Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
لَيْسَ عَاصِيًا فَلَيْسَ فِي النَّارِ، وَلَا هُوَ مِثْلُ الْقَاتِلِ الظَّالِمِ، وَإِنْ كَانَ ﷺ آمِرًا فَهُوَ بِيَقِينٍ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِوَاجِبٍ فَرْضٍ.
وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَأْمُرَ ﵊ بِشَيْءٍ وَيُطْلِقُ عَلَى خِلَافِهِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ أَمْرٍ - وَهَذَا هُوَ الْقَضَاءُ بِالْبَاطِلِ، وَقَدْ أَبْعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا.
فَإِنْ قَالُوا: هُوَ أَمْرٌ عَلَى النَّدْبِ. قُلْنَا: لَا رَاحَةَ لَكُمْ فِي هَذَا، لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ قَبُولَ الْأَمْرِ بِالنَّدْبِ الَّذِي لَيْسَ فَرْضًا فَلَيْسَ فِي النَّارِ، وَلَا هُوَ مِثْلُ الْقَاتِلِ الظَّالِمِ - فَبَطَلَ تَفْسِيرُ ابْنِ أَشْوَعَ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الْبُنَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ «إنَّ الرَّجُلَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَتَلَ أَخِي فَدَخَلَ النَّارَ، وَإِنْ قَتَلْتُهُ دَخَلْتُ النَّارَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّهُ قَتَلَ أَخَاكَ فَدَخَلَ النَّارَ بِقَتْلِهِ إيَّاهُ، وَإِنِّي نَهَيْتُك عَنْ قَتْلِهِ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّارَ بِمَعْصِيَتِكَ إيَّايَ.» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَالْمُرْسَلُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَالْقَوْلُ فِي إبْطَالِهِ كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَشْوَعَ وَلَا فَرْقَ
وَبِهِ - إلَى حَمَّادٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَعْنِي بِهَذَا الْخَبَرِ «إنْ قَتَلْتَهُ فَأَنْتَ مِثْلُهُ» " كَانَ يَرَى ذَلِكَ عَامًّا - وَكَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ السَّلِيمِ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ» . قَالَ: فَلَوْ كَانَ هَذَا أَمْرَ فَرْضٍ وَإِيجَابٍ لَحَرُمَ الْقِصَاصُ جُمْلَةً - وَهَذَا أَمْرٌ مُتَيَقَّنٌ أَنَّهُ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ أَمْرَ نَدْبٍ فَلَا يَدْخُلُ النَّارَ، وَلَا يَكُونُ ظَالِمًا مَنْ تَرَكَ النَّدْبَ غَيْرَ رَاغِبٍ عَنْهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ رَاغِبًا عَنْهُ فَهُوَ فَاسِقٌ وَرُبَّمَا كَفَرَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَالْقَوْلُ فِي هَذَا عِنْدَنَا هُوَ مَا وَجَدْنَاهُ فِي خَبَرٍ آخَرَ - وَهُوَ الَّذِي حَدَّثَنَاهُ
стр. 4657
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُفِعَ الْقَاتِلُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ فَقَالَ الْقَاتِلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا، وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ: أَمَا إنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّارَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ - وَكَانَ مَكْتُوفًا - فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ، فَسُمِّيَ: ذَا النِّسْعَةِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا بَيَانُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ أَنَّهُ حَكَمَ ﵊ بِالْقَوَدِ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا بِظَاهِرِ الْبَيِّنَةِ، أَوْ الْإِقْرَارِ التَّامِّ.
وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُفْتَرَضُ عَلَى الْحُكَّامِ الْمُتَيَقَّنُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِهِ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ عِلْمَ الْغَيْبِ، فَحَكَمَ النَّبِيُّ ﵊ بِالْحَقِّ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا قَالَ: إنِّي لَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ - وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا - أَخْبَرَهُ ﵊ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ وَهُوَ مِثْلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ حِينَئِذٍ، فَصَارَ حُكْمُهُ ﵊ حَقًّا، وَقَوْلُهُ حَقًّا.
كَمَا قَالَ أَيْضًا ﵊ «فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» .
وَهُوَ ﵊ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ الْإِقْرَارِ، أَوْ الْيَمِينِ حَاكِمٌ بِالْحَقِّ الْمُتَيَقَّنِ لَا بِالظَّنِّ، لَكِنْ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَلَا بُدَّ، وَإِنْ كَانَ الْبَاطِنُ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ عَلِمَهُ ﵊ لَمْ يَنْفُذْهُ، وَلَا تَرَكَهُ يَمْضِي أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ حُكْمِهِ ﵊ وَقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ فَمَا وَجْهُ حُكْمِهِ ﵊ بِأَنَّ الْقَاتِلَ وَالْمَقْتُولَ فِي النَّارِ، وَأَنَّهُ مِثْلُهُ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ مُرِيدٍ لِلْقَتْلِ فِي النَّارِ؟ قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: هَذَا إخْبَارٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بِغَيْبٍ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 4658
إيَّاهُ، لِأَنَّهُ ﵊ لَا يَقُولُ أَلْبَتَّةَ إلَّا الْحَقَّ، وَلَا يَقُولُ بِالظَّنِّ قَاصِدًا إلَى ذَلِكَ - وَمَنْ قَالَ هَذَا عَلَيْهِ وَنَسَبَهُ إلَيْهِ: فَهُوَ كَافِرٌ، فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ الْقَاتِلَ الَّذِي لَمْ يَعْمِدْ الْقَتْلَ كَانَ فَاسِقًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِعَمَلٍ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْقَتْلِ، أَطْلَعَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى عَاقِبَتِهِ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ دَمُهُ يَحِلُّ لِهَذَا الْمُسْتَقِيدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ قَتْلَ أَخِيهِ، فَلَوْ قَتَلَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَكَانَ قَاتِلًا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلَاسْتَحَقَّ النَّارَ، وَلَكَانَ ظَالِمًا كَالْمَقْتُولِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ظَالِمٍ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ قُتِلَ فِي الزِّحَامِ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَنْ قَتَلَهُ]
٢٠٧٨ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قُتِلَ فِي الزِّحَامِ، أَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَنْ قَتَلَهُ، أَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ، أَوْ حَجَرٌ، لَا يُدْرَى مَنْ رَمَاهُ، أَوْ هَرَبَ قَاتِلُهُ:
قَالَ عَلِيٌّ: نا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي الطَّوَافِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ النَّاسَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: دِيَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَبِهِ: إلَى وَكِيعٍ نا وَهْبُ بْنُ عُقْبَةَ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَذْكُورٍ - سَمِعَاهُ مِنْ يَزِيدَ بْنِ مَذْكُورٍ قَالَ: إنَّ النَّاسَ ازْدَحَمُوا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْكُوفَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَفْرَجُوا عَنْ قَتِيلٍ، فَوَدَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ إنْ رَجُلٌ قُتِلَ فِي الْكَعْبَةِ فَسَأَلَ عُمَرُ عَلِيًّا، فَقَالَ: مِنْ بَيْتِ الْمَالِ - يَعْنِي دِيَتَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ فِي رَجُلَيْنِ مَاتَا فِي الزِّحَامِ: أَنْ يُودَيَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّمَا قَتَلَهُ يَدٌ، أَوْ رِجْلٌ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَيْضًا، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ غَيْرُ هَذَا: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي زِحَامٍ فَإِنَّ دِيَتَهُ عَلَى النَّاسِ - مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ فِي جُمُعَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا
قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا تَحْتَجُّ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ
стр. 4659
فَوَجَدْنَا أَهْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَحْتَجُّونَ بِمَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ كِتَابٍ لِعُمَرَ بْنِ الْعَزِيزِ قَالَ: بَلَغَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ قُتِلَ يَوْمَ أَضْحَى، أَوْ يَوْمَ فِطْرٍ، فَإِنَّ دِيَتَهُ عَلَى النَّاسِ جَمَاعَةً» .
لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى مَنْ قَتَلَهُ - وَهَذَا خَبَرٌ مُرْسَلٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ.
وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ: إنَّ مَنْ ضُغِطَ فِي زِحَامٍ حَتَّى مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الضَّغْطِ فَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ تِلْكَ بِعَيْنِهَا كُلَّهُمْ قَتَلَهُ، إذْ كُلُّهُمْ تَضَاغَطُوا حَتَّى مَاتَ مِنْ ضَغْطِهِمْ، فَإِذْ قَدْ عُرِفَ قَاتِلُوهُ فَالدِّيَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ بِلَا شَكٍّ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ جَهِلُوهُ فَهُمْ غَارِمُونَ حَيْثُ كَانُوا، وَحَقُّ الْغَارِمِينَ وَاجِبٌ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمَوْقُوفَةِ لِجَمِيعِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ» .
وَإِنْ كَانَ مَاتَ مِنْ أَمْرٍ لَا يُدْرَى مَنْ أَصَابَهُ فَدِيَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَمْوَالِ الْمَوْقُوفَةِ لِمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ مُصِيبَهُ غَارِمٌ، أَوْ عَاقِلَتِهِ، وَلَا بُدَّ.
وَهَذَا هُوَ نَصُّ الْخَبَرِ - وَإِنْ كَانَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ بِإِرْسَالِهِ لَكِنْ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ بِالنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: قَضَى هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي قَوْمٍ كَانُوا فِي مَاءٍ فَتَمَاقَلُوا فَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي الْمَاءِ، فَشَهِدَ اثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، فَقَضَى بِدِيَتِهِ عَلَى جَمِيعِهِمْ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ
стр. 4660
فِي قَوْمٍ تَنَاضَلُوا فَأَصَابُوا إنْسَانًا، لَا يُدْرَى أَيُّهُمْ أَصَابَهُ. قَالَ: الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ.
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَضَى فِي سِتَّةِ غِلْمَةٍ كَانُوا يَتَغَاطُّونَ فِي النَّهْرِ فَغَرِقَ أَحَدُهُمْ، فَشَهِدَ اثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَنَّهُمْ غَرَّقُوهُ، وَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ أَنَّهُمَا غَرَّقَاهُ - فَجَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، وَخُمْسَيَّ الدِّيَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَلَا تَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ جَمِيعُ الْحَاضِرِينَ مِنْ خُصُومِنَا مُخَالِفِينَ لِحُكْمِهِ فِيهَا.
وَأَمَّا الْقَوْلُ عِنْدَنَا فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْأَمْوَالَ إلَّا بِيَقِينِ الْحَقِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَصِحُّ قَضَاءٌ بِدِيَةٍ عَلَى أَحَدٍ إلَّا حَيْثُ أَوْجَبَهَا نَصٌّ [قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَإِذَا مَاتَ إنْسَانٌ فِي تَغَاطٍّ، أَوْ نِضَالٍ، أَوْ فِي وَجْهِ مَاءٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَغْرَمَ مَنْ حَضَرَ شَيْئًا مِنْ دِيَتِهِ، وَلَا عَوَاقِلُهُمْ، لِأَنَّنَا لَا نَدْرِي أَجَمِيعُهُمْ قَتَلَهُ أَمْ بَعْضُهُمْ؟ وَإِذْ لَا نَدْرِي مَنْ الْقَاتِلُ لَهُ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ وَبَيْنَ الْعَابِرِينَ عَلَى السَّبِيلِ، وَإِلْزَامُهُمْ دِيَتَهُ، أَوْ عَوَاقِلُهُمْ ظُلْمٌ لَا شَكَّ، بَلْ نُوقِنُ أَنَّ جَمِيعَهُمْ لَمْ يَقْتُلْهُ، فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ إلْزَامَ جَمِيعِهِمْ الدِّيَةَ ظُلْمٌ لَا شَكَّ فِيهِ - فَحَقُّ هَذَا أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ، أَوْ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمَوْقُوفَةِ لِمَصَالِحِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ دِيَتَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فَلَا بُدَّ مِنْ دِيَةٍ مُسَلَّمَةٍ إلَى أَهْلِهِ.
وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ " مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ " أَوْ كَمَا قَالَ ﵊.
