإِذَا كَانَ الْغَائِطُ يُسْتَمْسَك فَثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَلَا يُعْرَفُ لِمَالِكٍ، وَلَا لِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْمَأْثُورُ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵄ فَإِنَّهُ تَوْقِيفٌ، وَالتَّوْقِيفُ لَا يُؤْخَذُ إلَّا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ .
وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْمَالِكِيِّينَ الْمُشَنِّعِينَ بِقَوْلِ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ أَنْ يَقُولُوا هَاهُنَا بِقَوْلِ عُمَرَ، وَزَيْدٍ، وَلَكِنْ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ - فَإِنَّهُمْ طَرَدُوا أَصْلَهُمْ وَقَالُوا هَاهُنَا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَزَيْدٍ، فَهَلَّا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي حَلَمَةِ ثَدْيِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ؟ وَلَكِنْ هَذَا يُرِيكُمْ تَنَاقُضَ الْقَوْمِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُحَقِّقُونَ أَصْلًا
قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: إنْ كَانَ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ فِي زَوْجَتِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَعَاشَتْ وَبَرِئَتْ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ، وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَطْءَ زَوْجَتِهِ، فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ عَامِدًا - وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ - أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمَةٍ كَذَلِكَ، أَوْ بِأَجْنَبِيَّةٍ: فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَيُفْتَقُ مِنْهُ بِحَدِيدَةٍ مِقْدَارُ مَا فُتِقَ مِنْهَا مُتَعَدِّيًا، وَعَلَيْهِ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ - مَعَ ذَلِكَ - الْحَدُّ، وَلَا غَرَامَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا، إلَّا إنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُخْطِئًا فَمَاتَتْ، فَالدِّيَةُ كَامِلَةً، لِأَنَّهَا نَفْسٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 4640
[مَسْأَلَةٌ دِيَة مَنْ قُطِعَ مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ]
مَسْأَلَةٌ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: إذَا اخْتَلَفَ مِنْ جِلْدَةِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ مِثْلُ الدِّرْهَمِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ - وَإِنْ اخْتَلَفَ مِنْ الْجَسَدِ، فَبَعِيرٌ وَنِصْفٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا تَحْدِيدٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصُّ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، فَلَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ - وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا مَكَانٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يَقِيسُوهُ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْمُوضِحَةِ وَلَكِنَّهُ مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ - وَأَمَّا نَحْنُ فَالْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ فِي الْعَمْدِ وَلَيْسَ فِي الْخَطَإِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْكَسْرِ إذَا انْجَبَرَ]
٢٠٦٦ - مَسْأَلَةٌ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا قَتَادَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي رَجُلٍ كُسِرَتْ يَدُهُ، أَوْ رِجْلُهُ، أَوْ فَخِذُهُ، ثُمَّ انْجَبَرَتْ: فَقَضَى فِيهَا بِحِقَّتَيْنِ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: إنَّ رَجُلًا كُسِرَ أَحَدُ زَنْدَيْهِ، ثُمَّ انْجَبَرَ: فَقَضَى فِيهِ عُمَرُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِيهِ بِبَعِيرَيْنِ - وَالْبَعِيرَانِ بِإِزَاءِ الْمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ حِسَابِ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ شُرَيْحًا قَضَى فِي الْكَسْرِ إذَا انْجَبَرَ، قَالَ: لَا يَزِيدُهُ ذَلِكَ إلَّا شِدَّةً يُعْطَى أَجْرَ الطَّبِيبِ، وَقَدْرَ مَا شُغِلَ عَنْ صَنْعَتِهِ.
стр. 4641
وَعَنْ مَكْحُولٍ - أَنَّهُ قَالَ: فِي الصَّدْعِ فِي الْعَضُدِ إذَا انْجَبَرَ ثَمَانِيَةُ أَبْعِرَةٍ، فَإِذَا انْكَسَرَ أَحَدُ زَنْدَيْهِ، ثُمَّ انْجَبَرَ: فَعَشْرَةُ أَبْعِرَةٍ. وَفِي كُلِّ مِفْصَلٍ مِنْ مَفَاصِلِ الْأُصْبُعِ إذَا انْكَسَرَ ثُمَّ انْجَبَرَ ثُلُثَا بَعِيرٍ. وَفِي الظُّفْرِ - إذَا أَعْوَرَ بَعِيرٌ، فَإِذَا نَبَتَ فَخُمْسَا بَعِيرٍ.
فَهَذِهِ آثَارٌ جَاءَتْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَنْ شُرَيْحٍ، وَعَنْ مَكْحُولٍ - وَالْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ، قَدْ خَالَفُوا مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بِآرَائِهِمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا إلَّا الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ فَقَطْ.
وَأَمَّا فِي الْخَطَأِ فَلَا شَيْءَ، لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ قَوْلِ رَسُولِهِ ﵊.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْمَثَانَةِ إذَا انْفَتَقَتْ]
٢٠٦٧ - مَسْأَلَةٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَثَانَةِ إذَا فُتِقَتْ: ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَزْهَرَ عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: فِي الْفَتْقِ ثُلُثُ الدِّيَةِ.
نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: فِي الْمَثَانَةِ إذَا خُرِقَتْ: ثُلُثُ الدِّيَةِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَنَا أَقُولُ: إنَّ فِيهَا - إذَا لَمْ تُمْسِكْ الْبَوْلَ - الدِّيَةَ كَامِلَةً قَالَهُ أَهْلُ الشَّامِ - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ أَوْ الْمُفَادَاةُ، لِأَنَّهُ جُرْحٌ - وَلَيْسَ فِي الْخَطَأِ شَيْءٌ لِمَا ذَكَرْنَا.
