Полный текст (552 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
عدم اهتمامهم بالفقهيات
أما الفقرة الثانية فلا نوافقهم عليها، وهي الفقهيات، كيف هذا؟ كيف يتصور في جماعة يسمون أنفسهم بـ جماعة التبليغ، ماذا يريدون أن يبلغوا الناس؟ إما أن يبلغوا العقيدة وهم مع الأسف لا يفعلون، ولا أدري هذا لماذا لا يذكرونه؛ ولعلهم يعنون بالفقهيات ما هو أعم وأشمل.
إلى ماذا يدعون هم إذاً؟ أنا لا أريد أن أقول: إنهم يدعون إلى ما يمكن أن تدعو إليه كل طائفة متدينة على وجه الأرض، مهما كان نوع دينها، إلا اليهود، فأنتم تعلمون -مثلاً- أن جماعة التبشير من النصارى هم يدعون إلى الوصايا العشر: لا تسرق، لا تزن، لا تكذب إلخ، أيضاً هذه الأشياء يدعو إليها الإسلام، فإذا كان الجماعة لا يريدون أن يبحثوا في السياسة قلنا لهم: لا بأس مؤقتاً، لكن في الفقهيات يقول رسول الله: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين) .
أنا أعتقد جازماً أن هذه الفقرة سبب وضعها وتركها، هو نفس السبب الذي يحملهم على ترك خطبة الحاجة، ولعلكم لم تنسوا بعد ما هو السبب؟ هل لأنهم لا يؤمنون بقوله ﵊: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) ؟ هذه القاعدة التي أسسها ﵊ كما ذكرنا لكم آنفاً، ولذلك فإنهم لا يعرجون على هذه السنة المتروكة ولا يحيونها، كذلك لماذا أعرضوا عن الفقهيات؟ لأنهم لا فقه عندهم؛ لأن الفقه كما قال ابن القيم ﵀:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذراً من التعطيل والتشويه
فهم لا يبحثون في الفقهيات بزعم أنه يثير الخلاف، وهذا زعم يتسترون خلفه، والحقيقة أنهم لا يحسنون الفقه، كل واحد كما يقولون عندنا في الشام: جماعة التبليغ مثل الإخوان المسلمين، مثل حزب التحرير، لا فرق بينهم في نقطة واحدة، وهي: جماعة الإخوان المسلمين يجمعون بين السلفي والصوفي بين الحنفي والشافعي، والمالكي والحنبلي، وفي بعض الظروف بين السني وبين الشيعي، هكذا السياسة تقتضي.
حزب التحرير كذلك لا يهمهم، حتى لقد صرحوا أن من منهجهم أنهم لا يتبنون رأياً في العقيدة، هذا من حسناتهم، لكنها في نفسها سيئة، أما جماعة التبليغ فلم يصرحوا بهذا، لكن واقعهم أنهم لا يتبنون رأياً في العقيدة، كما أنهم من باب أولى لا يتبنون رأياً في الفقه، لماذا؟ لأن الفقه أُلف هناك من جماعة الأزهر الشريف كتاب اسمه: الفقه على المذاهب الأربعة، إذا أردت أن تضيع في غمرة الخلاف بين المذاهب الأربعة فاقرأ هذا الكتاب، حينئذ لا تخرج منه إلا وأنت مدوخ، لا تعرف إلى أي قول تذهب إليه وتتمسك به، كذلك دكاترة الجامعات اليوم يدرسون الفقه الذي يسمونه بالفقه المقارن على طريقة الفقه على المذاهب الأربعة، يقول لك: أبو حنيفة قال كذا وحجته كذا، والشافعي قال كذا، وحجته كذا إلخ، وبعد ذلك أين الحق الذي قال الله فيه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] ؟ ما المسئول عنها بأعلم من السائل! فإذاً: الذين لا يشتغلون بالفقهيات ليس السبب أنه يوقع الخلاف؛ لأن الرسول ﷺ الذي هو سيد البشر قاطبة، وأرجو أن تفهموا هذا وتحفظوه، من أسمائه: الفارق أو المفرق، كالقرآن، فإن القرآن من أسمائه الفرقان، لماذا رسول الله مفرق؟ لأنه فرق بدعوته بين المؤمن والكافر، وكان من نتائج ذلك أن فرَّق بين الوالد وولده، هذا كافر مشرك وهذا مؤمن مسلم، إذاً لماذا نحن نخاف أن نفرق؟ نخاف أن نفرق بالباطل، ولا ينبغي أن نخاف أن نفرق بالحق؛ لأن ربنا يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] لكن الحقيقة أنهم لا يعرفون الحق من الباطل، لا يعرفون الصواب من الخطأ، ولذلك تمثلوا بالمثل العامي: (الهريبي نصف الشجاعة) المقصود فهم عرفوا أنهم كما يقال أيضاً: (ليسوا حشو الكبدة) يأتون ويقولون مثلاً: قال أبو حنيفة: خروج الدم مهما قل فهو ناقض للوضوء، والإمام الشافعي يقول: مهما كثر فهو غير ناقض للوضوء، والإمام أحمد يقول، ومالك أيضاً معه من قبل: إن كان كثيراً نقض وإلا فلا ينقض، ماذا يريدون من هذه الدوشة؟ هذا الأمر يحتاج إلى اطلاع على أدلة المذاهب أولاًَ، ثم إجراء معادلة ومراجحة بين هذه الأدلة ثانياً، وهذا يتطلب -إضافة على وجوب معرفة أقوال العلماء- أن يعرف علم الحديث في مصطلحه، وعلم الجرح والتعديل في توثيقه وتجريحه، وهذا أكثر الدكاترة، ليس العامة من جماعة التبليغ وأمثالهم الذين يخرجون للدعوة وأمثالهم، هؤلاء لا يستطيعون، لكني كنت أستحسن منهم أن يقولوا كما يقولون، بالأمس القريب -كما ذكرنا لكم- كنا في مأدبة، وتكلمنا حول جماعات منها جماعة التبليغ فقال لي أحدهم ممن نحسن الظن به -لأنني حضضتهم على العلم- قال: لذلك مشايخنا يقولون لنا: اذهبوا إلى العلماء، فقلت لهم: نحن نريد أن تكونوا أنتم العلماء، أنتم الذين تهتمون بدعوة الأمة، ليس أنتم تذهبون إلى العلماء ثم تخرجون ولستم علماء.
стр. 142
عدم اهتمامهم بالدعوة إلى التوحيد
إذاً: تركهم الفقهيات لأنها تفرق، أنا أقولها صراحة وأرجو عدم المؤاخذة؛ لأن الحق أحق أن يقال: هذا عذر أقبح من ذنب، لماذا؟ لأنه أولاً: لا يعبر عن السبب الحقيقي، وثانياً: لابد من التفريق بين الحق والباطل، بين الصواب والخطأ، وبخاصة ما كان من ذلك متعلقاً بالعقيدة، وهم كما تسمعون -كما في الفقرة الثانية- يعدونها خلافيات هل هناك خلاف في التوحيد؟ كثير من الدكاترة يقولون: لا يوجد خلاف يا أخي، كل المسلمين يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله، هذا صحيح، ولكن القول شيء والفهم والإيمان شيء آخر، الكافر حينما تقوم قائمة الدولة المسلمة إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، خلص رأسه من خطفه عن بدنه، لكن هل نجا بذلك من الخلود في النار؟
الجواب
الشرط الأول: أن فهم المعنى الصحيح لهذه الكلمة أولاً، ثم آمن بهذا الفهم الصحيح ثانياً؛ نجا من الخلود في النار يوم القيامة.
فهل المسلمون اليوم كل المسلمين الذين يبلغون ألف مليون أو يزيدون، هل الألف مليون يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله؟ يمكن يكون منهم الدروز، هل هؤلاء اتفقوا على فهم هذه الكلمة فهماً صحيحاً ينجيهم من الخلود في النار يوم القيامة؟ الجواب: مع الأسف الشديد لم يتفقوا، ولذلك هم لما قالوا هذه الكلمة يعنون ما يقولون؛ لأننا إذا دخلنا في موضوع: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] فرقنا الصفوف، ونحن جماعة جمع، ولسنا جماعة تفريق، هذا لسان حالهم ومقالهم.
أما نحن معشر السلف فنقولها صراحة، ولكن قبل أن نقولها ندعم مذهبنا بما كان عليه رسول الله ﷺ ، فنحن مفرقون نفرق بين الحق والباطل، بين المحقين وبين المبطلين، ولا نساوي بين المحقين والمبطلين كما يفعل غيرنا من الآخرين.
لما كنت في دمشق كان هناك رسالة ألفها أحد شيوخ الطريقة الشاذلية، وأصله مغربي، عنوان الرسالة: لا إله إلا الله، ليس هناك أجمل من هذا، وتدخل في الداخل: لا إله إلا الله، أي: لا رب إلا الله، هكذا فسر الآية الكريمة، ولو أن كافراً قال: لا إله إلا الله بهذا المعنى الذي شرحه هذا الشاذلي ما أفاده شيئاً لا في الدنيا ولا في الأخرى، لماذا؟ لأن المشركين كانوا يقولون: لا رب إلا الله، لكنهم إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون، إذاً: هم بعروبتهم الأصيلة كانوا يعرفون معنى كلمة التوحيد على الوجه الصحيح، ولكن معرفتهم هذه لم تغنهم شيئاً؛ لأنهم كفروا بهذا المعنى الصحيح، وعلى العكس من ذلك؛ فبعض المسلمين حينما يقولون: لا إله إلا الله، المشركون لا يقولون: لا إله إلا الله؛ لأنهم إذا قالوا: لا إله إلا الله، نافقوا وهم يريدون أن يعلنوا، فهم يعلمون معنى (لا إله إلا الله) لذلك لا يقولون.
المسلمون لا يعلمون معنى: (لا إله إلا الله) إلا القليل منهم، ولذلك هم يقولون كلهم: لا إله إلا الله، ولكن إذا أردت أن تبين لهم أن ما يفعلونه من الإتيان إلى الأولياء والصالحين، والذبح عندهم، والنذر لهم، والحلف بهم، والصلاة عند مقابرهم إلخ، فهذا كافر بلا إله إلا الله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) ليس المعنى الذي ذكرناه عن الشاذلي: لا رب إلا الله، وإنما معناه: لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، وحينما يفهم المسلم كلمة الشهادة هذه الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله) فهماً صحيحاً؛ فيجب أن يطبقه تطبيقاً صحيحاً كما فهمه فهماً صحيحاً، ومن هنا يظهر الفرق بين الذين يؤمنون بلا إله إلا الله بالمفهوم الصحيح، وبين الذين يؤمنون بلا إله إلا الله بالمفهوم غير الصحيح، تختلف تصرفاتهم في هذه الحياة.
لن تجد مؤمناً بهذه الكلمة الطيبة على المعنى الصحيح يذبح لغير الله، وينذر لغير الله، ويحلف بغير الله، ويصلي لغير الله عند قبور الأولياء والصالحين، لن تجد عند هؤلاء شيئاً من ذلك، بينما الآخرون الله أكبر!! يذهبون عند من يسمى بسيدي شعيب، وانظروا إلى النذور هناك! ومن نذر لغير الله فهو ملعون، كما قال ﵇: (من ذبح لغير الله فهو ملعون) كيف ملعون وهو يقول: لا إله إلا الله؟! لم يفهم لا إله إلا الله.
ولذلك فالدعوة إلى الإسلام بصورة غير مفهومة للأنام، هذه ليست دعوة الإسلام، وإنما هي دعوة إلى جانب من جوانب الإسلام.
стр. 143
نصائح لجماعة التبليغ
وخير لهؤلاء الإخوان الطيبين من جماعة التبليغ شيئان اثنان: الأول: ننصحهم دائماً أن يتفرغوا لطلب العلم ولا يتفرغوا للدعوة؛ لأن للدعوة رجالاً، وقد قلت لهم هناك وفي كل مكان: هل تعلمون أن النبي ﷺ أرسل بالعشرات والعشرينات من الدعاة إلى المشركين، أو أرسل أفراداً من نخبة الصحابة كـ علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، ودحية الكلبي، هؤلاء الدعاة هم الذي كان الرسول ﵇ يرسلهم، ومرة واحدة وقعت أن أرسل سبعين من قراء الصحابة، وبهذه المناسبة يجب أن تعلموا أن معنى قراء الصحابة هم علماؤهم؛ لأننا لا نتصور يومئذ قارئاً كقرائنا اليوم يحسنون القراءة والتجويد والترتيل، لكن لا يفقهون ما يقرءون من القرآن شيئاً، الصحابة لم يكونوا هكذا.
فذهبوا إلى قبيلة مشركة، وطلبوا منهم أن ينزلوا ليدعوا إلى الله ، فأعطوهم الأمان ثم غدروا بهم فقتلوهم، قتلوا سبعين من قراء أصحاب الرسول ﵇، ولما بلغه خبر قتلهم قال أنس بن مالك: (فما رأيت رسول الله ﷺ وجد على ناس كما وجد على هؤلاء القراء! فكان يدعو عليهم ويقول في صلاة الفجر وغيرها: اللهم اللعن رعلاً وذكوان) وقبائل أخرى سماها ﵇؛ لأنهم قتلوا هؤلاء الصحابة من القراء الكبار.
هكذا كان رسول الله ﷺ يرسل علماء، فما بال هؤلاء المسئولين من جماعة التبليغ ورئيسهم هناك في باكستان أو في الهند يرسل دعاة لا علم عندهم؛ لأنه لو كان عندهم علم لعلموا أنه يجب أن يقتدوا بالرسول ﵇، وماذا فعل الرسول؟ إلى ماذا دعا الرسول حينما أنزل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١-٣] ؟ دعا كما دعت الرسل من قبل إلى أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، فما لهؤلاء الناس لا يدعون إلى ما دعا إليه الرسول ﵊، وإلى ما دعا إليه الصحابة الكرام بتعليم الرسول ﵊؟ جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: (ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) فهؤلاء جميعاً من كل الجماعات التي ذكرناها آنفاً، من الإخوان المسلمين، من حزب التحرير، من جماعة التبليغ، لا يكون أول ما يدعون إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا له سبب سبق أن ذكرته وأجمله الآن:
стр. 144
أسباب إهمالهم الدعوة إلى التوحيد
أولاً: لظنهم أن المسلمين ليسوا بحاجة؛ لأن كل مسلم يقول: لا إله إلا الله، إذاًَ ندعوهم إلى ماذا؟! هذا اسمه: تحصيل حاصل، لكن الواقع أن المقصود: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله أول ما تدعوهم؛ لأنهم كانوا عرباً، ولذلك -كما شرحت آنفاً- كانوا إذا قيل: (لا إله إلا الله) يستكبرون؛ لأنهم يفهمون أن معنى: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، أما الرب فما كانوا ينكرونه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] اليوم المسلمون لا يفهمون شهادة التوحيد كما فهمها العرب، لكن هم يؤمنون بلفظها ويكفرون بمعناها، فلماذا لا تشتغل هذه الجماعات بدعوة المسلمين للتوحيد الصحيح؟ السبب أنهم لا يعلمون واقع المسلمين اليوم أنهم منحرفون عن التوحيد الصحيح.
