Полный текст (552 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
تأثير الظواهر في البواطن
إن هذا اللباس ليس كما يتوهم الكثير من الناس قاصري العلم والنظر، أنه لا تأثير له في أخلاق الناس، ولا تأثير له في طباعهم بل وفي قلوبهم ليس الأمر كذلك، بل الظواهر لها تأثير في البواطن، وهذا ثابت في نصوص شرعية كثيرة جداً، كنت ألممت بشيءٍ منها في دروس مضت.
وحسبي أن أذكركم الآن بقول الرسول ﵊ في حديث النعمان الذي يقول في آخره: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فلباس الكفار هذا ليس صلاحاً إنما هو فساد، وهذا اللباس يؤثر في قلب لابسه، ويطبعه بطابع أولئك الناس الذين لبس لباسهم، وهنا أريد أن أستغلها فرصة قبل أن أتوسع في الموضوع أكثر، أريد أن ألفت النظر الآن كيف أن المسلمين شخصيتهم في زوال مستمر، في اضمحلال وانحلال، لقد ظهرت -الآن- ظاهرة غريبة جداً عمت كثيراً من الشباب: وهي أنهم يلبسون أقمشة بيضاء، إما أن تكون مطبوعة عليها هنا في الصدر، ما يشبه الهلال أو غيرها مما يكتب بالأحرف الإفرنجية، وكثير منها مصور عليها صور بشر، وبعض هذه الصور تمثل بعض الأبطال -زعموا- من الملاكمين أو المصارعين أو ما شابه ذلك، وشاهدت قريباً في بعض المساجد وأنا قائم أصلي بين يدي شاب، وهذا الشاب أعرفه يصلي ويحافظ على الصلاة، رأيت في قميصه صوراً من الأمام والخلف والجانبين، هكذا الثوب طبع بهذا الطابع، وما هذه الصور؟ صور رجل يسبح، وهذا السابح اليوم صار من الطبيعي أن يكون لباسه هو التبّان باللغة العربية، وهو (الشورت) هو الذي لا يستر إلا السوأتين بل لا يسترهما، لأنه يجسمهما، فأنا أصلي وبين يدي هذه الصورة! هذه غفلة شديدة جداً من هؤلاء المسلمين الجهلة بإسلامهم، وهذا معناه أن المسلمين كلما مضى عليهم عهد وزمن غير قصير، كلما ابتعدوا عن الإسلام رويداً رويداً، فأين الاعتزاز بالعزة الإسلامية والشخصية المسلمة، والمحافظة على عاداتنا التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا؟! إنسان يلبس قميصاً فيه زنجي مصور، فما حلاوة هذه الصورة؟! أصبح كل شيء غريباً علينا نتأسى ونقتدي به، وهذا معناه أن المسلمين لم يعودوا يعرفون قيمة التشبه بالكفار، لذلك كان من رحمة ربنا بنا أن أرسل إلينا نبينا محمداً ﷺ بشرع وصفه ربنا في قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] وزاد ذلك بياناً قوله ﵇: (ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يباعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه) ومما نهانا عنه النبي ﷺ محافظةً على ديننا وعلى شخصيتنا المسلمة، ألا نتشبه بالكفار مطلق التشبه، لكني ضربت لكم مثلاً لا يمكن أن يشك فيه إنسان متجرد عن اتباع الهوى، أن وضع القبعة هذه على الرأس هو إضاعة لهذا المسلم وشخصيته، وانخلاع منه من هذا المجتمع الإسلامي، إذا كان بقي لهذا المجتمع ما يستحق أن يسمى بأنه مجتمع إسلامي.
стр. 177
أثر التشبه بالكفار
ولعل من المفيد أن أذكر لكم خلاصة قصة لتعرفوا أثر التشبه بالكفار، فبالأحرى نحن المسلمين أن نعرف ذلك ركبت مرة في قطار فاجتمعت مع قسيس ماروني لبناني، وجرى بيني وبينه نقاش طويل لست الآن في صدده، لكنه رجل أنكر على المسلمين تشددهم في مسألة اللباس وتحريم (البرنيطة) ، وكان أن ذكر من تشددهم أن أنكروا على مصطفى كمال ذلك الذي لم يرض لنفسه اسم المصطفى، فوضع له اسم أتاتورك، هذا القسيس ينكر على المسلمين لماذا أنكروا عليه وضع (البرنيطة) وفرضه على الشعب التركي (البرنيطة) وإلى الآن يعيش كثير من الأشخاص في هذا الزي التافه، فناقشته في هذه المسألة، وكما قلت: أريد أن أقدم إليكم العبرة من هذه المناقشة، هو يقول: إن هذا اللباس عالمي فما الذي يضر المسلمين أن يلبسوا هذا اللباس؟ وهو كما تفهمون من وصفي إياه بأنه قسيس ماروني، والماروني يلبس هذا الذي يسمونه (الطربوش) ، هذا الطويل الأسود، وهو طربوش خاص بالمارونيين، قلت له: إذاً لا بأس عليك من أن تنزع هذه القلنسوة السوداء وتضع بدلها العمامة البيضاء على (الطربوش) الأحمر، وهو لابس جبة سوداء بطبيعة الحال، فأول ما قلت له هذا قال: لا، ونفر من هذا، وهنا يأتي الشاهد، قلت له: لِمَ؟ قال: نحن لا يجوز لنا ذلك، نحن رجال دين، فأخذته من هذه الكلمة وقلت: هذا هو الفرق بيننا نحن معشر المسلمين وبينكم معشر النصارى، أنتم جعلتم أنفسكم طائفتين: رجال دين، ورجال لا دين، فرجال الدين لهم أحكام خاصة، منها: أن لهم لباسهم الخاص، فأنت ما فررت من أن تتشبه بالإسلام إلا لأنك تريد أن تحافظ على شخصيتك النصرانية، ونحن كل مسلم منا، أصغر مسلم منا كأكبر مسلم، ويجب عليه ما يجب على أكبر شيخ عندنا، ويجوز له ما يجوز على أكبر شيخ عندنا، فكما لا يجوز لك أن تتشبه بالمسلم كذلك لا يجوز عندنا لأي مسلم وليس لشيخ، وإنما أي مسلم لا يجوز له أن يتشبه بالكافر.
إذاً: موضوع التشبه ليس موضوعاً تعبدياً، بل هو موضوع علمي نفسي دقيق جداً، وعلماء الفلسفة والاجتماع -كما يسمون اليوم- يقولون: الأمم بقاؤها بمحافظتها على عاداتها، وبمحافظتها على لغتها وتاريخها.
والمسلمون -مع الأسف- رويداً رويداً يخسرون ويضيعون هذه الأسس التي بها تكون شخصيتهم.
стр. 178
صورة أخرى من التشبه
لقد أصبح التشبه بالكفار أمراً سهلاً جداً، فضربت لكم مثلاً: (البرنيطة) ولننزل درجة، فنأخذ وضع العقدة هذه التي يسمونها (الكرفتة) ، هذه ما المقصود منها يا ترى؟ لا شيء أبداً إلا أن هذا زي كافر نقله الكفار حينما استحلوا بلادنا، فزين الشيطان لنا ذلك الزي فقلدناهم وتشبهنا بهم، وإلا يكفي أن يستحضر العاقل الوقت الذي يضيعه -هذا إن صح التعبير- عندما يقف أمام المرآة ويضيع كذا من الدقائق بل الساعات حتى يزينها، ثم هو يتضايق فعلاً كما يتضايق كل واحد منكم مبتلى بلباس هذا البنطلون وأمثاله.
فالخلاصة: هذا أيضاً لا يراد به إلا التشبه فقط، وإن هذا الذي يلبس (الكرفتة) تشبهه بالكفار ليس كالذي تشبه بوضع (البرنيطة) ، وكما كنا نسمع بعض المشايخ هنا من بني قومي كانوا يقولون: إن هذا الذي وضع (البرنيطة) على رأسه معناه وضع الغطاء وانتهى الأمر، أي: أعلن أنه ليس مسلماً.
ثم ننزل إلى مراتب أخرى، هذا اللباس الذي ابتلي به جماهير الشباب اليوم في لبس البنطلون والقميص، لا سيما البنطلون كالمنخدعين بالموضات كما يسمونها، وقد ذكرت نكتة كانت تقال في النساء فأصبحت تقال في الرجال قرأت ذات مرة: أن رجلاً رأى صديقه يحمل في ذراعه شيئاً وهو يركض، فقال له: إلى أين؟ لماذا تستعجل؟ قال: هذا فستان أهديه لزوجتي، وأنا ذاهب لأسلمها إياه قبل أن تطلع موضة جديدة وسأضطر أن أشتري لها غيره! أصبحت الموضة وتجددها أمراً ليس خاصاً بالنساء فقط، بل تعدى حتى إلى الشباب، وهذا كله يدل ويؤكد لنا أن المسلمين أصبحت عقولهم مع غيرهم، وليس هناك مسلمون أمثالهم.
стр. 179
أهمية مخالفة الكفار
أخيراً: المراتب لا تنحصر إطلاقاً، لكن على المسلم أن يحاسب نفسه ليعلم أن التشبه هو كل شيء جاءنا من الكفار، ولا فائدة فيه مطلقاً سوى التقليد أو التشبه، على أن هناك مرتبة أخرى إذا ما تذكرها المسلم، أنه حينذاك لم يبق هناك ضرورة لذكر ذاك الطلب الذي يطلب تفصيل التشبه ومراتبه ودرجاته، وذلك هو تقصد مخالفة الكافر، والتشبه أن تفعل فعل الكافر، وهذا كما رأيتم مراتب ودرجات، لكن هناك شيء في الشرع يطالبك أن تتعاطى أعمالاً تصدر منك تقصد بها مخالفة الكفار، حتى في شيء ليس من ملكك ولا من طوعك، ذلك ما أفادنا إياه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، في حديث البخاري: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون شعورهم فخالفوهم) إن اليهود والنصارى لا يصبغون شعورهم إذا ما شابت، فاقصدوا أنتم مخالفتهم في صبغكم لشعوركم.
والإنسان يشيب، وهذه سنة الله في خلقه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح:٢٣] لا فرق بين مسلم وكافر، بين صالح وطالح، كلهم لابد أن يمروا في هذا الطريق، وهو الشيب، والرسول ﷺ قد شاب كما نعلم، مع هذا كله يقول الرسول ﷺ : (إذا شاب أحدكم فليصبغ شعره) لماذا؟ ليخالف اليهود والنصارى الذين لا يصبغون شعورهم.
إذاً: نحن لسنا منهيين فقط عن التشبه بالكفار، بل نحن مأمورون بأن نقصد مخالفتهم، أي: إذا لبسوا لباساً فعلينا أن نتحفظ أن نلبس غير لباسهم، وأن نجعل حياتنا كلها جملةً وتفصيلاً غير حياة الكفار، وهذا -كما قلت لكم آنفاً- ليس أمراً عبثاً، فالظواهر تؤثر في البواطن، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر.
ولعل بهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.
السائل: ما حكم الصلاة (بالبرنيطة) ؟ الشيخ: لا يستطيع أحدهم أن يسجد وعليه (البرنيطة) ، لكنهم إذا دخلوا المساجد يخلعون ما على رءوسهم كما يخلعون ما على أرجلهم.
стр. 180
حكم لبس العمائم
السؤال
ما هي العمائم؟
الجواب
العمائم: هو لباس من لباس العرب، فمن لبسه كعادة عربية فذلك أمر حسن، لكنها ليست سنة تعبدية، وليس كما جاء في بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة: (إن الصلاة بالعمامة بسبعين صلاة بغير عمامة) فهو من زي العرب ولا يزالون يستعملونها، ولكن لا يظنن ظانٌ أن العمامة هي هذه التي تكور على الرأس طبقات ودرجات، ولكل درجة علو في الجنة درجة، هذا شيء لا أصل له، فالعمامة هي هذه الحطة التي نضعها على رءوسنا نكورها أحياناً من البرد أو من الحر وهكذا.
والسلام عليكم.
стр. 181
التحذير من تقليد الكفار والتشبه بهم
إن تشبه المسلم بالكافر خلل في العقيدة وجريمة نكراء حذرت منها الشريعة، وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن حكم التعظيم بالقيام في المجالس أو الركوع والسجود، مبيناً نهي النبي ﷺ وكراهيته الشديدة لهذه الفعلة الشنيعة.
стр. 182
حكم القيام في المجالس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
لم يكن بودي في هذه الليلة أن أتكلم بشيء؛ لأننا رغبنا أن نسمعكم صوتاً جديداً من أخٍ لنا قديم، من إخواننا السلفيين الذين استجابوا لله وللرسول، حين دعاه وإخوانه إلى اتباع الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.
أردنا أن نعطيه هذا الوقت ليتكلم بما يبدو له مما ينفع الناس جميعاً والسلفيين خاصة، وكنت أرى أنه إن بقي عندنا شيء من الوقت المعتاد أن نجيب عن الأسئلة التي يوجهها إخواننا عادة، ولكن بدا لي وأنا داخل إلى هذا المكان أن أتكلم بكلمة على الرغم من ذلك، وذلك لأنه جاءت أيضاً مناسبة، وهي أن أخاً لنا في الغيب -لا نعرفه من قبل- زارنا قبل أيام ثم زارنا في هذه الليلة، ولاحظ في مجلسنا شيئاً من الحرية من إخواننا معي، باعتباري شيخاً لهم عند هذا الزائر الكريم، فحدثته بأننا لسنا مع إخواننا كما تعلم من المشايخ مع مريديهم وتلامذتهم، وأردت أن ألفت نظره بأننا سندخل الآن إلى المجلس، فقلت: قد ترى شيئاً أيضاً لا يعجبك، قال: ماذا؟ قلت: ستراني أدخل المجلس ولا أحد يتحرك إطلاقاً، فأجاب كما هو مستوى أي متعلم وعاش على ذلك مدة من الزمن، أجاب: لهم ألا يقوموا ولهم أن يقوموا، وباعتباره زائراً وقد لا تتاح لي هذه الفرصة أن أتكلم معه بهذه المسألة في جلسة خاصة من جهة، فخشية أن تفوتني هذه الفرصة وأن يفوتني هذا الصيد الثمين المهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: أنني أعلم أنه يحضر جلستنا هذه كثير من الإخوان الطيبين، والذين تثقفوا بثقافة يظنون أنها من الإسلام وهي ليست من الإسلام في شيء، إنما هي تقاليد تسربت إلينا منذ القديم، من تقاليد فارس والروم.
ولقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: (أن النبي ﷺ صلى ذات يوم صلاة الظهر بهم جالساً، فصلى أصحابه خلفه قياماً، فأشار إليهم وهو في صلاته أن اجلسوا، فجلسوا، وحينما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة قال لهم: إن كدتم لتفعلن آنفاً فعل فارس بعظمائها، يقومون على رءوس ملوكهم، إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين) .
الشاهد من هذا الحديث هو: أن من عادة الأمم أن يأخذ بعضها عن بعض، وأن يقلد بعضها بعضاً، وإنما يأخذ الضعيف من القوي، وإنما يقلد الضعيف القوي، كما هو واقعنا اليوم تماماً، فقد أصبحنا على الرغم من ديننا وإسلامنا -بسبب بعدنا عن إسلامنا- أصبحنا أمة ضعيفة تقلد الأقوياء في المادة، وليتهم كانوا أقوياء في الدين وفي العقيدة وفي الخلق، أصبحنا نقلدهم؛ لأننا ننظر إليهم بعين الإجلال والإكبار والتعظيم، هذه هي عادة الأمم، ضعيفها مع قويها، وحقيرها مع عظيمها، لذلك جاء الإسلام في جملة ما جاء به من المقاصد والقواعد، أن نهى المسلمين أن يتشبهوا بالكافرين؛ وذلك لأن التشبه هو مدعاة لإضاعة شخصية الأمة، ولتمييعها في شخصية أمة أخرى، فطالما جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ تترى بعبارات متنوعة شتى، كلها تؤدي إلى حقيقة واحدة، ألا وهي حافظوا على شخصيتكم المسلمة، ولا تقلدوا الكفار في شيء من تقاليدهم ومن عاداتهم.
ولست أريد الخوض في شيءٍ من التفصيل في هذا، أو على أصل من تلك الأصول التي ألمحت إليها آنفاً، وقد كنت تحدثت بشيء من التفصيل عن ذلك في كتاب: حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة، وإنما أردت أو عزمت على الكلام على جزئية من الجزئيات التي فشت اليوم في مجالس المسلمين، وبناءً على كلمة الأخ المشار إليه سابقاً، أن الشيخ إذا دخل المجلس فللناس الجالسين أن يظلوا جالسين وأن يقوموا؛ فنحن نقول: إذا دخل الشيخ مجلساً فليس لأحد أن يقوم له؛ لأن هذا الشيخ مهما سما وعلا فلن يكون من رسول الله ﷺ شيئاً مذكوراً، وقد علمنا من السنة الصحيحة أن النبي ﷺ هو سيد البشر، وأن أصحابه ﵊ هم أفضل البشر بعد الأنبياء والرسل، فإذاً: هم أعرف الناس بما يستحقه أعظم الناس وسيد الناس وهو رسول الله ﷺ ، من التبجيل والإكرام والتعظيم كيف لا وقد سمعوه ﵊ يقول لهم مراراً وتكراراً: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه) هذا حديث رواه إمام الأئمة محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه الأدب المفرد، من طرق عديدة وعن جماعة من الصحابة، ومما روى أيضاً: (إن من إجلال الله- من تعظيم الله- إجلال ذي الشيبة المسلم) .