стр. 4661
فَالْعَقْلُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ؛ وَلَا يَخْلُو قَتِيلٌ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَكَذَا مَنْ أَصَابَهُ حَجَرٌ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَاهُ، أَوْ سَهْمٌ كَذَلِكَ وَلَا فَرْقَ - وَلَوْ أَنَّ امْرَأً خَرَجَ إلَيْهِ عَدُوٌّ فِي طَرِيقٍ فَقَتَلَهُ، وَجَمَاعَةٌ ثِقَاتٌ يَنْظُرُونَ إلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْقَاتِلَ مَنْ هُوَ؟ فَلَمَّا رَآهُمْ الْقَاتِلُ هَرَبَ وَصَارَ خَلْفَ رَبْوَةٍ، أَوْ فِي بَيْتٍ، أَوْ فِي خَانٍ، فَاتَّبَعَتْهُ الْجَمَاعَةُ فَوَجَدُوا خَلْفَ الرَّابِيَةِ أَوْ الْخَانِ أَوْ الْبَيْتِ: جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ، أَوْ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، فِيهِمْ ثِقَاتٌ وَغَيْرُ ثِقَاتٍ، فَسَأَلُوهُمْ: مَنْ دَخَلَ عِنْدَكُمْ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ: لَا نَدْرِي، كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا مَشْغُولٌ بِأَمْرِهِ. فَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ يَقُولُونَ: يُقْذَفُ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي الْخَانِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ خَلْفَ الرَّابِيَةِ فِي السِّجْنِ الدَّهْرَ الطَّوِيلَ، حَتَّى يَكُونَ مَوْتُهُمْ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ الْحَيَاةِ - وَهَذَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ مُتَيَقَّنٌ، وَخَطَأٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ مَظْلُومُونَ إلَّا وَاحِدًا، فَقَدْ أَقْدَمُوا عَلَى ظُلْمِ أَلْفِ إنْسَانٍ بِيَقِينٍ، وَهُمْ يَدْرُونَ أَنَّهُمْ ظَالِمُونَ لَهُمْ خَوْفَ أَنْ يُفْلِتَ ظَالِمٌ وَاحِدٌ لَا يَعْرِفُونَهُ بِعَيْنِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ يَقْصِدَ إلَى أَهْلِ كُلِّ سُوقٍ فَيَقْذِفَهُمْ فِي الْحَبْسِ، لِأَنَّنَا نَدْرِي أَنَّ فِيهِمْ آكِلَ رِبًا بِيَقِينٍ، وَشَارِبَ خَمْرٍ بِيَقِينٍ.
وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ فِي مَدِينَةٍ أَوْ جَزِيرَةٍ أَنْ يَسْجُنُوا جَمِيعَ أَهْلِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلَ الْجَزِيرَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا أَفْحَشَ تَنَاقُضٍ.
وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَبْطَلَ هَذَا الْحُكْمَ الْفَاسِدَ بِفِعْلِهِ فِي أَهْلِ خَيْبَرَ، إذْ قُتِلَ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ﵁ فَمَا سُجِنَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، بَلْ قَنَعَ مِنْهُمْ بِالْأَيْمَانِ فَقَطْ عَلَى مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَوْ بِأَيْمَانِهِمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيُبْطِلُ هَذَا أَيْضًا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]
стр. 4662
وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ الْإِقْدَامُ عَلَى أَحَدٍ بِالظَّنِّ، فَكَيْفَ وَهُمْ هَاهُنَا قَدْ أَقْدَمُوا بِالْجَوْرِ الْمَحْضِ وَالظُّلْمِ الْمُتَيَقَّنِ.
وَالْوَاجِبُ فِي هَذَا أَنْ لَا يُسْجَنَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، لَكِنْ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ عَلَى حُكْمِ الْقَسَامَةِ، فَإِنْ نَكَلُوا حَلَفَ هُوَ يَمِينًا وَاحِدَةً.
وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعُوا عَلَى جَمَاعَةٍ بِأَعْيَانِهِمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَبْرَأُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَوْ أُعْطِي النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ»
وَإِنْ كَانَ وُجِدَ فِي دَارِ قَوْمٍ أَيْضًا حُكِمَ هُنَالِكَ بِحُكْمِ الْقَسَامَةِ
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ أَمَرَ آخَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ أَوْ بِقَتْلِ وَلَدِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ بِقَتْلِهِ نَفْسَهُ]
٢٠٧٩ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ أَمَرَ آخَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ أَوْ بِقَتْلِ وَلَدِهِ، أَوْ عَبْدِهِ أَوْ بِقَتْلِهِ نَفْسَهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: إنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدٍ: اقْطَعْ أُذُنِي وَأَنْتَ شَرِيكِي فِي الدِّيَةِ فَفَعَلَ. فَاخْتَصَمُوا إلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى قَوْلِهِ فَأَبْطَلَ دِيَتَهُ؛ قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ - إنْ أَرَادَهَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ - عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ .
وَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا كَذَلِكَ دِيَةَ الْأَصَابِعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
وَحَرَّمَ اللَّهُ طَاعَةَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى -، وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ دِيوَانِنَا.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ
стр. 4663
نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا قُتَيْبَةُ نا لَيْثٌ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، إلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ»
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَحَرَامٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ أَنْ يَأْتَمِرَ لَهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ فَاسِقٌ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ لَهُ بِذَلِكَ عُذْرٌ.
وَكَذَلِكَ الْآمِرُ فِي نَفْسِهِ بِمَا لَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَاسِقٌ وَلَا عُذْرَ لِلْمَأْمُورِ فِي طَاعَتِهِ، بَلْ الْآمِرُ وَاَلَّذِي يُؤْمَرُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَجِبَ لِلْآمِرِ إنْسَانًا بِقَطْعِ يَدِ الْآمِرِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ بِقَتْلِ عَبْدِهِ، أَوْ بِقَتْلِ ابْنِهِ، مَا يَجِبُ لَهُ لَوْ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ مِنْ الْقَوَدِ أَوْ الدِّيَةِ، لِأَنَّ وُجُودَ أَمْرِهِ بِذَلِكَ بَاطِلٌ لَا حُكْمَ لَهُ فِي الْإِبَاحَةِ أَصْلًا
وَكَذَلِكَ مَنْ أَبَاحَ لِآخَرَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَفَعَلَ فَلِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَمَرَ آخَرَ بِقَتْلِ عَبْدِهِ فَقَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَأْمُورِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ أَمَرَ آخَرَ بِقَطْعِ يَدِ الْآمِرِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ أَمَرَ إنْسَانًا بِأَنْ يَزْنِيَ بِأَمَةِ نَفْسِهِ فَفَعَلَ أَنَّ الْحَدَّ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ لَهُ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ، وَقَتْلِ أَبِيهِ، وَغُلَامِهِ: أَنْ يَعْفُوَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ الزِّنَى بِأَمَتِهِ؟ قِيلَ لَهُمْ: إنَّ وَقْتَ الْعَفْوِ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ ابْنَ عَمِّي فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فَقَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ فَقَتَلَهُ قَاتِلٌ، فَإِنَّ لَهُ الْقَوَدَ، فَبَطَلَ تَنْظِيرُهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 4664
[مَسْأَلَةٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ]
ُ﴾ [المائدة: ٤٥] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] ، قَالَ عَلِيٌّ: مَنْ قَرَأَ: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] بِالرَّفْعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لَا بِالْعَطْفِ عَلَى النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، فَهُوَ حُكْمٌ ثَابِتٌ عَلَيْنَا لَازِمٌ لَنَا، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالنَّصْبِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَقٌّ مَشْهُورٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ حَقٌّ، فَكَانَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ.
كُلُّ ذَلِكَ أَيْضًا مَكْتُوبٌ عَلَيْنَا بِحَقٍّ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَوَاجِبٌ أَنْ يُنْظَرَ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] ، فَوَجَدْنَا مَا ناه حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ الْمُرَادِيُّ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ الْهَيْثَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] قَالَ: هُدِمَ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِ الْمَجْرُوحِ الْمُتَصَدِّقِ بِحَقِّهِ.
وَبِهِ: إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] قَالَ: لِلْمَجْرُوحِ.
وَبِهِ: إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ قَالَ: لِلْمَجْرُوحِ،
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لِلَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا: كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ
стр. 4665
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] قَالَ: لِلْمَجْرُوحِ، وَأَجْرُ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: لِلْمَجْرُوحِ - وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وَأَجْرُ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى اللَّهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: إنْ عَفَا عَنْهُ، أَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ، أَوْ قَبِلَ مِنْهُ الدِّيَةَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ، وَوَكِيعٌ، قَالَ وَكِيعٌ: عَنْ سُفْيَانَ، ثُمَّ اتَّفَقَ جَرِيرٌ، وَسُفْيَانُ كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَفَّارَةٌ لِلَّذِي تَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَأَجْرُ الَّذِي أُصِيبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٌ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَفْعَلَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إذْ يَقُولُ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ؟ فَفَعَلْنَا، فَوَجَدْنَا نَصَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] جَاءَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] . وَوَجَدْنَا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الضَّمِيرَ رَاجِعًا - وَلَا بُدَّ - إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَوَجَدْنَا أَقْرَبَ مَذْكُورٍ إلَى ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] الضَّمِيرَ الَّذِي فِي ﴿تَصَدَّقَ بِهِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَهُوَ ضَمِيرُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْمُتَصَدِّقِ، فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ عَنْ هَذَا إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْجَانِيَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إذَا عَفَا عَنْهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَإِنْ غَفَرَ لَهُ، وَتَصَدَّقَ بِحَقِّهِ عَلَيْهِ، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَمُكَفَّرٌ عَنْهُ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ قِبَلَهُ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَغْفِرْ لَهُ، وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ طَلَبَهُ إلَى الْآخِرَةِ، وَأَسْقَطَهُ فِي الدُّنْيَا، فَبِلَا شَكٍّ نَدْرِي أَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ لَهُ قِبَلَهُ، وَأَنَّهُ سَيَقْتَصُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حَسَنَاتِهِ.
وَأَمَّا مَنْ قَتَلَ آخَرَ - فَعَلَيْهِ حَقَّانِ: حَقُّ الْمَقْتُولِ فِي ظُلْمِهِ إيَّاهُ، وَحَقُّ الْوَلِيِّ فِي أَخْذِ الْقَوَدِ - فَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ فَإِنَّمَا عَفَا عَنْ حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَا عَفْوَ لَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ - وَهُوَ
стр. 4666
لِمَقْتُولٍ - فَحَقُّ الْمَقْتُولِ بَاقٍ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَكَمَا أَخْبَرَ ﷺ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ حَجَرٍ، قَالَا جَمِيعًا: نا إسْمَاعِيلُ - هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ الْعَلَاءِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ - وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا - فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ - قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ - أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ، لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ نا أَبِي نا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ " قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» .
وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ نا إسْمَاعِيلُ - هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ - نا مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ يُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى إلَى مَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا» . قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا إذَا قُتِلَ قَوَدًا فَقَدْ انْتَصَفَ مِنْهُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ امْرَأَةٍ نَامَتْ بِقُرْبِ ابْنِهَا أَوْ غَيْرِهِ فَوُجِدَ مَيِّتًا]
٢٠٨١ - مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةٍ نَامَتْ بِقُرْبِ ابْنِهَا أَوْ غَيْرِهِ فَوُجِدَ مَيِّتًا
стр. 4667
قَالَ عَلِيٌّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي امْرَأَةٍ شَرِبَتْ دَوَاءً فَأَلْقَتْ وَلَدَهَا قَالَ: تُكَفِّرُ. وَقَالَ فِي امْرَأَةٍ أَنَامَتْ صَبِيَّهَا إلَى جَنْبِهَا فَطَرَحَتْ عَلَيْهِ ثَوْبًا فَأَصْبَحَتْ وَقَدْ مَاتَ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ تُكَفِّرَ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي امْرَأَةٍ غَطَّتْ وَجْهَ صَبِيٍّ لَهَا فَمَاتَ فِي نَوْمِهِ؟ فَقَالَ: تُعْتِقُ رَقَبَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ مَاتَ مِنْ فِعْلِهَا مِثْلَ - أَنْ تَجُرَّ اللِّحَافَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ يَنَامَ فَيَنْقَلِبَ فَيَمُوتَ غَمًّا، أَوْ وَقَعَ ذِرَاعُهَا عَلَى فَمِهِ، أَوْ وَقَعَ ثَدْيُهَا عَلَى فَمِهِ، أَوْ رَقَدَتْ عَلَيْهِ - وَهِيَ لَا تَشْعُرُ - فَلَا شَكَّ أَنَّهَا قَاتِلَتُهُ خَطَأً فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ، وَعَلَى عَاقِلَتِهَا الدِّيَةُ، أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمُتْ مِنْ فِعْلِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ، أَوْ لَا دِيَةَ أَصْلًا، فَإِنْ شَكَّتْ أَمَاتَ مِنْ فِعْلِهَا أَمْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهَا؟ فَلَا دِيَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ بَرَاءَتِهَا مِنْ دَمِهِ، ثُمَّ عَلَى شَكٍّ أَمَاتَ مِنْ فِعْلِهَا أَمْ لَا؟ وَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ إلَّا بِيَقِينٍ، وَالْكَفَّارَةُ إيجَابُ شَرْعٍ، وَالشَّرْعُ لَا يَجِبُ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ - فَلَا يَحِلُّ أَنْ تُلْزَمَ غَرَامَةً، وَلَا صِيَامًا، وَلَا أَنْ تُلْزَمَ عَاقِلَتُهَا دِيَةً بِالظَّنِّ الْكَاذِبِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ بَيْنَ الْأَجِيرِ وَمُسْتَأْجِرِهِ قِصَاصٌ]
٢٠٨٢ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ بَيْنَ الْأَجِيرِ وَمُسْتَأْجِرِهِ قِصَاصٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ: لَيْسَ بَيْنَ الْأَجِيرِ وَمُسْتَأْجِرِهِ قِصَاصٌ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى فَيَجِبُ الْعَقْلُ بَعْدَ الْقَسَامَةِ - وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ إلَّا خَطَأٌ أَوْ عَمْدٌ، فَلَا شَيْءَ فِي الْخَطَأِ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي النَّفْسِ.
