Полный текст (552 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الجمع بين أن المرحومين لا يختلفون مع وجود الاختلاف بين الصحابة
أعود لأؤكد على النقطة التي أريد التنبيه إليها إن المرحومين لا يختلفون، لكن صحابة رسول الله ﵌ كانوا بلا شك مرحومين، فكيف يلتقي هذا مع ذاك الاختلاف الذي أشرنا إليه؟ نقول: الاختلاف قسمان: اختلاف هوى، واختلاف فهم اختلاف تعصب، واختلاف تطلب للهدى.
فإذا اختلف اثنان وكل منهما يسعى لمعرفة حكم الله ورسوله ثم لم يتفقا فهذا لا ضير فيه، ولا شك أن الاتفاق خير من الاختلاف، مهما كان الاختلاف يسيراً وسهلاً وسمحاً، ولكن لا يمكن الاتفاق في كل مسألة بين عالمين، أو بين شقيقين، أو بين سلفيين، فهذا أمر مستحيل! لذلك يجب ألا نضيع وقتنا في تحقيق المستحيل، وإنما نصرف وقتنا في القضاء ما يمكن على الاختلاف، هذا هو واجبنا، وهذا هو تميزنا عن جماهير الناس الذين رضوا بالاختلاف وطبعوه بطابع الرحمة؛ ولذلك فهم لا يزالون مختلفين، ولم لا وهم يظنون أن الاختلاف رحمة، وأن الإنسان مخير بين أن يأخذ بهذا القول أو بهذا القول، أو بذاك أو بذاك؟ وكثير منهم يُصرحون بأن المذاهب الأربعة كشرائع أربع، فلكل شريعة وزنها، والإنسان مخير أن يأخذ بهذا أو بهذا أو بهذا، فأين ذهبوا بقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] ؟ فهذا الاختلاف مرفوض مردود مخالف للكتاب والسنة؛ لأنه اختلاف لا يرد إلى الكتاب والسنة كما في الآية السابقة ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] ، فالرضا بهذا التنازع خلاف الكتاب والسنة.
وهناك اختلافٌ لا بد منه، وسببه اختلاف نسبة العلم والفهم من زيد إلى عمرو؛ فلهذه الأسباب التي لا إمكان للإنسان أن ينجو منها وقع شيء من الخلاف بين الصحابة في فهمهم لبعض النصوص، ولكنهم إذا ما نُقِل إليهم أو عرض عليهم قول الله أو قول رسول الله، كان موقفهم كما قال تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ، هذا هو الفرق بين المهتدين وبين الضالين، الذين يرضون بالخلاف وهم مأمورون برفع الخلاف ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
стр. 212
الفرق بين الاختلاف الجائز والمذموم
نحن بحاجة إلى التنبيه ألا يتعصب كل منا لرأيه في فهم نص من كتاب الله، أو حديث رسول الله، تعصباً يؤدي بنا إلى شيء من التنازع والتنافر، وقد يؤدي هذا بعد ذلك إلى التدابر وإلى التباغض، وهذا كله منهي عنه.
فإذاً: نستطيع أن نقول باختصار: إن الفرق بين الاختلاف الجائز والاختلاف المحرم، يظهر من بقاء هؤلاء المختلفين على وحدتهم وعلى تناصحهم وتوادهم، أو خرجوا من ذلك إلى التناحر وإلى التباغض، فهذا ما أردت التنبيه عليه فيما إذا وقع الخلاف بين بعضنا بعضاً في مسألة ما فينبغي أن نتسامح.
وأنا أُذكِّر بكلمة لبعض الدعاة الإسلاميين فيها شيء من هذا المعنى، ولكن يمكن تفسيرها بشيء يخالف بعض التوجيه السابق، تلك الكلمة تقول: نتعاون على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.
