← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

وَقَالُوا: لَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ - وَلَا ذَنْبَ لَهُ - كَفَّارَةً فِي ذَلِكَ، كَانَ الْعَامِدُ الْمُذْنِبُ أَحَقَّ بِالْكَفَّارَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا حَدِيثُ وَاثِلَةَ - فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْغَرِيفَ مَجْهُولٌ، وَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيُّ - وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ نَسَبَ الْغَرِيفَ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ فَقَالَ ابْنُ عَيَّاشٍ: وَلَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ أَحَدٌ يُسَمَّى عَيَّاشًا - وَابْنُ الْمُبَارَكِ أَوْثَقُ وَأَضْبِطُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ قَتَلَ عَمْدًا، فَإِذْ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ: فَلَا شُبْهَةَ لَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَصْلًا. وَإِنَّمَا فِيهِ - أَنَّ صَاحِبًا لَنَا قَدْ أَوْجَبَ؟ وَلَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ " أَوْجَبَ " بِمَعْنَى قَتَلَ عَمْدًا، فَصَارَ هَذَا التَّأْوِيلُ كَذِبًا مُجَرَّدًا، وَدَعْوَى عَلَى اللُّغَةِ لَا تُعْرَفُ. وَقَدْ يَكُون مَعْنَى " أَوْجَبَ " أَيْ أَوْجَبَ لِنَفْسِهِ النَّارَ بِكَثْرَةِ مَعَاصِيهِ، وَيَكُونُ مَعْنَى " قَدْ أَوْجَبَ " أَيْ قَدْ حَضَرَتْ مَنِيَّتُهُ فَقَدْ يُقَالُ: هَذَا أَوْجَبُ فُلَانٍ؟ بِمَعْنَى مَاتَ - فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إنَّ سُكُوتَ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَنْ ذِكْرِ " الرَّقَبَةِ " أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، وَعَنْ تَعْوِيضِ الشَّهْرَيْنِ: دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا خَبَرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ فِي طَرِيقِهِ إسْرَائِيلَ - وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ - وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ - وَكَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ -. وَأَيْضًا - فَكَانَ يَكُونُ فِي إيجَابِ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ كَمَا كَانَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمَأْمُورُ بِهَذِهِ الْكَفَّارَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا أَصْلًا - فَبَطَلَ تَعَلُّقَهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَطْرَدَ مِنْهُمْ لِلْخَطَأِ فِي قَوْلِهِمْ، فَقَدْ أَخْطَأَ مَعَهُمْ فِيهِ أَيْضًا، لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمْ أَنْ لَا يُقَاسَ الشَّيْءُ إلَّا عَلَى نَظِيرِهِ، وَمَا يُشْبِهُهُ لَا عَلَى ضِدِّهِ، وَمَا لَا يُشْبِهُهُ، فَالْخَطَأُ هَاهُنَا فِي قِيَاسِ الْعَمْدِ عَلَى الْخَطَأِ وَهُوَ ضِدُّهُ. وَأَخْطَئُوا - أَيْضًا - كُلُّهُمْ مَعَهُ فِي قِيَاسِهِمْ الْمُخْطِئَ فِي الصَّيْدِ يَقْتُلُهُ مُحْرِمًا عَلَى

стр. 4727

الْمُحْرِمِ يَقْتُلُهُ عَامِدًا، فَقَاسُوا - أَيْضًا - هُنَالِكَ الْخَطَأَ عَلَى الْعَمْدِ، وَهُوَ ضِدُّهُ. وَأَخْطَئُوا - أَيْضًا - مَعَهُ كُلُّهُمْ فِي قِيَاسِهِمْ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَمْدًا عَلَى تَرْكِهَا نِسْيَانًا. وَقَدْ شَارَكَهُمَا الشَّافِعِيُّ - أَيْضًا - فِي خَطَأٍ آخَرَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ كُلُّهُمْ: أَنْ لَا يُقَاسَ مُتَعَمِّدُ التَّسْلِيمِ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ إتْمَامِهَا فِي إيجَابِ السَّجْدَتَيْنِ عَلَيْهِ عَلَى الْمُسَلِّمِ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ إتْمَامِهَا نِسْيَانًا فَهَذِهِ صِفَةُ الْقِيَاسِ، وَصِفَةُ أَقْوَالِهِمْ فِي قِيَاسَاتِهِمْ كُلِّهَا: يَهْدِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ لَا حُجَّةَ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى قَاتِلِ الْعَمْدِ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . فَصَحَّ أَنَّ الدِّينَ كُلَّهُ قَدْ كَمُلَ وَبَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ . وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ كَفَّارَةٌ مَحْدُودَةٌ لَبَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا بَيَّنَ لَنَا الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ. وَكَمَا بَيَّنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وُجُودَ الْقَوَدِ، أَوْ الدِّيَةِ، أَوْ الْمُفَادَاةِ، فِي ذَلِكَ. فَإِذْ لَمْ يُخْبِرْنَا اللَّهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا أَوْجَبَهُ هُوَ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى: أَنَّهُ مَا أَرَادَ قَطُّ كَفَّارَةً مَحْدُودَةً فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، فَمَنْ اُبْتُلِيَ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ عَمْدًا فَقَدْ اُبْتُلِيَ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي خَلَاصِ نَفْسِهِ مِنْ النَّارِ فَلْيُكْثِرْ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ: الْعِتْقِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْجِهَادِ، وَالْحَجِّ، وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى - فَلَعَلَّهُ يَأْتِي مِنْ ذَلِكَ بِمِقْدَارٍ يُوَازِي إسَاءَتَهُ فِي الْقَتْلِ، فَيَسْقُطَ عَنْهُ.

стр. 4728

وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. [مَسْأَلَةٌ جَارِيَةٌ أَذْهَبَتْ عُذْرَةَ أُخْرَى أَوْ رَجُلٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ] ٢٠٩٩ - مَسْأَلَةٌ: جَارِيَةٌ أَذْهَبَتْ عُذْرَةَ أُخْرَى، أَوْ رَجُلٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِجِمَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ جَوَارِيَ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ كُنَّ يَتَزَاوَرْنَ، وَيَتَهَادَيْنَ، فَأُرِنَ، وَأَشَرْنَ، فَلَعِبْنَ الْأَخْرِقَةَ فَرَكِبَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى الْأُخْرَى، وَنَخَسَتْهَا الثَّالِثَةُ، فَوَقَعَتْ: فَذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا، فَسَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَفَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: الدِّيَةُ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ، وَتَبْقَى حِصَّتُهَا، لِأَنَّهَا أَعَانَتْ عَلَى نَفْسِهَا؟ فَكَتَبَ إلَى الْعِرَاقِ: فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: بُرِينَ مِنْ نَطْفِهَا إلَّا مَنْ نَخَسَتْهَا - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَهَا الْعُقْر. وَبِهِ - إلَى حَمَّادِ بْنِ دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ قَالَتْ إحْدَاهُنَّ: أَنَا الزَّوْجُ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى: أَنَا الزَّوْجَةُ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى: أَنَا الْأَبُ، فَنَخَسَتْ الَّتِي قَالَتْ: أَنَا الزَّوْجُ الَّتِي قَالَتْ: أَنَا الزَّوْجَةُ، فَذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا، فَقَضَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، بِالدِّيَةِ عَلَيْهِنَّ - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَهَا الْعُقْرُ. وَبِهِ - إلَى حَمَّادٍ نا حُمَيْدٌ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ جَارِيَتَيْنِ دَخَلَتَا الْحَمَّامَ فَدَفَعَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، فَذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ: لَهَا عُقْرُهَا. وَبِهِ - إلَى حَمَّادٍ نا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَكْرَهَ جَارِيَةً فَافْتَضَّهَا؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هِيَ جَائِفَةٌ، فَقَضَى لَهَا عُمَرُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ: فِي إحْدَاهُمَا - قَوْلُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - وَهُوَ صَاحِبٌ مِنْ قُضَاةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ. وَالْأُخْرَى - فِيهَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَيْضًا. وَجَمِيعُ الْحَاضِرِينَ الْمُخَالِفِينَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ، وَالْحَنَفِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ:

стр. 4729

مُخَالِفُونَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَلَا يُبَالُونَ بِهِ إذَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الْمَرْأَةُ تُذْهِبُ عُذْرَةَ الْمَرْأَةِ بِنَخْسَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عُدْوَانٌ يُقْتَصُّ مِنْهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَقَدْ عَدِمَتْ مَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فِيهِ، فَلَيْسَ إلَّا الْأَدَبُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلِيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ» . فَصَحَّ وُجُوبُ الْقَوَدِ فِيمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَصَحَّ الْأَدَبُ بِالْيَدِ إنْكَارًا وَتَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ فِيمَا عَجَزَ عَنْ الْقَوَدِ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَا غَرَامَةَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، لِأَنَّ الْأَمْوَالَ مَحْظُورَةٌ، فَلَا تَحِلُّ غَرَامَةٌ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعَ. وَكَذَلِكَ لَا مَدْخَلَ لِلْعُقْرِ هَاهُنَا، لِأَنَّ الْعُقْرَ هُوَ الْمَهْرُ، وَالْمَهْرُ إنَّمَا هُوَ فِي النِّكَاحِ لَا فِيمَا عَدَاهُ - وَبِاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ سَتَقَعُ وَتَكُونُ. وَنَحْنُ نُقْسِمُ بِاَللَّهِ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ فِي ذَلِكَ غَرَامَةٌ لَبَيَّنَهَا، وَلَمَا أَغْفَلَهَا، فَإِذْ لَمْ يَفْعَلْ تَعَالَى ذَلِكَ فَمَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا غُرْمًا أَصْلًا - وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ التَّنَافُسُ] ٢١٠٠ - مَسْأَلَةٌ: التَّنَافُسُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: نا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِجَارِيَةٍ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ فَمَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَاقِفٍ عَلَى دَابَّةٍ، فَنَخَسَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ، فَرَفَعَتْ الدَّابَّةُ رِجْلَهَا فَلَمْ تُخْطِئْ عَيْنَ الْجَارِيَةِ، فَرُفِعَ إلَى سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيِّ، فَضَمَّنَ الرَّاكِبَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: عَلَى الرَّجُلِ، إنَّمَا يَضْمَن النَّاخِسُ.

стр. 4730

عَنْ شُرَيْحٍ: يَضْمَنُهَا النَّاخِسُ - وَعَنْ الشَّعْبِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفُوا فِيهَا كَمَا تَرَى: سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ ضَمَّنَ الرَّاكِبَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ضَمَّنَ النَّاخِسَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: النَّاخِسُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِتَحْرِيكِ الدَّابَّةِ، فَهُوَ ضَامِنٌ مَا أَصَابَتْ، فَفِي الْمَالِ الضَّمَانُ. وَأَمَّا فِي الرَّجُلِ - فَإِنْ كَانَ قَصَدَ إلَى تَحْرِيكِهَا لِتَضْرِبَ إنْسَانًا بِعَيْنِهِ، أَوْ بَعْضَ جَمَاعَةٍ عَلِمَ بِهَا النَّاخِسُ: فَهُوَ قَاتِلٌ عَمْدٌ، وَجَانٍ، عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ - وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّ هُنَالِكَ أَحَدًا: فَهُوَ قَاتِلٌ خَطَأُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ قَتَلَ إنْسَانًا يَجُودُ بِنَفْسِهِ لِلْمَوْتِ] ٢١٠١ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ قَتَلَ إنْسَانًا يَجُودُ بِنَفْسِهِ لِلْمَوْتِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ نا زُهَيْرٌ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا قَدْ ذَهَبَتْ الرُّوحُ مِنْ نِصْفِ جَسَدِهِ؟ قَالَ: يَضْمَنُهُ. قَالَ عَلِيٌّ: لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا فِي أَنَّ مَنْ قَرُبَتْ نَفْسُهُ مِنْ الزَّهُوقِ بِعِلَّةٍ، أَوْ بِجِرَاحَةٍ، أَوْ بِجِنَايَةٍ بِعَمْدٍ، أَوْ خَطَأٍ، فَمَاتَ لَهُ مَيِّتٌ، فَإِنَّهُ يَرِثُهُ - وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ، فَإِنَّهُ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْأَحْرَارِ - وَأَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى الْكَلَامِ فَأَسْلَمَ - وَكَانَ كَافِرًا - وَهُوَ يُمَيِّزُ بَعْدُ - فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ يَرِثُهُ أَهْلُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ إنْ عَايَنَ وَشَخَّصَ وَلَوْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْتِ إلَّا نَفَسٌ وَاحِدُ، فَمَاتَ مَنْ أَوْصَى لَهُ بِوَصِيَّةٍ، فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ الْوَصِيَّةَ، وَيَرِثُهَا عَنْهُ وَرَثَتُهُ. فَصَحَّ أَنَّهُ حَيٌّ بَعْدُ بِلَا شَكٍّ، إذْ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِهِمْ، فِي أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَسَمِ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ، وَكُنَّا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ إعْجَالَ مَوْتِهِ وَغَمِّهِ، وَمَنْعَهُ النَّفَسَ: فَبِيَقِينٍ وَضَرُورَةٍ نَدْرِي أَنَّ قَاتِلَهُ قَاتِلُ نَفْسٍ بِلَا شَكٍّ، فَمَنْ قَتَلَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ عَمْدًا: فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ عَمْدًا، وَمَنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَهُوَ قَاتِلٌ خَطَأً - وَعَلَى الْعَامِدِ: الْقَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ، وَعَلَى الْمُخْطِئِ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَكَذَلِكَ فِي أَعْضَائِهِ الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4731

[مَسْأَلَةٌ هَلْ لِلْوَلِيِّ عَفْوٌ فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ أَوْ الْحِرَابَةِ] مَسْأَلَةٌ: هَلْ لِلْوَلِيِّ عَفْوٌ فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ، أَوْ الْحِرَابَةِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا عَفْوَ فِي ذَلِكَ لِلْوَلِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ نا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ: إذَا بُلِّغَ الْإِمَامُ، فَلَيْسَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَنْ يَعْفُوَ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْفُوَ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ عَلِيٌّ: وَبِهَذَا يَقُولُ مَالِكٌ، وَرَأَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي قَاتِلِ الْحِرَابَةِ حَتَّى إنَّهُ رَأَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَقْتُلَ الْمُؤْمِنَ بِالْكَافِرِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ لِوَلِيِّهِ مَا لِوَلِيِّ غَيْرِهِ مِنْ الْقَتْلِ، أَوْ الْعَفْوِ، أَوْ الدِّيَةِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ: أَنَّ عُرْوَةَ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَجُلٍ خَنَقَ صَبِيًّا عَلَى أَوْضَاحٍ لَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، فَوَجَدُوهُ وَالْحَبْلُ فِي يَدِهِ، فَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ: أَنْ ادْفَعُوهُ إلَى أَوْلِيَاءِ الصَّبِيِّ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ. وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِيَلُوحَ الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْخَطَأِ؟ فَوَجَدْنَا الْقَائِلِينَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ عَفْوٌ فِي ذَلِكَ يَحْتَجُّونَ: بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخِذَ وَأُتِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ نا هَمَّامٌ نا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَتْ قَدْ رُضَّ رَأْسُهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَسَأَلُوهَا مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكَ؟ فُلَانٌ، فُلَانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأَقَرَّ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرُضُّوا رَأْسَهُ بِالْحِجَارَةِ» .

