Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ تَذْهَبْ نَفْسُهُ بَعْدُ، لِأَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ عِوَضٌ مِنْهَا، فَلَمْ يَجِبْ بَعْدُ شَيْءٌ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيمَا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، وَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ ذِي عَقْلٍ أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَجِبُ، وَلَا الدِّيَةُ، إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ إذَا لَمْ يَمُتْ فَلَمْ يَجِبْ لَهُ بَعْدُ عَلَى الْقَاتِلِ لَا قَوَدٌ، وَلَا دِيَةٌ، وَلَا عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، فَإِذَا وَجَبَ كُلُّ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ فَالْحُكْمُ حِينَئِذٍ لِلْأَهْلِ لَا لَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَقْتُولِ خَطَأً، أَوْ عَمْدًا: عَفْوٌ، أَوْ حُكْمٌ، أَوْ وَصِيَّةٌ فِي الْقَوَدِ، أَوْ فِي الدِّيَةِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا هِيَ مَالٌ لِلْأَهْلِ حَدَثَ لَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَرِثُوهُ قَطُّ عَنْهُ، إذْ لَمْ يَجِبْ لَهُ قَطُّ شَيْءٌ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْ مَالِ الْوَرَثَةِ الَّذِي لَمْ يَمْلِكْهُ هُوَ قَطُّ فِي حَيَاتِهِ، وَأَنْ يُنَفَّذَ فِيهِ وَصِيَّتُهُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا وَجَبَ لَهُمْ مِنْ أَجْلِ مَوْتِهِ، فَهُوَ كَمَالِ مَوْلًى لَهُ مَاتَ إثْرَ مَوْتِهِ، فَوَجَبَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ أَجْلِ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَجِبْ لِلْمَيِّتِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَوْ عَفَا الْوَرَثَةُ أَوْ أَحَدُهُمْ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْ دِيَةِ الْخَطَأِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ، أَوْ عَفَوْا كُلُّهُمْ عَنْ الْقَوَدِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ، فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهُمْ بَعْدُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهُمْ بِمَوْتِهِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَعَفَوْهُمْ لَا شَيْءَ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ، وَالدِّيَةُ وَاجِبَةٌ لَهُمْ، أَوْ الْعَافِي بَعْدَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ، وَكَذَلِكَ الْقَوَدُ وَاجِبٌ لَهُمْ أَيْضًا - وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، وَمَا نَرَاهُ إلَّا قَوْلَ الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ أَيْضًا، فَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا أَنْ يُسْقِطُوا عَفْوَ الْوَرَثَةِ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُمْ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ - وَهُمْ أَهْلُ ذَلِكَ وَمُسْتَحِقُّوهُ بِلَا خِلَافٍ - ثُمَّ يُجِيزُونَ عَفْوَ الْمَقْتُولِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَجِبْ لَهُ قَطُّ فِي حَيَاتِهِ - وَهِيَ الدِّيَةُ وَالْقَوَدُ - وَلَا يَجِبُ لَهُ أَيْضًا بَعْدَ وَفَاتِهِ - فَهَذَا مِقْدَارُ نَظَرِهِمْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَنْ جُنِيَ عَلَيْهِ جُرْحٌ، أَوْ قَطْعٌ، أَوْ كَسْرٌ، فَعَفَا عَنْهُ فَقَطْ، أَوْ عَنْهُ وَعَمَّا يَحْدُثُ عَنْهُ، فَعَفَوْهُ عَمَّا يَحْدُثُ مِنْهُ بَاطِلٌ كَمَا قَدَّمْنَا لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ بَعْدُ.
وَأَمَّا عَفَوْهُ عَمَّا جُنِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ لَهُ لَازِمٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ لَهُ الْقَوَدُ فِي الْكَسْرِ، أَوْ الْمُفَادَاةُ فِي الْجِرَاحَةِ، فَإِنْ عَفَا فَإِنَّمَا عَفَا عَنْ حَقِّهِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بَعْدُ،
стр. 4692
فَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ حَدَثَ عَنْهُ بُطْلَانُ عُضْوٍ آخَرَ، فَلَهُ الْقَوَدُ فِي الْعُضْوِ الْآخَرِ، لِأَنَّهُ الْآنَ وَجَبَ لَهُ وَلِأَوْلِيَائِهِ الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ خَاصَّةً - لَا بِمِثْلِ مَا جَنَى عَلَى مَقْتُولِهِمْ - لِأَنَّ تِلْكَ الْجِنَايَاتِ كَانَ لَهُ الْقَوَدُ فِيهَا فَعَفَا عَنْهَا فَسَقَطَتْ وَبَقِيَ قَتْلُ النَّفْسِ فَقَطْ، وَلَا عَفْوَ لَهُ فِيهِ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ، فَلَهُمْ قَتْلُهُ، وَإِذْ لَهُمْ قَتْلُهُ، وَبَطَلَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ بِمِثْلِ مَا جَنَى عَلَيْهِ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْجِنَايَةَ لَمْ يُقَدْ مِنْهَا، فَإِنَّمَا الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ فَقَطْ.
وَهَكَذَا لَوْ اسْتَقَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِمَّا جَنَى عَلَيْهِ الْجَانِي ثُمَّ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْجَانِيَ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ فَقَطْ، لِأَنَّهُ قَدْ اُسْتُقِيدَ مِنْهُ فِي الْجِنَايَةِ فَلَا يُعْتَدَى عَلَيْهِ بِأُخْرَى.
قَالَ عَلِيٌّ: وَلَوْ أَنَّ جَانِيًا جَنَى عَلَى إنْسَانٍ جِنَايَةً قَدْ يُعَاشُ مِنْهَا، أَوْ لَا سَبِيلَ إلَى الْعَيْشِ مِنْهَا، فَقَامَ وَلِيُّ هَذَا الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَتَلَ الْجَانِي قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلِأَوْلِيَاءِ الْجَانِي الْمَقْتُولِ قَتْلُ قَاتِلِ وَلِيِّهِمْ، ثُمَّ إنْ مَاتَ الْجَانِي عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهَا حَتَّى مَاتَ الْجَانِي فَلَا شَيْءَ فِيهَا، لِأَنَّ الْقَوَدَ قَدْ بَطَلَ بِمَوْتِهِ، وَقَدْ صَارَ الْمَالُ فِي حَيَاةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْجَانِي، وَهُمْ الْوَرَثَةُ، فَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِهِمْ، وَلَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُمْ، وَلَا مَالَ لِلْجَانِي أَصْلًا، فَجِنَايَتُهُ بَاطِلٌ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْوَلِيُّ يَعْفُو أَوْ يَأْخُذُ الدِّيَةَ ثُمَّ يَقْتُلُ]
٢٠٨٩ - مَسْأَلَةٌ: وَالْوَلِيُّ يَعْفُو أَوْ يَأْخُذُ الدِّيَةَ ثُمَّ يَقْتُلُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلُ - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ نا يُونُسُ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا ثُمَّ صَالَحَ، فَأَدَّى الدِّيَةَ ثُمَّ قَتَلَهُ؟ قَالَ: نَرَى أَنْ يُقَادَ بِهِ صَاغِرًا، وَلِوَلِيِّهِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ إنْ شَاءَ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ هَارُونَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي رَجُلٍ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ، قَالَ: يُقْتَلُ، أَمَا سَمِعْت قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] .
стр. 4693
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقْتَلُ - كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ فِيمَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ، قَالَ: تُؤْخَذُ مِنْهُ الدِّيَةُ وَلَا يُقْتَلُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتْبَعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُ - فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ «مَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ إمَّا أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا» أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ.
فَصَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لِلْأَهْلِ إلَّا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا الدِّيَةُ، وَإِمَّا الْقَوَدُ وَلَمْ يَجْعَلْ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، فَإِذَا قَتَلَ فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَإِذَا أَخَذَ الدِّيَةَ فَلَا قَتْلَ لَهُ - هَذَا نَصُّ حُكْمِهِ ﵊.
فَوَجَدْنَا أَهْلَ الْمَقْتُولِ لَمَّا عَفَوْا وَأَخَذُوا الدِّيَةَ حَلَّتْ لَهُمْ، وَصَارَتْ حَقَّهُمْ، وَبَطَلَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الْقَوَدِ، لَيْسَ لَهُمْ جَمِيعُ الْأَمْرَيْنِ بِالنَّصِّ، فَإِذَا بَطَلَ حَقُّهُمْ فِي الْقَوَدِ بِذَلِكَ حُرِّمَ الْقَوَدُ وَحَلَّتْ الدِّيَةُ.
وَلَوْلَا أَنَّ الْقَوَدَ حُرِّمَ لَمَّا حَلَّتْ الدِّيَةُ، فَإِذَا حُرِّمَ الْقَوَدُ فَقَدْ قَتَلُوا نَفْسًا مُحَرَّمَةً حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذْ قَتَلُوا نَفْسًا مُحَرَّمَةً فَالْقَوَدُ وَاجِبٌ فِي ذَلِكَ، بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمَانِهِ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ» .
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا قَتَلَ نَفْسًا بِنَفْسٍ؟ قِيلَ لَهُ: لَا تَحِلُّ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ إلَّا حَيْثُ أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِنَّمَا أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى إذَا اخْتَارُوا ذَلِكَ دُونَ الدِّيَةِ، وَأَمَّا إذَا اخْتَارُوا الدِّيَةَ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ تِلْكَ النَّفْسَ، إذْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إلَّا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ.
وَمَنْ ادَّعَى فِي ذَلِكَ شَيْئًا صَحَّ تَحْلِيلُهُ أَنَّهُ حُرِّمَ فَهُوَ مُبْطِلٌ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي
стр. 4694
دَعْوَاهُ ذَلِكَ بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ، وَقَدْ صَحَّ بِيَقِينٍ كَوْنُ الدِّيَةِ لَهُمْ حَلَالًا، وَمَالًا مِنْ مَالِهِمْ إذَا أَخَذُوهَا، وَصَحَّ تَحْرِيمُ الْقَوَدِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ، إذْ لَا يَقُولُ أَحَدٌ فِي الْأَرْضِ، إنَّهُمْ يَجْمَعُونَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا الدِّيَةَ وَالْقَوَدَ.
فَإِذْ لَا شَكَّ فِيمَا ذَكَرْنَا فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الدَّمَ الَّذِي قَدْ صَحَّ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمْ عَادَ حَلَالًا لَهُمْ، وَأَنَّ الدِّيَةَ الَّتِي أَخَذُوا فَحَلَّتْ لَهُمْ قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِقُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى وُجُودِ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ يُسْتَقَادُ فِي الْحَرَمِ]
٢٠٩٠ - الْمَسْأَلَةُ: وَهَلْ يُسْتَقَادُ فِي الْحَرَمِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقَادُ فِي الْحَرَمِ: كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ قَتَلَ أَوْ سَرَقَ فِي الْحَرَمِ، أَوْ فِي الْحِلِّ، ثُمَّ دَخَلَ، فَإِنَّهُ لَا يُجَالَسُ، وَلَا يُكَلَّمُ، وَلَا يُؤْذَى، وَيُنَاشَدُ حَتَّى يَخْرُجَ فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَمَنْ قَتَلَ أَوْ سَرَقَ فَأَخَذَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أُدْخِلَ الْحَرَمَ، فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ مَا أَصَابَ أَخْرَجُوهُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ، فَإِنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ سَرَقَ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ.
وَعَابَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي رَجُلٍ أَخَذَهُ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ فَقَتَلَهُ.
وَبِهِ: إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ قَتَلَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أُدْخِلَ الْحَرَمَ، قَالَ: لَا يُجَالَسُ، وَلَا يُكَلَّمُ، وَلَا يُبَايَعُ، وَلَا يُؤْذَى - يُؤْتَى إلَيْهِ فَيُقَالُ: يَا فُلَانُ اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِ فُلَانٍ اُخْرُجْ مِنْ الْمَحَارِمِ.
نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَدِينِيِّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنِي
стр. 4695
إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ - وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا - قَالَ: سَمِعْت طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ، لَمْ يُجَالَسْ، وَلَمْ يُبَايَعْ، وَيَأْتِيه الَّذِي يَطْلُبُهُ، فَيَقُولُ: أَيْ فُلَانُ اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِ فُلَانٍ، اُخْرُجْ عَنْ الْمَحَارِمِ، فَإِذَا خَرَجَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَبِهِ: إلَى إسْمَاعِيلَ نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] . قَالَ: إذَا أَحْدَثَ الرَّجُلُ حَدَثًا ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ، لَمْ يُجَالَسْ، وَلَمْ يُبَايَعْ، وَلَمْ يُطْعَمْ، وَلَمْ يُسْقَ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ، فَيُؤْخَذَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْت ابْنَ أَبِي حُسَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْ وَجَدْت فِيهِ - يَعْنِي حَرَمَ مَكَّةَ - قَاتِلَ الْخَطَّابِ مَا مَسِسْته حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ وَجَدْت فِيهِ - يَعْنِي حَرَمَ مَكَّةَ - قَاتِلَ عُمَرَ مَا نَدَهْته.
وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ وَجَدْت قَاتِلَ أَبِي فِي الْحَرَمِ مَا عَرَضْته.