السبب الثاني وهو أهم بالنسبة إليهم: هم أنفسهم لا يعلمون حقيقة معنى (لا إله إلا الله) ولذلك لا يدعون الناس إلى معنى: (لا إله إلا الله) كما أنهم لا يدعون الناس إلى أن يشهدوا أن محمداً رسول الله، لماذا؟ لنفس السببين: السبب الأول: أنهم يشهدون أن محمداً رسول الله، وأنا أعتقد أنهم كذلك، لكن يخالفون هذه الشهادة؛ لأنه يلزم من التصديق بأن محمداً رسول الله ألا يتقدم المسلمون بين يدي رسول الله برأي أو باجتهاد أو بنظام إلخ، وهذا مع الأسف موجود وواقع، وأوضح مثال قضية الاستحسان، الاستحسان في بعض المذاهب قيل بأنه دليل شرعي، وفي المجتمع الإسلامي هو قائم على قدم؛ لأنهم يقولون: هذه بدعة حسنة، وماذا فيها يا أخي! إلخ.
أيضاً: يجب على الدعاة الإسلاميين أن يبدءوا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بياناً وشرحاً وليس لفظاً فقط.
إذاً: لا يجوز أن نقول: ندع الفقهيات وندع الخلافيات؛ لأن معنى ذلك: أن ندع الدعوة إلى شهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
أيضاً: لا ينقدون الجماعات الإسلامية أنا سلفي وأنت خلفي، لا تنتقدني لماذا؟ لأني على حق أم على باطل؟ قالوا: لا.
هذا يفرق ما الفائدة إذاً من دعوتك إذا تركتني في ضلالي؟ وما الفائدة من دعوتي إذا تركتك في ضلالك؟ وهكذا يجب أن نقول كلمة الحق، ولهذا لم يقرءوا في كتاب حياة الصحابة أن النبي ﷺ أوصى أبا ذر بعدة وصايا ومنها: (ألا تأخذه في الله لومة لائم) هذه فقرة ووصية من وصايا الرسول ﵇ لـ أبي ذر، فيجب إذاً أن نتعلم وأن نعمل بما نعلم، والإعراض عن التمسك بهذه الفقرات الأربع معناها: إعراض عن التمسك بالإسلام الذي جاء به ﵊.
стр. 145
العلم النافع هو علم الكتاب والسنة
السؤال
بالنسبة إلى النقطة الثانية: أن ندعوهم إلى العلم، فهم عن عمد أو غير عمد يفهمون عنا هذه الكلمة خطأ، فيقولون ويظنون أننا نريد بالعلم أن يحفظوا الكتب الستة حفظاً، وأن يحيطوا بالعلوم كلها صغيرها وكبيرها، فمثل هذا نريد له توضيحاً
الجواب
نحن نعني بالعلم العلم المستقى من الكتاب والسنة، ونعني ثانياً: بأنه يجب على المسلمين أن يتعلموا لينجوا من هذه المسائل الأربع، أي: لينجوا من أن يقعوا في الخلاف، والخلاف قائم، فهم يرجون إبقاء هذا الخلاف بسبب بعدهم عن العلم، وكلما تعلم المسلم وزاد علمه كلما كان ناهياً عن الاختلاف، يقول الله تعالى في القرآن الكريم فضلاً عن النبي ﷺ : ﴿مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢] وهذا واقع الجماعات الإسلامية، فبماذا نقضي على هذا؟ نقضي على هذا بالعلم الصحيح، ثم نحن نريد من عامة المسلمين أن يتعلموا شيئين اثنين: ما يصححون به عقيدتهم، وما يصححون به عبادتهم، لا نريد من كل مسلم أن يكون علاَّمة في التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، فهذا له علماء يتخصصون فيه، وهذا فرض كفاية.
فالعلم علمان كما يذكره العلماء جميعاً لا خلاف بينهم: علم فرض عين، وعلم فرض كفاية.
فرض العين هو: ما يجب على كل مسلم أن يتعلمه، وأنا أضرب مثلين اثنين فقط: كل مسلم بالغ واجب عليه أن يصلي، لا يستثنى من هذه الصلاة أحد منهم، إذاً، كل مسلم فرض عليه أن يتعلم ما تصح به الصلاة شروط الصلاة، وأركانها، وواجباتها، هذا فرض على كل مسلم، فهل يقوم أفراد جماعة التبليغ في أنفسهم بهذا فضلاً أن يبلغوه الآخرين؟ الجواب: لا.
فإذاً: هم تاركوا فرض عين فهم مؤاخذون.
مثال آخر يقابل هذا: الحج إلى بيت الله الحرام، لا يجب الحج إلى بيت الله الحرام على كل مسلم بالغ مكلف، ذلك لأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] فقد لا يستطيع المسلم، إما لفقره، أو لمرضه، أو لأي سبب آخر، لا يستطيع أن يحج، فنقول له: لا يجب عليك أن تتعلم أحكام الحج، وهناك حجاج إلى بيت الله الحرام، لكنهم يخلون بهذا الفرض فلا يتعلمون أحكام الحج هؤلاء الذين يستطيعون الذهاب صار فرض عين عليهم أن يتعلموا أحكام الحج، أما الآخرون وهم الجمهور الذين لم يجب عليهم الحج فلا يجب عليهم تعلم الحج، من الذي يجب عليهم أن يتعلموا أحكام الحج؟ أولئك الفقهاء والعلماء الذين يتوجه الناس إليهم بالأسئلة؛ عليهم أن يكونوا على علم بما يتعرضون للسؤال عنه.
فإذاً: نحن لا نريد من كل فرد من أي جماعة كانت أن يصير عالماً، وكما يقول المثل السوري: فلان عالم مثل الصحن الصيني، أي: من أي جزء منه يقرع يجيب فنحن نريد من كل فرد أن يقوم بالواجب الذي يجب عليه الصلاة تجب على كل شخص إذا بلغ سن التكليف، لكن الزكاة ليست كذلك، والحج ليس كذلك.
فإذاً بعض هذه الأحكام فرض عين، ومن لم يفعل فهو آثم عند الله، ولذلك نرى جماعة التبليغ والإخوان المسلمين وحزب التحرير كجماعة، لا أقول: كل فرد منهم؛ لأني أعرف أن في الإخوان وفي كل الجماعات هذه أفراداً يمشون معنا على الخط السلفي؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يجادلنا بأن هذا الخط الذي نحن ماضون فيه هو الذي قال عنه ربنا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] لا أحد من هؤلاء يستطيع أن يجادلنا في هذا، ولذلك فنحن نعلم بالتجربة أن في كل هذه الجماعات أفراداً معنا على هذا الخط علماً وعملاً، لكن كجماعة كلهم لا يقومون بالفرض العيني، أقل شيء أن يعرفوا صلاة الرسول ﷺ كيف كان يصلي؛ لأنهم يعرفون، فهم إذاً لا يقومون بفرض العين، هذا الذي نريده منهم، لكن بالإضافة إلى هذا -كما ذكرت آنفاً- نريد منهم أن يكون فيهم علماء أحاطوا بقدر ممكن من العلم، بما يجب وجوباً عينياً وبما يجب وجوباً كفائياً، فإذا سأله السائل: أنا ذاهب إلى بيت الله الحرام، هل أحج -مثلاً- مفرداً، أم أحج قارناً، أم أحج متمتعاً؟ ربما يجيب مثل ما أجاب ذاك التركي الذي نصبه أبوه مفتياً، يمكن بعض إخواننا ما سمعوا النكتة، وبخاصة أنه طال الدرس، ويقولون: إن العلم جاف، فدعونا نبلها قليلاً بهذه النكتة: زعموا أن مفتياً عرض له سفر فقال لابنه: اخلفني من بعدي، فقال: يا أبي كيف أخلف من بعدك وأنا رجل لا أعلم؟ قال: لا عليك، أنا أدلك على طريقة يمشي بها حالك ريثما أعود، قال: هات طريقتك، قال: أنت تجلس على الكرسي في مكاني، وكلما جاءك سائل سألك أي سؤال فقل له: في المسألة قولان، وقال لابنه: جزاك الله خيراً، وسافر المفتي وجلس ابنه مكانه، والناس كالعادة المفتي هو الذي يعطيهم الجواب في مشاكلهم، وهذا لا يوجد عنده جواب إلا في المسألة قولان، كان السؤال -مثلاً-: أنا قلت لزوجتي: اذهبي أنت طالق، وكلما أحل لك شيخ حرم عليك شيخ إلخ، هذه طلقت مني أم لا؟ يا ابني في المسألة قولان: منهم من يقول: طلقت، ومنهم من يقول: ما طلقت أنا عملت كذا وكذا وجب علي الزكاة أم لا؟ المسألة فيها قولان: منهم من يقول: يجب، ومنهم من يقول: لا يجب! وعلى ذلك قيسوا أنتم؛ الأمر لا يحتاج إلى شرح كثير، أحد الأذكياء انتبه إلى المسألة أن عند هذا الشيخ روتيناً مثل المسجلة، لا يجيب بشيء جديد أبداً، إنما في المسألة قولان، في المسألة قولان، فقال لرجل بجانبه: اسأل الشيخ وقل له: أفي الله شك؟ فقال له: يا سيدي الشيخ! أفي الله شك؟ قال: في المسألة قولان!! الآن قد يأتي حاج قاصد للحج يسأل أحد المشايخ ممن لا علم عندهم من هذا العلم القائم على الكتاب والسنة: أيها أفضل: أحج يا شيخ مفرداً أم قارناً أم متمتعاً؟ فيقول له: هناك ثلاثة أقوال فأيها فعلت صح حجك، ويزيدها: من قلد عالماً لقي الله سالماً، وإن شاء الله ما يقول: قال رسول الله؛ لأن هذا لا أصل له، أما أنها كفقه فهي فقه، من قلد عالماً لقي الله سالماً، هذا يجب أن يكون في الأمة من يرفع عنها الحيرة ثلاثة أقوال في حجه! الرسول حج في زمانه حجة واحدة، كما تريد، إن شئت مفرداً، وإن شئت قارناً، وإن شئت معتمراً، لابد أن يكون الحق واحداً؛ لأن الحق لا يتعدد، ولذلك قال الرسول ﵇ في الحديث الذي تسمعونه دائماً، لكن قل من ينتبه لانحراف الناس عنه: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد) .
إذاً: المسألة إما أن تكون خطأً وإما أن تكون صواباً، فهناك ثلاثة أقوال في مسألة الحج، الرسول ما حج في حياته المباركة إلا حجة واحدة في آخر حياته؛ لأنهم لا يعلمون، أو يعلمون لكن يحيدون، وكما يقال: أحلاهما مر.
إن النبي ﷺ لما وقف على الصفا، فقال له رجل من الصحابة: يا رسول الله! عمرتنا هذه.
لأن الرسول كان قارناً جامعاً بين الحج والعمرة، ومع أنه قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، فأحلوا أيها الناس!) أي: اجعلوا حجكم تمتعاً، قال ذلك السائل وهو في أسفل جبل الصفا، (يا رسول الله! عمرتنا هذه ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: بل لأبد الأبد) عمرتنا هذه لعامنا، أي: خصوصية لنا أصحاب الرسول أم هي للأبد، فقال: (بل هي لأبد الأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وشبك بين أصابعه ﵇ ماذا يريد المسلمون أوضح بياناً من هذا الكلام الممثل عملياً بتشبيك الأصابع؟ دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وإلى الآن تجد مشايخ كباراً يخيرون الحجاج أن تحج مفرداً، أو تحج قارناً، أو تحج متمتعاً الرسول ﷺ ألغى هذه الحجج كلها إلا حج القران، بشرط أن يسوق الهدي من ذي الحليفة وبالنسبة لنا هنا لا يوجد سوق الهدي، واحد يشتري الأغنام ويركبها معه في السيارة، وتجده مهتماً بمظهره ومتزيناً، ويمكن حالقاً لحيته من أجل العيد!! المقصود هذا غير واقع.
إذاً: لم يبق عندهم؛ لأن الذي يحج قارناً ويسوق الهدي يكون جمع بين الحج والعمرة، يكون صدق عليه هذا الحديث، لكن نسي قول الرسول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي -أي: من ذي الحليفة - ولجعلتها عمرة، فأحلوا أيها الناس!) الذين ما ساقوا الهدي معناه أنهم يريدون القران فأمرهم بأن يتحللوا، حتى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كان في اليمن مبعوثاً من الرسول ﵇ كما ذكرنا آنفاً، فبلغه أن النبي ﷺ في هذه السنة حاج، فيمم شطر المسجد الحرام، لكنه لا يعرف ما نواه الرسول، فلبى بأنه حج كحجة الرسول ﵇، ولما جاء إلى مكة وطاف طواف القدوم دخل على زوجته فاطمة، فرآها حالة متهيئة لاستقبال زوجها، والبخور يعمل عمله في خيمتها، فقال لها: ما هذا؟! منكراً عليها، فأخبرته بأن هذا أمر النبي ﷺ في حديث: (أهل بيتي ﵇ جمعوا بين الحج والعمرة وتحللوا) فلما سمع ذلك منها ذهب إلى النبي ﷺ وهو لا يزال في إحرامه، أما زوجته فتحللت، فذكر علي للرسول ﵇ ما رأى من فاطمة، فقال له ﵇: (بماذا أهللت يا علي؟ قال: أهللت بإهلال النبي، قال: فأنا أهللت بالحج قارناً) وكان علي قد ساق الهدي معه، فقال له: (إذاً أمسك على إحرامك) فضل قارناً بينما زوجته متحللة.
فإذاً: قول الرسول ﵇: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) لا يجوز للمسلم أن يحج حجاً مفرداً.
