← Джавами‘

Джавами‘ · id 7682

دروس للشيخ الألباني

ناصر الدين الألباني

Полный текст (552 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

التثويب في أذان الفجر السؤال اختلف اثنان من الإخوة في مسألة التثويب في أذان الفجر، هل هو في الأول أم في الثاني، واستدلَّ على أنه في الأذان الأول بحديث: (إن بلالاً يؤذن بليل) واستُدِلّ على أنه في الأذان الثاني بحديث ابن أم مكتوم: (إن ابن مكتوم يؤذن بليل) فما رأيكم؟ وكذلك بالنسبة للأذان الأول هل هو خاص برمضان أم هو عام؟ الجواب التثويب -بلا شك- هو في الأذان الأول، وهو عام بالنسبة لأيام السنة كلها، أما كونه جاء في الحديث ذكر بلال في الأذان الأول، وفي رواية أخرى ذكر ابن أم مكتوم، فذلك باختلاف الأحوال، تارة كانت وظيفة بلال الأذان الأول، وبالعكس الأذان الثاني لـ ابن أم مكتوم، وتارة كان الأمر خلاف ذلك، الأذان الأول لـ ابن أم مكتوم والأذان الثاني لـ بلال هذا هو الذي جمع به علماء الحديث بين الحديثين، لكن هذا الاختلاف في كون الأذان الأول يؤذن فلان والأذان الثاني فلان، هذا لا يغير من حقيقة السنة التي هي: أن جملة (الصلاة خير من النوم) هي خاصة بالأذان الأول؛ لأن هذا صريح في حديث ابن عمر الذي رواه النسائي وغيره (أنه كان في الأذان الأول زيادة: الصلاة خير من النوم) وكذلك في حديث أبي محذورة، هذا هو الثابت في الأذان الأول لا خلاف في ذلك إطلاقاً. أما اختلاف المؤذن في الأذان الأول عن الثاني والعكس بالعكس، فلا يغير من حقيقة هذه السنة شيئاً. السائل: الأذان الأول هل هو خاص برمضان أم هو عام؟ الشيخ: أجبت عنه أنه عام في كل أيام السنة.

стр. 107

السبب في عدم رد الشيخ الألباني على الكتب المؤلفة ضده السؤال ظهرت بعض الكتب ترد وتغالط الشيخ حفظه الله ولم يرد الشيخ عليها، فما السبب؟ مثل الكتاب الأخير الذي خرج وهو قديم، وهو (تنبيه المسلم) وبعض الكتب؟ الجواب أولاً -يا أخي- ليس في الإمكان أنه كلما توجه ناقد ينقدني بحق أو بباطل، بعلم أو بجهل؛ أن أتفرغ له، هذا أمر غير طبيعي إطلاقاً، وبخاصة وأنا أشعر بأنني أشرفت على حافة القبر، (فمهما طال العمر فلا أستطيع أن أتدارك ما أنا في صدده منذ نعومة أظفاري) كما يقال. لكن مع ذلك أحاول أن أقتنص الفرص، وأن أرد على بعض هؤلاء حينما تأتي المناسبة، وأجدها فرصة لا بد من الرد، ومن ذلك هذا الرجل في تنبيه المسلم، اغتنمتها فرصة في كتابي آداب الزفاف، حيث سيطبع الآن طبعة جديدة، وفيها زوائد عديدة، فكتبت مقدمة فيها شيء من الطول؛ لأنني رددت على هذا الإنسان في بعض ما انحرف قلمه عن الصواب في هذا الكتاب، وأشرت إلى منهجه، وأنه قائم على الجهل بهذا العلم، ورددت عليه بعض الأجزاء التي انتقدني فيها، وبخاصة حديث يتعلق بآداب الزفاف، وهو مما كنت أشرت إلى أنه ضعيف مع كونه في صحيح مسلم، وهو كان مما انتقدني في هذا الحديث، فانتهزتها فرصة ورددت عليه، وسترون ذلك -إن شاء الله- قريباً، هذا المقدار هو الذي أستطيع أن أقوم به، أما أن أتوجه إلى رد الكتاب كله فهذا لا يتيسر لي، ولعلَّ بعض إخواننا المقبلين على هذا العلم بنشاط وفراغ -لا أجده أنا- يقومون بهذا الواجب إن شاء الله.

стр. 108

حكم التحايل على القوانين الوضعية السؤال ما حكم التحايل على القوانين الوضعية، وخاصة في المعاملات التجارية للحصول على مصلحة خاصة لا يتأذى بها الغير؟ الجواب هذا سؤال لا يجوز الإجابة عليه بجواب عام؛ لأنه قد يكون الأمر متعلقاً بشيء من الخيانة، لكن إذا لم يكن هناك شيء من الخيانة، وكان فيه تحقيق مصلحة لا تخالف الشريعة، فحينئذٍ نقول: لا يوجد مانع، بشرط: أنه إذا كان ضامناً بألا يُكتشف عمله المخالف للقانون، فإذا اكتُشف مس الدين والشرع الذي يتمسك به فيشار إليه ويقال: هذا الذي فعل تلك الفعلة. ! مثلاً: قضية الجمارك والتهريب، هذه الجمارك هي بلا شك مكوس غير شرعية خاصة بين بلد إسلامي وبلد آخر، فكثيراً ما نُسأل: هل يجوز أن يهرب مسلم بضاعة ولا يدفع عليها مكوساً؟ نقول: إذا كان رجلاً يمثل التمسك بالدين وبالإسلام، ويخشى أن ينكشف فيهان الإسلام، فلا يجوز في هذه الحالة، أما إذا كان رجلاً عادياً وتعاطى وسائل تهريب، بحيث لو ألقي القبض عليه لا ينصرف ذهن القابضين عليه إلى الطعن في المتمسكين بالشريعة، في مثل هذه الحالة ممكن أن يُقال بجواز ذلك.

стр. 109

حكم إكثار المرأة من الخروج للدعوة السؤال تقوم بعض النسوة بالخروج لدعوة النساء، حيث يقمن بزيارتهن في بيوتهن ودعوتهن لدروس خاصة، وقد يكثر ذلك منهن، فهل يخالف ذلك ما أمرهن الله به من القرار في البيوت؛ لأنها تذهب وتتنقل، وخاصة عندنا -يا شيخ- مأذون للمرأة أن تسوق السيارة، فتذهب لهذه وتذهب لهذه فهل هذا مخالف؟ الجواب أعتقد أن هذا العمل أيضاً من مشاكل العصر الحاضر، ومن ذلك أننا أصبحنا اليوم نقول: إن هناك دعاة وداعيات، وهذه -بلا شك- من محدثات الأمور، فما ينبغي أن يكون هناك نساء يتسمين بالداعيات، لا بأس، بل هذا واجب أن يكون هناك نساء متعلمات العلم الشرعي، بحيث أنهن يُقصدن من النساء بسؤال؛ لأن كثيراً من النساء يتحرجن من أن يتوجهن بأسئلتهن الخاصة بهن إلى أفاضل العلماء، وإذا وجدت في النساء عالمات حقاً على الشرط الذي سبق بيانه آنفاً، أي: بالكتاب والسنة، فينبغي على النساء أن يأتينهن وليس هو العكس؛ لأننا نعتقد بحق قول من قال من أهل العلم: وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف. وقد وصل الأمر ببعض النساء هنا وربما في بلاد أخرى أنها تصعد المنبر في المسجد وتلقي الدروس على النساء، وقد يكون هناك في باحة المسجد رجال فاتتهم الصلاة مع الجماعة فيدخلون ويصلون، أنا -بلا شك- لا أتورع أن أقول: إن هذه من البدع، فالأمر -كما ذكرت في سؤالك- أن واجب المرأة أن تقر في بيتها، فإذا كانت مميزة على غيرها بالعلم بشرع الله فذلك لا يؤهلها أن تنطلق هكذا كالرجال، وتساويهم في الخروج، كأنَّ ربنا ما قال في كتابه الكريم: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] . فالأصل في المرأة ألا تخرج إلا لحاجة لا يمكنها أن تحققها إلا بالخروج، وهنا يظهر الأمر بين المرأة العالمة، فلا يجوز لها أن تخرج وتنطلق -كما يقولون- كداعية، وبين المرأة التي تريد أن تتعلم العلم فهي تخرج؛ لأنه يجوز لها أن تخرج إلى المسجد كما هو معلوم، وكما كان الأمر في عهد الرسول ﵊، مع العلم أن الرسول ﵇ قد قال لهن: (وبيوتهن خير لهن) ومع ذلك فقد أقرهن ﵊ في خروجهن إلى المساجد حتى في صلاة العشاء، وجاء النهي الصريح: (لا يمنعنَّ أحدكم زوجته أن تخرج لصلاة العشاء) وكانت المرأة تنصرف من صلاة الفجر كما جاء في صحيح مسلم (وهن متلفعات بمروطهن) . فإقرار الرسول ﵇ لخروج النساء لأداء الصلوات الخمس في المساجد مع بيان أن صلاتهن في بيوتهن خير لهن؛ ما ذلك إلا لأنهن كن يخرجن لطلب العلم، فإذا كان هناك امرأة تجلس في بيتها، ولا مانع من أن تحضر النساء إليها كل على حسب ظرفها وطاقتها إلخ، أما هي فلا تخرج خروج الرجال؛ لأن هذا من التشبه بالرجال.

стр. 110

حكم الأخذ بأقوال العلماء في تصحيح الحديث وتضعيفه السؤال هل يجوز لطالب العلم أن يكتفي بتصحيح أو تضعيف الحفاظ السابقين، مثلاً يقرأ للعراقي في تخريجه، فيقرأ أن العراقي قال في حديث ما: هذا الحديث صحيح، فهل يجوز له أن يكتفي بذلك، وهكذا الإمام أحمد وغيره؟ الجواب هذه المسألة تشبه التقليد في الفقه، فيكفي طالب العلم أن يسمع رأياً لإمام من الأئمة المتبوعين -ولا أعني الأربعة فقط، فهم أكثر بفضل الله ويعمل به، نقول: لا يمكن لكل طلاب العلم أن يكونوا في نسبة واحدة من التمكن في معرفة الحق مما اختلف فيه الناس، فحسب طالب العلم أن يحقق الآية الكريمة: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] ، فإذا كان هناك من أهل الذكر من الأحياء يسألهم ويتبنى جوابهم، أو ليس هناك عالم حي يسأله، فيعلم بأن أحد العلماء المُتَّبَعِيْنَ له رأي كذا فيتبعه، فهو سالم من المؤاخذة، ولو كان الرأي الذي تبناه من ذاك العالم خطأً في واقع الأمر؛ لأنه قام بما يجب عليه في الآية السابقة: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] . لكن هذا مشروط فيه شرط واحد، وهو: ألا يتبين له أن هذا الرأي خطأ. وهذا البيان قد يكون ببحث شخصي منه إذا كان عنده استعداد، أو بدلالة عالم آخر يثق به وبعلمه، المهم يجوز لطالب العلم أن يقلد العالم إذا لم يتبين له خطؤه، ولم يستطع هو أن يتبين أصواب كان أم خطأ. كذلك -تماماً- الجواب عن السؤال بالنسبة لطالب العلم، يجد إماماً من أئمة المسلمين وحافظاً من حفاظهم يصحح حديثاً أو يضعف آخر، فهذا يكفيه أن يتبع هذا المصحح أو المضعف بشرطين كما ذكرنا في المسألة الفقهية، والشرطان هما: الشرط الأول: ألا يعلم خطأه؛ لأن المقصود بهذا الشرط -سواءً في الحديث أو في الفقه- ألا يتبع هواه، فيقول: فلان أفتاني. وانتهى الأمر، وفي نفسه شيء، والرسول يقول: (استفت قلبك وإن أفتاك المفتون) هذا هو الشرط الأول، ألا يكون عالماً بأن هذا الرأي -سواءً في تصحيح حديث أو تضعيفه، أو في إباحة شيء أو تحريمه- خطأ. الشرط الثاني: ألا يستطيع هو التحقيق في صحة هذا الحديث أو ضعفه، فهذا أمر جائز؛ لأننا لا نستطيع أن نكلف الناس كلهم أن يصيروا مجتهدين وعلماء. السائل: متى يعلم المرء من نفسه أنه يستطيع أن يصل إلى القدرة على الحكم على الحديث؟ الشيخ: هذا سؤال مهم؛ يعلم ذلك حينما يعرض بحوثه وأقواله الشخصية على أهل العلم القدامى المسطرة أقوالهم في كتبهم، فيجد أن الغالب عليه أنه يوافقهم، هذا من جهة. من جهة أخرى: يجد أهل العلم يقدرون علمه واجتهاده، ولا يعتبرونه -كما قلنا آنفاً- غير مؤهل بَعْدُ لأن ينصب نفسه منصب المصحح والمضعف، بمعنى آخر: ينبغي أن يكون الإنسان بعيداً عن أن يغتر بعلمه، ومن طبيعة كثير من الناس ألا يروا عيبوهم ويرون عيوب الناس، ولذلك فيجب أن يستعين بغيره ممن هم عنده من أهل العلم، فيرى عيبه بواسطتهم، كما أشار إلى ذلك ﵊ بقوله في الحديث المعروف: (المؤمن مرآة أخيه) المؤمن حقاً هو يرى أخطاءه وعيوبه بواسطة غيره، وينبغي أن يستعين بأهل العلم؛ ليعرف هل صار أهلاً للبحث والاجتهاد أم لا؟! سواءً في التصحيح والتضعيف في العلم، أو في الإفتاء في المسائل الفقهية.