وَأَمَّا الْعَمْدُ - فَفِيهِ الْقِصَاصُ سَوَاءٌ الْأَجِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]
[مَسْأَلَةٌ فِي مِيرَاثِ الدِّيَة]
٢٠٨٣ -
стр. 4668
قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كَيْفَ تُوَرَّثُ الدِّيَةُ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الدِّيَةُ لِلْعَصَبَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ - كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ الضَّرِيرُ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْعَبْدِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: تُقَسَّمُ الدِّيَةُ عَلَى مَا يُقَسَّمُ عَلَيْهِ الْمِيرَاثُ.
وَبِهِ - إلَى قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ عَنْ عَمَّارٍ عَمَّنْ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: لَقَدْ ظَلَمَ مَنْ مَنَعَ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأُمِّ نَصِيبَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ كُلُّ وَارِثٍ، وَالزَّوْجُ، وَالزَّوْجَةُ، فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ.
وَبِهِ - إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُقْتَلُ عَمْدًا فَيَعْفُو بَعْضُ الْوَرَثَةِ؟ قَالَ: لِامْرَأَتِهِ مِيرَاثُهَا مِنْ الدِّيَةِ.
مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دَمِ زَوْجِهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إذَا قُبِلَ الْعَقْلُ فِي الْعَمْدِ كَانَ مِيرَاثًا تَرِثُهُ الزَّوْجَةُ وَغَيْرُهَا.
وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَدَّثُ أَنَّ الدِّيَةَ سَبِيلُهَا سَبِيلُ الْمِيرَاثِ.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الدِّيَةُ لِلْمِيرَاثِ.
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: الْعَقْلُ كَهَيْئَةِ الْمِيرَاثِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: وَتَرِثُ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأُمِّ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ فِي الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ يَرِثُونَ فِي الدِّيَةِ، وَكُلُّ وَارِثٍ.
стр. 4669
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي - كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَرَى الدِّيَةَ إلَّا لِلْعَصَبَةِ، لِأَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ، فَهَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا؟ فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ - وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَعْرَابِ -: «كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا -» فَأَخَذَ عُمَرُ بِذَلِكَ.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يُوَرِّثُ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأُمِّ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ لِنَعْلَمَ حُجَّةَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَنَتَّبِعَ الْحَقَّ حَيْثُ كَانَ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَوَجَدْنَا حُجَّةَ مَنْ قَالَ: لَا يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ إلَّا الْعَصَبَةُ: أَنْ ذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُد نا مُسَدَّدٌ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ قَالَ: سَمِعْت أَبَا شُرَيْحٍ الْكَعْبِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا» .
قَالَ عَلِيٌّ: فَوَجَدْنَا هَذَا الْخَبَرَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الدِّيَةَ لِمَنْ لَهُ أَنْ يَسْتَقِيدَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَهْلُهُ وَالْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ وَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ يَقَعُ عَلَيْهِمْ اسْمُ " أَهْلٍ " عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي " بَابِ مَنْ لَهُ عَنْ الْقَوَدِ الْعَفْوُ أَوْ الْقِصَاصُ ".
وَقَدْ صَحَّ النَّصُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخِلَافِ مَا قُلْتُمْ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا لَيْثٌ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، غَيْرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا» .
стр. 4670
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْمِيرَاثِ لِغَيْرِ مَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْعَقْلِ - فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ بِيَقِينٍ.
وَقَدْ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ بِأَنَّ الدِّيَةَ لِأَهْلِ الْمَقْتُولِ مُسَلَّمَةٌ وَأَنَّ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ لِأَهْلِ الْمَقْتُولِ وَاجِبَةٌ لَهُمْ - إنْ أَرَادُوا أَخْذَهَا - وَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَتْلِ نَوْعٌ إلَّا عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ، فَصَحَّتْ الدِّيَةُ بِيَقِينٍ لِأَهْلِ الْمَقْتُولِ وَالزَّوْجَةُ مِنْ أَهْلِهِ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا الْأُوَيْسِيُّ نا إبْرَاهِيمُ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ «عَنْ عَائِشَةَ حِين قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا، وَهُوَ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ. فَأَمَّا أُسَامَةُ - فَأَشَارَ بِاَلَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ. وَأَمَّا عَلِيٌّ - فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَاسْأَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقُكَ، فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنَ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي وَأَنَّهُ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إلَّا خَيْرًا» .
وَمِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ قَالَ: «لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالْأَمْرِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إلَى أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لَهَا وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ» .
فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ سَمَّى زَوْجَتَهُ " أَهْلًا " وَأَخْبَرَ أَنَّهَا " أَهْلُهُ ".
وَقَدْ قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: تَنَامُ عَنْ عَجِينِ " أَهْلِهَا ".
وَبِلَا شَكٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْعَجِينِ نَصِيبٌ فَهُوَ ﵊ " أَهْلُهَا " أَيْضًا.
стр. 4671
وَقَدْ أَسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْطِلَاقِ إلَى " أَهْلِهَا " وَقَدْ كَانَ لَهَا أَخٌ لِأُمٍّ مَعْرُوفٌ فَصَحَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي " الْأَهْلِ ".
فَإِذْ الدِّيَةُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَنَصِّ السُّنَّةِ لِلْأَهْلِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالزَّوْجِ، وَالْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ " أَهْلٌ " فَحَظُّهُمْ فِي الدِّيَةِ وَاجِبٌ كَسَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا فِي أَنَّ الدِّيَةَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى حَسَبِ الْمَوَارِيثِ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ، وَعَلَى هَذَا اعْتِمَادُنَا فِي تَوْرِيثِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الدِّيَةِ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا فَوَاهِيَةٌ لَا تَصِحُّ، وَأَحْسَنُ مَا فِيهَا حَدِيثُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الضَّبَابِيِّ الْكِلَابِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا وَهُوَ مُنْقَطِعٌ - لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَوْ أَنَّ امْرَأً نَذَرَ نَذْرًا لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِكُلِّ مَا وَرِثَ عَنْ فُلَانٍ ثُمَّ قُتِلَ ذَلِكَ الْفُلَانُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ دِيَتِهِ فِي الْعَمْدِ، وَالْخَطَأِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِثْهُ عَنْهُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يُحْتَجَزُوا]
٢٠٨٤ - مَسْأَلَةٌ: فِي ذِكْرِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يُحْتَجَزُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - نا الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي حِصْنٌ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَعَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يُحْتَجَزُوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ - وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَمَاجَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْخَبَرِ؟ وَحَكَى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّحَاوِيَّ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا الْخَبَرِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَأَحْمَدَ بْنَ أَبِي عِمْرَانَ وَإِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيّ.
فَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ وَاعْتَرَفَ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا مَعْنَاهُ.
وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ فَقَالَ لَهُ: هَذَا يَخْرُجُ مِنْهُ جَوَازُ عَفْوِ النِّسَاءِ عَنْ الدَّمِ.
وَأَمَّا الْمُزَنِيّ فَقَالَ لَهُ: مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ الْقِتَالِ فِي غَيْرِ الْحَقِّ.
стр. 4672
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَأَحْسَنَ، إذْ سَكَتَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ وَجْهُهُ.
وَأَمَّا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ فَقَالَ قَوْلًا فَاسِدًا، لِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ قَوْلِ قَائِلٍ " عَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يُحْتَجَزُوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ - وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً " أَنَّهُ يَجُوزُ عَفْوُ النِّسَاءِ مِنْ الدَّمِ أَوْ لَا يَجُوزُ، وَهَذَا سَمِجٌ جِدًّا، وَمَا يَعْجِزُ أَحَدٌ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ فِيمَا شَاءَ مَا شَاءَ إذَا لَمْ يَحْجِزْهُ وَرَعٌ أَوْ حَيَاءٌ
وَأَمَّا الْمُزَنِيّ فَإِنَّهُ قَالَ الْكَلَامَ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى لَفْظِ الْخَبَرِ وَمَفْهُومُهُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يَنْحَجِزَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَلَا يَقْتَتِلُونَ، وَأَنْ يَبْدَأَ بِالِانْحِجَازِ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُقْتَتِلِينَ هُمْ الْمُتَصَادِمُونَ قَبْلَ الَّذِينَ مَنْ خَلْفَهُمْ - فَغَرَضُ الِانْحِجَازِ وَاقِعٌ عَلَى الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ - مِنْ الْمُقْتَتِلِينَ - وَلَوْ أَنَّهُ امْرَأَةٌ - لِأَنَّ الْقِتَالَ فِيمَا بَيْنَنَا مُحَرَّمٌ. هَذَا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَصِحُّ، وَحِصْنٌ: مَجْهُولٌ.
[مَسْأَلَةٌ مَنْ لَهُ الْعَفْوُ عَنْ الدَّمِ وَمَنْ لَا عَفْوَ لَهُ]
٢٠٨٥ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ لَهُ الْعَفْوُ عَنْ الدَّمِ وَمَنْ لَا عَفْوَ لَهُ؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْعَفْوُ جَائِزٌ لِكُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ يَرِثُ، وَلِلزَّوْجَةِ، وَالزَّوْجِ، وَغَيْرِهِمَا، فَإِنْ عَفَا أَحَدٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا فَقَدْ حُرِّمَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ لِمَنْ لَمْ يَعْفُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْعَفْوُ لِلرِّجَالِ خَاصَّةً دُونَ النِّسَاءِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ فَذَلِكَ لَهُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَنْ أَرَادَ الدِّيَةَ أَوْ الْعَفْوَ، مَا لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى ذَلِكَ.
فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ امْرَأَتَهُ وَلَهَا إخْوَةٌ فَعَفَا أَحَدُهُمْ فَأَجَازَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَرَفَعَ عَنْ الْقَاتِلِ نَصِيبَ الَّذِي عَفَا وَغَرَّمَهُ نَصِيبَ الَّذِي لَمْ يَعْفُ.
قَالَ سَعِيدٌ: ونا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَبُو عَوَانَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ بِمِثْلِهِ.
стр. 4673
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: رَأَى رَجُلٌ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهَا؟ فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَوَهَبَ بَعْضُ إخْوَتِهَا نَصِيبَهُ لَهُ، فَأَمَرَ عُمَرُ سَائِرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا مُتَعَمِّدًا فَعَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قُلْ فِيهَا، فَقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تَقُولَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إذَا عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ فَلَا قَوَدَ، يُحَطُّ عَنْهُ بِحِصَّةِ الَّذِي عَفَا وَلَهُمْ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: ذَلِكَ الرَّأْيُ، وَافَقْتَ مَا فِي نَفْسِي.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا، فَجَاءَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، فَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَتْ أُخْتُ الْمَقْتُولِ - وَهِيَ امْرَأَةُ الْقَاتِلِ: قَدْ عَفَوْت عَنْ حِصَّتِي مِنْ زَوْجِي، فَقَالَ عُمَرُ: عَتَقَ الرَّجُلُ مِنْ الْقَتْلِ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: عَفْوُ كُلِّ ذِي سَهْمٍ جَائِزٌ.