هؤلاء الصحابة الذين تأدبوا بأدب رسول الله ﷺ ، وتخرجوا من مدرسته، وصاحبوه ما شاء الله من سنين كلٌ بحسبه، ما كان لهم إلا أن يعظموا رسول الله ﷺ التعظيم الذي يستحقه، فهل كان من ذلك أنه إذا دخل عليهم رسول الله ﷺ في مجلس كهذا -وبدون تشويه كما يقولون-.
هل كان أحدٌ منهم يقوم له؟ إذا رجعنا إلى السنة الصحيحة وجدنا الجواب صريحاً بالنفي.
стр. 183
كراهية الرسول ﷺ للقيام له
وذلك أيضاً مما رواه إمام الأئمة في الكتاب السابق الذكر: الأدب المفرد:، عن أنس بن مالك ﵁ قال: [ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا لا يقومون له لما يعلمون من كراهيته لذلك] إذاً: أصحاب الرسول ﷺ كانوا لا يقومون لسيدهم، بل سيد الناس جميعاً تُرى أهذا استهتار منهم وعدم مبالاة بتعظيم الرسول ﵇، وإكرامه الإكرام الذي يليق ويجوز شرعاً، أم هو تجاوب منهم مع نبيهم ﷺ ، الذي أفهمهم بأن هذا القيام هو من عادة الأعاجم، وقد نهوا -كما أشرنا في مطلع هذه الكلمة- في أحاديث جمة عن التشبه بالكفار؟ فلاشك أن عدم قيامهم للرسول ﷺ إنما كان من احترامهم له وتعظيمهم له؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] فاتباع الرسول ﷺ حق الاتباع يستلزم أن يعرض الإنسان عن أهوائه وعن عواطفه تجاه أمر نبيه صلى الله عليه وآله سلم وسنته، لذلك كان أصحاب الرسول ﵊ لا يقومون له، لماذا؟ الجواب في نفس الحديث: لما يعلمون من كراهيته لذلك، فرسول الله ﷺ كان يكره من أصحابه أن يقوموا له، تُرى لماذا؟ بعض الناس ممن اعتادوا مخالفة هذه السنة ممن يقومون لغيرهم، وممن يقام لهم، يتأولون هذا الحديث بغير تأويله، ومع ذلك فتأويلهم هذا يعود عليهم لا لهم، يقولون: لما يعلمون من كراهيته لذلك، أي: الرسول ﵊ كان متواضعاً، كان أشد الناس -بلا شك- تواضعاً، فمن تواضعه أنه لا يحب أن يقوم الصحابة له.
نحن لا نسلِّم بهذه العلة، نحن نسلِّم أن الرسول ﵊ -بلا شك- أشد الناس تواضعاً، لكن لا نسلم أبداً بأن هذه هي العلة، وسنذكر ما هي العلة، لكن نقول لهؤلاء المتأولين بهذا التأويل: فما بالكم أنتم لا تتواضعون تواضع الرسول ﵊؟ ألستم أنتم أولى بأن تتواضعوا من الرسول ﷺ ؟! فالرسول ﷺ إذا قال للناس: (صلوا عليّ) وكما يقولون: كلام يجر كلام (صلوا عليَّ) أتدون ما المعنى؟ يعني: ادعوا لي بأن الله يزيدني شرفاً ومجداً، وعلواً ومنزلةً، هذا قد يخالف التواضع، لكننا نحن نقول: حينما يأمر الناس بأن يصلوا عليه، إنما يأمرهم بأمر الله له أن يأمرهم بأن يصلوا عليه؛ لأن ذلك أقل ما يستحقه الرسول ﵊ بسبب أنه كان هداية للناس، كما قال تعالى في القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] فإذا كان الرسول ﵊ لم يتواضع هذا التواضع فلا ضير عليه، لكن أنتم عليكم الضير كله؛ لأنه يخشى عليكم الفتنة، يخشى عليكم أنكم إذا اعتدتم من الناس أن يقوموا لكم أن يدخل الشيطان فيكم -الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم- أن يدخل الشيطان دخولاً خاصاً، فيغير من أخلاقكم ومن عاداتكم وطباعكم، فيصبح أحدكم إذا دخل المجلس وقاموا له، ورأى واحداً في المجلس لم يقم له فكأنما كفر بالله ورسوله.
ماذا فعل هذا الإنسان؟ أقل ما يقال كما تقدم آنفاً: إن له أن يقوم وله ألا يقوم، فهذا لم يقم، فلماذا قامت عليه القيامة؟ لأنهم فهموا أن هذا القيام دليل احترام، وتركه دليل إهانة وعدم إكرام، فيا ترى هل كان الصحابة مع الرسول ﵊ لا يكرمونه؟! أكانوا يهينونه بترك القيام؟! حاشا وكلا! لكن لما انحرف الفهم الصحيح لهذا الحديث: (لما يعلمون من كراهيته لذلك) انحرف بهم الأمر فقالوا: الإكرام بالقيام لا بأس به ولماذا كان أصحاب الرسول لا يقومون للرسول؟ تواضعاً منه، هكذا يقولون، نقول: تشبهوا برسول الله واقتدوا به، وتواضعوا تواضعه، ولا تطلبوا من أصحابكم أن يقوموا لكم، بل أشيعوا بينهم أنكم تكرهون القيام، وماذا تكون النتيجة والعاقبة؟ كما كان الأمر بين الرسول ﵊ وبين الصحابة، يدخل الرسول ﵊ المجلس ولا أحد يقوم له، فهل هذا إهانة له؟ حاشا! وإنما هو إكرام له ﵊؛ لأنه كان يأمرهم بذلك، فلو أننا نحن الذين ننتمي إلى العلم، وننتمي إلى التمسك بهذا الدين، وسلكنا سبيل الرسول ﵊ في كل شيء، ومن ذلك: أن نكره ما كرهه ﵇ خاصة، من مثل هذه الآداب الاجتماعية التي تفسد القلوب وتفسد الأخلاق، لكنا في مجتمع ليس كهذا المجتمع، ولكنا في مجتمع ليس فيه تقاليد الأعاجم الكفار.
أما الجواب الصحيح لقول أنس بن مالك السابق الذكر: [لما يعلمون من كراهيته لذلك] فهي كراهية شرعية، فالرسول يكره هذا القيام، لأنه من عادة الأعاجم، وقد سمعتم آنفاً حديث جابر، وعندما وقفوا خلف الرسول ﵇ قياماً لمن؟ ولماذا؟ تحقيقاً لنص القرآن الكريم: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] إذاً: هم لم يقوموا لمحمد ﵊ القاعد في صلاته مضطراً، وإنما قاموا لله رب العالمين، فنيتهم تعظيم الله لا غير، ماذا فعل معهم الرسول ﵇؟ ما صبر حتى انتهى من صلاته، وإنما عجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأشار إليهم في الصلاة بيده أن اجلسوا، وبعد الصلاة شرح لهم بلسانه وبيانه فقال: (إن كدتم لتفعلن آنفاً فعل فارس بعظمائها، يقومون على رءوس ملوكهم) .
وهناك فرق كبير كما يبدو لكل إنسان يسمع بهذا الحديث بين ملوك فارس، كسرى يجلس على عرشه (المطنطن المفخم) ، وحوله حاشيته ووزراؤه قياماً، وهو يجلس تعاظماً، وهم يقومون تعظيماً له أين هذه الظاهرة من جلوس الرسول ﵇ في الصلاة وليس خارج الصلاة، ومضطراً وليس اختياراً، وقيام الصحابة أيضاً في الصلاة وليس في المجلس أيضاً هم مضطرون طاعة لله رب العالمين، يقومون لله قانتين أين هذه الظاهرة من تلك؟ شتان ما بينهما، ومع ذلك قال لهم ﵊: (إن كدتم لتفعلن فعل الأعاجم مع ملوكم، يقومون على رءوس ملوكهم) ، فلم يقولوا: يا رسول الله! هم يقومون تعظيماً لملكهم؛ لأنهم يفهمون أن هناك أموراً محرمة لذاتها وأموراً أخرى محرمة لغيرها؛ لأنها تؤدي إلى شيء محرم، من ذلك: تبني المسلمين عادات الأجانب والأعاجم، فمن هذه العادات: هذا القيام الذي ابتلي به جماهير المسلمين اليوم، والسبب تعرفونه جميعاً وهو الابتعاد عن السنة وعن الاهتداء بهدي السلف الصالح، وهذا بحث طويل، وأنا لا أريد الاستمرار فيه، لنفرغ المجال لضيفنا الكريم ليلقي ما شاء الله أن يلقي عليكم من الفوائد، وإنما أختم هذه الكلمة بقصة فيها علل وفيها طرافة وفائدة:
стр. 184
قصة أبي عبد الله بن بطة مع أحد العلماء
يذكر أهل التاريخ في ترجمة أبي عبد الله بن بطة وهو من كبار علماء الحديث عند الحنابلة، أنه كان يكره أشد الكراهة هذا القيام الذي اعتاده الناس اليوم وقبل اليوم بمئات السنين، فخرج ذات يوم مع صديق له شاعر إلى السوق، فمرا برجل عالم جالساً في محله، وهذا من أدب العلماء قديماً، أنهم كانوا يعتمدون في تحصيلهم لرزقهم على كد يمينهم وعرق جبينهم، فمرا بهذا العالم مسلِّمَينَ، فقام هذا العالم لـ ابن بطة، وهو يعلم أن ابن بطة يكره هذا القيام على نحو ما تسمعون ذلك، فاعتذر إليه ببيتين من الشعر، وقال له:
لا تلمني على القيام فحقي حين تبدو ألا أمل القياما
أنت من أكرم البرية عندي ومن الحق أن أجل الكراما
كلام العالم بعضه صحيح: فمن حقه أن يجل الكرام، وقد ذكرنا حديثاً بل حديثين آنفاً، أن من حق المسلم إجلال الرجل الكبير، ولكن هل يكون الإجلال بمخالفة السنة؟ هل -مثلاً- يكون الإجلال بالسجود؟ لا.
كل الناس يقولون: لا.
هذا سجود لغير الله لا يجوز -عفواً لقد قلت: كل المشايخ يقولون: بأنه لا يجوز السجود لغير الله، وكنت أتمنى أن أكون موفقاً للصواب حينما قلت: كل المشايخ، لكن آسف ومضطر أن أقول: ليس كلهم يقولون كذلك، فهناك في بعض الطرق من تقاليدهم أن المريد حينما يريد أن يأخذ الإذن من الشيخ أن يطوف في المجلس فيسجد للشيخ، ويقولون: هذا سجود تعظيم وليس سجود عبادة.
قد تكلمنا عن هذا في كثير من الرسائل هل يعظم المسلم بالسجود؟ الجواب والحمد لله: لا.
على الأقل عند الجمهور، أما أولئك فهم شواذ، وعندنا حديث معاذ بن جبل لما جاء إلى هذه البلاد قبل فتحها بالإسلام ورجع إلى المدينة، فأول ما وقع بصره على النبي ﷺ هوى ليسجد له، فقال له: (مه يا معاذ! قال: يا رسول الله! إني أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لقسيسيهم وعظمائهم، ورأيتك أنت أحق بالسجود منهم) هذا كلام صحيح، لو كان السجود لغير الله جائزاً، فهو أحق أن يسجد له ممن يسجد للقساوسة والرهبان.
وقد قال ﵊: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها) وذلك لعظم حقه عليها، وفي حديث: (لكن لا يصلح السجود إلا لله ﵎ .
إذاً: لا يجوز تعظيم المسلم بالسجود؛ لأن هذه خصوصية لله .
ومن إجلال المسلم أن أركع له؟ الجواب أيضاً: لا.
إلا في بعض الطرق، أو الذين استجازوا السجود فمن باب أولى يستجيزون الركوع.
وجاء في حديث أنس بن مالك أيضاً في سنن الترمذي وغيره، قال سائل: (يا رسول الله! أحدنا يلقى أخاه أفيلتزمه؟ قال: لا.
قال: أفينحني له؟ قال: لا، قال: أفيصافحه؟ قال: نعم) إذاً: الانحناء أيضاً كتحية أجنبية لا تصح من مسلم لمسلم، فذاك العالم لما قال:
ومن الحق أن أجل الكرام
هذا كلام صحيح، لكن عمله ليس صحيحاً؛ لأنه ليس وسيلة مشروعة لتعظيم الرجل للعالم؛ لذلك قال ابن بطة لصاحبه الشاعر، ويبدو أن هذا الشاعر كان يعرف رأي ابن بطة بدقة، وكان فيما يبدو أيضاً شاعراً بالفطرة أو بالسليقة، فعلى الفور وعلى القافية أجابه بقوله:
أنت إن كنت لا عزمتك ترى ليَ حقاً وتظهر الإعظاما
فلك الفضل في التقدم والعلم ولسنا نريد منك احتشاما
الشاهد هنا:
فاعفني الآن من قيامك أولا فسأجزيك بالقيام قياما
وأنا كارهٌ لذلك جداً إن فيه تملقاً وأثاما
لا تكلف أخاك أن يتلقاك بما يستحل به حراما
كلنا واثقٌ بود أخيه ففيم انزعالنا وعلاما
لذلك فواجب الدعاة المسلمين المخلصين حقاً، أن يرجعوا بهذا المجتمع الإسلامي الضخم إلى العهد الأول في كل شيء، ليس فقط في العقيدة، وليس فقط في العبادة، وإنما إلى الإسلام كله، ومن ذلك العادات والتقاليد، نحافظ عليها كما ورثناها عن سلفنا الصالح، وهذا واضح جداً، فلو أن المجتمع الإسلامي اليوم كان متربياً على ما ربى عليه الرسول ﷺ أصحابه لم يكن لهذا القيام محل من الإعراب -كما يقولون- لماذا؟ قال هذا الشاعر المتفقه من العالم الفقيه:
وإذا صحت الضمائر منا اكتفينا من أن نتعب الأجساما
كلنا واثقٌ بود أخيه ففيم انزعالنا وعلام
لذلك نسعى بما عندنا من علم، ونتعاون مع إخواننا المسلمين جميعاً، على أن نعود إلى هدي الرسول ﵊، فهو كما سمعتم آنفاً وتسمعون بين كل كلمة نقولها: فإن خير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
стр. 185
بيع التقسيط
بيع التقسيط حكم التصوير رسم الصليب على الملبوسات غوامض من مصطلح الحديث، مواضيع مهمة ومفيدة تحدث عنها الشيخ عليه رحمة الله في هذا اللقاء العظيم.
стр. 186
ضابط تقديم فهم الراوي للحديث على غيره
السؤال
إذا كان فهم الراوي للحديث الذي يرويه حسب القاعدة القائلة: أنه يُقَدَّم على فهم غيره، فهل هذه تكون مطردة دائماً، أما أن لها ضوابط تقيدها؟
الجواب
لا يوجد شيءٌ مُطَّرِد، هذا نادر جداً، بل لا بد من التقييد، مثلاً: إذا كان فهمه يخالف نصاً، أو يخالف رواية أخرى يرويها ثقة؛ فحينئذ لا يُعْتَد بهذا الفهم، وإذا كان رأياً انفرد به، وهناك اجتهادات قائمة على استنباطات سليمة عند العالِم من الكتاب والسنة، فليس مُكَلَّفاً -والحالة هذه- بأن يتَبَنَّى رأي الراوي.
لكن أين ثمرة تَبَنِّي رأي الراوي، وأن الراوي أدرى بمَرْوِيِّه من غيره؟! هذه تكون في حالة ما إذا فهم الراوي من الحديث كذا، وأنا أفهم كذا، فلا يقال: أولئك رجال ونحن رجال، لا.
فهذا الفهم الخاص هنا ليس له علاقة، أما إذا جاء الراوي بدليل من الشرع يؤيد رأيه الخاص؛ فحينئذ ليس مكلفاً أن يَتَبَنَّى رأي ذاك الراوي.
انظر -مثلاً- المثال الذي نحن نذكره بمناسبة الكلام على بيع التقسيط، هناك حديث في مسند الإمام أحمد من رواية سماك بن حرب، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة) .
الآن توجد أقوال كثيرة في تفسير بيعتين في بيعة، منها: قول سماك هذا الراوي للحديث، لما قيل له: [ما بيعتين في بيعة؟ قال: هو أن تقول: أبيعك هذا بكذا نقداً، وبكذا وكذا نسيئةً] ، هذا الرأي لا مبرر ولا مسوغ لنا مطلقاً أن نعرض عنه؛ لأنه: أولاً: داخل في القاعدة.
ثانياً: لا يوجد ما ينقضه.
ثالثاً: بل يوجد ما يؤيده، وهو حديث أبي هريرة باللفظ الآخر: (من باع بيعتين في بيعة فله أَوْكَسُهُما أو رباً) ، فهذا الوَكس لا يظهر معناه إلا في هذه الصورة التي فسرها سماك بن حرب.