стр. 111

حكم الاستشهاد بالحديث المرسل السؤال كما عرف عن بعض المحدثين: أن الحديث إذا جاء من طريق مرسل بإسناد صحيح، وطريق متصل فيه ضعف ينجبر، فيكون الحديث بذلك حسناً، وقد أنكر بعض الإخوان هذه القاعدة فما رأيكم؟ أي: بعض الإخوة لم يعترف بهذه القاعدة وقال: هذه القاعدة غير مُسلَّم بها. الشيخ: ما هي حجته؟ السائل: يقول أنه لا يجد دليلاً؛ لأنه في بعض ما نقل أن بعض أهل الحديث لا يعمل بهذه القاعدة. الشيخ: لا بأس، البعض من أهل الحديث يعمل بها والبعض الآخر لا يعمل. السائل: يقول: فما الدليل على صحة هذه القاعدة؟ الجواب الدليل: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص:٣٥] والدليل: أن شهادة المرأتين بشهادة رجل، ولذلك قال الشاعر: لا تحارب بناظريك فؤادي فضعيفان يغلبان قويا السائل: هو يقول: إن المرسل سقط منه الراوي، ويقول: إن الضعيف الذي ينجبر متصل، فيقول: كيف يعضد متصل منقطعاً. الشيخ: هذا من الجماعة الذي لا يجوز لهم أن يجتهدوا، لا يجوز له أن يصحح ويضعف، كيف -يا أخي- إذا اختلف المخرج النفس تطمئن إلى صحة الخبر. أولاً: بخصوص هذا المثال كثير من كبار العلماء يذهبون إلى تصحيح الحديث المرسل لوحده، أظن أنكم تعرفون هذا، فالإمام مالك وأبو حنيفة وأحمد -في رواية عنه-؛ يحتجون بالحديث المرسل لوحده، وليس هناك ما يعضده من متصل. ونحن لا نتبنى هذا، نحن نقول بما هو الراجح عند علماء الحديث، وبما يشهد الواقع العلمي: أن الحديث المرسل لا ينبغي أن يحتج به، ما دام أننا لا نعلم الواسطة بينه وبين الرسول ﵊، أهو الصحابي وحده أم صحابي وتابعي؟ ولذلك أنت فيما نقلته عن الرجل -إذا كان النقل دقيقاً- جاء في بعض كتب المصطلح كـ البيقونية مثلاً، يقول في تعريف المرسل: ومرسل منه الصحابي سقط هذا التعريف خطأ، لو كان هذا التعريف صحيحاً لكان كل مرسل صحيحاً؛ لأن قول (ما منه الصحابي سقط) سقوط الصحابي وجهالته لا يعل الحديث؛ سواء كان مسمىً باسم لا نعرفه في الصحابة، أو كان غير مسمىً، كأن يقول كما جاء في كثير من الأحاديث في مسند أحمد وغيره: حدثني رجل من أصحاب الرسول ﷺ ، فيكون الحديث في هذه الحالة صحيحاً؛ لأن كل الصحابة عند أهل السنة عدول، فسواء علينا سمي أم لم يسم. كذلك سواء علينا ذكر أو لم يذكر مطلقاً، وهذا هو الحديث المرسل عند البيقوني هذا، لكن هذا خطأ. المرسل: هو قول التابعي قال رسول الله وهناك فرق كبير جداً بين تعريف البيقوني وبين هذا التعريف الذي تبناه أهل الحديث المحققون منهم، الحديث المرسل: هو قول الراوي أو التابعي قال رسول الله ﷺ وليس هو ما سقط منه اسم الصحابي، ما هو الفرق؟ قول التابعي: قال رسول الله يحتمل أن يكون الساقط هو الصحابي، وعلى هذا الاحتمال يكون الحديث صحيحاً، ويحتمل أن يكون الساقط صحابي وتابعي، ويحتمل أن يكون زائداً عليه تابع تابعي وهكذا، كما يقول الحافظ ابن حجر ﵀ -وهو من أهل التتبع والاستقراء- أنه وجد في بعض المراسيل سقط الصحابي والتابعي وتابع التابعي، أربعة أشخاص أو خمسة على التوالي، فحينئذٍ المرسل لا يصح أن يقال: هو سقوط الصحابي، وإنما قول التابعي قال رسول الله ﷺ ، فلا نفترض حينئذٍ أن الساقط هو الصحابي، لأنه وإن كان محتملاً، لكن المحتمل أيضاً أن يكون السقط أكثر وأكثر الشاهد من هذا كله: بعض العلماء ممن سمينا آنفاً ذهبوا إلى تصحيح الحديث المرسل ونحن وإن كنا لسنا معهم في هذا، وقد قال بعض أهل العلم كلاماً قيماً، قال: لو جاز لنا أن نحتج بقول التابعي قال رسول الله، من باب حسن الظن به، أنه لو كان بينه وبين الرسول غير الصحابي كان ذكره -من باب حسن الظن- يقول: إذا استرسلنا مع هذا الحسن للظن لوصل إلى زماننا مثلاً لو أن فلاناً في القرن الثالث أو الرابع قال: قال رسول الله، فمن باب حسن الظن- نقول: لو كان هذا العالم لم يثبت الحديث عنده بالطريقة العلمية فلن يقول: قال رسول الله ﷺ ، وبذلك نبطل أهم وسيلة عند المسلمين تفردوا بها دون العالمين جميعاً لمعرفة رواية الصحيح، حينئذٍ لا قيمة للإسلام إذا ما اعتمدنا على قول الراوي، سواءً كان تابعياً أو تابع تابعي أو ما دون ذلك من باب حسن الظن بالناس، فحينما يأتي الحديث المرسل بسند صحيح إلى مرسله، نحن نتوقف في هذا ولا نقبله؛ لأن هناك احتمالاً ما ذكرناه آنفاً، لكن عندما يأتي الحديث بإسناد من طريق غير الطريق السابقة، غير طريق المرسل، وهذا السند وحده ضعيف، لكن ضعيف وضعيف يتعاضدان، وهذا أمر مشاهد. وكما تعرفون في وصايا بعض الحكماء لأولادهم لما حضره الموت، وكان له عشرة من الولد، قال لكل واحد منهم: هات عصا، فلما كثرت جعلها حزمة وأمر كل واحد أن يكسرها، فما استطاع أحد منهم أن يكسرها، فضرب لهم مثلاً بأنه هكذا إن كنتم جميعاً متفقين فلا يستطيع أحد أن يعتدي عليكم، أما إذا كان كل واحد منفرداً لوحده فمن الممكن كسره والاعتداء عليه، كسر قضيب واحد سهل، لكن إذا ضُمَّ إليه مثله يأخذ قوة، وكذلك إذا ضُمَّ إليه ثالث ورابع وخامس يزداد قوة. نحن نقول لطالب العلم هذا: هل تعتقد بأن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة الطرق؟ ما تظنه يقول أو ماذا تعلم؟ السائل: يقول: إذا كان الضعف في راوٍ واجتمعت الطرق يصح الحديث. الشيخ: كيف ذلك؟ السائل: إذا كان في السند راوٍ ضعيف وتعددت الطرق، لكن الرواية التي فيها انقطاع كيف يستشهد بها؟ الشيخ: هل يقول بأن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة الطرق؟ لا أسأله التفصيل. السائل: نعم هو يقول بهذا. الشيخ: لماذا يقول، لا أقول: بماذا يقول؟ وإنما أقول: لماذا يقول ذلك؟ السائل: يقول: لي سلف من قبل من المحدثين يقولون بهذا. الشيخ: صاحبك هذا قناعته من أين جاءت؟ السائل: من التعاضد. الشيخ: أي أنه لاحظ معنى التعاضد هنا يأتيه سؤال ثانٍ: وهو أن حديثاً جاء من طريقين موصولين ليس فيهما انقطاع، لكنّ كليهما ضعيف يتقوى عنده أم يتطلب ثالثاً ورابعاً؟ السائل: يتقوى. الشيخ: المعنى الذي لاحظه هو الذي يلاحظه من يقوي الحديث المرسل بالحديث المتصل، فإن كون هذا ضعيفاً للإرسال، وكون الآخر ضعيفاً لسوء الحفظ، كلاهما يشتركان في الضعف، فلماذا يقول: بأن إسنادين علتهما ضعف الحفظ فهذا يقوي هذا، ولا يقول بأن ذاك المرسل لا يتقوى بمثل ما تقوى به الضعيف الآخر؟ السائل: لأنه يقول: هنا عرفنا العلة في السند هذا وهو ضعف الراوي الذي ينجبر ضعفه، أما الثاني فلم نعرف التابعي، وربما يكون الضعف فيه شديد جداً بحيث أنه لا يعتضد بهذا، فيقول مثلاً: ربما بين الصحابي والتابعي راوٍ شديد الضعف لا ينجبر بالطريق ذاك، فكيف تجيرون برجل مبهم لا يعرف؟ الشيخ: ما هو الذي يلقى في النفس، أهو شديد الضعف أم ليس شديد الضعف؟ السائل: بالنسبة له يا شيخ؟! الشيخ: بالنسبة للمُرْسِل. السائل: هو بالنسبة له يقول: الله أعلم، ربما يكون كذا أو كذا الشيخ: يقول: هذا الضعيف الذي قوينا به الضعيف الآخر يمكن أن يكون وَهِم وهماً لا يتقوى، وباب الإنكار واسع، ولكن البحث العلمي يوحي بأن الإنسان يأخذ ما يغلب على الظن، الآن نعود نحن إلى العلماء الذين احتجوا بالحديث المرسل، ماذا كان ملحظهم؟ السائل: شروطهم. الشيخ: لا، كان ملحظهم أن هؤلاء -أي: العلماء الذين صححوا المرسل- لو غلب عليهم احتمال أن يكون المرسل أخذه من شديد الضعف ما صححوه، لكن هم غلب على بالهم وعلى خاطرهم أنه لو كانت هذه الواسطة التي نحن افترضناها شديدة الضعف -حاشاهم- ما كانوا ليرووا الحديث وينسبوه للرسول ﵇، فالذي يلقى في النفس في هذه الحالة -مع الاعتراف أن احتمال ضعف الراوي ضعفاً شديداً احتمال قائم- لكن هناك احتمال يقابله وهو الأكثر طمأنينة للنفس وأنه ليس شديد الضعف، ولذلك صحح من صحح الحديث المرسل، فنحن على الأقل نعتبره شاهداً فقط وليس محتجاً به.

стр. 112

القول العدل في كتاب (تقريب التهذيب) السؤال أشيع في الآونة الأخيرة عن كتاب تقريب التهذيب أنه كتاب غير معتمد في الجرح والتعديل؛ لكثرة الأخطاء المطبعية التي وقعت في ألفاظ الجرح والتعديل، فما رأيكم؟ ومتى يؤخذ بكلام الحافظ إذا تعارض مع بعض علماء الجرح والتعديل كـ الذهبي وغيره؟ الجواب هذه المسألة تعود إلى الباحثين المتخصصين، لا تعود إلى طلاب العلم المبتدئين، على هؤلاء المبتدئين أن يعتمدوا ما في كتب الحافظ ابن حجر العسقلاني تماماً، كما قلنا إجابةً عن سؤال من يعتمد على تصحيح الحافظ العراقي وأمثاله، قلنا: يعتمد إلا إذا تبين له خطؤه، فكون كتاب التقريب -مثلاً- تبين أن فيه أخطاءً كثيرة، لكن هذه الأخطاء الكثيرة لا تساوي الصواب الأكثر، فهي أقل بكثير من صوابه، فلا يجوز لنا أن نُعْرِضَ عن الاستفادة من هذا الكتاب لوقوع أخطاء فيه، فنحن نتبنى ما فيه حتى يتبين لنا أنه أخطأ فيه، أما أن نجعل الخطأ قاعدة في الكتاب فبهذا نهدر الكتاب، ومعنى ذلك: أن نهدر كل كتاب من كتب العلم، وأن نهدر كتبنا التي نحن نؤلفها بأيدينا؛ لأننا لا ندعي العصمة، ولذلك نحن نغير ونبدل بين كل مدة ومدة فيما يبدو لنا من خطأ أو وهم وقع فيه أحدنا، وليس أحدنا أبداً بالذي يكون وضعه من حيث الخطأ والصواب بأحسن من الذين سبقونا إلى هذا العلم، كالحافظ ابن حجر.

стр. 113

الترجيح عند التعارض بين الجرح والتعديل السؤال إذا تعارض كلام الحافظ ﵀ -مثلاً- في رجل وثقه وتكلم عليه الذهبي أو العكس، فأيهما يرجح؟ الجواب يستعمل قاعدة علماء الحديث: أن الجرح مقدم على التعديل، بشرط معروف عند العلماء، وأقول هنا: لا بد من تطبيق العلم ممن يستطيع تطبيقه.

стр. 114

سكوت الحافظ ابن حجر عن حديث ما في فتح الباري السؤال هل سكوت الحافظ عن حديث إذا أورده في كتاب فتح الباري يعتبر تحسيناً له؟ الجواب هذه قاعدته لكنها غير مطردة، فقد وجدنا كثيراً من الضعاف في كثير من الأحاديث التي سكت عنها.

стр. 115

الترجيح عند اختلاف الحكم على الحديث من قبل الشيخ الألباني وغيره السؤال إذا صحح أحد المحدثين السابقين حديثاً، ويرى الشيخ حفظه الله خلاف ما ذهب إليه هذا المحدث بأن ضعفه، دون أن نحصل على المصدر الذي عزى إليه الشيخ، كأن يكون مخطوطاً أو غير ذلك، ولم يكن فيه التوسع في تخريجه، فما وضع طالب العلم في هذه الحالة؛ علماً بأنه قد صارت إشكالات كثيرة في مثل هذا؟ الجواب أظن أنه سبق شيء من الجواب، لكن لا بد من جواب جديد إذا كان هذا الطالب يستطيع التمييز والتتبع فيعتمد ما وصل إليه بحثه واجتهاده، أما إذا كان ليس أهلاً لذلك فهو يعتمد على من ثقته به أكثر من الآخر. والسلام عليكم، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 116

لا عز إلا بالعودة إلى الدين إن الذل الذي حل بالمسلمين اليوم أمر لا يخفى على كل ذي عقل، ويكفي تذكيراً ما أصاب المسلمين في احتلال اليهود لفلسطين، فضلاً عن البلاد الشامية الأخرى التي لا تزال الفتن فيها تترى، ولم يك هذا إلا بظلم منا، لأننا ارتكبنا ثلاثة أشياء هي السبب في هذا الذل وهي: التبايع بما حرم الله، والتكالب على حطام الدنيا، وترك الجهاد في سبيل الله، ولا عزة لنا ولا قوة إلا بالرجوع إلى دين الله ، فما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.

стр. 117

أسباب تسلط الذل على المسلمين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: فقد روى الإمام أبو داود في سننه، والإمام أحمد في مسنده وغيرهما بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) . في هذا الحديث الصحيح بيان للعلاج والدواء لهذا الذي حل بالمسلمين من الذل الذي سيطر عليهم أجمعين، إلا أفراداً قليلين منهم لا يزالون يتمسكون بالعروة الوثقى لا انفصام لها. لقد بين الرسول ﷺ في هذا الحديث المرض الذي إذا حل بالمسلمين أذلهم الله، ثم وصف لهم الدواء والخلاص من هذا الداء، فقد قال ﵊ في مطلع هذا الحديث: (إذا تبايعتم بالعينة) بيع العينة لا نريد الكلام عنه إلا بإيجاز، هو: بيع من البيوع الربوية التي ابتلي بها كثير من الناس في العصر الحاضر، وهو إنما ذكره الرسول صلوات الله وسلامه عليه على سبيل التمثيل وليس على سبيل التحديد، مما يقع فيه المسلمون فيستحقون به وبسببه أن يذلهم الله ﵎، ذكر بعض الأمثلة في نص هذا الحديث: أولها: بيع العينة، ثم ثنى رسول الله ﷺ على ذلك فقال: (وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع) وهذا كناية عن تكالب المسلمين على جمع الدنيا وعلى الاهتمام بزخارفها، ذلك الذي يصرفهم عن القيام بكثير من الواجبات الشرعية، وضرب على ذلك مثلاً واحداً أيضاً، فقال ﵊ في تمام الحديث: (وتركتم الجهاد في سبيل الله) . (إذا تبايعتم بالعينة) أي: تعاملتم بالمعاملات المحرمة ومنها العينة (وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع) أي: انصرفتم عن القيام بواجباتكم الدينية إلى الاهتمام بالأمور الدنيوية، وكسب المال بأي طريق كان، وأدى ذلك بكم إلى ترك الجهاد في سبيل الله ماذا يكون عقاب هذه الأمة حينما تقع في هذه الأمور التي لم يشرع ربنا شيئاً منها؟ قال ﵊ من باب التحذير: (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) ، وهذا الذل المسلط على المسلمين أمرٌ لا يخفى على كل ذي عقل، وهنا يحتاج الأمر إلى كثير من البيان، وحسبنا تذكيراً ما أصاب المسلمين في احتلال اليهود لـ فلسطين فضلاً عن البلاد الشامية الأخرى التي لا تزال الفتن فيها تترى، ولا يزال الحكام غير المسلمين أو الحكام المسلمون جغرافيون يعيثون فيها فساداً، كل ذلك ذلٌ سلطه الله ﵎ على المسلمين، وليس ذلك ظلم منه، وحاشاه! فإن ربنا لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ربنا يقول: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠] فالله لما سلط الذل علينا فبظلمٍ منا، فهو ظلم واضح في كثير من الأمور، وقد ضرب الرسول ﵇ لنا هذه الأمثلة الثلاثة: التبايع بما حرم الله التكالب على حطام الدنيا ترك الجهاد في سبيل الله. فكانت النتيجة أن يسلط الله علينا ذلك الذل المخيم بصورة مجسدة مجسمة في بلادنا العزيزة فلسطين، وإذا كان هذا الذل فما الخلاص منه؟ وما النجاة منه؟