ولماذا يلجأ كثير من الناس اليوم إلى حج ا
стр. 146
العلم الواجب هو ما تصح به العقائد والعبادات
العلم العلم! عليكم بطلب العلم على التفصيل السابق، لا نريدكم أن تكونوا جميعاً علماء، لكن نريدكم أن تكونوا علماء لما يجب عليكم من العلم أن تكونوا علماء بصلاتكم أن تكونوا علماء بصيامكم؛ لأن الصوم كالصلاة، أما أن تكونوا علماء بالزكاة ولم تجب عليكم الزكاة، أو أن تكونوا علماء في الحج ولم يجب عليكم الحج، فلا نكلفكم بهذا، دعوا هذا الجانب من العلم وهو العلم الكفائي للعلماء المتخصصين، أما العلم الأول فنلزمكم به إلزاماً؛ لأن الله أمركم بذلك، والنبي ﷺ قد قال في الحديث الصحيح: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) يعني: العلم العيني، أما زيادة (ومسلمة) فهي غير صحيحة روايةً، ولسنا بحاجة إليها دراية؛ لأنها من حيث المعنى تدخل في عموم لفظة (مسلم) ، ولذلك فالرسول ما نطق بلفظة: (ومسلمة) ، وهذا من جهل الناس بلغتهم العربية، أكثرهم يروون الحديث بهذه الزيادة (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) هذه الزيادة باطلة في نسبتها إلى النبي ﷺ ، ولا حاجة إليها لغةً؛ لأنها تدخل في عموم قوله ﵇: (مسلم) وكفى الله المؤمنين القتال، وجعل لنا في القدر كفاية.
стр. 147
الدعاء الجماعي الذي تفعله جماعة التبليغ
السؤال
هناك أمور تخصصها جماعة التبليغ مثل الدعاء بعد الدرس بشكل جماعي، والدعاء قبل الخروج في الجولة، ووضع إنسان على الذكر أثناء الجولة يسمونه (الدينمو) إذا غفل تفسد الجولة؟ فما حكم ذلك؟
الجواب
نقول: هذه الأمور كلها من الحوادث ومن البدع، ويكفي المسلم السني المتمسك بالسنة البحث السابق، أن هذا ليس من عمل السلف، واسترحنا منه، وإلا فكل من جاءنا بشيء اتبعناه فيه؛ ومن هنا جاءت البدع.
عندنا في الشام طريقة من طرق الصوفية اسمها النقشبندية، هذه الطريقة تختلف عن الطرق الأخرى بضلالة تفوق الطرق الأخرى كلها، وهي ما يسمونها بالمراقبة، وأنا أظن أن هؤلاء أقاموا مقام المراقبة هذه الضلالة، ما هي المراقبة في الطريقة النقشبندية؟ يفرضون على المريد إذا جاء يريد أن يأخذ الطريق من الشيخ، فيبايعه على الطريق، ويشترط عليه أنه إذا جلس يذكر الله فلا يجوز له أن يراقب الله، وإنما يراقب الشيخ؛ لأن هذا المريد لا يستطيع أن يصل إلى الله إلا بطريق هذا الشيخ، أما اتباع سنة رسول الله فهذه لا توصله إلى الله، إنما الشيخ هو الذي يوصله، ويذكرون -وهذا في رسائل مطبوعة- أن أحد المشايخ كان يمشي مع مريد له بعد أن أخذ منه البيعة أن يطيعه، قياساً على أخذ الخضر ﵇ البيعة من موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً﴾ [الكهف:٦٦-٦٧] .
ومشى الشيخ والمريد حتى وصلا إلى شط البحر، فأخذ الشيخ بيد المريد يريد أن يخوض في البحر، وتعرفون أن البحر يتدرج، تقول القصة -وهم مؤمنون بأن هذه القصة صحيحة ومطبوعة-: لما أحس المريد بالغرق جاء يريد أن يستغيث بالله ، فقال له الشيطان: كيف تستغيث بالله وتترك الشيخ؟ فقام الشيخ وكاشف المريد -بزعمه- وعرف ما هي وسوسة الشيطان: أنه لا يجوز أن تستغيث بالشيخ وتترك رب العالمين، فقال له الشيخ: بماذا أوصيتك أنا؟ لا بد أن تتبعني، فاستغاث بالشيخ ومشى معه في البحر إلى أن وصلوا إلى الشط الثاني!! كفر بالله وأنقذه الشيخ من الشيطان! وكان الشيطان الذي لا ينصح هو الناصح! الشاهد: هذا مما يقولون هناك هو من فوائد ربط المريد قلبه بقلب الشيخ، فيقولون: إذا جلست تذكر الله لا تراقب رب العالمين؛ لأنك لا تستطيع، وإنما راقب الشيخ.
وظهرت في الآونة الأخيرة قبل أن آتي هنا بأكثر من أحد عشر سنة ظاهرة في بيوت هؤلاء النقشبنديين، مثل هذه الغرفة إذا كانت القبلة هكذا -مثلاً- فصورة الشيخ في صدر المكان، وحولها لمبات نور، بحيث أن المريد تتجلى له هذه الصورة التي ينبغي أن يراقبها ولا يراقب رب العالمين ﵎، هذه يسمونها رابطة، وباللغة الأعجمية يسمونها رابطة شريفة، هكذا يلقنون مريديهم، من أين جاءت هذه الرابطة؟ استحسنوها لربط قلب المريد بقلب الشيخ.
من أين جاءوا بهذا الذي يجلس في المسجد يذكر الله (الدينمو) ويمد الجماعة هناك بمدده؟ هذا أولاً: يفترض أن يكون من الصالحين، هذا المفروض حتى يكون مخلصاً في ذكره، وارتباطه مع ربه إلخ، ومعنى هذا أن الرجل ورطوه، أعطوه صفة رجل صالح، وأنه هو الذي يمدهم بالتوفيق في خروجهم في دعوتهم، فلا شك أن هذا من البدع الكثيرة وما قبلها كذلك.
السائل: الدعاء بعد البيان والدرس بشكل جماعي؛ أحدهم يدعو والبقية يؤمنون، وكذلك الدعاء قبل الخروج إلى الجولة، بعد تشكيل الجولات يخرجون فيقف على باب المسجد فيدعون بدعاء متعلق بالجولة، ما حكم هذا؟ الشيخ: كل هذا يأتي من الجهل بالسنة، ونسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا.
стр. 148
جهل جماعة التبليغ بالتفريق بين السنة التعبدية والعادية
السؤال
تقول جماعة التبليغ: إن السنة للمدرس أن يلقي درسه جالساً، أما الداعي فالسنة أن يدعو إلى الله وهو قائم على رجليه ممسكاً بعصا فهل هذا صحيح؟
الجواب
مجال للتوسع أنهم لا يفرقون بين السنة التعبدية والسنة العادية الرسول ﵊ كان له عصا تسمى بالمحجم لها عكفة، وكانت تنصب له في العراء إذا صلى، خاصة في المصلى كانت تنصب له ليصلي إليها، فهذه كان يستعملها الرسول ﵇ للحاجة، كما جاء في قصة موسى ﵇ حينما سأله ربنا : ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٧-١٨] يدفع عن نفسه الوحوش من الحيوانات، من البشر إلخ، لكن إذا خرج من بيته إلى المسجد، وهو قوي البنية شاب، فلماذا يتكئ عليها؟! لكن أنا أدري ما هو السبب: إنهم أولاً: لا يعرفون هذه القاعدة: التفريق بين سنة العادة وسنة العبادة، سنة العبادة: هي التي نقتدي فيها بالرسول ﵇، أما سنة العادة فلم نكلف باتباع الرسول ﵇ فيها، مثلاً: أنا هنا أنظر أشكالاً وألواناً من العمائم، واحد وضع عمامة بيضاء وفوقها عقالاً، فهذا خالف السنة بزعمهم، وآخر وضع بيضاء ليس فيها عقال، هذا وافق السنة بزعمهم، وثالث وضع حمراء أو نقاطاً حمراء إلخ، هذا خالف السنة، أو وضع قلنسوة مزخرفة فيها نقوش جميلة، أيضاً خالف السنة! كل هذه القضايا ليس لها علاقة بالسنة التعبدية، هذه سنة العادات سنة العادات تختلف عن سنة العبادات، فهذا هو السبب الأول في أنهم جعلوا الداعية يدعو وهو قائم متكئ على عصا.
السبب الثاني: وهذا يجب أن تحفظوه جيداً؛ لأنه منهج علمي، أنهم يقرءون في الأحاديث: (العصا سنة الأنبياء) وهذا حديث موضوع، فهم لا يفرقون بين حديث صحيح وحديث ضعيف، فيعتمدون على الحديث الموضوع كما يعتمدون على العصا، وكل هذا الاعتماد ليس بالذي يحسن من مسلم أن يعتمد عليه.
والبحث في الحقيقة طويل وطويل جداً، لكنني أريد أن أقول: على هؤلاء أن يعنوا بدراسة السنة، فهي كما قال ﵊: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض) وأخونا أبو الحارث يبشرنا بأن الخصلة الأخيرة هذه -ما يسمونه بالدينمو- بدأت تقل، وأنا أرجو أن يكون هذا من أثر الدعوة السلفية التي تبصر الناس جميعاً بدينهم، وإن كانوا هم أحزاباً متفرقين، لكنهم من الناحية العلمية لا يستغنون عن التثقف بالثقافة السلفية، أنا أعلم من القديم -وأنا أظن أن هذا نسياً منسياً- عن جماعة التبليغ أنهم كانوا إذا جلسوا على مائدة الطعام أو سفرة الطعام بدءوا بالملح، ولو بشيء بسيط، لماذا؟ لأنه هناك حديث: (من بدأ طعامه بالملح كُفي شر سبعين داء) وكذلك حديث: (العصا سنة الأنبياء) حديث لا أصل له؛ ولأنهم يعيشون هكذا سبهللاً بين التراث من الأحاديث التي فيها ما هب ودب مما صح وما لم يصح، فهم يعملون بكل ما يسمعون، ليس عندهم علم، لا أقول بالنسبة للعامة الآن، أنا أعني خاصتهم؛ لأننا قدمنا مثالاً آنفاً حينما تكلمنا عن كتاب حياة الصحابة، وأن فيه ما هب ودب، فهم يستقون من هذا المعين، وفيه الشيء العكر الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وبهذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين.
стр. 149
ما يجب على جماعة التبليغ أن تفعله
السؤال
خلاصة للأجوبة التي سمعناها: هل أنتم تدعون إلى حل جماعة التبليغ حلاً مطلقاً، على الرغم من النفع العظيم الذي حصل عليه كثير من العوام، أم أنكم تدعون إلى إبقائها ولكن مع إجراء تصحيحات لما يفعلونه من مخالفات شرعية وأصول بدعية؟
الجواب
سبق الجواب عن هذا السؤال ضمناً حينما قلنا هناك وهنا: عليكم أن تتعلموا قبل أن تخرجوا، هذا هو الجواب.
مداخلة: بمعنى تصحيح؟ الشيخ: تصحيح الطريق الذي يسلكونه.
مداخلة: سمعنا عنك تخريجاً للأحاديث ومختصرات كثيرة، كذلك لابد من جهدك -إن شاء الله- في هذا الكتاب أن توليه العناية.
الشيخ: أنا أقول: أرجو الله أن يوفقني لتحقيق هذا الاقتراح، وادعوا لنا في ظهر الغيب.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 150
الفرقة الناجية
الفرقة الناجية هي المتبعة لما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، فهي بقية السلف، والمتفردة باتباع الكتاب والسنة بين بقية الفرق التي عصفت بها الأهواء، وذهب بها الرأي والشبهات كل مذهب.
وقد بين شيخ الإسلام في رسالة تناولت هذا الموضوع: أن أهل الحديث هم الفرقة الناجية، وأورد الأدلة على ما ذهب إليه في هذا الشأن، وهنا ذكر الشيخ الألباني هذه الرسالة لبيان مذهب أهل السنة، وهو المذهب الذي ورثه الصحابة عن نبيهم وورثوه لمن بعدهم.
стр. 151
كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الفرقة الناجية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وقفتُ على مقالٍ لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀، فيه بيان فضل أهل الحديث، وأن أهل الحديث هم الفرقة الناجية، وأنهم هم الذين ينبغي أن يتدين المسلم وأن يتمذهب بمذهبهم.
وكل من كان عنده شيء من الثقافة الإسلامية الصحيحة يعلم من هو شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀، وبأوجز عبارة يمكن لمن لم يكن له ثقافة ما، أو معرفة ما بفضل هذا الرجل العالم، أن يعرف حقيقة علمه وفضله، إذا ما عرف أنه قد تيسر لبعض طلاب العلم في هذا الزمن، أن يجمع من فتاواه ورسائله التي ألفها جواباً على أسئلة السائلين له من مختلف البلاد الإسلامية في زمانه خمسة وثلاثين مجلداً من هذا القياس المعروف.
فشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وجزاه عن الإسلام والسنة خيراً، هو في الواقع من نوادر العلماء الذين رفعوا راية السنة عالية، وقضى بها على مختلف البدع الدخيلة في الإسلام، سواءً ما كان منها من بدع فلسفية، أو اعتقادية، أو فقهية، أو صوفية، أو أي بدعة كانت يتبرأ الإسلام منها، فـ شيخ الإسلام كان هو الإمام الوحيد الذي انبرى لمخالفة كل أصحاب البدع على اختلاف أنواعهم، وطرقهم، ومذاهبهم.
لذلك رأيتُ من الواجب عليَّ أن أذكر لكم شيئاً من كلام هذا الرجل، وخاصة أن هذا الكلام هو فيما ندعو إليه منذ أكثر من ثلث قرن من الزمان، ألا وهو: اتباع الكتاب والسنة، وعدم التمذهب بسوى هذا المذهب، ألا وهو مذهب أهل الحديث؛ لذلك أرى أن أذكر لكم فصلاً من كلامه؛ لتتبينوا أهمية مذهب أهل السنة، وهو المذهب الذي ورثه النبي ﷺ لأصحابه، وهؤلاء بدورهم ورَّثوه مَن بعدَهم ثم لم يزل كلُّ مَن جاء مِن بعدِهم، وكان يهتدى بهديهم، لا يرضى بسوى السنة له مذهباً.
стр. 152
أهل العلم والدين ورثة رسول رب العالمين
يقول شيخ الإسلام: بسم الله الرحمن الرحيم " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] ، العالم بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، الذي ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
الذي ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨] .
﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠] .
الذي دلَّ على وحدانيته في إلَهِيَّته أجناسُ الآيات، وأبانَ علمُه لخليقتِه ما فيها من إحكام المخلوقات، وأظهر قدرتَه على بريته ما أبدعه من أصناف المخلوقات، وأرشد إلى فعله بسنته تنوُّع الأحوال المختلفات، وأهدى برحمته لعباده نعمَه التي لا يحصيها إلا رب السماوات، وأعلم بحكمته البالغة دلائلُ حمده وثنائه الذي يستحقه من جميع الحالات، لا يحصي العباد ثناءً عليه بل هو كما أثنى على نفسه بما له من الأسماء والصفات، وهو المنعوت بنعوت الكمال وصفات الجلال التي لا يماثله فيها شيءٌ من الموجودات، وهو القدوس السلام المتنزه أن يماثله شيءٌ في نعوت الكمال أو يلحقه شيء من الآفات.
فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] .
أرسل الرسل ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٦٥] ، مبشرين لمن أطاعهم بغاية المراد من كل ما تحبه النفوس وتراه نعيماً، ومنذرين لمن عصاهم باللعن والإبعاد وأن يعذَّبوا عذاباً أليماً.
وأمرهم بدعاء الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له، مخلصين له الدين، ولو كره المشركون، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١-٥٢] .
وجعل لكلٍ منهم شرعة ومنهاجاً؛ ليستقيموا إليه ولا يبغوا عنه اعوجاجاً، وختمهم بمحمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أفضل الأولين والآخرين، وصفوة رب العالمين، الشاهد البشير النذير، الهادي السراج المنير، الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وهداهم ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١-٢] .
بعثه بأفضل المناهج والشرع، وأحبط به أصناف الكفر والبدع، وأنزل عليه أفضل الكتب والأنباء، وجعله مهيمناً على ما بين يديه من كتب السماء.
وجعل أمته ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، يوفُون سبعين أمة، هم خيرها وأكرمها على الله هو شهيد عليهم، وهم شهداء على الناس في الدنيا والآخرة، بما أسبغه عليهم من النعم الباطنة والظاهرة، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة، إذْ لم يبقَ بعده نبي يبين ما بُدِّل من الرسالة، وأكمل لهم دينهم، وأتم عليهم نعمه، ورضي لهم الإسلام ديناً، وأظهره على الدين كله، إظهاراً بالنصرة والتمكين، وإظهاراً بالحجة والتبيين.
وجعل فيهم علماءهم ورثة الأنبياء، يقومون مقامهم في تبليغ ما أُنزل من الكتاب، وطائفة منصورة لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم مَن خالفهم ولا مَن خذلهم إلى حين الحساب.
وحفظ لهم الذكر الذي أنزله من الكتاب المكنون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، فلا يقع في كتابه من التحريف والتبديل، كما وقع في أصحاب التوراة والإنجيل.
وخصَّهم بالرواية والإسناد، الذي يُمَيِّز به بين الصدق والكذب جهابذة النُّقَّاد، وجعل هذا الميراث يحمله مِن كل خلفٍ عدوله؛ أهل العلم والدين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ لتدوم بهم النعمة على الأمة، ويظهر بهم النور من الظلمة، ويحيا بهم دين الله الذي بعث به رسوله، وبيَّن الله به للناس سبيله، فأفضلُ الخلق أتبعُهم لهذا النبي الكريم، المنعوت في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وإله المرسلين، ومالك يوم الدين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى الناس أجمعين، أرسله والناس من الكفر والجهل والضلال في أقبح خيبة وأسوأ حال، فلم يزل ﵌ يجتهد في تبليغ الدين، وهدي العالمين، وجهاد الكفار والمنافقين، حتى طلعت شمس الإيمان، وأدبر ليل البهتان، وعزَّ جند الرحمان، وذلَّ حزب الشيطان، وظهر نور الفرقان، واشتهرت تلاوة القرآن، وأُعلن بدعوة الأذان، واستنار بنور الله أهل البوادي والبلدان، وقامت حجة الله على الإنس والجان، لَمَّا قام المستجيب من المعد بن عدنان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، صلاةً يرضى بها الملك الديان، وسلَّم تسلماً مقروناً بالرضوان.
стр. 153
صلاح التعبد بصلاح الطاعة والاتباع
أما بعد: فإنه لا سعادة للعباد، ولا نجاة في المعاد؛ إلا باتباع رسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٣-١٤] .
فطاعة اللهِ ورسولِه قطبُ السعادة التي عليها تدور، ومستقر النجاة الذي عنه لا تحور، فإن الله خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، وإنما تعبدهم بطاعته وطاعة رسوله، فلا عبادة إلا ما هو واجب أو مستحب في دين الله، وما سوى ذلك فضلال عن سبيله، ولهذا قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدُّ) ، أخرجاه في الصحيحين.
وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث العرباض بن سارية، الذي رواه أهل السنن وصححه الترمذي: (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) ، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره، أنه كان يقول في خطبته: (خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) .
وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحوٍ من أربعين موضعاً من القرآن، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٤-٦٥] .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢] .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] .
فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول، وجعل متابعة الرسول سبباً لمحبة الله عبدَه، وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] .
فما أوحاه الله إليه يهدي الله به من يشاء من عباده، كما أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك هداه الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] .
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥-١٦] .
فبمحمدٍ ﵌ تبين الكفر من الإيمان، والربح من الخسران، والهدى من الضلال، والنجاة من الوبال، والغي من الرشاد، والزيغ من السداد، وأهل الجنة من أهل النار، والمتقون من الفجار، وإيثار سبيل مَن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] مِن سبيل المغضوب عليهم والضالين.
فالنفوس أحوج إلى معرفةِ ما جاء به واتباعِه منها إلى الطعام والشراب، فإن هذا إذا فات حصل الموت في الدنيا، وذاك إذا فات حصل العذاب.
стр. 154
تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام
فحقٌ على كل أحدٍ بَذْلُ جُهْدِه واستطاعتِه، في معرفة ما جاء به وطاعتِه؛ إذْ هذا طريق النجاة من العذاب الأليم، والسعادة في دار النعيم، والطريق إلى ذلك الرواية والنقل، إذْ لا يكفي من ذلك مجرد العقل، بل كما أن نور العين لا يرى إلا مع ظهور نورٍ قُدَّامه، فكذلك نور العقل لا يهتدي إلا إذا طلعت عليه شمس الرسالة.
فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام، وكان معرفة ما أمر الله به رسولَه واجباً على جميع الأنام، والله سبحانه بعث محمداً بالكتاب والسنة، وبهما أتَمَّ على أمته المنة، قال تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٠-١٥٢] .
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران:١٦٤] .
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٣١] .
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢] .
وقال تعالى عن الخليل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩] .
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] .
وقد قال غير واحدٍ من العلماء، منهم: يحيى بن أبي كثير، وقتادة، والشافعي، وغيرهم: الحكمة هي السنة - ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩] ، الحكمة هي السنة، لأن الله أمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يُتْلى في بيوتهن من الكتاب والحكمة، والكتاب: القرآن، وما سوى ذلك مما كان الرسول يتلوه هو السنة.
وقد جاء عن النبي ﵌ من عدة أوجه من حديث أبي رافع، وأبي ثعلبة، وغيرهما أنه قال: (لا أُلفيَنَّ أحدَكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: بيننا وبينكم القرآن، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرامٍ حرمناه! ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه) وفي رواية: (ألا وإنه مثل الكتاب) .
стр. 155
اجتهاد أهل الحديث في طلب الحديث وحفظ الدين
ولما كان القرآن متميزاً بنفسه، بما خصه الله به من الإعجاز الذي بايَنَ به كلام الناس، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] ، وكان منقولاً بالتواتر، لَمْ يسمع أحدٌ في تغيير شيءٍ من ألفاظه وحروفه؛ ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يُدْخِل في الأحاديث من النقص والازدياد، ما يَضِلُّ به بعضُ العباد، فأقام الله تعالى الجهابذة النقاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق من البهتان، وانتَدَبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن، من الزيادة في ذلك والنقصان.
وقام كلٌّ من علماء الدين بما أُنْعِم به عليهم وعلى المسلمين، مقام أهل الفقه الذين فقهوا معاني القرآن والحديث، بدفع ما وقع في ذلك من الخطأ في القديم والحديث، وكان من ذلك الظاهر الجلي الذي لا يسوغ عنه العدول، ومنه الخفي الذي يسوغ فيه الاجتهاد للعلماء العدول.
وقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف والتِّلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة، والقصص المأثورة، ما هو عند أهله معلوم، ولِمَن طلب معرفته معروفٌ مرسوم، بِتَوَسُّدِ أحدِهم التراب، وتركِهم لذيذ الطعام والشراب، وتركِ معاشرة الأهل والأصحاب، والتصبُّر على مرارة الاغتراب، ومقاساة الأهوال الصعاب، أمرٌ حببه الله إليهم وحلاه؛ ليحفظ بذلك دين الله، كما جعل البيت مثابة للناس وأمناً، يقصدونه من كل فجٍ عميق، ويتحملون فيه أموراً مؤلمة تحصل في الطريق، وكما حبَّب إلى أهله القتال؛ الجهاد بالنفس والمال، حكمة من الله يحفظ بها الدين ليهدي المهتدون، ويظهر به الهدى ودين الحق الذي بعث به رسوله ولو كره المشركون.
فمن كان مخلصاً في أعمال الدين، يعملها لله كان من أولياء الله المتقين، وأهل النعيم المقيم، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس٦٢-٦٤] .
وقد فسر النبي ﵌ البشرى في الدنيا بنوعين: أحدهما: ثناء المسلمين عليه.
الثاني: الرؤيا الصالحة، يراها الرجل الصالح، أو تُرَى له، فقيل: (يا رسول الله! الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن) .
وقال البراء بن عازب: سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٦٤] ، فقال: (هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو تُرَى له) .
والقائمون بحفظ العلم الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرّبان، الحافظون له من الزيادة والنقصان، هم مِن أعظم أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين، بل لهم مزية على غيرهم من أهل الإيمان والأعمال الصالحات، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] .
стр. 156
علم الإسناد والرواية من خصائص الأمة المحمدية
وعلم الإسناد والرواية، مما خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجعله سُلَّماً إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدِعون من هذه الأمة أهلُ الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة؛ أهلِ الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمعْوَج والقويم.
وغيرهم من أهل البدع والكفار، إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد، وعليها مِن دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل.
وأما هذه الأمة المرحومة، وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين، هم من أمرهم على يقين، فظَهَر لهم الصدق من المين؛ كما يظهر الصبح لذي عينين عصمهم الله أن يُجْمِعوا على خطأ في دين الله معقولٍ أو منقولٍ، وأمَرَهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] .
فإذا اجتمع أهل الفقه على القول بحكمٍ لم يكن إلا حقاً، وإذا اجتمع أهل الحديث على تصحيح حديثٍ لم يكن إلا صدقاً.
ولكلٍ من الطائفتين من الاستدلال على مطلوبهم بالجَلِيِّ والخَفِيّ، ما يُعْرَف به مَن هو بهذا الأمر حَفِيّ، والله تعالى يلهمهم الصواب في هذه القضية، كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، وكما عرف ذلك بالتجربة الوجودية، فإن الله ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] لَمَّا صدقوا في موالاة الله ورسوله، ومعاداة مَن عَدَل عنه، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] .
стр. 157
فضل علماء الحديث على سائر أهل العلم
وأهل العلم المأثور عن الرسول، أعظم الناس قياماً بهذه الأصول لا تأخذ أحدَهم في الله لومةُ لائم، ولا يصدُّهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه، ويتكلم في أحب الناس إليه؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء:١٣٥] .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٨] .
ولهم من التعديل والتجريح، والتضعيف والتصحيح، مِن السعي المشكور، والعمل المبرور، ما كان من أسباب حفظ الدين، وصيانته عن إحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات: - منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية.
- ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية.
- ومنهم أهل الفقه فيه، والمعرفة بمعانيه.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأمة أن يبلِّغ عنه مَن شَهِد لِمَن غاب، ودعا للمبلِّغين بالدعاء المستجاب، فقال في الحديث الصحيح: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) .
وقال أيضاً في خطبته في حجة الوداع: (ألا ليبلغ الشاهد الغائب) .
وقال: (نضَّر الله امرءاً سمع منا حديثاً فبلغه إلى مَن لَمْ يسمعه، فرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه.
ثلاثٌ لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط مَن وراءهم) .
وفي هذا دعاءٌ منه لِمَن بلَّغ حديثه وإن لم يكن فقيهاً، ودعاءٌ لِمَن بلَّغه وإن كان المستمع أفقه من المبلِّغ؛ لِمَا أُعطي المبلِّغون من النضرة؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة: لا تجد أحداً من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة، لدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقال: نَضِرَ ونَضَرَ، والفتح أفصح.
ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث، يعظمون نَقَلَةَ الحديث، حتى قال الشافعي ﵁: إذا رأيتُ رجلاً من أهل الحديث، فكأني رأيتُ رجلاً من أصحاب النبي ﵌.
وإنما قال الشافعي هذا لأنهم في مقام الصحابة من تبليغ حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقال الشافعي أيضاً: أهل الحديث حَفِظوا، فلهم علينا الفضل؛ لأنهم حفظوا لنا ".
انتهى ما وجده هذا الباحث من هذه الخطبة الرائعة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وله كلمات أخرى كثيرة وكثيرة جداً، مبثوثة في تضاعيف هذه المجلدات الكثيرة -كما ذكرنا لكم آنفاً- من الممكن أن يجمع منها المتتبع رسالةً خاصة في فضل أهل الحديث، وأنهم هم الفرقة الناجية، ويأتي على ذلك بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة.
стр. 158
الرؤيا في المنام
تعد الرؤيا من المظاهر الطبيعية، وقد قسمها الشرع إلى ثلاثة أقسام: (رؤيا من الله حلم من الشيطان حديث نفس) وبعض الناس يهتم بالرؤى، حى يبالغون في شيء من مظاهرها.
وفي هذه المادة يوضح الشيخ ﵀ مسائل تتعلق بالرؤى وتعبيرها وتعلقها بعلم الغيب.
стр. 159
من أحكام الرؤيا
السؤال
كثير من إخواننا يرون بعض العلماء في المنام على هيئة حلِّيقين -قد حلقوا اللحى- فهل هنالك تأويل من فضيلة الشيخ؟
الجواب
أولاً: نذكِّر إخواننا جميعاً بأننا لا ننصحهم أن يهتموا بالرؤى إلا إذا كانت رؤىً يشعر الرائي لها بأنها من القسم الذي أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله سلم في الحديث الصحيح: (الرؤى ثلاثة: فرؤيا من الرحمن، ورؤيا من الشيطان، ورؤيا من تحديث النفس) ، فإذا كانت الرؤى ثلاثة أقسام، فواحدة إذاً من الثلاث تكون رؤيا رحمانية، واثنتان منها لا وزن لهما؛ لأنها قد تكون من تلاعب الشيطان، أو في أحسن الأحوال من تحديث النفس، أي: أن الإنسان يفكر في أمر يهمه من خير أو شر، فيتصوَّر شيئاً في المنام يتعلق بما يفكر فيه أثناء النهار، فهذا إذا رآه لا قيمة له، كذلك إذا كان من النوع الذي هو من تلاعب الشيطان بعدوه الإنسان.