стр. 187
حكم البيع الآجل بشرط زيادة ثمن السلعة
السؤال
بالنسبة لبيع الآجل، هل هو منهي عنه؛ لأنه نقد وآجل في وقت واحد؟ فعندنا رجل في اليمن يبيع بيعاً آجلاً فقط، لا يبيع نقداً، ويزيد في ثمن السلعة، فهل هذا داخل في هذا النهي، علماً بأنه لا يبيع نقداً مطلقاً؟
الجواب
لماذا؟! بعد أن نعرف جواب (لماذا؟) نستطيع أن نجيبك؛ لأني أخشى أن يكون يَمَنِيُّكم ككُوَيْتِيِّنا! هل تعرف ماذا فعل؟! كان يبيع بسعرين؛ سعر النقد، وسعر التقسيط، فلما بلغه النهي عن الرسول ﵇ عن بيعتين في بيعة، وأنه لا يجوز أن يأخذ الزيادة مقابل التقسيط؛ لأنه سيصير هناك سعران، حينئذٍ وحَّد السعر، فجعل البيع كله -كما تقول عن صاحبك- بيعاً نقدياً؛ لكن بسعر التقسيط، فهل فهمت؟! السائل: لا.
الشيخ: هذه المسجلة، يبيعها أحد التجار نقداً بمائة دينار، وآجلاً -أي: بالتقسيط كما يقولون اليوم- بمائة وعشرين ديناراً.
فهذا التاجر الكويتي عنده وكالة سيارات ضخمة، وأنت تعرف الكويت قبل حدوث هذه المشكلة، فكان يبيع بسعرين، فالسيارة التي ثمنها مثلاً عشرين ألف دينار نقداً، يبيعها بخمسة وعشرين ألف دينار بالتقسيط إلى سنة، أو ما شابه ذلك، فهو صار يبيع السيارة التي كان يبيعها نقداً بعشرين ألف دينار.
صار يبيعها بخمسة وعشرين ألف دينار، إلى هنا وضح.
السائل: نعم.
الشيخ: حسناً! فهو مثلاً له زبائن، نصف الزبائن كانوا يشترون بسعر العشرين، والنصف الآخر بسعر الخمسة وعشرين، والآن أصبح الزبائن كلهم يشترون بالخمسة وعشرين، فهو كان يظلم النصف، ثم صار يظلم الكل هل وضحت لك الصورة؟ السائل: وضحت.
الشيخ: إذاً: نحن الآن نريد أن نفهم من هذا الأخ: لماذا لا يبيع سعر التقسيط بسعر النقد؟ لماذا وحَّد البيع ببيع النقد؟ لماذا لا يبيع بسعر التقسيط؟! إن كان تحاشياً كما فعل الكويتيون فقد زاد ظلماً على ظلم! وإلا فنحن نريد أن نعرف لماذا؟ لأنني أنا حينما أتكلم عن هذا البيع أقول: إن التجار كما قال ﵊: (هم الفجار إلا من بر وصبر) ، فهؤلاء التجار مِن جَورهم وفجورهم أنهم يستغلون حاجة المحتاج، فيزيدون على الذي لا يجد السعر نقداً يزيدون عليه في الوفاء آجلاً، هؤلاء التجار الفجار لو كانوا من المستثمرين كأن يستغلوا تجارتهم في الخير، فإنهم يربحون من الأجر والثواب عند الله أكثر من قائم الليل وصائم النهار، أفهمتَ؟ لو كانوا كذلك لكسبوا عند الله أكثر من ثواب قائم الليل وصائم النهار.
كيف ذلك؟ يقول الرسول ﷺ في بعض الأحاديث الثابتة: (قرض درهمين صدقة درهم) أي: أنت إذا أقرضت أخاك المسلم درهمين؛ كأنك تصدقت بدرهم لوجه الله، فإذا أقرضت صاحبك المسلم مائة دينار، كأنك تصدقت بخمسين، وعلى ذلك فقِس.
الآن هذا التاجر كلما باع بيعاً بسعر واحد وهو سعر النقد -لكن ليس سعر النقد الكويتي، انتبه! - فكلما ربح تكون أضعافاً مضاعفة؛ لأن هذا التاجر يبيع بعشرة آلاف ويبيع بعشرين ألفاً فإذا أقرض الشاري للسيارة عشرين ألفاً فكأنه تصدق بعشرة آلاف الله أكبر! تجارة رابحة جداً؛ لكن حب الدنيا وكراهية الموت -الذي جاء في الحديث المعروف لديكم جميعاً- هو علة الأمراض القائمة اليوم في المجتمع الإسلامي: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) .
والحديث الآخر: (تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمِن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا.
أنتم يومئذ كثير؛ ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولَيَنْزعن الله الرهبة من صدور عدوكم، ولَيَقْذِفن في قلوبكم الوَهْن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) .
فإذاً: حب الدنيا، وحب المال -مِن أي طريق جاء- هو المسيطر الآن على أغلب تجار المسلمين؛ إلا من عصم الله، وقليلٌ ما هُم.
فإذاً: هذا التاجر عندكم ما عرفنا لماذا لا يبيع بسعر التقسيط، وهو ربح له؟ السائل: هو يشتري بآجل، مثلاً: يشتري السلعة -سيارةً- وسعرُها في السوق -مثلاً- مائة ألف ريال يمني، فهو يشتريها بمائة وعشرين ألف ريال يمني لمدة ثلاثة أشهر، وبعد أن تنتهي المدة يدفعها كاملة -مائة وعشرين ألفاً- فما حكم صورة هذا البيع؟ الشيخ: هو نفسه.
السائل: هو شارٍ وليس بائعاً! الشيخ: سواء كان في البائع أو الشاري يا أخي: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) .
السائل: تعني: أنه رباً؟ الشيخ: لا يجوز.
فالمجتمع الإسلامي مترابط بعضه مع بعض، جزاك الله خيراً.
стр. 188
المقصود بعدالة الراوي
السؤال
كما تعرفون -حفظكم الله- أن الحفاظ أخذوا في رسم الصحيح والحسن عدالةَ الراوي، وكثير من الحفاظ ومنهم الحافظ ابن حجر عرَّف العدالة فقال: هي مَلَكَة تحمل الرواي على التقوى وملازمة المروءة، وفسَّر -أيضاً- التقوى في نفس الكتاب؛ كتاب النخبة فقال: هي اجتناب الأعمال السيئة من بدعة، أو فسق، أو شرك.
هنا طرأ عندي إشكال: ففي الصحيحين وُجِد رجال من المبتدعة؛ كأن يكون الرجل خارجياً، أو رافضياً، أو مرجئياً، فما توافقا مع كتاب النخبة، فهنا حصل تناقض بين تعريف الحافظ ابن حجر لرسم العدالة، وبين المثال الواقعي في الصحيحين، فما هو التوفيق بين تعريفي ابن حجر وبين ما وجد في الصحيحين -أفتنا بارك الله فيك-؟
الجواب
أنا أظن أن الإشكال جاء من جهة الوقوف عند بعض الألفاظ في تعريف العدالة دون شرحٍ لها من واضعها -أي: واضع هذه الألفاظ- في مكان آخر، فمثلاً: البدعة عند الحافظ وعند غيره من حيث تعلقها بالمبتدع، أن هذا المبتدع له حالة من حالتين: - إما أن يكون داعية لها.
- أو ليس داعية لها.
فإذا كان غير داعٍ لها فلا يكون منافياً لتعريفه الذي ذكرتَه آنفاً، من أنه يعني بالبدعة أي: التي يُدْعَى لها مِن قِبَل العدل، واضح.
السائل: أي: كان عليه أن يقيِّد البدعة؟ الشيخ: نعم؛ لكن المشكلة ماذا يصير؟ عندما يضع شخصٌ تعريفاً، فإذا أراد أن يقيد كل عبارة فإن هذا التقييد يصير محاضرة، فهو يضطر إلى أن يختصر ما استطاع، ويشرح فيما بعد في أماكن أخرى.
أنا أقول هذا باعتبار أن هناك قولين بالنسبة للمبتدع، إما أن يكون داعية، أو ألا يكون داعية، فإذا كان غير داعية فهو عدل، فإذا انضم إليه الصدق والحفظ فهو حجة.
السائل: قرأت قديماً؛ لكن لا أحفظ اسم الراوي: أنه وُجد في الصحيحين مَن هو داعية إلى بدعته! الشيخ: أنا آتيك بالكلام -الله يهديك-! أنا أتكلم عمَّا وُجِد في المصطلح كعلمٍ يتبناه جماهير العلماء، أنهم يقسمون البدعة إلى قسمين، وقد عرفتَها! لكن هناك رأي آخر، وابن حجر نفسه يتبناه، وهو: العبرة في الرواية أول شيء: الإسلام والعدالة، ثم الحفظ والضبط، فإذا كان هناك رجل مبتدع، وداعية إلى بدعته؛ لكن من الثابت عندنا أنه من حيث إسلامه فهو مسلم، ثم من حيث ضبطه فهو ضابط، ومن حيث صدقه فهو صادق، فهو حجة ولو كان مبتدعاً داعيةً.
وعلى هذا يُحْمَل صنيع الشيخين - البخاري ومسلم - إذا رويا عن مبتدع، فمثلاً الإمام البخاري، من أشهر الأمثلة أنه يروي عن عمران بن حطان، وهو الذي شارك في قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
فإذاً: نرجع ونفصل تفصيلاً آخر ونقول: في المسألة قولان: أحدهما: أن المبتدع لا يُحْتَجُّ بحديثه ولو كان ثقة ضابطاً صدوقاً.
إلخ.
وقولٍ ثانٍ: أنه تُقْبل روايتُه ما دام أنه صادق، ويقْرُب من ذلك: الخوارج؛ لأن الخوارج رغم أنهم يعتقدون بأن مرتكب الكبيرة كافر، إلا أنهم أبعد الناس عن الكذب! وهنا تفصيل: يقول بعض العلماء: هذا الوصف يصدق في الخوارج القُدامى، أما فيما بعد فقد صاروا يكذبون دعماً لمذهبهم.
فالقصد في الرواية هو شيئان: - الإسلام.
- ثم الصدق، مع الحفظ.
السائل: هل ثَمَّ فارق بين التوثيق والتعديل؟ الجواب: نعم.
السائل: ما هو؟ الشيخ: التعديل هو: الذي تُقْبَل شهادته باعتباره عدلاً؛ لكن مجرد العدالة لا تكفي في الرواية إلا أن يقترن معه الضبط؛ أن يكون معروفاً بالضبط والحفظ.
السائل: وهو المقصود بالتوثيق؟ الشيخ: نعم.
أي أن هناك عموماً وخصوصاً بين العدل في الحديث الذي يشترط فيه أن يكون حافظاً ضابطاً، وبين العدل في الشهادة الذي يكفي فيه ألا يكون فاسقاً.
стр. 189
الفرق بين عدالة الراوي وعدالة الشاهد
السؤال
ما رأيك في تعريف العدالة بالآتي: هي صفة تحمل صاحبها على التقوى، واجتناب الأدناس، وما يخل بالمروءة عند الناس؟
الجواب
لا نقول: إنها صفة؛ لأن صاحبها قد يكون متكلفاً ومطيعاً لله حتى صار عدلاً، أما أن يقال صفة؛ فمعنى هذا أنها طبيعة وغريزة، فما أعتقد في هذا! السؤال: لو قلنا: إن العدالة هي مظنة صدق الراوي، فمتى يدخل تحتها المبتدع وغيره مما ذكرتَ الآن؟ الجواب: الصدق -أيضاً- لا يكفي يا أخي؛ لأن الشاهد يجب أن يكون صادقاً، وإلاَّ لا يكون عدلاً، المهم في الموضوع في التفريق بين الرواية والشهادة هو: الحفظ، والضبط، وليس الصدق، فالصدق واجب في الأمرين، أم أن الكلام ليس واضحاً؟ مثلاً: شخص جاء وشهد أنه رأى فلاناً يفعل كذا، ألا يُشترط أن يكون صادقاً؟ السائل: لا يشترط فيه العدالة.
الشيخ: اتركنا من العدالة الآن! أنا أسأل عن الشاهد، الشاهد يريد أن يقول: أنا رأيت فلاناً يضرب فلاناً، أو يأخذ مال فلان، ألا يشترط فيه أن يكون صادقاً؟ السائل: إذا أردنا قبول خبره فيشترط أن يكون صادقاً؟ الشيخ: سبحان الله! أنا لا أحكي عن الخبر -يا أخي- أنا قلت لك: شخصٌ شهد أن فلاناً ضرب فلاناً، أو فلاناً أخذ مال فلان، ألا يشترط فيه أن يكون صادقاً؟ السائل: لا يشترط.
الشيخ: الله أكبر! إذاً ضاعت الحقوق -بارك الله فيك-.
السائل: آسفٌ! آسفٌ! نعم واضح الشيخ: الصدق يُشترط في الشاهد وفي الراوي؛ لكن الفرق من حيث أن يُعْرَف بأنه ضابط حافظ؛ لأن مخ هذا الراوي الضابط الحافظ يمتلئ بالعديد من العشرات والمئات والألوف من الروايات، فهذا لا بد أن يكون متيناً في الضبط، بينما هذا الشاهد رأى حادثة، فيكون من السهل أن يؤديها كما رآها؛ ويشترط فيه أن يكون صادقاً، لا أن يكون كاذباً؛ لكن لا يشترط فيه ما يشترط في الرواي الذي يحفظ المرويات الكثيرة والكثيرة جداً، فكما يقولون مثلاً: فلان ضعيف، لماذا؟ لأنه كان يوصِل المنقطع، أو كان يرفع الموقوف، أو يوقف المرفوع، أو أو إلخ، لماذا يفعل هكذا؟ لأنه تختلط عليه كثرة الروايات التي امتلأ مخه بها، وما كان عنده ذلك الضبط والحفظ المتين، فيُلْحَق بالضعفاء الذين لا يُحْتَج بهم، ثم إن هؤلاء ينقسمون إلى قسمين: - منهم مَن يصدر منه الخطأ، فيقال: إنه ضعيف جداً، لا يُسْتَشْهد به.
- ومنهم مَن لا يصدر منه الخطأ، فيقال: يستشهد به.
لكنهم أحياناً يقولون: فلان يكذب، أو فلان كذا؛ لكن القسم الأول يقولون عنه: إنه صدوق، لا يكذب؛ وكما يقول ابن حبان في كثير من تراجمه: إن هذا الراوي كان رجلاً صالحاً؛ ولكن حدَّث بالمنكرات عن الثقات، وجاء بالأباطيل عن كذا، إلخ، غير متعَمِّد؛ لأنه كان صالحاً، أي: كان صدوقاً في نفسه.
стр. 190
مسألة مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه
السؤال
هل هناك مانع أن يروي الراوي الحديث بالإسناد النازل والإسناد العالي؟ هل يصير هذا؟ الشيخ: أنت تقول: هل يصير؟ كل شيء يصير؛ لكن أنا لستُ فاهماً ما هذا السؤال! السائل: أعطيك مثالاً.
الشيخ: أعطني مثالاً، ما الهدف من سؤالك: يصير أو لا يصير؟ السائل: الهدف من ذلك: أن هناك حديثاً نحن ندرسه، فوجدنا سماحتك انتقدت طريقاً له، فإذا كان يحدث ذلك فنحن نريد أن نعرف رأي سماحتك في هذا الموضوع.
الشيخ: وهو؟ السائل: متابعة جُلاح أبي كثير.
الشيخ: متابعة ماذا؟ السائل: حديث: (البحر هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) ، لل جُلاح أبي كثير، في أحد طرق الحديث هو تابَعَ صفوان بن سليم، أتذكر يا شيخ؟ الشيخ: لا أذكر، أنت فقط بيِّن مرادك من السؤال! السائل: جُلاح أبو كثير روى الحديث مرتين: - مرة عن سعيد بن سلمة.
- ومرة عن المغيرة بن أبي بردة.
فسماحتك اعتبرتَ رواية جُلاح هنا أن فيها اضطراباً من الراوي الأول وهو يحيى بن بكير.
فالسؤال كما يلي: لماذا لا يكون جُلاح أبو كثير قد روى الحديث مرة بالإسناد العالي، ومرة بالإسناد النازل؟ الشيخ: حسناً، لماذا لا تضع الكتاب أو الورقة أمامي، هاتِه، ثم إن كلمة (جُناح) أنت أتيت بها بضم الجيم؟ السائل: أي نعم، الحافظ أبو كثير.
الشيخ: جُناح! السائل: جُلاح.
باللام.
الشيخ: نعم جُلاح، نحن سمعناها: جُناح.
السائل: لا.
اسمه جُلاح أبو كثير.
ما دمت لا تحفظ نهاية الموضوع، ومع ذلك فإن في ثبوت هذا السياق عن يحيى بن بكير نَظَرٌ، فإن الراوي عنه وهو عبيد بن عبد الواحد بن شريك فيه كلام أيضاً.
السائل: يا شيخ! أنت تقول: الأول إنه أدخل بين الليث والجُلاح؟ الشيخ: نعم يا أخي! هذا عندما يصح السند إليه يَرِد كلامك، أما أنت فانظر إلى الخاتمة تطبيقاً لحديث: (إنما الأعمال بالخواتيم) فلا.
السائل: يا شيخ! هاتِ الحديث.