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ فِي رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا فَعَفَا أَحَدُ بَنِي الْمَقْتُولِ، وَأَبَى الْآخَرُ: فَإِنَّهُ يُعْطَى الَّذِي لَمْ يَعْفُ شَطْرَ الدِّيَةِ.
وَعَنْ قَتَادَةَ - إذَا عَفَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّمَا تَكُونُ دِيَةً، وَيَسْقُطُ عَنْ الْقَاتِلِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الَّذِي عَفَا.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إذَا عَفَا أَحَدُهُمْ فَالدِّيَةُ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي - فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: الْعَفْوُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ، لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ عَفْوٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو خَالِدٍ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: صَاحِبُ الدَّمِ أَوْلَى بِالْعَفْوِ.
وَعَنْ قَتَادَةَ: لَا عَفْوَ لِلنِّسَاءِ، فَإِذَا كَانَتْ الدِّيَةُ فَلَهَا نُصِيبُهَا.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: لَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَفْوٌ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لَا عَفْوَ لِلْمَرْأَةِ فِي الْعَمْدِ.
стр. 4674
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: لَيْسَ لِلزَّوْجِ وَلَا لِلْمَرْأَةِ عَفْوٌ.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ، قَالَ رَبِيعَةُ: لَيْسَ لِلْأُمِّ عَفْوٌ، وَالْوَلِيُّ وَلِيٌّ حَيْثُ كَانَ، وَالْبِنْتُ تَعْفُو مَعَ وُلَاةِ الدَّمِ، وَلَا تَعْفُو الْوُلَاةُ دُونَهَا.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلِيُّهُ أَوْلَى بِذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: أَمَّا الْعَفْوُ فَلِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ إنْ شَاءَ قَتَلَ وَإِنْ شَاءَ عَفَا.
أَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ - فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَالْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ، وَالْأَوْزَاعِيَّ، وَالشَّافِعِيَّ، قَالُوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ لِكُلِّ وَارِثٍ عَفْوًا وَلَا يُقْتَلُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى قَتْلِهِ.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَاللَّيْثُ: لَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَفْوٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لِكُلِّ وَارِثٍ عَفْوٌ إلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ فَلَا عَفْوَ لَهُمَا.
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يُقْتَلُ عَمْدًا وَلَيْسَ لَهُ وُلَاةٌ إلَّا النِّسَاءَ وَالْعَصَبَةَ فَأَرَادَا أَنْ يَعْفُوَا عَنْ الدَّمِ، وَأَبَى بَنَاتُ الْمَقْتُولِ فَإِنَّهُ لَا عَفْوَ لِلْعَصَبَةِ، يُقْتَلُ بِهِ قَاتِلُهُ.
فَإِنْ أَرَادَ بَنَاتُ الْمَقْتُولِ أَنْ يَعْفُونَ وَأَبَى الْعَصَبَةُ فَلَا عَفْوَ لِلْبَنَاتِ، وَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْعَصَبَةُ، وَيُقْتَلُ الْقَاتِلُ إذَا لَمْ يُجْتَمَعْ عَلَى الْعَفْوِ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ فَأَرَادَتْ الْقَتْلَ وَعَفَا الْعَصَبَةُ فَيُقْتَلُ وَلَا عَفْوَ لِلْعَصَبَةِ.
وَرَأْيٌ: إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ ابْنٌ وَابْنَةٌ: أَنَّهُ لَا عَفْوَ لِلِابْنَةِ مَعَ الِابْنِ، وَلَكِنْ إنْ عَفَا الِابْنُ جَازَ عَلَى الِابْنَةِ.
وَرَأْيٌ: عَفْوُ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ الْعَصَبَةِ جَائِزٌ عَلَى الْأَبْعَدِ مِنْهُمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا لِنَعْلَمَ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ: فَنَظَرْنَا فِيمَا قَالَتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْقَائِلَةُ بِأَنَّ عَفْوَ كُلِّ ذِي سَهْمٍ جَائِزٌ، فَوَجَدْنَاهُمْ
стр. 4675
يَقُولُونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَلَمَّا كَانَ الْعَفْوُ أَقْرَبَ لِلتَّقْوَى وَجَبَ أَنَّ مَنْ دَعَى إلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى كَانَ قَوْلُهُ أَوْلَى.
وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إلَّا أَمَرَ بِالْعَفْوِ؟ قَالُوا: فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ فِي كُلِّ قِصَاصٍ رُفِعَ إلَيْهِ بِالْعَفْوِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَفْوُ مُغَلَّبًا عَلَى الْقَوَدِ.
وَهَذَا أَيْضًا حُكْمٌ قَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ.
فَهَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ، مَا نَعْرِفُ لَهُمْ شَيْئًا غَيْرَهُ أَصْلًا.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْعَفْوُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ إلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ شُبْهَةً إلَّا أَنْ يَقُولُوا لَيْسَا مِنْ الْعَصَبَةِ، وَلَا يَعْقِلَانِ مَعَ الْعَاقِلَةِ.
وَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْعَفْوُ لِلرِّجَالِ خَاصَّةً دُونَ النِّسَاءِ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ شُبْهَةً أَصْلًا، إلَّا أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُنَّ لَا يَرِثْنَ الْوَلَاءَ، وَلَا الْوِلَايَةَ فِي الْإِنْكَاحِ فَكَذَلِكَ لَا عَفْوَ لَهُنَّ؟ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَيْسَا مِنْ الْعَصَبَةِ، فَقَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ.
وَمِنْ أَيْنَ خَرَجَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِلْعَصَبَةِ، وَهَذَا حُكْمٌ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرٌ، وَلَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ بَاطِلُ.
وَأَمَّا أَنَّهُمَا لَا يَعْقِلَانِ مَعَ الْعَاقِلَةِ؟ فَنَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَمَا الَّذِي أَدْخَلَ حُكْمَ الْعَاقِلَةِ فِي حُكْمِ الْعَفْوِ مِنْ الدَّمِ؟ وَالْعَاقِلَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْقَتْلِ فِي الْخَطَأِ خَاصَّةً وَالْعَفْوُ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَمْدِ خَاصَّةً، فَمَا الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ حُكْمِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ؟ ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى الْعَفْوَ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا فَاسِدًا، لِأَنَّهُ قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ.
стр. 4676
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ - فَوَجَدْنَاهُ فِي غَايَةِ التَّنَاقُضِ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا، لِأَنَّهُ مَرَّةً غَلَّبَ مَنْ دَعَا إلَى الْقَتْلِ، وَذَلِكَ فِي الِابْنَةِ مَعَ الْعَصَبَةِ " فَرَأَى: إنْ دَعَا الْعَصَبَةُ إلَى الْقَتْلِ وَعَفَتْ الِابْنَةُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَصَبَةِ - وَاحْتَجَّ بِأَنَّهَا قَدْ يُدْخِلُهَا زَوْجُهَا إلَى الْعَفْوِ، وَأَمْرُهَا إلَى الضَّعْفِ، وَإِنْ عَفَا الْعَصَبَةُ وَدَعَتْ الِابْنَةُ إلَى الْقَتْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنَةِ - وَاحْتَجَّ بِأَنَّهَا الْمُصَابَةُ بِأَبِيهَا؟ فَمَرَّةً رَاعَى ضَعْفَهَا، وَإِدْخَالَ زَوْجِهَا لَهَا إلَى الْعَفْوِ، وَلَمْ يُرَاعِ مُصِيبَتَهَا؟ وَمَرَّةً غَلَّبَ مَنْ دَعَا إلَى الْعَفْوِ، وَذَلِكَ فِي الْبَنِينَ يَعْفُو أَحَدُهُمْ دُونَ الْآخَرِينَ وَمَرَّةً غَلَّبَ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ وَذَلِكَ فِي الْبَنَاتِ مَعَ الِابْنِ؟ وَهَذِهِ أَقْوَالٌ ظَاهِرَةُ التَّنَاقُضِ يَهْدِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، لَا حُجَّةَ لِشَيْءٍ مِنْهَا، لَا فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا فِي إجْمَاعٍ، وَلَا فِي قَوْلِ صَاحِبٍ - فَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ أَسَقْطَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْوَالِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حُجَّةِ مَنْ أَجَازَ عَفْوَ كُلِّ وَارِثٍ وَغَلَّبَهُ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فَأَعْلَى مَا يُرِيدُهُ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ الْعَفْوُ أَعْظَمَ أَجْرًا، وَالْقِصَاصُ - بِلَا شَكٍّ مُبَاحٌ - وَإِذَا كَانَ كِلَاهُمَا مُبَاحًا فَلَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الْأَفْضَلِ مَنْ لَا يُرِيدُهُ غَيْرَ رَاغِبٍ - فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ حَقِّ مَنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ إذَا عَفَا أَحَدُ الْوَرَثَةِ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ إنْ صَحَّ أَنَّهُ «لَمْ يُرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ رُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ -» لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ اثْنَانِ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّهُ إنْ صَحَّ فَإِنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ لَا أَمْرُ إلْزَامٍ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الْأَفْضَلِ مَنْ لَا يُرِيدُهُ غَيْرَ رَاغِبِ عَنْهُ - إذَا أَرَادَ مَا أُبِيحَ لَهُ - فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي هَذَا الْخَبَرِ تَعَلُّقٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا سَقَطَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا وَتَعَرَّتْ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَجَبَ عَلَيْنَا إذْ
стр. 4677
تَنَازَعُوا أَنْ نَرْجِعَ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا الرُّجُوعَ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ، فَفَعَلْنَا؟ فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا» فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْقِصَاصَ حَقًّا، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ أَهْلَ الْقَتِيلِ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ - إمَّا أَخْذُ الْعَقْلِ، وَإِمَّا الْقَتْلُ، فَسَاوَى بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا شَاءُوا؟
وَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ - هُوَ الزَّهْرَانِيُّ - سَمِعْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إلَى خَيْبَرَ مِنْ جُهْدٍ أَصَابَهُمَا فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُحَيِّصَةُ وَأَخْبَرَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاَللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ مُحَيِّصَةُ - وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكُبْرَ، الْكُبْرَ، إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إنَّا وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لَا» .
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَبِهِ: إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «أَنَّ مُحَيِّصَةُ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ - وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَبِّرْ، الْكُبْرَ، أَوْ قَالَ: لِيَبْدَأْ الْأَكْبَرُ؟ فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ عَنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟ فَقَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ؟» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ.
стр. 4678
فَفِي هَذَا الْخَبَرِ الثَّابِتِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ الْحَقَّ فِي طَلَبِ الدَّمِ لِابْنِ الْعَمِّ [لِسِنِّهِ] كَمَا جَعَلَهُ لِلْأَخِ لِلْأَبِ الْوَارِثِ دُونَ ابْنِ الْعَمِّ، وَأَنَّهُ ﵊ بَدَأَ ابْنُ الْعَمِّ لِسِنِّهِ - فَبَطَلَ بِهَذَا قَوْلُ مَنْ رَاعَى أَنَّ الْحَقَّ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، أَوْ لِلْوَارِثِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَصَحَّ أَنَّ الْحَقَّ " لِلْأَهْلِ " كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَابْنُ الْعَمِّ مِنْ " الْأَهْلِ " بِلَا شَكٍّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ - وَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ كَانَ بِعِلْمِ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ، إذْ قَتْلُ مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَقِيَامُ بَنِي حَارِثَةَ فِي طَلَبِ دَمِهِ لَا يُمْكِنُ اسْتِتَارُ مِثْلِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَعَنْ الْمُهَاجِرِينَ، فَإِذَا الْحَقُّ لِلْجَمِيعِ سَوَاءٌ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُغَلَّبَ أَحَدُهُمْ عَلَى الْآخَرِينَ مِنْهُمْ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ - وَلَا نَصَّ، وَلَا إجْمَاعَ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ نَظَرْنَا إذَا عَفَا أَحَدُ " الْأَهْلِ " وَلَمْ يَعْفُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ بَعْدَ صِحَّةِ الِاتِّفَاقِ مِنْ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ إنْ اتَّفَقُوا عَلَى الْقَوَدِ نَفَذَ، وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى الْعَفْوِ نَفَذَ - وَقِيَامُ الْبُرْهَانِ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ اتَّفَقُوا عَلَى الدِّيَةِ أَوْ الْمُفَادَاةِ نَفَذَ ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْقَوَدَ وَالدِّيَةَ قَدْ وَرَدَ التَّخْيِيرُ فِيهِمَا وُرُودًا وَاحِدًا لَيْسَ أَحَدُهُمَا مُقَدَّمًا عَلَى الْآخَرِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُغَلَّبَ عَفْوُ الْعَافِي [عَلَى إرَادَةِ مَنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ عَلَى عَفْوِ الْعَافِي] إلَّا بِنَصٍّ " أَوْ إجْمَاعٍ - وَلَا نَصَّ، وَلَا إجْمَاعَ فِي تَغْلِيبِ الْعَافِي - فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَوَجَبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنْ لَا يَجُوزَ عَفْوُ الْعَافِي عَمَّنْ لَمْ يَعْفُ.