هذا الكلام يمكن تفسيره تفسيراً صحيحاً، ويمكن تفسيره تفسيراً أعوجاً، وهذا التفسير الأعوج هو الذي يطبقه المنتمون إلى قائل هذه الكلمة؛ لأنهم ينتهون إلى الرضا بالاختلاف وترك السعي للقضاء عليه بقدر الإمكان؛ ولذلك تجدهم يجتمعون ويعيش بعضهم مع بعض على أشد الاختلاف في قلوبهم هذا حنفي، وهذا شافعي، وذاك مالكي، وآخر حنبلي، ومع ذلك فهم جماعة واحدة -زعموا- وهذا ماتريدي، وهذا أشعري، وذاك سلفي، ومع ذلك جماعتهم جماعة واحدة، كيف كان هذا؟ كان هذا لأنهم تبنوا هذا التوجيه (يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه) هذا لا يجوز في الإسلام؛ لأنه يجب على المسلمين أن يتناصحوا، ولا شك أن التكتل والتجمع مما أمر الله به ورسوله، لكن يجب أن يكون التكتل على أساس الإسلام وعلى أساس النصيحة، وقد قال ﵇ كما تعلمون: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، وللأئمة المسلمين وعامتهم) .
فإذا عشت أنا معك عشرين سنة ولم تنصحني، وأنا -مثلاً- ماتريدي وأنت أشعري وآخر سلفي، فهذا ليس من الإسلام في شيء إطلاقاً.
وأنا في الواقع أشعر أن هذه الجملة الأخيرة: (ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه) أننا نحن السلفيين بحاجة إلى هذا التوجيه مع القيد السابق: يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه بعد التعاون والتناصح، ومحاولة إقناع كلٌ منا الآخر بالوجهة والصواب الذي يراه، أما أن يترك بعضنا بعضاً على خطئه وعلى ضلاله؛ وقد يكون ضلاله كفراً؛ فهذا ليس من الإسلام في شيء إطلاقاً.
ولهذا نقول: الصواب ما بين الإفراط وما بين التفريط: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] فالوسط هو التمسك بالكتاب والسنة، والسلف الصالح تمسكوا بالكتاب والسنة، فكان يجادل بعضهم بعضاً، ويناظر بعضهم بعضاً، وذلك من باب التناصح في أقل مسألة، ولا يرضون بالواقع ولو كان خطأً، بل كان بعضهم يصدع بالحق صدعاً يكاد كثيرون منا اليوم لا يتحملونه؛ والسبب في ذلك أننا نشأنا على المداراة، وهي في الحقيقة المداهنة والنفاق بعينه.
ولعلكم تذكرون كلمة ابن عمر لما جاءه رجل وقال له: [يا عبد الله! إني أحبك في الله، قال: أما أنا فأبغضك في الله.
قال: كيف؟ قال: لأنك تلحن في أذانك وتأخذ عليه أجراً] هذا النوع من النصح اليوم لا نكاد نراه إلا نادراً ونادراً جداً، بل لو رُئي هذا النوع لنسب صاحبه إلى القسوة وإلى الشدة وإلى ترك الحكمة.
كذلك تعرفون حديث ابن عمر نفسه، حينما حدث أمام جمع وفيهم أحد أولاده بما سمعه من النبي ﵌ من قوله: (ائذنوا للنساء بالخروج إلى المساجد بالليل) أو نحو هذا الحديث، فقال ابن له: والله لا نأذن لهن.
فما كان منه إلا أن هدده وقال له: [أقول لك: قال رسول الله كذا وكذا وتقول: لا نأذن لهن؟ والله لا كلمتك أبداً] فمات الولد وأبوه مقاطع له هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كاد أن يكون نسياً منسياً، فهذا التناصح يجب ألا ننساه، وبه يمكن القضاء على القسم الأكبر من الاختلاف الذي ورثناه في هذه القرون الطويلة المديدة.
أما أن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه على الإطلاق؛ فهذا ليس من الإسلام في شيء.
أسأل الله ﵎ أن يجعلنا من المهتدين الهادين المعتدلين السالكين على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
стр. 213
الأسئلة
стр. 214
حكم قول الإمام المسافر عند خروجه من الصلاة: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر
السؤال
ما حكم قول الإمام المسافر عند خروجه من الصلاة: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر؟
الجواب
هذه الكلمة صحت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وأخرجها الإمام مالك في موطئه، ورويت عن رسول الله ﵌ بإسناد فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف من قبل حفظه، ولكن صدع عمر بن الخطاب بهذه الكلمة في المسجد الحرام وهو يؤم جمعاً غفيراً من أصحاب النبي ﵌، ومن كبار التابعين، ولا أحد ينكر عليه، فمثل هذا القول يكون حجة عند جماهير الأئمة إذا لم يخالف السنة.