قَالَ عَطَاءٌ: وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ كَذَلِكَ مِثْلُ الْحَرَمِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ قُتِلَ فِي الْحَرَمِ، وَمَنْ قَتَلَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَامَ أُخْرِجَ إلَى الْحِلِّ فَقُتِلَ فِي الْحِلِّ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: تِلْكَ السُّنَّةُ.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ خِلَافُ هَذَا [وَشَيْءٌ يُظَنُّ أَنَّهُ خِلَافُ هَذَا] وَهُوَ كَمَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ نا أَبِي نا أَشْعَثُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ - عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي
стр. 4696
الْجَاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ، ثُمَّ يُعَلِّقُ فِي رَقَبَتِهِ الصُّوفَةَ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْحَرَمَ فَيَلْقَاهُ ابْنُ الْمَقْتُولِ أَوْ أَبُوهُ فَلَا يُحَرِّكُهُ.
وَعَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ: كَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَوْ سَرَقَ فِيهِ أَحَدٌ قُطِعَ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ، وَلَوْ قُدِرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِيهِ قُتِلُوا.
وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ جَرَحَ رَجُلًا فِي الْحَرَمِ: أَنَّهُ يُقَادُ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ فِي الْحِلِّ أُقِيدَ بِهِ فِي الْحَرَمِ، وَحَيْثُ وُجِدَ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُهُ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو شُرَيْحٍ - عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَمِنْ التَّابِعِينَ - عَطَاءٌ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَيُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْ عُلَمَائِهِمْ، وَهُمْ التَّابِعُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَيُخْبِرُ: أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ بِذَلِكَ فِيمَا تَعَلَّقَ مَنْ تَعَلَّقَ بِخِلَافِ ذَلِكَ إلَّا بِرِوَايَةٍ عَنْ رَبِيعَةَ.
وَأَمَّا قَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ، فَلَيْسَ فِي قَوْلِهِمَا خِلَافٌ لِمَنْ ذَكَرْنَا، لِأَنَّ الْحَسَنَ إنَّمَا أَخْبَرَ عَمَّنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ إنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ بِخِلَافِ ذَلِكَ إلَّا بِهِ، وَأَمَّا قَتَادَةُ فَلَمْ يَقُلْ: إنَّ مَنْ أَصَابَ فِي الْحِلِّ دَمًا أُقِيدَ بِهِ فِي الْحَرَمِ.
فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِقَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَجَاهَرَ بَعْضُهُمْ أَقْبَحَ مُجَاهِرَةٍ، فَذَكَرَ: مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ نا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آيَتَانِ نُسِخَتَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ - يَعْنِي الْمَائِدَةَ - آيَةُ الْقَلَائِدِ
стр. 4697
﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] فَمَوَّهَ بِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا الْبَهْتُ الْفَاضِحُ وَالْكَذِبُ الْمُجَرَّدُ، وَنَعَمْ: إنْ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢] قَدْ قِيلَ: إنَّهُ نُسِخَ مِنْهُ " الْقَلَائِدُ " فَقَطْ: كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْجَعْفَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَقْبُرِيُّ نا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ نا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ - وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ - فَقَالَ: مَنْسُوخٌ، كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا خَرَجَ إلَى الْحَجِّ يُقَلِّدُ مِنْ الشَّعْرِ، فَلَا يَعْرِضُ لَهُ أَحَدٌ، وَإِذَا تَقَلَّدَ قِلَادَةَ شَعْرٍ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ، وَكَانَ الْمُشْرِكُ يَوْمَئِذٍ لَا يُصْدَرُ عَنْ الْبَيْتِ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُقَاتَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلَا عِنْدَ الْبَيْتِ، ثُمَّ نَسَخَهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وَهَذَا نَصُّ قَوْلِ قَتَادَةَ.
فَهَبْكَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ نَسْخُ " الْقَلَائِدِ " فَأَيُّ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ أَنَّ مَنْ قَالَ بِنَسْخِ " الْقَلَائِدِ " فَقَدْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ قَوْلَ مَنْ قَالَ: لَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي الْحَرَمِ، وَلَا يُقْتَلُ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ، لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْ أَنْ يَعْمَى هَذَا الْعَمَى؟ وَأَنْ يَتَّبِعَ هَوَاهُ فِي الْبَاطِلِ هَذَا الِاتِّبَاعِ، وَ " الْقَلَائِدُ " هَاهُنَا إنَّمَا هِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا " قَلَائِدُ الْهَدْيِ " الَّتِي لَا يَحِلُّ إحْلَالُهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَعَهْدُنَا بِالْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَاهُنَا خَمْسَةً مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ.
وَخَالَفُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ الثَّابِتَةَ - عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: احْتِجَاجُهُمْ بِابْنِ خَطَلٍ - وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ - فَهَذِهِ قِصَّةٌ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّهَا لَهُ خَاصَّةً، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ، كَمَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَهَذَا
стр. 4698
أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْخَبَرِ - هَذَا لَا يَخْلُو الْقَوْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا أَوْ أَمْرًا - فَبَطَلَ أَنْ يَكُنْ خَبَرًا، لِأَنَّنَا قَدْ وَجَدْنَا " الْقَرَامِطَةَ " الْكَفَرَةَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ قَدْ قَتَلُوا فِيهِ أَهْلَ الْإِسْلَامِ.
وَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَالْفَاسِقَ الْحَجَّاجَ قَدْ قَتَلَا فِيهِ النُّفُوسَ الْمُحَرَّمَةَ - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، إذْ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ.
وَأَنَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، بِمَا لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] ، حَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ الْحَرَمُ لَهُ فَضْلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَخَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهُ فِي الْإِسْلَامِ، بَلْ مَا زَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَرَمَ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا تَعْظِيمًا، وَحُرْمَةً، وَإِكْرَامًا.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عُبَيْدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نا أُسَامَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْفَتْحِ، وَفِيهِ «إنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ الْمُحَرَّمَةُ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: مَا قَالَ؟ قَالَ: قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ: بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - نا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ «إنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَفَزِعَ قَوْمُهَا إلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: تُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ
стр. 4699
مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ قَالَ أُسَامَةُ: فَاسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ - فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا - ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا» وَذَكَرَتْ عَائِشَةُ الْحَدِيثَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهَا قُطِعَتْ يَدُهَا فِي الْحَرَمِ، فَإِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَى نَصِّ الْقُرْآنِ؛ وَنَصِّ بَيَانِ السُّنَنِ بِظَنٍّ لَا حَقِيقَةَ فِيهِ - وَلَعَلَّ أَمْرَهَا كَانَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] ، وَأَيْضًا - فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ ظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي بِمَا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ: إنَّمَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] إنَّمَا عَنَى الصَّيْدَ - وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجُرْأَةٌ عَلَى الْبَاطِلِ فَضِيحَةٌ فِي اللَّحْنِ، لِأَنَّهُ لَا يُخْبِرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَفَظَّةُ " مَنْ " إلَّا عَمَّنْ يَعْقِلُ، لَا عَنْ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّمَا هَذَا فِي " الْمَقَامِ " وَحْدَهُ بِنَصِّ الْآيَةِ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّمُ عِبَادَهُ بِالْمُحَالِ، وَلَا بِمَا لَا يُمْكِنُ، وَبِالْيَقِينِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّ " مَقَامَ إبْرَاهِيمَ " حَجَرٌ وَاحِدٌ لَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا " مَقَامُ إبْرَاهِيمَ " الْحَرَمُ كُلُّهُ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ، إنَّهُ قَالَ " مَقَامُ إبْرَاهِيمَ " الْحَرَمُ كُلُّهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] . قُلْنَا: نَعَمْ، هَكَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهَذَا نَقُولُ، وَلَا يَحِلُّ قِتَالُ أَحَدٍ لَا مُشْرِكٍ وَلَا
стр. 4700
غَيْرِهِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، لَكِنَّنَا نُخْرِجُهُمْ مِنْهُ، فَإِنْ خَرَجُوا وَصَارُوا فِي الْحِلِّ نَفَّذْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ قَتْلٍ، أَوْ أَسْرٍ، أَوْ عُقُوبَةٍ، فَإِنْ امْتَنَعُوا وَقَاتَلُونَا قَاتَلْنَاهُمْ حِينَئِذٍ فِي الْحَرَمِ - كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَاتَلْنَاهُمْ فِيهِ، وَهَكَذَا نَفْعَلُ بِكُلِّ بَاغٍ وَظَالِمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا فَرْقَ.
فَإِنْ قَالُوا: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الْآيَةَ؟ قُلْنَا: الَّذِي قَالَ هَذَا قَالَ ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] وَكَلَامُهُ كُلُّهُ وَعُهُودُهُ كُلُّهَا فَرْضٌ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ لِشَيْءٍ آخَرَ إلَّا بِنَسْخٍ مُتَيَقَّنٍ - فَوَاجِبٌ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَعْمِلَ مِثْلَ هَذِهِ النُّصُوصِ وَنَجْمَعَهَا، وَنَسْتَثْنِيَ الْأَقَلَّ مِنْهَا مِنْ الْأَكْثَرِ، إذْ لَا يَحِلُّ غَيْرُ ذَلِكَ.
فَنَحْنُ نَقْتُلُ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْنَاهُمْ إلَّا عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. فَنَحْنُ إذَا فَعَلْنَا هَذَا كُنَّا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّنَا قَدْ أَطَعْنَا اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ مَا أَمَرَنَا بِهِ، وَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْعَمَلَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فِي إحْدَى الْآيَتَيْنِ؟ وَهَذَا لَا يَحِلُّ أَصْلًا.
وَكَمَا قُلْنَا - فَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵁ فَإِنَّهُ لَمَّا ابْتَدَأَهُ الْفُسَّاقُ بِالْقِتَالِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ: يَزِيدُ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَالْحَجَّاجُ، وَمَنْ بَعَثَهُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ - مِنْ جُنُودِ السُّلْطَانِ - قَاتَلَهُمْ مُدَافِعًا لِنَفْسِهِ وَأَحْسَنَ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا - قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ؟ قَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ» .
стр. 4701
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ نا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَوْفٍ نا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَبَسَ الْفِيلَ عَنْ مَكَّةَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثَ بِذِكْرِ الْإِذْخِرِ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ لَيْثٍ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ - وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْك قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» .
قِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَاذَا قَالَ لَك عَمْرٌو؟ قَالَ: قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْك يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِخَرِبَةٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا كَرَامَةَ لِلَطِيمِ الشَّيْطَانِ شُرْطِيِّ الْفَاسِقِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنْ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا سَمِعَهُ ذَلِكَ الصَّاحِبُ ﵁ مِنْ فَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، عَلَى عَظِيمِ الْمُصَابِ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ عَلَى تَضَاعُفِ الْمُصِيبَةِ مِمَّنْ شَاهِدُهُ يَحْتَجُّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا بِقَوْلِ الْفَاسِقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ مُعَارَضَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُغْرِ الضُّعَفَاءَ بِأَنَّهُ عَالِمٌ، وَمَا الْعَاصِي لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ إلَّا الْفَاسِقُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَمَنْ وَلَّاهُ وَقَلَّدَهُ، وَمَا حَامِلُ الْخَرِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا هُوَ، وَمَنْ أَمَّرَهُ وَأَيَّدَهُ، وَصَوَّبَ قَوْلَهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا نَقْلُ تَوَاتَرْ ثَلَاثَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو شُرَيْحٍ، كُلُّهُمْ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى» فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُحَرِّمْ مَكَّةَ خُصُوصًا الْقِتَالَ الْمُحَرَّمَ
стр. 4702
بِالظُّلْمِ، لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ مَكَان فِي الْأَرْضِ، لَكِنَّهُ ﵊ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ الْقِتَالُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي غَيْرِهَا، لِأَنَّهُ ﵊ الْمُقَاتِلُ فِي مَكَّةَ، وَلَا قَتْلَ إلَّا بِحَقٍّ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ الْقِتَالِ بِعَيْنِهِ غَيْرَهُ، وَحَرَّمَ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ فِي مِثْلِهِ، وَقَطْعُ الْأَيْدِي فِيهِ سَفْكُ دَمٍ، وَالْقِصَاصُ كَذَلِكَ، فَلَا يَحِلُّ فِيهَا أَلْبَتَّةَ.
وَقَدْ شَغَفَ قَوْمٌ: بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قُلْت لِمَالِكٍ: نا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ؟ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ.» قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا كَانَ حِينَ دُخُولِهِ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ - وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ - ثُمَّ أَخْبَرَ ﵊ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَنَّهَا قَدْ عَادَتْ إلَى حُرْمَتِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَإِذْ قَدْ ارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَجَبَ تَأْمِينُ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ جُمْلَةً مِنْ كُلِّ قَتْلٍ وَقِصَاصٍ وَحَدٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ يَحْتَجُّ لِهَذَا الْقَوْلِ: إنَّ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَمَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةً فِي الْحَرَمِ وَجَبَ أَنْ يُنْتَهَكُ مِنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ؟ قُلْنَا لَهُ: هَذَا عُمُومٌ يَخُصُّهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَيَخُصُّهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَحْرِيمِهَا أَنْ لَا يُسْفَكَ فِيهَا دَمٌ أَصْلًا، إلَّا مَنْ قَاتَلَنَا فِيهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَبِالْإِجْمَاعِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ النَّفْسِ الظُّلْمَ.
فَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ قَطُّ أَنَّ مَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ أَنْ نَنْتَهِكَهَا نَحْنُ أَيْضًا قِصَاصًا مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ - وَبِهِ نَأْخُذُ.