وَوَجَدْنَا الْقَاتِلَ قَدْ حَلَّ دَمُهُ بِنَفْسِ الْقَتْلِ: كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نا أَبُو دَاوُد سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَهُوَ مَحْصُورٌ - فَخَرَجَ إلَيْنَا وَهُوَ مُتَغَيِّرٌ لَوْنُهُ فَقَالَ: يَتَوَاعَدُونِي بِالْقَتْلِ آنِفًا، وَبِمَ يَقْتُلُونَنِي؟ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ، أَوْ
стр. 4679
زَنَا بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَيُقْتَلُ -» فَوَاَللَّهِ مَا زَنَيْت فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ قَطُّ، وَلَا أَحْبَبْتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلًا مُذْ هَدَانِي اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا خَرَجَ دَمُهُ مِنْ التَّحْرِيمِ إلَى التَّحْلِيلِ بِنَفْسِ قَتْلِهِ مَنْ قَتَلَ، فَإِذْ صَحَّ هَذَا فَالْقَاتِلُ مُتَيَقَّنٌ تَحْلِيلُ دَمِهِ وَالدَّاعِي إلَى أَخْذِ الْقَوَدِ دَاعٍ إلَى مَا قَدْ صَحَّ بِيَقِينٍ وَذَلِكَ لَهُ، وَالْعَافِي مُرِيدٌ تَحْرِيمَ دَمٍ قَدْ صَحَّ تَحْلِيلُهُ بِيَقِينٍ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ، وَمُرِيدُ أَخْذَ الدِّيَةِ دُونَ مَنْ مَعَهُ مُرِيدٌ إبَاحَةَ أَخْذِ مَالٍ، وَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَالنَّصُّ قَدْ جَاءَ بِإِبَاحَةِ دَمِ الْقَاتِلِ، كَمَا قُلْنَا بِيَقِينِ قَتْلِهِ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِإِبَاحَةِ الدِّيَةِ إلَّا بِأَخْذِ " الْأَهْلِ " لَهَا، وَهَذَا لَفْظٌ يَقْتَضِي إجْمَاعَهُمْ عَلَى أَخْذِهَا فَالدِّيَةُ مَا لَمْ يُجْمِعْ " الْأَهْلُ " عَلَى أَخْذِهَا، إذْ لَمْ يُبِحْهَا نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ - فَبَطَلَ بِيَقِينٍ.
وَصَحَّ أَنَّ مَنْ دَعَا إلَى الْقَوَدِ فَهُوَ لَهُ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْبَنَاتِ مَعَ الْعَصَبَةِ، إلَّا أَنَّهُ نَاقَضَ فِي ذَلِكَ مَعَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، وَفِي بَعْضِ الْبَنِينَ مَعَ بَعْضٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَهْلِ وَهُمْ الَّذِينَ يُعْرَفُ الْمَقْتُولُ بِالِانْتِمَاءِ إلَيْهِمْ، كَمَا كَانَ يُعْرَفُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ بِالِانْتِمَاءِ إلَى بَنِي حَارِثَةَ وَهُمْ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ يُقْسِمَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ أَوْ الدِّيَةَ، وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ الْقَوَدَ سَوَاءٌ كَانَ وَلَدًا أَوْ ابْنَ عَمٍّ [أَوْ ابْنَةً] أَوْ أُخْتًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أُمٍّ، أَوْ زَوْجٍ، أَوْ زَوْجَةٍ، أَوْ بِنْتِ عَمٍّ، أَوْ عَمَّةٍ - فَالْقَوَدُ وَاجِبٌ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى عَفْوِ مَنْ عَفَا مِمَّنْ هُوَ أَقْرَبُ، أَوْ أَبْعَدُ، أَوْ أَكْثَرُ فِي الْعَدَدِ لِمَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ اتَّفَقَ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ عَلَى الْعَفْوِ فَلَهُمْ الدِّيَةُ حِينَئِذٍ وَيُحَرَّمُ الدَّمُ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ الْعَفْوَ عَنْ الدِّيَةِ فَلَهُ ذَلِكَ، فِي حِصَّتِهِ خَاصَّةً، إذْ هُوَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ مَقْتُولٌ كَانَ فِي أَوْلِيَائِهِ غَائِبٌ أَوْ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ]
٢٠٨٦ - مَسْأَلَةٌ: مَقْتُولٌ كَانَ فِي أَوْلِيَائِهِ غَائِبٌ، أَوْ صَغِيرٌ، أَوْ مَجْنُونٌ؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ بَنُونَ وَفِيهِمْ وَاحِدٌ كَبِيرٌ وَغَيْرُهُمْ صِغَارٌ: إنَّ لِلْوَاحِدِ الْكَبِيرِ أَنْ يَقْتُلَ، وَلَا يَنْتَظِرَ بُلُوغَ الصِّغَارِ.
стр. 4680
قَالَ: فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ غَائِبٌ لَمْ يَكُنْ لِلْحَاضِرِينَ أَنْ يَقْتُلُوا حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ - وَبِهِ يَقُولُ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ مَالِكٌ مِثْلَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ سَوَاءٌ - وَزَادَ أَنَّ الْمَقْتُولَ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ، وَأَخٌ كَبِيرٌ، أَوْ أُخْتٌ كَبِيرَةٌ، فَلِلْأَخِ، أَوْ لِلْأُخْتِ أَنْ يَقْتُلَا قَوَدًا، وَلَا يُنْتَظَرُ بُلُوغُ الصَّغِيرِ، وَكَذَلِكَ لِلْعَصَبَةِ أَيْضًا - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ.
وَرَأَى مَالِكٌ: لِلْعَصَبَةِ - إذْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا - أَنْ يُصَالِحُوا عَلَى الدِّيَةِ، وَيَنْفُذَ حُكْمُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَسْتَقِيدُ الْكَبِيرُ مِنْ الْبَنِينَ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ - وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَنَّ الْمَجْنُونَ كَالصَّغِيرِ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتَّبِعَهُ: فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَوَجَدْنَاهُ ظَاهِرَ التَّنَاقُضِ إذْ فَرَّقَ بَيْنَ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ، وَوَجَدْنَا حُجَّتَهُمْ فِي هَذَا: أَنَّ الْغَائِبَ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِ، وَالصَّغِيرُ يُوَلَّى عَلَيْهِ.
قَالُوا: وَكَمَا كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ يُزَوِّجُ إذَا كَانَ هُنَالِكَ صَغِيرٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، فَكَذَلِكَ يَقْتُلُ - وَقَالُوا: قَدْ قَتَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجَمٍ قَاتِلَ عَلِيٍّ، وَلِعَلِيٍّ بَنُونَ صِغَارٌ وَهُمْ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ دُونَ مُخَالِفٍ يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ.
قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِفِعْلِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَهُوَ لَازِمٌ لِلشَّافِعِيِّينَ، وَلِمَنْ وَافَقَ مِنْ الْحَنَفِيِّينَ: أَبَا يُوسُفَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، لِأَنَّهُمْ مِثْلُ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَئِنْ كَانَ مِثْلُ هَذَا إجْمَاعًا فَلَقَدْ شَهِدَ الْحَنَفِيُّونَ عَلَى شَيْخِهِمْ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ كَفَّرُوهُمَا بِهَذَا، أَوْ بَدَّعُوهُمَا فَمَا يَحِلُّ لَهُمْ أَخْذُ دِيَتِهِمْ عَنْ كَافِرٍ،
стр. 4681
وَلَا عَنْ مُبْتَدِعٍ - وَإِنْ عَذَرُوهُمَا فِي ذَلِكَ - فَلَنَا مِنْ الْعُذْرِ مَا لِيَعْقُوبَ، وَمُحَمَّدٍ - وَقَدْ بَطَلَ تَشْنِيعُهُمْ فِي الْأَبَدِ بِمِثْلِ هَذَا، وَهَذَا وَاضِحٌ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَانَ مِنْ اعْتِرَاضِ الشَّافِعِيِّينَ أَنْ قَالُوا: إنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ كَانَ إمَامًا فَنَظَرَ فِي ذَلِكَ بِحَقِّ الْإِمَامَةِ، أَوْ قَتَلَهُ بِالْمُحَارَبَةِ لَا قَوَدًا - وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُلْجَمٍ لَمْ يُحَارِبْ، وَلَا أَخَافَ السَّبِيلَ.
وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ - عِنْدَ الشَّافِعِيِّينَ - وَلَا لِلْوَصِيِّ، أَنْ يَأْخُذَ الْقَوَدَ لِصَغِيرٍ حَتَّى يَبْلُغَ - فَبَطَلَ تَشْنِيعُهُمْ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَائِدَةٌ عَلَى الْحَنَفِيِّينَ بِمِثْلِ مَا شَغَبُوا بِهِ عَلَى الشَّافِعِيِّينَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُمْ وَالْمَالِكِيُّونَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ مَنْ قَتَلَ آخَرَ عَلَى تَأْوِيلٍ فَلَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُلْجَمٍ لَمْ يَقْتُلْ عَلِيًّا ﵁ إلَّا مُتَأَوِّلًا مُجْتَهِدًا مُقَدِّرًا أَنَّهُ عَلَى صَوَابٍ.
وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ شَاعِرُ الصِّفْرِيَّةِ:
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانًا
إنِّي لَأَذْكُرُهُ حِينًا فَأَحْسَبُهُ ... أَوْفَى الْبَرِّيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا
أَيْ لَا أُفَكِّرُ فِيهِ ثُمَّ أَحْسَبُهُ - فَقَدْ حَصَلَ الْحَنَفِيُّونَ مِنْ خِلَافِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى مِثْلِ مَا شَغَبُوا بِهِ عَلَى الشَّافِعِيِّينَ، وَمَا يَنْقُلُونَ أَبَدًا مِنْ رُجُوعِ سِهَامِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ الْوُقُوعِ فِيمَا حَفَرُوهُ.
فَظَهَرَ تَنَاقُضُ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الصَّغِيرَ يُوَلَّى عَلَيْهِ، وَالْغَائِبَ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِ، فَلَا شُبْهَةَ [لَهُمْ] فِي هَذَا، لِأَنَّ الْغَائِبَ يُوَكَّلُ لَهُ أَيْضًا كَمَا يُوَلَّى عَلَى الصَّغِيرِ.