فحينما تكون الرؤيا فيها أنه رأى عالماً حليقاً، بمعنى أنه رأى عالماً يعصي الله ، فهذه الرؤيا ما دام أن فيها رؤية عالم حليق، فهذا العالم المرئي في المنام بأنه حليق: - إما أن يكون واقعه كذلك في اليقظة.
- أو أن يكون ليس كذلك.
فحينئذٍ إن كان العالم الذي رؤي حليقاً ليس حليقاً في واقع حياته، فهذه رؤيا تبشر بشر، وتنذر به، وإن كان حليقاً في اليقظة وليس في المنام فهو عاصٍ، فلا تبشر الرؤيا بخير.
وكلا الأمرين ما داما يلتقيان في رؤية إنسان يتلبس بمعصية، لكن رؤيا عن رؤيا تختلف، وإذا كانت الرؤيا تمثل حياة حقيقية، بمعنى أنه حليق دائماً فهي شر، وإن لم يكن كذلك؛ لكنه في المنام رُئي حليقاً فهي شر، فحينئذٍ ننصح في مثل هذه المناسبة بالأمر الآتي: أن يتأدب بآداب الرائي للمنام، فقد جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﵊: (إن مَن رأى رؤيا تسره فليحدِّث بها عالماً ناصحاً، وإن رأى رؤيا تحزنه -توقظه وظواهرها تدل على الشر- فلا يحدِّث بها أحداً، وليتفل عن يساره ثلاثاً، فإنها لن تضره) ، هذا الذي يمكن أن يقال بمثل هذه المناسبة.
وخلاصته: أن الرؤيا التي ظاهرها شر: أولاً: يتفل صحابها عن يساره ثلاثاً فإنها لن تضره.
وثانياً: لا يقصها على أحد.
стр. 160
الاعتداد بالرؤيا وتنزيلها على الواقع
السؤال
هذا الأمر حصل من أكثر من ستة أشخاص، رأوا أكثر من أربعة علماء من علمائنا الذين نحسبهم -إن شاء الله- على خير، فهل هذا يعني أنه يكون فيه شر لذات العالم نفسه، أم لصاحب الرؤيا؟
الجواب
أنا أجبت عن هذا -بارك الله فيك- أنه لا تعتدُّوا بالرؤى؛ لأن الرؤى ثلاث: فواحدة من الثلاث تكون رحمانية، ثم إن هذه التي تكون رحمانية -وأجيب عنها بناء على تكرارك للسؤال- تحتاج إلى تأويل، ولن تكون على ظاهرها، وهذه مشكلة أخرى، أن الذين يستطيعون أن يؤوِّلوا الرؤى عليهم أن يعلموا: أولاً: أنهم بحاجة إلى أن يَفْصِلوا هذه الرؤى عن القسمين الآخرَين.
ثانياً: أن يحسنوا التأويل، مع أن تأويل المنامات ليس علماً، وإنما هو هبة من الله ﵎.
لذلك فأنا أقول عما شاهدتُه في غيري، ثم ما وقع لي بنفسي:
стр. 161
علم تعبير الرؤيا
لما كنت أطلب العلم التقليدي وهو المذهب الحنفي من بعض المشايخ، كنا نصلي الصبح ونقرأ درساً في الفقه الحنفي إلى الضحوة، وذات يوم أتت امرأة عجوز، فدخلت المسجد، وجلسَتْ بجانب الشيخ، فسارَّته بكلام لا نسمعه نحن لكن نسمع جواب الشيخ ونفهم أنها تقص عليه رؤيا، فسبحان الله! كان جواب الشيخ كأنه مثل ما يقال اليوم: (روتين) ، أي: لا يتغير، كلما جاءت امرأة تسره بشيء نفهم أنها تقص عليه رؤيا، ويكون جواب الشيخ على وتيرة واحدة.
بقي في ذهني الخلاصة التالية، وهي قوله: يبدو أن المرحوم بحاجة إلى صدقة، فتصدقي عنه، أو بحاجة إلى قراءة قرآن، فاقرئي عنه، ونحو هذا تكون الأجوبة.
هذا ما شاهدته عن بعض المشايخ، وأنا نفسي كنت شغوفاً بالعلم منذ أن تخرجت من المدرسة الابتدائية، فقد سمعت بكتاب: تعطير الأنام في تفسير المنام، للشيخ عبد الغني النابلسي، في مجلدين، وعلى الهامش تفسير ابن سيرين، ومحمد بن سيرين رجل فاضل من كبار علماء التابعين والمكثرين من رواية الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ .
وكنتُ طالب علم متميزاً قليلاً عن الآخرين، فكل واحد من الإخوان إذا رأى رؤيا جاءني لأعبرها له -وأنا ما عندي علم فطري كما كان عليه ابن سيرين - فكنت أرجع إلى كتابه، أرجع إلى تعطير الأنام للنابلسي.
فمثلاً: إذا رأى الرائي مطراً غزيراً نازلاً، فإني أرجع إلى كلمة مطر، وهنا يَتَيْهُ الإنسان من كثرة التفاصيل، فما يظهر لي شيء، وكثيراً ما تكرر معي هذا، فتركتُ الكتاب حتى عشش عليه العنكبوت، وما استفدتُ منه شيئاً.
وفيما بعد لما تعمقت في العلم، وخاصة عندما تنوَّر قلبي بسنة النبي ﵊، علمتُ أن هذا العلم ليس علماً يُكْتَسَب كأكثر العلوم، وإنما هو هبة من الله ﵎.
لذلك أقول: من رأى رؤيا فليضع في باله أنها واحدة من ثلاث، تُرَى أي الثلاث هي؟! لا يعرف.
وعندما يريد أن يقصها فإني أقول: إذا كانت خيراً فليقصها على عالم ناصح كما ذكرنا، وإلا فلا يقصها على أحد؛ لأنها كما جاء في الحديث الصحيح: (الرؤيا على رِجْل طائرٍ، فإذا فُسِّرَت وَقَعَت) تشبيه خطير جداً، فلو رأى إنسانٌ رؤيا ظاهرها جيد، لكن المؤوِّلَ للمنام أوَّلَها وفسَّرها على نقيض ظاهرها، فستقع، وهذه سنة من سنن الله الغيبية التي لا تدخل في السنن الكونية الطبيعية التي تخضع للمادة، فإذا فُسِّرَت وَقَعَت.
لذلك لا ينبغي لإخواننا الحريصين على الانتفاع بالسنة إذا رأوا رؤيا، ولو كانت حسنةَ الظاهر، أن يقصوها إلا على عالم ناصح، وإذا كانت على العكس، فليستعذ بالله، ولا يقصها على أحد.
أما إذا تكاثرت الرؤى بهذه الصورة، فهل يجوز أن يكون الشيطان كما يلعب بالناس في اليقظة يلعب بهم في المنام؟! نعم يجوز.
فإذاً: لا نلقي بالاً لمثل هذه الرؤى إطلاقاً.
стр. 162
علاقة الرؤيا بالغيب
السؤال
هل الرؤيا الصالحة من الغيب؟
الجواب
نعم.
الرؤى غيب، وقال ﵇: (الرؤيا الصالحة جزءٌ من ست وثلاثين جزءاً من النبوة) أو كما قال ﵇، فهي غيبٌ.
السائل: هل هناك أحدٌ يعلم بالغيب إلا مَن علَّمه الله من الأنبياء؟ وكما قلتَ أن العلماء يعلمون هذه الرؤيا هبةًَ! الجواب: أنا ما قلت يعلمون الغيب، ولكن نعم يعلمون كإلهام من الله .
نفس السائل: أي: يلهمهم ببعض الغيب؟ الجواب: لا.
هذا ليس غيباً -بارك الله فيك- وهذا سؤال -في الحقيقة- مهم جداً.
لنعرف ما هو الفرق بين العلم بالغيب والفراسة التي يصيب بها أحياناً، وتتحدث بها بعض كتب السنة الصحيحة من جهة، ويغالي فيها الذين ينتمون إلى التصوف من جهة أخرى.
أظنكم جميعاً تعلمون قوله ﵊: (لقد كان فيمن قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي، فـ عمر) ومعنى (محدَّثون) أي: مُلْهَمون، والإلْهام ليس هو الوحي لكنه يلتقي مع الوحي أحياناً من حيث اكتشاف ما سيقع ظناً وليس يقيناً، أي أن الذي أُلْهِم بشيء لا يستطيع أن يقول: إن هذا سيكون حتماً، إلا ما ندر جداً جداً، وهو يعترف بأنه ليس معصوماً، أما الوحي فهو يقطع به كما هو حي تماماً، يقطع بأن هذا الذي أوحاه الله إليه هو من وحي السماء، لا يدخله شك ولا لبس ولا ريب.
فالآن: (لقد كان فيمن قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي فـ عمر) ما معنى محدَّثون؟ أي: مُلْهَمون، فما هو الإلهام؟ أنتم تعرفون أن عمر بن الخطاب تحدث بأمور نزل القرآن على وفق ما تحدث به، كقوله للرسول ﵊: [لو حجبتَ نساءك!] فأنزل الله آية الحجاب.
وقوله: [لو اتخذنا من مقام إبراهيم مُصَلَّىً!] .
إلى آخر ما قال.
فمن هذا القبيل: ما رواه الإمام مالك في الموطأ بالسند الصحيح عن أبي بكر الصديق، أنه قال لابنته عائشة في أرض تتعلق بإرث أولاد أبي بكر ﵁ قال -فيما أذكر الآن-: [إن هذه لأختك -والأخت كانت لا تزال جنيناً في بطن زوج أبي بكر الصديق - قالت: وأين أختي؟ قال: هي التي في بطن فلانة] ، وفعلاً رُزِقَت زوجته بنتاً، فكانت عائشة ترث مع أختها تلك الأرض بوصية من أبي بكر الصديق في هذا الإلهام.
وهذه القصة في الموطأ وبالسند الصحيح الذي لا إشكال فيه؛ لأنه في الموطأ توجد روايات مقطوعات وبلاغات كثيرٌ منها لا يصح، وإن كانت موصولة بعضها في كتبٍ أخرى، أما هذه القصة فهي صحيحة.
فإذا عرفنا هذه الحقيقة، وهي: الفرق بين الوحي وبين الإلهام، يمكننا أن ندخل في صلب الإجابة.
إذا كان هناك رجل عالم مثل ابن سيرين فسر الرؤيا التي قصها عليه قاصٌ ما أو راءٍ ما، فهو لا يستطيع أن يقول: إنها ستكون كذلك.
إذاً: فهذا ليس من باب الاطلاع على الغيب إطلاقاً، وإنما هو الظن، والظن قد يصيب وقد يخطئ، وهذا يقع من العلماء في مناسبات كثيرة وكثيرة جداً، حتى إن بعض مشايخ الطرق يستغلون هذه الوقائع ويوهمون الناس أنها كشوفات، وأنهم يطلعون على ما في صدور الناس، والحقيقة أنها ليست شيئاً من ذلك، وإنما هي الفراسة.
وسأقص بعض ما وقع لي أنا شخصياً مع كشف السر؛ لكي لا تُغَشُّوا بما قد تسمعون من بعض الناس.
إذا تبين أن ابن سيرين وأمثاله هم ممن قد وُهِبوا علم تأويل الرؤيا، فذلك ليس من باب الاطلاع على الغيب؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله بنص القرآن الكريم، ثم كما قال في القرآن الكريم أيضاً: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦-٢٧] ، فالغيب هو الأمر الذي يقطع به الرسول ﷺ أن الله قد أوحى به إليه.
أما العالم ذو الفراسة أو مفسر المنام، فهذا لم يطَّلع على الغيب، فقد يصيب وقد يخطئ.
стр. 163
بين الفراسة والمكاشفة
فأنا أقص لكم بعض القصص التي وقعت لي، وهي قبل كل شيء لا تدل على صلاح، ولا تدل على طلاح، وإنما تدل على أن هذا المسئول عنده شيء من العلم، وعنده شيء من اليقظة، فأصاب الهدف، فلو أراد أن يغش هؤلاء الناس سيقول لهم: هذه كشوفات وأنتم تنكرونها.
أنا أذكر جيداً أنني كنت في دكاني أصلح الساعات، فدخل عليَّ أحد إخواننا الفلسطينيين الذين كانوا قد فروا من ظلم اليهود إلى دمشق، وتعرفوا على الدعوة السلفية -والحمد لله-، حيث جاءني ومعه رجل فلاح، وأنا أعلم مسبقاً -وهنا يبدأ موضوع الفراسة- أن هذا أستاذ في بعض القرى التي حول بلدة حمص هناك في الطريق إلى حلب، وأراني ساعة اسمها الأجنبي: (ردكو) ، وقال: انظر هذه الساعة، إنها تقف، ونريد أن نصلحها لأخينا هذا، ففهمت أن أخاه هذا من تلك القرية، فرأساً قلت له: إنه اشتراها من هنا من دمشق، من المحل الفلاني؟ قال: نعم.
ولم يهتم بهذا لكني لفتُّ نظره لأنه سلفي معنا، فقلت: إذا كنتم تنكرون الكشف فهذا كشف، وأنا عرفت أن هذه الساعة التي هي لرجل ساكن في قرية بعيدة عن دمشق نحو مائة وخمسين أو مائتي كيلو متراً، وقريبة من حمص، قد اشتراها صاحبها من دمشق، فأصبتُ.
هذه فراسة؛ لأنني ربطت بين هذه الماركة التي لا يُعرف تاجرها إلا في دمشق، والذي يريد أن يشتريها لا بد أن يأتي إلى هنا؛ لأنها ليست موجودة في بلادٍ أخرى، فأصبتُ الهدف تماماً، فلَفَتُّ نظره إلى هذه النكتة، وقلت: هذا كشف، وأنتم تنكرون الكشف.
وفي نفس الوقت حصلت نكتة أبلغ من هذه بكثير: دخل عليَّ طالب علم قوي فيما يسمى بعلوم الآلة في النحو والصرف،.