وَأَمَّا نَهْيُ النَّاسِ عَنْ مُبَايَعَتِهِ وَمُكَالَمَتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ مِنْ الْبَيْعِ بِغَيْرِ نَصٍّ، وَلَا إجْمَاعٍ.
стр. 4703
وَكَذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ، إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ.
فَإِنْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَرُّوخَ، قَالَ: اشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ عَامِلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى مَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ دَارَ السِّجْنِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ فَالْبَيْعُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِائَةٍ؟ .
قُلْنَا: قَدْ جَاءَ لِبَعْضِ السَّلَفِ خِلَافٌ لِهَذَا، كَمَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَرِهَ السِّجْنَ بِمَكَّةَ، وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْتُ عَذَابٍ فِي بَيْتِ رَحْمَةٍ - وَبِهَذَا نَأْخُذُ.
فَإِنْ أَنْكَرُوا عَلَيْنَا خِلَافَ عُمَرَ، وَنَافِعٍ، وَصَفْوَانَ فِي ذَلِكَ. قُلْنَا لَهُمْ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ هَذَا إذَا أَوْجَبَهُ قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَلَكِنْ إذْ تُنْكِرُونَ هَذَا وَلَا يَحِلُّ عِنْدَكُمْ فَكَيْفَ اسْتَجَزْتُمْ خِلَافَهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ، فِي أَنَّهُ نَصُّ عُمَرَ " فَلَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِائَةٍ "؟ وَهَذَا عِنْدَ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ رِبًا مَحْضٌ، فَعَادَ الْإِثْمُ عَلَيْهِمْ وَالْعَارُ أَيْضًا فِي خِلَافِهِمْ مَا لَا يَسْتَحِلُّونَ خِلَافَهُ إلَى خِلَافِهِمْ: عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَأَبِي شُرَيْحٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، فِي أَنْ لَا يُقَامَ قَوَدٌ بِمَكَّةَ أَصْلًا، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالْقُرْآنُ مَعَهُمْ، وَالسُّنَّةُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ يَهْتِفُ بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ ثَانِيَ يَوْمِ الْفَتْحِ.
فَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ الثَّابِتُ الْمَقْطُوعُ بِهِ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِهِ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحُكْمِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ يُقَامُ الْقِصَاصُ أَوْ الْحُدُودُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ]
٢٠٩١ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُقَامُ الْقِصَاصُ أَوْ الْحُدُودُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَمْ لَا؟
قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ:
стр. 4704
أَرَأَيْت الرَّجُلَ يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ أَيْنَ يُقْتَلُ قَاتِلُهُ؟ قَالَ: حَيْثُ شَاءَ أَهْلُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: فَإِنْ قُتِلَ فِي الْحِلِّ وَلَمْ يُقْتَلْ فِي الْحَرَمِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: وَكَذَلِكَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ.
وَبِهِ: إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ رَجَبٌ، قَالَ - فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُعَظِّمُونَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ، لِأَنَّ الظُّلْمَ فِيهَا أَعْظَمُ قَالَ: وَمَنْ قَتَلَ فِي شَهْرٍ حَلَالٍ أَوْ جَرَحَ لَمْ يُقْتَلْ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ حَتَّى يَجِيءَ شَهْرٌ حَلَالٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ رَجُلًا جُرِحَ فِي شَهْرٍ حَلَالٍ فَأَرَادَ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ يُقَيِّدَهُ - وَهُوَ أَمِيرٌ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ - فَأَرْسَلَ إلَيْهِ عُبَيْدُ بْنَ عُمَيْرٍ - وَهُوَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ الدَّارِ: لَا تُقِدْهُ حَتَّى يَدْخُلَ شَهْرٌ حَلَالٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا عُبَيْدُ بْنَ عُمَيْرٍ، وَالزُّهْرِيُّ لَا يَرَيَانِ أَنْ يُقَادَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ مَنْ جَنَى فِي شَهْرٍ حَلَالٍ.
وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ يَرَى مَنْ قَتَلَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ أَنْ يُقْتَلَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ فَإِنْ قَتَلَ فِي شَهْرٍ حَلَالٍ لَمْ يُقَدْ مِنْهُ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ. فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] فَإِنَّمَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا عَنْ الظُّلْمِ، فَكَانَ الظُّلْمُ فِيهَا أَوْكَدَ مِنْ الظُّلْمِ فِي غَيْرِهَا، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُزَادَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَمْ يَقُلْ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَكَانَ مُوجَبُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ أَوْ جَرَحَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ فَلَمْ يُظْفَرْ بِهِ إلَّا فِي شَهْرٍ حَلَالٍ، فَإِنَّ وَلِيُّ الِاسْتِقَادَةِ مِنْ الدَّمِ، أَوْ الْجُرْحِ مُخَيَّرٌ: إنْ شَاءَ تَأْخِيرَهُ إلَى شَهْرٍ حَرَامٍ فَذَلِكَ لَهُ بِنَصِّ الْآيَةِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَهُوَ بَعْضُ حَقِّهِ تَجَافَى عَنْهُ وَلَمْ تَمْنَعْهُ الْآيَةُ مِنْ ذَلِكَ - وَبِهَذَا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] إنَّمَا هَذَا فِي الْقِتَالِ، وَلَيْسَ فِي الْقَوَدِ فِي شَيْءٍ؟
стр. 4705
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيُحْبَسُ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فَأَخَّرَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيُّ الدَّمِ حَتَّى يَأْتِيَ شَهْرٌ حَرَامٌ، لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ أَخْذُهُ بِمَا جَنَى، فَلَا يَنْبَغِي تَسْرِيحُهُ، بَلْ يُوقَفُ بِلَا خِلَافٍ لِلْقَوَدِ، وَيُمْنَعُ مِنْ الِانْطِلَاقِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا الْحُدُودُ فَتُقَامُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ كُلُّهَا مِنْ رَجْمٍ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَصٌّ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا مِنْ رَسُولِهِ ﵊ وَتَعْجِيلُ الطَّاعَةِ الْمُفْتَرَضَةِ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ وَاجِبٌ بِيَقِينٍ، نَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ تَأْخِيرَ ذَلِكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ لَبَيَّنَهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ بِمَكَّةَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ مَا أَرَادَ قَطُّ أَنْ لَا تُقَامَ الْحُدُودُ إلَّا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ مُقَاتَلَةُ مَنْ مَرَّ أَمَامَ الْمُصَلِّي]
٢٠٩٢ - مَسْأَلَةٌ: مُقَاتَلَةُ مَنْ مَرَّ أَمَامَ الْمُصَلِّي؟ قَالَ عَلِيٌّ: مَنْ أَرَادَ الْمُرُورَ أَمَامَ الْمُصَلِّي إلَى سُتْرَةٍ أَوْ غَيْرِ سُتْرَةٍ، فَأَرَادَ إنْسَانٌ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ، أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ انْدَفَعَ وَإِلَّا فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنْ دَفَعَهُ فَوَافَقَتْ مَنِيَّةُ الْمُرِيدِ لِلْمُرُورِ فَدَمُهُ هَدَرَ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ، لَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ، وَلَا كَفَّارَةَ، وَكَذَا إنْ كُسِرَ لَهُ عُضْوٌ وَلَا فَرْقَ، فَإِنْ وَافَقَ فِي ذَلِكَ مَنِيَّةَ الْمُصَلِّي: فَفِيهِ الْقَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ أَوْ الْمُفَادَاةُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا سُلَيْمَانُ - هُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ - عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ أَبُو صَالِحٍ: أُحَدِّثُك عَمَّا رَأَيْت مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَسَمِعْته مِنْهُ: دَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى مَا يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ الصُّورِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ - هُوَ الصُّورِيُّ - نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ - عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فَأَرَادَ ابْنٌ لِمَرْوَانَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَرَأَهُ فَلَمْ يَرْجِعْ، فَضَرَبَهُ،
стр. 4706
فَخَرَجَ الْغُلَامُ يَبْكِي حَتَّى أَتَى مَرْوَانَ فَأَخْبَرَهُ؟ فَقَالَ مَرْوَانُ لِأَبِي سَعِيدٍ: لِمَ ضَرَبْت ابْنَ أَخِيك؟ قَالَ: مَا ضَرَبْته، إنَّمَا ضَرَبْت الشَّيْطَانَ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَأَرَادَ إنْسَانٌ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَدْرَؤُهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ» .
وَمَنْ قَاتَلَ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ مُحْسِنٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] ، فَإِذْ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَيْسَ مُتَعَدِّيًا، وَإِذْ لَيْسَ مُتَعَدِّيًا فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ.
وَلَيْسَ قَاتِلَ خَطَأٍ فَتَكُونَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، فَلَوْ أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ فَعَمَدَ قَتْلَهُ أُقِيدَ بِهِ، لِأَنَّهُ مُعْتَدٍ حِينَئِذٍ بِمَا لَمْ يُؤْمَرْ - وَأَمَّا الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَمُعْتَدٍ بِالْمُرُورِ مُعْتَدٍ بِالْمُقَاتَلَةِ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْجَمَاعَةُ تَضْرِبُ الْوَاحِدَ فَيُقْتَلُ وَلَا يُدْرَى مَنْ أَصَابَهُ مِنْهُمْ]
٢٠٩٣ - مَسْأَلَةٌ: الْجَمَاعَةُ تَضْرِبُ الْوَاحِدَ فَيُقْتَلُ وَلَا يُدْرَى مَنْ أَصَابَهُ مِنْهُمْ، وَالْمُصْطَدِمَانِ، وَمَنْ وَقَعَ عَلَى آخَرَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ بِآخَرَ فَسَقَطَ، وَالْحَفَّارُونَ، وَالْمُتَصَارَعَانِ، وَالْمُتَلَاعَبَانِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْجَمَاعَةُ تَضْرِبُ الْوَاحِدَ فَيَمُوتُ وَلَا يُدْرَى مَنْ مِنْهُمْ أَصَابَهُ؟ فَإِنَّهُ إنْ وُجِدَ مَقْتُولًا فِي دَارِ قَوْمٍ فَادَّعَى أَهْلُهُ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ - وَكَانَ الَّذِينَ ضَرَبُوهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ -: فَفِيهِ الْقَسَامَةُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ ضَرَبُوهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ -: فَلَيْسَ هَاهُنَا حُكْمُ الْقَسَامَةِ، وَلَكِنْ حُكْمُ التَّدَاعِي فَالْبَيِّنَةُ هَاهُنَا عَلَى مُدَّعِي الدَّمِ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا فَلَهُ الْقَوَدُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا حَلَفُوا لَهُ، إنْ ادَّعَى عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ أَوْ حَلَفَ لَهُ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَبَرِئُوا، وَسَنَذْكُرُ هَذَا كُلَّهُ فِي " بَابِ الْقَسَامَةِ ".
[مَسْأَلَةٌ اقْتَتَلَ اثْنَانِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ]
٢٠٩٤ - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا اقْتَتَلَ اثْنَانِ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؟ فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: عَلَى الْحَيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ مَاتَ الْمَقْتُولُ مِنْ فِعْلِهِ وَفِعْلِ غَيْرِهِ
стр. 4707
وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْمَقْتُولَ - وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي النَّارِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَاصٍ يَحِلُّ دَمُهُ وَلَا يُغَرَّمُ دِيَةً، لَكِنَّ الْقَاتِلَ الْحَيَّ هُوَ قَاتِلُ الْآخَرِ بِلَا شَكٍّ، فَإِذْ هُوَ قَاتِلُهُ بِيَقِينٍ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْقَاتِلِ: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَوَّلِ مَنْ جَعَلَ عَلَى الْمُصْطَدِمَيْنِ نِصْفَ عَقْلِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: نَرَى أَنَّ الْعَقْلَ تَامًّا عَلَى الْبَاقِي مِنْهُمَا، وَتِلْكَ السُّنَّةُ فِيمَا أَدْرَكْنَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ جَنَى الْمَقْتُولُ عَلَى قَاتِلِهِ جِنَايَةً مَاتَ مِنْهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ؟ فَالْقَوَدُ وَاجِبٌ تَعْجِيلُهُ عَلَى الْحَيِّ، إذْ كَانَا ظَالِمَيْنِ مَعًا، أَوْ كَانَ الْحَيُّ مِنْهُمَا ظَالِمًا وَالْمَقْتُولُ مَظْلُومًا؟ فَيُسْتَقَادُ مِنْ الْحَيِّ فِي نَفْسِهِ، وَفِي الْجِرَاحِ الَّتِي جَرَحَ الْمَقْتُولَ بِهَا - أَوْ تُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ مَالِهِ - مَاتَ أَوْ عَاشَ - وَلَا شَيْءَ فِي مَالِ الْمَقْتُولِ - لَا دِيَةَ وَلَا غَيْرَهَا - إلَّا إنْ كَانَ قَطَعَ لَهُ أُصْبُعًا، أَوْ أَصَابِعَ، أَوْ يَدًا، أَوْ رِجْلًا، فَالدِّيَةُ فِي ذَلِكَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ مَا وَجَبَ فِي حَيَاةِ الْجَانِي مِنْ دِيَةٍ فَهِيَ وَاجِبَةٌ بَعْدُ، فَلَا يُسْقِطُهَا مَوْتُهُ، إذْ مَا صَحَّ بِيَقِينٍ فَلَا يَسْقُطُ بِالدَّعْوَى - وَأَمَّا مَا لَمْ يَجِبْ فِي حَيَاتِهِ بَعْدُ، فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ مَالَهُ قَدْ صَارَ بِمَوْتِهِ لِوَرَثَتِهِ، أَوْ لِلْغُرَمَاءِ بِلَا شَكٍّ.