[مَسْأَلَةٌ دِيَةُ الْوِرْكِ إذَا انْكَسَرَتْ ثُمَّ انْجَبَرَتْ]
٢٠٦٨ - مَسْأَلَةٌ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ
стр. 4642
الْحَجَّاجُ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ فِي الْوِرْكِ إذَا انْكَسَرَتْ ثُمَّ انْجَبَرَتْ: عَشْرَةُ أَبْعِرَةٍ - وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - وَالْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ، يُشَنِّعُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ - وَأَمَّا نَحْنُ فَلَيْسَ عِنْدَنَا إلَّا الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ فَقَطْ - وَأَمَّا فِي الْخَطَأِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَةُ الْمَقْعَدَةِ وَالشُّفْرَانِ وَالْأَلْيَتَانِ وَالْعَفَلَةِ وَالْمَنْكِبِ]
٢٠٦٩ - مَسْأَلَةٌ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَقْعَدَةِ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُمْسِكَ خَلَاهُ فَالدِّيَةُ - وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْأَلْيَتَيْنِ إذَا قُطِعَتَا حَتَّى يَبْدُوَ الْعَظْمُ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي الْأَلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: يُقْضَى فِي شُفْرِ قُبُلِ الْمَرْأَةِ إذَا أَوْعَبَ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَظْمَ نِصْفُ دِيَتِهَا، وَفِي شُفْرَيْهَا بِدِيَتِهَا إذَا بَلَغَ الْعَظْمَ - فَإِنْ كَانَتْ عَاقِرًا لَا تَحْمِلُ؟ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَاجْتَمَعَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَكْبِ الْمَرْأَةِ إذَا قُطِعَ بِالدِّيَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تَمْتَنِعُ مِنْ لَذَّةِ الْجِمَاعِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: مَا عَلِمْت فِي قُبُلِ الْمَرْأَةِ شَيْئًا بِبِلَادِنَا؟ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: اجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ لِأَبِي فِي خِلَافَتِهِ عَلَى أَنَّ فِي الْعَفَلَةِ تَكُونُ مِنْ الضَّرْبَةِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، لِأَنَّهَا تَمْنَعُ
стр. 4643
اللَّذَّةَ وَالْجِمَاعَ، وَعَلَى أَنَّ فِي الْمَنْكِبِ إذَا كُسِرَ ثُمَّ جُبِرَ فِي غَيْرِ عَثْمٍ أَرْبَعُونَ دِينَارًا
стр. 4644
قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - فِي الْعَفَلَةِ إذَا بَطَلَ الْجِمَاعُ الدِّيَةُ، وَفِي ذَهَابِ الشُّفْرَيْنِ كَذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُهُمْ: فِي الْأَلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ.
стр. 4645
وَكُلُّ هَذَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ، فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ فِي الْخَطَأِ، أَمَّا فِي الْعَمْدِ: فَالْقِصَاصُ فِيمَا أَمْكَنَ أَوْ الْمُفَادَاةُ فِيمَا كَانَ جُرْحًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْعُنُقِ]
٢٠٧٠ - مَسْأَلَةٌ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَزْهَرَ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: فِي الْعُنُقِ ثُلُثُ الدِّيَةِ.
قَالَ عَلِيٌّ: لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ فِي الْخَطَأِ. وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ وَلَا بُدَّ.
[مَسْأَلَةٌ الدَّرْسُ لِبَطْنِ آخَرَ حَتَّى يُسْلَحَ]
٢٠٧١ - مَسْأَلَةٌ: نا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: ضَرَبْته حَتَّى سَلَحَ، فَقَالَ: اشْهَدُوا فَقَدْ وَاَللَّهِ صَدَقَ، فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا حَتَّى سَلَحَ، هَلْ مَضَى فِي ذَلِكَ أَثَرٌ أَوْ سُنَّةٌ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: قَضَى فِيهَا عُثْمَانُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ - قَالَ سُفْيَانُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ هَذَا: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ عِقَابٍ كَانَ عَظِيمًا سَمِينًا فَأَخَذَهُ رَجُلٌ قَصِيرٌ فَوَطِئَ فِي بَطْنِهِ حَتَّى خَرِيَ، فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: قَضَى فِيهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا، أَوْ بِأَرْبَعِينَ فَرِيضَةً.
стр. 4646
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَضَى فِي ذَلِكَ بِأَرْبَعِينَ بَعِيرًا - يَعْنِي الَّذِي ضَرَبَ حَتَّى سَلَحَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ، وَلَا حُكْمُهُ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَيْسَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ إلَّا الْقِصَاصُ: ضَرْبٌ كَضَرْبٍ وَلَا مَزِيدَ، وَالْحَدَثُ لَيْسَ فِعْلَ الضَّارِبِ بِالْمَضْرُوبِ، فَلَا اعْتِدَاءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَالطَّبَائِعُ تَخْتَلِفُ فِي الشِّدَّةِ وَالِاسْتِرْخَاءِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَةُ الضَّرْطَةِ]
٢٠٧٢ - مَسْأَلَةٌ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُصُّ شَارِبَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَفْزَعَهُ عُمَرُ، فَضَرِطَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: أَمَا إنَّا لَمْ نُرِدْ هَذَا، وَلَكِنْ سَنَعْقِلُهَا، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا - قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: شَاةً أَوْ عَنَاقًا.
قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ سَمَّى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الَّذِي أَعْطَى فِي ذَلِكَ " عَقْلًا " وَالشَّافِعِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ، يُخْلِفُونَ هَذَا وَلَا يَرَوْنَهُ أَصْلًا
وَهَذَا تَحَكُّمٌ وَتَلَاعُبٌ فِي الدِّينِ لَا يَحِلُّ، فَإِنْ كَانَ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّاحِبِ مِمَّا لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ حُجَّةً فَيَلْتَزِمُوا كُلَّ هَذَا، وَكُلَّ مَا أَوْرَدْنَا؛ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ تَرَكُوا أَكْثَرَ مَذَاهِبِهِمْ، وَفَارَقُوا مَنْ قَلَّدُوا دِينَهُمْ - وَإِنْ كَانَ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّاحِبِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ لَيْسَ حُجَّةً - فَهَذَا قَوْلُنَا، فَلْيَتْرُكُوا التَّهْوِيلَ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ، وَلْيُسْقِطُوا الِاحْتِجَاجَ بِمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْجَبْهَة]
٢٠٧٣ - مَسْأَلَةٌ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْجَبْهَةِ إذَا هُشِّمَتْ وَفِيهَا غَوْصٌ مِنْ دَاخِلٍ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِينَارًا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ كَسْرٌ شَانَ الْوَجْهَ، وَلَمْ تَنْتَقِلْ مِنْهُ الْعِظَامُ فَرُبْعُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كُسِرَ مَا بَيْنَ
стр. 4647
الْأُذُنَيْنِ يُصِيبُ مَاضِغَ اللَّحْيَيْنِ وَقَدْ آذَاهُ الشَّعْرُ فِي تَخَوُّصٍ لَمْ يَضُرَّ فِي الْجُرْحِ، وَلَمْ يُنْقَلُ مِنْهُ عَظْمٌ: فَفِيهِ مِائَةُ دِينَارٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا أَصَحُّ سَنَدٍ كَمَا تَرَى إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ فَلَئِنْ كَانَ رَأْيًا - كَمَا هُوَ رَأْيٌ بِلَا شَكٍّ - فَلَعَمْرِي أَنَّ رَأْيَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَأَحَقُّ بِالسَّدَادِ بِلَا شَكٍّ مِنْ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَئِنْ كَانَ يُطْلِقُ فِي ذِي فَضْلٍ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا، لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، فَهُوَ تَوْقِيفٌ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَأَحَقُّ بِهَذِهِ الْمُخْرِجَةِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا
وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: إنَّ عُمَرَ ﵀ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ سَلَفَ مَعْذُورُونَ فِيمَا أَخْطَئُوا فِيهِ، وَمَأْجُورُونَ فِي اجْتِهَادِهِمْ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ، فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ فَقَطْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جُرْحًا فَتَكُونَ فِيهِ الْمُفَادَاةُ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ فِي الْخَطَأِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَة اللَّطْمَةُ]
٢٠٧٤ - مَسْأَلَةٌ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: سَمِعْت مَوْلًى لِسُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ يُخْبِرُ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: إنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ قَضَى فِي الصَّكَّةِ إذَا احْمَرَّتْ، أَوْ اسْوَدَّتْ، أَوْ اخْضَرَّتْ بِسِتَّةِ دَنَانِيرَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَلَا شَيْءَ فِي هَذَا إلَّا الْقِصَاصُ فَقَطْ، فَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَهُ مِمَّا أُبِيحَ لَهُ، فَهُوَ خَطَأٌ لَا شَيْءَ فِيهِ.
[الْجِرَاحُ وَأَقْسَامُهَا]
[مَسْأَلَةٌ أَنْوَاعُ الْجِرَاح]
الْجِرَاحُ وَأَقْسَامُهَا ٢٠٧٥ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ - ثُمَّ الدَّامِيَةُ - ثُمَّ الدَّامِعَةُ - ثُمَّ الْبَاضِعَةُ - ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ - ثُمَّ السِّمْحَاقُ - وَهِيَ أَيْضًا: الْمِلْطَا.
ثُمَّ الْمُوضِحَةُ - ثُمَّ الْهَاشِمَةُ - ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ - ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ - وَهِيَ الْآمَّةُ أَيْضًا.
وَفِي الْجَوْفِ وَحْدَهُ: الْجَائِفَةُ - وَهِيَ الَّتِي نَفَذَتْ إلَى الْجَوْفِ.
стр. 4648
وَالْحَارِصَةُ - الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ شَقًّا خَفِيفًا - يُقَالُ: حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ إذَا شَقَّهُ شَقًّا لَطِيفًا. وَالدَّامِيَةُ - هِيَ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَلَمْ يَسِلْ. وَالدَّامِعَةُ - هِيَ الَّتِي سَالَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ دَمٍ كَالدَّمْعِ. وَالْبَاضِعَةُ - هِيَ الَّتِي شَقَّتْ الْجِلْدَ وَوَصَلَتْ إلَى اللَّحْمِ وَالْمُتَلَاحِمَةُ - هِيَ الَّتِي شَقَّتْ الْجِلْدَ وَشَرَعَتْ فِي اللَّحْمِ. وَالسِّمْحَاقُ - هِيَ الْمِلْطَا: وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ الْجِلْدَ وَاللَّحْمَ كُلَّهُ وَوَصَلَتْ إلَى الْقِشْرَةِ الرَّقِيقَةِ الَّتِي عَلَى الْعَظْمِ. وَالْمُوضِحَةُ - الَّتِي شَقَّتْ الْجِلْدَ وَاللَّحْمَ وَتِلْكَ الْقِشْرَةِ وَأَوْضَحَتْ عَنْ الْعَظْمِ. وَالْهَاشِمَةُ - الَّتِي قَطَعَتْ الْجِلْدَ وَاللَّحْمَ وَالْقِشْرَةَ وَأَثَّرَتْ فِي الْعَظْمِ فَهَشَّمَتْ فِيهِ. وَالْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الْمَنْقُولَةُ - أَيْضًا - الَّتِي فَعَلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ وَكَسَرَتْ الْعَظْمَ فَصَارَ يَخْرُجُ مِنْهَا الْعِظَامُ. وَالْمَأْمُومَةُ - الَّتِي نَفَذَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ وَشَقَّتْ الْعَظْمَ كُلَّهُ، فَبَلَغَتْ أُمَّ الدِّمَاغِ
هَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ، وَغَيْرِهِ، فَذَكَرَ كَمَا ذَكَرْنَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ - كَمَا قَدَّمْنَا -: لَا قِصَاصَ فِي الْعَمْدِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا فِي الْمُوضِحَةِ وَحْدَهَا، وَادَّعَوْا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي ذَلِكَ مُتَعَذَّرَةٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ الْقِصَاصُ فِي كُلِّهَا، وَالْمُمَاثَلَةُ مُمْكِنَةٌ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ ذَكَرْنَا بُطْلَانَ قَوْلِ مَنْ مَنَعَ مِنْ الْقِصَاصِ فِيهَا بِرَأْيِهِ قَبْلُ، فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] بِرَفْعِ الْحَاءِ
стр. 4649
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]
فَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا تُمْكِنُ فِيهِ مُمَاثَلَةٌ لَمَا أَجْمَلَ لَنَا أَمْرَهُ بِالْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ جُمْلَةً، وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا - فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى التَّامَّةِ الصَّادِقَةِ، وَنَقْطَعُ قَطْعَ الْمُوقِنِ الْمُصَدِّقِ بِكَلَامِ رَبِّهِ تَعَالَى: أَنَّ رَبَّنَا لَوْ أَرَادَ تَخْصِيصَ شَيْءٍ مِنْ الْجُرُوحِ بِالْمَنْعِ مِنْ الْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ لَبَيَّنَهَا لَنَا كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ كِتَابِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَهُ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، فَإِذْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَنَحْنُ نُقْسِمُ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَسَمًا بِرًّا: أَنَّهُ مَا أَرَادَ قَطُّ تَخْصِيصَ شَيْءٍ مِنْ الْجُرُوحِ بِالْمَنْعِ مِنْ الْقِصَاصِ مِنْهُ، إلَّا فِي الِاعْتِدَاءِ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ عَمْدًا فَعُفِيَ عَنْهُ وَأَخَذَ مِنْهُ الدِّيَةَ أَوْ الْمُفَادَاةَ]
٢٠٧٦ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَعُفِيَ عَنْهُ وَأُخِذَ مِنْهُ الدِّيَةَ، أَوْ الْمُفَادَاةَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُجْلَدُ مِائَةً وَيُنْفَى سَنَةً كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي الَّذِي يَقْتُلُ عَمْدًا: أَنَّهُ لَا يَقَعُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ بِجَلْدِ مِائَةٍ، قُلْت: كَيْفَ؟ قَالَ - فِي الْحُرِّ يَقْتُلُ عَمْدًا، أَوْ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَبِهِ - إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ عُمَرَ جَلَدَ حُرًّا قَتَلَ عَبْدًا مِائَةً وَنَفَاهُ عَامًا
وَبِهِ - إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: سَمِعْت أَنَّ الَّذِي يَقْتُلُ عَبْدًا يُسْجَنُ سَنَةً وَيُضْرَبُ مِائَةً.
وَبِهِ - إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: إنْ قَتَلَ الْحُرُّ عَبْدًا عُوقِبَ بِجَلْدٍ وَجِيعٍ، وَسِجْنٍ، وَبِعِتْقِ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ. وَمَالِكٌ: مَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَعَفَا عَنْهُ الْأَوْلِيَاءُ، أَوْ فَادَوْهُ بِالدِّيَةِ؛ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةَ سَوْطٍ مَعَ ذَلِكَ، وَيُنْفَى سَنَةً - إلَى أَنْ قَالَ مَالِكٌ: فِي الْقَسَامَةِ يُدْعَى عَلَى جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ لَا يُقْسِمُونَ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ فَإِنْ أَقْسَمُوا عَلَيْهِ قَتَلُوهُ، وَضَرَبَ الْبَاقُونَ كُلَّ وَاحِدٍ مِائَةِ سَوْطٍ، وَيُنْفَوْا كُلُّهُمْ سَنَةً سَنَةً.
стр. 4650
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ: كَمَا نا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَالْعَفْوُ: أَنْ تَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ.
قَالَ: فَعَلَى هَذَا أَنْ يَتْبَعَ بِالْمَعْرُوفِ، وَعَلَى ذَلِكَ أَنْ يُؤَدِّيَ ﴿إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمْ.
وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَسَائِرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْأَدَبِ وَالنَّفْيِ فِي ذَلِكَ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ - أَوْ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ -: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠]
قَالَ: فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَتْلَ بِالزِّنَى.
وَوَجَدْنَا الزِّنَى فِيهِ الرَّجْمُ عَلَى الْمُحْصَنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا سَقَطَ عَنْهُ الْعَقْلُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ.
قَالُوا: فَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ قَتَلَ فَسَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ.
وَذَكَرُوا: مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذْرِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، قَالَ: عَمْرٌو عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ثُمَّ اتَّفَقَ عَلِيٌّ، وَجَدُّ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ كِلَاهُمَا
стр. 4651
قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ عَبْدَهُ مُتَعَمِّدًا، فَجَلَدَهُ مِائَةً، وَنَفَاهُ سَنَةً، وَمَحَا سَهْمَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُقِدْ مِنْهُ.»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا لَهُمْ شُبْهَةٌ غَيْرَ هَذَا إلَّا مَا ذَكَرْنَا آنِفًا فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ.
أَمَّا تَشْنِيعُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الْآيَةَ. وَتَنْظِيرُهُمْ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ بِمَا يَجِبُ عَلَى الزَّانِي فَفَاسِدٌ جِدًّا وَتَحْرِيفٌ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ خَطَأٌ بَحْتٌ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ:
أَوَّلُهَا - أَنَّهُ قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُسَوِّ قَطُّ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالزَّانِي فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي وَعِيدِ الْآخِرَةِ فَقَطْ، وَلَيْسَتْ أَحْكَامُ الدُّنْيَا كَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ مَنْ تَابَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْوَعِيدُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ حُكْمُ الدُّنْيَا بِاتِّفَاقِهِمْ مَعَنَا.
وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ لَا خِلَافَ [فِي أَنَّ حُكْمَ الزَّانِي يُرَاعِي الْإِحْصَانَ فِي ذَلِكَ وَعَدَمَ الْإِحْصَانِ، وَلَا خِلَافَ] فِي أَنَّهُ لَا يُرَاعَى ذَلِكَ فِي الْقَتْلِ.
وَالرَّابِعُ - أَنَّ حُكْمَ الزَّانِي إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِلَا خِلَافٍ مِمَّنْ يَعْتَدُّ بِهِ الْقَتْلُ بِالرَّجْمِ خَاصَّةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ حُكْمَ الْقَاتِلِ إذَا اُسْتُقِيدَ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَتَلَ بِحَجَرٍ.
وَالْخَامِسُ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي مَوَّهُوا بِإِيرَادِ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] فَيَلْزَمُهُمْ إذَا سَاوَوْا بَيْنَ حُكْمِ الْقَاتِلِ وَالزَّانِي، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَهُمَا مَعًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يُسَاوُوا أَيْضًا بَيْنَ الْكَافِرِ، وَالْقَاتِلِ، وَالزَّانِي، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَهُمْ كُلَّهُمْ مَعًا، وَسَاوَى بَيْنَهُمْ فِي وَعِيدِ الْآخِرَةِ إلَّا مَنْ تَابَ، فَيَلْزَمُهُمْ إذَا
стр. 4652
أَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَالْمُرْتَدُّ، فَرَاجَعُ الْإِسْلَامِ أَنْ يُجْلَدَ مِائَةَ سَوْطٍ وَيُنْفَى سَنَةً، لِأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ كَمَا قَدْ سَقَطَ عَنْ الْقَاتِلِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، وَعَنْ الزَّانِي غَيْرِ الْمَحْضِ.
فَإِنْ قَالُوا: الْإِجْمَاعُ مَنَعَ ذَلِكَ. قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ أَقْرَرْتُمْ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مَنَعَ مِنْ قِيَاسِكُمْ الْفَاسِدِ وَأَبْطَلَهُ.
فَظَهَرَ فَسَادُ كَلَامِهِمْ هَذَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ - الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ - فَفِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ وَالسُّقُوطِ، لِأَنَّهُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا - وَلَا سِيَّمَا مَا رُوِيَ عَنْ الْحِجَازِيِّينَ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
ثُمَّ هُوَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرْوَةَ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ - وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ إلَّا التَّعَلُّقُ بِمَا رُوِّينَا فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فَنَظَرْنَا فِيهِ، فَوَجَدْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ عُمَرَ أَبَدًا، لِأَنَّهُ إمَّا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ عُمَرَ، وَإِمَّا عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ، وَكِلَاهُمَا لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ ﵁ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ.
وَأَيْضًا - فَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُهُ، وَإِذَا صَحَّ الْخِلَافُ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ، فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ الرُّجُوعُ إلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]
فَكُلُّ قَوْلٍ عَرِيٍّ مِنْ الْأَدِلَّةِ فَهُوَ بَاطِلٌ بِيَقِينٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ بِالدِّيَةِ، أَوْ الْمُفَادَاةِ، أَوْ الْعَفْوِ الْمُطْلَقِ جَلْدًا وَلَا نَفْيًا - فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]
стр. 4653
فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى نَصًّا لَا خَفَاءَ بِهِ: أَنَّ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ، ثُمَّ عُفِيَ عَنْهُ عَلَى مَالٍ، فَوَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ الْعَافِي أَنْ يَتْبَعَ الْقَاتِلَ الْمَعْفُوَّ عَنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْقَاتِلِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا عُفِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ بِإِحْسَانٍ وَلَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ الضَّرْبُ بِالسِّيَاطِ، وَالنَّفْيُ عَنْ الْأَوْطَانِ سَنَةً.
وَوَجَدْنَاهُمْ أَيْضًا - يَذْكُرُونَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»
فَصَحَّ أَنَّ بَشَرَةَ الْقَاتِلِ مُحَرَّمَةٌ بِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَحِلُّ جَلْدُهُ، وَلَا نَفْيُهُ؛ إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا دَلِيلٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ أَصْلًا
وَذَكَرُوا - مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ نا هُشَيْمٌ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا فَأَقَادَ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ مِنْهُ، فَانْطَلَقَ بِهِ وَفِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ يَجُرُّهَا، فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» فَأَتَى رَجُلٌ إلَى الرَّجُلِ فَقَالَ لَهُ مَقَالَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَخَلَّى عَنْهُ - قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ. فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا سَأَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ فَأَبَى:» نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ وَجَامِعِ بْنِ مَطَرٍ الْحَبَطِيِّ قَالَ عَوْفٌ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ الْعَائِذِيُّ أَبُو عُمَرَ، ثُمَّ اتَّفَقَ جَامِعٌ، وَحَمْزَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ وَائِلٍ قَالَ: «شَهِدْت النَّبِيَّ ﷺ حِينَ جِيءَ بِالْقَاتِلِ يَقُودُهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ فِي نِسْعَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَتَعْفُو عَنْهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ لَهُ: أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَتَقْتُلُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ بِهِ. فَلَمَّا تَوَلَّى مِنْ عِنْدِهِ دَعَاهُ قَالَ لَهُ: أَتَعْفُو عَنْهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ لَهُ: فَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَتَقْتُلُهُ؟ قَالَ:
стр. 4654
نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: أَمَا إنَّكَ إنْ عَفَوْتَ عَنْهُ يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ، فَعَفَا عَنْهُ وَتَرَكَهُ، قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ»