الشيخ: كيف تترك أول الكتاب ولا ترجع إلى آخره؟ السائل: حسناً حسناً! بالنسبة لحديث قتيبة أليس صحيحاً؟ معذرة! هوِّن عليَّ! الشيخ: لا.
ارجع واقرأ وابحث عندك في الدار، انظر النهاية.
السائل: اسمح لي.
الشيخ: بماذا أسمح لك؟! هل عندك هنا راويان اختلفا؟ السائل: نعم.
عندي راويان اختلفا يا شيخ.
الشيخ: اختلفا في الإسناد؟ السائل: نعم.
الشيخ: وأحدهما أوثق من الآخر؟ السائل: نعم.
الشيخ: إذاً: في مثل هذا الاختلاف ماذا يقال؟ السائل: يقال بتقديم كلام الأوثق.
الشيخ: جميل جداً، وعلى هذا دار البحث أولاً، ثم في الأخير هذه يمكن أن نجعلها رواية -كما تريد أنت أن تقول- وقلنا: إن الراوي عن هذا الشخص الذي اختلف عليه الثقتان فيه كلام في ضعفه.
فإذاًَ: انتهى الموضوع؛ أن الرواية واحدة، وهي الراجحة.
السائل: لا بأس أن نعود قليلاً لمسألة المخالفة يا شيخ.
الشيخ: نعم.
السائل: هل أعتبر أنا شخصياً الآن أن هذا قانون بالنسبة لكم، في أن الراوي في الحديث الذي هو من رواية واحدة جاء من طريقين؛ أحدهما أوثق من الآخر -هل أعتبر أنا أنه إذا كان في السياق راوٍ يروي الحديث بالعالي والنازل، علماً بأن المحدثين أثبتوا له السماع من الاثنين، من العالي ومن النازل، هل بمجرد أن تكون هذه المخالفة، وكان هناك طريق آخر رواه مَن هو أوثق منه، هل أعتبر ذلك قدحاً في الرواية؟
الجواب
سامحك الله! ما هو تعريف الحديث الشاذ؟ السائل: الشاذ هو: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو مخالفته للإجماع.
الشيخ: هذا التعريف ألا ينطبق هنا؟! السائل: هذا رأي حضرتك؟ الشيخ: هذا ليس رأي حضرتي، هذا رأي علماء الحديث في فمك: إذا اختلف ثقتان، سواءًَ كان وقفاً، أو رفعاً، أو إرسالاًَ، أو إيصالاً إلخ، فإن استويا قُدِّم الزائد، وإن اختلفا قُدِّمت رواية الأوثق، هذه مسألة واضحة.
السائل: هنا المخالفة؛ لأننا وجدنا الحاكم يعتبر هذه الرواية، ولا يعتبر ذلك مخالفة، ووجدنا الزيلعي -أيضاً- في نصب الراية لا يعتبر ذلك مخالفة.
الشيخ: دعني من الزيلعي -الله يهديك- طبق القاعدة التي أنت تؤمن بها.
السائل: أنا إلى الآن لم يتضح عندي أنه خالف، من أجل هذا أنا سألتك، ولو اتضح بأنه خالف فلماذا سألتك أصلاً؟! الشيخ: أنت ما قلتَ هذا، أنا الآن أقول لك: أي رواية أرجح عندك؟ السائل: رواية قتيبة.
الشيخ: قتيبة، والمرجوحة؟ السائل: أرجوك يا شيخ! أنت الآن تسألني؟ الله يبارك فيك.
مداخلة: لماذا أجَبْتَ هناك ولم تُجِبْ هنا؟! السائل: يا شيخنا! كيف تكون مرجوحة؟ الشيخ: هل لا بد أن نقول: اللهم أعطنا طول البال؟! السائل: أنا يا شيخ! ما اعتبرت بَعْدُ أن الرواية مرجوحة -بارك الله فيك-، لو اعتبرتُ أنها مرجوحة ما سألتك.
الشيخ: إذاً: لماذا ما زلت تتكلم؟! (كلمةٌ وغطاؤها) ! السائل: نعم.
الشيخ: هل عندك راجح ومرجوح هنا أم لا؟ السائل: لا.
مداخلة: أنت أجبتَ قبل قليل، وذكرتَ الراجح.
الشيخ: كيف لا؟! السائل: نعم، ممتاز! الشيخ: ما هو الممتاز؟! الله يهديك، الرجل هو ضيف، وغداً سوف نخسره، غداً سيسافر.
السائل: الله يحييك.
الشيخ: ولذلك بدون أن نفسح له مجالاً لأنْ ينتقدنا ونضيع وقته، نقول له: أنت ما شاء الله مقيمٌ هنا، وإن شاء الله نراك كل هلال.
السائل: لن تراني.
стр. 191
حكم التصوير
السؤال
ما حكم التصوير؟ مع الدليل -بارك الله فيكم- وما حكم المصوِّر والمصوَّر؟ الشيخ: هذا السؤال مختصر، فهل تريد الجواب على هذا النمط أم كيف؟ السائل: بشيء بسيط يا شيخنا إذا تكرمت.
الشيخ: هذا يحتاج إلى محاضرة -بارك الله فيك- سنحاول أن نجعل جوابنا مختصراً وتقديراً منا لك على اختصارك لسؤالك.
أما فيما يتعلق بالمصوِّر فحسبه حديثان اثنان: الحديث الأول: (لعن الله المصورين! يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) .
والحديث الثاني والأخير: (من صوَّر صورة كُلِّف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة، وما هو بنافخ) .
أما الذين يستعملون الصور فلهم حالتان: الحالة الأولى، وهي العامة: أنه لا يجوز لهم أن يستعملوا الصور بكل أنواعها وأشكالها ما دامت من ذوات الأرواح.
أما الكلية التي ذكرتُها، فهي سواء كانت يدوية، أو كانت فوتوغرافية، أو كانت بالفيديو، هذه الصور كلها لا يجوز للمسلم أن يستعملها.
هذه الصورة الأولى والعامة.
الصورة الأخرى: هي التي يضطر إليها المسلم.
والاضطرار له أنواع وأشكال: فبالنسبة لعامة الناس فإن الاضطرار يتمثل في صور الهويات والجوازات ونحو ذلك.
وبالنسبة لخاصة الناس، كالأطباء -مثلاً- فإنهم قد يضطرون لتصوير صورة شخص لتشخيص مرضه مثلاً، وكتصوير بعض الفئات الحكومية لبعض الأشخاص المعروفين بالإجرام؛ بالسرقة، أو بالنهب، أو بالسلب، أو بنحو ذلك؛ لاتخاذ ذلك وسيلة للقضاء على الجريمة.
فما دار حول هذا النوع من الصور جاز استعمالها، وإلاَّ لم يجز، وكانت الصورة محرمة؛ لأنها تمنع دخول الملائكة، كما تعلمون من الحديث الصحيح: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة أو كلب) .
وإنني -من فضل الله أرى أمامي بعض الصور التي لوحظ فيها أنها لم تكن من النوع المحرم؛ لأنها -فيما يبدو لي- ليس فيها صور من ذوات الأرواح، وإنما تمثل الطبيعة والغابة ونحو ذلك، وإذا كان المسلم له هوىً في التصوير وفيما يسمى اليوم بالفن، فليصرف فنَّه إلى ما أباح الله له من الصور غير ذوات الأرواح.
هذا هو الذي يساعد الوقت على اختصار الكلام فيه.
стр. 192
حكم شراء سيارة بالتقسيط لعدم توفر المال النقدي
السؤال
ما حكم من اشترى سيارة من الشركة بالتقسيط، وذلك لعدم توفر المال النقدي، والسيارة كما تعلمون هي حاجة ضرورية في هذا الزمان؟
الجواب
إذا كان السائل يعتقد معنا أن بيع التقسيط الذي يأخذ زيادة في الثمن على الحاجة رباً؛ فلا أعتقد أن هناك ضرورة لاستباحة هذا المحرم، إذا كان السائل يعتقد معنا أن هذه الزيادة رباً، -كما قال ﵇: (مَن باع بيعتين في بيعة فله أَوْكَسُهُما، أو رباً) فليس هناك ضرورة مطلقاً في أن يستحل المسلم أكل المال الحرام، إلا في حالة واحدة، قد لا أتصور وجودها في هذه البلاد، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، وهي أن يموت جوعاً! ما سمعنا به في هذه البلاد، وإن كنا نسمع في بلاد أخرى، كـ أفريقيا، وتلك النواحي المشهورة بالمجاعات، وما ندري هل هي حقائق أم مبالغات؟ الله أعلم، لكن المهم: الضرورة التي تبيح أكل الحرام هي الضرورة التي لولاها، أو لو لم يتخذ صاحبها السبب للقضاء على لازمها، لتعرض للهلاك.
فما أعتقد أن الإنسان يضطر لأنْ يستعمل السيارة؛ سواء كانت سيارة لركوب الشخص أو العائلة، أو كانت لاستعمالها في البيع والشراء، والنقل، والحمل عليها، وما شابه ذلك.
والمسلم يجب عليه أن يضع أمام عينيه دائماً وأبداً قوله ﵎، وأن ينطلق منه دائماً، لا يغيب عن باله وعن قلبه، وهو قوله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢-٣] .
أنا أعتقد أن من مصائب العالم الإسلامي ككل: غياب الإيمان الصحيح من قلوبهم؛ لأن هذا الإيمان إذا حل في قلب أي إنسان قنع بأي عيش صعب ضنك؛ لأنه يعتقد أن الله في تقديره على الناس الضنكَ والفقرَ، إنما هو بعدلٍ وعلمٍ، بل وبحكمةٍ.
فإذا آمن المسلم بهذه الحقيقة إيماناً جازماً فحينئذ تطيب له الحياة مهما كانت حياته صعبة؛ سواء من جهة المال، أو من قلة الصحة، أو من ضغط الطغاة والحكام الظالمين، أو من نحو ذلك، فهو يصبر ويتدرَّع بالصبر، ويتذكر قول الرسول ﵌ بالإضافة إلى الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣] يتذكر معها قول النبي ﵌: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن) .
وبناء على ما سمعتم من بعض كلمات الأستاذ أبي مالك -جزاه الله خيراً- فقد خطر في بالي حديث والآن جاءت مناسبته، ألا وهو قوله ﵊: (ليس الغنى غِنى العَرَض؛ ولكن الغنى غِنى النفس) فمتى ما كان المسلم غني النفس فلن يجد ضرورةً إلى أن يتعامل بالربا، والتعامل بالربا لا يكون فقط أن يأكل هو الربا، بل وأن يُطْعِم غيره الرباً، ولذلك قال ﵇: (لعن الله آكل الربا، ومُوْكِله، وكاتبه، وشاهديه) .
стр. 193
حكم شراء الأسهم من الجمعيات الاستهلاكية وغيرها
السؤال
ما حكم من يشتري أسهماً من الجمعيات الاستهلاكية وغيرها، مما فيه مصلحة الشعب، مثل شركة الكهرباء والمياه؟
الجواب
الشركات اليوم -فيما أعلم- كلها تتعامل بالربا، وليس هناك شركة لا تتعامل بالربا، وعلى ذلك فلا يجوز لمسلم أن يتعامل مع شركة، بل أنا أنصح إن وُجِد رجلٌ مسلم غني وحوله -أيضاً- أغنياء مثله، ويتبنون العمل بأحكام الإسلام، أنصح أن يؤلِّفوا شركة ضد البنوك، أي: أن الأموال التي يجمعونها لإقامة شركة -مثلاً- توضع في صندوق خاص، لا تمتد يد الربا إلى هذا الصندوق، هذا بلا شك عمل يحتاج إلى إعمال العقل والذهن، لوضع خطة إيجاد صندوق لا يدخل إليه الربا مطلقاً، وعليه تقوم الشركة، فحينئذ إذا طُرِحَت أسهم، وتحولت إلى بضاعة أو إلى شركة أو عمل؛ جاز حينئذ بيعها وشراؤها، أما قبل ذلك فلا يجوز، كما تفعل الشركات اليوم.
стр. 194
حكم إزالة الصلبان المرسومة على الثياب والفراش
السؤال
إن المشركين غزوا بلاد المسلمين، بل وغزوا بيوتهم بوضع الصلبان على الستائر والسجاد ونحوها، فما حكم وجود هذه السجاجيد أو الأشياء كلباس الأطفال؟ ويُخَصُّ السؤال عن السجاد في البيت، وخصوصاً عندما تكون هذه السجادة ثمنها مبلغ معين، هل يقذفها ويرميها أم يجعلها ممتهنة، أم ماذا؟ علماً بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا رأى صليباً نَبَشَه؟
الجواب
كلمة (نَبَشَه) أتيت بها من جيبك! ما معنى (نَبَشَه) ؟! الصحيح: (قَبَضَه) .
السائل: أعني: (نَبَشَه) بمعنى: (قَبَضَه) .
الشيخ: (نَبَشَه) هذه رواية عندكم أم ماذا؟! السائل: مأخوذة من نبش التراب.
الشيخ: هذا يكون في التراب.
السائل: أعني: نُبِشَ لأنه صليب.
الشيخ: أولاً: نحن قبل كل شيء ننصح كل مسلم، خاصة إذا كانت له ذرية، وأراد أن ينَشِّئها تنشئة إسلامية، أنه إذا أراد أن يشتري بساطاً، أو سجاداً، أو ثوباً، أو قميصاً، أن يفلِّيَه كما يفلي الفقير قميصه من القمل ولعلكم تعلمون أن السجاد والبساط لباس، أم أنكم لا تعلمون؟ السائل: لا والله يا شيخ! لا نعلم.
الشيخ: هذا أكيد! السجاد والبساط هو لباس، وهذا من فضل الحديث على الألباني الأعجمي، فقد تعلَّم العربية من حديث النبي العربي، حيث يقول أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﵌ زاره في بيته، فصلى في حصير قد اسودَّ مِن طول ما لُبِسَ) ، وأنا لو قلتُ لك: لماذا أنت لابسٌ البساط ستستغرب مِنِّي.
السائل: سأقول عنك أنك ألباني.
الشيخ: ستقول: ألباني، وفعلاً أنا ألباني.
يقول أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ زاره في داره، فصلى على حصير قد اسودَّ من طول ما لُبِس) .
الشاهد: أن أي لباس؛ سواء كان بساطاً، أو سروالاً، أو قميصاً، أو أي شيء، يجب على ولي الأمر؛ على الأب، والعم، والخال، ونحو أولئك، أن يدقِّق -كما قلنا- في ألا يكون هناك شيء يخالف الشرع من صور أو صلبان؛ لأنه -في الحقيقة- يوجد الآن نوع غريب جداً من غزو الكفار إلى بلاد الإسلام في عقر دارهم! فيتسلل إليهم الداء كالسل في جسم الإنسان، لا يحس به المسلمون ولا يشعرون به، بدليل أنك تجلس يوم الجمعة والمسجد غاص بالمصلين، فتجد عن يمنيك وعن يسارك وأمامك صور النساء العاريات في أظهُر قمصان الشباب الذين يصلون بين يديك! من الذي اشترى له هذا القميص؟ والده، وهو ربما يصلي معه في المسجد؛ لكنهم في غفلةٍ ساهون.
ولذلك قبل كل شيء يجب الانتباه! ألا يشتري المسلم ثوباً مصوراً، أو لباساً مصوراً.
ثانياً، وهذا كان موضع سؤالك: أنه لغفلة، أو لسهوة، أو لإهمال، أو لضلال قديم، كثيراً ما نُسأل-مثلاً-: واللهِ إن زوجي كذا وكذا! - إذاً: كيف تزوجتيه؟! - والله أنا كنت غافلةً عنه، والآن هداني الله.
فهي في الصيف ضيَّعَتِ اللبن، فكيف يمكنها أن تعالج الموضوع؟! فربما أن الإنسان كان راقداً، أو كان ضالاً، لا يلتزم بالأحكام الشرعية، فاشترى بساطاً فيه صورة مثلاً، أو اشترى بساطاً فيه صليب، فعليه حينئذ أن يتقي الله بعد أن كان ضالاً فهداه.
فأقول: عليه أن يخضب الصليب أو الصورة، فقد يَفْسُد البساط أو السجاد بهذا القَبْض؛ لكننا نقول: إن الله من حكمته في خلقه: أنه كما أَلْهَمَ نبيَّه ﵇ أن يقول بلسانه: (ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواءً، أو شفاءً، عَلِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه) .
فما من علة إلا وخَلَقَ الله لها ضدها، وذلك لتكون حجة الله قائمة عليه.
فإذا ابتُلي هذا الإنسان واشترى ذلك الثوب أو ذلك البساط في زمن ضلاله، ثم هداه الله، فماذا يفعل؟ يستعمل بعض الدهانات التي تطمس الصورة وتُبْقِي الثوب سليماً كما هو، أو على الأقل -إن كانت صورة- يَقْضِي على الرأس فقط، فهذا يكفي لإزالة المحظور المخالف للشرع، والصليب أيضاً يمكن أن تُحاك دائرة حوله.
أنا -مثلاً- كنت ساعاتياً في الشام، بعض الساعات من مكر هؤلاء النصارى السويسريين أنهم يطبعون الصليب على ميناء الساعة، فأنا كنتُ حينما تأتينا هذه الساعة -لأنها مادة فسفورية دقيقة جداً- كنتُ أنقُط عليها نقطة، وإذا بها تضيء في الليل؛ لكنها لا تضيء على الصليب، بل تطمسه.