فَإِذْ صَارَ لَهُمْ، فَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِهِمْ، وَالدِّيَةُ لَا تَجِبُ إلَّا بِمَوْتِ الْمَقْتُولِ، فَإِذَا وَجَبَتْ بِمَوْتِهِ - وَلَا مَالَ لِلْجَانِي - فَمِنْ الْبَاطِلِ الْبَحْتِ الْمَقْطُوعِ بِهِ: أَنْ تُؤْخَذَ دِيَةٌ مِنْ مَالِ مَنْ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَلَا جَنَى عَلَيْهِ - وَكَذَلِكَ دِيَةُ الْقَاتِلِ الَّذِي قَدْ مَاتَ قَبْلَ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِ، وَالْأَحْكَامُ لَا تَلْحَقُ الْمَوْتَى، وَإِنَّمَا تَلْحَقُ الْأَحْيَاءَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - فَهَذَا حُكْمُ الظَّالِمَيْنِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْقَاتِلُ الْحَيُّ مَظْلُومًا وَالْمَقْتُولُ ظَالِمًا، فَقَدْ مَضَى إلَى لَعْنَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ الْجَارِحِ - لَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ - لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي " كِتَابِ أَهْلِ الْبَغْيِ ".
стр. 4708
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا الْمُصْطَدِمَانِ: رَاجِلَيْنِ، أَوْ عَلَى دَابَّتَيْنِ، أَوْ السَّفِينَتَيْنِ يَصْطَدِمَانِ، فَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: فِي السَّفِينَتَيْنِ يَصْطَدِمَانِ لَا ضَمَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا أَحَدُ قَوْلَيْنِ: إمَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ مُدَبِّرُ السَّفِينَةِ نِصْفَ مَا أَصَابَتْ سَفِينَتُهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ أَلْبَتَّةَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى صَرْفِهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَنْ يُطِيعُهُ فَلَا يَفْعَلُ فَيَضْمَنُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ: أَنَّهُ مَا قَدَرَ عَلَى صَرْفِهَا، وَضَمَانُ الْأَمْوَالِ إذَا ضَمِنَ فِي ذِمَّتِهِ، وَضَمَانُ النُّفُوسِ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا اصْطَدَمَتْ السَّفِينَتَانِ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنْ رُكَّابِهِمَا، لَكِنْ بِغَلَبَةٍ، أَوْ غَفْلَةٍ فَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا.
فَإِنْ حَمَلَا سَفِينَتَهُمَا عَلَى التَّصَادُمِ فَهَلَكَتَا: ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٌ نِصْفَ قِيمَةِ السَّفِينَةِ الْأُخْرَى، لِأَنَّهَا هَلَكَتْ مِنْ فِعْلِهَا، وَمِنْ فِعْلِ رُكَّابِهَا.
وَأَمَّا الْفَارِسَانِ يَصْطَدِمَانِ - فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَمَالِكًا، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ، قَالُوا: إنْ مَاتَا فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ كَامِلَةً.
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَزُفَرُ، وَالشَّافِعِيُّ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - بِمِثْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ - وَكَذَلِكَ أَوْجَبُوا إنْ هَلَكَتْ الدِّيَتَانِ - أَوْ إحْدَاهُمَا - فَنِصْفُ قِيمَتِهَا أَيْضًا.
كَذَلِكَ - لَوْ رَمَوْا بِالْمَنْجَنِيقِ فَعَادَ الْحَجَرُ عَلَى أَحَدِهِمْ فَمَاتَ، فَإِنَّ الدِّيَةَ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ، وَتَسْقُطُ مِنْهَا حِصَّةُ الْمَقْتُولِ، لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِهِ وَفِعْلِ غَيْرِهِ.
قَالُوا: فَلَوْ صَدَمَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَقَطْ، فَمَاتَ الْمَصْدُومُ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّادِمِ إنْ كَانَ خَطَأً، وَفِي مَالِ الْقَاتِلِ إنْ قُتِلَتْ فِي الْعَمْدِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - أَنَّ السَّفِينَتَيْنِ إذَا اصْطَدَمَتَا بِغَلَبَةِ رِيحٍ أَوْ غَفْلَةٍ، فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ الرُّكْبَانِ فِي ذَلِكَ
стр. 4709
عَمَلٌ أَصْلًا وَلَمْ يَكْسِبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا، وَأَمْوَالُهُمْ وَأَمْوَالُ عَوَاقِلِهِمْ مُحَرَّمَةٌ، إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ.
فَإِنْ كَانُوا تَصَادَمُوا وَحَمَلُوا - وَكُلُّ أَهْلِ سَفِينَةٍ غَيْرُ عَارِفَةٍ بِمَكَانِ الْأُخْرَى لَكِنْ فِي ظُلْمَةٍ لَمْ يَرُوا شَيْئًا - فَهَذِهِ جِنَايَةٌ، وَالْأَمْوَالُ مَضْمُونَةٌ، لِأَنَّهُمْ تَوَلَّوْا إفْسَادَهَا، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وَأَمَّا الْأَنْفُسُ - فَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ كُلِّهِمْ، لِأَنَّهُ قَتْلُ خَطَأٍ، وَإِنْ كَانُوا تَعَمَّدُوا فَالْأَمْوَالُ مَضْمُونَةٌ - كَمَا ذَكَرْنَا - وَعَلَى مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَالْقَوْلُ فِي الْفَارِسَيْنِ، أَوْ الرَّجُلَيْنِ يَصْطَدِمَانِ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ - أَيْضًا - الرُّمَاةُ بِالْمَنْجَنِيقِ تُقَسَّمُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَتُؤَدِّي عَاقِلَتُهُ وَعَاقِلَتُهُمْ دِيَتَهُ سَوَاءٌ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُ فِي الْخَطَأِ قَاتِلٌ نَفْسَهُ مَعَ مَنْ قَتَلَهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ: أَنَّ فِي قَاتِلِ نَفْسِهِ الدِّيَةَ بِنَصِّ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَاتِلِ الْخَطَأِ، فَعَمَّ تَعَالَى كُلَّ مَقْتُولٍ، وَلَمْ يَخُصَّ خَطَأً ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَسْأَلَتِنَا فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الْمُصْطَدِمَيْنِ إنَّ الْمَيِّتَ مَاتَ مِنْهُمَا مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَمِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ - فَهُوَ خَطَأٌ، وَالْفِعْلُ إنَّمَا هُوَ مُبَاشَرَةُ الْفَاعِلِ وَمَا يَفْعَلُهُ فِيهِ - وَهُوَ لَمْ يُبَاشِرْهُ بِصَدْمَةِ غَيْرِهِ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا.
وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ دَفَعَ ظَالِمًا إلَى ظَالِمٍ آخَرَ لِيُقَاتِلَهُ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ: أَنَّ عَلَى الْقَاتِلِ مِنْهُمَا الْقَوَدَ، أَوْ الدِّيَةَ كُلَّهَا - إنْ فَاتَ الْقَوَدُ بِبَعْضِ الْعَوَارِضِ - وَهُوَ قَدْ تَسَبَّبَ فِي مَوْتِ نَفْسِهِ بِابْتِدَاءِ الْقِتَالِ، كَمَا تَسَبَّبَ فِي مَوْتِ نَفْسِهِ فِي الصَّدْمِ، وَلَا فَرْقَ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْمُتَصَارِعَيْنِ، وَالْمُتَلَاعَبِينَ، وَلَا فَرْقَ وَمَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللَّعِبِ شَيْئًا حَظَرَهُ فِي الْجِدِّ.
وَأَمَّا مَنْ سَقَطَ مِنْ عُلُوٍّ عَلَى إنْسَانٍ فَمَاتَا جَمِيعًا، أَوْ مَاتَ الْوَاقِعُ، أَوْ الْمَوْقُوعُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْوَاقِعُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِإِتْلَافِ الْمَوْقُوعِ عَلَيْهِ بِلَا شَكٍّ، وَبِالْمُشَاهَدَةِ، لِأَنَّ الْوَقْعَةَ
стр. 4710
قَتَلَتْ الْمَوْقُوعَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْمَلْ الْمَوْقُوعُ عَلَيْهِ شَيْئًا: فَدِيَةُ الْمَوْقُوعِ عَلَيْهِ - إنْ هَلَكَ - عَلَى عَاقِلَةِ الْوَاقِعِ - إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْوُقُوعَ عَلَيْهِ - لِأَنَّهُ قَاتِلُ خَطَأٍ، فَإِنْ تَعَمَّدَ، فَالْقَوَدُ وَاقِعٌ عَلَيْهِ إنْ سَلِمَ، أَوْ الدِّيَةُ - وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ إنْ مَاتَ الْمَوْقُوعُ عَلَيْهِ قَبْلَهُ.
فَإِنْ مَاتَا مَعًا، أَوْ مَاتَ الْوَاقِعُ قَبْلُ، فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِمَوْتِ الْمَقْتُولِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَإِذَا مَاتَ فِي حَيَاةِ قَاتِلَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ أَوْ الْقَوَدُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ. وَإِذَا مَاتَ مَعَ قَاتِلِهِ أَوْ بَعْدَ قَاتِلِهِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ بَعْدُ شَيْءٌ - لَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ - فِي حَيَاةِ الْقَاتِلِ، فَإِذَا مَاتَ فَالْقَاتِلُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَالْمَالُ قَدْ صَارَ لِلْوَرَثَةِ، وَهَذَا لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُمْ - وَلَيْسَ هَكَذَا قَتْلُ الْخَطَأِ، لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ فِي مَالِ الْجَانِي، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَسَوَاءٌ مَاتَ الْقَاتِلُ قَبْلَ الْمَقْتُولِ، أَوْ مَعَهُ، أَوْ بَعْدَهُ: لَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ وُجُوبُ الدِّيَةِ - إمَّا عَلَى الْعَاقِلَةِ إنْ عَلِمَتْ، وَإِمَّا فِي كُلِّ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا جَاءَ فِي سَهْمِ الْغَارِمِينَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلَا شَيْءَ لِوَارِثِ الْوَاقِعِ إنْ مَاتَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ - لَا دِيَةَ وَلَا غَيْرَهَا - لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ أَحَدٌ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَسَوَاءٌ وَقَعَ عَلَى سِكِّينٍ بِيَدِ الْمَدْفُوعِ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى رُمْحٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، لِأَنَّهُ إنْ عَمَدَ فَهُوَ قَاتِلٌ نَفْسَهُ عَمْدًا، وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ - وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْمِدْ فَلَمْ يُبَاشِرْ فِي نَفْسِهِ جِنَايَةً، وَإِنَّمَا هُوَ قَتِيلُ حَجَرٍ أَوْ حَدِيدَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا الْمُتَمَاقِلُونَ فِي الْمَاءِ فَإِنْ عُرِفَ أَيُّهُمْ غَطَّسَهُ فِي الْمَاءِ حَتَّى مَاتَ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَالْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قَاصِدٍ لَكِنْ غَطَسَ أَحَدُهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ لِيَخْرُجَ لَقِيَ سَاقَيْ آخَرَ فَمَنَعَتَاهُ الْخُرُوجَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِذَلِكَ: فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ بَاشَرَ ذَلِكَ فِيهِ غَيْرَ قَاصِدٍ فَهُوَ قَتْلُ خَطَأٍ، فَإِنْ كَانَ غَطَّسَهُ تَغْطِيسَةً - لَا يُمَاتُ أَلْبَتَّةَ مِنْ مِثْلِهَا - فَوَافَقَ مَنِيَّتَهُ، فَهَذَا لَا شَيْءَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ - لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً - بَلْ مَاتَ بِأَجَلِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ.
فَإِنْ جُهِلَ مَنْ عَمِلَ ذَلِكَ بِهِ، فَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أُحْلِفَ وَبُرِّئَ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ - وَلَا قَسَامَةَ هَاهُنَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا حَكَمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِالْقَسَامَةِ.
стр. 4711
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ إنَّ حُكْمَ الْقَسَامَةِ وَاجِبٌ هَاهُنَا، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَكَمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقَسَامَةِ، لِأَنَّ كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ قَتِيلٌ وُجِدَ، وَلَمْ يَقُلْ ﵊ إنِّي حَكَمْت بِالْقَسَامَةِ مِنْ أَجْلِ الدَّارِ، وَلَا مِنْ غَيْرِ أَجْلِ الدَّارِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ ﵊ مَا لَمْ يَقُلْ، لَكِنْ نَحْكُمُ فِي نَوْعِ تِلْكَ الْحَالِ مِثْلَ حُكْمِهِ فِيهَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَكَذَلِكَ مَنْ قُتِلَ فِي اخْتِلَاطِ قِتَالٍ، أَوْ لَيْلًا، أَوْ أَيْنَ قُتِلَ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا حَفَرُوا فِي حَائِطٍ - بِحَقٍّ أَوْ بِبَاطِلٍ - أَوْ فِي مَعْدِنٍ، أَوْ بِئْرٍ فَتَرَدَّى عَلَيْهِمْ الْحَائِطُ، أَوْ الْجُرُفُ فَمَاتُوا، أَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ؟ فَإِنْ كَانُوا عَامِدِينَ قَاصِدِينَ إلَى هَدْمِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: فَهُوَ قَتْلُ عَمْدٍ، وَالْقَوَدُ عَلَى مَنْ عَاشَ، أَوْ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، لِجَمِيعِ مَنْ مَاتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِيَةٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَهَذَا حُكْمُ قَاتِلِ النَّفْسِ عَمْدًا.
وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَقْصِدُوا إلَّا الْعَمَلَ لَا هَدْمَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَهُمْ قَتَلَةُ خَطَأٍ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ كُلِّهِمْ دِيَةٌ دِيَةٌ لِكُلِّ مَنْ مَاتَ فَقَطْ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَوَاقِلُ فَمِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ، أَوْ مِنْ كُلِّ مَالٍ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا وَقَفُوا عَلَى جُرُفٍ فَانْهَارَ بِأَحَدِهِمْ فَتَعَلَّقَ بِمَنْ يَقْرُبُهُ، وَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِآخَرَ فَسَقَطُوا فَمَاتُوا، فَالْمُتَعَلِّقُ بِصَاحِبِهِ قَاتِلُ خَطَأٍ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُتَعَلِّقِ - فَكَأَنَّ زَيْدًا تَعَلَّقَ بِخَالِدٍ، وَتَعَلَّقَ خَالِدٌ بِمُحَمَّدٍ، فَعَلَى عَاقِلَةِ زَيْدٍ دِيَةُ خَالِدٍ، وَعَلَى عَاقِلَةِ خَالِدٍ دِيَةَ مُحَمَّدٍ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ أَبَدًا، لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِإِنْسَانٍ إلَى مَهْلَكَةٍ قَاتِلُ خَطَأٍ، إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ بِلَا شُبْهَةٍ فَهُوَ قَاتِلُ عَمْدٍ، لَيْسَ فِيهِ إلَّا - لَوْ خُلِّصَ الْمُتَرَدِّي - الْقَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ.
فَلَوْ تَعَلَّقُوا هَكَذَا فَوَقَعُوا عَلَى أَسَدٍ، أَوْ ثُعْبَانٍ فَقَتَلَهُمْ؟ فَإِنْ كَانَ خَطَأً فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ قَاتِلَ خَطَأٍ، وَإِنَّمَا قَتَلَتْ الْبَهِيمَةُ - وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ - إنْ خُلِّصَ - وَيُرْمَى إلَى مِثْلِ الْبَهِيمَةِ حَتَّى تَقْتُلَهُ، كَمَا فَعَلَ هُوَ بِأَخِيهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
стр. 4712
﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ قَالَ: اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ لِيَحْفِرُوا لَهُ بِئْرًا فَحَفَرُوهَا فَانْخَسَفَتْ بِهِمْ الْبِئْرُ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ؟ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَضَمِنَ الثَّلَاثَةُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ وَطُرِحَ عَنْهُ رُبْعُ الدِّيَةِ.
قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الْأَثَرُ فِي وَضْعِ عَلِيٍّ الدِّيَةَ فِي قِصَّةِ الْحَفَّارِينَ فَهِيَ ثَابِتَةٌ عَنْهُ، وَهِيَ مُوَافَقَةٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا - وَهُمْ يُشَنِّعُونَ عَلَى مَنْ خَالَفَ الصَّاحِبَ إذَا وَافَقَ آرَاءَهُمْ؟ وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَاهُنَا الرِّوَايَةَ الثَّابِتَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهَذَا يُوضِحُ عَظِيمَ تَنَاقُضِهِمْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْحَفَّارُونَ كُلُّهُمْ بَاشَرَ هَدْمَ مَا انْهَارَ عَلَى الَّذِي هَلَكَ مِنْهُمْ، فَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ كُلِّهِمْ عَوَاقِلِ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتُوا كُلُّهُمْ دِيَةٌ دِيَةٌ لِكُلِّ مَنْ مَاتَ - يَعْنِي أَنَّ فِي كُلِّ مَيِّتٍ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ تُؤَدَّى إلَى عَوَاقِلِ جَمِيعِهِمْ وَعَاقِلَةُ الْمَيِّتِ فِي جُمْلَتِهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أُجَرَاءَ اُسْتُؤْجِرُوا لِيَهْدِمُوا حَائِطًا فَخَرَّ عَلَيْهِمْ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ يَغْرَمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ بَقِيَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ أَعْمَى يُنْشِدُ النَّاسَ فِي زَمَانِ عُمَرَ يَقُولُ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَقِيت مُنْكَرَا ... هَلْ يَعْقِلُ الْأَعْمَى الصَّحِيحَ الْمُبْصِرَا
خَرَّا مَعًا كِلَاهُمَا تَكَسَّرَا
стр. 4713
قَالَ وَكِيعٌ: كَانُوا يَرُونَ أَنَّ رَجُلًا صَحِيحًا كَانَ يَقُودُ أَعْمَى فَوَقَعَا فِي بِئْرٍ فَخَرَّ عَلَيْهِ؟ فَإِمَّا قَتَلَهُ، وَإِمَّا جَرَحَهُ، فَضَمِنَ الْأَعْمَى.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي رَجُلٍ أَعْمَى قَادَهُ رَجُلٌ فَخَرَّا مَعًا فِي بِئْرٍ فَمَاتَ الصَّحِيحُ وَلَمْ يَمُتْ الْأَعْمَى؟ فَقَضَى عُمَرُ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَعْمَى بِالدِّيَةِ، فَكَانَ الْأَعْمَى يَتَمَثَّلُ بِأَبْيَاتِ شَعْرٍ قَالَهَا، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا قَبْلَ هَذَا.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الْبَصِيرِ يَقُودُ الْأَعْمَى فَيَقَعُ الْبَصِيرُ فِي بِئْرٍ، وَيَقَعُ الْأَعْمَى عَلَى الْبَصِيرِ، فَيَمُوتُ الْبَصِيرُ؟ فَإِنَّ دِيَةَ الْبَصِيرِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَعْمَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ لَا تَصِحُّ فِي أَمْرِ الْأَعْمَى، لِأَنَّهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، وَاللَّيْثِ، وَكِلَاهُمَا لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ أَصْلًا.
وَالْقَوْلُ فِي هَذَا عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ وَقَعَ عَلَى آخَرَ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ دَفَعَهُ غَيْرُهُ فَمَاتَ الْوَاقِعُ أَوْ الْمَوْقُوعُ عَلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوعُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي جَرَّ الْوَاقِعَ فَوَقَعَ عَلَيْهِ، كَبَصِيرٍ يَقُودُ أَعْمَى - وَهُوَ يُمْسِكُهُ - فَوَقَعَ الْبَصِيرُ، وَانْجَبَذَ بِجَبْذِهِ الْأَعْمَى، أَوْ الْمَرِيضُ فَوَقَعَ عَلَيْهِ فَمَاتَ الْأَسْفَلُ، أَوْ الْأَعْلَى - أَوْ يَكُونَ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ، لَكِنْ عَمَدَ رَمْيَ نَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَعْمِدْ، لَكِنْ عَثَرَ إذْ خَرَّ فَإِنْ دَفَعَهُ غَيْرُهُ، فَالدَّافِعُ هُوَ الْقَاتِلُ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ، فِي أَيِّهِمَا مَاتَ فَإِنْ كَانَ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، إذْ هُوَ الْقَاتِلُ خَطَأً - وَالْمَدْفُوعُ حِينَئِذٍ وَالْحَجَرُ سَوَاءٌ - فَهَذَا وَجْهٌ.
وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ عَلَيْهِ هُوَ جَبَذَ الْوَاقِعَ فَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَهُوَ قَاتِلُ عَمْدٍ، فَإِنْ مَاتَ الْمَجْبُوذُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ - وَإِنْ مَاتَ هُوَ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَجْبُوذِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ، وَلَا أَخْطَأَ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْمِدْ جَبْذَهُ - وَلَكِنْ اسْتَمْسَكَ بِهِ - فَوَقَعَ فَمَاتَ، فَعَلَى عَاقِلَةِ الْجَابِذِ دِيَةُ الْمَجْبُوذِ إنْ مَاتَ، وَالْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ قَاتِلُ خَطَأٍ - فَإِنْ مَاتَ هُوَ فَلَيْسَ عَلَى الْمَجْبُوذِ شَيْءٌ، وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَامِدًا وَلَا مُخْطِئًا، لَكِنْ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَابِذِ دِيَةُ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ قَاتِلُ نَفْسِهِ خَطَأً - فَهَذَا وَجْهٌ ثَانٍ.
وَإِنْ كَانَ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَهُوَ قَاتِلُ عَمْدٍ - إنْ سَلِمَ فَالْقَوَدُ،
стр. 4714
أَوْ الدِّيَةُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ - وَإِنْ مَاتَ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسِهِ عَمْدًا، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَوْقُوعِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْمِدْ فَهُوَ قَاتِلُ خَطَأٍ إمَّا نَفْسَهُ وَإِمَّا الْآخَرَ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا بُدَّ، وَعَلَيْهِ إنْ سَلِمَ هُوَ وَمَاتَ الْآخَرُ: كَفَّارَةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - وَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ إنَّ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ عِوَضٌ مِنْ الدِّيَةِ وَالْعِتْقِ]
٢٠٩٥ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَالَ إنَّ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ عِوَضٌ مِنْ الدِّيَةِ وَالْعِتْقِ إنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ عَلِيٌّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا زَكَرِيَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سُئِلَ مَسْرُوقٌ عَمَّنْ ﴿قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] عَنْ الرَّقَبَةِ وَحْدَهَا، أَمْ عَنْ الدِّيَةِ وَالرَّقَبَةِ قَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَنْ الدِّيَةِ وَالرَّقَبَةِ.
وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا إسْرَائِيلُ عَنْ جَبْرٍ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَنْ الدِّيَةِ وَالرَّقَبَةِ.
قَالَ عَلِيٌّ: ذَهَبَ مَسْرُوقٌ، وَالشَّعْبِيُّ هَاهُنَا إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] إنْ صَحَّ مَعْنَاهُ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الدِّيَةَ وَالرَّقَبَةَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَلَوْلَا دَلِيلٌ نَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عُمُومٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ إلَّا بِدَلِيلٍ، لَكِنْ لَمَّا عَلِمْنَا أَنَّ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ لَيْسَتْ عَلَى الْقَاتِلِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ بَطَلَ مَا قَالَ مَسْرُوقٌ، وَعَامِرٌ، لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا نُبَالِي وَجَدَهَا الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَجِدْهَا - فَصَحَّ بِذَلِكَ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء: ٩٢] إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُنْظَرُ فِيهِ إلَى وُجُودِ الْمُكَلَّفِ لَا فِيمَا لَا يُنْظَرُ فِيهِ إلَى وُجُودِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا فِي الرَّقَبَةِ الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فِي صُلْبِ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَالصِّيَامُ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ فَالدِّيَةُ وَاجِبَةٌ فِي ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَالٍ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ دِيَةً مُسَلَّمَةً إلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] .
стр. 4715
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» .
وَوَجَدْنَا النَّاسَ قَدْ اخْتَلَفُوا: هَلْ دِيَةُ الْخَطَأِ عَلَى الْقَاتِلِ الْمُخْطِئِ أَمْ لَا؟ فَوَجَبَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذْ أَوْجَبَ الدِّيَةَ فِي ذَلِكَ لَمْ يُلْزِمْهَا الْقَاتِلَ، فَلَا سَبِيلَ إلَى إلْزَامِهِ دِيَةً لَمْ يُلْزِمْهُ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهَا، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَلَا إجْمَاعُ الْأُمَّةِ؛ وَقَدْ صَحَّ النَّصُّ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى: إلْزَامِهِ الْكَفَّارَةَ بِالْعِتْقِ، أَوْ الصِّيَامِ، فَوَقَفْنَا عِنْدَ النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ وَأَلْزَمْنَا الدِّيَةَ الْعَاقِلَةَ بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي أَبْوَابِ الْعَاقِلَةِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَلْزَمْنَاهَا فِي كُلِّ مَالٍ.
[مَسْأَلَةٌ أَمَرَ غَيْرَهُ بِقَتْلِ إنْسَانٍ]
٢٠٩٦ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِقَتْلِ إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ الْمَأْمُورُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلُ الْآمِرُ وَحْدَهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلُ الْمَأْمُورُ وَحْدَهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلَانِ جَمِيعًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقْتَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا: فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إذَا أَمَرَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، فَهُوَ كَسَيْفِهِ وَسَوْطِهِ.
أَمَّا السَّيِّدُ فَيُقْتَلُ - وَأَمَّا الْعَبْدُ فَيُسْتَوْدَعُ فِي السِّجْنِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: رَجُلٌ أَمَرَ عَبْدَهُ فَقَتَلَ رَجُلًا؟ فَقَالَ: عَلَى الْآمِرِ، سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: يُقْتَلُ الْحُرُّ الْآمِرُ، وَلَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَعَثَ بِهَدِيَّةٍ مَعَ عَبْدِهِ إلَى رَجُلٍ، مَنْ أَهْدَاهَا؟ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْت: فَأَجِيرُهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ مِثْلُ عَبْدِهِ؟ قُلْت: فَأَمَرَ رَجُلًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا لَا يَمْلِكُهُ، وَلَيْسَا بِأَجِيرَيْنِ، قَالَ: عَلَى الْمَأْمُورِ - إذَا لَمْ يَمْلِكْهُمَا - إذَا أَمَرَ حُرًّا فَقَتَلَ رَجُلًا، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ وَلَيْسَ عَلَى الْآمِرِ شَيْءٌ.