стр. 4732

وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ " فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمِلَ أَعْيُنُهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا. وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ نا الْحُسَيْنُ بْنُ يَعْقُوبَ نا سَعْدُ بْنُ فَلْحُونٍ نا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى الْمَعَافِرِيُّ نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ الْهُذَلِيِّ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ كَتَبَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَدَا عَلَى دِهْقَانٍ فَقَتَلَهُ عَلَى مَالِهِ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُثْمَانُ: أَنْ اُقْتُلْهُ بِهِ - فَإِنَّ هَذَا قَتَلَ غِيلَةً عَلَى الْحِرَابَةِ. وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا فِي زَمَانِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَتَلَ نَبَطِيًّا بِذِي حُمَيْتٍ عَلَى مَالٍ مَعَهُ، فَرَأَيْت أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ أَمَرَ بِالْمُسْلِمِ فَقُتِلَ بِالنَّبَطِيِّ، لِقَتْلِهِ إيَّاهُ غِيلَةً فَرَأَيْته حَتَّى ضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، إذْ قَتَلَ مُسْلِمًا بِنَصْرَانِيٍّ قَتَلَهُ قَتْلَ غِيلَةً. قَالَ عَلِيٌّ: فَقَالُوا: هَذَا رَسُولٌ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَتَلَ الْيَهُودِيَّ، وَلَمْ يَجْعَل ذَلِكَ خِيَارًا لِأَوْلِيَاءِ الْجَارِيَةِ. وَكَذَلِكَ قَتَلَ الْعُرَنِيِّينَ الَّذِينَ قَتَلُوا الرِّعَاءَ قَتْلَ حِرَابَةٍ وَغِيلَةٍ - وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ ﵊ جَعَلَ فِي ذَلِكَ خِيَارًا لِأَوْلِيَاءِ الرِّعَاءِ. قَالُوا: وَهَذَا عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَدْ قَتَلَ الْمُسْلِمَ بِالْكَافِرِ، إذْ قَتَلَهُ غِيلَةً، وَلَمْ يَجْعَلْ فِي ذَلِكَ خِيَارًا لِوَلِيِّهِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا يَشْغَبُونَ بِهِ إلَّا هَذَا، وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ: أَمَّا حَدِيثُ الْيَهُودِيِّ الَّذِي رَضَخَ رَأْسَ الْجَارِيَةِ عَلَى أَوْضَاحِهَا فَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّ

стр. 4733

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُشَاوِرْ وَلِيَّهَا، وَلَا أَنَّهُ شَاوَرَهُ، وَلَا أَنَّهُ قَالَ " اخْتَرْ " لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِي الْغِيلَةِ، أَوْ الْحِرَابَةِ، فَإِذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ﵊ فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَنْسِبَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَيَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ. فَكَيْفَ وَهَذَا الْخَبَرُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ قَاتِلَ الْغِيلَةِ، أَوْ الْحِرَابَةِ لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُقْتَلَ رَضْخًا فِي الرَّأْسِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَا رَجْمًا، وَهَذَا مَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ. فَصَحَّ يَقِينًا إذْ قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَضْخًا بِالْحِجَارَةِ أَنَّهُ إنَّمَا قَتَلَهُ قَوَدًا بِالْحِجَارَةِ وَإِذْ قَتَلَهُ قَوَدًا بِهَا، فَحُكْمُ قَتْلِ الْقَوَدِ أَنْ يَكُونَ بِالْخِيَارِ فِي ذَلِكَ، أَوْ الْعَفْوِ لِلْوَلِيِّ، وَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِلَا شَكٍّ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» إلَى آخِرِهِ. فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ فَرْضًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَضُمَّ هَذَا الْحُكْمَ إلَى هَذَا الْخَبَرِ وَلَيْسَ سُكُوتُ الرُّوَاةِ عَنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ وَلِيَّهَا بِمُسْقِطٍ مَا أَوْجَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَتْلِ مِنْ تَخْيِيرِ وَلِيِّهِ، بَلْ بِلَا شَكٍّ فِي أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُخَالِفْ مَا أَمَرَ بِهِ، وَلَا يَخْلُو هَذَا مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ قَبُولِ الزِّيَادَةِ الْمَرْوِيَّةِ فِي سَائِرِ النُّصُوصِ أَصْلًا - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ تَخْصِيصًا أَوْ نَسْخًا لَبَيَّنَهُ ﵇، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ - فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَيْضًا، لِمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْخَبَرِ - سَوَاءٌ سَوَاءٌ - مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُشَاوِرْ أَوْلِيَاءَ الرِّعَاءِ - إنْ كَانَ لَهُمْ أَوْلِيَاءُ - وَلَا أَنَّهُ قَالَ: لَا خِيَارَ فِي هَذَا لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ، فَإِذْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ وَلَا لَنَا بِهَذَا الْخَبَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَاصَّةً - فَوَجَبَ عَلَيْنَا طَلَبُ حُكْمِهَا بِمَوْضِعٍ آخَرَ. ثُمَّ إنَّ هَذَا الْخَبَرَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ نا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَنَّهُمْ قَتَلُوا الرِّعَاءَ، وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ

стр. 4734

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَؤُلَاءِ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَالْمَالِكِيُّونَ هُمْ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا - أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ عِنْدَهُمْ وَلَا عِنْدَنَا هَذِهِ الْقِتْلَةَ أَصْلًا. وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُرْتَدِّ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَهُمْ الْقَتْلُ أَوْ التَّرْكُ، إنْ تَابَ. وَالثَّالِثُ - أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ اسْتِتَابَتِهِ أَلْبَتَّةَ، فَعَادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَمُخَالِفًا لِقَوْلِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُثْمَانَ - فَضَعِيفَةٌ جِدًّا - لِأَنَّهَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ وَهُوَ سَاقِطُ الرِّوَايَةِ جِدًّا - ثُمَّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ - وَلَمْ يُدْرِكْ عُثْمَانَ. وَأَيْضًا - فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَمْ قِصَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُثْمَانَ ﵁ بِأَصَحَّ مِنْ هَذَا السَّنَدِ؟ كَقَضَائِهِ فِي ثُلُثِ الدِّيَةِ فِيمَنْ ضَرَبَ آخَرَ حَتَّى سَلَحَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ حُجَّةً فِي إبَاحَةِ الدِّمَاءِ، وَلَا يَكُونُ مَا صَحَّ عَنْهُ حُجَّةً فِي غَيْرِ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ قَدْ بَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْخَبَرَيْنِ بِمَا ذَكَرْنَا، وَبِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْأَنْصَارِيَّةِ وَلِيٌّ صَغِيرٌ لَا خِيَارَ لَهُ؟ فَاخْتَارَ النَّبِيُّ ﵌ الْقَوَدَ - هَذَا لَوْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُخَيِّرْ الْوَلِيَّ فَكَيْفَ وَهُوَ لَا يَصِحُّ أَبَدًا. وَكَذَلِكَ الرِّعَاءُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا غُرَبَاءَ لَا وَلِيَّ لَهُمْ فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ، فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]

стр. 4735

فَعَمَّ تَعَالَى كُلَّ قَتْلٍ، كَمَا ذَكَرَ تَعَالَى، وَجَعَلَ الْعَفْوَ فِي ذَلِكَ لِلْوَلِيِّ. وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» فَذَكَرَ الدِّيَةَ، أَوْ الْقَوَدَ، أَوْ الْمُفَادَاةَ - وَالدِّيَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْعَفْوِ عَنْ الْقَوَدِ بِلَا شَكٍّ، فَعَمّ ﵊ وَلَمْ يَخُصَّ. وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّ مِنْ ذَلِكَ قَتْلَ غِيلَةٍ، أَوْ حِرَابَةٍ، لَمَا أَغْفَلَهُ وَلَا أَهْمَلَهُ وَلَبَيَّنَهُ ﵌. وَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَدَّ الْحِرَابَةَ ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] ، فَلَا تَخْلُو هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَى التَّرْتِيبِ، أَوْ التَّخْيِيرِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَالْمَالِكِيُّونَ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا " وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ - وَهُوَ قَوْلُهُمْ - فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدْعُونَهُ مِنْ أَنَّ قَاتِلَ الْحِرَابَةِ، وَالْغِيلَةِ لَا خِيَارَ فِيهِ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ - فَخَرَجَ قَوْلُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُتَعَلَّقٌ، أَوْ سَبَبٌ يَصِحُّ، فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ خَلْعُ الْجَانِي] ٢١٠٣ - مَسْأَلَةٌ: خَلْعُ الْجَانِي؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الْهَمْدَانِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا أَبُو بِشْرٍ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَسَدِيُّ نا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ - مِنْ آلِ أَبِي قِلَابَةَ - نا أَبُو قِلَابَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَمَعَ النَّاسَ - وَفِيهِمْ أَبُو قِلَابَةَ - فَذَكَرَ حَدِيثًا - وَفِيهِ: أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَقَدْ كَانَتْ هُذَيْلٌ خَلَعَتْ خَلِيعًا لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَطَرَقَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ الْيَمَنِ بِالْبَطْحَاءِ فَانْتَبَهَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَحَذَفَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَتْ هُذَيْلٌ فَأَخَذُوا الْيَمَانِيَّ فَرَفَعُوهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْمَوْسِمِ، وَقَالُوا: قَتَلَ صَاحِبَنَا، فَقَالَ: إنَّهُمْ قَدْ خَلَعُوهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْ هُذَيْلٍ مَا خَلَعُوهُ، فَأَقْسَمَ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ الشَّامِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقْسِمَ، فَافْتَدَى يَمِينَهُ مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَدْخَلُوا مَكَانَهُ رَجُلًا آخَرَ، فَدَفَعَهُ عُمَرُ إلَى أَخِي الْمَقْتُولِ فَقُرِنَتْ يَدُهُ بِيَدِهِ - قَالَ: فَانْطَلَقَا وَالْخَمْسُونَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِنَخْلَةٍ أَخَذَتْهُمْ السَّمَاءُ فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْهَدَمَ الْغَارُ عَلَى الْخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا، فَمَاتُوا جَمِيعًا، وَأَفْلَتَ الْقَرِينَانِ،

стр. 4736

فَاتَّبَعَهُمَا حَجَرٌ فَكَسَرَ رِجْلَ أَخِي الْمَقْتُولِ، فَعَاشَ حَوْلًا ثُمَّ مَاتَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: خَلَعَ قَوْمٌ مِنْ هُذَيْلٍ سَارِقًا لَهُمْ كَانَ يَسْرِقُ الْحَجِيجَ، فَقَالُوا: قَدْ خَلَعْنَاهُ، فَمَنْ وَجَدَهُ بِسَرِقَةٍ فَدَمُهُ هَدَرٌ؟ فَوَجَدَتْهُ رُفْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يَسْرِقُهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَجَاءَ قَوْمُهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَحَلَفُوا: بِاَللَّهِ مَا خَلَعْنَاهُ، وَلَقَدْ كَذَبَ النَّاسُ عَلَيْنَا، فَأَحْلَفَهُمْ عُمَرُ خَمْسِينَ يَمِينًا، ثُمَّ أَخَذَ عُمَرُ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ الرُّفْقَةِ فَقَالَ: أَقْرِنُوا هَذَا إلَى أَحَدِكُمْ حَتَّى يُؤَدِّيَ دِيَةَ صَاحِبِكُمْ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إذَا دَنَوَا مِنْ أَرْضِهِمْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ شَدِيدٌ وَاسْتَتَرُوا بِجَبَلٍ طَوِيلٍ وَقَدْ أَمْسَوْا فَلَمَّا نَزَلُوا كُلُّهُمْ انْقَضَّ عَلَيْهِمْ الْجَبَلُ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَا مِنْ رُكَّابِهِمْ إلَّا الشَّرِيدَ، وَصَاحِبَهُ، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِمَا لَقِيَ قَوْمُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَعَهْدُنَا بِالْمَالِكِيِّينَ، وَالْحَنَفِيِّينَ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ - إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ - وَيَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْمَرَاسِيلِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْهُمْ، وَلَا نَكِيرَ مِنْ أَحَدِهِمْ، فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يُجِيزُوا خَلْعَ عَشِيرَةِ الرَّجُلِ لَهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ طَلَبٌ بِدَمِهِ إنْ قُتِلَ - وَهَذَا مَا لَا يَقُولُونَهُ أَصْلًا - فَقَدْ هَانَ عَلَيْهِمْ خِلَافُ هَذَا الْأَصْلِ. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَإِذْ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ إجَازَةُ خَلْعٍ، فَالْخَلْعُ بَاطِلٌ لَا مَعْنَى لَهُ، فَكُلُّ جَانٍ بِعَمْدٍ فَلَيْسَ عَلَى عَشِيرَتِهِ مِنْ جِنَايَتِهِ تَبِعَةٌ، وَكُلُّ جَانٍ بِخَطَأٍ فَكَذَلِكَ، إلَّا مَا أَوْجَبَهُ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ اسْتَسْقَى قَوْمًا فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ] ٢١٠٤ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ اسْتَسْقَى قَوْمًا فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْأَشْعَثِ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا اسْتَسْقَى عَلَى بَابِ قَوْمٍ؟ فَأَبَوْا أَنْ يَسْقُوهُ، فَأَدْرَكَهُ الْعَطَشُ فَمَاتَ، فَضَمَّنَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ دِيَتِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْقَوْلُ فِي هَذَا عِنْدَنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - هُوَ أَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَسْقُوهُ إنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا مَاءَ لَهُ أَلْبَتَّةَ إلَّا عِنْدَهُمْ، وَلَا يُمْكِنُهُ إدْرَاكُهُ أَصْلًا حَتَّى