فلا توجد علة إلا ويمكن القضاء عليها؛ لكن تحتاج إلى إعمال المخ والفكر بعد الإيمان بالله ورسوله.
هذا هو جواب السؤال الذي وصفتَه بأنه أخير، والآن الساعة تشير إلى الثانية عشرة إلا عشر دقائق، فهاتِ لنرى ماذا عندك.
السؤال: أبو فارس فهم أن الدائرة على الصليب هكذا.
الشيخ: لا تُفْهَم أنها شخبطة.
السائل: أعني: الطمس على الصليب يكون بدائرة هكذا، أم بنقطة هنا.
الشيخ: لا، ليس نقطة هنا، هذا كله يصير مَحِيْكاً عليك، بحيث يُطمس عليها.
السائل: كل الرسمة! الشيخ: كل الرسمة.
السائل: ولا يكون بعمل دائرة عليها.
الشيخ: لا.
السائل: الحاصل في هذا الأمر: أن سجادة عليها حوالَي مائتا صليب! فهل يَلُفها أم ماذا يفعل؟ مداخلة: يقلبها على الظهر.
الشيخ: لا يا أخي! ليس هناك شيء إلا وله علاج كم ثمن هذه السجادة؟ السائل: حوالَي مائة وخمسون ديناراً.
الشيخ: أنا أظن أنه بخمسة وعشرين ديناراً يمكن أن تحاك عليها حياكة يُطْمَس بها على الصليب.
السائل: يا شيخ! هذه حصلت عندي أنا، فجئتُ بنوع من الدهان وطمستُ على كل واحدة من رسمة الصليب.
الشيخ: قد حللنا المسألة الآن.
стр. 195
أدلة الرجم وحكم من يحاول إسقاط حكمه باعتباره منسوخاً ونحو ذلك
السؤال
هناك كتاب صدر حديثاً اسمه: الرأي الصواب في منسوخ الكتاب، وكاتبه ليس مِن حَمَلة العلم الشرعي، ومما كتبه في هذا الكتاب عن قضية الرجم للزاني المحصن، فقد حاول جاهداً أن ينسخ هذا الحكم، وردَّ حديثاً عند الإمام مسلم الذي هو حديث: (خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً) وكذلك -أيضاً- حاول جاهداً أن يثبت أن سورة النور نزلت في السنة التاسعة للهجرة، حتى يكون بذلك نزولُ السورة قد أتى بعد حوادث الرجم التي حصلت أيام النبي ﷺ ! الحقيقة: أن المفسرين لهم أقوال في هذه الآيات؛ لكنها في نهايتها لا تُثْبِتُ -في حدود علمي- الرجم، الآن نحن بحاجة إلى أن نثبت الرجم.
الشيخ: تريد أن تثبت الرد! ردُّ ماذا؟! السائل: الرجم! الشيخ: كيف لا تثبت الرجم، أنت ما قلتَ أنه ثبت في الحديث؟! السائل: نعم.
ثبت في الحديث؛ لكن قصدي أنا بالنسبة للرد على هذا الكاتب، نحن بحاجة إلى إثبات وقائع أو بعض المرويات بعد نزول سورة النور، وهناك كتاب صدر في الجامعة الإسلامية، وهو عبارة عن رسالة جامعية -في حدود علمي- في السعودية، والتي هي عن مرويات غزوة بني المصطلق، يثبت فيه صاحبه أن الراجح في سورة النور أنها نزلت في السنة الخامسة للهجرة، وبالتالي يكون رَجْمُ الغامدية وماعز قد حدث بعدها، فنحن بحاجة إلى إثبات بعض المرويات التي تثبت بعض وقائع الرجم بعد موت النبي ﷺ ، فإن كان في علمكم فأفيدونا وجزاكم الله خيراً.
الشيخ: قبل أن أجيبك: لماذا اهتممت بهذا الرجل، وأنت نفسك وصفته بأنه ليس من أهل العلم؟! لماذا اهتممت به؟! السائل: تريد الجواب؟ الشيخ: نعم.
أنا أسأل، أنت لماذا تسأل؟! السائل: أنا سألتُ بالتأكيد حتى أحصل على جواب.
الشيخ: وأنا كذلك مثلك.
السائل: نعم.
الحقيقة: لكثرة ما دار حوله من بعض الردود، وقد نُشِرَت في بعض الصحف منها: صحيفة اللواء، وأيضاً في الجامعة عندنا في كلية الشريعة تناولوا هذا الموضوع في بعض الدراسات.
الشيخ: أنت -بارك الله فيك- ينبغي أن تذكر حجة مَن يُنْكِر الرجم؛ لِنُبْطِلها، أمَا وأنت ذكرتَ بلسانك حجة مَن يُثْبِت الرجم في الحديث الصحيح! السائل: نعم.
الشيخ: إذاً ماذا تريد مني؟ السائل: أنا أريد فقط بعض المرويات عن حوادثَ للرجم.
الشيخ: لا بأس، لماذا؟ السائل: فقط للرد العلمي عليه؛ لأن بعض المزاعم في الكتاب لا تقوم على دليل.
الشيخ: أنا أنصحك أنت وغيرك ألا تهتموا بالرد على كل ناعق، هذا باب واسع لا نهاية له، اليوم أصبح العلم فوضى، كل مَن شَعَرَ بأنه يحسن أن يكتب عبارة، ولو كانت مُكَسَّرة من الناحية العربية تكسيراً، فهو يكتب ولا يبالي؛ لأنه لا رقيب ولا عتيد.
ولذلك فليس من العلم ولا من الحكمة في شيء أن يهتم الناس بكتابة أي كاتب إذا كان ليس له قدم، لا أقول راسخة، ليس له قدم في العلم، فضلاً عن أن أقول: ليس له قدم راسخة في العلم.
أما الجواب عن سؤالك فأنا أقول: يوجد في الصحيح عن علي رضي الله تعالى عنه [أنه جمع على امرأة زانية بين جلدها ورجمها] ، جمع فيها الحدين، وهذا الحديث يحارب صاحبك المبطل بسَيفَين؛ لأنه هو ينكر أصل الرجم، وسينكر من باب أولى الجمع بين الحدين، فسيدنا علي ﵁ رجم امرأة بعد أن جلدها، وقال: [جلدتُها بكتاب الله، ورجمتُها بسنة رسول الله ﵌] هذا بعد وفاة الرسول بزمان.
هذا شيء.
الشيء الثاني: أنه صح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال محذِّراً المسلمين: [سيأتي زمان يُنْكِر قومٌ الرجم، ولقد قرأناه في كتاب الله -وهو: ما يسمى عند العلماء بمنسوخ التلاوة- قرأنا: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إِذا زَنَيا فَارْجُمُوْهُما البَتَّة نَكالاً مِنَ اللهِ) ] هذا عمر بن الخطاب وكأنه يعلم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، ولكن هناك أحاديث يقول فيها علماء الحديث -في أحدها مثلاً-: هذا حديث موقوف في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال مِن قِبَل الرأي.
وحقيقةً: وُجِد ناس بعد أن انتشر مذهب أهل الاعتزال يعتقدون الضلال القائل بالتحسين والتقبيح العقليين، فقد أنكروا الرجم بالكلية، وأتْبَعوا هذا الإنكار بإنكار آخر، وهو أنه لا توجد آيات منسوخة التلاوة! لماذا ينكرون؟! لأنه غير مستساغ في عقولهم أن الله يبتلي عباده بما يشاء، فعقلهم الذي جعلوه حَكَماً على الله، يقولون: ما حسَّنه العقل فهو الحسن عند الله، وما استقبحه العقل فهو القبيح عند الله، فهؤلاء ينكرون مثل هذه النصوص الصحيحة الثابتة بعقولهم المقيتة.
فـ عمر حينما قال: [سيأتي زمان يُنْكِر قومٌ الرجم، ولقد قرأناه في كتاب الله] فهي من منسوخ التلاوة.
وهناك أحاديث أخرى غير قليلة فيها نصٌ -أيضاً- على أنها كانت مما يُتلى، من ذلك: أن الرضاع المحرم كان عشراً، وكان مما يُتْلى، ثم نُسِخَ وجُعِل الحكم أن الخمس رضعات هن المحرِّمات.
هذا ما يحضرني الآن من بعض النصوص تحقيقاً وجواباً لطلبك.
ثم قبل أن أُنْهِي الجواب عن هذا السؤال ألفت النظر؛ لأن كثيراً من الكتَّاب اليوم يقلبون الحقائق الشرعية، فالأحاديث التي تروَى بالأسانيد الصحيحة يرفضونها، والتواريخ التي تروَى بالأسانيد المنقطعة يجعلونها أصلاً، فالكاتب منهم لا يستطيع أن يثبت تاريخ هذه الوقعة، أو غيرها، إلا أن يقول فلان من المؤرخين: وقعت سنة كذا، ومَن كانت له دراسة في السيرة سيجد اختلافاً كثيراً جداً في تحديد كثير من الوقائع والحوادث وبخاصة من الغزوات.
ولذلك فطالب العلم يجب أن يتنبه لهذه الدقيقة، فإذا كان هناك تاريخ يحدد حادثة، وهناك حديث ظاهره أنه يختلف مع تاريخ الحادثة، فلا تقِمْ وزناً للتاريخ؛ لأنه لم يروَ بالسند، وإنما أقِمْ وزناً للحديث الذي روي بالسند.
وأنا يحضرني الآن مثال في هذا: هناك حديث في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما نحن نصلي وراء رسول الله ﷺ صلاة العصر، إذْ برسول الله ﷺ يُسَلِّم على رأس ركعتين -والعصر أربعاً، وقد صلاها ركعتين-، ثم انتحى ناحية من المسجد -حتى إن الراوي يصف أن الرسول ﵇ وضع إحدى رجليه على الأخرى ليستريح- فقال رجل يُعْرَف بـ ذي اليدين: يا رسول الله! أقَصُرَت الصلاةُ أم نسيتَ؟ قال ﵇: كل ذلك لم يكن، قال: بلى يا رسول الله، قد كان، فنظر في الصحابة وفيهم أبو بكر وعمر أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم.
فرجع إلى مصلاه -ولا أقول: إلى محرابه؛ لأنه لم يكن في مسجده محراب، وهذه فائدة على الماشي- فعاد إلى مصلاه وجاء بالركعتين، وسجد سجدتين وسَلَّم) انتهت القصة.
في هذه القصة خلاف بين الفقهاء قديماً وحديثاً: ذو اليدين تحدث مع الرسول، والرسول تحدث مع الصحابة: (أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم) ، فكيف -مع هذا الحديث- يرجعون فيصلون مع الرسول ركعتين أخرَيَين، والسلام عليكم، وانتهت الصلاة بسجدتي السهو؟! إذاً: هذا الحديث يؤخذ منه: أن الكلام لا يُبْطِل الصلاة! لا.
بل اتفق العلماء جميعاً أن الكلام في الصلاة عامداً متعمداً يبطلها، واختلفوا فيما إذا تكلم المتكلم في الصلاة ناسياً، أو جاهلاً، أو مصلحاً للصلاة: فالمذهب الشافعي يقول: لا تبطل الصلاة بمثل هذا الكلام.
والحنفية يقولون: تبطل.
هنا الشاهد: ماذا يقول الحنفية في حديث أبي هريرة هذا؟ يقولون: كان هذا قبل نسخ الكلام في الصلاة، أي: كانت هذه الواقعة قبل نسخ جواز الكلام في الصلاة، والدليل أن ذا اليدين هذا مات في وقعة بدر، هنا الشاهد! وأبو هريرة أسلم في وقعة خيبر، فوقعة خيبر هذه إذاً متأخرة عن وقعة بدر، فعلى ماذا استندوا في كون ذي اليدين مات في وقعة بدر؟ استندوا على تاريخ.
هنا تجد بعض المؤرخين يقولون: لا.
هذا القول رواه الزهري هكذا مرسَلاً معضَلاً، أي: إن القول بموت ذي اليدين في وقعة بدر رواه الزهري بدون سند، وأبو هريرة يقول صراحة: (بينما أنا أصلي وراء الرسول ... ) ، وأبو هريرة أسلم بعد أو في حادثة خيبر؟ إذاً: هذه الحادثة متأخرة عن النهي عن الكلام.
فإذاً: النهي عن الكلام المقصود به الكلام الذي ليس عن عذر الجهل، أو عذر النسيان، أو عذر إصلاح الصلاة، فإذا كان الكلام بسبب من هذه الأسباب الثلاثة فلا يبطلها.
أما الكلام كقولك: هات الكتاب، وخذ الغرض إلخ، وأنت تصلي، فهذا هو الذي يبطل الصلاة.
هذا مثال لاختلاف الرواية ذات السند الصحيح عن التاريخ المرسَل المعضَل؛ لذلك عندما تقرأ كتاباً يجب أن تنتبه إلى أن هذا التاريخ -يا أخي- لا يُروى بالأسانيد الصحيحة، ولا أنه يجري مثل إن كان هناك تعارض بين التاريخ وبين حديث بإسناد صحيح.
خلاصة القول: الرجم ثابتٌ -أولاً- بالقرآن الذي نُسِخَت تلاوته وبقي حكمه، وثابتٌ بالسنة العملية التي نفَّذها الصحابة بعد وفاة الرسول ﵇، وجرى العمل -أيضاً- على ذلك من المسلمين الذين يقيمون الأحكام الشرعية حتى اليوم.
والله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] .
لذلك هذا الكاتب وأمثاله لا ينبغي للمسلم أبداً أن يقرأ لهم كتاباً؛ لأنهم ليسوا بعلماء، وإنما هم من أهل الأهواء،
стр. 196
توجيه قولهم: (على شرط الشيخين)
السؤال
عندنا يا شيخ أسئلة في مصطلح الحديث: ما المقصود بقولهم: حديث على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما؟ هل المقصود أن يكون الشيخان قد أخرجا السند نفسه؟ أو أن الشيخين قد احتجا برجال السند كلٌّ على حدة؟
الجواب
هناك مرتبتان: المرتبة الأولى: هي التي جاءت في السؤال؛ أنهما أخرجا من نفس السند، البخاري أو مسلم أو كلاهما معاً؛ لكن هذا عزيز جداً، ونادر جداً، ولذلك فإن الغالب من المقصود بقولهم: على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما: أن رجال ذلك الحديث على شرط الشيخين، وليس في السلسلة كلها.
هذا يلاحَظ كجواب على ذاك السؤال.
لكن هناك ملاحظة أخرى ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها، وهي: المرتبة الثانية: وهي أن هناك تسامحاً في إطلاق هذه العبارة في بعض الأسانيد التي تكثر سلسلة الرواة فيها، أو يكثر عدد الرواة في سند ذلك الحديث.
ومن أشهر الذين عُرفوا بإطلاق هذه العبارة على الأحاديث التي يُخْرِجها في كتابه هو: أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، فهو -كما تعلمون- يقول: صحيح على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، بينما هو يعني إلى ما قبل شيخ شيخه هو، بمعنى: أن بين شيخ الشيخين والحاكم رجلين على الغالب، وهذان الرجلان جاءا بعد الإمامين البخاري ومسلم، فإنهما لا يدخلان في قوله: على شرط البخاري ومسلم بداهةً.
ولذلك فهذا الإسناد هنا إذا لم يستحضر طالب العلم هذه الملاحظة لا يصح أن يقال: إنه على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما، لا يصح؛ لأن شيخ الحاكم جاء بعد وفاة الشيخين، بل وربما شيخ شيخه كذلك، وكل إسناد يقال فيه: على شرط مسلم، أو البخاري، أو كليهما معاً، ويكون المؤلف جاء من بعد البخاري وبينه وبين البخاري واسطة، فإذا قيل: إسناده صحيح -على ما ذكرنا آنفاً- يكون هناك تسامح في التعبير، فمثلاً: أعلى طبقة من الحاكم: أبو حاتم بن حبان، فهو يروي كثيراً من الأحاديث أسانيدها على شرط الشيخين دون شيخه هو؛ لأن شيخه ليس من شيوخ الشيخين.
فلا بد من ملاحظة هذه الدقيقة فيما إذا وقفنا على تعبير: إنه إسناد صحيح على شرط الشيخين.
ومتى يصح مثل هذا التعبير دون هذا التسامح؟ إذا قيل في إسنادٍ مثل إسناد مسند أحمد لأن أحمد من شيوخ الشيخين، فإذا قيل فيه في حديث ما: إنه على شرط الشيخين، ويكون القائل مصيباً؛ فإنه لا يكون في الأمر -في التعبير- تسامح إطلاقاً.
وثمرة هذه الملاحظة مهمة جداً بالنسبة لـ ابن حبان، وبخاصة بالنسبة للحاكم؛ ذلك لأننا نلاحظ أن في شيوخ الحاكم أحياناً شيئاً من الضعف، فلا يصح السند إطلاقاً فضلاً عن إن يقال: إنه على شرط أحد الشيخين.