стр. 118

الدواء الناجع للخروج من الذل والمهانة يقول الرسول ﵊ الذي وصفه ربنا في القرآن بحق حين قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] قال ﵇ في تمام الحديث: (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) ، فهذا هو العلاج، قد وصفه الرسول ﵇ واضحاً مبيناً في خاتمة هذا الحديث حيث قال: حتى ترجعوا إلى دينكم) . وحينما أروي لكم هذا الحديث وأعلق بعض هذه التعليقات عليه لا آتيكم بشيء جديد؛ لأن المسلمين جميعاً على ما بينهم من اختلافات في العقائد وفي الفروع كما يقولون، كلهم مجمعون على أن سبب الذل الذي حل بالمسلمين إنما هو تركهم لدينهم، وكلهم يقولون: إن العلاج هو الرجوع إلى الدين، هذا كله أمر معروف لديهم أجمعين. لكن الشيء الذي أريد أن نذكِّر به، وقد يكون أمراً جديداً بالنسبة لبعض الناس، ولكنه هو الحق مثلما أنكم تنطقون، هذا الشيء هو: لِمَ وصف الرسول ﷺ الدواء لهؤلاء المسلمين المستذلين بسبب ما ارتكبوا من مخالفات لدينهم، وصف لهم الدواء بأن يرجعوا إلى دينهم؟ فما هو هذا الدين -هنا بيت القصيد في كلمتي هذه- ما هو هذا الدين الذي هو علاج المسلمين بنص هذا الحديث، والمسلمون -كما ذكرنا- كلهم يقولون: على المسلمين أن يعملوا بدينهم، لكن ما هو هذا الدين؟ إن الشيء المؤسف أن هذا الدين الإسلامي قد أخذ مفاهيم عديدة جداً في مسألة التاريخ الطويل من بعد السلف الصالح ﵃، ليس فقط في الأمور الفقهية التي يصفونها بأنها فرعية؛ بل حتى في المسائل الاعتقادية، وكلنا يعلم حديث الرسول ﷺ الذي أخبرنا بافتراق المسلمين إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، حين قال: (تفرقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الجماعة) هذه هي الرواية الصحيحة، وهناك رواية أخرى في سندها شيء من الضعف، ولكن يوجد ما يشهد لها، ألا وهي قوله ﵇: (هي ما أنا عليه وأصحابي) . وفي الواقع هذه الرواية ليس فيها شيءٌ جديد بالنسبة للرواية الأولى إلا التوضيح والترتيب، فالرسول صلوات الله وسلامه عليه حين قال في وصف الفرقة الناجية: (هي الجماعة) فسرها في الرواية الأخرى بأنها هي التي تكون على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه. إذاً: فالرسول ﵇ يخبرنا في هذا الحديث أن المسلمين سيتفرقون إلى ثلاث وسبعين فرقة، وهذه الفرق كلها ضالة إلا فرقة واحدة، صفتها: ما كان عليه الرسول ﵊ وأصحابه، نحن اليوم نعيش في خضم هذا الاختلاف الكثير والكثير جداً، الذي ورثناه طيلة هذه السنين الطويلة المديدة، وكل من هذه الفرق ليس فيها طائفة تتبرأ من الإسلام، ليس فيها طائفة تقول: ديننا غير الإسلام، كلهم يقولون: ديننا الإسلام، ومع ذلك -أيضاً- يقولون كلهم: علاج المسلمين هو تمسكهم بالدين. إذاً: هذا الدين الذي تفرق فيه المسلمون إلى ثلاث وسبعين فرقة -أي: تفرقوا في فهمه هذا التفرق الشديد- إذا كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه قد جعل العلاج إنما هو بالرجوع إلى هذا الدين، فبأي مفهوم ينبغي أن يفهم هذا الدين حتى يكون هو العلاج كما قال ﵊: (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) ؟ لا نذهب بكم بعيداً في ضرب الأمثلة، فها نحن في المثال الأول الذي نصبه الرسول ﵊ أول هذا الحديث، حيث قال: (إذا تبايعتم بالعينة) ، بيع العينة المذاهب اليوم مختلفة فيه، فمنهم من يبيحه، ومنهم من يحرمه، والرسول ﷺ في هذا الحديث يجعل من أسباب مرض المسلمين واستحقاقهم الذل أنهم يتبايعون بالعينة، فإذاً بأي منهج وبأي مفهوم للدين يجب أن نفهم هذا الدين حتى يكون عبادة وسبباً لخلاصنا من هذا الذل الذي سيطر علينا؟ إن بيع العينة الذي ذكره الرسول ﵇ في شرح هذا الحديث قد استباحه بعض المسلمين، ولا أعني الجهلة والعامة، وإنما أعني الخاصة وبعض المؤلفين والمصنفين من القدامى والمحدَثين، ذكروا أن بيع العينة بيع حلال، وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] لكن هذا الحديث يبين لنا أن بيع العينة ليس مشروعاً بل هو محرم، ولذلك جعله سبباً من أسباب استحقاق المسلمين للذل. إذاً: معنى هذا الحديث أنه لا يجوز بيع العينة، فإذا أردنا أن نرجع إلى ديننا ليعزنا ربنا ، ويرفع الذل الذي سيطر علينا، فنبيح بيع العينة أم نحرمه؟ لابد أن نحرمه، وهذا التحريم جاء في حديث، لكن تحليله جاء في بعض الروايات وبعض الأقوال. إذاً: حينما قال الرسول ﷺ في آخر الحديث: (حتى ترجعوا إلى دينكم) ، إنما يعني الدين المذكور في القرآن والمفصل في حديث الرسول ﵊، الدين كما قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] إلى آخر الآيات. إذاً: الدين الذي هو العلاج هو الاستسلام، لكن الإسلام قد فهم على وجوه شتى في الأصول -في العقائد- فضلاً عن الفروع.

стр. 119

من أسباب تسلط الذل: محاولة الاحتيال على الشريعة قلت في مطلع كلمتي هذه: إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ذكر في طرف الحديث الأول بيع العينة على سبيل المثال لا التحديد؛ وذلك لأن بيع العينة إنما يستباح بشيء من الاحتيال، وبشيء من تغيير الأسماء، كما أشار الرسول ﷺ إلى مثل هذا في الحديث الصحيح حين قال: (ليكونن من أمتي أقوامٌ يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) ، فبيع العينة يسمونه بيعاً، لكن هذه تسمية غير شرعية؛ لأن البيوع منها ما هو محرم ومنها ما هو مباح، فكون هذا بيعاً لا يستلزم أن يكون مباحاً، ما دام أن الرسول ﷺ قد ذكره سبباً من الأسباب التي إذا أخذ بها المسلمون ذلوا. نأتي بمثال آخر مما يسمونه بمثل هذه التسمية، وهو -أيضاً- محرم في الإسلام، ومع ذلك فهو مسطور في بطون الكتب حتى اليوم، ألا وهو ما يسمى بلغة الشرع بنكاح التحليل لقد قال الرسول ﵇، ولعلكم على علمٍ بهذا الحديث جميعاً: (لعن الله المحلل والمحلل له) ، فكان نكاحاً باطلاً؛ لأن اللعنة في خصوص الشيء نهي عنه وزيادة، لذلك يقول العلماء: إن من الأدلة التي تدل على كون الشيء من الكبائر أن يكون صاحبه ملعوناً في الكتاب أو في السنة، أما النهي عن الشيء فيستلزم التحريم وليس دائماً، ولكن ليس نصاً في أن هذا الشيء من الكبائر، بخلاف ما إذا لعن فاعله فذلك يكون دليلاً واضحاً على أن هذا الفعل من الكبائر، فعندما قال الرسول ﵇: (لعن الله المحلل والمحلل له) ، معنى ذلك أن نكاح التحليل منهي عنه نهياً شديداً بليغاً، بحيث أنه جعله من الكبائر، حيث لعن المحلل والمحلل له، ومع ذلك فلا يزال اليوم كثيرٌ من علماء المسلمين يبيحون نكاح التحليل ويصرحون بصحة عقده، ولا يأمرون بإبطال هذا النكاح مع هذا الوعيد الشديد الذي سمعتموه من الرسول ﵊، هذا أمر واقع، ونكاح التحليل واقع، وغير ذلك كثير وكثير جداً مما لا أريد أن أطيل عليكم؛ لأن الوقت ضيق.

стр. 120

اختلاف المسلمين في الأصول والفروع ننتقل إلى مسألة أخرى، أو بعض المسائل الأخرى التي تتعلق بالعقيدة، فالمسلمون مختلفون حتى في العقيدة، وليس كما يقول جماهير المشايخ اليوم: إن الخلاف بين المسلمين إنما هو في الفروع وليس في الأصول، (هذه شنشنة نعرفها من أخزم) ولا تكاد تقرأ مجلة دينية إلا وتجد الضرب على هذه الوتيرة وعلى هذه النغمة فيها، وهي أن الخلاف بين المسلمين إنما هو في الفروع وليس في الأصول، ثم يزيدون على ذلك فيقولون: والاختلاف في الفروع رحمة، وهذا كله خطأ من ناحيتين: الناحية الأولى: أن الاختلاف يتعدى الفروع إلى الأصول، بل إن الخلاف وقع في أس الأصول كلها، ألا وهو الإيمان بالله ﵎، فما أظنكم يخفى عليكم الخلاف بين الماتريدية -مثلاً- وأهل السنة جميعاً في الإيمان، هل يقبل الزيادة والنقص أم لا؟ وهل من مسماه الأعمال الصالحة أم لا؟ فالجمهور ونصوص الكتاب والسنة تثبت أن الإيمان يزيد وينقص، وأن العمل الصالح من الإيمان، أما الماتريدية فلا يزالون يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وكل إيمان يقبل الزيادة فهو كفر؛ لأنهم يعتقدون أن الإيمان شيء لا يقبل الزيادة والنقص أبداً، وهذا المذهب حتى اليوم مسيطر وربما يكون مسيطراً على أكبر رقعة من العالم الإسلامي.

стр. 121

المفهوم الصحيح للدين قال رسول الله ﷺ : (حتى ترجعوا إلى دينكم) فمعنى الرجوع إلى الدين ليس الرجوع إلى الخلافات القائمة منذ القديم بين المسلمين، مع وجود شيء من الاتفاق بين المسلمين اليوم، وإنما الرجوع إلى الدين بالمفهوم الصحيح، أقول هذه الكلمة: (بالمفهوم الصحيح) فما هو المفهوم الصحيح للدين؟ الأمر كما قيل: وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك هؤلاء مثل الماتريدية حينما يفهمون أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقص، ويعتقدون أن هذا هو الصواب، فإذاً هم يدعون المسلمين اليوم جميعاً إلى أن يشاركوهم في هذه العقيدة، وهم يعتقدون بصحة نكاح التحليل، فهم إذاً يدعون المسلمين إلى اعتقاد اعتقادهم، مع أن هذه العقيدة وهذا الفقه يخالف الكتاب والسنة، قلت: لا أريد أن أكثر من الأمثلة، وإنما هي ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، إنما غرضي فقط أن أنبه إلى أن الدين الذي جعله الرسول ﵊ علاجاً للمسلمين، لا يمكن أبداً أن يكون هو هذا الدين بالمفاهيم المتعددة حتى في الأصول وليس في الفروع فقط. إذاً: ما هو المفهوم الصحيح؟ وما هو الطريق لمعرفة هذا المفهوم الصحيح للدين؟ حتى إذا عزمنا أن نهتدي بهدي الله وأن نتعظ بموعظة رسول الله ﷺ أن نرجع إلى الدين، فما هو المفهوم الصحيح؟ هذا هو بيت القصيد -كما يقال- من هذه الكلمة.

стр. 122

فهم الدين على طريقة السلف الصالح المفهوم الصحيح للدين لا يمكن أخذه من واقع المسلمين اليوم؛ لأنهم مختلفون أشد الاختلاف، وإنما يجب أن نأخذ المفهوم الصحيح للدين مما كان عليه رسول الله ﷺ ، وما كان عليه الصحابة، وما كان عليه السلف الصالح، لقد أشار الرسول ﵇ إلى هذه الحقيقة في الحديث السابق، لكن مع الأسف قل من يتنبه لهذه الإشارة، وهي في الواقع أن تسمى: صريح العبارة، أولى من أن يقال: إنها إشارة، حين قال جواباً للسائل: من هي الفرق الناجية؟ قال: (هي الجماعة) (هي ما أنا عليه وأصحابي) كذلك تأكيداً لهذا المعنى قال ﵊ في حديث العرباض بن سارية المعروف -فيما أظن- لديكم، وفيه يقول الرسول ﵊: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور) . إلى آخر الحديث. نجد في هذا الحديث وفي ذاك أن الرسول ﷺ لم يقتصر على أن يقول: عليكم بسنتي فقط بل قال: (تمسكوا بسنتي وعضوا عليها بالنواجذ) ، ولكننا نجده يضم شيئاً آخر إلى هذا الأمر بالتمسك بما كان ﵊، هذا الشيء الآخر هو التمسك بالجماعة، وبما كان عليه أصحاب الرسول ﵊، وبما كان عليه الخلفاء الراشدون، وهذا الذي ذكره الرسول ﵇ في الحديثين كليهما معاً، من الحض على التمسك بشيء -ولو من الناحية التعبيرية- غير ما كان عليه الرسول ﷺ -شيء زائد- حيث قال: (ما أنا عليه وأصحابي) وحيث قال أيضاً: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ، وهذا التعبير وهذا الذكر في الشيء الآخر مع الرسول ﵊ هو أسلوب قرآني، فالله يقول في صريح القرآن: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] الشاهد أن الله ذكر هنا في الآية بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ قال بعد ذلك: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، لماذا جاء بهذه الجملة ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؟ لماذا لم تكن الآية على النحو الآتي: ((وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى)) إلى آخر الآية؟ لماذا جاء بجملة ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؟ إن في ذلك لعبرة بالغة جداً؛ ذلك لأن كل فرقة وكل طائفة على وجه الأرض اليوم، والتي بلغ عددها ثلاثاً وسبعين أو أكثر أو أقل، لا يهمنا، لكن الطوائف كثيرة وكثيرة جداً، كل طائفة من هذه الطوائف تدعي أنها على الكتاب والسنة، حتى آخر طائفة جديدة كمذهب يدعون أنهم على الإسلام وعلى الكتاب والسنة، مع أنهم من الذين يقولون بأن النبي عليه الصلاة السلام ليس خاتم الأنبياء، وإنما هناك أنبياء كثر، حتى هؤلاء يقولون: نحن على الكتاب والسنة، وقس على ذلك سائر الفرق قديماً وحديثاً، فما هو الحكم بين هذه الفرق كلها وكلها تدعي أنها على الكتاب والسنة؟ الجواب في الآية وفي الحديثين السابقين: الآية تقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] أي: إن أية طائفة تتبع غير سبيل المؤمنين الأولين الذين كانوا على هدى وعلى بصيرة من دينهم، وإن زعمت هذه الطائفة أنها على الكتاب والسنة، فمادام أنها تخالف طريق المسلمين وجماعة المسلمين فهذا دليل على أنها من الفرق الضالة. كذلك الحديث: (ما أنا عليه وأصحابي) ، فكل عقيدة تأتي من طائفة لا يستطيعون إثبات أنها عقيدة الجماعة، أو عقيدة الصحابة، أو عقيدة السلف الصالح؛ فذلك دليل على أن هذه الطائفة هي من الفرق الاثنتين والسبعين من فرق الضلالة التي هي من فرق النار، وحينئذٍ حين قال الرسول ﵊ في الحديث السابق: (لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) إذاً: يجب أن يُفهم أن الدين ليس فقط كما هو الشائع عند إخواننا أهل الحديث في كل بلاد الدنيا، سواءً الذين يسمون بـ أهل الحديث أو يسمون بـ أنصار السنة، أو يسمون بالسلفيين أو غير ذلك من أسماء كلها تدل على حقيقة واحدة ليس الأمر كما هو الشائع عند كثير من إخواننا هؤلاء أن دعوتنا تنحصر في الاعتماد على الكتاب والسنة فقط، ليس هذا فقط، لابد من ضميمة ثالثة قد سبق ذكرها في الحديثين السابقين وأخيراً في الآية المذكورة، هذه الضميمة الثالثة بعد الكتاب والسنة هي عمل السلف الصالح أو منهج السلف الصالح ثالثاً وأخيراً، وإن لم تتمسك طائفة تدعي الاعتماد على الكتاب والسنة بهذه الضميمة الثالثة، فذلك دليل على انحرافها مهما زعمت أنها على الكتاب والسنة، من هنا جاء قول ابن قيم الجوزية ﵀: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه لم يقتصر ابن القيم تبعاً لما أشرنا إليه من نصوص على قوله: أن العلم الصحيح هو قال الله قال رسول الله -الكتاب والسنة- لم يقتصر على هذا، بل عطف على ذلك، فقال: (قال الصحابة) وهذا أمر لابد منه، وعدم التمسك بهذه الضميمة الثالثة باعتقادي هو سبب دمار كل الفرق القديمة والفرق التي تَجِدُّ في كل يوم، فكل يوم نسمع أقوالاً عن طائفة تدعي أنها على الكتاب والسنة، وفعلاً إذا رأيتها رأيتها تصلي على الكتاب والسنة، لا تعرف تعصباً لحنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي، ولكن عندما لم يتقيدوا في فهمهم لنصوص الكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الصالح، خرجوا عن دائرة أهل السنة والجماعة، وهم يزعمون أنهم على الكتاب والسنة.