стр. 4716
وَالْقَوْلُ الثَّانِي - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا شُعْبَةُ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْمُرُ الرَّجُلَ فَيَقْتُلُ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: يُقْتَلُ الْقَاتِلُ، وَلَيْسَ عَلَى الْآمِرِ قَوَدٌ.
وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ فِي الَّذِي يَأْمُرُ عَبْدَهُ فَيَقْتُلُ رَجُلًا قَالَ: يُقْتَلُ الْعَبْدُ؟ وَلِلشَّعْبِيِّ كَلَامٌ آخَرُ زَائِدٌ وَيُعَاقَبُ السَّيِّدُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ - هُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ: أَنَّهُمَا يُقْتَلَانِ جَمِيعًا.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ - رُوِّينَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: لَوْ أَمَرَ رَجُلٌ عَبْدًا لَهُ فَقَتَلَ رَجُلًا لَمْ يُقْتَلْ الْآمِرُ، وَلَكِنْ يَدِيهِ، وَيُعَاقَبُ، وَيُحْبَسُ - فَإِنْ أَمَرَ حُرًّا فَإِنَّ الْحُرَّ إنْ شَاءَ أَطَاعَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَا، فَلَا يُقْتَلُ الْآمِرُ.
وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ - فَإِنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ قَالَ: يُقْتَلُ الْعَبْدُ، وَيُعَاقَبُ السَّيِّدُ الْآمِرُ - وَلَوْ أَمَرَ رَجُلٌ صَبِيًّا بِقَتْلِ إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ الصَّبِيُّ، فَالدِّيَةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، وَيُرْجَعُ بِهَا عَلَى الَّذِي أَمَرَهُ وَلَا يُقْتَلُ الْآمِرُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إنْ أَمَرَ عَبْدَهُ بِقَتْلِ إنْسَانٍ قُتِلَ الْآمِرُ، وَيُؤَدَّبُ الْعَبْدُ - فَإِنْ أَمَرَ حُرًّا فَقَتَلَهُ قُتِلَ الْمَأْمُورُ وَحْدَهُ - وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي عَبْدٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَمَرَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، فَسَيِّدُ الْقَاتِلِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ دَفَعَ عَبْدَهُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ، فَإِنْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ الْآمِرُ رَجَعَ سَيِّدُ الْمَأْمُورِ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ عَبْدِهِ الَّذِي أَسْلَمَ، أَوْ الَّذِي فَدَاهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا أَمَرَ عَبْدٌ عَبْدًا بِإِتْلَافِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، فَإِنَّهُ إذَا أُعْتِقَ الْآمِرُ لَزِمَهُ الْمَالُ الْمُتْلَفُ بِأَمْرِهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الدَّمُ الْمُتْلَفُ بِأَمْرِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ، أَوْ دَيْنٍ فِي رَقَبَةٍ ثُمَّ أُعْتِقَ فَإِنَّ الدَّيْنَ يَلْزَمُهُ وَلَا تَلْزَمُهُ الْجِنَايَةُ.
وَقَالَ زُفَرُ، وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ، فِي عَبْدٍ أَمَرَ صَبِيًّا بِقَتْلِ إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، فَعَلَى عَاقِلَةِ
стр. 4717
الصَّبِيِّ الدِّيَةُ، ثُمَّ تَرْجِعُ بِهَا عَاقِلَةُ الصَّبِيِّ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْفَعْ الْعَبْدَ إلَى الْعَاقِلَةِ أَوْ افْدِهِ بِالدِّيَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ أَمَرَ حُرٌّ عَبْدَ غَيْرِهِ بِقَتْلِ إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، أَوْ أَمَرَ بِذَلِكَ صَبِيًّا أَجْنَبِيًّا فَقَتَلَ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ يُمَيِّزَانِ أَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، وَأَنَّ طَاعَتَهُ لَيْسَتْ عَلَيْهِمَا: عُوقِبَ الْآمِرُ وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَلَا دِيَةَ، وَالْقَاتِلُ هَاهُنَا هُوَ الْعَبْدُ أَوْ الصَّبِيُّ، قَالَ: فَإِنْ كَانَا لَا يُمَيِّزَانِ ذَلِكَ فَعَلَى الْآمِرِ الْقَوَدُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ: فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ؟ فَوَجَدْنَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، بَلْ هِيَ أَقْوَالٌ مُتَخَاذِلَةٌ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ سُفْيَانَ فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا خَطَأً، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ السَّيِّدِ يَأْمُرُ عَبْدَهُ بِقَتْلِ إنْسَانٍ فَيُنَفِّذُ أَمْرَهُ، فَجَعَلَ الْعَبْدَ هُوَ الْقَاتِلَ، وَلَمْ يَرَ السَّيِّدَ الْآمِرَ قَاتَلَا.
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، فَدَاخِلَةٌ فِي أَقْوَالِ مَنْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَتَرَكْنَا أَنْ نَخُصَّهَا بِالذَّكَرِ اكْتِفَاءً بِكَلَامِنَا فِي تِلْكَ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى " لَا يُقْتَلُ الْآمِرُ وَلَا الْمَأْمُورُ " فَخَطَأٌ، لِأَنَّ هَاهُنَا قَتْلٌ عَمْدٌ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ الْقَوَدَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِأَنَّ الْقَاتِلَ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْقَتْلِ الْمُبَاشِرُ لِلْقَتْلِ، فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْقَوَدُ خَاصَّةً.
وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ فَإِنَّهُمَا جَعَلَا الْآمِرَ هُوَ الْقَاتِلَ، فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَجَعَلُوا الْمَأْمُورَ آلَةً لَهُ مُصَرَّفَةً - هَذِهِ حُجَّتُهُمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدَّمُوهُ أَصْحَابُ الْقِيَاسِ هَاهُنَا بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قِيَاسٌ - يَعْنِي قَوْلَ عَلِيٍّ: إنَّ الْمَأْمُورَ هُوَ كَسَيْفِ الْآمِرِ وَسَوْطِهِ.
وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَرَأَيْت لَوْ أَرْسَلَ مَعَهُ هَدِيَّةً، مَنْ الْمُهْدِي لَهَا؟ ".
وَهَذَا لَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِهِ، وَلَا هُوَ مِنْ الْقِيَاسِ، لَا فِي وِرْدٍ وَلَا فِي صَدْرٍ، لِأَنَّ
стр. 4718
الْقِيَاسَ عِنْدَ جَمِيعِ الْقَائِلِينَ بِهِ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ لِمَسْكُوتٍ عَنْهُ بِحُكْمٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، أَوْ بِحُكْمٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بِحُكْمٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَرُدَّ الْفَرْعَ إلَى الْأَصْلِ بِنَوْعٍ مِنْ الشَّبَهِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَصْلًا - فَبَطَلَ بِإِقْرَارِهِمْ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا، إذْ بِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ الْمَأْمُورَ لَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ السَّيْفِ، وَالسَّوْطِ، لِأَنَّ عَلِيًّا رَأَى عَلَى الْمَأْمُورِ السَّجْنَ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا سَجْنَ عَلَى السَّيْفِ، وَلَا السَّوْطِ.
فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلِيٌّ قَطُّ لِلْمَأْمُورِ بِالْحُكْمِ فِي السَّيْفِ، وَالسَّوْطِ، فَبَطَلَ الْإِيهَامُ جُمْلَةً.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَرَأَيْت لَوْ أَهْدَى مَعَهُ هَدِيَّةً، مَنْ الَّذِي أَهْدَاهَا؟ " فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَمَا حُكْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَطُّ لِلْقَاتِلِ الْمَأْمُورِ بِمِثْلِ الْحُكْمِ فِي حَامِلِ الْهَدِيَّةِ، بَلْ الْحُكْمُ فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ حَامِلَ الْهَدِيَّةِ، وَمُهْدِيَهَا: يُشْكَرَانِ، وَالْآمِرُ، وَالْقَاتِلُ: يُقْتَلُ، وَيُلَامَانِ - وَهَذَا لَوْ كَانَ قِيَاسًا لَكَانَ قِيَاسًا لِلشَّيْءِ عَلَى ضِدِّهِ، وَلَوْ كَانَ قِيَاسًا لَا يُوجِبُ اتِّفَاقًا فِي الْحُكْمِ - وَهَذَا هُوَ تَرْكُ الْقِيَاسِ حَقًّا، وَإِنَّمَا هُوَ تَشْبِيهٌ فَقَطْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي كُنَّا فِيهَا فَنَقُولُ: إنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا، إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَفَعَلْنَا فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا جَمِيعًا: نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ آيَةَ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ - أَيْضًا - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُ «أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْت فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: هَلْ أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» .
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ أَرَادَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَسْرُوقًا، فَقَالَ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ: أَتَسْتَعْمِلُ رَجُلًا مِنْ بَقَايَا قَتَلَةِ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ مَسْرُوقٌ: حَدَّثَنَا
стр. 4719
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِ أَبِيك قَالَ: مَنْ لِلصِّبْيَةِ؟ قَالَ: النَّارُ، قَالَ مَسْرُوقٌ: فَرَضِيتُ لَكَ مَا جَعَلَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا» .
قَالَ عَلِيٌّ: فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ: أَنَّ الْآمِرَ يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ [الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ] فَاعِلًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ - عَلَى حَسَبِ مَا جَاءَتْ بِهِ اللُّغَةُ - فَسَمَّى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - وَهُمْ الْحُجَّةُ فِي اللُّغَةِ - مَنْ أَمَرَ بِرَجْمِ آخَرَ فَرَجَمَ - رَاجِمًا لِلْمَرْجُومِ. وَسَمَّى أَيْضًا نَفْسَهُ - رَاجِمًا - وَسَمَّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَاجِمًا - وَهُوَ لَمْ يَحْضُرْ رَجْمًا -: كَمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا حَمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّهَاوِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ زَنَيْتُ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ، فَلَمَّا مَسَّتْهُ الْحِجَارَةُ أَدْبَرَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فِي يَدِهِ لَحْيُ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ فَصَرَعَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرَارُهُ حِينَ مَسَّتْهُ الْحِجَارَةُ؟ فَقَالَ: فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ؟» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَسَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ - قَاطِعًا يَدَ السَّارِقِ - وَإِنَّمَا تَوَلَّى الْقَطْعَ غَيْرُهُ - وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَإِنَّمَا تَوَلَّى قَتْلَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَهَكَذَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ كَمَا رُوِّينَا عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَرَجْمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتُكِ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُكِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ مَنْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ وَكَانَ مُتَوَلِّي الْقَتْلِ مُطِيعًا لِلْآمِرِ مُنَفِّذًا لِأَمْرِهِ، وَلَوْلَا أَمْرُهُ إيَّاهُ لَمْ يَقْتُلْهُ يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ - قَاتِلًا - وَقَاطِعًا - صَحَّ أَنَّهُمَا جَمِيعًا قَاتِلَانِ، وَقَاطِعَانِ، وَجَالِدَانِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِمَا جَمِيعًا مَا عَلَى الْقَاتِلِ، وَالْقَاطِعِ، وَالْجَالِدِ، مِنْ الْقَوَدِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُكْرِهُ، وَالْآمِرُ، وَالْمُنْطَاعُ - وَهَذَا بُرْهَانٌ ضَرُورِيٌّ لَا مَحِيدَ عَنْهُ.
стр. 4720
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَسَوَاءٌ أَمَرَ عَبْدَهُ، أَوْ عَبْدَ غَيْرِهِ، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ بَالِغًا، أَوْ مَجْنُونًا - إذَا كَانَ مُتَوَلِّيَ الْقَتْلِ، أَوْ الْجِنَايَةِ بِالْقَطْعِ، أَوْ الْكَسْرِ، أَوْ الضَّرْبِ أَوْ أَخْذِ الْمَالِ: إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْآمِرِ - وَلَوْلَا أَمْرُهُ لَمْ يَفْعَلْهُ - فَالْآمِرُ، وَالْمُبَاشِرُ: فَاعِلَانِ لِكُلِّ ذَلِكَ جَمِيعًا.
وَأَمَّا إذَا أَمَرَهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ طَاعَةً لِلْآمِرِ: فَالْمُبَاشِرُ وَحْدَهُ: الْقَاتِلُ، وَالْقَاطِعُ وَالْكَاسِرُ، وَالْفَاقِئُ، وَالْجَانِي: فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَحْدَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآمِرِ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ هَاهُنَا اسْمُ - قَاتِلٍ، وَلَا قَاطِعٍ، وَلَا جَالِدٍ، وَلَا كَاسِرٍ وَلَا فَاقِئٍ - وَإِنَّمَا الْأَحْكَامُ لِلْأَسْمَاءِ فَقَطْ.
أَمَّا الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَالْآمِرُ - هُوَ الْقَاتِلُ، الْقَاطِعُ، الْجَالِدُ، الْكَاسِرُ، الْفَاقِئُ: فَالْقَوَدُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا مَنْ أَمَرَ عَبْدًا لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ حُرًّا، وَكَانُوا جُهَّالًا لَا يَدْرُونَ تَحْرِيمَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ: فَالْآمِرُ وَحْدَهُ هُوَ الْقَاتِلُ الْجَانِي فِي كُلِّ ذَلِكَ - وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَاهِلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَمْرِهِ عَبْدَهُ، وَبَيْنَ أَمْرِهِ غَيْرَهُ - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَمْرِ السُّلْطَانِ وَبَيْنَ أَمْرِ غَيْرِ السُّلْطَانِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا افْتَرَضَ طَاعَةَ السُّلْطَانِ وَطَاعَاتِ السَّادَاتِ فِيمَا هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَرَّمَ طَاعَةَ الْمَخْلُوقِينَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الطَّاعَةِ، فَإِذَا أُمِرَ أَحَدُكُمْ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» .
وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَمَنْ أَمَرَ آخَرَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ بِأَمْرِهِ فَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ مُطِيعًا لِلْأَمْرِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْ نَفْسَهُ فَالْآمِرُ قَاتِلٌ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ كَمَا قُلْنَا فِي قَتْلِ غَيْرِهِ وَلَا فَرْقَ - فَلَوْ أَمَرَهُ فَقَالَ: اُقْتُلْنِي، فَقَتَلَهُ مُؤْتَمِرًا لِأَمْرِهِ فَهُوَ أَيْضًا قَاتِلٌ، وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُمْسِكِ لِلْقَتْلِ]
٢٠٩٧ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ عَلَى الْمُمْسِكِ لِلْقَتْلِ قَوَدٌ؟ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ الْوَاقِفُ وَالْمُصَوِّبُ وَالدَّالُّ، وَالْمُتَّبِعُ وَالْبَاغِي؟
стр. 4721
قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُؤَدَّبُ الْمُمْسِكُ فَقَطْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلُ الْقَاتِلُ وَيُسْجَنُ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ.
قَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلُ الْمُمْسِكُ أَيْضًا.
فَالْقَائِلُونَ بِحَبْسِهِ حَتَّى يَمُوتَ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: إنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أُتِيَ بِرَجُلَيْنِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا وَأَمْسَكَ الْآخَرُ، فَقَتَلَ الَّذِي قَتَلَ، وَقَالَ لِلَّذِي أَمْسَكَ: أَمْسَكْت لِلْمَوْتِ، فَأَنَا أَحْبِسُك فِي السِّجْنِ حَتَّى تَمُوتَ. .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي - كَمَا رُوِّينَا عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ الْمُمْسِكِ وَالْقَاتِلِ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: يُقْتَلُ الْقَاتِلُ.
وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّهْطِ يَجْتَمِعُونَ عَلَى الرَّجُلِ فَيُمْسِكُونَهُ، فَيَفْقَأُ أَحَدُهُمْ عَيْنَيْهِ، أَوْ يَكْسِرُ رِجْلَيْهِ، أَوْ يَدَيْهِ، أَوْ أَسْنَانَهُ، أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنْهُ: إنَّهُ يُقَادُ مِنْ الَّذِي يُبَاشِرُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيُعَاقَبُ الْآخَرُونَ الَّذِينَ أَمْسَكُوهُ عُقُوبَةً مُوجِعَةً - فَإِنْ اسْتَحَبَّ الْمُصَابُ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ يَغْرَمُونَهَا جَمِيعًا سَوَاءً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يُقْتَلُ الْقَاتِلُ، وَيُعَاقَبُ الْمُمْسِكُ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ - فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْت سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى يَقُولُ: الِاجْتِمَاعُ فِينَا عَلَى الْمَقْتُولِ هُوَ أَنْ يُمْسِكَ الرَّجُلُ وَيَضْرِبَهُ الْآخَرُ، فَهُمَا شَرِيكَانِ عِنْدَنَا فِي دَمِهِ: يُقْتَلَانِ جَمِيعًا.
وَعَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّهْطِ يَجْتَمِعُونَ عَلَى الرَّجُلِ فَيُمْسِكُونَهُ فَيَفْقَأُ أَحَدُهُمْ عَيْنَيْهِ، أَوْ يَكْسِرُ رِجْلَيْهِ؛ أَوْ يَدَيْهِ، أَوْ أَسْنَانَهُ، أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنْهُ: أَنَّهُ يُقَادُ مِنْ الَّذِي بَاشَرَ، وَمِنْ الَّذِي أَمْسَكَ، يُقَادُ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ فِي الْقَتْلِ إنْ أَمْسَكَهُ - وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ - فَقَتَلَهُ: فَالْقَوَدُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا - وَبِهِ يَقُولُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
стр. 4722
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْرِفَ صَوَابَ ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ: فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ بِقَتْلِ الْمُمْسِكِ يَقُولُ: قَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِلْمُمْسِكِ أَصْلًا، وَنَعَمْ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَوْ بَاشَرَ قَتْلَهُ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَوَجَبَ قَتْلُهُمْ
وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَالثَّالِثُ - أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِ عُمَرَ الَّتِي خَالَفُوهُ فِيهَا عَشْرَاتٍ: كَخُطْبَتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الضِّرْسِ جَمَلًا، وَفِي الضِّلْعِ جَمَلًا، وَفِي التَّرْقُوَةِ جَمَلًا وَحُكْمِهِ فِي الْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ بِثُلُثِ دِيَتِهَا وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ بِثُلُثِ دِيَتِهَا وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ بِثُلُثِ دِيَتِهَا كُلُّ ذَلِكَ عَنْهُ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ، وَأَوْضَحِ بَيَانٍ.
فَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا: أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ عُمَرُ ﵁ وَخَطَبَ بِهِ، وَحَكَمَ بِهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، لَا يُعْرَفُ لَهُ عَنْهُمْ مُخَالِفٌ فِيهِ لَا يَكُونُ: حُجَّةً، وَيَكُونُ مَا لَمْ يَقُلْ، وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَلَا أَشَارَ إلَيْهِ: حُجَّةً.
وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ، فَكَيْفَ وَهُوَ لَا يَصِحُّ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْمُمْسِكَ مُعِينٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَمَا جَاءَتْ قَطُّ سُنَّةٌ، وَلَا قُرْآنٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ: بِأَنَّ الْمُعِينَ يُقْتَلُ - فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ لِتَعِرِّيهِ مِنْ الْحُجَجِ.
ثُمَّ وَجَدْنَاهُ يُبْطِلُهُ الْبُرْهَانُ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَصَّ: عَلَى أَنْ «لَا يَحِلَّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ تَرَكَ دِينَهُ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا» وَالْمُمْسِكُ لَا يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ " قَاتِلًا ".
ثُمَّ سَأَلْنَاهُمْ عَنْ الْمُمْسِكِ لِلْمَرْأَةِ حَتَّى يَزْنِيَ بِهَا غَيْرُهُ أَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا وَيُسَمَّى " زَانِيًا " أَمْ لَا؟ فَلَا خِلَافَ مِنْهُمْ فِي أَنَّهُ لَيْسَ " زَانِيًا " وَلَا يُسَمَّى " زَانِيًا " وَلَا عَلَيْهِ حَدُّ زِنًى - فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى الْمُمْسِكُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَا أَمْسَكَ لَهُ.
стр. 4723
فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ:
فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا قَاتِلِيهِ فَإِنَّهُ ... سَوَاءٌ عَلَيْنَا مُمْسِكُوهُ وَضَارِبُهُ
قِيلَ لَهُمْ: هَذَا قَوْلٌ جَائِرٌ مُتَعَدٍّ، مُخْبِرٌ عَنْ نِيَّتِهِ فَقَطْ، لَا عَنْ اللُّغَةِ، وَلَا عَنْ الدِّيَانَةِ.
وَبُرْهَانُ هَذَا: قَوْلُهُ فِي هَذَا الشِّعْرِ بَعْدَ هَذَا الْبَيْت:
بَنِي هَاشِمٍ رُدُّوا سِلَاحَ ابْنِ أُخْتِكُمْ ... وَلَا تَنْهَبُوهُ لَا تَحِلَّ مَنَاهِبُهُ
بَنِي هَاشِمٍ كَيْفَ الْهَوَادَةُ بَيْنَنَا ... وَعِنْدَ عَلِيٍّ دِرْعُهُ وَنَجَائِبُهُ
فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا قَاتِلِيهِ فَإِنَّهُ ... سَوَاءٌ عَلَيْنَا قَاتَلُوهُ وَسَالِبُهُ
هُمُو قَتَلُوهُ كَيْ يَكُونُوا مَكَانَهُ ... مَا غَدَرَتْ يَوْمًا بِكِسْرَى مَرَازِبُهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَاشَ لِلَّهِ، وَمَعَاذَ اللَّهِ، وَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَلِيٍّ سَلَبُ عُثْمَانَ وَدِرْعُهُ وَنَجَائِبُهُ، كَمَا قَالَ الْوَلِيدُ الْكَاذِبُ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ قَتَلَ عُثْمَانَ لَأَنْ يَكُونَ مَكَانَهُ، أَوْ لِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، وَعَلِيٌّ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَقْتُلَ عُثْمَانَ، وَعُثْمَانَ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَقْتُلَهُ عَلِيٌّ.
ثُمَّ لَوْ احْتَجَجْنَا بِهَذَا الْبَيْتِ لَكَانَ حُجَّةً لَنَا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ فِيهِ: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا قَاتِلِيهِ فَإِنَّهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا مُمْسِكُوهُ وَضَارِبُهُ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُمْسِكِينَ لَيْسُوا قَاتِلِينَ، فَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَظَرْنَا فِي غَيْرِهِ فَوَجَدْنَا الْمُمْسِكَ لَيْسَ قَاتِلًا، لَكِنَّهُ حَبَسَ إنْسَانًا حَتَّى مَاتَ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، فَكَانَ الْمُمْسِكُ لِلْقَتْلِ سَبَبًا وَمُتَعَدِّيًا، فَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، فَوَاجِبٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، فَيُمْسَكَ مَحْبُوسًا حَتَّى يَمُوتَ - وَبِهَذَا نَقُولُ.
وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ مُرْسَلٌ.
стр. 4724
كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَجُلٍ يُمْسِكُهُ رَجُلٌ وَقَتَلَهُ آخَرُ بِأَنْ يُقْتَلَ الْقَاتِلُ وَيُحْبَسَ الْمُمْسِكُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ خَبَرًا أَثْبَته " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُحْبَسُ الصَّابِرُ لِلْمَوْتِ كَمَا حَبَسَ وَيُقْتَلُ الْقَاتِلُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: تَفْرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حُكْمِ الْحَابِسِ وَبَيْنَ حُكْمِ الْقَاتِلِ: بَيَانٌ جَلِيٌّ.
وَعَهِدْنَا بِالْحَنَفِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ، يَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْسَلَ وَالْمُسْنَدَ سَوَاءٌ - وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ أَحْسَنِ الْمَرَاسِيلِ، وَقَدْ خَالَفُوهُ، وَيُشَنِّعُونَ عَلَى مَنْ خَالَفَ قَوْلَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا]
٢٠٩٨ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَى قَاتِلِ الْعَمْدِ كَفَّارَةٌ، كَمَا هِيَ عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ: يُعْتِقُ رَقَبَةً أَوْ يَصُومُ شَهْرَيْنِ، وَيَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْخَيْرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا: لَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَتُوبُ إلَيْهِ، وَيُكْثِرُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِيَلُوحَ الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ؟ فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، فَوَجَدْنَاهُمَا لَا يَخْلُوَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَا رَأَيَا ذَلِكَ وَاجِبًا أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَا لَمْ يَرَيَاهُ وَاجِبًا، فَأَيُّ مَعْنًى لِتَخْصِيصِهِمَا عِتْقَ رَقَبَةٍ، أَوْ صَوْمَ شَهْرَيْنِ دُونَ سَائِرِ وُجُوهِ الْبِرِّ مِنْ الْجِهَادِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّدَقَةِ.
стр. 4725
وَإِنْ كَانَا رَأَيَاهُ وَاجِبًا، فَقَدْ خَيَّرَاهُ بَيْنَ الْعِتْقِ، وَالصَّوْمِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةَ الْكَفَّارَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ، لِأَنَّ تِلْكَ مُرَتَّبَةٌ، وَهُمْ قَدْ خَيَّرُوهُ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ: بِمَا ثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي نا أَبِي نا ابْنُ الْمُبَارَكِ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ الْغَرِيفِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَقَالُوا: إنَّ صَاحِبًا لَنَا قَدْ أَوْجَبَ؟ قَالَ: فَلِيُعْتِقْ رَقَبَةً يَفُكَّ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ: وَأَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ - الْمُؤَذِّنُ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عُلَيَّةَ قَالَ: كُنْت جَالِسًا بِأَرِيحَاءَ فَمَرَّ بِي وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ فَأَجْلَسَهُ، ثُمَّ جَاءَ إلَيَّ فَقَالَ: عَجِبْت مِمَّا حَدَّثَنِي الشَّيْخُ - يَعْنِي وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ - قُلْت: مَا حَدَّثَك؟ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَأَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَالُوا: إنَّ صَاحِبًا لَنَا قَدْ أَوْجَبَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يُعْتِقْ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» .
وَبِمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ الرَّقِّيِّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا الْحَسَنُ بْنُ مَهْدِيٍّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا إسْرَائِيلُ عَنْ النُّعْمَانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «جَاءَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي وَأَدْتُ بَنَاتٍ لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ اعْتِقْ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَقَبَةً؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي صَاحِبُ إبِلٍ؟ قَالَ: فَانْحَرْ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بَدَنَةً» .