إلخ، فقال: يا شيخ! -بعدما سلَّم طبعاً- آية أشكل عليَّ مرجع الضمير فيها.
فقلت له: لعلك انظروا! قلتُ: لعلَّ، ما قلت له: هي كذا؛ لأنني أحتاط، قلت لعلك تعني قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] ! قال: والله هي هذه.
ورجعتُ وقلتُ له: أما زلتم تنكرون الكشف؟! فهذا كشف.
ماذا صار معي أنا؟! صار معي -إذا صحَّ التعبير- (كمبيوتر إلهي) ، فرجل طالب علم أقوى مني في علوم الآلة أَشْكَلَ عليه الضمير في آيه إلى أين يرجع؟! فعلى حدود ما علمت استحضرتُ الآية، وقلت له: لعلها هي! فقال: هي هي.
فإذاً: هذا ليس كشفاًَ، بل هو عبارة عن فراسة، وعن مقدمات تقوم في نفس المتفرس، فيصيب الهدف أحياناً، يُخطئ أحياناً، كذلك المفسِّر أو المؤوِّل للرؤى، قد يصيب أحياناً، وقد يخطئ أحياناً، فهذا ليس له أي علاقة إطلاقاً بقضية اطِّلاعه على الغيب.
هذا جواب ما سألتَه.
مداخلة: أعرف من هذا النوع طالباً كان في الجامعة الإسلامية إبَّان كنتُ هناك، وكان هذا الطالب له تفرس صادق جداً، وأظن أن الحديث يشمله: (إن المؤمن يَعْرِف بالتوسم) ، فكان هذا الطالب وهو من الهند، يقول لي: أنا صرت أدعو الله أن يباعد بيني وبين الفراسة، -أي: أن يخفي عني هذه الفراسة-.
فقلت له: لماذا؟ قال: كنتُ إذا سرت في الشارع ونظرتُ في وجوه الناس عرفتُ أن هذا الإنسان قد يكون من وطء الحرام، إلى هذا الحد! قال: وكنتُ إذا سألتُ وأنتهي نهاية المطاف إلى نتيجة أعرف بها أنني أصبت في فراستي.
ومن هذا ما جاء في السنة: أن الرسول ﵊ -وكان هذا أمراً معروفاً- أنه عندما مر بـ زيد بن حارثة وابنه أسامة وكانا مختلفين في اللون فقال: (أشهد أن هاتين القدمين من هاتين القدمين) أو معنى الحديث.
فالفراسة تتعلق بالأشياء المرئية، وتتعلق بالأشياء غير المرئية، وهذا علمٌ موهوبٌ، وليس علماً يلتمس في صحائف الكتب.
стр. 164
فقه حديث: (لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون)
السؤال
ما فقه الحديث: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم، يقاتل آخرهم الدجال) ؟
الجواب
الحديث ليس المقصود منه استمرارية الطائفة المنصورة في مباشرة القتال الذي هو القتال المادي؛ لأن هذا إنما يتعلق بهذا الزمن الطويل من بعد قوله ﵊ لهذا الحديث الصحيح، وإنما المقصود به أن هذا القتال لا ينقطع عن هذه الطائفة المنصورة بالمرة، بحيث أنهم يبقون مغلوبين على أمرهم، فلا يستطيعون أن يقاتلوا مَن عاداهم لكن هذا الاستمرار لا ينفي أن يكون هناك انقطاع ما بين زمنٍ وزمن، هذا تماماً مثل الذي يخطر في بالي، وهو قوله ﵇: (إذا وضع السيف في أمتي فلا يرفع عنهم حتى تقوم الساعة) فلا يعني أن السيف ماضٍ مثل اللحَّام الذي يضع اللحم ويظل يقطع فيها خمس دقائق أو ربع ساعة فقط؛ بل معناه: لا ينقطع، ويمشي في زمن الفتنة كناية عن الفتنة والقتل الذي يقع بينهم، فهو يستمر لكن هذا لا يعني أنه لا ينقطع بسبب أن الأمر كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: (أمتي كالمطر، لا يُدْرَى الخير في أوله أم في آخره) .
خلاصة الجواب: أن القتال المذكور في الحديث إذا فُسِّر بالقتال المادي، فلا يعني أنَّهم يستمرون في القتال في كل لحظة من لحظات الحياة، وإنما المراد بالقتال منهم للكفار بأنه لا ينقطع إلى يوم القيامة، أي: يستمر، ولا يؤثر في ذلك حال التقطع ما بين قتال وقتال.
وإذا كان المقصود بالقتال هو القتال المعنوي، وهو الحجة، فهذه -والحمد لله- مستمرة دائماً وأبداً حتى تقوم الساعة.
стр. 165
من فقه حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)
السؤال
ما فقه حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب، قيل: يا أبا هريرة! كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولاً) ؟
الجواب
هذا الحديث واضح جداً، ولا أدري ما هو السبب في السؤال عن هذا الأمر الواضح! النبي صلى الله عليه وآله سلم ينهى عن الانغماس في الماء الراكد إذا كان الإنسان جنباً، ولكنه يأمر بأن يغترف منه اغترافاً، فالأمر واضح جداً أن الانغماس يعرِّض هذا الماء الراكد لأحد شيئين ولا بد منهما: - إما للنجاسة.
- وإما للقذارة.
فإذاً: في سبيل المحافظة على طهارة الماء أو -على الأقل- على نقاوة الماء، النقاوة التي تلازمها الطهارة، فقد يكون الماء طاهراً لكنه قذر، حيث أن هذا الذي ينغمس في الماء إما أن يلوثه، وإما أن ينجسه، ففي سبيل المحافظة على ذلك كان من تأديب الرسول ﵇ لأمته أن ينهى هذا أن ينغمس في الماء، فيأمره أن يغترف منه اغترافاً كما بيَّن ذلك راوي الحديث، وهو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
وبعد هذا البيان أريد أن ألفت النظر إلى أمرٍ نحن بحاجة إلى أن نلاحظه حينما ندرس السنة، وهو أن قول هذا الصحابي هنا يُشْبِه تماماً -في رأيي- قول صحابي آخر: فهنا سئل أبو هريرة، وهو راوي الحديث: ماذا يفعل هذا الذي نُهي أن ينغمس في الماء؟ قال: يغترف اغترافاً.
فهنا نقول: الراوي أدرى بِمَرْوِيِّهِ من غيره.
هنا نستفيد هذه الفائدة ونقعِّد هذه القاعدة في هذا الحديث، فنقول: راوي الحديث هذا ما دام أنه أجاب عن السؤال حينما رَوَى الحديث بقوله: (يغترف اغترافاً) فيكون هو أدرى بمعنى الحديث ممن قد يأتي بعده، ويتأوله بتأويلٍ آخر.
فهذا يشبه تماماً جواب صحابي آخر، وأعني به أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، حينما روى: (أنه ﵊ نهى أن يشرب الرجل وهو قائم، فسأل سائل: فالأكلُ؟ قال: شرٌّ) فليس في الحديث حكم الأكل قائماً، وإنما في الحديث حكم الشرب قائماً، فهو روى عن الرسول ﵇ أنه نهى عن الشرب قائماً، فحينما سُئِل عن الأكل قائماً، أجاب بقوله: هو شرٌّ، أي: من الشرب قائماً.
فحينئذٍ هذا الجواب يجب أن نتبناه؛ لأنه أعلم بِمَرْوِيِّهِ من غيره، وهذا بلا شك مقيد فيما إذا لم يكن هناك نصٌّ من كلام الرسول ﵊ ينافي جواب هذا الصحابي أو ذاك.
بهذا ينتهي الجواب عن هذين الحديثين، وينتهي المجلس.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 166
أخذ الأجرة على القرآن
أجاب الشيخ على سؤال حول حكم أخذ الأجر على تعليم القرآن، فأجاب مفصلاً ومبيناً حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وكذلك العلوم المشتقة منه، وحكم تعليم السنة، ثم بين حكم أخذ الأجر على الرقية بالقرآن، كما تحدث في معرض ذلك عن ضوابط فهم السنة النبوية.
بعد ذلك تحدث الشيخ عن مفهوم السنة الحسنة والسنة السيئة والتفريق بين السنة والبدعة، ثم بين حكم أخذ الهبة أو الأعطية على تعليم القرآن.
стр. 167
حكم أخذ الأجرة على العبادات
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السؤال
بالنسبة لتحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، نريد أن نستوضح عن تعليم القرآن، هل يدخل في ذلك، أو تعليم تفسير القرآن، أو تعليم تجويد القرآن؟
الجواب
كل العبادات لا يجوز أن يؤخذ عليها أجر، وكل العبادات أي: كل ما يدخل في النص العام (كل عبادة) ، وكل ما كان ديناً، كمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] .
الآية الأولى صريحة الدلالة في الموضوع: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ، أما الآية الأخرى فتحتاج إلى شيء من الشرح والبيان، مما ذكره علماء التفسير.
فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الكهف:١١٠] قالوا: العمل الصالح هو الموافق للسنة، أي: فما كان مخالفاً للسنة فليس عملاً صالحاً، وهذا قد جاءت فيه أحاديث كثيرة تترى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كمثل قوله في الحديث المشهور والمعروف في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، والأحاديث في هذا المعنى معروفة إن شاء الله، فلا حاجة لإطالة الكلام بذكرها.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الكهف:١١٠] أي: موافقاً للسنة: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] أي: لا يطلب أجر تلك العبادة من غيره ﵎.
والأحاديث التي تأمر بإخلاص النية في الطاعة والعبادة هي أيضاً كثيرة ومشهورة، فهذا النص القرآني بعد شرحه مع النص الأول، كلاهما نص عام على أن العبادة لا تكون عبادة إلا بشرطين اثنين: الشرط الأول: أن يكون على وجه السنة.
الشرط الثاني: أن يكون خالصاً لوجه الله ﵎.
стр. 168
حكم أخذ الأجرة على القرآن
فهذه النصوص عامة تشمل كل عبادة، أما بالنسبة للقرآن فهناك نصوص خاصة، من أشهرها وأصحها قوله ﷺ : (تعاهدوا هذا القرآن، وتغنوا به، قبل أن يأتي أقوام يتعجلونه، ولا يتأجلونه) (يتعجلونه) أي: يطلبون أجره العاجل، ولا (يتأجلونه) أي: لا يطلبون الأجر الآجل في الآخرة، فلهذا كله لا يجوز لمسلم أن يبتغي أجراً من وراء عبادة يقوم بها إلا من الله ﵎، وعلى هذا فليست القضية متعلقة بتلاوة القرآن فقط، وبصورة خاصة على الحالة التي وصل إليها بعض القراء اليوم، حيث صدق فيهم نبأ الرسول الكريم المذكور آنفاً: (قبل أن يأتي أقوام يتعجلونه، ولا يتأجلونه) .
المسألة أعم وأوسع من ذلك بكثير، فلا فرق بين من يتلو القرآن للتلاوة فقط ويأخذ عليه أجراً، وبين من يعلم القرآن ويأخذ عليه أجراً، وبين من يفسر القرآن ويأخذ عليه أجراً، وبين من يعلم الحديث ويأخذ عليه أجراً، وبين من يؤم، ويؤذن، ويخدم المسجد، كل هذه عبادات لا يجوز لأي مسلم أن يبتغي من وراء الإتيان بها أجراً، إلا من عند الله ﵎.
فإذا عرفت هذه الحقيقة، وهي حقيقة كدت أن أقول: إنه لا خلاف فيها، ثم لم أقل؛ لأنني تذكرت خلافاً في جزئية واحدة ألا وهي القرآن الكريم، فإن بعض المذاهب المتبعة اليوم تقول: يجوز أخذ الأجر على القرآن، ولهم في ذلك حجة صحيحة روايةً، وليست صحيحة درايةً، أما أنها صحيحة رواية؛ فلأنها في صحيح البخاري، أما أنها ليست صحيحة درايةً، أي: لا يصح الاستدلال بهذه الرواية مع صحتها للاحتجاج على ما يناقض تلك الأدلة القاطعة بخاصة وبعامة، أنه لا يجوز أخذ الأجر على أي عبادة، وبخاصة منها القرآن الكريم.
стр. 169
نقض استدلال من يقول بجواز أخذ الأجرة على القرآن
ذلك الحديث هو قوله ﵊: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) هذا الحديث في صحيح البخاري كما ذكرنا، وإنما قلنا: إنه لا يجوز الاستدلال به دراية مع صحته رواية؛ لأن لهذا الحديث مناسبة جاءت مقرونة مع الرواية نفسها، وهو في صحيح البخاري -كما قلنا- من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أنه كان في سرية مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمروا بقبيلة من القبائل العربية، فطلبوا منهم أن ينزلوا عليهم ضيوفاً، فأبوا، فنزلوا بعيداً عنهم، فقدر الله ﵎ أن أرسل عقرباً فلدغت أمير القبيلة، فأرسل أحد أتباعه إلى هؤلاء الذين أرادوا أن ينزلوا عليهم فأبوا، وقال: انظروا لعل عندهم شيء؛ لأنهم من أهل الحضر، فجاء الرسول من قبل ذلك الأمير، فعرض عليه أحد الصحابة أن يعالجه، ولكن اشترط عليه رءوساً من الغنم -أنا نسيت الآن، إما عشراً وإما مائة- وهو رئيس قبيلة وغني، فقبل ذلك، فما كان منه إلا أن رقاه بالفاتحة بعد أن مسح بالبصاق مكان اللدغ، فكأنما نشط من عقال هكذا يقول في الحديث، فأخذ الجعل وأتى به إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم محتاطاً لعله لا يجوز أن يستفيد منه، فقال له ﵊ الحديث السابق: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) .
فاختلف العلماء هنا، فالجمهور أخذ بالحديث مفسراً بالسبب، والشافعية أخذوا بالحديث دون ربطه بالسبب، وهذا هو السبب في الخلاف، وينبغي أن يكون معلوماً لدى كل طالب للعلم، أن من الضروري جداً لمن أراد التفقه ليس في السنة فقط، بل وفي القرآن أيضاً، أن يعرف أسباب نزول الآيات، وأسباب ورود الأحاديث.
فقد ذكر علماء التفسير أن معرفة سبب نزول الآية يساعد الباحث على معرفة نصف معنى الآية، والنصف الثاني يؤخذ من علم اللغة، وما يتعلق بها من معرفة الشريعة.