стр. 197
حكم عدم تصريح المدلس بالسماع عن أحد أقاربه أو أحد مشايخه
السؤال
ما رأيك في عدم تصريح المدلِّس بالسماع عن أحد أقاربه، كابنه، أو أبيه، أو أمه، أو عن أحد مشايخه المُكْثِر عنهم، هل يُحمل على السماع، أو يعُلُّ بالتدليس؟
الجواب
إذا لم يكن هناك وضوح في نوع تدليسه، أو كان واضحاً في غير أبيه، أو ابنه، فيُحْمَل على الاتصال، ولا يحمل على الانقطاع، أو التدليس، وكذلك بالنسبة لبعض الرواة المشهورين بالضبط والحفظ والعدالة؛ ولكنهم رُمُوا بشيء من التدليس، فالذي اطمأنت إليه نفسي وانشرح له صدري: أن عَنْعَنَتَهُم تُمَشَّى، إلا إذا وَضَح للباحث أن في المتن علةً، ولا يجد في السند ما يمكن أن يُعْتَبر علة، فيقف عند العَنْعَنَة هناك، ويحاول أن يتخلص منها بطريقة أو بأخرى.
стр. 198
حكم من يشترط المعاصرة فقط لصحة السند
السؤال
مَن يقول بالمعاصرة فقط لصحة السند، هل يَشْتَرِط شروطاً أخرى، أم يكتَفِي فقط بمطلق المعاصرة حتى لو كانت اللقيا بعيدة جداً، كأن يكون الشيخ في المشرق، والتلميذ في المغرب؟
الجواب
هذه مسألة لا يمكن -في اعتقادي- إعطاء جوابٍ قاطعٍ فيها؛ لأن العلة التي ذكرتَها هي ليست علة ضرورية التحقق؛ لأننا نعرف أن علماء المسلمين وحفاظهم كانوا يسافرون من الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق، فإذا وُجِد هناك ما يدل على أنه لم يخرج من بلده، أو على الأقل من إقليمه من الغرب إلى الشرق، أو من الشرق إلى الغرب، إذا لم يحدث شيء من ذلك فيُحْمَل على الاتصال لمجرد المعاصرة مع ثبوت الثقة والعدالة.
السائل: قد يكون سن التحمل -مثلاً- خمس عشرة سنة بين وفاة الشيخ وولادة التلميذ، فيكون هذا التلميذ لا يخرج عادة مثل من عادة الحفاظ! الجواب: إذاًَ: يُنْظَر للقرائن، أما إذا كان لا يوجد مثل هذه القرينة التي ذكرتها الآن، فالجواب ما علمتَ.
стр. 199
هل يشترط في أسانيد الكتب ما يشترط في الحديث أم يتساهل فيها
السؤال
ما رأيك في أسانيد الكتب؟ هل يشترط فيها ما يشترط في رواية الأحاديث أم يتساهل فيها؟
الجواب
رأيي يختلف من كتاب إلى آخر: فإذا كان كتاباً مشهوراً متداوَلاً بين أيدي العلماء ووثقوا به، فلا يشترط.
أما إذا كان غير ذلك فإنه يُشتَرط.
стр. 200
حكم مرسل التابعي الصغير إذا ورد من طريق آخر ضعيف
السؤال
مرسل التابعي الصغير، كـ الزهري وقتادة، إذا ورد من طريق آخر ضعيف، هل يقوي أحدهما الآخر؟
الجواب
لا فرق عندنا بين التابعي الصغير أو الكبير، فالمرسَل مرسَل وإن كان يحتمل أن يكون منقطعاً، فإذا وُجِد ما يُسْنِده مسنداً ولو كان ضعيفاً فالقاعدة ماشية على إطلاقها.
стр. 201
معنى قولهم: (فلان لا يروي إلا عن ثقة)
السؤال
قولهم: فلان لا يروي إلا عن ثقة، هل هو على الغالب أو مطلقاً؟ وهل يُفهم من عبارات التوثيق: كلُّ مَن روى عنه، فلانٌ مثلاً، كالإمام مالك ويحيى بن أبي كثير؟
الجواب
إذا كان العلماء لا يأخذون بتوثيق رجل لا تُعْرَف عينُه، فالأولى ألا يؤخذ بهذه القاعدة، فهي أبعد عن التوثيق لشخص معلوم، بمعنى: إذا قال العالِم أو الإمام: حدثني ثقة، فلا يصح السند، حتى ينكشف مَن هذا الثقة الذي عَنَاه، كذلك مجرد رواية إمام عن شخص لا نعلم عنه أنه وثَّقه أحد، وإنما نعلم هذا الإطلاق أنه لا يروي إلا عن ثقة، فهذا لا يُعْتَمد عليه؛ لأنه اعتماد على كلام مُجْمَل، وكثيراً ما انتقض هذا الإجمال ببعض الروايات.
стр. 202
حجية قول الصحابي
السؤال
ما قولكم في قول الصحابي: هل هو حجة أم لا؟ أم أن هناك تفصيلاً معيناً؟
الجواب
لا بد من التفصيل: قول الصحابي إذا كان قالَه في وجود بعض الصحابة ولم يخالفه أحدٌ، فهذا نطمئن إليه، ونحتج به.
أما إذا لم تكن مثل هذه القرينة، ثم لم يكن هناك في النص من الكتاب أو السنة ما يخالِفُه، فنحن نطمئن إليه أيضاً؛ ولكننا لا نستطيع أن ننزله منزلة الكتاب والسنة، إلا إذا كان معه ناس آخرون.
стр. 203
الفرق بين تفسير الصحابي للآية وقوله في المسألة
السؤال
ما الفرق بين تفسير الصحابي للآية وقوله في المسألة؟
الجواب
هذه تدخل في موضوع تفسير الصحابي، فتفسير الصحابي له علاقة برأي الصحابي -أيضاً- إذا كان متعلقاً بأمر غيبي -خبر غيبي- لأنه في هذه الحالة، وفي الحالة الأولى التي سألتَ عنها -أي: في التفسير- يغلب على الظن أن هذا ليس باجتهاده، وإنما بتوقيف من الرسول ﵇ له عليه.
ولذلك فيشترط في مثل هذا القول الذي يقول بأن قول الصحابي حجة: إذا كان رواية عن أمر، لا يمكن أن يقال بمجرد الرأي، وهذا -أيضاً- ليس على إطلاقه، وإنما نرى -وهذا أمر ضروري جداً- أن يقيد بما إذا لم يكن هناك احتمال أن يكون من الإسرائيليات؛ لأن كثيراً من الإسرائيليات تتحدث -أيضاً- عن أمور غيبية، ومعلومٌ أن الصحابة كانوا يتلقون كثيراً من الإسرائيليات عن بعض الذين أسلموا من أهل الكتاب، فإذا جاء خبر من صحابي يتعلق بأمر غيبي، ولا يحتمل أن يكون من الإسرائيليات، فهنا يقال: إنه في حكم المرفوع.
من هذا القبيل قيل في تفسير الآيات: إنه في حكم المرفوع؛ لأن التفسير لا يمكن أن يقال بمجرد الرأي، وبخاصة من الصحابة الأولين الذين سمعوا القرآنَ من الرسول ﵇، وبيانَه للقرآن مباشرة.
стр. 204
حكم الأخذ بقول الصحابي
السؤال
قول الصحابي يا شيخ، ذكرتَ أننا نطمئن إليه ولا يُحتج به، فهل الأَولى الأخذ به؟
الجواب
نعم.
لا شك.
مداخلة: أنت قلتَ: ويُحتج به.
الشيخ: نعم؛ ولكن لا نلزم الناس به.
مداخلة: ولكنه قال: إنه لا يحتج به.
السائل: لا بأس! أعيد السؤال يا شيخ: ذكرتَ أن قول الصحابي ﵁ إذا قال قولاً ولا يوجد هناك دليل على أنه قاله في جمع من الصحابة، ذكرتَ أنه نطمئن إليه؛ ولكن لا يُحتج به، أي: لا نستطيع أن نلزم الناس به.
الشيخ: هذا هو، لا نستطيع أن نلزم الناس.
السائل: لكن الأولى أن نأخذ به، ولا نأخذ مِن رأينا، أو رأي مَن بعدَه من العلماء.
الشيخ: هو كذلك، ونحن على سبيل المثال دائماً نتحدث عن مسألة الشرب قائماً، ومع أن المسألة فيها خلاف معروف بين العلماء قديماً وحديثاً، إلا أننا نحن نتبنى تحريم الشرب قائماً إلا لعذر، فنُسأل عن الأكل قائماً: ما حكمه؟ فنذكر بهذه المناسبة أن هذا السؤال وُجِّه إلى راوي حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله سلم عن الشرب قائماً - ألا وهو أنس بن مالك - فقيل له: فالأكل؟ قال: شر) ، فنحن نقول بقوله؛ لكن لا نستطيع أن نلزم الناس بأن يأخذوا بهذا القول؛ لأن هناك علماء مختلفين في مثل هذا.
стр. 205
طريقة تمييز صحيح وضعيف قول الصحابي
السؤال
كيف يستطيع طالب العلم مثلاًَ التميز بين أقوال الصحابة، من حيث الآثار الصحيحة والضعيفة؟ أعني: ما هي الكتب التي تنصحوننا بها؟ الشيخ: ما يميز الحديث؟ السائل: بالنسبة للحديث هناك كتب تميز الصحيح من الضعيف؛ لكن الآثار كأقوال الصحابة كيف نميزها؟ الشيخ: نفس الجواب! أليس هناك أحاديث ليس لها أسانيد؟! ماذا يفعل فيها؟! لا يعلم، كذلك هناك آثار ليس لها أسانيد، فلا يستطيع أن يقوم بالتصحيح والتضعيف؛ لكن هناك آثار لها أسانيد، فيعالجها كما يعالج الأحاديث.
السائل: لأن كثيراً من المؤلفين لا يعتنون بالآثار كما يعتنون بالأحاديث.
الجواب
هذا شيءٌ آخر، أنا أجبتك عن سؤلك.
стр. 206
الوحدة والاتفاق
إن وحدة الأمة الإسلامية مبدأ حث ورغب فيه الشرع الحنيف، ولا يمكن لهذه الأمة أن تجتمع اإلا تحت منهج قويم يمنعها من التفرق والتشتت والتشرذم، وهذا المنهج القويم لابد أن يكون نابعاً من الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، هذا ما كشف الشيخ الحجاب عن أهميته في هذه المادة.
стр. 207
الحث على سلوك الطريق المستقيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فإننا نحمد الله ﵎ على أن هدانا لما اختلف فيه الناس من الحق بإذنه ، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، هدانا إلى أن نتبنى الكتاب والسنة عقيدة لنا ومنهجاً في حياتنا، بينما نجد المسلمين الآخرين قد رضيت كل طائفة منهم بمذهب يلتزمونه التزام المسلم للكتاب والسنة، فهذه نعمة ليس بعدها نعمة؛ ذلك لأن التمسك بالكتاب والسنة هو الضمان الوحيد الذي يعصم الإنسان من أن يقع في ضلال مبين، كما جاء في الحديث الصحيح عن الرسول ﵊ أنه قال: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض) .
التمسك بالكتاب والسنة هو السلوك على الطريق المستقيم، الذي أخبرنا به رب العالمين في كتابه الكريم حين قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] وقد أخرج أبو عبد الله الحاكم في مستدركه بإسنادٍ جيد، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (خط لنا رسول الله ﵌ خطاً على الأرض مستقيماً، ثم خط خطوطاً أخرى على جنبتي الخط الأول -خط خطوطاً قصيرة حوالي الخط المستقيم- ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] ثم زاد بياناً لهذه الصورة البديعة الجميلة التي صورها رسول الله ﵌ بيده الكريمة على الأرض؛ لينطبع في أذهان السامعين لكلامه والرائين لصورته أثرها في قلوبهم فقال: هذا صراط الله، وهذه طرق، وعلى رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليه) .
ولقد كانت هذه الصورة من بالغ حجة الله على لسان نبيه على أولئك المسلمين الذين انحرفوا عن صراط ربهم المستقيم؛ لأن هذه الصورة توضح وتؤكد ما جاء في الآية السابقة، أن الطريق الموصل إلى الله ﵎ ليس إلا طريقاً واحداً، وأن الطرق الأخرى -التي تخرج من الطريق المستقيم وتبعد عنه- كلما سار السائر فيها ابتعد عن الصراط المستقيم وضل ضلالاً مبيناً.
وإني لأرى في هذه الصورة تنبيهاً لطيفاً ناعماً جداً، إلى ما يقع فيه كثير من الناس من الانحراف عن الخط المستقيم، بدعوى أن هذا الطريق بعيد المدى، نحن نسمع هذا الكلام في هذه الأيام، ونجد الرسول ﵊، وكأنما أوحى الله ﵎ إليه بما سيقع وبما سيأتي من الزمان؛ فأشار إليه بهذه الصورة البديعة الجميلة نحن حينما نتحاجج مع بعض المخالفين للنهج السلفي، وحينما ندعو الناس إلى هذا النهج السوي وهو اتباع الكتاب والسنة، ونفصل لهم شيئاً من التفصيل، ونقول لهم: لا بد من تعليم الناس دينهم على الوجه الصحيح المطابق للكتاب والسنة، والموافق لما كان عليه سلفنا الصالح ﵃؛ نجد كثيرين من هؤلاء يعترفون بأن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه؛ ولكن يقولون: يا أخي! هذه شغلة طويلة، وهي تحتاج إلى مدى طويل، ونحن نريد أن نقيم الدولة المسلمة بأقرب طريق.
فنقول لهم: إن هذا الطريق قد صوره الرسول ﵇ فعلاً أنه طريق ممتد وطويل؛ ولكنه مستقيم.
ومن لطائف هذه الصورة البديعة الجميلة: أنه صور الطرق المنعرجة المنبعثة منه والخارجة عنه طرقاً قصيرة، وذلك من تمام ما يسوله الشيطان لبني الإنسان بأن يقول لهم: إلى متى تمشون؟ ومتى تصلون؟ اذهبوا من هذا الطريق، انظروا ما أقربه وما أيسر الوصول إلى منتهاه! وهذا هو ما غر الناس اليوم، وهو واقع الطوائف الإسلامية الذين يريدون العمل للإسلام، ويريدون خدمة الإسلام وإقامة الدولة المسلمة، تجدهم يتحمسون لإقامة الدولة المسلمة ولكن بغير علم، وإن كان هناك علم ما فليس هو العلم النافع؛ لأن العلم النافع إنما هو ما كان كتاباً وسنة، ثم ما كان من عمل السلف الصالح من عمل الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان، هذا هو العلم النافع، وإلى هذا أشار ابن القيم بقوله:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذراً من التعطيل والتشبيه
فـ ابن القيم يشير إلى هذه الحقيقة: أن العلم النافع إنما هو قول الله وقول رسول الله، بفهم أصحاب رسول الله ﵌.
فهؤلاء الدعاة الذين يريدون الوصول إلى تحقيق الغاية العظمى، وهي إقامة حكم الله في الأرض، وإيجاد الخلافة الراشدة بعد تلك الخلافة الماضية، التي يتفق جميع المسلمين على وجوب تحقيقها، ولكنهم يختلفون في الوسيلة وفي الطريق، ونحن السلفيين معهم في هذه الغاية، لكننا لسنا معهم في الوسيلة، نحن وسيلتنا أنه لا بد من العلم النافع والعمل الصالح، والعلم النافع هو ما كان مبنياً على كتاب الله وحديث رسول الله، الحديث الصحيح فقط، وعلى فهم السلف الصالح، والعمل بهذا العلم.
ولو اجتمع المسلمون اليوم جميعاً على العلم النافع ثم لم يعملوا بذلك؛ فلن يصلوا إلى هدفهم المنشود وهو إقامة حكم الله في الأرض؛ ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فنحن مع كل الذين يدعون إلى إقامة حكم الله في الأرض، وتحقيق -ما يسمونه اليوم- الحاكمية لله وحده لا شريك له، ولكننا نختلف عنهم كل الاختلاف في الطريق، طريقنا طويل ومديد، وطريقهم قصير ولكنه منحرف عن الصراط المستقيم، وذلك ما أشار إليه الرسول صلوات الله وسلامه عليه في هذه الصورة الجميلة البديعة، حينما خط الصراط المستقيم خطاً طويلاً مستقيماً، وخط الطرق المتعرجة عنه طرقاً قصيرة؛ إشارة إلى هذه الحقيقة، وهي أن الطرق الشيطانية، والتي يزعم دعاتها أنها تؤدي بهم إلى تحقيق الإسلام وإقامة حكمه في الأرض، أنها ليست من الطرق التي تؤدي إلى الخير؛ ذلك لأن الطريق المؤدي إلى الخير هو طريق واحد يجوز لي أن أقول: لا شريك له؛ لأنه وحي السماء، وحي من الله على قلب رسول الله ﵌، فهو لا يقبل التعدد كالموحي به وهو الله ﵎.
من عجائب ما انحرف به المسلمون عن نصوص الكتاب والسنة، وخاصة هذا الحديث؛ أنهم يصدمونه صدماً، فهو مع تصريحه بأن الطريق واحد يقولون: الطرق الموصلة إلى الله بعدد أنفاس الخلائق!!