стр. 4682
وَأَيْضًا - فَإِنَّ الْوَصِيَّ عِنْدَهُمْ لَا يَقْتَصُّ لِلصَّغِيرِ - فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ جُمْلَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ قَدْ قَدَّمْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ دَعَا إلَى الْقَوَدِ فَلِلْكَبِيرِ، وَلِلْحَاضِرِ الْعَاقِلِ: أَنْ يَقْتُلَ وَلَا يَسْتَأْنِيَ بُلُوغَ الصَّغِيرِ، وَلَا إفَاقَةَ الْمَجْنُونِ، وَلَا قُدُومَ الْغَائِبِ فَإِنْ عَفَا الْحَاضِرُونَ الْبَالِغُونَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى الصَّغِيرِ، وَلَا عَلَى الْغَائِبِ، وَلَا عَلَى الْمَجْنُونِ، بَلْ هُمْ عَلَى حَقِّهِمْ فِي الْقَوَدِ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ، وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمْ الْقَوَدَ؟ قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَإِنْ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى الْعَفْوِ جَازَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ مَاتَ الصَّغِيرُ أَوْ الْغَائِبُ أَوْ الْمَجْنُونُ كَانَ حِينَئِذٍ رُجُوعُ الْأَمْرِ إلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مَنْ عَفَا - فَلَمْ يَنْفُذْ عَفَوْهُ - ذَلِكَ الْعَفْوُ الَّذِي قَدْ بَطَلَ، بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ فِي نَصٍّ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَإِنَّمَا الْعَفْوُ اللَّازِمُ عَفْوٌ صَحَّ بِإِمْضَائِهِ نَصٌّ، أَوْ إجْمَاعٌ فَقَطْ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
وَمَنْ عَفَا دُونَ سَائِرِ " الْأَهْلِ " فَقَدْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ رَدٌّ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَمَنْ مَاتَ مِنْ " الْأَهْلِ " لَمْ يُوَرَّثُ عَنْهُ الْخِيَارُ، لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْأَهْلِ بِنَصِّ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَنْ كَانَ مِنْ الْأَهْلِ فَلَهُ الْخِيَارُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْأَهْلِ فَلَا خِيَارَ لَهُ أَصْلًا، إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَالْخِيَارُ لَيْسَ مَالًا فَيُوَرَّثُ، وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الْمِيرَاثَ فِيمَا تَرَكَ الْمَوْرُوثُ وَالْخِيَارُ لَيْسَ مَالًا مَوْرُوثًا.
وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ مَالًا مَوْرُوثًا لَوَجَبَ فِيهِ حَقُّ أَهْلِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ فَدُونَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ صَغِيرًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ غَائِبًا - وَلَا وَارِثَ هُنَالِكَ غَيْرُهُ -: فَقَدْ وَجَبَ الْقَوَدُ بِلَا شَكٍّ، وَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ، وَلَا الْمُفَادَاةُ، إلَّا بِرِضَا الْوَارِثِ، أَوْ بِتَرَاضٍ مِنْهُ، وَمِنْ الْقَاتِلِ.
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الصَّغِيرَ، وَالْأَحْمَقَ، لَا رِضَا لَهُمَا، وَالْقَوَدُ حَقٌّ قَدْ وَجَبَ لَهُمَا
стр. 4683
بِيَقِينٍ، فَأَخْذُهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍّ، يَأْخُذُهُ لَهُمَا الْوَلِيُّ أَوْ السُّلْطَانُ، وَهَكَذَا الْغَائِبُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَخْذِ حَظِّهِمْ فِي الْقَوَدِ، وَأَخْذِ حَظِّهِمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْعَفْوُ جَائِزٌ وَالْإِبْرَاءُ لِلْغَائِبِ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ جَوَازًا وَاحِدًا، إذْ كُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ تَرْكُهُ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - لَكِنَّهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ فِي حَقَّيْنِ وَجَبَا وُجُوبًا وَاحِدًا، وَوَجَبَ لِمَنْ يَجُوزُ أَمْرُهُ الْعَفْوُ عَنْهُمَا سَوَاءٌ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا وَالثَّانِي فَرْعًا، بَلْ هُمَا أَصْلَانِ مَعًا، وَلَا أَحَدُهُمَا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَالْآخَرُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، بَلْ كِلَاهُمَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، لِوُجُوبِ الِانْتِصَافِ مِنْ الْقَوَدِ وَمِنْ الْمَالِ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ عَفْوُ الْأَبِ عَنْ جُرْحِ ابْنه الصَّغِيرِ]
٢٠٨٧ - مَسْأَلَةٌ: عَفْوُ الْأَبِ عَنْ جُرْحِ ابْنه الصَّغِيرِ، أَوْ اسْتِقَادَتُهُ لَهُ أَوْ فِي الْمَجْنُونِ كَذَلِكَ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إذَا وَهَبَ الشَّجَّةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي تُصِيبُ ابْنَهُ جَازَتْ عَلَيْهِ.
قَالَ عَلِيٌّ: تَفْرِيقُ الشَّعْبِيِّ ﵀ بَيْنَ الشَّجَّةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وَحَقُّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ قَدْ وَجَبَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْقِطَهُ لَهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ كَسْبٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَا لَا إشْكَالَ فِيهِ.
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ وَالْوَلِيِّ أَنْ يَطْلُبَا، وَأَنْ يَقْتَصَّا كُلَّ حَقٍّ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، فِي مَالِهِمَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ، وَلَا لِلْوَلِيِّ، فِي ذَلِكَ عَفْوٌ، وَلَا إبْرَاءٌ - فَهَلَّا قَاسُوا أَمْرَ الْقِصَاصِ لَهُمَا عَلَى أَمْرِ الْمَالِ؟ وَلَكِنَّهُمْ لَا الْقِيَاسَ يُحْسِنُونَ وَلَا النَّصَّ يَتْبَعُونَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] .
стр. 4684
فَصَحَّ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ الْقَوَدَ قَدْ وَجَبَ وَلَا بُدَّ، وَأَنَّ الْعَفْوَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِرِضَا الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا رِضَا لَهُمَا، وَلَا عَفْوَ، وَلَا أَمْرَ نَافِذٌ بِصَدَقَةٍ - فَسَقَطَ هَذَا الْوَجْهُ، وَبَقِيَ الَّذِي وَجَبَ بِيَقِينٍ مِنْ الْقَوَدِ، فَيَسْتَقِيدُ لَهُ أَبُوهُ، أَوْ وَلِيُّهُ، أَوْ وَصِيُّهُ وَلَا بُدَّ، فَإِنْ أَغْفَلَ ذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، كَانَ لَهُ الْقَوَدُ الَّذِي قَدْ وَجَبَ أَخْذُهُ لَهُ بَعْدُ، وَحَدَثَ لَهُ جَوَازُ الْعَفْوِ إنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ، وَلَا لِلْوَلِيِّ أَخْذُ الدِّيَةِ، وَلَا أَنْ يُفَادِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجُرُوحِ، لِأَنَّ كُلَّ هَذَا دَاخِلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ [وَالْعَفْوُ] لَا يَكُونُ إلَّا بِرِضَا الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ بِتَرَاضٍ مِنْ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ عَفْوُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ جِنَايَةً يَمُوتُ مِنْهَا]
٢٠٨٨ - مَسْأَلَةٌ:
هَلْ يَجُوزُ عَفْوُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ جِنَايَةً يَمُوتُ مِنْهَا خَطَأً أَوْ عَمْدًا عَنْ دِيَتِهِ وَغَيْرِهَا عَنْ دَمِهِ أَمْ لَا؟
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ قَوْمٍ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ وَبَيْنَ حَيٍّ مِنْ الْأَحْيَاءِ قِتَالٌ، وَرَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ، وَضَرْبٌ بِالنِّعَالِ، فَأُصِيبَ غُلَامٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، فَأَتَى عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ خُرُوجِ نَفْسِهِ قَالَ: إنِّي قَدْ عَفَوْت رَجَاءَ الثَّوَابِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ قَوْمِي، فَأَجَازَهُ ابْنُ عُمَرَ.
وَبِهِ - إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: إذَا عَفَا الرَّجُلُ عَنْ قَاتِلِهِ فِي الْعَمْدِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَهُوَ جَائِزٌ.
وَعَنْ ابْنِ طَاوُسٍ قُلْت لِأَبِي: يُقْتَلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَيَعْفُو عَنْ دَمِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إذَا قُتِلَ الرَّجُلُ فَعَفَا عَنْ دَمِهِ فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَقْتُلُوا.
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: إنْ وَهَبَ الَّذِي يُقْتَلُ خَطَأً دِيَتَهُ لِمَنْ قَتَلَهُ، فَإِنَّمَا لَهُ مِنْهَا ثُلُثُهَا، إنَّمَا هُوَ مَالٌ يُوصِي بِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ
стр. 4685
الرَّجُلُ بِدِيَتِهِ فَإِنْ قُتِلَ خَطَأً فَالثُّلُثُ مِنْ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ فِيمَنْ يُضْرَبُ بِالسَّيْفِ عَمْدًا ثُمَّ يَعْفُو عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ؟ قَالَ: هُوَ جَائِزٌ، وَلَيْسَ فِي الثُّلُثِ.
وَقَالَ - هِشَامٌ عَنْ الْحَسَنِ: إذَا كَانَ خَطَأً فَهُوَ فِي الثُّلُثِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ نا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ قُطِعَتْ يَدُهُ فَصَالَحَ عَلَيْهَا، ثُمَّ انْتَقَضَتْ بِهِ فَمَاتَ؟ قَالَ: الصُّلْحُ مَرْدُودٌ: وَيُؤْخَذُ بِالدِّيَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ - فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ قَالَا: إذَا عَفَا عَنْ الْجِرَاحَةِ الْعَمْدِ، أَوْ الشَّجَّةِ، وَعَمَّا يَحْدُثُ مِنْهَا فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ، فَإِنْ عَفَا عَنْ الْجِرَاحَةِ، أَوْ الْقَطْعِ، أَوْ الشَّجَّةِ، ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ فِي كُلِّ ذَلِكَ - قَالُوا: فَإِنْ عَفَا عَنْ دِيَتِهِ فِي الْخَطَأِ فَذَلِكَ فِي الثُّلُثِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ صَالَحَ مِنْ جِرَاحَةٍ، أَوْ مِنْ قَطْعٍ ثُمَّ مَاتَ: بَطَلَ الصُّلْحُ وَوَجَبَ الْقَوَدَ - فَإِنْ عَفَا عَنْ دِيَتِهِ فِي الْخَطَأِ فَذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إذَا عَفَا عَنْ الْجِرَاحَةِ ثُمَّ مَاتَ فَلَا قَوَدَ، لَكِنْ يُغَرَّمُ الْجَانِي الدِّيَةَ بَعْدَ أَنْ يَسْقُطَ مِنْهَا أَرْشُ الْجِرَاحَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا عَفَا عَنْ الْجِرَاحَةِ وَعَمَّا يَحْدُثُ مِنْهَا مِنْ عَقْلٍ، أَوْ قَوَدٍ ثُمَّ مَاتَ فَلَا قَوَدَ - ثُمَّ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الدِّيَةِ، فَمَرَّةً قَالَ كَقَوْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلَهُ وَمَرَّةً قَالَ: يُؤْخَذُ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لَا عَفْوَ لَهُ فِي الْعَمْدِ.
стр. 4686
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ؛ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتْبَعَهُ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] الْآيَةَ.
وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ «أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ دَعَا قَوْمَهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ فَمَاتَ فَعَفَا عَنْهُ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجَازَ عَفْوَهُ، وَقَالَ: هُوَ كَصَاحِبِ يَاسِينَ» .
نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا عِمْرَانُ بْنُ ظَبْيَانَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَمَا دُونَهُ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إلَى يَوْمِ تَصَدَّقَ بِهِ» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالُوا: هَذَا حُكْمُ ابْنِ عُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ - وَقَالُوا: هَذَا هُوَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى بِنَفْسٍ.
فَهَذَا كُلُّ مَا أَوْرَدُوهُ فِي ذَلِكَ؟ فَنَظَرْنَا فِي الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فَوَجَدْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ أَصْلًا.
أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] فَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى ذَلِكَ عَقِبَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ بَعْدَ تَمَامِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فَإِنَّمَا جَاءَ نَصُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْجُرُوحِ بِالْأَعْضَاءِ
стр. 4687
وَهَكَذَا نَقُولُ: إنَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا أُصِيبَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَيَبْطُلُ الْقَوَدُ جُمْلَةً فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمُ الصَّدَقَةِ بِالدَّمِ فِي النَّفْسِ، لِأَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، إنَّمَا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ بِنَصِّ الْآيَةِ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ خِطَابًا لَنَا، وَإِنَّمَا خُوطِبْنَا بِمَا بَعْدَهُ إذَا قُرِئَ كُلُّ ذَلِكَ بِالرَّفْعِ خَاصَّةً، فَإِذَا قُرِئَ بِالنَّصْبِ فَلَيْسَ خِطَابًا لَنَا، وَكِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] الْآيَةَ، فَهِيَ بِنَصِّهَا بَيَانٌ جَلِيٌّ بِأَنَّهَا إنَّمَا هِيَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ فِيهَا بِأَنْ يُعَاقِبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، هُوَ الَّذِي عُوقِبَ نَفْسُهُ - هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ الَّذِي لَا يَحِلُّ صَرْفُهَا عَنْهُ بِالدَّعْوَى، وَهَكَذَا نَقُولُ.