стр. 170
ربط الحديث بسبب وروده مما يعين على فهمه
كذلك نقتبس من هذا فنقول: كثير من الأحاديث لا يمكن فهمها فهماً صحيحاً إلا مع ربطها بأسباب ورودها، منها هذا الحديث، وهناك أحاديث كثيرة، أيضاً، لا يمكن أن تفهم فهماً صحيحاً إلا بربط الرواية مع سببها، فحينما فصل الحديث: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) عن سبب وروده؛ أعطى الإباحة العامة: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) فسواء كان الأجر مقابل التلاوة، أو كان مقابل تعليم القرآن، أو تفسير القرآن، وهكذا، فالحديث عام.
ولكننا إذا ربطناه بسبب الورود؛ تخصص هذا العموم للوارد، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، وبخاصة منهم علماء الحنفية، حينما فسروا هذا الحديث: (أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) في الرقية، فأضافوا هذه الجملة (في الرقية) أخذاً لها منهم من سبب ورود الحديث.
وهذا الأخذ لا بد منه؛ لكي لا يصطدم التفسير -إذا كان من النوع الأول- بقواعد إسلامية عامة ذكرناها آنفاً من بعض الآيات وبعض الأحاديث، وهذا من القواعد الأصولية الفقهية: أنه إذا جاء نص، سواءً كان قرآناً أو كان سنة، فلا يجوز أن يؤخذ على عمومه إلا منظوراً إليه في حدود النصوص الأخرى، التي قد تقيد دلالته، أو تخصصه فهذه كقاعدة لا خلاف فيها عند علماء الفقه والحديث، بل علماء المسلمين جميعاً.
وإنما الخلاف ينشأ من سببين اثنين: إما ألا يرد الحديث مطلقاً إلى بعضهم، أو أن يرجع إليه مطلقاً دون السبب الذي يوضح معناه، كما نحن في هذا الحديث بالذات.
стр. 171
حديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة) مثال لما سبق
ولعله يحسن أن نضرب مثلاً آخر؛ لأن له علاقة بكثير مما يثار اليوم ويجري النقاش حوله، ويستدل عليه بقوله ﵌: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، دون أن ينقص من أجورهم شيء) إلى آخر الحديث.
فإن جماهير العلماء اليوم وقبل اليوم ببضع قرون، يفسرون هذا الحديث تفسيراً على خلاف ما يدل عليه سبب وروده، فيقولون: معنى الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة) أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، وعلى ذلك يضطرون إلى أن يخصصوا عموم قوله ﵇ في الحديث السابق ذكره: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وكذلك يفعلون بالحديث الذي هو أوضح في الدلالة على عموم وشمول الذم لكل بدعة، ألا وهو قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) .
فحينما وقعوا في تأويل الحديث السابق: (من سن في الإسلام سنة حسنة) بمن ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، اضطروا توفيقاً بين ذاك الحديث وهذا المفهوم للحديث، ولا أقول بين ذاك الحديث وهذا الحديث؛ لأنه في الحقيقة لا تنافر ولا تنافي بينهما، وإنما جاء التنافر والتنافي بين ذلك الحديث العام الذي لا إشكال فيه: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) ، وبين الفهم الخاص لقوله: (من سن في الإسلام سنة حسنة) ، أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، فقالوا: إذاً قوله كل بدعة ضلالة من العام المخصوص، وحينئذٍ يكون معنى الحديث: ليس كل بدعة ضلالة.
فما هو معنى الحديث الذي تأولوه بالبدعة؟ الحقيقة أننا نستطيع أن نفهم الحديث فهماً لا يتنافى مع العموم المذكور (كل بدعة ضلالة) من نفس المتن أولاً، ثم نبتغي دعماً لهذا الفهم من سبب وروده ثانياً.
ذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما قال في الحديث: (من سن في الإسلام سنة) وصفها في الطرف الأول من الحديث بحسنة، وفي الطرف الثاني الذي استغنيت عن ذكره لشهرته بقوله: (سنة سيئة) فإذاً هذا الحديث يدلنا على أن في الإسلام سنة حسنة، وفي الإسلام سنة سيئة.
стр. 172
الشرع أساس التحسين والتقبيح
هنا يأتي
السؤال
ما هو سبيل معرفة السنة الحسنة والسنة السيئة؟ أهو العقل والرأي المحض أم هو الشرع؟
الجواب
ما أظن أن قائلاً يقول: هو العقل والرأي، وإلا ألحق نفسه -ولا أقول نلحقه- بـ المعتزلة الذين يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين! هؤلاء المعتزلة هم الذين عرفوا منذ أن ذروا قرنهم وأشاعوا فتنتهم بقولهم: إن العقل هو الحكم، فما استحسنه العقل فهو الحسن، وما استقبحه العقل فهو القبيح.
أما رد أهل السنة والجماعة بحق فإنما هو على النقيض من ذلك، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع.
إذاً حينما قال ﵊: (من سن في الإسلام سنة حسنة) أي: شرعاً، (ومن سن في الإسلام سنة سيئة) أي: شرعاً، فالشرع هو الحكم في أن نعرف أن هذه سنة حسنة، وهذه سنة سيئة، إذا كان الأمر كذلك حينئذٍ لم يبق مجال للقول بأن معنى الحديث: من سن في الإسلام سنة حسنة، أن المعنى: بدعة حسنة، فنقول: هذه بدعة لكنها حسنة، ما يدريك أنها حسنة؟ إن جئت بالدليل الشرعي، فعلى الرأس والعين، والتحسين ليس منك وإنما من الشرع، كذلك إن جئت بالدليل الشرعي على سوء تلك البدعة؛ فالشرع هو الذي حكم بأنها سيئة وليس هو الرأي.
فهذا الحديث إذاً من نفس كلمة (حسنة وسيئة) نأخذ أنه لا يجوز تفسير الحديث بالبدعة الحسنة، والبدعة السيئة، التي مرجعها الرأي والعقل، ثم يندعم هذا الفهم الصحيح لهذا المتن الصحيح، بالعودة إلى سبب ورود الحديث، وهنا الشاهد.
الحديث جاء في صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد وغيرهما من دواوين السنة، من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجاءه أعراب مجتابي النمار متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تمعر وجهه -أي تغيرت ملامح وجهه ﵊، حزناً وأسفاً على فقرهم الذي دل عليه ظاهر أمرهم- فخطب في الصحابة وذكر قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠] ثم قال ﵊: تصدق رجل بدرهمه بديناره بصاع بره بصاع شعيره) (تصدق) : هو فعل ماض، لكن هذا من بلاغة اللغة العربية، أي: ليتصدق، فأقام الفعل الماضي مقام فعل الأمر، إشارة إلى أنه ينبغي أن يقع ويصبح ماضياً.
ليتصدق أحدكم بدرهمه بديناره بصاع بره بصاع شعيره، وبعد أن انتهى ﵊ من خطبته قام رجلٌ ليعود وقد حمل بطرف ثوبه ما تيسر له من الصدقة، من طعام، أو دراهم، أو دنانير، ووضعها بين يدي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما رأى أصحابه الآخرون ما فعل صاحبهم، قام كل منهم ليعودوا أيضاًَ بما تيسر لهم من الصدقة، قال جرير: (فاجتمع أمام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الصدقة كأمثال الجبال، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ تنور وجهه كأنه مذهبة) قالوا في تفسير هذا التشبيه، (كأنه مذهبة) : أي: كالفضة المطلية بالذهب.
في أول الأمر لما رآهم ﵊ قال: تمعر وجهه أسفاً وحزناً لكن لما استجاب أصحابه لموعظته ﵊ تنور وجهه كأنه مذهبة، وقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة ... ) إلى آخر الحديث.
الآن نقول: لا يصح بوجه من الوجوه أن يفسر الحديث بالتفسير الأول: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة؛ لأننا سنقول: أين البدعة التي وقعت في هذه الحادثة، وقال ﵊ بمناسبتها من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة؟ لا نرى هناك شيئاً من هذا القبيل إطلاقاً، بل نجد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطبهم آمراً لهم بالصدقة، مذكراً لهم بآية في القرآن الكريم، كانت نزلت عليه مسبقاً، وهي: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [المنافقون:١٠] وأكد ذلك ببعض حديث: (تصدق رجل بدرهمه بديناره بصاع بره بصاع شعيره) إذاً ليس هناك إلا الصدقة، والصدقة عبادة، تارة تكون فريضة، وتارة تكون نافلة.
فإذاً: لا يجوز أن نقول: معنى الحديث من ابتدع؛ لأنه لم يقع هنا بدعة، ولكن لو رجعنا إلى لفظة (سنَّ) في اللغة العربية، للمسنا منها شيئاً جديداً في هذه الحادثة، لكن ليست هي البدعة، الشيء الجديد هو قيام هذا الرجل أول كل شيء وانطلاقه إلى داره ليعود بما تيسر له من صدقة، فأصحابه الآخرون فعلوا مثل فعله، فسن لهم سنة حسنة، لكن هو ما سن بدعة، سن لهم صدقة، والصدقة كانت مأمور بها من قبل، كما ذكرت آنفاً.
قد أكون أطلت قليلاً أو كثيراً، ولكن أرى أن هذا البيان لا بد منه لكل طالب علم؛ ليفهم النصوص الشرعية فهماً صحيحاً حتى لا يضرب بعضها ببعض.
فقوله ﵊ الذي أخذ بظاهره بعض العلماء فأباحوا أخذ الأجر على القرآن مطلقاً، لا يصح فهمه على هذا الإطلاق، بل ينبغي أن نربطه بالسبب وهو: الرقية، فلا يكون في ذلك أخذ الأجر المنصوص في الحديث لمجرد تلاوة قرآن أو تعليمه، بل للرقية بالقرآن الكريم، ويؤكد هذا أخيراً -ولعلي أكتفي بهذا الذي سأذكره- أن رجلاً علَّم صاحباً له في عهد النبي ﷺ القرآن، فأهدى إليه قوساً ولكنه توقف حتى يسأل النبي.
عوداً إلى حديث أبي سعيد، لماذا توقف أبو سعيد من الاستفادة من الأجر الذي أخذه من أمير القبيلة، وهذا الرجل الثاني لما أهديت له القوس توقف حتى سأل الرسول ﵇، لماذا توقف هذا وذاك؟ لأنهم كانوا فقهاء حقاً، وكانوا يفهمون مثل الآية السابقة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ف أبو سعيد قرأ القرآن ولو أنها مقرونة بالرقية، وهذا الآخر علم صاحبه القرآن، فخشي أن يكون ذلك منافياً للإخلاص في عبادة الله .
فكان من ذلك أن أبا سعيد تورع عن الانتفاع بالأجر الذي أخذه مقابل الرقية، حتى قال له ﵇ ما سمعتم، أما هذا الرجل الثاني الذي علم صاحبه القرآن، لما جاء إلى النبي ﷺ وذكر له بأنه علمه فأهدى إليه قوساً، قال: (إن أخذتها طوقت بها ناراً يوم القيامة) فإذاً أخذ الأجرة على تعليم القرآن بهذا الحديث والحديث الآخر: (يتعجلونه ولا يتأجلونه) لا يجوز إطلاقاً.
стр. 173
حكم أخذ العطاء الذي لا يسمى أجراً على تعليم القرآن
إلى هنا أكتفي بما سبق من بيان أن القرآن تعليماً وقراءة لا يجوز أخذ الأجر عليه ككل العبادات، ولكن هنا ملاحظة لا بد من ذكرها ولو بإيجاز، فالأجر كما تعلمون حقٌ مقابل عمل يقوم به الإنسان، هذا النوع من الأخذ المسمى لغة وشرعاً: أجراً، هو الذي يحرم شرعاً، ولكن إذا كان هناك نوع من المال يعطى لمن يقوم ببعض -لنقل الآن بالعرف الحاضر- الوظائف الدينية، من قبل الدولة، أو من قبل بعض الأثرياء والأغنياء -وما أقلهم في هذا الزمان- الذين يشعرون بأن عليهم أن يمدوا يد العون والمساعدة لبعض الفقراء، بل والأقوياء الذين تفرغوا لخدمة الإسلام بعمل ما، خدمة للإسلام، فتعطي لهم الدولة، فلا يجوز، أولاً: للدولة أن تسمي هذا أجراً، ولا يجوز للآخذين لهذا الشيء أن يأخذوه أجراً، وإنما يأخذونه بمعنى آخر هو مثلاً: الهبة، أو الجُعالة، أو العطاء، كما كانوا في السلف الأول، حينما كان الإسلام قوياً، وكان الجهاد في سبيل الله قائماً ومنشوراً، وكانت المغانم تملأ خزائن الدولة، حتى كانت الدولة توزع عطاءً على الناس حتى من لم يكن موظفاً منهم فيها.
فهذا هو المخرج ممن كان إماماً، أو مؤذناً، أو خطيباً، أو مدرساً في مدارس، وكان علمه علماً شرعياً دينياً، فلا يجوز له أن يأخذ عليه أجراً، وعليه أن يأخذه بغير معنى الأجر، لما ذكرناه من الأدلة القاطعة، التي توجب على كل مسلم أن تكون عبادته خالصة لوجه الله ﵎.
ولكن الحق والحق أقول: أن مثل هذا الأمر يحتاج إلى نفس مؤمنة قوية جداً، بمعنى أنه لا فرق عند المؤمن عندما يقوم بواجبه الديني في أي علم كان، ابتغاء لوجه الله حقاً، فلا فرق عنده أعطي المال أم لم يعطه؛ لأنه إنما يعمل لوجه الله ﵎.
وبهذا أنهي الجواب عن سؤالك، والإضافة التي ألحقتها لإزالة حرج قد يجده بعض الناس في نفوسهم، وقد لا يشعر به الآخرون، فيقعون في إثم الأكل للمال أجراً على عبادة لا يجوز لهم أن يأخذوا مقابلها أجراً.
стр. 174
عدم تقليد الكفرة والتشبه بهم
ي هذه المادة يتحدث الشيخ عن حكم التشبه بالكفار مبيناً آثاره السلبية على الشخصية المسلمة، وقد ضرب لذلك بعض الأمثلة كلبس (البرنيطة) و (الكرفتة) وغيرها من ملابس الكفار الخاصة بهم، ثم تلكم عن حكم التعظيم بالقيام في المجالس.
стр. 175
النهي عن التشبه بالكفار
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
السؤال
نرجو التفصيل في بيان المشابهة المقصودة في أحاديث النبي ﵊ في النهي عن مشابهة الكفار، وإيضاح الطائفة، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
كل شيء هو من خصائص الكفار ومن عاداتهم التي يتميزون بها على غيرهم، فالمسلم لا يجوز له أن يتزيا بشيء من تلك الخصائص والأشياء، ولاشك أن المسألة لا يمكن بسطها بدقة كما يبدو أن السائل يريد ذلك؛ وذلك لأن التشبه مراتب، وأنا أضرب لكم على ذلك بعض الأمثلة للتوضيح.