стр. 123

الفرق الضالة وعدم التزامهم منهج السلف ومن ذلك الخوارج قديماً، وأمثالهم حديثاً الذين يكفرون المسلمين بمجرد انتسابهم للمعاصي وليس للكبائر فقط، إن الخوارج القدامى كان ضلالهم محصوراً على أنهم يكفرون المصرين على الكبائر، أما اليوم فقد نبتت نابتة جديدة يكفرون المصر على المعصية الذي مات عليها ولم يتب لماذا وهم يعتمدون على الكتاب والسنة وأيضاً يحرصون معنا على التمسك بالسنة الصحيحة؟ ولكنهم شذوا عن هذا القيد الثالث: (قال الصحابة) ولذلك ركبوا عقولهم وخلطوا مفاهيمهم على نصوص الكتاب والسنة، فجاءوا بعقيدة جديدة: أن كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلي ويصوم، ما دام أنه مرتكب لمعصية لم يتب منها فهو خالد في النار أبداً، لماذا هذا الانحراف؟ لعدم تمسكهم بما كان عليه سبيل المؤمنين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] لم يقل ربنا هذه الجملة عبثاً، وإنما ليدل على أن فهم الكتاب والسنة يجب أن يكون على ما كان عليه السلف الصالح. المعتزلة قديماً لما جاءوا بعقائد خالفت الكتاب والسنة، هل خالفوا الكتاب والسنة في نفوسهم وفي عقيدتهم؟ لا. بل يقولون: الكتاب والسنة كما يفهمون هم، لا يوجد أحد على وجه الأرض يقول: نحن نرفض الكتاب والسنة ونرفض الحديث الصحيح، كلهم يقولون: الكتاب والسنة، ولكن يفسرون النصوص حسب ما يشتهون، دون أن يلتزموا بالفهم الأصيل الذي تلقاه الجيل الأول، ألا وهم الصحابة عن رسول الله ﷺ ، ثم نقلوه إلى من بعدهم من التابعين وأتباعهم، فاتبعوا الصحابة بإحسان، ونرجو الله أن يجعلنا من هؤلاء الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. هذا الذي أردت أن أذكر الطلبة الحاضرين بأنه يعز ويندر جداً التنبيه على حقيقة وعلى سبب ضلال كل الفرق قديماً وحديثاً، مع أنها كلها تدعي العمل بالكتاب والسنة، وسبب الضلال هو عدم الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح، لذلك قال ابن القيم: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذراً من التعطيل والتشبيه بلغني في هذه الفترة وأنا في المدينة أنه طبع حديثاً في مصر كتاب في عشرين مجلداً لـ عبد الجبار القاضي المعتزلي، يؤيد فيه عقيدة الاعتزال، وليس فيه إلا قال الله قال رسول الله إذاً ما سبب هذا الضلال؟ وفي مثل هذه العارضة أمثال كثيرة وكثيرة جداً، إن السبب هو عدم التزامهم التمسك بما كان عليه السلف الصالح، من ههنا رأيت أنا أن أهل السنة الذين يريدون أن يتمسكوا بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، رأيت أن يسموا بالسلفيين؛ لأنهم ينتمون إلى السلف الصالح، لا ينتمون إلى الغرب، كما ينقد بعض الناس اليوم من الحزبيين على السلفيين أنهم ينتسبون هذه النسبة، أنا أقولها كلمة صريحة: لا يوجد على وجه الأرض مسلم يفهم معنى السلف الصالح ومعنى هذه النسبة السلفية، ثم يستطيع التبرؤ منها، ولا يوجد مسلم -أيضاً- على وجه الأرض يعرف منهج السلف الصالح، وأن على رأسهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فيستطيع بعد ذلك أن يتبرأ، ولكن أي مسلم تبرأ من أي مذهب نسب إلى شخص أو جماعة فهو ليس في خطر؛ لأنها ليست معصومة، ولكن السلفيين حينما ينتسبون إلى السلف الصالح فهم معصومون؛ لقول الرسول ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة) ، وقد أجمع أصحاب الرسول ﵇ على اتباع الكتاب والسنة كما فهموه وتلقوه عن الرسول ﵇، بينما الذين جاءوا من بعدهم، خاصة من أصحاب الفرق التي أشرنا إلى بعضها، فقد اختلفوا اختلافاً كبيراً، ولا مخرج لنا ولا خلاص من هذا الاختلاف إلا بأن نرجع إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، هذه الضميمة لابد منها، ومن لم يأخذ بها لم ينفعه الانتساب إلى الكتاب والسنة، أقول: الطوائف والفرق الضالة تنسب إلى الكتاب والسنة، ومع ذلك فهي على ضلال، وهي فرقة من الفرق الاثنتين والسبعين، فلا جرم أن الرسول ﵇ نبهنا في ذلك الحديث أن الفرقة الناجية علامتها أنها تتمسك بما كان عليه الرسول ﵊، وما كانت عليه جماعته من الصحابة، هذه ذكرى تنفع المؤمنين، ولعلنا أطلنا عليكم كثيراً، وحسبنا بهذا المقدار، ولعلنا نستمع إلى بعض الأسئلة.

стр. 124

الأسئلة

стр. 125

حكم قول الصحابي السؤال ما حكم اجتهاد الصحابة، مثلاً: عندما اجتهد أبو هريرة في مسألة إطالة الغرة في الوضوء حين قال: [أطيلوا الغرة] ، هل يؤخذ بهذا الاجتهاد أم لا يؤخذ؟ الجواب في اعتقادي أن هذا سؤال مهم، وله صلة وثقى بالبحث الشرعي أقوال الصحابة يمكن أن نقسمها إلى أقسام: أولاً: أن يكونوا اتفقوا على قول واحد، ولست أعني من الاتفاق الإجماع، وإنما أعني أنه ورد إلينا عن جماعة من الصحابة نقول صحيحة، إما يفسرون نصاً من القرآن، أو من حديث الرسول ﵊، أو يثبتون حكماً لا يعلمون له مخالفاً في الكتاب والسنة، هذا النوع من أقوال الصحابة حجة، ويجب الأخذ به، وهو داخل في كلام السائل. النوع الثاني: تأتي عن الصحابة أقوال مختلفة، مثل فعل أبو هريرة هذا، فهل هذا الفعل من أبي هريرة حجة أم لا؟ في نظري أن السؤال لا يعني تحرير القول في هذه المسألة، وإنما يعني: ما هو موقف المسلم من مثل هذه المسألة هل يجوز الأخذ بقول هذا الصحابي وأمثاله إذا لم يكن هناك أقوال من صحابة آخرين تدعم قوله؟ فالذي أعتقده أن قول الصحابي في حد ذاته ليس حجة، والمسلم يخير بين أن يأخذ به أو لا يأخذ، لكن إذا اطمأن إلى أنه رأي لصحابي جليل وليس لديه ما يخالفه فأخذ به فلا بأس عليه، وإن تركه -أيضاً- فلا بأس عليه؛ لأنه ليس ملزماً بأن يأخذ بقول صحابي واحد ليس هناك في الشرع ما يدل على صحته، لكن إن أراد السائل بسؤاله تحديد موقفنا بالنسبة لـ أبي هريرة وما ذهب إليه من إطالة الغرة، فنحن نقول: إن هذا مذهب ندعه لـ أبي هريرة، ولسنا مكلفين بالأخذ به؛ لأسباب كثيرة منها: أنه ثبت في سنن أبي داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ لما توضأ قال بعد وضوئه: (فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم) ، ونحن نعلم حتى من حديث أبي هريرة أن الرسول ﷺ ما كان يشرع في العضد، إنما كان يغسل الذراعين مع المرفقين، كذلك ما كان يغسل شيئاً من ساقه، وإنما يغسل قدميه وكعبيه هذا شيء. الشيء الثاني: نجده في عمل أبي هريرة، وهو أنه ما كان يدعو الناس إلى إطالة الغرة، فقد جاء في رواية في صحيح مسلم أن رجلاً من التابعين لاحظه حينما يتوضأ وأبو هريرة لا يحس به، فلما رآه توضأ وأطال غرته سأله: (أهكذا الوضوء؟ فقال له أبو هريرة: أنتم ههنا يا بني فروخ؟) ما كان يعلم أن هناك رجلاً يراقبه، ففي هذا إشعار بأن هذا الفعل الذي كان يفعله أبو هريرة وهو إطالة الغرة شيء خاص به وهو مقتنع به، ولا يريد جعله شرعاً عاماً يستمر إلى يوم القيامة، فبهذا وهذا، وتفرد أبي هريرة بذلك كتفرد ابن عمر بإيصال الماء إلى شحمة العين، هذا من المبالغات التي تزيد بطبيعة الحال على هدي الرسول ﷺ في وضوئه. فلذلك نحن لا نلزم بأخذ مثل هذه الأقوال الغريبة، وندع أمرها إلى أصحابها، ولسنا مكلفين بها، فباختصار: يجب أن نفرق بين قول تواردت عليه أقوال جماعة من الصحابة منهم وليس لهم مخالف، وبطبيعة الحال ليس في الكتاب والسنة ما يخالفه، فهذا القول يجب أن نتمسك به. الشيء الثالث: قول متعارض، صحابي يقول هكذا وصحابي يقول هكذا، فنحن لسنا ملزمين لا بهذا ولا بهذا، وإنما نحكم القرآن الكريم كما سمعتم، ثم يأتي قول شاذ عن فرد من أفراد الصحابة، فالأولى ألا نتكلف بالأخذ به، ومثاله: إطالة الغرة من أبي هريرة. أما الزيادة التي في آخر الحديث: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) فهي ليست من الحديث، هذا كما يقول الحافظ ابن حجر، ومن قبله ابن تيمية، ومن قبلهم جميعاً الحافظ المنذري: هذه زيادة مدرجة في الحديث وليست من الحديث، فإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز الاعتماد عليها.

стр. 126

رأي الشيخ فيمن يعتقد العقيدة السلفية ومع ذلك يدعو إلى جماعة أخرى السؤال هناك شخص يقول: أنا عقيدتي سلفية، وهو يدعو إلى طائفة فيها بعض الشبهات والإهمال للسنة، فما رأيكم في هذا الشخص؟ الجواب في الواقع أنني أستغربته جداً؛ لأنني لم أتصور وجوده في واقع حياتنا اليوم، أن تتصور رجلاً سلفياً عقيدةً ومذهباً، ثم هو يدعو إلى مذهب آخر، كيف تتصور ذلك؟ السائل: هذا الرجل يرى أن الجماعة التي يدعو إليها تنتمي إلى الإسلام ظاهراً، ولكن فيها شيء من إهمال السنة، وفيها بعض التشويش، وهو إنما يدعو مع هذه الجماعة؛ لأن لها مكانة في الدولة، فيستطيع من خلال انضمامه إلى هذه الجماعة أن يدعو إلى الله بقوة دون أي خوف، وعقيدته كما هي سلفية، وإنما ينتمي ظاهراً إلى هذه الدعوة. الشيخ: الآن ظهرت المسألة، بينما من قبل كان فيها شيء من الغموض، الآن نورد سؤالاً توضيحياً: هل هذا السلفي حينما يدعو إلى تلك الجماعة في تلك الجماعة ما يخالف السلفية في اعتقادهم؟ السائل: الجماعة فيها بعض الشبهات. الشيخ: أنا لا أتكلم في الشبهات، أنا قلت: في تلك الجماعة التي يدعو هذا السلفي إليها، أيعتقد أن في تلك الدعوة ما يخالف دعوته؟ أي: الدعوة السلفية. السائل: نعم. الشيخ: إن كان الأمر كذلك فهذا ليس سلفياً؛ لأن السلفية مثل الإيمان قابلة للزيادة والنقصان؛ لأنه كما شرحنا آنفاً أن السلفية فهم الكتاب والسنة فهماً صحيحاً على منهج السلف الصالح، لكن لا نفهم هل هو شيء محدود لا يقبل الزيادة والنقصان؟ لا. ثم بعد أن يفهم المسلم الدعوة الصحيحة للدعوة السلفية فهماً صحيحاً بقدر الإمكان، هل يطبقه كل سلفي مائة في المائة أم بنسبة متفاوتة؟ بنسبة متفاوتة، فإذا كان هناك رجل سلفي ثم هو يدعو إلى جماعة أخرى، في أفكارها وفي دعوتها ما يخالف الدعوة السلفية، فهو كالذي يجمع بين نقيضين في أمرٍ واحد، لكن هذا ينكر عليه؛ لأني أعتقد أن هذا السلفي لا يعلم أن في تلك الجماعة ما يخالف الدعوة السلفية، فإذا علم وبين له، ففي اعتقادي أنه بعد ذلك لا يستطيع أن يتبنى تلك الدعوة إطلاقاً، كل ما يمكن أن يفعله أن يخالفهم، وأن يعاشرهم ويبث الدعوة السلفية بينهم، لا أن يتبنى هو دعوتهم، ويلتزمها كما يلتزم الدعوة السلفية. خلاصة القول: لا يمكن الجمع بين الدعوة السلفية وغيرها من الدعوات بالكلية؛ لأن في تلك الدعوات أشياء تخالف الدعوة السلفية قطعاً.

стр. 127

نوع الاختلاف بين الصحابة السؤال قول الصحابة لابد ألا يكون مخالفاً لقول الله وقول رسوله، فإذا كان كذلك فإن اختلاف الصحابة إنما هو اختلاف تنوع وليس تضاد. الجواب كيف اختلاف تنوع؟ أضرب لك مثلاً: بعضهم يقول: إن مس المرأة ينقض الوضوء، وبعضهم يقول: لا ينقض الوضوء، هل هذا اختلاف تنوع؟ ونحن نعرف أن هناك قولاً بأن قول الصحابي حجة، لكن هذا القول على إطلاقه لا يأخذ به أحد من أهل العلم إطلاقاً، كلما قال الصحابي قولاً كان حجةً، هذا لا يقوله إنسان على وجه الأرض إطلاقاً، إنما قول الصحابي أحياناً يكون حجة، وأنا أضرب لك مثلاً: إذا قال الصحابي قولاً ليس من موارد الاجتهاد، أو كما يقول بعض الفقهاء: لا يقال بالرأي، وإنما هو توقيفي، هذا القول يؤخذ به لا لأن الصحابي قاله؛ وإنما لأنه يحمل في طواياه أنه لم يكن من اجتهاد من عنده، وإنما تلقاه من النبي ﵊، أو يتحدث بأمر غيبي مما كان أو مما سيكون، فإذا كان مما سيكون يؤخذ بقوله؛ لأنه أمر غيبي لا يمكن أن يتحدث به الإنسان برأيه واجتهاده، فيكون قد تلقاه من الرسول ﵇، هذا بما يتعلق بالمستقبل من الزمان، وإذا كان هذا الأمر الغيبي يتعلق بما مضى من الزمان فلا يؤخذ على إطلاقه، وإنما ينظر إذا كان من المحتمل أن يكون من الإسرائيليات فلا يقال به. السائل: وإذا كان قول الصحابي مخالفاً لقول الله ورسوله. الشيخ: أنا سأذكر لك تفاصيل أقوال العلماء في قول الصحابي هل هو حجة أم ليس بحجة؟ فأنا أتيتك بأمثلة، وآخر مثال نريد أن نذكره ما ثبت عن ابن عباس من قوله: [إن القرآن نزل جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا] هذا قول ابن عباس، ما قال: قال رسول الله ﷺ ، لكن العلماء يعتبرونه في حكم حديث مرفوع للرسول ﵇، لماذا؟ لأنه أولاً: يتحدث في أمر غيبي. وثانياً: لأنه لا يمكن أن يكون من الإسرائيليات، فإنه يتحدث عما يتعلق بالقرآن ونزوله، وأنه نزل إلى مكان اسمه بيت العزة، وهذا البيت هو في السماء الدنيا وليس في الثانية أو ما فوقها، فقالوا: هذا في حكم المرفوع. أما الصحابي يقول قولاً برأيه وباجتهاده، فهذا ليس موضع اتفاق أنه ينبغي أن نأخذ به، فمنهم من يأخذ ومنهم من لا يأخذ، وحينذاك نرجع إلى أصل الآية السابقة: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] ، فليس عندنا دليل في السنة فضلاً عن القرآن أن الصحابي يرى رأياً فيجب علينا أن نتبعه، هذا غير موجود، ولا على ذلك إجماع -أيضاً- من المسلمين حتى يقال: نتبعهم ولا نخالف سبيلهم، هذا ما عندي بالنسبة للسؤال، وجزاكم الله خيراً.

стр. 128

قول ابن عباس: إن الرسول ﷺ رأى الله السؤال قلتم بأن الأشياء التوقيفية يؤخذ قول الصحابي فيها، قال ابن عباس: إن الرسول ﷺ رأى الله، فما تقولون؟ الجواب هذا الحديث عن ابن عباس فيه عدة روايات، ولذلك حكم علماء الحديث عليه بالاضطراب، في الرواية الأولى قال: رأى ربه، والثانية: رآه بقلبه، والثالثة: رآه بعينه، والرابعة: رآه فهذا الاضطراب هو الذي يمنع أن نحتج به وندخله في صلب أنه لا يقال بمجرد الرأي، أما المسألة المعروفة في الخلاف بين ابن عباس من جهة وبين السيدة عائشة من جهة أخرى، فقد صح عنها في حديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث مسروق أنه جاء إلى السيدة عائشة فقال لها: (يا أم المؤمنين! هل رأى محمدٌ ربه؟ قالت: لقد قف شعري لما قلته، قال: يا أم المؤمنين! أليس يقول الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] ؟ قالت: أنا أعلم الناس بذلك، سألت رسول الله ﷺ فقال: رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله ستمائة جناح، ثم قالت -وهذا الشاهد-: ثلاث من حدثكموهن فقد أعظم على الله الفرية: من حدثكم أن محمداً ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله فرية، ثم تلت قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ [الشورى:٥١] ومن حدثكم أن محمداً ﷺ كان يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قول الله ﵎: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] ومن حدثكم أن محمداً ﷺ كتم شيئاً أمر بتبليغه فقد أعظم على الله فرية، ثم تلت قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] ) فإذاً: قول ابن عباس لا ينطبق في الحالة السابقة عليه من ناحيتين: أولاً: أن المسألة سياسية بينه وبين السيدة عائشة، وهي كما قلنا من أعرف الناس فيما يتعلق بشخصية الرسول ﵊؛ لأنها زوجته. ثانياً: أن ابن عباس اضطربت الرواية عنه، ففي بعضها كما سمعتم أنه رآه بقلبه، وهذا ليس موضع اختلاف.