стр. 4737

يَمُوتَ، فَهُمْ قَتَلُوهُ عَمْدًا وَعَلَيْهِمْ الْقَوَدُ بِأَنْ يُمْنَعُوا الْمَاءَ حَتَّى يَمُوتُوا - كَثُرُوا أَوْ قَلُّوا - وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَمْرِهِ، وَلَا مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَسْقِيَهُ، فَإِنْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَيُقَدِّرُونَ أَنَّهُ سَيُدْرِكُ الْمَاءَ، فَهُمْ قَتَلَةُ خَطَأٍ، وَعَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ، وَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ الدِّيَةُ وَلَا بُدَّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ مُسْلِمٍ - فِي الْعَالَمِ - أَنَّ مَنْ اسْتَقَاهُ مُسْلِمٌ - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَسْقِيَهُ - فَتَعَمَّدَ أَنْ لَا يَسْقِيَهُ إلَى أَنْ مَاتَ عَطَشًا فَإِنَّهُ قَدْ اعْتَدَى عَلَيْهِ، بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ، وَإِذَا اعْتَدَى فَوَاجِبٌ - بِنَصِّ الْقُرْآنِ - أَنْ يُعْتَدَى عَلَى الْمُعْتَدِي بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى بِهِ - فَصَحَّ قَوْلُنَا بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَقَدْ قَتَلَهُ، إذْ مَنَعَهُ مَا لَا حَيَاةَ لَهُ إلَّا بِهِ، فَهُوَ قَاتِلٌ خَطَأً، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَكَذَا الْقَوْلُ، فِي الْجَائِعِ، وَالْعَارِي، وَلَا فَرْقَ - وَكُلُّ ذَلِكَ عُدْوَانٌ، وَلَيْسَ هَذَا كَمَنْ اتَّبَعَهُ سَبْعٌ فَلَمْ يُؤْوِهِ حَتَّى أَكَلَهُ السَّبْعُ، لِأَنَّ السَّبْعَ هُوَ الْقَاتِلُ لَهُ، وَلَمْ يَمُتْ فِي جِنَايَتِهِمْ، وَلَا مِمَّا تَوَلَّدَ مِنْ جِنَايَتِهِمْ، وَلَكِنْ لَوْ تَرَكُوهُ فَأَخَذَهُ السَّبْعُ - وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى إنْقَاذِهِ - فَهُمْ قَتَلَةُ عَمْدٍ، إذْ لَمْ يَمُتْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا مِنْ فِعْلِهِمْ - وَهَذَا كَمَنْ أَدْخَلُوهُ فِي بَيْتٍ وَمَنَعُوهُ حَتَّى مَاتَ، وَلَا فَرْقَ وَهَذَا كُلُّهُ وَجْهٌ وَاحِدٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ دِيَةُ الْكَلْبِ] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ الْحَافِظُ النَّيْسَابُورِيُّ فِي دَارِهِ بِالْأَهْوَازِ

стр. 4738

نا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الْمُقْرِئُ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ نا أَبُو نُعَيْمٍ - هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ - قَالَ لِي قُتَيْبَةُ: نا هُشَيْمٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ - هُوَ ابْنُ جَسَّاسٍ - أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو: قَضَى فِي كَلْبِ الصَّيْدِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَسَّاسٍ قَالَ: كُنْت عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَسَأَلَهُ رَجُلٌ مَا عَقْلُ كَلْبِ الصَّيْدِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، قَالَ: فَمَا عَقْلُ كَلْبِ الْغَنَمِ؟ قَالَ شَاةٌ مِنْ الْغَنَمِ، قَالَ: فَمَا عَقْلُ كَلْبِ الزَّرْعِ؟ قَالَ: فَرَقٌ مِنْ الزَّرْعِ قَالَ: فَمَا عَقْلُ كَلْبِ الدَّارِ؟ قَالَ: فَرَقٌ مِنْ تُرَابٍ حَقٌّ عَلَى الْقَاتِلِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ، وَحَقٌّ عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَقْبَلَهُ، وَهُوَ يُنْقِصُ مِنْ الْأَجْرِ - وَفِي الْكَلْبِ الَّذِي يَنْبَحُ، وَلَا يَمْنَعُ زَرْعًا، وَلَا دَارًا - إنْ طَلَبَهُ صَاحِبُهُ؟ فَفِرْقٌ مِنْ تُرَابٍ، وَاَللَّهِ إنَّا لَنَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّه تَعَالَى؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا حُكْمُ صَاحِبٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵁ مُخَالِفٌ إلَّا فِي الصَّائِدِ خَاصَّةً لَا فِيمَا سِوَاهُ كَمَا رُوِّينَا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ كَلْبًا لِصَيْدٍ لَا يُعْرَفُ مِثْلُهُ فِي الْكِلَابِ، فَقُوِّمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَلْزَمَهُ عُثْمَانُ تِلْكَ الْقِيمَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبَقِيَ كَلْبُ الْغَنَمِ، وَكَلْبُ الزَّرْعِ، وَكَلْبُ الدَّارِ، لَا نَعْرِفُ مُخَالِفًا فِي شَيْءٍ مِنْهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا سِيَّمَا مِثْلُ هَذَا، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَاهُنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَمَا تَرَى بِلَا مَئُونَةٍ. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌. وَلَيْسَ فِي الْكَلْبِ إلَّا كَلْبٌ مِثْلُهُ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْوَدَ ذَا نُقْطَتَيْنِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ أَصْلًا، وَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَتَلَهُ.

стр. 4739

وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ كَلْبًا لَا يُغْنِي زَرْعًا، وَلَا ضَرْعًا، وَلَا صَيْدًا، فَلَا شَيْءَ فِيهِ أَصْلًا، لِأَنَّ هَذَيْنِ يُنْهَى عَنْ اتِّخَاذِهِمَا جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ إقَالَةُ ذِي الْهَيْئَةِ عَثْرَتَهُ] ٢١٠٦ - مَسْأَلَةٌ: إقَالَةُ ذِي الْهَيْئَةِ عَثْرَتَهُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: نا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ نا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْعُقَيْلِيُّ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ نا الْعَطَّافُ ثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» . نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكِسَائِيُّ النَّحْوِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّرِيُّ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قِيرَاطٍ نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نا عُثْمَانُ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» . قَالَ عَلِيٌّ: عَنْ الْعُقَيْلِيُّ - لَا يَصِحُّ فِي هَذَا شَيْءٌ، وَالْعَطَّافُ ضَعِيفٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ مَجْهُولٌ ضَعِيفٌ - وَكَذَلِكَ الْإِسْنَادُ الْآخَرُ أَيْضًا ضَعِيفٌ. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَيْسَ فِيهِ إسْقَاطُ حَدٍّ، وَلَا قِصَاصٍ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فَإِذَا كَانُوا إخْوَةً فَهُمْ نُظَرَاءُ فِي الْحُكْمِ كُلِّهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا هُمْ كَذَلِكَ بَنُو إسْرَائِيلَ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» أَوْ كَمَا قَالَ ﵊ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا خَلَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَوْ صَحَّ هَذَا - وَهُوَ لَا يَصِحُّ - لَكَانَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْعَثْرَةِ تَكُونُ مِمَّا لَا يُوجِبُ حَدًّا وَلَا حُكْمًا فِي قَوَدٍ، أَوْ قِصَاصٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4740

[مَسْأَلَةٌ قَوْمٌ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَتْلِ قَتِيلٍ وَبَرَّأَ أَصْحَابَهُ] ُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ اُتُّهِمَ بِقَتْلِهِ رَجُلَانِ أَخَوَانِ فَخَافَ أَبُوهُمَا أَنْ يُقْتَلَا، فَقَالَ أَبُوهُمَا: أَنَا قَتَلْته؟ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَخَوَيْنِ: أَنَا قَتَلَتْهُ؟ وَبَرَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي ذَلِكَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَيَحْلِفُونَ قَسَامَةَ الدَّمِ عَلَى أَحَدِهِمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَسْنَا نَقُولُ هَذَا، بَلْ نَقُولُ: إنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ إنْ صَدَّقُوهُمْ كُلَّهُمْ فَلَهُمْ الْقَوَدُ مِنْ جَمِيعِهِمْ، أَوْ مِمَّنْ شَاءُوا، وَلَهُمْ الدِّيَةُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا أَوْ الْمُفَادَاةُ فَإِنْ كَذَّبُوا بَعْضَهُمْ وَصَدَّقُوا بَعْضَهُمْ فَلَهُمْ عَلَى مَنْ صَدَّقُوهُ الْقَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ، وَقَدْ بَرِئَ مَنْ كَذَّبُوهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ إذَا صَدَّقُوهُمْ كُلَّهُمْ فَقَدْ صَحَّ لَهُمْ حَقُّ الْقَوَدِ أَوْ الدِّيَةِ، بِإِقْرَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَكُلُّ حَقٍّ وَجَبَ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ، وَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ فَلَا يَجُوزُ تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ بِالْحَقِّ، إذْ إنَّمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ لَا الْمُدَّعِي، فَلَا يَجُوزُ هَاهُنَا تَحْلِيفُ مَنْ صُدِّقَتْ دَعْوَاهُ. وَأَمَّا إذَا كَذَّبُوا مِنْهُمْ بَعْضًا فَقَدْ بَرَّءُوا مَنْ أَكْذَبُوهُ وَسَقَطَ حُكْمُ الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ الْمَقَرُّ لَهُ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَلَا فَرْقَ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَذَّبُوهُمْ كُلَّهُمْ فَقَدْ بَرِئَ الْمُقِرُّونَ وَبَطَلَ إقْرَارُهُمْ، إذْ قَدْ أَسْقَطَ الْمَقَرُّ لَهُمْ حَقَّهُمْ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَوْلُ الْمُقِرِّ: أَنَا وَحْدِي قَتَلْت فُلَانًا وَلَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا مَعِي، وَالْآخَرُ مُنْكِرٌ لِتَبْرِئَتِهِ إيَّاهُ، وَمُقِرٌّ بِقَتْلِ ذَلِكَ الْمَقْتُولِ، فَوَاجِبٌ أَنْ يَلْزَمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ إقْرَارٌ تَامٌّ، وَتَكُونُ تَبْرِئَتُهُ لِمَنْ أَبْرَأَ بَاطِلًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَدْلًا فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَحَتَّى لَوْ كَانَ عَدْلًا لَمَا جَازَ هَاهُنَا قَبُولُ شَهَادَتِهِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا تُقْبَلُ فِي الْإِيجَابِ لَا فِي النَّفْيِ. وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّ رَجُلًا لَوْ ادَّعَى عَلَى زَيْدٍ مَالًا أَوْ حَقًّا فَشَهِدَ لَهُ عُدُولٌ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدَهُ لَكَانَتْ شَهَادَتُهُ فَاسِدَةً لَا تُقْبَلُ، وَلَا تُبَرِّئُ الْمَشْهُودَ لَهُ بِهَا إلَّا بِأَنْ

стр. 4741

يَزِيدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ إيجَابًا، مِثْلَ أَنْ يَقُولُوا: وَذَلِكَ أَنَّنَا نَدْرِي أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ الْحَقِّ، أَوْ قَدْ أَدَّاهُ إلَيْهِ أَوْ نَحْوَ هَذَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ إخْرَاجُ شَيْءٍ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ] ٢١٠٨ - مَسْأَلَةٌ: الْخَشَبَةُ تَخْرُجُ مِنْ الْحَائِطِ - وَالْقَصَّارُ يَنْضَحُ - وَالْقَصَّابُ كَذَلِكَ - وَإِخْرَاجُ شَيْءٍ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَالرَّحَى، وَالْخُفَّانِ، وَالنَّعْلَانِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْقَاعِدُ فِيهِ، وَالْقِنْدِيلُ، وَظِلَالُ السُّوقِ، وَمَنْ رَشَّ أَمَامَ بَابِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: إذَا أَخْرَجَ الرَّجُلُ الصَّلَايَةَ أَوْ الْخَشَبَةَ، فِي حَائِطِهِ ضَمِنَ. وَعَنْ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ بُورِيَّ السُّوقِ وَعَمُودَهُ. وَعَنْ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: إذَا نَضَحَ الْقَصَّارُ، أَوْ الْقَصَّابُ ضَمِنَ. وَعَنْ الْحَسَنِ أَبِي مُسَافِرٍ قَالَ: إنَّ كَنِيفًا وَقَعَ عَلَى صَبِيٍّ فَقَتَلَهُ أَوْ جَرَحَهُ؟ قَالَ شُرَيْحٌ: لَوْ أُتِيتُ بِهِ لَضَمَّنْتُهُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَخْرَجَ صَلَايَةً فِي حَائِطِهِ فَمَزَّقَتْ مَزَادَةً مِنْ أُدْمٍ؟ فَضَمَّنَهُ شُرَيْحٌ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَنْ أَخْرَجَ رَحًى مِنْ رُكْنِ دَارِهِ فَعَقَرَتْ رَجُلًا ضَمِنَ. وَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شُرَيْحٍ مِثْلُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: مَنْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ فَرَضَ غَوْرًا ضَمِنَ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: ضَمَّنَ شُرَيْحٌ الْبَادِيَ، وَظِلَالَ أَهْلِ السُّوقِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِمْ، وَضَمَّنَ أَهْلَ الْعَمُودِ. وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وَصَبَّ مَاءَهُ فِي الطَّرِيقِ؟ قَالَ حَمَّادٌ: يُضَمَّنُ - وَقَالَ الْحَكَمُ: لَا يُضَمَّنُ.