ولا يزال المسلمون اليوم -والحمد لله- في أكثر بلادهم يستهزئون بأن يلبس المسلم ويضع على رأسه القبعة (البرنيطة) ، فالقبعة هذه هي شعار للكفار، فإذا وضعها المسلم على رأسه يكون قد تشبه في أبرز صفة أو زي خاص بالكفار، فلا يبقى هنا شك عند من كان على علم بهذا الحديث وأمثاله، أن هذا التزين وهذا اللباس لا يجوز؛ لأن هذا المسلم الذي نفترضه تقبع -إذا صح التعبير- بهذه القبعة، وأخذ يمشي بين المسلمين وهي عليه، لا شك أنه بذلك قد ضيع شخصيته المسلمة، ولازم ذلك أنه فك الرباط الوثيق الذي بينه وبين إخوانه المسلمين، ويستلزم من ذلك أن له حقوقاً عليهم كما أن لهم حقوقاً عليه قد ضيعها بفعله هذا، فنحن نذكر جيداً قول النبي ﷺ : (حق المسلم على المسلم خمس) فذكر أول ما ذكر فقال: (إذا لقيته فسلم عليه) فهذا حينما تلقاه في الطريق وقد تزيا بهذا الزي، لا يتبادر ولا يخطر في بالك إطلاقاً أن هذا الذي مر بك أو مررت به هو رجل مسلم له هذه الحقوق، وإنما تظنه من أولئك الكفار (جورج) أو نحو ذلك، ولا تندفع بإلقاء السلام عليه، وذلك من واجبه عليك؛ لأنك مسلم وهو مسلم، لكن الفرق أنه ضيع شخصيته المسلمة بلباسه هذا -لباس الكفار- فمنع رحمة الله عنه.
أقول هذا؛ لأنكم تذكرون أني شرحت لكم أن السلام الذي اختص الله به المسلمين هو اسم من أسماء الله، كما جاء في الأحاديث الصحيحة: (وضعه في الأرض فأفشوه بينكم) فحينما يقول المسلم لأخيه المسلم: السلام عليكم، فهو كأنه يقول بالتعبير الثاني: (اسم الله عليك) أي: أنت محاط باسم الله السلام، فهو بسبب إضاعته لشخصيته المسلمة؛ حُرِم وافتقد هذه النعمة التي خص الله بها عباده المسلمين، وهذا يستلزم أموراً أخرى من التباعد والتقاطع والتدابر.
стр. 176
تأثير الظواهر في البواطن
إن هذا اللباس ليس كما يتوهم الكثير من الناس قاصري العلم والنظر، أنه لا تأثير له في أخلاق الناس، ولا تأثير له في طباعهم بل وفي قلوبهم ليس الأمر كذلك، بل الظواهر لها تأثير في البواطن، وهذا ثابت في نصوص شرعية كثيرة جداً، كنت ألممت بشيءٍ منها في دروس مضت.
وحسبي أن أذكركم الآن بقول الرسول ﵊ في حديث النعمان الذي يقول في آخره: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فلباس الكفار هذا ليس صلاحاً إنما هو فساد، وهذا اللباس يؤثر في قلب لابسه، ويطبعه بطابع أولئك الناس الذين لبس لباسهم، وهنا أريد أن أستغلها فرصة قبل أن أتوسع في الموضوع أكثر، أريد أن ألفت النظر الآن كيف أن المسلمين شخصيتهم في زوال مستمر، في اضمحلال وانحلال، لقد ظهرت -الآن- ظاهرة غريبة جداً عمت كثيراً من الشباب: وهي أنهم يلبسون أقمشة بيضاء، إما أن تكون مطبوعة عليها هنا في الصدر، ما يشبه الهلال أو غيرها مما يكتب بالأحرف الإفرنجية، وكثير منها مصور عليها صور بشر، وبعض هذه الصور تمثل بعض الأبطال -زعموا- من الملاكمين أو المصارعين أو ما شابه ذلك، وشاهدت قريباً في بعض المساجد وأنا قائم أصلي بين يدي شاب، وهذا الشاب أعرفه يصلي ويحافظ على الصلاة، رأيت في قميصه صوراً من الأمام والخلف والجانبين، هكذا الثوب طبع بهذا الطابع، وما هذه الصور؟ صور رجل يسبح، وهذا السابح اليوم صار من الطبيعي أن يكون لباسه هو التبّان باللغة العربية، وهو (الشورت) هو الذي لا يستر إلا السوأتين بل لا يسترهما، لأنه يجسمهما، فأنا أصلي وبين يدي هذه الصورة! هذه غفلة شديدة جداً من هؤلاء المسلمين الجهلة بإسلامهم، وهذا معناه أن المسلمين كلما مضى عليهم عهد وزمن غير قصير، كلما ابتعدوا عن الإسلام رويداً رويداً، فأين الاعتزاز بالعزة الإسلامية والشخصية المسلمة، والمحافظة على عاداتنا التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا؟! إنسان يلبس قميصاً فيه زنجي مصور، فما حلاوة هذه الصورة؟! أصبح كل شيء غريباً علينا نتأسى ونقتدي به، وهذا معناه أن المسلمين لم يعودوا يعرفون قيمة التشبه بالكفار، لذلك كان من رحمة ربنا بنا أن أرسل إلينا نبينا محمداً ﷺ بشرع وصفه ربنا في قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] وزاد ذلك بياناً قوله ﵇: (ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يباعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه) ومما نهانا عنه النبي ﷺ محافظةً على ديننا وعلى شخصيتنا المسلمة، ألا نتشبه بالكفار مطلق التشبه، لكني ضربت لكم مثلاً لا يمكن أن يشك فيه إنسان متجرد عن اتباع الهوى، أن وضع القبعة هذه على الرأس هو إضاعة لهذا المسلم وشخصيته، وانخلاع منه من هذا المجتمع الإسلامي، إذا كان بقي لهذا المجتمع ما يستحق أن يسمى بأنه مجتمع إسلامي.
стр. 177
أثر التشبه بالكفار
ولعل من المفيد أن أذكر لكم خلاصة قصة لتعرفوا أثر التشبه بالكفار، فبالأحرى نحن المسلمين أن نعرف ذلك ركبت مرة في قطار فاجتمعت مع قسيس ماروني لبناني، وجرى بيني وبينه نقاش طويل لست الآن في صدده، لكنه رجل أنكر على المسلمين تشددهم في مسألة اللباس وتحريم (البرنيطة) ، وكان أن ذكر من تشددهم أن أنكروا على مصطفى كمال ذلك الذي لم يرض لنفسه اسم المصطفى، فوضع له اسم أتاتورك، هذا القسيس ينكر على المسلمين لماذا أنكروا عليه وضع (البرنيطة) وفرضه على الشعب التركي (البرنيطة) وإلى الآن يعيش كثير من الأشخاص في هذا الزي التافه، فناقشته في هذه المسألة، وكما قلت: أريد أن أقدم إليكم العبرة من هذه المناقشة، هو يقول: إن هذا اللباس عالمي فما الذي يضر المسلمين أن يلبسوا هذا اللباس؟ وهو كما تفهمون من وصفي إياه بأنه قسيس ماروني، والماروني يلبس هذا الذي يسمونه (الطربوش) ، هذا الطويل الأسود، وهو طربوش خاص بالمارونيين، قلت له: إذاً لا بأس عليك من أن تنزع هذه القلنسوة السوداء وتضع بدلها العمامة البيضاء على (الطربوش) الأحمر، وهو لابس جبة سوداء بطبيعة الحال، فأول ما قلت له هذا قال: لا، ونفر من هذا، وهنا يأتي الشاهد، قلت له: لِمَ؟ قال: نحن لا يجوز لنا ذلك، نحن رجال دين، فأخذته من هذه الكلمة وقلت: هذا هو الفرق بيننا نحن معشر المسلمين وبينكم معشر النصارى، أنتم جعلتم أنفسكم طائفتين: رجال دين، ورجال لا دين، فرجال الدين لهم أحكام خاصة، منها: أن لهم لباسهم الخاص، فأنت ما فررت من أن تتشبه بالإسلام إلا لأنك تريد أن تحافظ على شخصيتك النصرانية، ونحن كل مسلم منا، أصغر مسلم منا كأكبر مسلم، ويجب عليه ما يجب على أكبر شيخ عندنا، ويجوز له ما يجوز على أكبر شيخ عندنا، فكما لا يجوز لك أن تتشبه بالمسلم كذلك لا يجوز عندنا لأي مسلم وليس لشيخ، وإنما أي مسلم لا يجوز له أن يتشبه بالكافر.
إذاً: موضوع التشبه ليس موضوعاً تعبدياً، بل هو موضوع علمي نفسي دقيق جداً، وعلماء الفلسفة والاجتماع -كما يسمون اليوم- يقولون: الأمم بقاؤها بمحافظتها على عاداتها، وبمحافظتها على لغتها وتاريخها.
والمسلمون -مع الأسف- رويداً رويداً يخسرون ويضيعون هذه الأسس التي بها تكون شخصيتهم.
стр. 178
صورة أخرى من التشبه
لقد أصبح التشبه بالكفار أمراً سهلاً جداً، فضربت لكم مثلاً: (البرنيطة) ولننزل درجة، فنأخذ وضع العقدة هذه التي يسمونها (الكرفتة) ، هذه ما المقصود منها يا ترى؟ لا شيء أبداً إلا أن هذا زي كافر نقله الكفار حينما استحلوا بلادنا، فزين الشيطان لنا ذلك الزي فقلدناهم وتشبهنا بهم، وإلا يكفي أن يستحضر العاقل الوقت الذي يضيعه -هذا إن صح التعبير- عندما يقف أمام المرآة ويضيع كذا من الدقائق بل الساعات حتى يزينها، ثم هو يتضايق فعلاً كما يتضايق كل واحد منكم مبتلى بلباس هذا البنطلون وأمثاله.
فالخلاصة: هذا أيضاً لا يراد به إلا التشبه فقط، وإن هذا الذي يلبس (الكرفتة) تشبهه بالكفار ليس كالذي تشبه بوضع (البرنيطة) ، وكما كنا نسمع بعض المشايخ هنا من بني قومي كانوا يقولون: إن هذا الذي وضع (البرنيطة) على رأسه معناه وضع الغطاء وانتهى الأمر، أي: أعلن أنه ليس مسلماً.
ثم ننزل إلى مراتب أخرى، هذا اللباس الذي ابتلي به جماهير الشباب اليوم في لبس البنطلون والقميص، لا سيما البنطلون كالمنخدعين بالموضات كما يسمونها، وقد ذكرت نكتة كانت تقال في النساء فأصبحت تقال في الرجال قرأت ذات مرة: أن رجلاً رأى صديقه يحمل في ذراعه شيئاً وهو يركض، فقال له: إلى أين؟ لماذا تستعجل؟ قال: هذا فستان أهديه لزوجتي، وأنا ذاهب لأسلمها إياه قبل أن تطلع موضة جديدة وسأضطر أن أشتري لها غيره! أصبحت الموضة وتجددها أمراً ليس خاصاً بالنساء فقط، بل تعدى حتى إلى الشباب، وهذا كله يدل ويؤكد لنا أن المسلمين أصبحت عقولهم مع غيرهم، وليس هناك مسلمون أمثالهم.
стр. 179
أهمية مخالفة الكفار
أخيراً: المراتب لا تنحصر إطلاقاً، لكن على المسلم أن يحاسب نفسه ليعلم أن التشبه هو كل شيء جاءنا من الكفار، ولا فائدة فيه مطلقاً سوى التقليد أو التشبه، على أن هناك مرتبة أخرى إذا ما تذكرها المسلم، أنه حينذاك لم يبق هناك ضرورة لذكر ذاك الطلب الذي يطلب تفصيل التشبه ومراتبه ودرجاته، وذلك هو تقصد مخالفة الكافر، والتشبه أن تفعل فعل الكافر، وهذا كما رأيتم مراتب ودرجات، لكن هناك شيء في الشرع يطالبك أن تتعاطى أعمالاً تصدر منك تقصد بها مخالفة الكفار، حتى في شيء ليس من ملكك ولا من طوعك، ذلك ما أفادنا إياه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، في حديث البخاري: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون شعورهم فخالفوهم) إن اليهود والنصارى لا يصبغون شعورهم إذا ما شابت، فاقصدوا أنتم مخالفتهم في صبغكم لشعوركم.
والإنسان يشيب، وهذه سنة الله في خلقه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح:٢٣] لا فرق بين مسلم وكافر، بين صالح وطالح، كلهم لابد أن يمروا في هذا الطريق، وهو الشيب، والرسول ﷺ قد شاب كما نعلم، مع هذا كله يقول الرسول ﷺ : (إذا شاب أحدكم فليصبغ شعره) لماذا؟ ليخالف اليهود والنصارى الذين لا يصبغون شعورهم.
إذاً: نحن لسنا منهيين فقط عن التشبه بالكفار، بل نحن مأمورون بأن نقصد مخالفتهم، أي: إذا لبسوا لباساً فعلينا أن نتحفظ أن نلبس غير لباسهم، وأن نجعل حياتنا كلها جملةً وتفصيلاً غير حياة الكفار، وهذا -كما قلت لكم آنفاً- ليس أمراً عبثاً، فالظواهر تؤثر في البواطن، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر.
ولعل بهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.
السائل: ما حكم الصلاة (بالبرنيطة) ؟ الشيخ: لا يستطيع أحدهم أن يسجد وعليه (البرنيطة) ، لكنهم إذا دخلوا المساجد يخلعون ما على رءوسهم كما يخلعون ما على أرجلهم.
стр. 180
حكم لبس العمائم
السؤال
ما هي العمائم؟
الجواب
العمائم: هو لباس من لباس العرب، فمن لبسه كعادة عربية فذلك أمر حسن، لكنها ليست سنة تعبدية، وليس كما جاء في بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة: (إن الصلاة بالعمامة بسبعين صلاة بغير عمامة) فهو من زي العرب ولا يزالون يستعملونها، ولكن لا يظنن ظانٌ أن العمامة هي هذه التي تكور على الرأس طبقات ودرجات، ولكل درجة علو في الجنة درجة، هذا شيء لا أصل له، فالعمامة هي هذه الحطة التي نضعها على رءوسنا نكورها أحياناً من البرد أو من الحر وهكذا.
والسلام عليكم.
следующие страницы →