стр. 129

معنى بيع العينة وحكمه السؤال ما معنى بيع العينة وما حكمه؟ الجواب بيع العينة مثله: كأن تريد أن تشتري براداً، والحقيقة أنك لا تريد أن تشتري براداً، إنما تريد قروشاً، فتأتي إلى التاجر فتشتري براداً -مثلاً- بمائة جنيه، وقبل أن يسمي لك الثمن -تأتي معاملة نعتقدها أيضاً غير مشروعة- يقول لك: تريد أن تشتري نقداً أم تقسيطاً؟ وأنت كما قلنا في صورة بيع العينة لا تريد أن تشتري أصلاً، فتقول له: أنا أريد أن أشتري بالتقسيط، فهذا البراد لو قلت له: أريده نقداً ربما قال لك: بثمانين أو بتسعين وتقسيطاً يقول لك: مائة، فتقول: سجل عليَّ مائة، انتهى كل شيء وما انتهى أي شيء. لماذا؟ ستعود أنت وقد اشتريت البراد بائعاً ويعود التاجر البائع لك شارياً، فتقول له: اشتر أنت مني هذا البراد نقداً، هو كان يبيعه لك بالتقسيط -مثلاً- بثمانين، فالآن يريد أن يشتريه منك بخمسة وسبعين أو دون ذلك، بحسب ما يناسبه ويناسب جشعه وطمعه، فأنت تأخذ الخمسة والسبعين ديناراً وتنطلق، وقد سجل عليك بذلك مائة دينار، هذه هي صورة بيع العينة. والعينة مشتقة من عين الشيء وذاته، أي: هذا البراد عينه وذاته بيع واشتري بمجلس واحد، ودون أن يتزحزح من مكانه، وبثمنين مختلفين، ثمن باهظ وهو ثمن البيع الأول، وثمن ناقص وهو ثمن البيع الثاني، كل ذلك لف ودوران واحتيال، كاحتيال اليهود على استحلال ما حرم الله من الربا، فبدل أن يأتي شاري البراد عن طريقة بيع العينة إلى التاجر وهو لا يريد أن يشتري، يقول: يا أخي! أنا بحاجة إلى خمسة وسبعين ديناراً، أعطني اليوم، وأعطيك بعد كذا شهر مائة دينار، هذا ربا مكشوف اليهود ما فعلوها، يدفع بدل خمسة وسبعين مائة! هذا ربا مكشوف، لذلك زين لهم الشيطان سوء أعمالهم وقال لهم: هذا ربا مكشوف، لكن ابحث عن الحكم الشرعي وتوصل إلى مأربك الذي هو أخذ الدين بربا بواسطة بيع العينة، تماماً كما صح عن الرسول ﵇ أنه قال: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شي حرم ثمنه) ما هو معنى الحديث؟ حرم الله على اليهود الشحوم، كما قال مشيراً إلى ذلك: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠] ومنها: شحوم الدابة الذبيحة، فكان محرماً عليهم أن ينتفعوا بالشحم، يرمونه أرضاً كما يرمون القاذورات ونحوها مما لا يستفاد منه، فصبر اليهود على ذلك مدة، ثم وسوس لهم الشيطان فقال لهم: كيف تضيعون هذه الشحوم هكذا أرضاً؟ خذوها وضعوها في الأواني الضخمة -الحلل- وأوقدوا النار من تحتها حتى تذوب هذه الشحوم وتعطي شكلاً جديداً، فتستطيعون أن تبيعوها وتنتفعوا بأثمانها، وكذلك فعلوا، فاستحقوا بهذا السبب كغيره من الأسباب لعنة الله عليهم ما الفرق بين الشحم قبل أن يذوب وبين الشحم بعد ما يذوب؟ هو شحم من قبل وهو شحم من بعد، هذا لا يشك فيه عاقل إطلاقاً، لكن هكذا الشيطان زين لهم هذا التغيير لاستحلال ما حرم الله ما الفرق بين أن يعطي التاجر الرجل المحتاج للمال خمسة وسبعين ليوفيها بعد ذلك مائة، وبين إدخال الوسيط بينهما والنتيجة واحدة لا تختلف؟ أخذ خمسة وسبعين وسيوفيها مائة، هل هذا حلال؟ حاشا لله! ولذلك جاء في حديث في سنده عندي شيء من الضعف، وقد جود إسناده الحافظ ابن كثير ﵀ أن الرسول ﵇ قال: (لا ترتكبوا الحيل كما فعلت يهود) ، وقد وقع المسلمون في مثل هذا الاحتيال في كثير من الأمور، هناك أناس عندنا كانوا تجاراً، وأعرف أحدهم وهو تاجر في السوق، يأتي الفقير فيحمله كيس سكر وفيه عشرات الجنيهات الذهبية، يقول: خذ هذا الكيس زكاة مالي، فيهتم الرجل؛ لأنه لا يستطيع أن يحمل الكيس، يحاول أن يبحث عن حمال، فيقول له: أنا أشتري منك الكيس بدلاً من أن تحمله إلى البيت، فيدفع له ثمن الكيس وفيه ما يساوي مائة كيس، هذا بظنه أنه أدى زكاة ماله وطهر نفسه، وهو بالعكس خبثها، ولو أبقى هذه الجنيهات في صندوقه كان أقل شراً له، لا أقول خيراً له من هذه الحيلة الشيطانية. فبيع العينة: هو بيع الشيء في مجلس واحد مرتين بثمنين متباينين، كوسيط لاستحلال الربا المكشوف.

стр. 130

موقف أهل السنة من المذاهب ومدى اعتبارها من الفرق السؤال ما موقفنا من المذاهب؟ وهل نعتبرها من الفرق أم لا؟ الجواب نحن نعتبر كل طائفة وكل جماعة تصر على مخالفة الكتاب والسنة بالمفهوم السلفي، وأقول: تصر على ذلك بالتعبير الشامي (عيني عينك) أي: عناداً وإصراراً، فهي تعتبر طائفة من الطوائف وفرقة من الفرق الضالة، لكن الأئمة الأربعة وأتباعهم الأولين، لا يمكن جعلهم في شيء من هذه الطوائف إطلاقاً؛ لأن منهجهم كان معتمداً على الكتاب والسنة واتباع ما كان عليه السلف الصالح، ومع الأسف أقول: إن أكثر الأئمة الأربعة اشتهاراً بأنه يؤيد بعض الشيعة على السنة هو الإمام أبو حنيفة، وأنا أعترف بهذا، ولكن لم يكن ذلك في اعتقادي عناداً منه ومعاندةً منه للسنة؛ وإنما لأن السنة كانت إحاطته بها في دائرة ضيقة جداً، بسبب انشغاله وانكبابه على تفريع واستنباط الأحكام من نصوص الكتاب أو الأحاديث التي وصلت إليه، لذلك تكثر عنه الآراء التي تخالف السنة، أما من حيث موقفه من هذا القيد وهو التمسك بما كان عليه السلف والصحابة بصفة خاصة فهو مشهور عنه، فإ، هـ يقول: إذا جاء القول عن الصحابة. لكن إذا اختلفوا فنحن بشر وهم بشر، فنأخذ من حيث أخذوا، فهو إذاً أقرب الأئمة الذين يمكن أن يقال فيهم، مع ذلك لا يمكن أن يقال فيه شيء إطلاقاً؛ لأن منهجه لا يخالف منهج السلف الصالح، لكن من أتباعه المتأخرين من تعصبوا له، كما أن الأئمة الآخرين -أيضاً- تعصبوا لهم أتباعهم. الخلاصة: يمكن نحن أن نضم بكل صراحة المتعصبين من المذهبيين الذين يؤثرون التقليد للمذهب، وليته كان مذهب الإمام الأول؛ لأنهم يتبعون قول المتأخرين منهم، وكثير منهم يصرح حينما نعارضهم بأقوال الأئمة أنفسهم، يقولون: نحن لا نأخذ بأقوال الأئمة المتقدمين، نحن نأخذ بأقوال المشايخ المتأخرين؛ لأن هؤلاء درسوا أفكار الأمة وفيها راجح ومرجوح، ولذلك هم لا يتبعون الأئمة أنفسهم وإنما المتأخرين منهم، فهؤلاء المتعصبون لأقوال أئمتهم المتأخرين مخالفون في ذلك نصوص الكتاب والسنة، ويمكن أن نعتبرهم من الفرق، أما نفس الأئمة فحاشاهم من ذلك حاشاهم! لعل في هذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 131

صلاح الظاهر والباطن [١] إن من أهم مساوئ تعدد الجماعات والأحزاب: أنها لا تنهض إلا على مبدأ المساواة بين جميع الأحزاب بمختلف نحلها ومللها، وأن بعضها قد سلكت بدعوتها مسلك التجرد عن بعض متطلبات الشريعة واستبدلتها ببدع ما أنزل الله بها من سلطان. وإذا لم يكن اجتماعنا تحت راية الكتاب والسنة فلن يكون على تحزب يساوي بين الحق والباطل أو بدعة تحل محل دين الله!

стр. 132

علاقة صلاح الظاهر بصلاح الباطن كنا ونحن في دمشق حينما نحضر بعض المساجد، وبخاصة المسجد الكبير -مسجد بني أمية- الذي تقام فيه دروس من أنواع مختلفة، ومنها درس في الحديث، وكان يلقيه في شباب حياتي الشيخ/ بدر الدين الحسيني، الذي هو والد الشيخ/ تاج، الذي كان في بعض مراحل الحكومات السورية رئيس جمهوريتها، الشيخ/ تاج هو ابن الشيخ بدر الدين، والشيخ/ بدر الدين الحسيني كان يلقي درسه في الحديث في وسط المسجد، ويعرف هناك في دمشق تحت قبة النسر، هذه القبة أكبر قبة في وسط المسجد في أعلى المسجد، فكانت تقام هناك الحلقة والشيخ يحدث بالحديث، وكان يجري في تحديثه على الطريقة المتبعة عند علماء الحديث قديماً، وهو أن يحدث بالحديث بالسند، إما أن يكون الحديث مما تلقاه عن بعض مشايخه بالسند، وحين ذاك يكون السند أطول من المتن بكثير جداً، ثم لا يستفيد أحد من الحاضرين منه شيئاً مطلقاً، وأحياناً ينقل الحديث مع السند من بعض كتب الأمهات الست وغيرها. والشاهد: أن الحلقة واسعة جداً، يمكن قطرها أكثر من ستة أمتار في ستة أمتار، فهل يلام هؤلاء حينما يتفرقون هذا التفرق؟ ومدرس الحديث لا يروي لهم مثل هذا الحديث وهو في صحيح مسلم: (ما لي أراكم عزين) والحديث الذي في مسند الإمام أحمد عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه قال: (كنا إذا سافرنا مع النبي ﷺ فنزلنا منزلاً تفرقنا في الوديان والشعاب، فقال لنا ﵊ ذات يوم: إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان) ، أين يتفرقون؟ هل في المسجد؟ لا. بل في الصحراء في البرية! كل طائفة أو جماعة ينتحون ناحية يتظللون بأشجارها وبسدرها ونحو ذلك، ومع ذلك أنكر ذلك عليهم وقال: (إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان) ، قال أبو ثعلبة: (فكنا بعد ذلك إذا نزلنا منزلاً اجتمعنا حتى لو جلسنا على بساط لوسعنا) أين هذا؟ في الصحراء، فما بالكم في مجالس العلم. ولذلك فخلاف السنة تكبير الحلقة، وإنما تصغيرها ما أمكن ذلك، ولذلك فجلوسهم هكذا صفين فقط ويبقى هناك فراغ يمكن إملاؤه هذا خلاف السنة. فنحن نذكر في هذه المناسبة دائماً وأبداً أن مثل هذا التوجيه من النبي ﷺ ، ومثل هذا الاهتمام بتجميع المسلمين في أبدانهم وفي أشخاصهم، لم يكن ذلك من باب الاهتمام بالظاهر فقط دون إصلاح الباطن، ذلك لأنه من المقرر شرعاً أن إصلاح الظاهر يساعد على إصلاح الباطن، وهذا صريح في قوله ﵊ المعروف: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) . ونحن نقول بمثل هذه المناسبة: كما أن صلاح الجسم من الناحية المادية والصحة البدنية يتعلق بصلاح القلب وصحته، فإذا كان القلب في جسد صاحبه سليماً، فلا يمكن أن يكون الجسد إلا سليماً، والعكس بالعكس؛ إذا فسد القلب مرض الجسد، هكذا يقول نبينا صلوات الله وسلامه عليه، مذكراً لنا بوجوب الاهتمام في إصلاح الظاهر؛ لأن هذا الإصلاح يكون -أولاً- دليلاً على صلاح الباطن، ثم يكون هناك تعاون بين الظاهر والباطن، وكما أقول دائماً وأبداً: هذا الحديث يعطينا عن خاطرة أو فكرة سبقت في أذهان بعض الفلاسفة قديماً، ولم يستطيعوا حتى اليوم أن يحققوها فعلاً، وهي ما يسمونها بالحركة الدائمة، مثلاً: مجرد أن تضغط زر التيار يستمر مرور التيار إلى ما شاء الله بدون أن ينقطع إلا إذا أحببت، أو سيارة -مثلاً- إذا حركتها تستمر بدون أي قوة! حركة دائمة منها من ذاتها، هذا خيال! لكنه حقيقة فيما يتعلق بصلاح الباطن والظاهر، فصلاح الباطن يؤثر في صلاح الظاهر، وصلاح الظاهر يؤثر في صلاح الباطن، والدليل ما أمر به النبي ﷺ في الاجتماع في حلقات الذكر -كما قلنا آنفاً- في قوله ﵇: (ما لي أراكم عزين) وفي قوله الآخر: (إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان) وأكثر من ذلك قوله ﵇ حينما كانت تقام الصلاة فلا يكبر حتى يأمر بتسوية الصفوف، ويقول لهم: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) إذاًَ: الاختلاف في الصفوف يؤدي إلى الاختلاف في القلوب، والاستواء في الصفوف يؤدي إلى استواء القلوب وتحببها وتجمعها ونحو ذلك، لهذا كان ﵊ يهتم بإصلاح الظاهر وإصلاح البدن، وقديماً قالوا: صلاح الأبدان كصلاح الأديان، فكل منهما مرتبط مع الآخر. أنتم تعلمون أن النبي ﷺ يأمر المسلم الذي أصابه مرض ما أن يتداوى، حيث قال ﵊: (تداووا عباد الله، فإن الله لم ينزل داءً إلا وأنزل له دواء) زاد في حديث آخر: (علمه من علمه وجهله من جهله) فإذاًَ: يجب العناية بالأمرين معاً، وليس كما يزعم بعض الجهلة: يا أخي! العبرة بما في القلوب، إذا قيل له: لماذا لا تصلي؟ لماذا لا تقوم بواجبك الشرعي؟ يقول لك: العبرة بما في القلوب، أنا والحمد لله لا أضر أحداً، ولا أغش أحداً، ولا، ولا إلخ، وهذا كذاب، الشيطان دلس عليه، هو يقول: لا يغش أحداً، وأول من غش هو نفسه؛ لأنه عصى ربه، فكيف يمكن أن يكون سليم القلب وهو لا يطيع الله على الأقل فيما فرضه الله عليه. هذه كلمة بين يدي التضام في حلقات العلم، لابد منها أن تكون على بال منكم، حتى تأتمروا أولاً بأوامر الرسول ﷺ ، وحتى تتذكروا هذه الحقيقة: أن صلاح الباطن لا يغني عن صلاح الظاهر، صلاح الأبدان لا يغني عن صلاح الأديان، وصلاح الأديان -إذا صح الجمع- لا يغني عن صلاح الأبدان.

стр. 133

حكم الجلوس وسط الحلقة السؤال هل ورد شيء في مسألة الجلوس في وسط الجلسة، الرجل يجلس وسط الجلسة؟ الجواب نعم، هناك حديث يقول: (ملعون من جلس وسط الجلسة) ولكن والحمد لله هو حديث لا يصح هذا أولاً. ثانياً: لو كان يصح لكان المقصود منه الجلوس وسط الجلسة لقصد لفت أنظار الناس، كأن يقول بلسان الحال: أنا هنا، أما والحديث لم يصح فالحمد لله، وهو من حصة كتابي سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة.