وَلَيْسَ فِيهَا جَوَازُ الْعَفْوِ عَنْ النَّفْسِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا فِيهَا جَوَازُ الصَّبْرِ عَنْ أَنْ يُعَاقِبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ فَقَطْ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فَهُوَ عُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْعَفْوُ عَنْ النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا وَعَفْوُ الْوَلِيِّ أَيْضًا دَاخِلٌ فِيهَا فَإِنْ وَجَدْنَا مِنْهَا دَلِيلًا يَخُصُّ مِنْهَا مَا ذَكَرُوهُ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَقَدْ صَحَّ قَوْلُهُمْ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَإِنَّمَا قَامَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَهُمْ كُفَّارٌ حَرْبِيُّونَ قَدْ حَارَبَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ وَرَجَعَ عَنْهُمْ - وَهُمْ أَطْغَى مَا كَانُوا - فَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ عُرْوَةُ دَاعِيًا إلَى الْإِسْلَامِ كَمَا فِي نَصِّ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ - فَرَمَوْهُ فَقَتَلُوهُ - وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى قَاتِلِهِ إذَا أَسْلَمَ وَلَا دِيَةَ، فَأَيُّ مَعْنًى لِلْعَفْوِ هَاهُنَا؟ وَهَكَذَا شَبَّهَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِصَاحِبِ يَاسِينَ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلَّقٌ بِهِ أَصْلًا وَإِنَّمَا هِيَ تَمْوِيهَاتٌ يُرْسِلُونَهَا لَا يُفَكِّرُونَ فِي الْمَخْرَجِ مِنْهَا يَوْمَ الْمَوْقِفِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 4688
وَأَمَّا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ - فَعَهْدُنَا بِإِسْمَاعِيلَ يَرُدُّ الْمُسْنَدَ الصَّحِيحَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ إذَا خَالَفَ رَأْيَهُ فِيمَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ فَارِغًا صَحِيحًا فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَيُوهِنُ رِوَايَتَهُ بِأَنَّهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَمَنْ أَيْقَنَ أَنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْ كَلَامِهِ، لَا سِيَّمَا فِي الدِّينِ وَيُفَكِّرُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] لَمْ يَجْتَرِئْ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَأَقْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْفَضِيحَةِ الْعَاجِلَةِ عِنْدَ مَنْ طَالَعَ أَقْوَالَهُمْ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ مِنْ الْإِذْعَانِ لِلْحَقِّ - وَتَرْكِ الْعَصَبِيَّةِ لِلْأَقْوَالِ الَّتِي لَا تُغْنِي عَنَّا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، لَا هِيَ، وَلَا الْقَائِلُ بِهَا.
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: إنَّ فِيهِ عِلَلًا تَمْنَعُ مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِهِ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ ظَبْيَانَ - وَلَيْسَ مَعْرُوفَ الْعَدَالَةِ - قَالَ أَحْمَدُ: فِيهِ نَظَرٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ عَدِيَّ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يَذْكُرْ سَمَاعَهُ إيَّاهُ مِنْ الصَّاحِبِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّنَا لَا نَدْرِي ذَلِكَ الصَّاحِبَ أَصَحَّتْ صُحْبَتُهُ أَمْ لَا؟
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ عُمُومًا كَمَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ، فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يَخُصُّ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ لَهُ وَإِلَّا فَوَاجِبٌ حَمْلُهُمَا عَلَى عُمُومِهِمَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ - أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا، لِوُجُوهٍ:
أَوَّلُهَا: أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا مَا خَالَفُوا فِيهِ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ إذَا لَمْ يُوَافِقْ آرَاءَهُمْ، أَقْرَبُ ذَلِكَ حُكْمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ فِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ تُقْطَعُ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ تُكْسَرُ، بِثُلُثِ دِيَةٍ.
فَقَوْلُ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ كَانَ عِنْدَهُمْ حُجَّةٌ لَا يَحِلُّ خِلَافُهَا وَإِذَا خَالَفَ أَهْوَاءَهُمْ وَتَقْلِيدَهُمْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ حُجَّةً وَحَلَّ خِلَافُهُ - وَهَذَا حُكْمٌ لَا طَرِيقَ لِلتَّقْوَى وَلَا لِلْحَيَاءِ إلَى قَائِلِهِ.
стр. 4689
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا - لِأَنَّهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ وَلَمْ يُدْرِكْ ابْنَ عُمَرَ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَهِيَ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ لَهُ وَإِنَّمَا كَانَ بَيْنَ أَوْلَادِ الْجَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيِّ شَرٌّ وَمُقَاتَلَةٌ فَتَعَصَّبَتْ بُيُوتَاتُ بَنِي عَدِيٍّ بَيْنَهُمْ فَأَتَى الْغُلَامُ الْمَذْكُورُ لَيْلًا وَالضَّرْبُ قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمْ فِي الظَّلَّامِ - وَهَذَا الْغُلَامُ هُوَ زَيْدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - وَأُمُّهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ فَأَصَابَهُ حَجَرٌ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَاهُ وَقَدْ قِيلَ - ظَنًّا -: إنَّ خَالِدَ بْنَ أَسْلَمَ أَخَا زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُوَ الَّذِي ضَرَبَهُ - وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَنْ هُوَ فِي الظُّلْمَةِ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ أَخُوهُ يَقُولُ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ: اتَّقِ اللَّهَ يَا زَيْدُ فَإِنَّك لَا تَعْرِفُ مَنْ أَصَابَك، فَإِنَّك كُنْت فِي ظُلْمَةٍ وَاخْتِلَاطٍ - فَهَكَذَا كَانَتْ قِصَّتُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ هُوَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى بِنَفْسِهِ: فَتَمْوِيهٌ ضَعِيفٌ - لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ الَّتِي هُوَ أَوْلَى بِهَا إنَّمَا هِيَ مَا كَانَ حَاكِمًا فِيهَا بَعْدَ حُلُولِهَا بِهِ، وَهَذَا حَقٌّ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا عَاشَ بَعْدَهَا، فَاخْتَارَ مَا لَهُ أَنْ يَخْتَارَ، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ عِنْدَنَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي جِنَايَةٍ لَمْ تَحْدُثْ بَعْدُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ إلَّا قَوْله تَعَالَى فِي قَتْلِ الْخَطَأِ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وَمَنْ تَصَدَّقَ بِدَمٍ نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ.
فَوَجَدْنَا قَوْله تَعَالَى فِي قَتْلِ الْخَطَأِ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]
وَوَجَدْنَاهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وَلَا قَتْلَ إلَّا عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ. فَصَحَّ أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ فَرْضٌ أَنْ تُسَلَّمَ إلَى أَهْلِهِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَحَرَامٌ عَلَى الْمَقْتُولِ أَنْ يُبْطِلَ تَسْلِيمَهَا إلَّا مَنْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَسْلِيمِهَا إلَيْهِمْ، وَحَرَامٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُنَفِّذَ حُكْمَ الْمَقْتُولِ فِي إبْطَالِ تَسْلِيمِ الدِّيَةِ إلَى أَهْلِهِ - فَهَذَا بَيَانٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ. وَصَحَّ بِنَصِّ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمِهِ الَّذِي لَا يُرَدُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ - سُلْطَانًا، وَجَعَلَ إلَيْهِ الْقَوَدَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْرِفَ، فَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ أَنْ
стр. 4690
يَجُوزَ لِلْمَقْتُولِ حُكْمٌ فِي إبْطَالِ السُّلْطَانِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِوَلِيِّهِ، وَمِنْ الْبَاطِلِ الْبَحْتِ إنْفَاذُ حُكْمِ الْمَقْتُولِ فِي خِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَهَذَا هُوَ الْحَيْفُ وَالْإِثْمُ مِنْ الْوَصِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَقْتُولِ الْخِيَارَ فِي الْقَوَدِ، أَوْ الدِّيَةِ، أَوْ الْمُفَادَاةِ، فَنَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمَقْتُولِ أَنْ يُبْطِلَ خِيَارًا جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﵊ لِأَهْلِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ إنْفَاذُ حُكْمِ الْمَقْتُولِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ هَذَا خَطَأٌ مُتَيَقَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
فَكَانَ بِيَقِينٍ عَفْوُ الْمَقْتُولِ عَنْ دِيَةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْلِهِ بَعْدَهُ لَا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، فَكَانَ عَفْوُ الْمَقْتُولِ عَنْ دِيَةٍ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى تَسْلِيمَهَا إلَى أَهْلِهِ، وَعَنْ دَمٍ، أَوْ مَالٍ، خَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا أَهْلَهُ بَعْدَهُ: كَسْبًا عَلَى أَهْلِهِ - وَهَذَا بَاطِلٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَالدِّيَةُ إنَّمَا هِيَ، بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَكَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَقْتُولِ، فَحَرَامٌ عَلَى الْمَقْتُولِ التَّصَرُّفُ فِي، شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا مَالُ أَهْلِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ نَصٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مِنْ رَسُولِهِ ﷺ عَلَى أَنَّ لِلْمَقْتُولِ سُلْطَانًا فِي الْقَوَدِ فِي نَفْسِهِ، وَلَا أَنَّ لَهُ خِيَارًا فِي دِيَةٍ، أَوْ قَوَدٍ، وَلَا أَنَّ لَهُ دِيَةً وَاجِبَةً.
فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَقٌّ، أَوْ رَأْيٌ، أَوْ نَظَرٌ، أَوْ أَمْرٌ.
فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِلَا شَكٍّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] إنَّمَا هُوَ فِيمَا جُنِيَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَفِيمَا عَفَا عَنْهُ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵊ الْعَفْوَ إلَيْهِ - وَهُمْ الْأَهْلُ - بَعْدَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ وَهَكَذَا يَكُونُ الْقَوْلُ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ لَوْ صَحَّ.
وَبُرْهَانٌ آخَرُ - أَنَّ الدِّيَةَ عِوَضٌ مِنْ الْقَوَدِ بِلَا شَكٍّ فِي الْعَمْدِ وَعِوَضٌ مِنْ النَّفْسِ فِي الْخَطَأِ بِيَقِينٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ الْمَقْتُولَ مَا دَامَ حَيًّا فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي الْقَوَدِ، فَإِذْ لَا حَقَّ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَا عَفْوَ لَهُ، وَلَا أَمْرَ فِيمَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ.