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَقَدْ ذَكَرَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ عَنْ حَدِيثٍ جَامِعٍ: هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ: يَعْنِي: أَنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ حَمْزَةَ
قَالَ عَلِيٌّ: وَهُوَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ حَمْزَةَ الْعَائِذِيَّ شَيْخٌ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ - قَالَ ابْنُ مَعِينٍ، وَلَمْ يُوَثِّقْهُ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ؛ وَأَمَّا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ فَقَالَ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا بَأْسَ بِهِ وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا جَرَحَهُ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَئِمَّةُ: يَحْيَى، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ - هُوَ الْحَوْضِيُّ - نا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عِنْدَهُ إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا، فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ فَقَتَلَهُ؟ فَقَالَ، رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اُعْفُ عَنْهُ، فَأَبَى وَقَامَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي بِئْرٍ يَحْفِرَانِهَا فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ صَاحِبِهِ فَقَتَلَهُ؟ قَالَ: اُعْفُ عَنْهُ فَأَبَى، ثُمَّ قَالَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ - أُرَاهُ قَالَ: فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ فَقَتَلَهُ، قَالَ: اُعْفُ عَنْهُ فَأَبَى، قَالَ: اذْهَبْ إنْ قَتَلْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ، فَخَرَجَ بِهِ حَتَّى جَاوَزَ، فَنَادَيْنَاهُ: أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ فَقَالَ: إنْ قَتَلْتُهُ كُنْتُ مِثْلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، اُعْفُ عَنْهُ، فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا»
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ الْفَاخُورِيُّ نا ضَمْرَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى بِقَاتِلِ وَلِيِّهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊: اُعْفُ عَنْهُ فَأَبَى، فَقَالَ: خُذْ الدِّيَةَ فَأَبَى، قَالَ: اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ فَإِنَّكَ مِثْلُهُ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَمَرَّ الرَّجُلُ وَهُوَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا حَدِيثُ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ، وَجَامِعِ بْنِ مَطَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ
стр. 4655
عَلْقَمَةَ، فَجَيِّدَانِ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِهِمَا - وَفِي كِلَيْهِمَا إطْلَاقُ الْقَاتِلِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، وَمَسِيرُهُ حَتَّى غَابَ عَنْهُمْ، وَخَفِيَ عَنْهُمْ، لَا ضَرْبَ وَلَا نَفْيَ.
فَصَحَّ قَوْلُ مَنْ رَأَى أَنْ لَا جَلْدَ عَلَى الْقَاتِلِ وَلَا نَفْيَ إذَا عُفِيَ عَنْهُ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ خِلَافٌ لَهُ أَصْلًا - وَهَذَا مِمَّا يَسْتَشْنِعُهُ الْمَالِكِيُّونَ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَإِذَا خَالَفَهُ لَمْ يُبَالُوا بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ بِذَلِكَ فِي الْقَسَامَةِ فَمَا عُرِفَ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ]
٢٠٧٧ - مَسْأَلَةٌ: فِي مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ «الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ وَإِنْ قَتَلْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ»
قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ أَيْقَنَّا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ الْمُتَيَقَّنَ، وَأَيْقَنَّا أَنَّهُ ﷺ لَا يَقْضِي بِبَاطِلٍ - وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ بَاطِلٌ - فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا طَلَبُ وَجْهِ حُكْمِهِ ﵊ بِالْقَوَدِ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَإِطْلَاقِهِ عَلَى الْقَتْلِ فِي ذَلِكَ، مَعَ قَوْلِهِ الصَّادِقِ «وَإِنْ قَتَلَهُ كَانَ مِثْلَهُ، وَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» فَإِنَّ لِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَقْضِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوَدٍ لَا يَحِلُّ لَهُ - وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ - حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا. وَإِذْ لَا يَجُوزُ هَذَا فَكَيْفَ يَكُونُ فِي النَّارِ، وَمِثْلًا لِلْقَاتِلِ، مَنْ اسْتَقَادَ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ اقْتَصَّ بِالْحَقِّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا تَفْسِيرُ ابْنِ أَشْوَعَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَهُ الْعَفْوَ عَنْهُ فَأَبَى، فَإِنَّهُ تَفْسِيرٌ فَاسِدٌ لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَا يَخْلُو فِي ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا أَنْ يَكُونَ شَافِعًا فِي الْعَفْوِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ آمِرًا بِالْعَفْوِ، فَإِنْ كَانَ شَافِعًا فَلَيْسَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ إسْعَافِ شَفَاعَتِهِ ﷺ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا فَعَلَتْ بَرِيرَةُ إذْ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ خَيَّرَهَا فِي الْبَقَاءِ مَعَ زَوْجِهَا أَوْ فِرَاقِهِ فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ «لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ. فَقَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا أَنَا شَافِعٌ. فَقَالَتْ: لَا أَرْجِعُ إلَيْهِ أَبَدًا» فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ أَنَّ بَرِيرَةَ ﵂ لَمْ تَكُنْ عَاصِيَةً بِذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ ﵊ شَافِعًا فِي هَذَا الْقَاتِلِ، فَلَيْسَ الْمُمْتَنِعُ عَاصِيًا فَإِذْ
стр. 4656
لَيْسَ عَاصِيًا فَلَيْسَ فِي النَّارِ، وَلَا هُوَ مِثْلُ الْقَاتِلِ الظَّالِمِ، وَإِنْ كَانَ ﷺ آمِرًا فَهُوَ بِيَقِينٍ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِوَاجِبٍ فَرْضٍ.
وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَأْمُرَ ﵊ بِشَيْءٍ وَيُطْلِقُ عَلَى خِلَافِهِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ أَمْرٍ - وَهَذَا هُوَ الْقَضَاءُ بِالْبَاطِلِ، وَقَدْ أَبْعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا.