стр. 134

موقف الشيخ من الجماعات والأحزاب ومنها جماعة التبليغ هذه أسئلة ذكرها الإخوة وجمعوها متعلقة ببعض الجماعات وشيء من أحوالهم. السؤال الأول: ما هو رأي شيخنا حفظه الله تعالى في كتاب حياة الصحابة؟ وبماذا تنصحون قراء هذا الكتاب والمعتنين به والمشتغلين بتداوله؟

стр. 135

مخالفة بعض الجماعات لمبدأ الاجتماع وعدم الفرقة الجواب لا إله إلا الله! هذا السؤال يلتقي مع سهرة قريبة جداً قضيناها في مأدبة، لابد أنكم تعرفونها، واستمرت السهرة إلى بعد نصف الليل، وكان فيها من كل الجماعات أو الأحزاب، فمن حزب التحرير، ومن حزب -وإن كانوا هم لا يريدون أن يقولوا: حزب، فلنقل ما يحبون- ومن جماعة الإخوان المسلمين، ومن جماعة التبليغ، كل أولئك كانوا حاضرين في الجلسة، واضطررنا إلى التحدث عن هذه الجماعات وعن بعض هذه الأحزاب، وقلنا كلمة الحق لا نداهن فيها أحداً إن شاء الله: إن هذه الأحزاب أولاً: تخالف مبدءاً إسلامياً مصرحاً به تصريحاً ما بعده تصريح في كتاب الله، ووضح ذلك رسول الله ﷺ في أكثر من حديث واحد، وحسبنا الآن أن نذكر بقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١-٣٢] .

стр. 136

مخالفة بعض الجماعات للسنة النبوية ومضينا في هذا الموضوع وقلنا: إن هذه الجماعات الموجودة الآن بعض أفرادها ينطلقون في تكتلهم، وفي تحزبهم، ليس على علم مطلقاً، على أننا لا نحبذ العلم المطلق، وإنما نحض على العلم المقيد بكتاب الله وبسنة رسول الله، وعلى منهج السلف الصالح، كما جاء في كثير من الآيات والأحاديث، ولا أريد أن أعيد الجلسة التي كانت هناك، فلا بد أن أخانا أبا أحمد عنده شريط في ذلك. ولكن قدمت يومئذ مثالاً من واقع حياة هذه الجماعة جماعة التبليغ، وكان بجانبي أحدهم من الذين يدل سمتهم وهيئتهم على التمسك بالسنة، فهو تقدم بعد صلاة المغرب بالكلمة التقليدية التي تسمعونها دائماً وأبداً من المقدم لمن سيلقي الدرس بعد الصلاة، يقول: إنما فلاحنا ونجاحنا باتباع سنة نبينا محمد ﷺ أو ما يشبه هذا الكلام، فأنا قلت: ما الذي جعل هؤلاء الإخوان الطيبين التبليغيين يحرصون على هذه الكلمة وهي من إنشاء أحدهم، ويعرضون عن السنة؟ وهنا الشاهد، قلت لهم: فتحنا لكم هذه الجلسة بخطبة الحاجة (إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وكان ﵊ يزيد عليها في كثير من الأحيان: أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) لماذا أعرض جماعة التبليغ عن افتتاح جلساتهم العلمية بمثل هذه السنة المحمدية؟ ذلك لأنهم لا يدرسون السنة، هم جماعة طيبون يرغبون في التقرب إلى الله، ولذلك يخرجون ذلك الخروج المعهود منهم غير المعهود من -سلفنا الصالح- يخرجون، في ظنهم أنهم يحسنون صنعاً، فقلت للشيخ الذي كان بجانبي: لماذا لا تحيون هذه السنة (ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عملها إلى يوم القيامة، دون أن ينقص من أجورهم شيء) ، أنا لا أخص جماعة التبليغ بمخالفتهم هذه للسنة، بل هي مخالفة عامة، فكل الأحزاب وكل الجماعات تخالف هذه السنة، لماذا؟ سبق الجواب لأنهم لا يدندنون حول دراسة السنة أولاً؛ لأن هذه الدراسة تعلم الناس وتوقظهم من سباتهم ونومهم العميق، ولذلك فكيف يحيون السنة وهم يجهلونها! ومن فضائل هذا الخطبة كما شرحت هناك، وأوجز هنا ما استطعت إلى ذلك سبيلاً: أن النبي ﷺ كان يقدم هذه الخطبة التي تعرف عند العلماء جميعاً بخطبة الحاجة، كان يقدمها بين يدي كل كلمة، محاضرة، أو درس، أو موعظة، أو ما شابه ذلك، وكان يذكر فيها: (خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) ما هو السر في إعراض الجماعات الإسلامية كلها عن هذه الخطبة؟

стр. 137

أسباب مخالفتهم للسنة النبوية أنا أقول: الأمر يعود لشيئين: الشيء الأول: أنه يصدق عليهم قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧] ، لكن لا أستطيع أن أقول: إنه ما طرق سمع أحدهم مطلقاً، ولا قرأ هذا الحديث في كتاب ما، وهو في صحيح مسلم أصح كتاب بعد كتاب الله، وصحيح البخاري موجود هذا الحديث فيه، فلا أتصور أن أحداً مطلقاً من هؤلاء لا علم عنده بهذا الحديث، إذاً: ما الذي يصرفهم أو يصدهم عن التمسك بهذه السنة؟ أقول: لأنها تخالف منهجهم كيف؟ هذا الحديث يؤسس قاعدة لا يتبناها إلا الذين ينتسبون إلى السلف الصالح من أمثالنا، ما هي هذه القاعدة؟ كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فلا تجد الإخوان المسلمين، ولا حزب التحرير، ولا جماعة التبليغ، وإن كان هناك جماعات أخرى في بلاد أخرى، لا تجد منهم أحداً يدندن حول هذه القاعدة: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ولو أنهم اعتادوا إحياء هذه السنة لاستيقظ جماهيرهم من سباتهم، ولقالوا لهم: كيف تواضبون على هذه الخطبة: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ونحن نسمعكم دائماً تقولون: هناك بدعة حسنة، والرسول يرسخ في أذهان أصحابه هذه القاعدة العظيمة الجليلة، وأمرها كما يقول ابن تيمية رحمه في كتابه: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، رداً على بعض الناس الذين يقولون: إن هذا العموم غير مقصود: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، يزعم بعض المتأخرين أن هذا العموم المصرح به في هذا الحديث هو من العام المخصوص، ثم يأتون ببعض الأشياء من الروايات منها ما يصح ومنها ما لا يصح، يزعمون أن هذه روايات مخصصة لهذا العموم، ومعنى كلامهم: أن قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة) لا. أي: ليس كل بدعة ضلالة. يقول ابن تيمية، وهذا الشاهد، وأنا أقرب ذلك بمثل: لا يمكن أن يكون هذا النص من رسول الله من العام المخصوص وهو يكرره دائماً وأبداً على مسامع أصحابه في كل مناسبة يريد أن يتكلم فيها بين أصحابه يقول: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) يستحيل أن يكون هذا من العام المخصوص؛ لأن المفروض على النبي ﷺ الذي خوطب بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] ، ربك يعصمك من الناس الذين قد يقصدون القضاء عليك فيحولون -لو وصلوا إلى هدفهم- بينك وبين تبليغ الرسالة وتوضيحها وبيانها ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] . ولابد لي من التذكير بأن تبليغ النبي ﷺ المذكور في هذه الآية: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] . الذي أمر به يكون على وجهين: تبليغ اللفظ، وتبليغ المعنى. تبليغ اللفظ يعني: اللفظ القرآني كما أنزله الله على قلب محمد ﵊، فهو مأمور بتبليغه، هذا هو النوع الأول. الأمر الثاني الذي أمر بتبليغه، معنى هذه الألفاظ لهذه الآيات الكريمات، وهذا هو المقصود من قوله ﵎ في الآية الأخرى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ، هذه الآية غير الآية السابقة، الآية السابقة تعني تبليغ اللفظ وتبليغ المعنى؛ أما هذه الآية الأخرى فإنما تعني: تبليغ المعنى بدليل: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل:٤٤] أي: القرآن، لماذا؟ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٤٤] أي: بيانه ﵊، وهذا لا يحتاج الآن إلى تفصيل كل الأقسام: قوله وفعله وتقريره. فإذاً: ابن تيمية ﵀ يقول: استمرار الرسول ﵊ في تكرار هذه القاعدة: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) على مسامع أصحابه، يستحيل أن يكون من العام المخصوص؛ لأن المفروض عليه ولو مرة واحدة أن يبين -بحكم ما ذكرنا من الآيات- أن هذا النص العام ليس على عمومه وشموله، ولم يفعل ذلك إطلاقاً، بل هو ﵊ من تمام تبليغه لما أمره الله به كان يؤكد هذه القاعدة العامة فيقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، إلى آخر ما هنالك من أحاديث أخرى، ولسنا أيضاً في صددها. أما المثال: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) مثاله: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) ، لا يمكن أن نقول: ليس كل مسكر خمراً وليس كل خمر حراماً، هذا لا يقوله مسلم؛ لأن النبي ﷺ كان يكرر هذه الكلية على مسامع أصحابه، تحذيراً لهم من أن يشربوا مسكراً، أي مسكر كان، سواء سمي خمراً، أو سمي نبيذاً، أو سمي وسكاً، أو (شمبانيا) أو أو إلخ، كل هذه الأسماء تدل على مسمىً واحد وهو الخمر في اللغة العربية، والرسول ﷺ يقول: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) ، كيف يمكن أن نقول: ليس كل مسكر خمراً؟ وبالتالي كيف يمكن أن نقول: ليس كل بدعة ضلالة، وهو يقول في كل منهما: (كل مسكر خمر) (كل بدعة ضلالة) ؟ هذا هو المثال تأكيداً لما سمعتم آنفاً مما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أن هذه الكلية التي كان النبي يذكرها دائماً في خطبة الحاجة لا يمكن أن تكون مخصصة. الآن آتيكم بمثال عكسي، أي: لكلية خصصها الرسول ﵊؛ حتى تعرفوا أن كلام الرسول ﵊ جمع فأوعى سمعتم: (كل مسكر خمر) (كل بدعة ضلالة) اسمعوا الآن التقييد كيف يكون قال: (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى) ، دخل استثناء هنا، كان يمكنه أن يقول: كل بدعة ضلالة إلا ما كان موافقاً للعبادة أو للحسنة، أو ما شابه ذلك مما تسمعونه من المؤولين إن لم نقل من المعطلين، فقال ﵊: (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى) ، هل يجوز لرسول الله ﷺ أن يقول: كلكم يدخل الجنة ويسكت وهو في نفسه استثناء؟ لا يمكن هذا، فإذاً: كيف يتصور هؤلاء الذين يقولون: كل بدعة ضلالة، هذا ليس على عمومه، معنى ذلك أنهم ينسبون إلى النبي ﷺ شيئاً ما كان في باله إطلاقاً، ولو كان ذلك في باله لكان من الواجب عليه ديانة أن يسارع ولو مرة واحدة إلى التصريح بالاستثناء، كما قال في هذه الكلية الأخيرة: (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟) معقول أن شخصاً يأبى دخول الجنة؟! معقول وليس معقولاً، وتأملوا معي الحديث، فهو كما يقال في لغة العصر الحاضر: يضع النقاط على الحروف (قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) . فإذاً: كل كلية تأتي في أحاديث النبي ﷺ ، فضلاً عن الآيات القرآنية، ولم يأت ما يخصصها، فيجب إبقاؤها على إطلاقها، وبخاصة إذا كانت مثل كلية: (كل بدعة ضلالة) التي كان النبي ﷺ يكررها على مسامع أصحابه في كل مناسبة. نعود لماذا لا يحافظ جمهور الدعاة الإسلاميين اليوم على هذه الخطبة المباركة التي سماها العلماء بخطبة الحاجة؟ أي: من أراد أن تقضى حاجته العلمية فليقدم بين يدي العلم خطبة الحاجة النبوية، لماذا يعرضون عنها؟ لأنها تخالف منهجهم، فليس من منهجهم ما نهجه الرسول ﵊ في هذه الخطبة، خطبة الحاجة، وهي ذم عموم البدعة وذلك في الدين والعبادة. فلذلك قلنا في تلك الجلسة هناك -كما ذكرنا لكم آنفاً- في مأدبة: لا يكفي أن تتحمس كل جماعة وكل حزب لجماعتها، وتنطلق بدون علم وبدون وعي، فننصح هؤلاء الذين يخرجون، وأولئك الذين لا يخرجون ولكنهم يتكتلون، وأولئك الذين يشتغلون دهرهم بالسياسية، وكثير منهم لا يعرفون أن يحجوا وأن يصلوا وأن يصوموا على السنة، نأمرهم جميعاً بأمر الله ورسوله، أن يتعلموا: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] كلا! لا يستوون.

стр. 138

نقد كتاب حياة الصحابة فعلى هذا نقول: بالنسبة لهذا السؤال كتاب حياة الصحابة هو دليل لما نقول نحن، فالذي ألف هذا الكتاب ليس فرداً من أفراد جماعة التبليغ، بل إن لم يكن من رءوسهم فهو رأس الرءوس، ألف هذا الكتاب، والجماعة ينطلقون على هداه، ولكن هذا الكتاب جمع ما هب ودب، أي: أولاً: لم يخصص هذا الكتاب لأنْ يذكر فيه ما صح عن رسول الله ﷺ ؛ لأن كلام الرسول ﷺ ليس ككلام غيره من الناس، ولو كانوا أولياء وصالحين. ثانياً: ذكر روايات كثيرة عن الصحابة ﵃، فإذا كانت الأحاديث التي نسبها إلى الرسول فيها أشياء لا تصح نسبتها إلى الرسول عند أهل العلم بطريق معرفة الحديث، ومعرفة الأسانيد، وتراجم رجال الأسانيد ونحو ذلك، فمن باب أولى أن يذكر في هذا الكتاب روايات كثيرة وكثيرة جداً عن الصحابة من أقوالهم، ومن أفعالهم، ومن منهجهم، ومن سلوكهم، وكثيرٌ منها لا يصح. ويعجبني في هذه المناسبة قول لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهذا من نفيس كلامه ودقيق منهجه العلمي، حيث قال ما معناه: إن على كل باحث أن يتثبت فيما يرويه عن أصحاب النبي ﷺ ، كما يتثبت فيما يرويه عن الله ورسوله. هذه كلمة جماهير العلماء قديماً وليس حديثاً فقط، قديماً وحديثاً قد أخلوا بها، فما تعود إلى كتاب إلا ما ندر جداً، مثل كتاب نيل الأوطار للشوكاني، هذا من الكتب التي نحن نحض طلاب العلم على الاعتناء بدراسته والاستفادة منه، مع ذلك تجده يحشد فيه أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم بمناسبة الكلام مع الآية أو الحديث، لكنه لا يسلك هذا السبيل وهو سبيل التثبت مما ينسب إلى الصحابة، كما يجب التثبت مما ينسب إلى النبي ﷺ ، قلَّ من يفعل هذا! ومن هنا يصيب المجتمع الإسلامي شيء من الانحراف، لماذا؟ وهذه نقطة في الحقيقة مهمة جداً. نحن قلنا دائماً وأبداً: إن منهجنا كتاب الله وسنة رسول الله، وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح، لا يكفي اليوم أبداً أن ندعو الناس إلى الكتاب والسنة فقط؛ لأنك لن تجد في كل هذه الجماعات المختلفة حديثاً وقديماً، لن تجد جماعة منهم ولو كانوا من المرجئة أو كانوا من المعتزلة يقولون: نحن لسنا على الكتاب والسنة، كلهم يقولون هكذا، إذاًَ: ما الفارق بين هذه الجماعات التي كلها تقول، وهي صادقة فيما تقول، لا نستطيع أن نتهمها فيما تقول، تقول: نحن على الكتاب والسنة، لكنها غير صادقة في تطبيقهما على ما كان عليه سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم. من هنا نقول: لابد من معرفة ما كان عليه السلف لنستعين به على فهم الكتاب والسنة، فإذا جاءتنا رواية عن بعض الصحابة وهي غير صحيحة، وأخذنا بها على أساس أنها بيان للكتاب والسنة، انحرفنا كما لو أخذنا بحديث ضعيف أو موضوع، لهذا ابن تيمية يقول: يجب التثبت فيما نرويه عن الصحابة كما نتثبت فيما نرويه عن الله ورسوله ﷺ . هذا الكتاب كتاب حياة الصحابة خالف هذا النهج العلمي، فهو جمع ما هب ودب، وأنا أضرب لكم مثلاً مجملاً: هو ينقل مثلاً حديثاً عن كتاب مجمع الزوائد، يقول: رواه أحمد والطبراني، وقال في مجمع الزوائد: رجاله ثقات. الذين يتداولون هذا الكتاب عندما يقرءون: قال في مجمع الزوائد: رجاله ثقات، ما الذي يفهمون منه؟ كما يقولون عندنا في بعض الأعراف في سوريا: (خش حديث) ما دام رجاله ثقات صار حديثاً ثابتاً، لا. عند أهل العلم أي حديث يقول فيه أحد المحدثين: رجاله ثقات، فلا يعني هذا المحدث أنه حديث صحيح، بل أي حديث يقول فيه مؤلف الكتاب: رجاله رجال الصحيح فلا يعني أنه صحيح؛ وهذا أشد إيهاماً لصحة الحديث من قوله الأول، فإذا قال: رجاله ثقات، قد يتوهم بعض الناس أنه صحيح، لكن الإيهام بالتعبير الثاني: رجاله رجال الصحيح، أكثر، مع ذلك لا هذا ولا هذا في علم الحديث يعني صحة الحديث. إذاً: كان ينبغي على مؤلف هذا الكتاب أن يختار، لا نقول: أن يصحح كل هذه الروايات ويدقق القول فيها؛ لأنه في الحقيقة -أنا أعتقد- لو أراد رجل عالم متثبت أن يصحح وأن يضعف وأن يؤلف كتاباً مثل كتاب الصحابة لأخذ منه سنين عديدة؛ لأن الحديث الواحد التحقيق فيه قد يأخذ منه ساعات، بل قد يأخذ منه يوماً وأياماً، وهذا نحن نعرفه بالتجربة، فإذاً: لو أراد أن يؤلف مثل هذا الكتاب وعلى هذه الطريقة فسيأخذ منه عمره أو بعض عمره على الأقل، لكن كنا نرجو منه أن يختار ما صح عنده بأقرب طريق، بدون أن يخصص الكلام في كل حديث من هذه الأحاديث. إذاً: هذا هو الجواب عن كتاب حياة الصحابة، أنه لا ينبغي الاعتماد عليه إلا بشيء من التحفظ كأكثر الكتب. وأنا أضع الآن بين أيديكم قاعدة لكي لا تحرموا الاستفادة من مثل هذا الكتاب، فأقول: كلما رأيتم حديثاً معزواً -أولاً- لأحد الصحيحين في هذا الكتاب أو في غيره يقول: رواه البخاري ومسلم، رواه البخاري، رواه مسلم، فعضوا عليه بالنواجذ هذا أولاً. ثانياً: إذا رأيتموه نقل عن أحد المحدثين أنه قال: هذا حديث إسناده صحيح، أو قال: إسناده حسن، أيضاً تمسكوا به، وما سوى ذلك فعرجوا عنه ولا تعرجوا عليه. السائل: هل القاعدة على هذا الكتاب أو على العموم؟ الشيخ: كل الكتب.