стр. 208
الواجب على من وفقه الله لسلوك الطريق المستقيم
فإذا كان ربنا قد تفضل علينا وهدانا إلى أن وفقنا للسلوك في هذا الطريق المستقيم؛ فيجب علينا أمران اثنان: الأمر الأول: أن نقدر هذه النعمة، وأن نقوم بشكرها لربنا ﵎، فأنتم تعلمون قوله : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] فإننا إذا شكرنا ربنا على ما هدانا إلى هذا الطريق المستقيم؛ زادنا هدى وبصيرة في السير في هذا الطريق، وصبَّرنا أمام المشاق التي تعترض سبيلنا من الدعاة إلى هذه الطرق المنحرفة عن الصراط المستقيم، ويجعلنا من أولئك الغرباء الذين قال فيهم ﷺ : (فطوبى للغرباء) وذلك في قوله: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء) .
وقد جاء في تفسير الغرباء روايات؛ وكلها تنطبق على كثير من الدعاة إلى اتباع الكتاب والسنة، وذلك من فضل الله، من تلك الروايات: (قيل: يا رسول الله! من هم الغرباء؟ قال: هم ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) وهذا هو الواقع كما تشهدون، وما له من دافع، ولذلك كانوا غرباء حتى بين أقاربهم، وحتى بين آبائهم وأمهاتهم؛ ذلك لأن القرابة الدينية هي أقوى صلة وربطاً من القرابة النسبية، فهؤلاء الغرباء الصالحون إنما هم غرباء من ناحية العقيدة، ومن ناحية اتباع الكتاب والسنة، ولو كانوا يعيشون بين أقاربهم وقبيلتهم فهم مع ذلك غرباء؛ لأنهم صالحون والذين حولهم طالحون.
والرواية الأخرى، وهي أبدع وأحفز لنا في أن نثابر على طريقنا وأن نصبر في ذلك، هي قوله ﵊: (الغرباء هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي) فهذه الصفة هي صفة الدعاة إلى الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح جعلنا الله ﵎ منهم.
стр. 209
الابتعاد عن الاختلاف الذي يفرق الصف ويشتت الشمل
قلت: يجب أن نشكر ربنا على أن هدانا إلى هذا الطريق الذي لا ثاني له، ومن شُكرِه أن نبتعد عن الاختلاف الذي يفرق الصف ويشتت الشمل؛ ذلك لأننا نعلم جميعاً أن الاختلاف في الدين ليس من شيم المسلمين، ولا من نهجهم ولا من طريقتهم، بل هو من شأن الكافرين المشركين، كما قال رب العالمين ﵎ في كتابه الكريم: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١-٣٢] .
الواقع المؤسف شديد الأسف أن هذه الآية تنطبق، أو على الأقل تكاد تنطبق على كثير من المسلمين اليوم، الذين يختلفون بعضهم مع بعض أشد الاختلاف؛ بحيث أنهم انقسموا إلى مذاهب شتى وأحزاب كثيرة، وصدق فيهم قول ربنا : ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢] فيجب أن نبتعد عن الاختلاف مع بعضنا البعض خشية أن نقع في هذه الفرقة التي ليست من طبيعة المسلمين، وإنما هي من سجية الكافرين المشركين.
أقول هذا وأنا أعلم أن الخلاف أمر لا منجاة منه؛ ذلك لأن الله خلق الناس متفاوتين في أفهامهم، وفي مداركهم، وفي قدراتهم، وفي فهم نصوص الكتاب والسنة، فلا بد من أن يقع شيء من الاختلاف بين أفراد الاتجاه الواحد والخط المستقيم، ومثاله أصحاب رسول الله ﵌، فقد كانوا متفقين في عقائدهم وفي جميع مسائلهم الفقهية، ولكن من جهة أخرى كانوا مختلفين في بعض المسائل الفرعية؛ إلا أن هذا الاختلاف لم يؤد بهم إلى أن ينقسموا إلى أحزاب وإلى مذاهب متفرقة، وهذا التفرق هو الذي يحمل المتفرقين على أن يعادي بعضهم بعضاً، وأن يشتغل بعضهم بالجهاد في البعض الآخر، فيصرفهم ذلك عن أن يتوجهوا جميعاً صفاً واحداً إلى محاربة أعداء الله، من الكفار والمشركين والمرتدين عن الدين.
لقد كان أصحاب الرسول ﵊ يختلفون في بعض المسائل، لكن ذلك لم يوصلهم إلى التباغض وإلى التدابر الذي نهى عنه الرسول ﵇ في الأحاديث الصحيحة (لا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً) هكذا كان أصحاب الرسول ﵌، ولذلك فلا بد أن نجعل من جملة الخط الذي نمشي عليه، هو ما يمكن التعبير عنه أن نتسامح بعضنا مع بعض فيما إذا اختلفنا في فهم نص من كتاب الله أو من حديث رسول الله ﵌، فينبغي أن يعذر بعضنا بعضاً في ذلك؛ لأنه من المستحيل، ويجب أن تكون هذه الفكرة قائمة في عقيدة كل فرد منا؛ لأن الإصلاح لا يقوم على تجاهل الواقع وعلى تجاهل الحقائق، يجب أن نعلم أن الصحابة ﵃ الذين هم خير القرون، كما قال ﵇ في الحديث الصحيح: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) لم يستطيعوا إلا أن يختلفوا في بعض المسائل، وأنتم على ذكر لكثير من هذه المسائل.
وحسبكم ما يبتلى به كثير من الناس اليوم مما يقال: إنه مفسد للوضوء أو مبطل للصلاة، وهل مس المرأة ينقض الوضوء أو لا ينقض؟ وهل خروج الدم يفسد الوضوء أو لا يفسد؟ ونحو ذلك، فهل وصل بهم الأمر إلى أن يمتنع أحدهم من الصلاة وراء أخيه المسلم لأنه يخالفه في رأيه؟!
стр. 210
الواجب على المسلمين أمام الاختلاف
إن من سنة الله في عباده أنهم قد يختلفون في بعض المسائل تفاهماً لها، فينبغي علينا أمران اثنان: الأمر الأول: أن نتعاون على فهم النص من الكتاب والسنة فهماً صحيحاً، بحيث أنه لو كان من المستطاع عادة ألا يكون بيننا أي خلاف لوجب ذلك علينا، وإذا كان من غير الممكن القضاء على الخلاف -كما تدل على ذلك سنة الله في خلقه وفي أصحاب نبيه- فلا أقل من أن نسعى إلى تقليل الخلاف.
وإننا لا نعتقد ما يعتقده جماهير المسلمين اليوم من إطلاقهم القول بأن: الاختلاف رحمة، فإن هذا القول لم يرد إلا في حديث منكر، بل موضوع، ألا وهو: (اختلاف أمتي رحمة) كما أنه لم يرد إلا في مثل هذا الحديث، فهو مصادم لنصوص الكتاب والسنة التي تدعو جميع الأمة إلى ألا يتفرقوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ولكن إذا قال قائل: إذا كان من غير الممكن إزالة الخلاف من أصله وجذره، كما تعترف أنه كان واقعاً في أصحاب الرسول ﵇؛ فليس لنا أن نقلب الحقيقة فنجعل الاختلاف رحمة.
نحن نقول: الاختلاف الذي لا بد منه، والذي إنما يكون بعد أن أنفذنا وبذلنا كل جهودنا في سبيل الاتفاق على فهم النص على وجه معين؛ فإذا بقي شيء من الاختلاف فنقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! لا بد مما لا بد منه، أما أن نصف هذا الاختلاف الذي بقي رغماً عنا بأنه رحمة؛ فهذا ليس له وجه من الوجوه إطلاقاً، حسبنا أن نقنع برحمة ربنا بنا حينما قال على لسان نبينا: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد) فقد أثبت الحديث الصواب وأثبت مقابله الخطأ، أما أن نَصِف الخطأ بأنه رحمة فهذا لا يمكن أن يكون.
لذلك فنحن وسط بين أولئك الناس، وهم جماهير المسلمين اليوم -مع الأسف الشديد- الذين يرضون بهذا الواقع من الاختلاف الكثير، الذي لم يقف عند حدود الاختلاف في الفروع كما يزعمون، بل تعدى ذلك إلى الاختلاف في الأصول، أي: في العقيدة.
نحن لسنا مع هؤلاء الذين يقولون: اختلافهم رحمة، ولسنا -أيضاً- مع أولئك الذين قد يخيل إليهم أنهم يستطيعون أن يوجدوا ويحققوا مجتمعاً هو أكمل وأهدى سبيلاً من مجتمع أصحاب رسول الله ﵌، نحن إذا كنا نجتهد وبإمكاننا ألا نكون من أولئك الذين يقولون: اختلافهم رحمة، فلن نستطيع أبداً أن نكون خيراً من أصحاب محمد ﵌، وإنما نحن كما قال الشاعر تماماً:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
فنحن نسعى أن نستن ونهتدي بهدي أصحاب رسول الله ﷺ الذين اهتدوا مباشرة بهديه دون أن يدخل بينهم وبينه أي واسطة.
فإذاً: الحق وسط بين الجماهير الذين يقولون: الاختلاف رحمة، وبين القليل من الناس الذين بتحركهم على وحدة الكلمة وعلى توحيد الصف، يتوهمون أنه بالإمكان أن نجعل كل فرد مطابقاً في فهمه للجمهور، هذا أمر مستحيل! إذاً: يجب أن نتوسع قليلاً إذا ما ضيق غيرنا، وأن نضيق إذا ما وسع غيرنا؛ لأن هذا التوسع الذي لا حدود له خلاف الكتاب والسنة كيف يكون الاختلاف رحمة وربنا يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨-١١٩] ؟ فإذا كان الاختلاف رحمة فيا ترى هل يكون الاتفاق نقمة؟ والله يقول: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨] ؟ البشر لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، فالمرحومون لا يختلفون.
стр. 211
الجمع بين أن المرحومين لا يختلفون مع وجود الاختلاف بين الصحابة
أعود لأؤكد على النقطة التي أريد التنبيه إليها إن المرحومين لا يختلفون، لكن صحابة رسول الله ﵌ كانوا بلا شك مرحومين، فكيف يلتقي هذا مع ذاك الاختلاف الذي أشرنا إليه؟ نقول: الاختلاف قسمان: اختلاف هوى، واختلاف فهم اختلاف تعصب، واختلاف تطلب للهدى.
فإذا اختلف اثنان وكل منهما يسعى لمعرفة حكم الله ورسوله ثم لم يتفقا فهذا لا ضير فيه، ولا شك أن الاتفاق خير من الاختلاف، مهما كان الاختلاف يسيراً وسهلاً وسمحاً، ولكن لا يمكن الاتفاق في كل مسألة بين عالمين، أو بين شقيقين، أو بين سلفيين، فهذا أمر مستحيل! لذلك يجب ألا نضيع وقتنا في تحقيق المستحيل، وإنما نصرف وقتنا في القضاء ما يمكن على الاختلاف، هذا هو واجبنا، وهذا هو تميزنا عن جماهير الناس الذين رضوا بالاختلاف وطبعوه بطابع الرحمة؛ ولذلك فهم لا يزالون مختلفين، ولم لا وهم يظنون أن الاختلاف رحمة، وأن الإنسان مخير بين أن يأخذ بهذا القول أو بهذا القول، أو بذاك أو بذاك؟ وكثير منهم يُصرحون بأن المذاهب الأربعة كشرائع أربع، فلكل شريعة وزنها، والإنسان مخير أن يأخذ بهذا أو بهذا أو بهذا، فأين ذهبوا بقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] ؟ فهذا الاختلاف مرفوض مردود مخالف للكتاب والسنة؛ لأنه اختلاف لا يرد إلى الكتاب والسنة كما في الآية السابقة ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] ، فالرضا بهذا التنازع خلاف الكتاب والسنة.
وهناك اختلافٌ لا بد منه، وسببه اختلاف نسبة العلم والفهم من زيد إلى عمرو؛ فلهذه الأسباب التي لا إمكان للإنسان أن ينجو منها وقع شيء من الخلاف بين الصحابة في فهمهم لبعض النصوص، ولكنهم إذا ما نُقِل إليهم أو عرض عليهم قول الله أو قول رسول الله، كان موقفهم كما قال تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ، هذا هو الفرق بين المهتدين وبين الضالين، الذين يرضون بالخلاف وهم مأمورون برفع الخلاف ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
стр. 212
الفرق بين الاختلاف الجائز والمذموم
نحن بحاجة إلى التنبيه ألا يتعصب كل منا لرأيه في فهم نص من كتاب الله، أو حديث رسول الله، تعصباً يؤدي بنا إلى شيء من التنازع والتنافر، وقد يؤدي هذا بعد ذلك إلى التدابر وإلى التباغض، وهذا كله منهي عنه.
فإذاً: نستطيع أن نقول باختصار: إن الفرق بين الاختلاف الجائز والاختلاف المحرم، يظهر من بقاء هؤلاء المختلفين على وحدتهم وعلى تناصحهم وتوادهم، أو خرجوا من ذلك إلى التناحر وإلى التباغض، فهذا ما أردت التنبيه عليه فيما إذا وقع الخلاف بين بعضنا بعضاً في مسألة ما فينبغي أن نتسامح.
وأنا أُذكِّر بكلمة لبعض الدعاة الإسلاميين فيها شيء من هذا المعنى، ولكن يمكن تفسيرها بشيء يخالف بعض التوجيه السابق، تلك الكلمة تقول: نتعاون على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.
هذا الكلام يمكن تفسيره تفسيراً صحيحاً، ويمكن تفسيره تفسيراً أعوجاً، وهذا التفسير الأعوج هو الذي يطبقه المنتمون إلى قائل هذه الكلمة؛ لأنهم ينتهون إلى الرضا بالاختلاف وترك السعي للقضاء عليه بقدر الإمكان؛ ولذلك تجدهم يجتمعون ويعيش بعضهم مع بعض على أشد الاختلاف في قلوبهم هذا حنفي، وهذا شافعي، وذاك مالكي، وآخر حنبلي، ومع ذلك فهم جماعة واحدة -زعموا- وهذا ماتريدي، وهذا أشعري، وذاك سلفي، ومع ذلك جماعتهم جماعة واحدة، كيف كان هذا؟ كان هذا لأنهم تبنوا هذا التوجيه (يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه) هذا لا يجوز في الإسلام؛ لأنه يجب على المسلمين أن يتناصحوا، ولا شك أن التكتل والتجمع مما أمر الله به ورسوله، لكن يجب أن يكون التكتل على أساس الإسلام وعلى أساس النصيحة، وقد قال ﵇ كما تعلمون: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، وللأئمة المسلمين وعامتهم) .
فإذا عشت أنا معك عشرين سنة ولم تنصحني، وأنا -مثلاً- ماتريدي وأنت أشعري وآخر سلفي، فهذا ليس من الإسلام في شيء إطلاقاً.
وأنا في الواقع أشعر أن هذه الجملة الأخيرة: (ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه) أننا نحن السلفيين بحاجة إلى هذا التوجيه مع القيد السابق: يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه بعد التعاون والتناصح، ومحاولة إقناع كلٌ منا الآخر بالوجهة والصواب الذي يراه، أما أن يترك بعضنا بعضاً على خطئه وعلى ضلاله؛ وقد يكون ضلاله كفراً؛ فهذا ليس من الإسلام في شيء إطلاقاً.
ولهذا نقول: الصواب ما بين الإفراط وما بين التفريط: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] فالوسط هو التمسك بالكتاب والسنة، والسلف الصالح تمسكوا بالكتاب والسنة، فكان يجادل بعضهم بعضاً، ويناظر بعضهم بعضاً، وذلك من باب التناصح في أقل مسألة، ولا يرضون بالواقع ولو كان خطأً، بل كان بعضهم يصدع بالحق صدعاً يكاد كثيرون منا اليوم لا يتحملونه؛ والسبب في ذلك أننا نشأنا على المداراة، وهي في الحقيقة المداهنة والنفاق بعينه.
ولعلكم تذكرون كلمة ابن عمر لما جاءه رجل وقال له: [يا عبد الله! إني أحبك في الله، قال: أما أنا فأبغضك في الله.
قال: كيف؟ قال: لأنك تلحن في أذانك وتأخذ عليه أجراً] هذا النوع من النصح اليوم لا نكاد نراه إلا نادراً ونادراً جداً، بل لو رُئي هذا النوع لنسب صاحبه إلى القسوة وإلى الشدة وإلى ترك الحكمة.
كذلك تعرفون حديث ابن عمر نفسه، حينما حدث أمام جمع وفيهم أحد أولاده بما سمعه من النبي ﵌ من قوله: (ائذنوا للنساء بالخروج إلى المساجد بالليل) أو نحو هذا الحديث، فقال ابن له: والله لا نأذن لهن.
فما كان منه إلا أن هدده وقال له: [أقول لك: قال رسول الله كذا وكذا وتقول: لا نأذن لهن؟ والله لا كلمتك أبداً] فمات الولد وأبوه مقاطع له هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كاد أن يكون نسياً منسياً، فهذا التناصح يجب ألا ننساه، وبه يمكن القضاء على القسم الأكبر من الاختلاف الذي ورثناه في هذه القرون الطويلة المديدة.
أما أن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه على الإطلاق؛ فهذا ليس من الإسلام في شيء.