فَإِنْ قَالُوا: هُوَ أَمْرٌ عَلَى النَّدْبِ. قُلْنَا: لَا رَاحَةَ لَكُمْ فِي هَذَا، لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ قَبُولَ الْأَمْرِ بِالنَّدْبِ الَّذِي لَيْسَ فَرْضًا فَلَيْسَ فِي النَّارِ، وَلَا هُوَ مِثْلُ الْقَاتِلِ الظَّالِمِ - فَبَطَلَ تَفْسِيرُ ابْنِ أَشْوَعَ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الْبُنَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ «إنَّ الرَّجُلَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَتَلَ أَخِي فَدَخَلَ النَّارَ، وَإِنْ قَتَلْتُهُ دَخَلْتُ النَّارَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّهُ قَتَلَ أَخَاكَ فَدَخَلَ النَّارَ بِقَتْلِهِ إيَّاهُ، وَإِنِّي نَهَيْتُك عَنْ قَتْلِهِ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّارَ بِمَعْصِيَتِكَ إيَّايَ.» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَالْمُرْسَلُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَالْقَوْلُ فِي إبْطَالِهِ كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَشْوَعَ وَلَا فَرْقَ
وَبِهِ - إلَى حَمَّادٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَعْنِي بِهَذَا الْخَبَرِ «إنْ قَتَلْتَهُ فَأَنْتَ مِثْلُهُ» " كَانَ يَرَى ذَلِكَ عَامًّا - وَكَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ السَّلِيمِ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ» . قَالَ: فَلَوْ كَانَ هَذَا أَمْرَ فَرْضٍ وَإِيجَابٍ لَحَرُمَ الْقِصَاصُ جُمْلَةً - وَهَذَا أَمْرٌ مُتَيَقَّنٌ أَنَّهُ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ أَمْرَ نَدْبٍ فَلَا يَدْخُلُ النَّارَ، وَلَا يَكُونُ ظَالِمًا مَنْ تَرَكَ النَّدْبَ غَيْرَ رَاغِبٍ عَنْهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ رَاغِبًا عَنْهُ فَهُوَ فَاسِقٌ وَرُبَّمَا كَفَرَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَالْقَوْلُ فِي هَذَا عِنْدَنَا هُوَ مَا وَجَدْنَاهُ فِي خَبَرٍ آخَرَ - وَهُوَ الَّذِي حَدَّثَنَاهُ
стр. 4657
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُفِعَ الْقَاتِلُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ فَقَالَ الْقَاتِلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا، وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ: أَمَا إنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّارَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ - وَكَانَ مَكْتُوفًا - فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ، فَسُمِّيَ: ذَا النِّسْعَةِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا بَيَانُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ أَنَّهُ حَكَمَ ﵊ بِالْقَوَدِ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا بِظَاهِرِ الْبَيِّنَةِ، أَوْ الْإِقْرَارِ التَّامِّ.
وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُفْتَرَضُ عَلَى الْحُكَّامِ الْمُتَيَقَّنُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِهِ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ عِلْمَ الْغَيْبِ، فَحَكَمَ النَّبِيُّ ﵊ بِالْحَقِّ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا قَالَ: إنِّي لَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ - وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا - أَخْبَرَهُ ﵊ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ وَهُوَ مِثْلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ حِينَئِذٍ، فَصَارَ حُكْمُهُ ﵊ حَقًّا، وَقَوْلُهُ حَقًّا.
كَمَا قَالَ أَيْضًا ﵊ «فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» .
وَهُوَ ﵊ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ الْإِقْرَارِ، أَوْ الْيَمِينِ حَاكِمٌ بِالْحَقِّ الْمُتَيَقَّنِ لَا بِالظَّنِّ، لَكِنْ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَلَا بُدَّ، وَإِنْ كَانَ الْبَاطِنُ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ عَلِمَهُ ﵊ لَمْ يَنْفُذْهُ، وَلَا تَرَكَهُ يَمْضِي أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ حُكْمِهِ ﵊ وَقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ فَمَا وَجْهُ حُكْمِهِ ﵊ بِأَنَّ الْقَاتِلَ وَالْمَقْتُولَ فِي النَّارِ، وَأَنَّهُ مِثْلُهُ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ مُرِيدٍ لِلْقَتْلِ فِي النَّارِ؟ قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: هَذَا إخْبَارٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بِغَيْبٍ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 4658
إيَّاهُ، لِأَنَّهُ ﵊ لَا يَقُولُ أَلْبَتَّةَ إلَّا الْحَقَّ، وَلَا يَقُولُ بِالظَّنِّ قَاصِدًا إلَى ذَلِكَ - وَمَنْ قَالَ هَذَا عَلَيْهِ وَنَسَبَهُ إلَيْهِ: فَهُوَ كَافِرٌ، فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ الْقَاتِلَ الَّذِي لَمْ يَعْمِدْ الْقَتْلَ كَانَ فَاسِقًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِعَمَلٍ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْقَتْلِ، أَطْلَعَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى عَاقِبَتِهِ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ دَمُهُ يَحِلُّ لِهَذَا الْمُسْتَقِيدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ قَتْلَ أَخِيهِ، فَلَوْ قَتَلَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَكَانَ قَاتِلًا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلَاسْتَحَقَّ النَّارَ، وَلَكَانَ ظَالِمًا كَالْمَقْتُولِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ظَالِمٍ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ قُتِلَ فِي الزِّحَامِ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَنْ قَتَلَهُ]
٢٠٧٨ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قُتِلَ فِي الزِّحَامِ، أَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَنْ قَتَلَهُ، أَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ، أَوْ حَجَرٌ، لَا يُدْرَى مَنْ رَمَاهُ، أَوْ هَرَبَ قَاتِلُهُ:
قَالَ عَلِيٌّ: نا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي الطَّوَافِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ النَّاسَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: دِيَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَبِهِ: إلَى وَكِيعٍ نا وَهْبُ بْنُ عُقْبَةَ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَذْكُورٍ - سَمِعَاهُ مِنْ يَزِيدَ بْنِ مَذْكُورٍ قَالَ: إنَّ النَّاسَ ازْدَحَمُوا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْكُوفَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَفْرَجُوا عَنْ قَتِيلٍ، فَوَدَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ إنْ رَجُلٌ قُتِلَ فِي الْكَعْبَةِ فَسَأَلَ عُمَرُ عَلِيًّا، فَقَالَ: مِنْ بَيْتِ الْمَالِ - يَعْنِي دِيَتَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ فِي رَجُلَيْنِ مَاتَا فِي الزِّحَامِ: أَنْ يُودَيَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّمَا قَتَلَهُ يَدٌ، أَوْ رِجْلٌ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَيْضًا، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ غَيْرُ هَذَا: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي زِحَامٍ فَإِنَّ دِيَتَهُ عَلَى النَّاسِ - مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ فِي جُمُعَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا
قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا تَحْتَجُّ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ
стр. 4659
فَوَجَدْنَا أَهْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَحْتَجُّونَ بِمَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ كِتَابٍ لِعُمَرَ بْنِ الْعَزِيزِ قَالَ: بَلَغَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ قُتِلَ يَوْمَ أَضْحَى، أَوْ يَوْمَ فِطْرٍ، فَإِنَّ دِيَتَهُ عَلَى النَّاسِ جَمَاعَةً» .
لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى مَنْ قَتَلَهُ - وَهَذَا خَبَرٌ مُرْسَلٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ.
وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ: إنَّ مَنْ ضُغِطَ فِي زِحَامٍ حَتَّى مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الضَّغْطِ فَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ تِلْكَ بِعَيْنِهَا كُلَّهُمْ قَتَلَهُ، إذْ كُلُّهُمْ تَضَاغَطُوا حَتَّى مَاتَ مِنْ ضَغْطِهِمْ، فَإِذْ قَدْ عُرِفَ قَاتِلُوهُ فَالدِّيَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ بِلَا شَكٍّ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ جَهِلُوهُ فَهُمْ غَارِمُونَ حَيْثُ كَانُوا، وَحَقُّ الْغَارِمِينَ وَاجِبٌ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمَوْقُوفَةِ لِجَمِيعِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ» .
وَإِنْ كَانَ مَاتَ مِنْ أَمْرٍ لَا يُدْرَى مَنْ أَصَابَهُ فَدِيَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَمْوَالِ الْمَوْقُوفَةِ لِمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ مُصِيبَهُ غَارِمٌ، أَوْ عَاقِلَتِهِ، وَلَا بُدَّ.
وَهَذَا هُوَ نَصُّ الْخَبَرِ - وَإِنْ كَانَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ بِإِرْسَالِهِ لَكِنْ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ بِالنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: قَضَى هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي قَوْمٍ كَانُوا فِي مَاءٍ فَتَمَاقَلُوا فَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي الْمَاءِ، فَشَهِدَ اثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، فَقَضَى بِدِيَتِهِ عَلَى جَمِيعِهِمْ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ
стр. 4660
فِي قَوْمٍ تَنَاضَلُوا فَأَصَابُوا إنْسَانًا، لَا يُدْرَى أَيُّهُمْ أَصَابَهُ. قَالَ: الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ.
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَضَى فِي سِتَّةِ غِلْمَةٍ كَانُوا يَتَغَاطُّونَ فِي النَّهْرِ فَغَرِقَ أَحَدُهُمْ، فَشَهِدَ اثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَنَّهُمْ غَرَّقُوهُ، وَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ أَنَّهُمَا غَرَّقَاهُ - فَجَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، وَخُمْسَيَّ الدِّيَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَلَا تَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ جَمِيعُ الْحَاضِرِينَ مِنْ خُصُومِنَا مُخَالِفِينَ لِحُكْمِهِ فِيهَا.
وَأَمَّا الْقَوْلُ عِنْدَنَا فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْأَمْوَالَ إلَّا بِيَقِينِ الْحَقِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَصِحُّ قَضَاءٌ بِدِيَةٍ عَلَى أَحَدٍ إلَّا حَيْثُ أَوْجَبَهَا نَصٌّ [قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَإِذَا مَاتَ إنْسَانٌ فِي تَغَاطٍّ، أَوْ نِضَالٍ، أَوْ فِي وَجْهِ مَاءٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَغْرَمَ مَنْ حَضَرَ شَيْئًا مِنْ دِيَتِهِ، وَلَا عَوَاقِلُهُمْ، لِأَنَّنَا لَا نَدْرِي أَجَمِيعُهُمْ قَتَلَهُ أَمْ بَعْضُهُمْ؟ وَإِذْ لَا نَدْرِي مَنْ الْقَاتِلُ لَهُ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ وَبَيْنَ الْعَابِرِينَ عَلَى السَّبِيلِ، وَإِلْزَامُهُمْ دِيَتَهُ، أَوْ عَوَاقِلُهُمْ ظُلْمٌ لَا شَكَّ، بَلْ نُوقِنُ أَنَّ جَمِيعَهُمْ لَمْ يَقْتُلْهُ، فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ إلْزَامَ جَمِيعِهِمْ الدِّيَةَ ظُلْمٌ لَا شَكَّ فِيهِ - فَحَقُّ هَذَا أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ، أَوْ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمَوْقُوفَةِ لِمَصَالِحِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ دِيَتَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فَلَا بُدَّ مِنْ دِيَةٍ مُسَلَّمَةٍ إلَى أَهْلِهِ.
وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ " مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ " أَوْ كَمَا قَالَ ﵊.
следующие страницы →