стр. 139

وقفات مع جماعة التبليغ السؤال الذي سألناه في الأول كان متعلقاً بمسألة واحدة، فجزاكم الله خيراً، فقد أوعبتم القول في كثير من المسائل المتعلقة بـ جماعة التبليغ، ولكن هنا بعض مسائل أخرى قد تتعلق بجوانب أخرى نريد الإجابة عنها ولو بشكل مختصر بعد ذلك التفصيل بارك الله فيكم: يقول السائل: ما رأيكم بأصل من أصول جماعة التبليغ، وهو أنهم يقولون: لا نتكلم في أربعة أشياء أثناء الخروج، لما يترتب على الكلام في هذه الأشياء من المفاسد، وهي: السياسات، والفقهيات، والخلافيات، والجماعات؟

стр. 140

عدم اهتمامهم بالسياسات الجواب نسأل الله لنا ولهم الهداية! السياسات نحن نوافقهم على هذا الشيء الأول، ولكن ليس على الإطلاق، نحن نرى كما حكيت هذا أكثر من مرة، لقد امتحنا هناك في سوريا، واستنطقنا هناك من المخابرات، كما يفعلون -مع الأسف- في كل بلاد إسلامية: أنت تشكل تجمعاً وتكتلاً ونحو ذلك، وأنا أقول: أنا تكتلي هذا للإصلاح وليس للسياسة، وبعد مناقشة طويلة جداً ربما تجاوزت ساعة، ولما لم يجد المستنطق هذا البعثي مجالاً لأن يأخذ علي شيئاً من الناحية القانونية، قال: إذاً اذهب وابق على دروسك، ولكن لا تتكلم في السياسة، مع أني قلت له بتفصيل: نحن دعوتنا دعوة إصلاحية، الرجوع إلى الكتاب والسنة كما تسمعون دائماً وأبداً، وأنا ذكرت لك آنفاً شيئاً من التفصيل، لكن رجوعك الآن للقول: لكن لا تشتغل بالسياسة، يدفعني أن أبين لك شيئاً، نحن صحيح لا نشتغل بالسياسة؛ لأن الاشتغال بالسياسة ليس من الإسلام، لا. فالسياسة من الإسلام، وبعض علماء الإسلام ألفوا في السياسة الشرعية قديماً وحديثاً، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فالدولة الإسلامية لا تستغني عن السياسة، وما معنى السياسة؟ أي: سياسة الناس وتثبيت أمورهم على ما يوافق مصالحهم في الدنيا والأخرى، فنحن لا ننكر وجوب الاشتغال بالسياسة، لكننا رأينا -وهنا الشاهد- أن من السياسة ترك السياسة، رأينا في هذا الزمان أن من السياسة ترك السياسة، والغرض الآن أننا نوافق الجماعة على عدم الاشتغال بالسياسة وقتياً، لكن لا يمكن الاستغناء عنها، وإلا كيف يمكن إقامة الدولة المسلمة إلا بمثل هذه السياسة، ولكن الذين ينبغي أن يشتغلوا بالسياسة يجب أن يكونوا علماء، أن يكونوا علماء بالمعنى الصحيح بالكتاب والسنة وبفهم السلف الصالح إلخ، ولذلك نحن نوافقهم على هذا الشرط الأول، نوافقهم إجمالاً، ولا نوافقهم تفصيلاً، فنقول الآن: من السياسة ترك السياسة.

стр. 141

عدم اهتمامهم بالفقهيات أما الفقرة الثانية فلا نوافقهم عليها، وهي الفقهيات، كيف هذا؟ كيف يتصور في جماعة يسمون أنفسهم بـ جماعة التبليغ، ماذا يريدون أن يبلغوا الناس؟ إما أن يبلغوا العقيدة وهم مع الأسف لا يفعلون، ولا أدري هذا لماذا لا يذكرونه؛ ولعلهم يعنون بالفقهيات ما هو أعم وأشمل. إلى ماذا يدعون هم إذاً؟ أنا لا أريد أن أقول: إنهم يدعون إلى ما يمكن أن تدعو إليه كل طائفة متدينة على وجه الأرض، مهما كان نوع دينها، إلا اليهود، فأنتم تعلمون -مثلاً- أن جماعة التبشير من النصارى هم يدعون إلى الوصايا العشر: لا تسرق، لا تزن، لا تكذب إلخ، أيضاً هذه الأشياء يدعو إليها الإسلام، فإذا كان الجماعة لا يريدون أن يبحثوا في السياسة قلنا لهم: لا بأس مؤقتاً، لكن في الفقهيات يقول رسول الله: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين) . أنا أعتقد جازماً أن هذه الفقرة سبب وضعها وتركها، هو نفس السبب الذي يحملهم على ترك خطبة الحاجة، ولعلكم لم تنسوا بعد ما هو السبب؟ هل لأنهم لا يؤمنون بقوله ﵊: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) ؟ هذه القاعدة التي أسسها ﵊ كما ذكرنا لكم آنفاً، ولذلك فإنهم لا يعرجون على هذه السنة المتروكة ولا يحيونها، كذلك لماذا أعرضوا عن الفقهيات؟ لأنهم لا فقه عندهم؛ لأن الفقه كما قال ابن القيم ﵀: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذراً من التعطيل والتشويه فهم لا يبحثون في الفقهيات بزعم أنه يثير الخلاف، وهذا زعم يتسترون خلفه، والحقيقة أنهم لا يحسنون الفقه، كل واحد كما يقولون عندنا في الشام: جماعة التبليغ مثل الإخوان المسلمين، مثل حزب التحرير، لا فرق بينهم في نقطة واحدة، وهي: جماعة الإخوان المسلمين يجمعون بين السلفي والصوفي بين الحنفي والشافعي، والمالكي والحنبلي، وفي بعض الظروف بين السني وبين الشيعي، هكذا السياسة تقتضي. حزب التحرير كذلك لا يهمهم، حتى لقد صرحوا أن من منهجهم أنهم لا يتبنون رأياً في العقيدة، هذا من حسناتهم، لكنها في نفسها سيئة، أما جماعة التبليغ فلم يصرحوا بهذا، لكن واقعهم أنهم لا يتبنون رأياً في العقيدة، كما أنهم من باب أولى لا يتبنون رأياً في الفقه، لماذا؟ لأن الفقه أُلف هناك من جماعة الأزهر الشريف كتاب اسمه: الفقه على المذاهب الأربعة، إذا أردت أن تضيع في غمرة الخلاف بين المذاهب الأربعة فاقرأ هذا الكتاب، حينئذ لا تخرج منه إلا وأنت مدوخ، لا تعرف إلى أي قول تذهب إليه وتتمسك به، كذلك دكاترة الجامعات اليوم يدرسون الفقه الذي يسمونه بالفقه المقارن على طريقة الفقه على المذاهب الأربعة، يقول لك: أبو حنيفة قال كذا وحجته كذا، والشافعي قال كذا، وحجته كذا إلخ، وبعد ذلك أين الحق الذي قال الله فيه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] ؟ ما المسئول عنها بأعلم من السائل! فإذاً: الذين لا يشتغلون بالفقهيات ليس السبب أنه يوقع الخلاف؛ لأن الرسول ﷺ الذي هو سيد البشر قاطبة، وأرجو أن تفهموا هذا وتحفظوه، من أسمائه: الفارق أو المفرق، كالقرآن، فإن القرآن من أسمائه الفرقان، لماذا رسول الله مفرق؟ لأنه فرق بدعوته بين المؤمن والكافر، وكان من نتائج ذلك أن فرَّق بين الوالد وولده، هذا كافر مشرك وهذا مؤمن مسلم، إذاً لماذا نحن نخاف أن نفرق؟ نخاف أن نفرق بالباطل، ولا ينبغي أن نخاف أن نفرق بالحق؛ لأن ربنا يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] لكن الحقيقة أنهم لا يعرفون الحق من الباطل، لا يعرفون الصواب من الخطأ، ولذلك تمثلوا بالمثل العامي: (الهريبي نصف الشجاعة) المقصود فهم عرفوا أنهم كما يقال أيضاً: (ليسوا حشو الكبدة) يأتون ويقولون مثلاً: قال أبو حنيفة: خروج الدم مهما قل فهو ناقض للوضوء، والإمام الشافعي يقول: مهما كثر فهو غير ناقض للوضوء، والإمام أحمد يقول، ومالك أيضاً معه من قبل: إن كان كثيراً نقض وإلا فلا ينقض، ماذا يريدون من هذه الدوشة؟ هذا الأمر يحتاج إلى اطلاع على أدلة المذاهب أولاًَ، ثم إجراء معادلة ومراجحة بين هذه الأدلة ثانياً، وهذا يتطلب -إضافة على وجوب معرفة أقوال العلماء- أن يعرف علم الحديث في مصطلحه، وعلم الجرح والتعديل في توثيقه وتجريحه، وهذا أكثر الدكاترة، ليس العامة من جماعة التبليغ وأمثالهم الذين يخرجون للدعوة وأمثالهم، هؤلاء لا يستطيعون، لكني كنت أستحسن منهم أن يقولوا كما يقولون، بالأمس القريب -كما ذكرنا لكم- كنا في مأدبة، وتكلمنا حول جماعات منها جماعة التبليغ فقال لي أحدهم ممن نحسن الظن به -لأنني حضضتهم على العلم- قال: لذلك مشايخنا يقولون لنا: اذهبوا إلى العلماء، فقلت لهم: نحن نريد أن تكونوا أنتم العلماء، أنتم الذين تهتمون بدعوة الأمة، ليس أنتم تذهبون إلى العلماء ثم تخرجون ولستم علماء.

стр. 142

عدم اهتمامهم بالدعوة إلى التوحيد إذاً: تركهم الفقهيات لأنها تفرق، أنا أقولها صراحة وأرجو عدم المؤاخذة؛ لأن الحق أحق أن يقال: هذا عذر أقبح من ذنب، لماذا؟ لأنه أولاً: لا يعبر عن السبب الحقيقي، وثانياً: لابد من التفريق بين الحق والباطل، بين الصواب والخطأ، وبخاصة ما كان من ذلك متعلقاً بالعقيدة، وهم كما تسمعون -كما في الفقرة الثانية- يعدونها خلافيات هل هناك خلاف في التوحيد؟ كثير من الدكاترة يقولون: لا يوجد خلاف يا أخي، كل المسلمين يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله، هذا صحيح، ولكن القول شيء والفهم والإيمان شيء آخر، الكافر حينما تقوم قائمة الدولة المسلمة إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، خلص رأسه من خطفه عن بدنه، لكن هل نجا بذلك من الخلود في النار؟ الجواب الشرط الأول: أن فهم المعنى الصحيح لهذه الكلمة أولاً، ثم آمن بهذا الفهم الصحيح ثانياً؛ نجا من الخلود في النار يوم القيامة. فهل المسلمون اليوم كل المسلمين الذين يبلغون ألف مليون أو يزيدون، هل الألف مليون يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله؟ يمكن يكون منهم الدروز، هل هؤلاء اتفقوا على فهم هذه الكلمة فهماً صحيحاً ينجيهم من الخلود في النار يوم القيامة؟ الجواب: مع الأسف الشديد لم يتفقوا، ولذلك هم لما قالوا هذه الكلمة يعنون ما يقولون؛ لأننا إذا دخلنا في موضوع: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] فرقنا الصفوف، ونحن جماعة جمع، ولسنا جماعة تفريق، هذا لسان حالهم ومقالهم. أما نحن معشر السلف فنقولها صراحة، ولكن قبل أن نقولها ندعم مذهبنا بما كان عليه رسول الله ﷺ ، فنحن مفرقون نفرق بين الحق والباطل، بين المحقين وبين المبطلين، ولا نساوي بين المحقين والمبطلين كما يفعل غيرنا من الآخرين. لما كنت في دمشق كان هناك رسالة ألفها أحد شيوخ الطريقة الشاذلية، وأصله مغربي، عنوان الرسالة: لا إله إلا الله، ليس هناك أجمل من هذا، وتدخل في الداخل: لا إله إلا الله، أي: لا رب إلا الله، هكذا فسر الآية الكريمة، ولو أن كافراً قال: لا إله إلا الله بهذا المعنى الذي شرحه هذا الشاذلي ما أفاده شيئاً لا في الدنيا ولا في الأخرى، لماذا؟ لأن المشركين كانوا يقولون: لا رب إلا الله، لكنهم إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون، إذاً: هم بعروبتهم الأصيلة كانوا يعرفون معنى كلمة التوحيد على الوجه الصحيح، ولكن معرفتهم هذه لم تغنهم شيئاً؛ لأنهم كفروا بهذا المعنى الصحيح، وعلى العكس من ذلك؛ فبعض المسلمين حينما يقولون: لا إله إلا الله، المشركون لا يقولون: لا إله إلا الله؛ لأنهم إذا قالوا: لا إله إلا الله، نافقوا وهم يريدون أن يعلنوا، فهم يعلمون معنى (لا إله إلا الله) لذلك لا يقولون. المسلمون لا يعلمون معنى: (لا إله إلا الله) إلا القليل منهم، ولذلك هم يقولون كلهم: لا إله إلا الله، ولكن إذا أردت أن تبين لهم أن ما يفعلونه من الإتيان إلى الأولياء والصالحين، والذبح عندهم، والنذر لهم، والحلف بهم، والصلاة عند مقابرهم إلخ، فهذا كافر بلا إله إلا الله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) ليس المعنى الذي ذكرناه عن الشاذلي: لا رب إلا الله، وإنما معناه: لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، وحينما يفهم المسلم كلمة الشهادة هذه الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله) فهماً صحيحاً؛ فيجب أن يطبقه تطبيقاً صحيحاً كما فهمه فهماً صحيحاً، ومن هنا يظهر الفرق بين الذين يؤمنون بلا إله إلا الله بالمفهوم الصحيح، وبين الذين يؤمنون بلا إله إلا الله بالمفهوم غير الصحيح، تختلف تصرفاتهم في هذه الحياة. لن تجد مؤمناً بهذه الكلمة الطيبة على المعنى الصحيح يذبح لغير الله، وينذر لغير الله، ويحلف بغير الله، ويصلي لغير الله عند قبور الأولياء والصالحين، لن تجد عند هؤلاء شيئاً من ذلك، بينما الآخرون الله أكبر!! يذهبون عند من يسمى بسيدي شعيب، وانظروا إلى النذور هناك! ومن نذر لغير الله فهو ملعون، كما قال ﵇: (من ذبح لغير الله فهو ملعون) كيف ملعون وهو يقول: لا إله إلا الله؟! لم يفهم لا إله إلا الله. ولذلك فالدعوة إلى الإسلام بصورة غير مفهومة للأنام، هذه ليست دعوة الإسلام، وإنما هي دعوة إلى جانب من جوانب الإسلام.