стр. 4742

وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ فِي الرَّجُلِ السُّوقِيِّ يَنْضَحُ بَيْنَ يَدِي بَابِهِ مَاءً فَيَمُرُّ بِهِ إنْسَانٌ فَيُزْلَقُ؟ قَالَ حَمَّادٌ: يَضْمَنُ - وَقَالَ الْحَكَمُ: لَا يَضْمَنُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَحَمَّادٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: مَنْ أَحْدَثَ فِي الطَّرِيقِ حَدَثًا مِنْ نَضْحٍ، أَوْ مَاءٍ، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ شَيْئًا أَخْرَجَهُ مِنْ دَارِهِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ ظُلَّةٍ، أَوْ جَنَاحٍ: فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا عَطِبَ فِيهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: مَنْ أَخْرَجَ كَنِيفًا أَوْ جِذْعًا إلَى الطَّرِيقِ فَأَعْنَتَ أَحَدًا ضَمِنَ ذَلِكَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: إنْ أَخْرَجَ عُودًا، أَوْ حَجَرًا، أَوْ خَشَبَةً، مِنْ جِدَارِهِ، فَمَرَّ بِهِ إنْسَانٌ فَجَرَحَهُ، أَوْ قَتَلَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ مِنْ صَنِيعِ النَّاسِ ضَمِنَ بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاضِعُ الْحَجَرِ فِي أَرْضٍ لَا يَمْلِكُهَا ضَامِنٌ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، فَلَهُمْ هَاهُنَا أَقْوَالٌ طَرِيفَةٌ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى: فَمِنْهَا - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَعَدَ فِي مَسْجِدٍ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ ضَمِنَ، فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ ضَمِنَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا يَضْمَنُ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ. وَقَالُوا كُلُّهُمْ: مَنْ أَخْرَجَ مِنْ دَارِهِ مِيزَابًا فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، فَإِنْ أَصَابَهُ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْحَائِطِ ضَمِنَ، وَإِنْ أَصَابَهُ مَا كَانَ فِي الْحَائِطِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَهِلَ مَا أَصَابَهُ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَضْمَنَ - وَلَكِنْ قَالُوا: نَدْعُ الْقِيَاسَ وَنَسْتَحْسِنُ فَنُضَمِّنُهُ. وَإِنْ وَضَعَ فِي الطَّرِيقِ حَجَرًا ضَمِنَ مَا أَصَابَهُ. قَالُوا: فَإِنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى شَيْءٍ يُحْدِثُهُ فِي فِنَائِهِ، فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ ضَمِنَ، الْمُسْتَأْجِرُ - فَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْفُرَ فِي غَيْرِ فِنَائِهِ، فَإِنَّ الضَّامِنَ لِمَا يُتْلَفُ بِذَلِكَ الْأَجِيرُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا عِنْدَ أَصْحَابِنَا فَلَا يَضْمَنُ عِنْدَهُمْ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتْبَعَهُ. فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالتَّضْمِينِ فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ

стр. 4743

عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَخْرَجَ مِنْ حَدِّهِ شَيْئًا فَأَصَابَ إنْسَانًا فَهُوَ ضَامِنٌ» . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيِّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ الصَّائِغُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَخْرَجَ عَنْ حَدِّهِ شَيْئًا فَأَصَابَ بِهِ إنْسَانًا فَهُوَ ضَامِنٌ» . وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، وَكُلُّ هَذَا لَا شَيْءَ: أَمَّا الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ عَنْ الْحَسَنِ، وَالْمُرْسَلُ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَلَمْ يُسْنِدْهُ أَحَدٌ إلَّا حَمَّادُ بْنُ مَالِكٍ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، قَالَهُ الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ - فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ فَبَاطِلَةٌ، لِأَنَّهَا عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ - وَكِلَاهُمَا فِي غَايَةِ السُّقُوطِ - ثُمَّ عَنْ الْحَكَمِ، وَمُجَاهِدٍ - وَكِلَاهُمَا لَمْ يُدْرِكْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - فَسَقَطَ الْخَبَرُ جُمْلَةً، إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَشُرَيْحٍ، وَحَمَّادٍ، وَقَوْلٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ - وَقَدْ صَحَّ عَنْ الْحَكَمِ فِي بَعْضِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ. قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُضَمِّنِينَ حُجَّةٌ أَصْلًا - وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْأَمْوَالَ مُحَرَّمَةٌ، فَلَا يَحِلُّ إلْزَامُ أَحَدٍ غَرَامَةً لَمْ يُوجِبْهَا نَصٌّ، أَوْ إجْمَاعٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا ضَمَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْحَائِطُ يَقَعُ فَيُتْلِفُ نَفْسًا أَوْ مَالًا] ٢١٠٩ - مَسْأَلَةٌ: الْحَائِطُ يَقَعُ فَيُتْلِفُ نَفْسًا أَوْ مَالًا؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ فِي الْحَائِطِ إذَا كَانَ مَائِلًا، قَالَ: إنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ ضَمِنَ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْجِدَار إذَا كَانَ مَائِلًا إذَا شَهِدُوا عَلَى صَاحِبِهِ فَوَقَعَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِثْلُ قَوْلِ شُرَيْحٍ فِي الْجِدَارِ الْمَائِلِ. وَقَالَ آخَرُونَ غَيْرَ هَذَا: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ

стр. 4744

أَخْبَرَنِي يُونُسُ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ مَالَ جِدَارٌ لِجَارِهِ، أَوْ انْصَدَعَ، فَقَالَ لَهُ: اكْسِرْ جِدَارَك هَذَا فَإِنَّا نَخَافُهُ؟ فَأَبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ الْجِدَارَ سَقَطَ فَقَتَلَ عَبْدَ الَّذِي نَهَاهُ، أَوْ حُرًّا مِنْ أَهْلِهِ؟ قَالَ: لَا نَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا، وَقَدْ فَرَّطَ وَأَسَاءَ. وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ - فَإِنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: إنْ عَلِمَ صَاحِبُ الْجِدَارِ بِمَيْلِهِ وَضَعْفِهِ فَتَرَكَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَضْمَنْ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إنْ لَمْ يُشْهِدُوا عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَدِلًا - وَهُوَ مَشْقُوقٌ - لَمْ يُجْبَرْ عَلَى نَقْضِهِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: يَضْمَنُ مَا أَصَابَ جِدَارُهُ - أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُمَا، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: إنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَذَا ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ - أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِيَلُوحَ الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتْبَعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - فَنَظَرْنَا فِيمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ وَحُكْمِ تَرْكِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُمَا مُتَعَلَّقًا لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا نَظَرٍ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ - وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّنَا قَدْ أَوْرَدْنَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الطَّوَائِفَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ كَثِيرًا جِدًّا، فَكَيْفَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ نَفَرٌ مِنْ التَّابِعِينَ؟ وَقَدْ أَوْرَدْنَا آنِفًا قَوْلَ الزُّهْرِيِّ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ - مَعَ أَنَّ الْقَوْمَ بِزَعْمِهِمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ؟ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ وَضَعَ دَابَّةً فِي مِلْكِهِ فَخَرَجَتْ فَقَتَلَتْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ - أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ - فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْجِدَارِ يَنْهَدِمُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ؟ فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ وَظَهَرَ فَسَادُهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4745

وَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ مَنْ ضَمَّنَ مَا أَصَابَ الْجِدَارُ - أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ - أَوْ قَوْلُ مَنْ لَمْ يُضَمِّنْهُ مَا أَصَابَ - أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ - إذْ قَدْ صَحَّ أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْإِشْهَادِ وَغَيْرِ الْإِشْهَادِ: لَا مَعْنَى لَهُ أَلْبَتَّةَ. فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا صَاحِبَ الْجِدَارِ الْمَائِلِ لَا يُسَمَّى " قَاتِلًا " لِمَنْ قَتَلَهُ الْجِدَارُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ؟ وَقَدْ يَكُونُ غَائِبًا بِأَقْصَى الْمَشْرِقِ وَالْحَائِطُ بِأَقْصَى الْمَغْرِبِ، فَإِذْ لَا يُسَمَّى قَاتِلَ عَمْدٍ، وَلَا قَاتِلَ خَطَأٍ فَلَا دِيَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَا كَفَّارَةَ، وَلَا ضَمَانَ لِمَا تَلِفَ مِنْ مَالٍ، إذْ الْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِغَرَامَةٍ عَلَى أَحَدٍ لَمْ يُوجِبْهَا عَلَيْهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْجَرَّةُ تُوضَعُ إلَى بَابٍ أَوْ إنْسَانٌ يَسْتَنِدُ إلَى بَابٍ فَيَفْتَحُ الْبَابَ فَاتِحٌ فَيَقَعُ الْإِنْسَانُ فَيَمُوتُ] ٢١١٠ - مَسْأَلَةٌ: الْجَرَّةُ تُوضَعُ إلَى بَابٍ، أَوْ إنْسَانٍ يَسْتَنِدُ إلَى بَابٍ، فَيَفْتَحُ الْبَابَ فَاتِحٌ فَيُفْسِدُ الْمَتَاعَ، أَوْ يَقَعُ الْإِنْسَانُ فَيَمُوتُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ قَوْمٌ بِالتَّضْمِينِ فِي هَذَا، وَأَسْقَطَ قَوْمٌ فِيهِ الضَّمَانَ، وَالظَّاهِرُ عِنْدَنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَتَاعِ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِإِسْقَاطِ الْمَتَاعِ، وَإِسْقَاطِ الْمُسْنَدِ قَاصِدًا إلَى ذَلِكَ - وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ - بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِمَّا لَمْ يُبَاشِرْ الْإِتْلَافَ فِيهِ، وَلَوْ أَنَّهُ فَعَلَ هَذَا عَمْدًا لَكَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَهَذَا وَاَلَّذِي يُزْحِمُ دَابَّتَهُ فِي الطَّرِيقِ فَيَدْفَعُهَا عَنْ طَرِيقِهِ فَتَدُوسُ إنْسَانًا، أَوْ تُفْسِدُ مَتَاعًا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِلْإِفْسَادِ، وَلَا نُبَالِي بِتَعَدِّي مُسْنِدِ الْجَرَّةِ، وَالْمُتَّكِئِ إلَى الْبَابِ لَوْ كَانَا مُتَعَدِّيَيْنِ فَكَيْفَ وَلَا عُدْوَانَ فِي هَذَا. وَلَوْ أَنَّ امْرَأً رَقَدَ لَيْلًا فِي طَرِيقٍ فَدَاسَهُ إنْسَانٌ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ قَاتِلُ خَطَأٍ بِلَا شَكٍّ. وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ دَارَ إنْسَانٍ لِيَسْرِقَ فَدَاسَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَقَتَلَهُ فَهُوَ مُبَاشِرٌ لِقَتْلِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ مُحَارِبًا لَهُ، وَالدِّيَةُ فِي ذَلِكَ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4746

[مَسْأَلَةٌ أَغْضَبَ أَحْمَقَ بِمَا يُغْضَبُ مِنْهُ فَقَذَفَ بِالْحِجَارَةِ فَقَتَلَ الْمُغْضِبَ لَهُ أَوْ غَيْرَهُ] مَسَائِلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ أَغْضَبَ أَحْمَقَ بِمَا يُغْضَبُ مِنْهُ فَقَذَفَ بِالْحِجَارَةِ فَقَتَلَ الْمُغْضِبَ لَهُ أَوْ غَيْرَهُ، أَوْ أَعْطَى أَحْمَقَ سَيْفًا فَقَتَلَ بِهِ قَوْمًا، فَلَا شَيْءَ فِي كُلِّ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ شَيْئًا مِنْ الْجِنَايَةِ، وَلَا يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ قَاتِلًا. فَلَوْ أَنَّهُ أَمَرَ الْأَحْمَقَ بِقَتْلِ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ فَقَتَلَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَحْمَقُ فَعَلَ ذَلِكَ طَاعَةً لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا فَهُوَ آمِرٌ، فَالْآمِرُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَفْعَلْ طَائِعًا لَهُ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، لَا عَنْ أَمْرِهِ وَلَا عَنْ فِعْلِهِ. فَلَوْ رَمَى حَجَرًا فَأَصَابَ ذَلِكَ الْحَجَرُ حَجَرًا فَقَلَعَهُ، فَتَدَهْدَهَ ذَلِكَ الْحَجَرُ فَقَتَلَ وَأَفْسَدَ: فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ إنَّمَا تَوَلَّدَ عَنْ رَمْيِهِ انْقِلَاعُ الْحَجَرِ فَقَطْ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِرَدِّهِ إنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى مَا فَقَطْ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْمَرْءُ مَا تَوَلَّدَ عَنْ فِعْلِهِ، وَلَا يَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ عَمَّا تَوَلَّدَ عَنْ فِعْلِهِ. وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ مَنْ رَمَى سَهْمًا يُرِيدُ صَيْدًا فَأَصَابَ إنْسَانًا أَوْ مَالًا فَأَتْلَفَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَلَوْ أَنَّهُ صَادَفَ حِمَارَ وَحْشٍ يَجْرِي فَقَتَلَ إنْسَانًا أَوْ سَقَطَ الْحِمَارُ - إذْ أَصَابَهُ السَّهْمُ فَقَتَلَ إنْسَانًا فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا. وَلَوْ أَنَّ إنْسَانًا يَعْمَلُ فِي بِئْرٍ وَآخَرَ يَسْتَقِي فَانْقَطَعَ الْحَبْلُ فَوَقَعَتْ الدَّلْو فَقَتَلَتْ الَّذِي فِي الْبِئْرِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِضَعْفِ الْحَبْلِ فَهُوَ قَاتِلٌ خَطَأً وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِقَتْلِهِ، فَلَوْ غُلِبَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إمْسَاكِهِ الدَّلْوَ فَفَتَحَ يَدَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ قَتْلَهُ وَلَا عَمِلَ شَيْئًا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ

стр. 4747

أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ السَّبَائِيِّ أَنَّ رَجُلًا رَمَى حِدَأَةً فَخَرَّتْ الْحِدَأَةُ عَلَى صَبِيٍّ فَقَتَلَتْهُ؟ قَالَ: هُوَ عَلَى الَّذِي رَمَى، وَكُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ مِنْ فِعْلِ رَجُلٍ فَهُوَ عَلَيْهِ - قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ مَرَّ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ حَجَرًا فَسَقَطَ مِنْهُ فَأَصَابَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ؟ فَعَلَيْهِ دِيَةُ الْمَقْتُولِ - قَالَ سَحْنُونٌ: هَذِهِ مَسْأَلَةُ سُوءٍ؟ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَمْسِكُ الْحَبْلَ لِلرَّجُلِ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْبِئْرِ؟ قَالَ: إنْ انْقَطَعَ الْحَبْلُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ انْفَلَتَ مِنْ يَدِ الْمُمْسِكِ فَسَقَطَ الْمُتَعَلِّقُ فَمَاتَ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: لَسْنَا نَقُولُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: أَمَّا الْحِدَأَةُ تَقَعُ، فَإِنَّ الرَّامِيَ بِهَا لَمْ يُبَاشِرْ إلْقَاءَهَا كَمَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا الَّذِي سَقَطَ الْحَجَرُ عَنْ ظَهْرِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَلْقَاهُ لَكِنْ ضَعُفَ أَوْ عَثَرَ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ - وَلَوْ أَنَّهُ هُوَ تَعَمَّدَ إلْقَاءَهُ فَمَاتَ بِهِ إنْسَانٌ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا - وَهُوَ يَدْرِي - فَقَاتِلُ عَمْدٍ، وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ هُنَالِكَ إنْسَانًا فَهُوَ قَاتِلُ خَطَأٍ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ قَتْلَهُ بِلَا شَكٍّ. وَأَمَّا تَعَلُّقُ الرَّجُلِ بِحَبْلٍ يُمْسِكُ عَلَيْهِ آخَرُ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، لَا فِي انْقِطَاعِ الْحَبْلِ، وَلَا فِي ضَعْفِ الْمُمْسِكِ عَنْ إمْسَاكِهِ، لِأَنَّهُ فِي انْقِطَاعِ الْحَبْلِ جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ بِجَبْذِ الْحَبْلِ، فَإِنَّمَا انْقَطَعَ مِنْ فِعْلِهِ لَا مِنْ فِعْلِ الْوَاقِفِ عَلَى الْبِئْرِ فَأَمَّا انْفِلَاتُ الْحَبْلِ فَلَمْ يَتَوَلَّ الْوَاقِفُ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ إبْقَاءَهُ، لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُبَاشِرْ فِيهِ شَيْئًا أَصْلًا: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ، وَابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ اتَّفَقَا: أَنَّ مَنْ سَلَّ سَيْفًا عَلَى امْرَأَةٍ، أَوْ صَبِيٍّ، لِيُفْزِعَهُمَا بِهِ، فَمَاتَا مِنْهُ فَفِيهِ دِيَةُ الْخَطَأِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ - وَابْنُ لَهِيعَةَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَيَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ - وَهَذَا الْعَمَلُ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ مَنْ فَعَلَهُ غَيْرُ قَاصِدٍ إلَى

стр. 4748

إفْزَاعِهِمَا فَفَزِعَا فَمَاتَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ - وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ النِّيَّةَ، وَالْمَعْرِفَةَ لَا يُرَاعَى شَيْءٌ مِنْهُمَا فِي الْخَطَأِ، بَلْ هُمَا مُطَّرَحَانِ فِيهِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا قَصَدَ بِهِ وَنَوَى فَإِنَّهُ عَمْدٌ. وَاَلَّذِي سَلَّ سَيْفًا عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ يُرِيدُ بِذَلِكَ إفْزَاعَهُمَا فَمَاتَا، فَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ أَنَّهُ عَامِدٌ قَاصِدٌ إلَيْهِمَا بِهَذَا الْفِعْلِ، فَإِذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَوَدٌ، وَلَا لَهُ حُكْمُ الْعَمْدِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ الصِّفَاتِ إلَى فِعْلِهِ فَمِنْ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْخَطَأِ الَّذِي لَيْسَ لِفِعْلِهِ فِيهِ مَدْخَلٌ أَصْلًا - وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبُ فَقَطْ. [مَسْأَلَةٌ أَدْخَلَ إنْسَانًا دَارًا فَأَصَابَهُ شَيْءٌ] ٢١١٢ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ أَدْخَلَ إنْسَانًا دَارًا فَأَصَابَهُ شَيْءٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: إذَا أَدْخَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ دَارِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ حَتَّى يُخْرِجَهُ كَمَا أَدْخَلَهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ دَخَلَ بَيْتَ رَجُلٍ، وَفِي الْبَيْتِ سِكِّينٌ فَوَطِئَ عَلَيْهَا فَقَتَلَتْهُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ شَيْءٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَبِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ نَقُولُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَحِلُّ إلْزَامُ أَحَدٍ غَرَامَةَ مَالٍ بِغَيْرِ نَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ وَمَا لَمْ يُتَيَقَّنْ أَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ جَنَاهُ بِعَمْدٍ، أَوْ بِخَطَأٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ دَمَهُ وَمَالَهُ حَرَامٌ، فَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِهِ مَقْتُولًا فَلَهُ حُكْمَ الْقَسَامَةِ. وَإِنْ ادَّعَى - وَهُوَ حَيٌّ - عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ فَعَلَيْهِ حُكْمُ التَّدَاعِي، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا مَيِّتًا لَا أَثَرَ فِيهِ، فَالْمَوْتُ يَغْدُو وَيَرُوحُ، وَلَا شَيْءَ بِهِ إلَّا التَّدَاعِيَ، إذْ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُغَمَّ فَلَا يَظْهَرَ فِيهِ أَثَرٌ، فَإِذَا أَمْكَنَ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّدَاعِي - وَلَوْ أَيْقَنَّا أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ شَيْءٌ أَصْلًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ جِنَايَاتُ الْحَيَوَان] ٢١١٣ - مَسْأَلَةُ - جِنَايَاتُ الْحَيَوَانِ، وَالرَّاكِبِ، وَالسَّائِسِ، وَالْقَائِدِ. قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ ذَكَرْنَا الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ «الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ» .

стр. 4749

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِشُرَيْحٍ إنَّ شَاةَ هَذَا قَطَعَتْ غَزْلِي؟ فَقَالَ: لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَإِنْ كَانَ نَهَارًا فَقَدْ بَرِئَ، وَإِنْ كَانَ لَيْلًا فَقَدْ ضَمِنَ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] قَالَ: إنَّمَا كَانَ النَّفْشُ بِاللَّيْلِ. قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: مَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي لَيْلًا فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى أَهْلِهَا، وَمَا أَفْسَدَتْ نَهَارًا فَلَا ضَمَانَ فِيهِ. وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ فِيمَا أَفْسَدَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا. وَلَا يَضْمَنُونَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَاشِيَةِ - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ مَا أَصَابَتْ نَهَارًا. وَقَالَ اللَّيْثُ: يَضْمَنُ أَهْلُ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ لَيْلًا، وَلَا يَضْمَنُونَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَاشِيَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: احْتَجَّ الْمُضَمِّنُونَ مَا جَنَتْ لَيْلًا: بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ نا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةُ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ نَاقَةً لِأَهْلِ الْبَرَاءِ أَفْسَدَتْ شَيْئًا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ حِفْظَ الثِّمَارِ عَلَى أَهْلِهَا بِالنَّهَارِ، وَضَمَّنَ أَهْلَ الْمَاشِيَةِ مَا أَفْسَدَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ» . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ بِحِفْظِهَا بِالنَّهَارِ وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ «أَنَّ نَاقَةً دَخَلَتْ فِي حَائِطِ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْهُ فَذَهَبَ أَصْحَابُ الْحَائِطِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ بِالنَّهَارِ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ حِفْظُ مَوَاشِيهِمْ بِاللَّيْلِ وَعَلَيْهِمْ مَا أَفْسَدَتْهُ» . وَذَكَرَ بَعْضُ النَّاسِ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ: أَنَّ الْبَرَاءَ أَخْبَرَهُ.

стр. 4750

قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا خَبَرٌ مُرْسَلٌ، أَحْسَنُ طُرُقِهِ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ، وَمَعْمَرٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ. وَمَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ: أَنَّ نَاقَةً دَخَلَتْ. فَلَمْ يُسْنِدْ أَحَدٌ قَطُّ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَوْ أُسْنِدَ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ إحْدَاهُمَا لَكَانَ حُجَّةً يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، وَإِنَّمَا اُسْتُنِدَ مِنْ طَرِيقِ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةُ مَرَّةً عَنْ أَبِيهِ - وَلَا صُحْبَةً لِأَبِيهِ - وَمَرَّةً عَنْ الْبَرَاءِ فَقَطْ، وَحَرَامُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةُ - مَجْهُولٌ - لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ إلَّا الزُّهْرِيُّ، وَمَا نَعْلَمُ لِلزُّهْرِيِّ عَنْهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُوَثِّقْهُ الزُّهْرِيُّ - وَهُوَ قَدْ يَرْوِي عَمَّنْ لَا يُوَثَّقُ، كَرِوَايَتِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ قَرْمٍ، وَنَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَجَاهِيلِ، وَالْهَلْكَى. وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُقْطَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدِّينِ إلَّا بِمَنْ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ - فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهَذَا الْخَبَرِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: اُخْتُصِمَ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي ثَوْرٍ نَطَحَ حِمَارًا فَقَتَلَهُ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إنْ كَانَ الثَّوْرُ دَخَلَ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ فَقَدْ ضَمِنَ - وَإِنْ كَانَ الْحِمَارُ دَخَلَ عَلَى الثَّوْرِ فَقَتَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا حُكْمٌ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا فِي هَذَا كُلِّهِ هُوَ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبَتَ عَنْهُ مِنْ أَنَّ «الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ وَعَمَلُهَا جُبَارٌ» فَلَا ضَمَانَ فِيمَا أَفْسَدَهُ الْحَيَوَانُ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ أَتَى بِهَا وَحَمَلَهَا عَلَى شَيْءٍ، وَأَطْلَقَهَا فِيهِ: ضَمِنَ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ فِعْلُهُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا. وَأَمَّا الْحَيَوَانُ الضَّارِيَةُ فَقَدْ جَاءَتْ فِيهَا آثَارٌ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ بِرَدِّ الْبَعِيرِ، أَوْ الْبَقَرَةِ، أَوْ الْحِمَارِ، أَوْ الضَّوَارِي، إلَى أَهْلِهِنَّ ثَلَاثًا إذَا حُظِرَ الْحَائِطُ، ثُمَّ يُعْقَرْنَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خِلَافَتِهِ إلَى الْحَجَّاجِ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنْ يُحَصَّنَ الْحَائِطُ حَتَّى يَكُونَ إلَى نَحْوِ الْبَعِيرِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَسَمِعْت عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ

стр. 4751

كَانَ يَأْمُرُ بِالْحَائِطِ أَنْ تُحْظَرَ وَيُسَدَّ الْحَظْرُ مِنْ الضَّارِي الْمُدِلِّ، ثُمَّ يُرَدَّ إلَى أَهْلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُعْقَرَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقُلْت لِعَطَاءٍ: الْحَظْرُ يُسَدُّ، وَيُحَصَّنُ عَلَى الْحَائِطِ، ثُمَّ لَا يُمْتَنَعُ مِنْ الضَّارِي الْمُدِلِّ، أَبَلَغَك فِيهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا حُكْمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يُرَدُّ الضَّارِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إلَى صَاحِبِهِ دُونَ تَضْمِينٍ، وَلَمْ يَخُصَّ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا ثُمَّ يُعْقَرُ. فَخَالَفُوا كِلَا الْحُكْمَيْنِ مِنْ حُكْمِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُمْ يُعَظِّمُونَ أَقَلَّ مِنْ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الصَّنْعَانِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا رَجُلٌ يَطَأُ جَمْرَةً يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا كَانَ ذَنْبُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كَانَتْ لَهُ مَاشِيَةٌ يَعِيثُ بِهَا الزَّرْعَ وَيُؤْذِيهِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ الزَّرْعَ وَمَا حَوْلَهُ غُلَاةَ سَهْمٍ، فَاحْذَرُوا أَنْ لَا يَسْحَبَ الرَّجُلُ مَالَهُ فِي الدُّنْيَا وَيُهْلِكَ نَفْسَهُ فِي الْآخِرَةِ، فَلَا تَسْحَبُوا أَمْوَالَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَتُهْلِكُوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ، وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا فِي هَذَا أَنَّ الْحَيَوَانَ - أَيَّ حَيَوَانٍ كَانَ - إذَا أَضَرَّ فِي إفْسَادِ الزَّرْعِ أَوْ الثِّمَارِ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يُؤَدَّبُ بِالسَّوْطِ وَيُسْجَنُ، إنْ أَهْمَلَهُ، فَإِنْ ثَقَّفَهُ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ إلَى إهْمَالِهِ بِيعَ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ، أَوْ ذُبِحَ وَبِيعَ لَحْمُهُ، أَيُّ ذَلِكَ كَانَ أَعْوَدَ عَلَيْهِ أُنْفِذَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وَمِنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى: الْمَنْعُ مِنْ أَذَى النَّاسِ فِي زَرْعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ. وَمِنْ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ: إهْمَالُ ذَلِكَ. فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ بِمَا فِيهِ حِمَايَةُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ - مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى صَاحِبِ الْحَيَوَانِ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى أَصْلَحَ مِنْ ذَلِكَ - كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا مَنْ زَرَعَ فِي الشَّعْوَاءِ، أَوْ حَيْثُ الْمَسْرَحُ، أَوْ غَرَسَ هُنَالِكَ غَرْسًا فَإِنَّهُ يُكَلَّفُ