стр. 4691
وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ تَذْهَبْ نَفْسُهُ بَعْدُ، لِأَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ عِوَضٌ مِنْهَا، فَلَمْ يَجِبْ بَعْدُ شَيْءٌ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيمَا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، وَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ ذِي عَقْلٍ أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَجِبُ، وَلَا الدِّيَةُ، إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ إذَا لَمْ يَمُتْ فَلَمْ يَجِبْ لَهُ بَعْدُ عَلَى الْقَاتِلِ لَا قَوَدٌ، وَلَا دِيَةٌ، وَلَا عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، فَإِذَا وَجَبَ كُلُّ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ فَالْحُكْمُ حِينَئِذٍ لِلْأَهْلِ لَا لَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَقْتُولِ خَطَأً، أَوْ عَمْدًا: عَفْوٌ، أَوْ حُكْمٌ، أَوْ وَصِيَّةٌ فِي الْقَوَدِ، أَوْ فِي الدِّيَةِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا هِيَ مَالٌ لِلْأَهْلِ حَدَثَ لَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَرِثُوهُ قَطُّ عَنْهُ، إذْ لَمْ يَجِبْ لَهُ قَطُّ شَيْءٌ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْ مَالِ الْوَرَثَةِ الَّذِي لَمْ يَمْلِكْهُ هُوَ قَطُّ فِي حَيَاتِهِ، وَأَنْ يُنَفَّذَ فِيهِ وَصِيَّتُهُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا وَجَبَ لَهُمْ مِنْ أَجْلِ مَوْتِهِ، فَهُوَ كَمَالِ مَوْلًى لَهُ مَاتَ إثْرَ مَوْتِهِ، فَوَجَبَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ أَجْلِ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَجِبْ لِلْمَيِّتِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَوْ عَفَا الْوَرَثَةُ أَوْ أَحَدُهُمْ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْ دِيَةِ الْخَطَأِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ، أَوْ عَفَوْا كُلُّهُمْ عَنْ الْقَوَدِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ، فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهُمْ بَعْدُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهُمْ بِمَوْتِهِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَعَفَوْهُمْ لَا شَيْءَ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ، وَالدِّيَةُ وَاجِبَةٌ لَهُمْ، أَوْ الْعَافِي بَعْدَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ، وَكَذَلِكَ الْقَوَدُ وَاجِبٌ لَهُمْ أَيْضًا - وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، وَمَا نَرَاهُ إلَّا قَوْلَ الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ أَيْضًا، فَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا أَنْ يُسْقِطُوا عَفْوَ الْوَرَثَةِ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُمْ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ - وَهُمْ أَهْلُ ذَلِكَ وَمُسْتَحِقُّوهُ بِلَا خِلَافٍ - ثُمَّ يُجِيزُونَ عَفْوَ الْمَقْتُولِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَجِبْ لَهُ قَطُّ فِي حَيَاتِهِ - وَهِيَ الدِّيَةُ وَالْقَوَدُ - وَلَا يَجِبُ لَهُ أَيْضًا بَعْدَ وَفَاتِهِ - فَهَذَا مِقْدَارُ نَظَرِهِمْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَنْ جُنِيَ عَلَيْهِ جُرْحٌ، أَوْ قَطْعٌ، أَوْ كَسْرٌ، فَعَفَا عَنْهُ فَقَطْ، أَوْ عَنْهُ وَعَمَّا يَحْدُثُ عَنْهُ، فَعَفَوْهُ عَمَّا يَحْدُثُ مِنْهُ بَاطِلٌ كَمَا قَدَّمْنَا لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ بَعْدُ.
وَأَمَّا عَفَوْهُ عَمَّا جُنِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ لَهُ لَازِمٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ لَهُ الْقَوَدُ فِي الْكَسْرِ، أَوْ الْمُفَادَاةُ فِي الْجِرَاحَةِ، فَإِنْ عَفَا فَإِنَّمَا عَفَا عَنْ حَقِّهِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بَعْدُ،
стр. 4692
فَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ حَدَثَ عَنْهُ بُطْلَانُ عُضْوٍ آخَرَ، فَلَهُ الْقَوَدُ فِي الْعُضْوِ الْآخَرِ، لِأَنَّهُ الْآنَ وَجَبَ لَهُ وَلِأَوْلِيَائِهِ الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ خَاصَّةً - لَا بِمِثْلِ مَا جَنَى عَلَى مَقْتُولِهِمْ - لِأَنَّ تِلْكَ الْجِنَايَاتِ كَانَ لَهُ الْقَوَدُ فِيهَا فَعَفَا عَنْهَا فَسَقَطَتْ وَبَقِيَ قَتْلُ النَّفْسِ فَقَطْ، وَلَا عَفْوَ لَهُ فِيهِ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ، فَلَهُمْ قَتْلُهُ، وَإِذْ لَهُمْ قَتْلُهُ، وَبَطَلَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ بِمِثْلِ مَا جَنَى عَلَيْهِ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْجِنَايَةَ لَمْ يُقَدْ مِنْهَا، فَإِنَّمَا الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ فَقَطْ.
وَهَكَذَا لَوْ اسْتَقَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِمَّا جَنَى عَلَيْهِ الْجَانِي ثُمَّ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْجَانِيَ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ فَقَطْ، لِأَنَّهُ قَدْ اُسْتُقِيدَ مِنْهُ فِي الْجِنَايَةِ فَلَا يُعْتَدَى عَلَيْهِ بِأُخْرَى.
قَالَ عَلِيٌّ: وَلَوْ أَنَّ جَانِيًا جَنَى عَلَى إنْسَانٍ جِنَايَةً قَدْ يُعَاشُ مِنْهَا، أَوْ لَا سَبِيلَ إلَى الْعَيْشِ مِنْهَا، فَقَامَ وَلِيُّ هَذَا الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَتَلَ الْجَانِي قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلِأَوْلِيَاءِ الْجَانِي الْمَقْتُولِ قَتْلُ قَاتِلِ وَلِيِّهِمْ، ثُمَّ إنْ مَاتَ الْجَانِي عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهَا حَتَّى مَاتَ الْجَانِي فَلَا شَيْءَ فِيهَا، لِأَنَّ الْقَوَدَ قَدْ بَطَلَ بِمَوْتِهِ، وَقَدْ صَارَ الْمَالُ فِي حَيَاةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْجَانِي، وَهُمْ الْوَرَثَةُ، فَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِهِمْ، وَلَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُمْ، وَلَا مَالَ لِلْجَانِي أَصْلًا، فَجِنَايَتُهُ بَاطِلٌ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْوَلِيُّ يَعْفُو أَوْ يَأْخُذُ الدِّيَةَ ثُمَّ يَقْتُلُ]
٢٠٨٩ - مَسْأَلَةٌ: وَالْوَلِيُّ يَعْفُو أَوْ يَأْخُذُ الدِّيَةَ ثُمَّ يَقْتُلُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلُ - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ نا يُونُسُ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا ثُمَّ صَالَحَ، فَأَدَّى الدِّيَةَ ثُمَّ قَتَلَهُ؟ قَالَ: نَرَى أَنْ يُقَادَ بِهِ صَاغِرًا، وَلِوَلِيِّهِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ إنْ شَاءَ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ هَارُونَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي رَجُلٍ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ، قَالَ: يُقْتَلُ، أَمَا سَمِعْت قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] .
стр. 4693
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقْتَلُ - كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ فِيمَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ، قَالَ: تُؤْخَذُ مِنْهُ الدِّيَةُ وَلَا يُقْتَلُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتْبَعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُ - فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ «مَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ إمَّا أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا» أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ.
فَصَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لِلْأَهْلِ إلَّا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا الدِّيَةُ، وَإِمَّا الْقَوَدُ وَلَمْ يَجْعَلْ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، فَإِذَا قَتَلَ فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَإِذَا أَخَذَ الدِّيَةَ فَلَا قَتْلَ لَهُ - هَذَا نَصُّ حُكْمِهِ ﵊.
فَوَجَدْنَا أَهْلَ الْمَقْتُولِ لَمَّا عَفَوْا وَأَخَذُوا الدِّيَةَ حَلَّتْ لَهُمْ، وَصَارَتْ حَقَّهُمْ، وَبَطَلَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الْقَوَدِ، لَيْسَ لَهُمْ جَمِيعُ الْأَمْرَيْنِ بِالنَّصِّ، فَإِذَا بَطَلَ حَقُّهُمْ فِي الْقَوَدِ بِذَلِكَ حُرِّمَ الْقَوَدُ وَحَلَّتْ الدِّيَةُ.
وَلَوْلَا أَنَّ الْقَوَدَ حُرِّمَ لَمَّا حَلَّتْ الدِّيَةُ، فَإِذَا حُرِّمَ الْقَوَدُ فَقَدْ قَتَلُوا نَفْسًا مُحَرَّمَةً حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذْ قَتَلُوا نَفْسًا مُحَرَّمَةً فَالْقَوَدُ وَاجِبٌ فِي ذَلِكَ، بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمَانِهِ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ» .
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا قَتَلَ نَفْسًا بِنَفْسٍ؟ قِيلَ لَهُ: لَا تَحِلُّ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ إلَّا حَيْثُ أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِنَّمَا أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى إذَا اخْتَارُوا ذَلِكَ دُونَ الدِّيَةِ، وَأَمَّا إذَا اخْتَارُوا الدِّيَةَ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ تِلْكَ النَّفْسَ، إذْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إلَّا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ.
وَمَنْ ادَّعَى فِي ذَلِكَ شَيْئًا صَحَّ تَحْلِيلُهُ أَنَّهُ حُرِّمَ فَهُوَ مُبْطِلٌ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي
стр. 4694
دَعْوَاهُ ذَلِكَ بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ، وَقَدْ صَحَّ بِيَقِينٍ كَوْنُ الدِّيَةِ لَهُمْ حَلَالًا، وَمَالًا مِنْ مَالِهِمْ إذَا أَخَذُوهَا، وَصَحَّ تَحْرِيمُ الْقَوَدِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ، إذْ لَا يَقُولُ أَحَدٌ فِي الْأَرْضِ، إنَّهُمْ يَجْمَعُونَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا الدِّيَةَ وَالْقَوَدَ.
فَإِذْ لَا شَكَّ فِيمَا ذَكَرْنَا فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الدَّمَ الَّذِي قَدْ صَحَّ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمْ عَادَ حَلَالًا لَهُمْ، وَأَنَّ الدِّيَةَ الَّتِي أَخَذُوا فَحَلَّتْ لَهُمْ قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِقُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى وُجُودِ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ يُسْتَقَادُ فِي الْحَرَمِ]
٢٠٩٠ - الْمَسْأَلَةُ: وَهَلْ يُسْتَقَادُ فِي الْحَرَمِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقَادُ فِي الْحَرَمِ: كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ قَتَلَ أَوْ سَرَقَ فِي الْحَرَمِ، أَوْ فِي الْحِلِّ، ثُمَّ دَخَلَ، فَإِنَّهُ لَا يُجَالَسُ، وَلَا يُكَلَّمُ، وَلَا يُؤْذَى، وَيُنَاشَدُ حَتَّى يَخْرُجَ فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَمَنْ قَتَلَ أَوْ سَرَقَ فَأَخَذَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أُدْخِلَ الْحَرَمَ، فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ مَا أَصَابَ أَخْرَجُوهُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ، فَإِنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ سَرَقَ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ.
وَعَابَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي رَجُلٍ أَخَذَهُ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ فَقَتَلَهُ.
وَبِهِ: إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ قَتَلَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أُدْخِلَ الْحَرَمَ، قَالَ: لَا يُجَالَسُ، وَلَا يُكَلَّمُ، وَلَا يُبَايَعُ، وَلَا يُؤْذَى - يُؤْتَى إلَيْهِ فَيُقَالُ: يَا فُلَانُ اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِ فُلَانٍ اُخْرُجْ مِنْ الْمَحَارِمِ.
نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَدِينِيِّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنِي
стр. 4695
إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ - وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا - قَالَ: سَمِعْت طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ، لَمْ يُجَالَسْ، وَلَمْ يُبَايَعْ، وَيَأْتِيه الَّذِي يَطْلُبُهُ، فَيَقُولُ: أَيْ فُلَانُ اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِ فُلَانٍ، اُخْرُجْ عَنْ الْمَحَارِمِ، فَإِذَا خَرَجَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَبِهِ: إلَى إسْمَاعِيلَ نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] . قَالَ: إذَا أَحْدَثَ الرَّجُلُ حَدَثًا ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ، لَمْ يُجَالَسْ، وَلَمْ يُبَايَعْ، وَلَمْ يُطْعَمْ، وَلَمْ يُسْقَ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ، فَيُؤْخَذَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْت ابْنَ أَبِي حُسَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْ وَجَدْت فِيهِ - يَعْنِي حَرَمَ مَكَّةَ - قَاتِلَ الْخَطَّابِ مَا مَسِسْته حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ وَجَدْت فِيهِ - يَعْنِي حَرَمَ مَكَّةَ - قَاتِلَ عُمَرَ مَا نَدَهْته.
وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ وَجَدْت قَاتِلَ أَبِي فِي الْحَرَمِ مَا عَرَضْته.
قَالَ عَطَاءٌ: وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ كَذَلِكَ مِثْلُ الْحَرَمِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ قُتِلَ فِي الْحَرَمِ، وَمَنْ قَتَلَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَامَ أُخْرِجَ إلَى الْحِلِّ فَقُتِلَ فِي الْحِلِّ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: تِلْكَ السُّنَّةُ.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ خِلَافُ هَذَا [وَشَيْءٌ يُظَنُّ أَنَّهُ خِلَافُ هَذَا] وَهُوَ كَمَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ نا أَبِي نا أَشْعَثُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ - عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي
следующие страницы →