стр. 143

نصائح لجماعة التبليغ وخير لهؤلاء الإخوان الطيبين من جماعة التبليغ شيئان اثنان: الأول: ننصحهم دائماً أن يتفرغوا لطلب العلم ولا يتفرغوا للدعوة؛ لأن للدعوة رجالاً، وقد قلت لهم هناك وفي كل مكان: هل تعلمون أن النبي ﷺ أرسل بالعشرات والعشرينات من الدعاة إلى المشركين، أو أرسل أفراداً من نخبة الصحابة كـ علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، ودحية الكلبي، هؤلاء الدعاة هم الذي كان الرسول ﵇ يرسلهم، ومرة واحدة وقعت أن أرسل سبعين من قراء الصحابة، وبهذه المناسبة يجب أن تعلموا أن معنى قراء الصحابة هم علماؤهم؛ لأننا لا نتصور يومئذ قارئاً كقرائنا اليوم يحسنون القراءة والتجويد والترتيل، لكن لا يفقهون ما يقرءون من القرآن شيئاً، الصحابة لم يكونوا هكذا. فذهبوا إلى قبيلة مشركة، وطلبوا منهم أن ينزلوا ليدعوا إلى الله ، فأعطوهم الأمان ثم غدروا بهم فقتلوهم، قتلوا سبعين من قراء أصحاب الرسول ﵇، ولما بلغه خبر قتلهم قال أنس بن مالك: (فما رأيت رسول الله ﷺ وجد على ناس كما وجد على هؤلاء القراء! فكان يدعو عليهم ويقول في صلاة الفجر وغيرها: اللهم اللعن رعلاً وذكوان) وقبائل أخرى سماها ﵇؛ لأنهم قتلوا هؤلاء الصحابة من القراء الكبار. هكذا كان رسول الله ﷺ يرسل علماء، فما بال هؤلاء المسئولين من جماعة التبليغ ورئيسهم هناك في باكستان أو في الهند يرسل دعاة لا علم عندهم؛ لأنه لو كان عندهم علم لعلموا أنه يجب أن يقتدوا بالرسول ﵇، وماذا فعل الرسول؟ إلى ماذا دعا الرسول حينما أنزل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١-٣] ؟ دعا كما دعت الرسل من قبل إلى أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، فما لهؤلاء الناس لا يدعون إلى ما دعا إليه الرسول ﵊، وإلى ما دعا إليه الصحابة الكرام بتعليم الرسول ﵊؟ جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: (ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) فهؤلاء جميعاً من كل الجماعات التي ذكرناها آنفاً، من الإخوان المسلمين، من حزب التحرير، من جماعة التبليغ، لا يكون أول ما يدعون إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا له سبب سبق أن ذكرته وأجمله الآن:

стр. 144

أسباب إهمالهم الدعوة إلى التوحيد أولاً: لظنهم أن المسلمين ليسوا بحاجة؛ لأن كل مسلم يقول: لا إله إلا الله، إذاًَ ندعوهم إلى ماذا؟! هذا اسمه: تحصيل حاصل، لكن الواقع أن المقصود: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله أول ما تدعوهم؛ لأنهم كانوا عرباً، ولذلك -كما شرحت آنفاً- كانوا إذا قيل: (لا إله إلا الله) يستكبرون؛ لأنهم يفهمون أن معنى: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، أما الرب فما كانوا ينكرونه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] اليوم المسلمون لا يفهمون شهادة التوحيد كما فهمها العرب، لكن هم يؤمنون بلفظها ويكفرون بمعناها، فلماذا لا تشتغل هذه الجماعات بدعوة المسلمين للتوحيد الصحيح؟ السبب أنهم لا يعلمون واقع المسلمين اليوم أنهم منحرفون عن التوحيد الصحيح. السبب الثاني وهو أهم بالنسبة إليهم: هم أنفسهم لا يعلمون حقيقة معنى (لا إله إلا الله) ولذلك لا يدعون الناس إلى معنى: (لا إله إلا الله) كما أنهم لا يدعون الناس إلى أن يشهدوا أن محمداً رسول الله، لماذا؟ لنفس السببين: السبب الأول: أنهم يشهدون أن محمداً رسول الله، وأنا أعتقد أنهم كذلك، لكن يخالفون هذه الشهادة؛ لأنه يلزم من التصديق بأن محمداً رسول الله ألا يتقدم المسلمون بين يدي رسول الله برأي أو باجتهاد أو بنظام إلخ، وهذا مع الأسف موجود وواقع، وأوضح مثال قضية الاستحسان، الاستحسان في بعض المذاهب قيل بأنه دليل شرعي، وفي المجتمع الإسلامي هو قائم على قدم؛ لأنهم يقولون: هذه بدعة حسنة، وماذا فيها يا أخي! إلخ. أيضاً: يجب على الدعاة الإسلاميين أن يبدءوا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بياناً وشرحاً وليس لفظاً فقط. إذاً: لا يجوز أن نقول: ندع الفقهيات وندع الخلافيات؛ لأن معنى ذلك: أن ندع الدعوة إلى شهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أيضاً: لا ينقدون الجماعات الإسلامية أنا سلفي وأنت خلفي، لا تنتقدني لماذا؟ لأني على حق أم على باطل؟ قالوا: لا. هذا يفرق ما الفائدة إذاً من دعوتك إذا تركتني في ضلالي؟ وما الفائدة من دعوتي إذا تركتك في ضلالك؟ وهكذا يجب أن نقول كلمة الحق، ولهذا لم يقرءوا في كتاب حياة الصحابة أن النبي ﷺ أوصى أبا ذر بعدة وصايا ومنها: (ألا تأخذه في الله لومة لائم) هذه فقرة ووصية من وصايا الرسول ﵇ لـ أبي ذر، فيجب إذاً أن نتعلم وأن نعمل بما نعلم، والإعراض عن التمسك بهذه الفقرات الأربع معناها: إعراض عن التمسك بالإسلام الذي جاء به ﵊.

стр. 145

العلم النافع هو علم الكتاب والسنة السؤال بالنسبة إلى النقطة الثانية: أن ندعوهم إلى العلم، فهم عن عمد أو غير عمد يفهمون عنا هذه الكلمة خطأ، فيقولون ويظنون أننا نريد بالعلم أن يحفظوا الكتب الستة حفظاً، وأن يحيطوا بالعلوم كلها صغيرها وكبيرها، فمثل هذا نريد له توضيحاً الجواب نحن نعني بالعلم العلم المستقى من الكتاب والسنة، ونعني ثانياً: بأنه يجب على المسلمين أن يتعلموا لينجوا من هذه المسائل الأربع، أي: لينجوا من أن يقعوا في الخلاف، والخلاف قائم، فهم يرجون إبقاء هذا الخلاف بسبب بعدهم عن العلم، وكلما تعلم المسلم وزاد علمه كلما كان ناهياً عن الاختلاف، يقول الله تعالى في القرآن الكريم فضلاً عن النبي ﷺ : ﴿مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢] وهذا واقع الجماعات الإسلامية، فبماذا نقضي على هذا؟ نقضي على هذا بالعلم الصحيح، ثم نحن نريد من عامة المسلمين أن يتعلموا شيئين اثنين: ما يصححون به عقيدتهم، وما يصححون به عبادتهم، لا نريد من كل مسلم أن يكون علاَّمة في التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، فهذا له علماء يتخصصون فيه، وهذا فرض كفاية. فالعلم علمان كما يذكره العلماء جميعاً لا خلاف بينهم: علم فرض عين، وعلم فرض كفاية. فرض العين هو: ما يجب على كل مسلم أن يتعلمه، وأنا أضرب مثلين اثنين فقط: كل مسلم بالغ واجب عليه أن يصلي، لا يستثنى من هذه الصلاة أحد منهم، إذاً، كل مسلم فرض عليه أن يتعلم ما تصح به الصلاة شروط الصلاة، وأركانها، وواجباتها، هذا فرض على كل مسلم، فهل يقوم أفراد جماعة التبليغ في أنفسهم بهذا فضلاً أن يبلغوه الآخرين؟ الجواب: لا. فإذاً: هم تاركوا فرض عين فهم مؤاخذون. مثال آخر يقابل هذا: الحج إلى بيت الله الحرام، لا يجب الحج إلى بيت الله الحرام على كل مسلم بالغ مكلف، ذلك لأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] فقد لا يستطيع المسلم، إما لفقره، أو لمرضه، أو لأي سبب آخر، لا يستطيع أن يحج، فنقول له: لا يجب عليك أن تتعلم أحكام الحج، وهناك حجاج إلى بيت الله الحرام، لكنهم يخلون بهذا الفرض فلا يتعلمون أحكام الحج هؤلاء الذين يستطيعون الذهاب صار فرض عين عليهم أن يتعلموا أحكام الحج، أما الآخرون وهم الجمهور الذين لم يجب عليهم الحج فلا يجب عليهم تعلم الحج، من الذي يجب عليهم أن يتعلموا أحكام الحج؟ أولئك الفقهاء والعلماء الذين يتوجه الناس إليهم بالأسئلة؛ عليهم أن يكونوا على علم بما يتعرضون للسؤال عنه. فإذاً: نحن لا نريد من كل فرد من أي جماعة كانت أن يصير عالماً، وكما يقول المثل السوري: فلان عالم مثل الصحن الصيني، أي: من أي جزء منه يقرع يجيب فنحن نريد من كل فرد أن يقوم بالواجب الذي يجب عليه الصلاة تجب على كل شخص إذا بلغ سن التكليف، لكن الزكاة ليست كذلك، والحج ليس كذلك. فإذاً بعض هذه الأحكام فرض عين، ومن لم يفعل فهو آثم عند الله، ولذلك نرى جماعة التبليغ والإخوان المسلمين وحزب التحرير كجماعة، لا أقول: كل فرد منهم؛ لأني أعرف أن في الإخوان وفي كل الجماعات هذه أفراداً يمشون معنا على الخط السلفي؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يجادلنا بأن هذا الخط الذي نحن ماضون فيه هو الذي قال عنه ربنا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] لا أحد من هؤلاء يستطيع أن يجادلنا في هذا، ولذلك فنحن نعلم بالتجربة أن في كل هذه الجماعات أفراداً معنا على هذا الخط علماً وعملاً، لكن كجماعة كلهم لا يقومون بالفرض العيني، أقل شيء أن يعرفوا صلاة الرسول ﷺ كيف كان يصلي؛ لأنهم يعرفون، فهم إذاً لا يقومون بفرض العين، هذا الذي نريده منهم، لكن بالإضافة إلى هذا -كما ذكرت آنفاً- نريد منهم أن يكون فيهم علماء أحاطوا بقدر ممكن من العلم، بما يجب وجوباً عينياً وبما يجب وجوباً كفائياً، فإذا سأله السائل: أنا ذاهب إلى بيت الله الحرام، هل أحج -مثلاً- مفرداً، أم أحج قارناً، أم أحج متمتعاً؟ ربما يجيب مثل ما أجاب ذاك التركي الذي نصبه أبوه مفتياً، يمكن بعض إخواننا ما سمعوا النكتة، وبخاصة أنه طال الدرس، ويقولون: إن العلم جاف، فدعونا نبلها قليلاً بهذه النكتة: زعموا أن مفتياً عرض له سفر فقال لابنه: اخلفني من بعدي، فقال: يا أبي كيف أخلف من بعدك وأنا رجل لا أعلم؟ قال: لا عليك، أنا أدلك على طريقة يمشي بها حالك ريثما أعود، قال: هات طريقتك، قال: أنت تجلس على الكرسي في مكاني، وكلما جاءك سائل سألك أي سؤال فقل له: في المسألة قولان، وقال لابنه: جزاك الله خيراً، وسافر المفتي وجلس ابنه مكانه، والناس كالعادة المفتي هو الذي يعطيهم الجواب في مشاكلهم، وهذا لا يوجد عنده جواب إلا في المسألة قولان، كان السؤال -مثلاً-: أنا قلت لزوجتي: اذهبي أنت طالق، وكلما أحل لك شيخ حرم عليك شيخ إلخ، هذه طلقت مني أم لا؟ يا ابني في المسألة قولان: منهم من يقول: طلقت، ومنهم من يقول: ما طلقت أنا عملت كذا وكذا وجب علي الزكاة أم لا؟ المسألة فيها قولان: منهم من يقول: يجب، ومنهم من يقول: لا يجب! وعلى ذلك قيسوا أنتم؛ الأمر لا يحتاج إلى شرح كثير، أحد الأذكياء انتبه إلى المسألة أن عند هذا الشيخ روتيناً مثل المسجلة، لا يجيب بشيء جديد أبداً، إنما في المسألة قولان، في المسألة قولان، فقال لرجل بجانبه: اسأل الشيخ وقل له: أفي الله شك؟ فقال له: يا سيدي الشيخ! أفي الله شك؟ قال: في المسألة قولان!! الآن قد يأتي حاج قاصد للحج يسأل أحد المشايخ ممن لا علم عندهم من هذا العلم القائم على الكتاب والسنة: أيها أفضل: أحج يا شيخ مفرداً أم قارناً أم متمتعاً؟ فيقول له: هناك ثلاثة أقوال فأيها فعلت صح حجك، ويزيدها: من قلد عالماً لقي الله سالماً، وإن شاء الله ما يقول: قال رسول الله؛ لأن هذا لا أصل له، أما أنها كفقه فهي فقه، من قلد عالماً لقي الله سالماً، هذا يجب أن يكون في الأمة من يرفع عنها الحيرة ثلاثة أقوال في حجه! الرسول حج في زمانه حجة واحدة، كما تريد، إن شئت مفرداً، وإن شئت قارناً، وإن شئت معتمراً، لابد أن يكون الحق واحداً؛ لأن الحق لا يتعدد، ولذلك قال الرسول ﵇ في الحديث الذي تسمعونه دائماً، لكن قل من ينتبه لانحراف الناس عنه: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد) . إذاً: المسألة إما أن تكون خطأً وإما أن تكون صواباً، فهناك ثلاثة أقوال في مسألة الحج، الرسول ما حج في حياته المباركة إلا حجة واحدة في آخر حياته؛ لأنهم لا يعلمون، أو يعلمون لكن يحيدون، وكما يقال: أحلاهما مر. إن النبي ﷺ لما وقف على الصفا، فقال له رجل من الصحابة: يا رسول الله! عمرتنا هذه. لأن الرسول كان قارناً جامعاً بين الحج والعمرة، ومع أنه قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، فأحلوا أيها الناس!) أي: اجعلوا حجكم تمتعاً، قال ذلك السائل وهو في أسفل جبل الصفا، (يا رسول الله! عمرتنا هذه ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: بل لأبد الأبد) عمرتنا هذه لعامنا، أي: خصوصية لنا أصحاب الرسول أم هي للأبد، فقال: (بل هي لأبد الأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وشبك بين أصابعه ﵇ ماذا يريد المسلمون أوضح بياناً من هذا الكلام الممثل عملياً بتشبيك الأصابع؟ دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وإلى الآن تجد مشايخ كباراً يخيرون الحجاج أن تحج مفرداً، أو تحج قارناً، أو تحج متمتعاً الرسول ﷺ ألغى هذه الحجج كلها إلا حج القران، بشرط أن يسوق الهدي من ذي الحليفة وبالنسبة لنا هنا لا يوجد سوق الهدي، واحد يشتري الأغنام ويركبها معه في السيارة، وتجده مهتماً بمظهره ومتزيناً، ويمكن حالقاً لحيته من أجل العيد!! المقصود هذا غير واقع. إذاً: لم يبق عندهم؛ لأن الذي يحج قارناً ويسوق الهدي يكون جمع بين الحج والعمرة، يكون صدق عليه هذا الحديث، لكن نسي قول الرسول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي -أي: من ذي الحليفة - ولجعلتها عمرة، فأحلوا أيها الناس!) الذين ما ساقوا الهدي معناه أنهم يريدون القران فأمرهم بأن يتحللوا، حتى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كان في اليمن مبعوثاً من الرسول ﵇ كما ذكرنا آنفاً، فبلغه أن النبي ﷺ في هذه السنة حاج، فيمم شطر المسجد الحرام، لكنه لا يعرف ما نواه الرسول، فلبى بأنه حج كحجة الرسول ﵇، ولما جاء إلى مكة وطاف طواف القدوم دخل على زوجته فاطمة، فرآها حالة متهيئة لاستقبال زوجها، والبخور يعمل عمله في خيمتها، فقال لها: ما هذا؟! منكراً عليها، فأخبرته بأن هذا أمر النبي ﷺ في حديث: (أهل بيتي ﵇ جمعوا بين الحج والعمرة وتحللوا) فلما سمع ذلك منها ذهب إلى النبي ﷺ وهو لا يزال في إحرامه، أما زوجته فتحللت، فذكر علي للرسول ﵇ ما رأى من فاطمة، فقال له ﵇: (بماذا أهللت يا علي؟ قال: أهللت بإهلال النبي، قال: فأنا أهللت بالحج قارناً) وكان علي قد ساق الهدي معه، فقال له: (إذاً أمسك على إحرامك) فضل قارناً بينما زوجته متحللة. فإذاً: قول الرسول ﵇: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) لا يجوز للمسلم أن يحج حجاً مفرداً. ولماذا يلجأ كثير من الناس اليوم إلى حج ا
следующие страницы →