стр. 4752

أَنْ يُحْظَرَ عَلَى زَرْعِهِ وَغَرْسِهِ بِمَا يَدْفَعُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، بَلْ الْحَائِطُ لَهُ، وَدَفْعُ الْإِضَاعَةِ عَنْ مَالِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ النَّاسَ عَنْ إرْعَاءِ مَوَاشِيهِمْ هُنَالِكَ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ هُوَ مِنْ إحْيَاءِ مَا قَدَرَ عَلَى إحْيَائِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوَاتِ، وَلَيْسَ فِي طَاقَةِ أَحَدٍ مَنْعُ الْمَوَاشِي عَنْ زَرْعٍ، أَوْ ثَمَرٍ فِي وَسَطِ الْمَسْرَحِ، فَإِذْ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ - لَيْسَ فِي الْوُسْعِ - فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يُكَلَّفُوا ضَبْطُهَا، أَوْ مَنْعُهَا: بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا تَعَذَّرَ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَنْعُ مَاشِيَتِهِمْ مِنْهُ فِي مُرُورِهَا فِي طَرِيقِهَا إلَى الْمَسْرَحِ بَيْنَ زَرْعِ النَّاسِ وَثِمَارِهِمْ، فَإِنَّ أَهْلَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ يُكَلَّفُونَ هَاهُنَا بِحَظِيرِ مَا وَلِيَ الطَّرِيقَ مِنْ زُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ. وَأَمَّا الثِّمَارُ الْمُتَّصِلَةُ مِنْ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ الَّتِي لَا مَسْرَحَ فِيهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفُ الْحَظْرِ، فَإِنْ أَطْلَقَ مَوَاشِيَهُ هُنَالِكَ عَامِدًا، أَوْ مُهْمِلًا: أُدِّبَ الْأَدَبَ الْمُوجِعَ، وَبِيعَتْ عَلَيْهِ مَوَاشِيهِ إنْ عَادَ، وَضَمِنَ مَا بَاشَرَ إطْلَاقَهَا عَلَيْهِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَا يُعْقَرُ الْحَيَوَانُ الضَّارِي أَلْبَتَّةَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ إلَّا لِمَأْكَلِهِ، وَنَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَالْعَقْرُ إضَاعَةٌ فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَفِيمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْقَائِدُ، وَالرَّاكِبُ، وَالسَّائِقُ - فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا إبْرَاهِيمُ الْهَرَوِيُّ نا هُشَيْمٌ نا أَشْعَثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ: أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الْفَارِسَ مَا أَوْطَأَتْ دَابَّتُهُ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ، وَيُبَرِّئُهُ مِنْ النَّفْحَةِ. قَالَ هُشَيْمٌ: ونا يُونُسُ، وَالْمُغِيرَةُ، قَالَ يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُمَا كَانَا يُضَمِّنَانِ مَا أَوْطَأَتْ الدَّابَّةُ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ، وَلَا يُضَمِّنَانِ مِنْ النَّفْحَةِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ، وَشُرَيْحٍ أَنَّهُمَا قَالَا: إذَا نَفَحَتْ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا فَإِنَّ صَاحِبَهَا لَا يَضْمَنُ.

стр. 4753

وَقَالَ الْحَكَمُ وَالشَّعْبِيُّ: يَضْمَنُ وَلَا يُطَلُّ دَمُ الْمُسْلِمِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا شَرَدَ لَهُ بَعِيرَانِ فَأَخَذَهُمَا رَجُلٌ فَقَرَنَهُمَا فِي حَبْلٍ فَأَخْنَقَ أَحَدَهُمَا فَمَاتَ؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ: إنَّمَا أَرَادَ الْإِحْسَانَ، لَا يَضْمَنُ إلَّا قَائِدٌ أَوْ رَاكِبٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فِي الدَّابَّةِ أُفْزِعَتْ فَوَطِئَتْ يَضْمَنُ صَاحِبُهَا، وَإِذَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْزَعَ لَمْ يَضْمَنْ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْثَقَ عَلَى الطَّرِيقِ فَرَسًا عَضُوضًا فَعَقَرَ؟ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يَضْمَنُ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْبِطَ كَلْبًا عَضُوضًا عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَشُرَيْحٍ قَالَا جَمِيعًا: يَضْمَنُ الرَّاكِبُ، وَالسَّائِقُ، وَالْقَائِدُ. وَعَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا يَنْشُرَانِ ثَوْبًا فَمَرَّ رَجُلٌ فَدَفَعَهُ آخَرُ فَوَقَعَ عَلَى الثَّوْبِ فَخَرَقَهُ، فَارْتَفَعُوا إلَى شُرَيْحٍ فَضَمَّنَ الدَّافِعَ، وَأَبْرَأَ الْمَدْفُوعَ، بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: هُمَا شَرِيكَانِ - يَعْنِي الرَّاكِبَ وَالرَّدِيفَ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا قَالَ: مَنْ أَوْقَفَ دَابَّتَهُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ وَضَعَ شَيْئًا فَهُوَ ضَامِنٌ بِجِنَايَتِهِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، قَالَا جَمِيعًا: مَنْ رَبَطَ دَابَّتَهُ فِي طَرِيقٍ فَهُوَ ضَامِنٌ - وَعَنْ إبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ فَرَسًا فَرَكَضَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، لِأَنَّ الرَّجُلَ يُرَكِّضُ فَرَسَهُ. وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: يُغَرَّم الْقَائِدُ، وَالرَّاكِبُ، عَنْ يَدِهَا مَا لَا يُغَرَّمَانِ عَنْ رِجْلُهَا، قُلْت: كَانَتْ الدَّابَّةُ عَادِيَةً فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا إنْسَانًا وَهِيَ تُقَادُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيُغَرَّم الْقَائِدُ، قُلْت: السَّائِقُ يُغَرَّمُ عَنْ الْيَدِ وَالرَّجُلِ، قَالَ: زَعَمُوا، فَرَادَدْته؟ قَالَ: يَقُولُ: الطَّرِيقَ الطَّرِيقَ.

стр. 4754

وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يُغَرَّمُ الْقَائِدُ مَا أَوْطَأَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ، فَإِذَا نَفَحَتْ لَمْ يُغَرَّمْ، وَالرَّاكِبُ كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ بِالْعَنَانِ فَتَنْفَحُ فَيُغَرَّمُ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: يُضَمَّنُ الرَّدِيفُ مَعَ صَاحِبِهِ. وَعَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: يُضَمَّنُ الْقَائِدُ، وَالسَّائِقُ، وَالرَّاكِبُ، وَلَا يُضَمَّنُ الدَّابَّةُ إذَا عَاقَبَتْ، قُلْت: وَمَا عَاقَبَتْ؟ قَالَ: إذَا ضَرَبَهَا رَجُلٌ فَأَصَابَتْهُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: رَكِبَتْ جَارِيَةٌ جَارِيَةً فَنَخَسَتْهَا أُخْرَى فَوَقَعَتْ فَمَاتَتْ؟ فَضَمَّنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ النَّاخِسَةَ وَالْمَنْخُوسَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُضَمَّنُ السَّائِقُ، وَالْقَائِدُ، وَالرَّاكِبُ مَا أَصَابَتْ الدَّابَّةُ، إلَّا أَنْ تَرْمَحَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِمْ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُ الرَّدِيفُ مَعَ الرَّاكِبِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ لَا يَضْمَنُ الرَّدِيفُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَرْجُو أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ أَمَامَهُ مَنْ يُمْسِكُ الْعَنَانَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا عِنْدَ تَنَازُعِهِمْ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا، إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] ، فَنَظَرْنَا فِي الرَّاكِبِ فَوَجَدْنَاهُ مُصَرِّفًا لِدَابَّتِهِ حَامِلًا لَهَا فَمَا أَصَابَتْ مِمَّا حَمَلَهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمَدَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ فَمَا دُونِهَا، لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ مُبَاشِرٌ لِلْجِنَايَةِ - وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَضْمَنُهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ - وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ - فَهُوَ إصَابَةُ خَطَأٍ يَضْمَنُ الْمَالَ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ فِي النَّفْسِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ قَاتِلُ خَطَأٍ، وَمَا أَصَابَتْ بِرَأْسِهَا، أَوْ بِعَضَّتِهَا، أَوْ بِذَنَبِهَا، أَوْ بِنَفْحَتِهَا بِالرِّجْلِ، أَوْ ضَرَبَتْ بِيَدِهَا فِي غَيْرِ الْمَشْيِ: فَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ» . وَأَمَّا الْقَائِدُ: فَإِنْ كَانَ يَمْسِكُ الرَّسَنَ أَوْ الْخِطَامَ فَهُوَ حَامِلٌ لِلدَّابَّةِ عَلَى مَا مَشَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمَدَ فَالْقَوَدُ - كَمَا قُلْنَا - وَالضَّمَانُ فِي الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمِدْ فَهُوَ قَاتِلُ خَطَأٍ،

стр. 4755

فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَيَضْمَنُ الْمَالَ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّوَابُّ مَقْصُورَةً بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا وَلَا فَرْقَ. وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ الْمَقُودَةِ رَاكِبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ: لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاكِبِ، إلَّا إنْ حَمَلَهَا أَوْ أَعَانَ، فَهُوَ وَالْقَائِدُ شَرِيكَانِ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ كَانَ الْقَائِدُ لَا رَسَنَ بِيَدِهِ، وَلَا عِقَالَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَلَّ شَيْئًا، وَلَا بَاشَرَ فِيمَا أَتْلَفَ مِنْ دَمٍ، أَوْ مَالٍ شَيْئًا أَصْلًا - وَقَدْ قَالَ ﵊ «وَالْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ» . وَأَمَّا الرَّدِيفُ - فَإِنْ كَانَ يُمْسِكُ الْعِنَانَ هُوَ وَحْدَهُ وَلَا يُمْسِكُهُ الْمُتَقَدِّمُ: فَحَابِسُ الْعِنَانِ هُوَ الضَّامِنُ وَحْدَهُ، وَعَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ الْقَوَدُ، وَفِي الْخَطَأِ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلَا ضَمَانَ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ، إلَّا أَنْ يُعِينَ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا السَّائِقُ - فَإِنْ حَمَلَهَا بِضَرْبٍ، أَوْ نَخْسٍ، أَوْ زَجْرٍ عَلَى شَيْءٍ مَا، فَإِنْ عَمَدَ فَالْقَوَدُ وَالضَّمَانُ، وَإِنْ لَمْ يَعْمِدْ فَهُوَ قَاتِلُ خَطَأٍ كَمَا قُلْنَا، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهَا عَلَى شَيْءٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ - وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» . وَمَنْ أَوْثَقَ دَابَّتَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَهَا وَهُوَ يَمْشِي، وَلَيْسَ كُلُّ مُسِيءٍ ضَامِنًا. وَقَدْ عَلِمْنَا وَعَلِمَ كُلُّ مُسْلِمٍ: أَنَّ عَامِلَ السِّلَاحِ، وَبَائِعَهَا فِي الْفِتَنِ: فَمُخَالِفٌ ظَالِمٌ، وَمُسِيءٌ، وَمُعِينٌ بِذَلِكَ عَلَى قَتْلِ النَّاسِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ غَيْرَهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي؟ قِيلَ لَهُمْ: وَالدَّابَّةُ هِيَ الْمُتَوَلِّيَةُ أَيْضًا، وَجُرْحُهَا جُبَارٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَّ دَابَّةً، أَوْ طَائِرًا عَنْ رِبَاطِهَا: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَصَابَتْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ، وَلَا بَاشَرَ، وَلَا تَوَلَّى. وَأَمَّا مَنْ رَكِبَ دَابَّتَهُ وَلَهَا فِلْوٌ يَتْبَعُهَا فَأَصَابَ الْفِلْوُ إنْسَانًا، أَوْ مَالًا: فَهُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ عَمَدَ فَالْقَوَدُ، وَإِنْ لَمْ يَعْمِدْ فَهُوَ قَاتِلٌ خَطَأً. بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُ فِي إزَالَتِهِ أُمَّهُ عِنْدَ مُسْتَدْعٍ لَهُ إلَى الْمَشْيِ وَرَاءَهَا، فَهُوَ مُبَاشِرٌ

стр. 4756

لِاسْتِجْلَابِهِ، فَلَوْ تَرَكَ الْفِلْوُ اتِّبَاعَ أُمِّهِ، وَأَخَذَ يَلْعَبُ، أَوْ خَرَجَ عَنْ اتِّبَاعِهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى رَاكِبِ أُمِّهِ أَصْلًا. وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَدْعَى بَهِيمَةً بِشَيْءٍ تَأْكُلُهُ وَهُوَ يَدْرِي أَنَّ فِي طَرِيقِهَا مَتَاعًا تُتْلِفُهُ، أَوْ إنْسَانًا رَاقِدًا فَأَتَتْهُ، فَأَتْلَفَتْ فِي طَرِيقِهَا شَيْئًا، فَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ، وَهُوَ قَاتِلٌ خَطَأً إنْ لَمْ يَعْمِدْ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَشْلَى أَسَدًا عَلَى إنْسَانٍ أَوْ حَنَشًا - وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ أَطْلَقَهُمَا دُونَ أَنْ يَقْصِدَ بِهِمَا إنْسَانًا. لِأَنَّهُ فِي إطْلَاقِهِمَا عَلَى الْإِنْسَانِ مُبَاشِرٌ لِإِتْلَافِهِ، قَاصِدٌ لِذَلِكَ - وَلَيْسَ فِي إطْلَاقِهِمَا جَانِيًا عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَصْلًا. وَأَمَّا مَا قَالَهُ شُرَيْحٌ فِي قَارِنِ الْبَعِيرَيْنِ فَصَحِيحٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ فَعَلَ مَا أُبِيحَ لَهُ فِعْلُهُ، إلَّا أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ. وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي تَضْمِينِ النَّاخِسَةِ فَصَحِيحٌ، لِأَنَّهَا هِيَ الْمُلْقِيَةُ لِلْأُخْرَى فِي الْأَرْضِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [. وَغَيْرِهِ وَنِفَارِ الدَّابَّةِ] ٢١١٤ - مَسْأَلَةٌ: مِنْ جِنَايَةِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ، وَنِفَارِ الدَّابَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَسْرِي بِأُمِّهِ فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ يَرْكُضُ فَنَفَرَ الْحِمَارُ مِنْ وَقْعِ حَافِرِ الْفَرَسِ فَوَثَبَ فَوَقَعَتْ الْمَرْأَةُ فَمَاتَتْ؟ فَاسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: ضَرَبَ الْحِمَارُ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: أَصَابَ الْحِمَارَ مِنْ الْفَرَس شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أُمُّك أَتَتْ عَلَى أَجَلِهَا فَاحْتَسِبْهَا. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الزِّنَادِ عَنْ عَقْلِ الْكَلْبِ، أَوْ الْفَهْدِ، أَوْ السَّبْعِ الدَّاجِنِ، أَوْ الْكَبْشِ النَّطَّاحِ، أَوْ نَطْحِ الثَّوْرِ، أَوْ الْبَعِيرِ، أَوْ الْفَرَسِ الَّذِي يَعَضُّ، فَيَعْقُرُ مِسْكِينًا، أَوْ زَامِرًا، أَوْ عَابِدًا؟ فَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: إنْ قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الدَّوَابِّ، أَوْ أَصَابَ كَسْرَ يَدٍ، أَوْ رِجْلٍ، أَوْ فَقَأَ عَيْنًا، أَوْ أَيَّ أَمْرٍ جَرَحَ مِنْ ذَلِكَ بِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ

стр. 4757

هَدْرٌ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ «الْعَجْمَاءَ جُرْحُهَا جُبَارٌ» إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَعْدَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِإِيثَاقِ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ مَا حَرَجَ بِالنَّاسِ - فَأَمَّا مَا أُصِيبَ بِهِ الدَّابَّةُ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا، فَلَمْ يَكُنْ السُّلْطَانُ يَتَقَدَّمُ إلَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّ عَلَى مَنْ أَصَابَهَا غُرْمُ مَا أَصَابَهَا بِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا فِي دَارِ الْبَادِيَةِ فَعَقَرَ ذَلِكَ الْكَلْبُ إنْسَانًا: إنَّهُ إنْ اقْتَنَاهُ - وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ يَفْتَرِسُ النَّاسَ فَعَقَرَهُمْ - فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا فَرَسَ الْكَلْبُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ - فَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ - مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ فَمَعْنَاهَا صَحِيحٌ - وَبِهِ نَأْخُذُ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُبَاشِرْ وَلَا أَمَرَ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَالدَّابَّةُ إذَا نَفَرَتْ فَلَيْسَ لِلَّذِي نَفَرَتْ مِنْهُ ذَنْبٌ؟ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَفَّرَهَا عَامِدًا: فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ فِيمَا قَتَلَتْ إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ أَنْ تَطَأَ الَّذِي أَصَابَتْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ ذَلِكَ فَهُوَ قَاتِلٌ خَطَأً، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، وَيَضْمَنُ الْمَالَ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ، إذَا تَعَمَّدَ تَنْفِيرَهَا، لِأَنَّهُ الْمُحَرِّكُ لَهَا. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ - فَصَحِيحٌ كُلُّهُ، لِأَنَّ جُرْحَ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لَمْ يَتَعَمَّدْ إشْلَاءَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ «إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ» فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَتَقَدُّمُ السُّلْطَانِ لَا يُوجِبُ غَرَامَةً لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَإِنَّمَا السُّلْطَانُ مُنَفِّذٌ لِلْوَاجِبِ عَلَى مَنْ امْتَنَعَ فَقَطْ، وَلَيْسَ شَارِعًا شَرِيعَةً. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَخَطَأٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ عِلْمُ الْمُقْتَنِي لِلْكَلْبِ بِأَنَّهُ يَفْتَرِسُ النَّاسَ بِمُوجِبٍ عَلَيْهِ غَرَامَةً لَمْ يُوجِبْهَا الْقُرْآنُ وَلَا السُّنَّةُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِاقْتِنَائِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ شَيْئًا فِي الَّذِي أَتْلَفَهُ الْكَلْبُ. وَهَكَذَا مَنْ آوَى رَجُلًا قَتَّالًا مُحَارِبًا فَجَنَى جِنَايَةً، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِإِيوَائِهِ إيَّاهُ فَلَيْسَ مُبَاشِرًا عُدْوَانًا فِي الْمُصَابِ. وَكُلُّ هَذَا بَابٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ قِيَاسًا، وَلَكِنَّ خُصُومَنَا يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ وَيُخَالِفُونَهُ فِي

стр. 4758

ذَلِكَ الْعَمَلِ نَفْسِهِ، فَإِذَا جَمَعْنَا لَهُمْ الْقَوْلَيْنِ لَاحَ لَهُمْ تَنَاقُضُهُمْ فِيهَا - فَعَلَى هَذَا نُورِدُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَا عَلَى أَنَّهَا حُجَّةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ كَعْبِ بْنِ سَوَّارٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى حِمَارٍ فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ عَلَى بَعِيرٍ فِي زُقَاقٍ فَنَفَرَ الْحِمَارُ فَصُرِعَ الرَّجُلُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ؟ فَلَمْ يُضَمِّنْ كَعْبُ بْنُ سَوَّارٍ صَاحِبَ الْبَعِيرِ شَيْئًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَمَا قُلْنَا - وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَارِقٍ قَالَ: كُنْت عِنْدَ شُرَيْحٍ فَأَتَاهُ سَائِلٌ فَقَالَ: إنِّي دَخَلْت دَارَ قَوْمٍ فَعَقَرَنِي كَلْبُهُمْ وَخَرَقَ جِرَابِي؟ فَقَالَ: إنْ كُنْت دَخَلْت بِإِذْنِهِمْ فَهُمْ ضَامِنُونَ، وَإِنْ كُنْت دَخَلْت بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إذَا كَانَ الْكَلْبُ فِي الدَّارِ فَأَذِنَ أَهْلُ الدَّارِ لِلرَّجُلِ فَعَقَرَهُ الْكَلْبُ ضَمِنُوا، وَإِنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَعَقَرَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ - وَأَيُّمَا قَوْمٍ غَشَوْا غَنَمًا فِي مَرَابِضِهَا فَعَقَرَتْهُمْ الْكِلَابُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَصْحَابِ الْغَنَمِ، وَإِنْ عَرَضَتْ لَهُمْ الْكِلَابُ فِي الطَّرِيقِ فَعَقَرَتْهُمْ الْكِلَابُ فِي الطَّرِيقِ ضَمِنُوا. وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ - فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَالْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ، وَالشَّافِعِيَّ، وَأَبَا سُلَيْمَانَ، قَالُوا: مَنْ كَانَ فِي دَارِهِ كَلْبٌ فَدَخَلَ إنْسَانٌ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَتَلَهُ الْكَلْبُ فَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ - وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ نَحْوَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ - وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ: أَنَّهُ قَالَ: إنْ اتَّخَذَ الْكَلْبَ وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ يَعْقِرُ النَّاسَ ضَمِنَ - وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ - إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: اشْتِرَاطُ تَقَدُّمِ السُّلْطَانِ، أَوْ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ عَقُورٌ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ هَذَا نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٌ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ بِاِتِّخَاذِهِ الْكَلْبَ الْعَقُورَ مُتَعَدٍّ - وَكَذَلِكَ هُوَ بِاِتِّخَاذِهِ حَيْثُ لَمْ يُبَحْ لَهُ اتِّخَاذُهُ مُتَعَدٍّ أَيْضًا؟

стр. 4759

قُلْنَا: هُوَ مُتَعَدٍّ فِي اتِّخَاذِهِ - فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ - ظَالِمٌ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مُتَعَدِّيًا فِي إتْلَافِ مَا أَتْلَفَ الْكَلْبُ، وَلَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ قَطُّ عَلَى ظَالِمٍ غَرَامَةً مُطْلَقَةً. وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ التَّعَدِّيَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ، أَوْ لِلْقَوَدِ، أَوْ لِلدِّيَةِ، هُوَ مَا سُمِّيَ بِهِ الْمَرْءُ " قَاتِلًا، أَوْ مُفْسِدًا " وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ، أَوْ بِالْأَمْرِ، وَهِيَ فِي اتِّخَاذِهِ الْكَلْبَ، كَمَنْ عَمِلَ سَيْفًا وَأَعْطَاهُ لِظَالِمٍ، أَوْ اقْتَنَى خَمْرًا فِي خَابِيَةٍ فَجَلَسَ إنْسَانٌ إلَيْهَا فَانْكَسَرَتْ فَقَتَلَتْ الْإِنْسَانَ؟ فَكُلُّ هَذَا لَيْسَ يُسَمِّي هَذَا الظَّالِمَ " قَاتِلًا، وَلَا مُتْلِفًا " فَلَا ضَمَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ جَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ فَقَتَلَ رَجُلًا، قَالَ: يَضْمَنُ، هُوَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي رَمَى بِسَهْمِهِ طَائِرًا فَأَصَابَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إذَا جَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُحَرِّكُ لَهُ، الْمُغَالِبُ لَهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ كُلَّ مَا جَنَى بِتَحْرِيكِهِ إيَّاهُ، فِي الْقَصْدِ الْقَوَدُ وَفِيمَا لَمْ يَقْصِدْهُ ضَمَانُ الْخَطَأ - وَأَمَّا إذَا غَلَبَتْهُ دَابَّتُهُ فَلَمْ يَحْمِلْهَا عَلَى شَيْءٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَصْلًا فِي كُلِّ مَا أَصَابَتْ. وَلَوْ أَنَّ امْرَأً اتَّبَعَ حَيَوَانًا لِيَأْخُذَهُ؟ فَكُلُّ مَا أَفْسَدَ الْحَيَوَانُ فِي هُرُوبِهِ ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ حَامِلُهُ عَلَيْهِ، مِمَّا يُوقَنُ أَنَّ ذَلِكَ الْحَيَوَانَ إنَّمَا يَرَاهُ وَيَهْرُبُ عَنْهُ: فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ مَا عَمَدَ وَقَصَدَ بِالْقَوَدِ، وَمَا لَمْ يَقْصِدْ: فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ - وَأَمَّا مَا أَتْلَفَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ فِي جَرْيِهِ - وَهُوَ لَا يَرَاهُ - فَلَا ضَمَانَ عَلَى مُتَّبِعِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ هَيَّجَ كَلْبًا أَوْ أَطْلَقَ أَسَدًا أَوْ أَعْطَى أَحْمَقَ سَيْفًا فَقَتَلَ رَجُلًا] ٢١١٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ أَنَّ إنْسَانًا هَيَّجَ كَلْبًا، أَوْ أَطْلَقَ أَسَدًا، أَوْ أَعْطَى أَحْمَقَ سَيْفًا فَقَتَلَ رَجُلًا: كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُهَيِّجِ، وَلَا عَلَى الْمُطْلِقِ، وَلَا عَلَى الْمُعْطِي السَّيْفَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُبَاشِرُوا الْجِنَايَةَ، وَلَا أَمَرُوا بِهَا مَنْ يُطِيعُهُمْ. فَلَوْ أَنَّهُ أَشْلَى الْكَلْبَ عَلَى إنْسَانٍ، أَوْ حَيَوَانٍ فَقَتَلَهُ: ضَمِنَ الْمَالَ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلْبٌ مِثْلُهُ حَتَّى يَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْكَلْبُ بِإِطْلَاقِهِ، لِأَنَّهُ هَاهُنَا هُوَ الْجَانِي الْقَاصِدُ إلَى إتْلَافِ مَا أَتْلَفَ الْكَلْبُ بِإِغْرَائِهِ. وَلَوْ أَنَّ امْرَأً حَفَرَ حُفْرَةً وَغَطَّاهَا، وَأَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يَمْشِيَ عَلَيْهَا، فَمَشَى عَلَيْهَا ذَلِكَ الْإِنْسَانُ مُخْتَارًا لِلْمَشْيِ - عَالِمًا، أَوْ غَيْرَ عَالَمٍ -: فَلَا ضَمَانَ عَلَى آمِرِهِ بِالْمَشْيِ، وَلَا

стр. 4760

عَلَى الْحَافِرِ، وَلَا عَلَى الْمُعْطِي، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُمْشُوهُ، وَلَا بَاشَرُوا إتْلَافَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ بَاشَرَ شَيْئًا بِاخْتِيَارِهِ - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا بَيْنَ مَنْ غَرَّ إنْسَانًا فَقَالَ لَهُ: طَرِيقُ كَذَا أَمْنٌ هُوَ؟ فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، هُوَ فِي غَايَةِ الْأَمْنِ - وَهُوَ يَدْرِي أَنَّ فِي الطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ أَسَدًا هَائِجًا، أَوْ جَمَلًا هَائِجًا، أَوْ كِلَابًا عَقَّارَةً، أَوْ قَوْمًا قَطَّاعِينَ لِلطَّرِيقِ، يَقْتُلُونَ النَّاسَ - فَنَهَضَ السَّائِلُ مُغْتَرًّا بِخَبَرِ هَذَا الْغَارِ لَهُ، فَقُتِلَ وَذَهَبَ مَالُهُ. وَكَذَلِكَ: مَنْ رَأَى أَسَدًا فَأَرَادَ الْهُرُوبَ عَنْهُ؟ فَقَالَ لَهُ إنْسَانٌ مَنْ غَرَّ بِهِ: لَا تَخَفْ، فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ؟ فَاغْتَرَّ بِقَوْلِهِ وَمَشَى، فَقَتَلَهُ الْأَسَدُ - فَهَذَا كُلُّهُ لَا قَوَدَ عَلَى الْغَارِّ، وَلَا ضَمَانَ أَصْلًا فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ شَيْئًا، وَلَا أَكْرَهَ؟ فَلَوْ أَنَّهُ أَكْرَهَهُ عَلَى الْمَشْيِ عَلَى الْحُفْرَةِ فَهَلَكَ فِيهَا، أَوْ طَرَحَهُ إلَى الْأَسَدِ أَوْ إلَى الْكَلْبِ؟ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ. فَلَوْ طَرَحَهُ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ الْبُغَاةِ فَقَتَلُوهُ: فَهُمْ الْقَتَلَةُ لَا الطَّارِحُ - بِخِلَافِ طَرْحِهِ إلَى مَنْ لَا يَعْقِلُ، لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْقِلُ آلَةٌ لِلطَّارِحِ. وَكَذَلِكَ - لَوْ أَمْسَكَهُ لِأَسَدٍ فَقَتَلَهُ، أَوْ لِمَجْنُونٍ فَقَتَلَهُ، فَالْمُمْسِكُ هَاهُنَا هُوَ الْقَاتِلُ - بِخِلَافِ إمْسَاكِهِ إيَّاهُ لِقَتْلِ مَنْ يَعْقِلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ طَلَب دَابَّةً فَنَادَى رَجُلًا احْبِسْهَا عَلَيَّ فَصَدَمَتْهُ فَقَتَلَتْهُ] ٢١١٦ - مَسْأَلَةٌ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ طَلَب دَابَّةً فَنَادَى رَجُلًا: احْبِسْهَا عَلَيَّ، فَصَدَمَتْهُ فَقَتَلَتْهُ، أَوْ رَمَاهَا فَقَتَلَهَا؟ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كِلَاهُمَا يُغَرَّمُ. وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ لَهِيعَةَ: أَنَّ هِشَامًا كَتَبَ فِي رَجُلٍ ضَمَّ جَارِيَةً إلَيْهِ مِنْ دَابَّةٍ فَضَرَبَتْهَا فِي حِجْرِهِ: أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ دِيَتَهَا - قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: وَالرَّجُلُ مَوْلًى لَنَا؟ كَتَبَ تَوْبَةُ بْنُ نَمِرٍ - قَاضِي أَهْلِ مِصْرَ - إلَى هِشَامٍ فِي ذَلِكَ؟ فَكَتَبَ بِهَذَا، فَجَعَلَ الدِّيَةَ عَلَيْنَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَّ هِشَامًا كَتَبَ فِي رَجُلٍ حَمَلَ صَبِيًّا فَخَرَّ فِي مَهْوَاةٍ، فَمَاتَ الصَّبِيُّ: أَنَّ ضَمَانَهُ عَلَى الْحَامِلِ، قَالَ اللَّيْثُ: وَعَلَى هَذِهِ الْفُتْيَا النَّاسُ - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ: فَإِنْ هَلَكَا جَمِيعًا فَلَا عَقْلَ لَهُمَا.