стр. 4726
وَقَالُوا: لَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ - وَلَا ذَنْبَ لَهُ - كَفَّارَةً فِي ذَلِكَ، كَانَ الْعَامِدُ الْمُذْنِبُ أَحَقَّ بِالْكَفَّارَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا حَدِيثُ وَاثِلَةَ - فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْغَرِيفَ مَجْهُولٌ، وَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيُّ - وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ نَسَبَ الْغَرِيفَ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ فَقَالَ ابْنُ عَيَّاشٍ: وَلَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ أَحَدٌ يُسَمَّى عَيَّاشًا - وَابْنُ الْمُبَارَكِ أَوْثَقُ وَأَضْبِطُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ قَتَلَ عَمْدًا، فَإِذْ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ: فَلَا شُبْهَةَ لَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَصْلًا.
وَإِنَّمَا فِيهِ - أَنَّ صَاحِبًا لَنَا قَدْ أَوْجَبَ؟ وَلَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ " أَوْجَبَ " بِمَعْنَى قَتَلَ عَمْدًا، فَصَارَ هَذَا التَّأْوِيلُ كَذِبًا مُجَرَّدًا، وَدَعْوَى عَلَى اللُّغَةِ لَا تُعْرَفُ.
وَقَدْ يَكُون مَعْنَى " أَوْجَبَ " أَيْ أَوْجَبَ لِنَفْسِهِ النَّارَ بِكَثْرَةِ مَعَاصِيهِ، وَيَكُونُ مَعْنَى " قَدْ أَوْجَبَ " أَيْ قَدْ حَضَرَتْ مَنِيَّتُهُ فَقَدْ يُقَالُ: هَذَا أَوْجَبُ فُلَانٍ؟ بِمَعْنَى مَاتَ - فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إنَّ سُكُوتَ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَنْ ذِكْرِ " الرَّقَبَةِ " أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، وَعَنْ تَعْوِيضِ الشَّهْرَيْنِ: دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا خَبَرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ فِي طَرِيقِهِ إسْرَائِيلَ - وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ - وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ - وَكَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ -.
وَأَيْضًا - فَكَانَ يَكُونُ فِي إيجَابِ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ كَمَا كَانَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمَأْمُورُ بِهَذِهِ الْكَفَّارَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا أَصْلًا - فَبَطَلَ تَعَلُّقَهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَطْرَدَ مِنْهُمْ لِلْخَطَأِ فِي قَوْلِهِمْ، فَقَدْ أَخْطَأَ مَعَهُمْ فِيهِ أَيْضًا، لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمْ أَنْ لَا يُقَاسَ الشَّيْءُ إلَّا عَلَى نَظِيرِهِ، وَمَا يُشْبِهُهُ لَا عَلَى ضِدِّهِ، وَمَا لَا يُشْبِهُهُ، فَالْخَطَأُ هَاهُنَا فِي قِيَاسِ الْعَمْدِ عَلَى الْخَطَأِ وَهُوَ ضِدُّهُ.
وَأَخْطَئُوا - أَيْضًا - كُلُّهُمْ مَعَهُ فِي قِيَاسِهِمْ الْمُخْطِئَ فِي الصَّيْدِ يَقْتُلُهُ مُحْرِمًا عَلَى
стр. 4727
الْمُحْرِمِ يَقْتُلُهُ عَامِدًا، فَقَاسُوا - أَيْضًا - هُنَالِكَ الْخَطَأَ عَلَى الْعَمْدِ، وَهُوَ ضِدُّهُ.
وَأَخْطَئُوا - أَيْضًا - مَعَهُ كُلُّهُمْ فِي قِيَاسِهِمْ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَمْدًا عَلَى تَرْكِهَا نِسْيَانًا.
وَقَدْ شَارَكَهُمَا الشَّافِعِيُّ - أَيْضًا - فِي خَطَأٍ آخَرَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ كُلُّهُمْ: أَنْ لَا يُقَاسَ مُتَعَمِّدُ التَّسْلِيمِ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ إتْمَامِهَا فِي إيجَابِ السَّجْدَتَيْنِ عَلَيْهِ عَلَى الْمُسَلِّمِ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ إتْمَامِهَا نِسْيَانًا فَهَذِهِ صِفَةُ الْقِيَاسِ، وَصِفَةُ أَقْوَالِهِمْ فِي قِيَاسَاتِهِمْ كُلِّهَا: يَهْدِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ لَا حُجَّةَ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى قَاتِلِ الْعَمْدِ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
فَصَحَّ أَنَّ الدِّينَ كُلَّهُ قَدْ كَمُلَ وَبَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ .
وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ كَفَّارَةٌ مَحْدُودَةٌ لَبَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا بَيَّنَ لَنَا الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ.
وَكَمَا بَيَّنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وُجُودَ الْقَوَدِ، أَوْ الدِّيَةِ، أَوْ الْمُفَادَاةِ، فِي ذَلِكَ.
فَإِذْ لَمْ يُخْبِرْنَا اللَّهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا أَوْجَبَهُ هُوَ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى: أَنَّهُ مَا أَرَادَ قَطُّ كَفَّارَةً مَحْدُودَةً فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، فَمَنْ اُبْتُلِيَ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ عَمْدًا فَقَدْ اُبْتُلِيَ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي خَلَاصِ نَفْسِهِ مِنْ النَّارِ فَلْيُكْثِرْ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ: الْعِتْقِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْجِهَادِ، وَالْحَجِّ، وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى - فَلَعَلَّهُ يَأْتِي مِنْ ذَلِكَ بِمِقْدَارٍ يُوَازِي إسَاءَتَهُ فِي الْقَتْلِ، فَيَسْقُطَ عَنْهُ.
стр. 4728
وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.
[مَسْأَلَةٌ جَارِيَةٌ أَذْهَبَتْ عُذْرَةَ أُخْرَى أَوْ رَجُلٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ]
٢٠٩٩ - مَسْأَلَةٌ: جَارِيَةٌ أَذْهَبَتْ عُذْرَةَ أُخْرَى، أَوْ رَجُلٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِجِمَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ جَوَارِيَ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ كُنَّ يَتَزَاوَرْنَ، وَيَتَهَادَيْنَ، فَأُرِنَ، وَأَشَرْنَ، فَلَعِبْنَ الْأَخْرِقَةَ فَرَكِبَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى الْأُخْرَى، وَنَخَسَتْهَا الثَّالِثَةُ، فَوَقَعَتْ: فَذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا، فَسَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَفَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: الدِّيَةُ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ، وَتَبْقَى حِصَّتُهَا، لِأَنَّهَا أَعَانَتْ عَلَى نَفْسِهَا؟ فَكَتَبَ إلَى الْعِرَاقِ: فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: بُرِينَ مِنْ نَطْفِهَا إلَّا مَنْ نَخَسَتْهَا - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَهَا الْعُقْر.
وَبِهِ - إلَى حَمَّادِ بْنِ دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ قَالَتْ إحْدَاهُنَّ: أَنَا الزَّوْجُ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى: أَنَا الزَّوْجَةُ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى: أَنَا الْأَبُ، فَنَخَسَتْ الَّتِي قَالَتْ: أَنَا الزَّوْجُ الَّتِي قَالَتْ: أَنَا الزَّوْجَةُ، فَذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا، فَقَضَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، بِالدِّيَةِ عَلَيْهِنَّ - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَهَا الْعُقْرُ.
وَبِهِ - إلَى حَمَّادٍ نا حُمَيْدٌ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ جَارِيَتَيْنِ دَخَلَتَا الْحَمَّامَ فَدَفَعَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، فَذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ: لَهَا عُقْرُهَا.
وَبِهِ - إلَى حَمَّادٍ نا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَكْرَهَ جَارِيَةً فَافْتَضَّهَا؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هِيَ جَائِفَةٌ، فَقَضَى لَهَا عُمَرُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ: فِي إحْدَاهُمَا - قَوْلُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - وَهُوَ صَاحِبٌ مِنْ قُضَاةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ.
وَالْأُخْرَى - فِيهَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَيْضًا.
وَجَمِيعُ الْحَاضِرِينَ الْمُخَالِفِينَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ، وَالْحَنَفِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ:
стр. 4729
مُخَالِفُونَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَلَا يُبَالُونَ بِهِ إذَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الْمَرْأَةُ تُذْهِبُ عُذْرَةَ الْمَرْأَةِ بِنَخْسَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عُدْوَانٌ يُقْتَصُّ مِنْهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَقَدْ عَدِمَتْ مَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فِيهِ، فَلَيْسَ إلَّا الْأَدَبُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلِيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ» .
فَصَحَّ وُجُوبُ الْقَوَدِ فِيمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَصَحَّ الْأَدَبُ بِالْيَدِ إنْكَارًا وَتَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ فِيمَا عَجَزَ عَنْ الْقَوَدِ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَا غَرَامَةَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، لِأَنَّ الْأَمْوَالَ مَحْظُورَةٌ، فَلَا تَحِلُّ غَرَامَةٌ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعَ.
وَكَذَلِكَ لَا مَدْخَلَ لِلْعُقْرِ هَاهُنَا، لِأَنَّ الْعُقْرَ هُوَ الْمَهْرُ، وَالْمَهْرُ إنَّمَا هُوَ فِي النِّكَاحِ لَا فِيمَا عَدَاهُ - وَبِاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ سَتَقَعُ وَتَكُونُ.
وَنَحْنُ نُقْسِمُ بِاَللَّهِ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ فِي ذَلِكَ غَرَامَةٌ لَبَيَّنَهَا، وَلَمَا أَغْفَلَهَا، فَإِذْ لَمْ يَفْعَلْ تَعَالَى ذَلِكَ فَمَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا غُرْمًا أَصْلًا - وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ التَّنَافُسُ]
٢١٠٠ - مَسْأَلَةٌ: التَّنَافُسُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: نا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِجَارِيَةٍ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ فَمَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَاقِفٍ عَلَى دَابَّةٍ، فَنَخَسَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ، فَرَفَعَتْ الدَّابَّةُ رِجْلَهَا فَلَمْ تُخْطِئْ عَيْنَ الْجَارِيَةِ، فَرُفِعَ إلَى سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيِّ، فَضَمَّنَ الرَّاكِبَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: عَلَى الرَّجُلِ، إنَّمَا يَضْمَن النَّاخِسُ.
стр. 4730
عَنْ شُرَيْحٍ: يَضْمَنُهَا النَّاخِسُ - وَعَنْ الشَّعْبِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفُوا فِيهَا كَمَا تَرَى: سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ ضَمَّنَ الرَّاكِبَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ضَمَّنَ النَّاخِسَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: النَّاخِسُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِتَحْرِيكِ الدَّابَّةِ، فَهُوَ ضَامِنٌ مَا أَصَابَتْ، فَفِي الْمَالِ الضَّمَانُ. وَأَمَّا فِي الرَّجُلِ - فَإِنْ كَانَ قَصَدَ إلَى تَحْرِيكِهَا لِتَضْرِبَ إنْسَانًا بِعَيْنِهِ، أَوْ بَعْضَ جَمَاعَةٍ عَلِمَ بِهَا النَّاخِسُ: فَهُوَ قَاتِلٌ عَمْدٌ، وَجَانٍ، عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ - وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّ هُنَالِكَ أَحَدًا: فَهُوَ قَاتِلٌ خَطَأُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ إنْسَانًا يَجُودُ بِنَفْسِهِ لِلْمَوْتِ]
٢١٠١ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ قَتَلَ إنْسَانًا يَجُودُ بِنَفْسِهِ لِلْمَوْتِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ نا زُهَيْرٌ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا قَدْ ذَهَبَتْ الرُّوحُ مِنْ نِصْفِ جَسَدِهِ؟ قَالَ: يَضْمَنُهُ.
قَالَ عَلِيٌّ: لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا فِي أَنَّ مَنْ قَرُبَتْ نَفْسُهُ مِنْ الزَّهُوقِ بِعِلَّةٍ، أَوْ بِجِرَاحَةٍ، أَوْ بِجِنَايَةٍ بِعَمْدٍ، أَوْ خَطَأٍ، فَمَاتَ لَهُ مَيِّتٌ، فَإِنَّهُ يَرِثُهُ - وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ، فَإِنَّهُ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْأَحْرَارِ - وَأَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى الْكَلَامِ فَأَسْلَمَ - وَكَانَ كَافِرًا - وَهُوَ يُمَيِّزُ بَعْدُ - فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ يَرِثُهُ أَهْلُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ إنْ عَايَنَ وَشَخَّصَ وَلَوْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْتِ إلَّا نَفَسٌ وَاحِدُ، فَمَاتَ مَنْ أَوْصَى لَهُ بِوَصِيَّةٍ، فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ الْوَصِيَّةَ، وَيَرِثُهَا عَنْهُ وَرَثَتُهُ.
فَصَحَّ أَنَّهُ حَيٌّ بَعْدُ بِلَا شَكٍّ، إذْ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِهِمْ، فِي أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَسَمِ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ، وَكُنَّا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ إعْجَالَ مَوْتِهِ وَغَمِّهِ، وَمَنْعَهُ النَّفَسَ: فَبِيَقِينٍ وَضَرُورَةٍ نَدْرِي أَنَّ قَاتِلَهُ قَاتِلُ نَفْسٍ بِلَا شَكٍّ، فَمَنْ قَتَلَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ عَمْدًا: فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ عَمْدًا، وَمَنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَهُوَ قَاتِلٌ خَطَأً - وَعَلَى الْعَامِدِ: الْقَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ، وَعَلَى الْمُخْطِئِ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَكَذَلِكَ فِي أَعْضَائِهِ الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
следующие страницы →