أسأل الله ﵎ أن يجعلنا من المهتدين الهادين المعتدلين السالكين على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
стр. 213
الأسئلة
стр. 214
حكم قول الإمام المسافر عند خروجه من الصلاة: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر
السؤال
ما حكم قول الإمام المسافر عند خروجه من الصلاة: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر؟
الجواب
هذه الكلمة صحت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وأخرجها الإمام مالك في موطئه، ورويت عن رسول الله ﵌ بإسناد فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف من قبل حفظه، ولكن صدع عمر بن الخطاب بهذه الكلمة في المسجد الحرام وهو يؤم جمعاً غفيراً من أصحاب النبي ﵌، ومن كبار التابعين، ولا أحد ينكر عليه، فمثل هذا القول يكون حجة عند جماهير الأئمة إذا لم يخالف السنة.
والواقع أنه ليس لدينا سنة تعارض قول عمر بن الخطاب، بل هناك حديث تأيد معناه بفعل عمر بن الخطاب ﵁، لذلك فتبني هذا القول بالنسبة للإمام المسافر إنما هو اهتداء واقتداء بـ السلف الصالح الذين أقروا هذا القول، واللازم من ذلك أنهم تلقوه عن رسول الله ﵌؛ لأنه لا معارض له.
هذا من جانب.
ومن جانب آخر: ليس في شيء من الأحاديث، ولا في شيء من الآثار السلفية التي وقفت عليها أن الإمام المسافر كان يرفع صوته بالسلام قبل تلك الكلمة، ومن المعلوم أن السلام ركن من أركان الصلاة على أصح أقوال العلماء؛ لحديث: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) .
فإذاً: لا بد للخروج من الصلاة أن يسلم الإمام، لكن البحث الآن: هل يسلم هذا الإمام المسافر جهراً أم سراً؟ لو وجدنا نصاً في أن الرسول ﵇، أو أحد الصحابة الكرام كان يجهر بالسلام؛ لوجب أن نتبناه، كما فعلنا بقول عمر: أتموا صلاتكم.
إلخ، لكن في حدود ما اطلعت وعلمت لم أجد شيئاً من هذا، وعلى ذلك فنجمع بين وجوب التسليم فنسلم سراً، ونقول جهراً: أتموا صلاتكم؛ لتنبيه الناس إلى وجوب إتمامهم للصلاة؛ لأنهم مقيمون.
هذا من حيث الفقه والرواية، لكن من حيث النظر والاعتبار أقول، والتجربة أكبر شاهد: إن الإمام المسافر الذي قصر إذا رفع صوته بالسلام عرض الذين خلفه للتسليم معه؛ ذلك أن العادة غالبة متحكمة ومسيطرة على الناس، إلا من شاء الله وقليل ما هم، فالمقتدي لا يكاد يسمع قول الإمام: السلام عليكم ورحمة الله، إلا نسي حاله ونسي أن الإمام مسافر وأن عليه القصر وهو مقتدي وعليه التمام، فما يكاد يسمع سلام الإمام إلا ويتابعه بالسلام، فيخرج من الصلاة، فكأنه من الحكمة حين نُقِل إلينا جهر عمر بقوله: أتموا صلاتكم، ولم ينقل أنه جهر بالسلام كأن الحكمة أن يسد الطريق على المبتدعين أن يقعوا في مثل هذا الخطأ، وهو أن يسلموا مع الإمام، ولا يجوز لهم السلام مع الإمام؛ لأن عليهم تمام الصلاة، هكذا أنا فهمت المسألة مما وقفت عليه من الأدلة.
وعلى سبيل التذكير، ومن جهة بيان شدة تأثر الناس بالعادات، ومن باب التسلية في أثناء البحث العلمي، أورد لكم القصة الطريفة الآتية: كنت منذ نحو عشرين سنة أو أكثر في قرية تعتبر من مصايف سوريا، تسمى بـ مضايا، نزلت إلى المسجد لصلاة الفجر فلم يحضر إمام المسجد، وكان يوم جمعة، فقدموني لأصلي بهم إماماً، وأنا أعرف أن من السنة أن يقرأ الإمام في صبح الجمعة سورة السجدة في الركعة الأولى، وسورة الدهر في الركعة الأخرى، لكني لا أُتقن حفظ السورتين؛ لذلك رأيت أن أقرأ من سورة أخرى أحفظها، وكان ذلك من سورة مريم، فقرأت نحو صفحة أو أكثر قليلاً، فلما كبرت تكبيرة الركوع وركعت إذا بالناس جميعاً يهوون ساجدين، فالذين خلفي أحسوا بأني لست ساجداً وإنما أنا راكع، فتداركوا أمرهم وقاموا وشاركوني في الركوع، أما الذين وراء المنبر ولا يرون الإمام -ومن البدع الموجودة في بلادنا وفي بلادكم -أيضاً- هذا المنبر الطويل الذي يقطع الصف الأول والثاني- ما زالوا ساجدين إلى أن سمعوا قولي: سمع الله لمن حمده، حين ذاك بدأت الضوضاء والغوغاء في صفهم، وما أدري ماذا تكلموا، ولا شك أنهم نالوا من عرضي.
بعد أن أتممت الصلاة توجهت إليهم أعظهم فقلت لهم: يا جماعة! هل أنتم عجم أو عرب؟ والله لو أن هذه القصة وقعت من الأعاجم الذين لا يعرفون كلمة من اللغة العربية لكان عاراً عليهم، ألا تفرقون بين قول الإمام: (الم) وبين قوله: (كهيعص) ؟ أم أن قلوبكم وعقولكم وراء البقر والزرع والضرع؟ الشاهد: كيف أن العادات تؤثر في الناس، وتجعلهم يغفلون ما يسمعون من القرآن، كذلك إذا قال الإمام: السلام عليكم ورحمة الله سلموا معه، فأنا وجدت أنه من الحكمة أنه لم ينقل إلينا لا عن الرسول ﵇، ولا عن الصحابة جهرهم بالسلام حينما يصلون بالناس، لكنه نقل إلينا عن عمر بن الخطاب جهره بقوله: [أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر] .
стр. 215
رأي الشيخ في الجماعات التي تسعى لإقامة دولة إسلامية دون الأخذ بالأسباب
هناك الآن ظاهرة في العالم الإسلامي يجب أن نأخذ حذرنا منها، فالعالم الإسلامي الآن في اضطراب شديد، وذلك بسبب المصائب التي تنزل على المسلمين بأنواع وأشكال شتى، فنتج عن ذلك طائفة من الناس يريدون أن يقيموا دولة الإسلام بالقوة والبطش، بدون أي اتخاذ للوسائل الشرعية والوسائل الكونية التي يأذن بها الله ﵎.
ولعلكم سمعتم بالطائفة التي يصفهم أعداؤهم ويسمونهم بـ جماعة التكفير والهجرة، ونحن لا ندري بماذا يسمون أنفسهم، لكنهم ينتسبون إلى الكتاب والسنة، وقد التقيت بأفراد وجماعات منهم، وتناقشت معهم كثيراً، فوجدت في قلوبهم إيماناً، وفي نفوسهم حرارة الإسلام، ينظرون إلى واقع المسلمين فلا يعجبهم ولا يرضيهم؛ فيندفعون بطريقة غير واعية وغير حكيمة.
وقد نقلت بعض الإذاعات منذ يومين خبراً أن هذه الطائفة في مصر قبضت على أحد المشايخ الأزهريين بطريقة أشبه بالطريقة البوليسية، فأخذوه وأودعوه في السيارة ثم نقلوه إلى مكان، ثم قيل أنهم قتلوه، ومن قبل حبسوه وطلبوا فداءه كذا وكذا من المال.
إلخ، فهذه الظاهرة إنما هي تنفيس لهذا الضيق الذي يجده المسلمون في بلادهم، ولكنهم لا يحسنون الطريق.
كذلك هناك رجل اسمه الدكتور أحمد عيد، زعم أنه قد ألهم بأن المهدي سيخرج قريباً، وأن عليه أن يهيئ له المجلس الاستشاري، فأخذ يستقطب بعض الأفراد من كل الجماعات والأحزاب، حتى وصل إلى بعض إخواننا السلفيين فأخذ اثنين منهم، فوظفهم عنده في المجلس الاستشاري، لكنهم ما خرجوا عن الدعوة السلفية؛ لا سيما بعدما اتصلوا بي وأخبروني خبره.
حتى إنه استقطب بعض الأفراد من الناصريين، وهذا يدل للبصير في دينه أنه رجل ليس على هدى من ربه؛ لأنه يجمع بين الصالح وبين الطالح، فقد جمع بعض السلفيين، وبعض الإخوان المسلمين، وبعض الناصريين، وبعض النقشبنديين، ثم صور للناس بأن لديه غلاماً لم يبلغ بعد سن التكليف، وأن هذا الغلام يتصل بالرسول ﵇ مباشرةً؛ فكلما أراد شيئاً من وراء الغيب سأل ذلك الغلام، مثلاً: زيد من الناس يصلح للمجلس الاستشاري أم لا؟ فهو يعرض هذا الطلب على ذاك الغلام الذي عنده، فما يكون من الغلام إلا أن يضع يده على جبهته ويفكر، وإذا به يرى الرسول ﵇ يقظة فيكلمه ويسأله، ويقول له: يا رسول الله! فلان بن فلان ماذا تقول فيه؟ أيصلح للمجلس الاستشاري أو لعمل ثان أو غيره؟ فإذا قال له: يصلح.
أدخله في جماعته، وإذا قال له: لا يصلح.
لم يدخله في جماعته.
ثم أرسلنا إليه أحد إخواننا واسمه عيد عباسي -صاحب كتاب بدعة التعصب المذهبي، وهذا من أحسن ما ألف في العصر الحاضر في هذا الموضوع- فناظره وجادله وسجلت مناظرة بينهما.
الخلاصة: الرجل أخيراً فضح أمره فولى هارباً من دمشق، لكنه بذر بذوره في عمَّان، وأسمع ما بين آونة وأخرى بأن فلاناً صار من جماعته وفلاناً صار من جماعته.
فما الذي يجعل الناس يتقبلون مثل هذه الضلالات؟ لأنهم يريدون أن ينفسوا عن هذا الضيق الذي أصاب المسلمين بسبب ضغط الكفار والمستعمرين من هؤلاء الكفار، فيريدون مخرجاً، ولكنهم لا يحسنون الطريق.
ويتمسك هؤلاء بالأحاديث التي وردت في حق المهدي محمد بن عبد الله.
ويجب أن نعلم أن الأحاديث الواردة في المهدي فيها قسم كبير صحيح، وفيها قسم حسن، وفيها قسم كثير ضعيف، بعضه مما يأخذ بعضد بعض، وبعضه منكر لا يحتج به، فعقيدة خروج المهدي عقيدة صحيحة، ولكن هذه العقيدة فيها شيء من البيانات التي تجعل المسلم لا يميل يميناً ولا يساراً، ولا يكون ذيلاً لكل من يدعي المهدوية، كما وقع ذلك كثيراً في التاريخ الإسلامي.
وقد وصف النبي ﷺ المهدي بعلامات، فمنها قوله: (المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة) فأول شرط في المهدي: أن يكون من أهل البيت، لا يكون أعجمياً، ولا يكون عربياً ليس من أهل البيت، ولا يكون من قبيلة كذا وليس له صلة ببيت النبوة والرسالة، إذاً هو من أهل بيت الرسول ﵌.
العلامة الثانية: أن اسمه محمد بن عبد الله؛ لأن الرسول ﵊ قال: (لا تنقضي الدنيا -وفي رواية: لا تذهب الدنيا- حتى يبعث الله رجلاً يوافق اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئت جوراً وظلماً) فإذاً هو محمد بن عبد الله، ويجب أن يكون هذا اسمه منذ ولد، لا أن يكون مخترعاً من جديد، فالدجالون يعلمون هذا الحديث، ويعلمون أن المسلمين يؤمنون به؛ لذلك فهم يتسمون من جديد بهذا الاسم.
القادياني الذي ادعى النبوة اسمه: ميرزا غلام أحمد القادياني، هذا الرجل من كبار الدجاجلة في هذا القرن الأخير، سمي على طريقة الهنود: ميرزا غلام أحمد، ميرزا: لقب بمعنى السيد أو الباشا أو البيه.
إلخ، لكن اسمه غلام أحمد، ومعنى غلام أحمد: خادم أحمد، فهو ليس اسمه أحمد، إنما اسمه مضاف ومضاف إليه، مثل عبد الله، فهو عبد الله وليس الله، فالعبد مضاف إلى الله، كذلك هنا غلام أحمد، يعني هو: خادم محمد، يتشرف الهنود أن ينسب أحدهم بأنه خادم الرسول ﵇، وبعضهم يسمى بنور أحمد، فحذف النور يخرج أنه أحمد وهو ليس اسمه أحمد.
هذا الدجال لما بدأ ينشر كتبه باللغة العربية حذف كلمة غلام ووضع اسمه أحمد، لكي يحمل آية: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] يعني: هو، هو ليس اسمه أحمد بل هو غلام أحمد، لكن من باب التضليل على الناس حذف هذا الاسم الأول الذي أضيف إلى أحمد؛ لكي يسلك استدلاله على جماهير الناس.
الآن عندنا صفتان واضحتان للمهدي: الأولى: أنه من أهل بيت النبوة والرسالة، الثانية: أن اسمه محمد بن عبد الله، وأنه يجب أن يعرف منذ ولادته بهذا الاسم حتى يبلغ سن التكليف والرشد، وسن تولي هداية الأمة إلى سعادتها في الدنيا قبل الآخرة.
العلامة الثالثة: نأخذها من الحديث الأول: (يصلحه الله في ليلة) وهذا يمكن أن يفسر في الواقع على وجه من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يكون صالحاً لقيادة الأمة، يكون منطلقاً في دينه وفي استقامته، لكن لا يخطر في بال أحد أنه يصلح أن يكون قائداً للأمة، فيصلحه الله في ليلة، أي: يلهمه أن يقوم لقيادة المسلمين الذين يلتقون حوله إلى تحقيق الحلم الذي ينشده المسلمون اليوم، وهو الحكم بما أنزل الله.
الوجه الآخر: يكون الرجل غير صالح في نفسه، يعيش ما شاء الله من سنين وهو مفرط على نفسه، مضيع في شيء من دينه، فالله يلهمه في ليلة واحدة أن يعود إلى الله تائباً مهتدياً فيصلحه الله في ليلة.
العلامة الرابعة -وهي هامة جداً-: أنه يخرج في دمشق، وهي عاصمة بلاد الشام قديماً وسوريا حديثاً، وهذا مصرح به في الحديث الصحيح.
العلامة الخامسة: أنه يلتقي مع عيسى ﵊ في دمشق، حيث ينزل عيسى ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في وقت صلاة الفجر، وقد أقيمت الصلاة للمهدي، فلما يرى عيسى قد جاء يقدمه ليصلي بالناس، فيأبى ويقول له: لا.
تقدم أنت؛ تكرمة الله لهذه الأمة فعيسى حينما ينزل لا ينزل بصفة كونه نبياً؛ لأنه كان نبياً إلى بني إسرائيل ورسولاً، وإنما يأتي تابعاً لمحمد ﵊.
هذه علامات يجب أن تبقى في أذهاننا؛ حتى لا نغتر بدعوى بعض الناس أنه المهدي.
ومن جهة أخرى يجب ألا نتظنن وألا نرجم بالغيب فنقول: هذا زمن خروج المهدي؛ لأن هذا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، في كل عصر يوجد أناس يقولون: اشتد الفساد في الأرض، ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، إذاً هذا زمان خروج المهدي، وتمضي السنون والسنون والسنون ولا يخرج المهدي؛ لأن المهدي خروجه وزمانه ما أعطي علمه لأحد إطلاقاً، وكذلك نزول عيسى ﵊.
فعلينا أمران اثنان: أولاً من ناحية العقيدة: يجب أن نؤمن بكل ما صح في المهدي، وقد ذكرت لكم بعض النتف من هذه العقيدة، ثانياً: ألا نربط أنفسنا بوقت نزعمه وندعي أنه وقت خروج المهدي؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله، وعلينا أن نعمل بما أمرنا الله ، وما أمرنا به رسوله ﵊.
وكما أقول دائماً وأبداً بمثل هذه المناسبة: يجب أن نعمل سواء خرج المهدي في زماننا أو لا؛ لأنه إن خرج فسيجد الناس الذين هم بحاجة إلى قائد يقودهم، وإن لم يخرج فنكون قد قمنا بالواجب الذي فرضه الله علينا، وبهذا نرد على طائفتين متباينتين ونحن وسط بينهما: طائفة تنكر أحاديث المهدي وأحاديث نزول عيسى، وطائفة تثبت هذه الأحاديث ولا تعمل؛ بدعوى أنه لا توجد فائدة من العمل حتى يخرج المهدي وينزل عيسى ﵇.
نحن نقول كما قال الله : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] ولا ننتظر خروج المهدي؛ لأن هذا ليس من شأننا، إن خرج وجدنا على الخط، وإن لم يخرج فما يضرنا، وإنما علينا أن نعمل بما أمرنا الله ﵎.
السائل: أنت قلت: يخرج المهدي من دمشق؟ الشيخ: نعم.
السائل: نحن نعرف أنه يلجأ رجل للحرم فيبايع مكرهاً.
الشيخ: هل تعلم أن الحديث صحيح؟ أنا لا أعلم صحته، نح
следующие страницы →