стр. 4761

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ مَخْلُوقٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَمَّا الَّذِي قَالَ لِلرَّجُلِ: احْبِسْ لِي الدَّابَّةَ فَصَدَمَتْهُ فَقَتَلَتْهُ: فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي أَمَرَهُ بِحَبْسِهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا بَاشَرَ فِيهِ إتْلَافَهُ. فَلَوْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِحَبْسِ الدَّابَّةِ رَمَاهَا فَقَتَلَهَا، أَوْ جَنَى عَلَيْهَا فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مِنْ إتْلَافِهَا، وَمِنْ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا مَا لَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِعْلَهُ، فَهُوَ مُتْلِفٌ بِغَيْرِ حَقٍّ وَجَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمُبَاشِرٌ لِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وَكَذَلِكَ - لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِهَا، أَوْ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا فَفَعَلَ لَضَمِنَ، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِمَا لَا يَحِلُّ، وَبِمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِالْأَمْرِ، وَالْمَأْمُورُ أَيْضًا مُتَعَدٍّ بِالِائْتِمَارِ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمُبَاشَرَتِهِ الْجِنَايَةَ. وَأَمَّا مَنْ ضَمَّ صَبِيَّةً مِنْ دَابَّةٍ فَرَمَحَتْهَا الدَّابَّةُ فَقَتَلَتْهَا: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ إتْلَافَهَا، وَ " جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ ". وَأَمَّا الَّذِي حَمَلَ صَبِيًّا فَسَقَطَ فِي مَهْوَاةٍ فَمَاتَ الصَّبِيُّ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ مِنْ وُقُوعِ حَامِلِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَالضَّمَانُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ قَاتِلٌ خَطَأً - وَإِنْ كَانَ مَاتَ مِنْ الْوَقْعَةِ لَا مِنْ وُقُوعِ حَامِلِهِ عَلَيْهِ، فَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ. فَلَوْ مَاتَ الْحَامِلُ حِينَ وُقُوعِهِ عَلَى الصَّبِيِّ، أَوْ قَبْلَ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ: فَلَا ضَمَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ عَلَى مَيِّتٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ اللِّصُّ يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ هَلْ لَهُ قَصْدُ قَتْلِهِ] ٢١١٧ - مَسْأَلَةٌ: اللِّصُّ يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ هَلْ لَهُ قَصْدُ قَتْلِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَصْلَتَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى لِصٍّ بِالسَّيْفِ، فَلَوْ تَرَكْنَاهُ لَقَتَلَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ حُجَيْرِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: قُلْت لِعِمْرَانِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَرَأَيْت إنْ دَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ يُرِيدُ نَفْسِي وَمَالِي؟ قَالَ عِمْرَانُ: لَوْ دَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ يُرِيدُ نَفْسِي وَمَالِي لَرَأَيْت أَنْ قَدْ حَلَّ لِي قَتْلُهُ.

стр. 4762

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبَّادُ بْنُ عَوْفٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: اُقْتُلْ اللِّصَّ، وَالْحَرُورِيَّ، وَالْمُسْتَعْرِضَ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَرَكَ قِتَالَ رَجُلٍ يَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ أَوْ يَطْرُقُهُ فِي بَيْتِهِ تَأَثُّمًا مِنْ ذَلِكَ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إذَا دَخَلَ اللِّصُّ دَارَ الرَّجُلِ فَقَتَلَهُ فَلَا ضِرَارَ عَلَيْهِ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الرَّجُلُ مُحَارِبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَاقْتُلْهُ، فَمَا أَصَابَك مِنْ شَيْءٍ فَعَلَيَّ. وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: قُلْت لِعُبَيْدَةَ: أَرَأَيْت إنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ يُرِيدُ بَيْتِي؟ قَالَ: إنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْك بَيْتَك لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْك مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَحِلُّ لَك نَفْسُهُ. وَعَنْ مَنْصُورٍ أَنَّهُ سَأَلَ إبْرَاهِيمَ عَنْ الرَّجُلِ يَعْرِضُ لِلرَّجُلِ يُرِيدُ مَالَهُ أَيُقَاتِلُهُ؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لَوْ تَرَكَهُ لَقَتَلَهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ نا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ - نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي، قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَمَنْ أَرَادَ أَخْذَ مَالِ إنْسَانٍ ظُلْمًا مِنْ لِصٍّ، أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ تَيَسَّرَ لَهُ طَرْدُهُ مِنْهُ وَمَنْعُهُ: فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ حِينَئِذٍ: فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ - وَإِنْ تَوَقَّعَ - أَقَلَّ تَوَقُّعٍ - أَنْ يُعَاجِلَهُ اللِّصُّ: فَلْيَقْتُلْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ. فَإِنْ قِيلَ: اللِّصُّ مُحَارِبٌ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحَارِبِ؟ قُلْنَا: فَإِنْ كَابَرَ وَغَلَبَ فَهُوَ مُحَارِبٌ، وَاخْتِيَارُ الْقَتْلِ فِي الْمُحَارِبِ إلَى الْإِمَامِ لَا إلَى غَيْرِهِ، أَوْ إلَى مَنْ قَامَ بِالْحَقِّ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إمَامٌ، وَإِنْ لَمْ يُكَابِرْ وَلَا غَلَبَ، لَكِنْ تَلَصَّصَ: فَلَيْسَ مُحَارِبًا، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ أَصْلًا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4763

[مَسْأَلَةٌ صَاحِبُ الْمَعْبَرِ يَعْبُرُ بِدَوَابَّ فَغَرِقَتْ .] صَاحِبُ الْمَعْبَرِ يَعْبُرُ بِدَوَابَّ فَغَرِقَتْ. قَالَ عَلِيٌّ: نا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ، قَالَ لِي: صَاحِبُ الْمَعْبَرِ يَعْبُرُ بِدَوَابَّ فَغَرِقَتْ؟ قَالَ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ إلَّا أَنْ يُبَاشِرَ تَعْطِيبَ الْمَعْبَرِ، أَوْ تَعْطِيبَ السَّفِينَةِ، فَيَضْمَنُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ اسْتَعَانَ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَتَلِفَ] ٢١١٨ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ اسْتَعَانَ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَتَلِفَ؟ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا إسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَعْطَى صَبِيًّا فَرَسًا فَقَتَلَهُ؟ قَالَ: يَضْمَنُ الرَّجُلُ. وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: مَنْ اسْتَعَانَ عَبْدًا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَعَنِتَ فَهُوَ ضَامِنٌ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ فِي عَبْدِ رَجُلٍ أَكْرَهَهُ رَجُلٌ فَحَمَلَهُ عَلَى دَابَّةٍ فَأَوْطَأَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ؟ قَالَ: يَغْرَمُ الَّذِي حَمَلَ الْعَبْدَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ اسْتَعَانَ صَغِيرًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَعَنِتَ، فَهُوَ ضَامِنٌ. وَمَنْ اسْتَعَانَ كَبِيرًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَعَنَتْ فَهُوَ غَيْرُ ضَامِنٍ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا إسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَعْطَى رَجُلًا فَرَسًا فَقَتَلَهُ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا. وَعَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ حَيَّانَ الْحِمَّانِيُّ يَصْنَعُ الْخَيْلَ، وَأَنَّهُ حَمَلَ ابْنَهُ عَلَى فَرَسٍ فَخَرَّ، فَتَقَطَّرَ مِنْ الْفَرَسِ فَمَاتَ، فَجُعِلَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ زَمَانَ زِيَادٍ بِالْبَصْرَةِ. وَعَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: مَنْ حَمَلَ غُلَامًا لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَسَقَطَ فَمَاتَ، فَقَدْ غَرِمَ.

стр. 4764

وَعَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا؟ وَقَالَ: يَغْرَمُ دِيَتَهُ لَوْ جَرَحَهُ. وَعَنْ رَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُمَا قَالَا جَمِيعًا: مَنْ اسْتَعَانَ غُلَامًا لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فَهُوَ لِمَا أَصَابَهُ ضَامِنٌ - وَقَالَا فِي الْحُرِّ يَمْلِكُ نَفْسَهُ: لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ اسْتِعَانَةُ شَيْءٍ إذَا أَتَى ذَلِكَ طَائِعًا؟ قَالَ رَبِيعَةُ: إلَّا أَنْ يُسْتَغْفَلَ، أَوْ يُسْتَجْهَلَ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْت اللَّيْثَ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي الزِّنَادِ. وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْغُلَامِ يَسْتَعِينُهُ رَجُلٌ - وَلَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ -: فَهُوَ ضَامِنٌ حَتَّى يَرْجِعَ -، وَإِنْ اسْتَعَانَهُ بِإِذْنِ أَهْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: مَنْ اسْتَعَانَ مَمْلُوكًا بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ ضَمِنَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَحَصَلَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ مَنْ اسْتَعَانَ غُلَامًا - لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ - بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ، فَإِنْ بَلَغَ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ -، وَإِنْ اسْتَعَانَهُ بِإِذْنِ أَهْلِهِ -، وَهَذَا صَحِيحٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ ﵄ مَنْ حَمَلَ غُلَامًا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَسَقَطَ فَمَاتَ فَقَدْ غَرِمَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُمَا. أَمَّا عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ - وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ عَنْهُ يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ - وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ. وَحَصَلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: مَنْ أَعْطَى صَبِيًّا فَرَسًا فَقَتَلَهُ، فَالْمُعْطِي ضَامِنٌ وَعَنْ رَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، نَحْوُ ذَلِكَ. فَلَمْ يُفَرِّقْ هَؤُلَاءِ بَيْنَ إذْنِ أَهْلِهِ، وَلَا بَيْنَ غَيْرِ إذْنِهِمْ. وَحَصَلَ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ: مَنْ اسْتَعَانَ عَبْدًا بَالِغًا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ تَلِفَ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، وَعَطَاءٍ، نَحْوُهُ.

стр. 4765

وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ - فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَأَبَا يُوسُفَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، قَالُوا: مَنْ غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا فَمَاتَ عِنْدَهُ بِحُمَّى أَوْ فَجْأَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ - فَإِنْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ، أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ: فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْغَاصِبِ، وَكَانَ زُفَرُ يَقُولُ: لَا يَضْمَنُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إذَا أَرْسَلَ صَبِيًّا فِي حَاجَةٍ فَجَنَى الصَّبِيُّ جِنَايَةً، قَالَ: فَلَيْسَ عَلَى الَّذِي أَرْسَلَهُ شَيْءٌ مِنْ جِنَايَتِهِ، قَالَ: فَإِذَا أَرْسَلَ مَمْلُوكًا فِي حَاجَةٍ فَجَنَى، فَإِنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الَّذِي أَرْسَلَهُ، قَالَ: فَإِنْ اسْتَعْمَلَ أَجِيرًا صَغِيرًا فِي حَاجَةٍ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: مَنْ أَمَرَ صَغِيرًا، أَوْ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ بِأَنْ يَسْقِيَهُ مَاءً، أَوْ يُنَاوِلَهُ وَضُوءًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، قَالَ: فَإِنْ عَنِتَا فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُمَا. وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ مِنْهُمْ: أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَانَ صَغِيرًا، أَوْ عَبْدًا مَمْلُوكًا فِي شَيْءٍ لَهُ بَالٌ، فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَهُمَا - إذَا كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنٍ - وَإِذَا أَمَرَ الرَّجُلُ الصَّبِيَّ الْحُرَّ أَنْ يَنْزِلَ فِي بِئْرٍ، أَوْ يَرْقَى فِي نَخْلَةٍ، فَهَلَكَ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَهُ - فَإِنْ اسْتَعَانَ كَبِيرًا حُرًّا فَأَعَانَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُسْتَغْفَلَ أَوْ يُسْتَجْهَلَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ غَصَبَ حُرًّا فَبَاعَهُ فَطُلِبَ؟ فَلَمْ يُوجَدْ: أَنَّهُ يَضْمَنُ دِيَتَهُ - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - فَلَا نَعْلَمُ لَهُ فِي هَذَا قَوْلًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّهَا بَعَثَتْ إلَى مُعَلِّمِ الْكِتَابِ، ابْعَثْ لِي غِلْمَانًا يَنْفُشُونَ صُوفًا وَلَا تَبْعَثْ إلَيَّ حُرًّا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِيَلُوحَ الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتْبَعُهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنِّهِ - فَابْتَدَأْنَا بِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃: فَأَمَّا الرِّوَايَةُ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ فِي طَلَبِهَا غِلْمَانًا يَنْفُشُونَ لَهَا الصُّوفَ، وَاشْتَرَطَتْ: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ حُرٌّ؟ فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ حُكْمِ التَّضْمِينِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهَا - وَلَعَلَّ نَفْشَ الصُّوفِ كَانَ بِحَضْرَتِهَا
следующие страницы →