والواقع أنه ليس لدينا سنة تعارض قول عمر بن الخطاب، بل هناك حديث تأيد معناه بفعل عمر بن الخطاب ﵁، لذلك فتبني هذا القول بالنسبة للإمام المسافر إنما هو اهتداء واقتداء بـ السلف الصالح الذين أقروا هذا القول، واللازم من ذلك أنهم تلقوه عن رسول الله ﵌؛ لأنه لا معارض له.
هذا من جانب.
ومن جانب آخر: ليس في شيء من الأحاديث، ولا في شيء من الآثار السلفية التي وقفت عليها أن الإمام المسافر كان يرفع صوته بالسلام قبل تلك الكلمة، ومن المعلوم أن السلام ركن من أركان الصلاة على أصح أقوال العلماء؛ لحديث: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) .
فإذاً: لا بد للخروج من الصلاة أن يسلم الإمام، لكن البحث الآن: هل يسلم هذا الإمام المسافر جهراً أم سراً؟ لو وجدنا نصاً في أن الرسول ﵇، أو أحد الصحابة الكرام كان يجهر بالسلام؛ لوجب أن نتبناه، كما فعلنا بقول عمر: أتموا صلاتكم.
إلخ، لكن في حدود ما اطلعت وعلمت لم أجد شيئاً من هذا، وعلى ذلك فنجمع بين وجوب التسليم فنسلم سراً، ونقول جهراً: أتموا صلاتكم؛ لتنبيه الناس إلى وجوب إتمامهم للصلاة؛ لأنهم مقيمون.
هذا من حيث الفقه والرواية، لكن من حيث النظر والاعتبار أقول، والتجربة أكبر شاهد: إن الإمام المسافر الذي قصر إذا رفع صوته بالسلام عرض الذين خلفه للتسليم معه؛ ذلك أن العادة غالبة متحكمة ومسيطرة على الناس، إلا من شاء الله وقليل ما هم، فالمقتدي لا يكاد يسمع قول الإمام: السلام عليكم ورحمة الله، إلا نسي حاله ونسي أن الإمام مسافر وأن عليه القصر وهو مقتدي وعليه التمام، فما يكاد يسمع سلام الإمام إلا ويتابعه بالسلام، فيخرج من الصلاة، فكأنه من الحكمة حين نُقِل إلينا جهر عمر بقوله: أتموا صلاتكم، ولم ينقل أنه جهر بالسلام كأن الحكمة أن يسد الطريق على المبتدعين أن يقعوا في مثل هذا الخطأ، وهو أن يسلموا مع الإمام، ولا يجوز لهم السلام مع الإمام؛ لأن عليهم تمام الصلاة، هكذا أنا فهمت المسألة مما وقفت عليه من الأدلة.
وعلى سبيل التذكير، ومن جهة بيان شدة تأثر الناس بالعادات، ومن باب التسلية في أثناء البحث العلمي، أورد لكم القصة الطريفة الآتية: كنت منذ نحو عشرين سنة أو أكثر في قرية تعتبر من مصايف سوريا، تسمى بـ مضايا، نزلت إلى المسجد لصلاة الفجر فلم يحضر إمام المسجد، وكان يوم جمعة، فقدموني لأصلي بهم إماماً، وأنا أعرف أن من السنة أن يقرأ الإمام في صبح الجمعة سورة السجدة في الركعة الأولى، وسورة الدهر في الركعة الأخرى، لكني لا أُتقن حفظ السورتين؛ لذلك رأيت أن أقرأ من سورة أخرى أحفظها، وكان ذلك من سورة مريم، فقرأت نحو صفحة أو أكثر قليلاً، فلما كبرت تكبيرة الركوع وركعت إذا بالناس جميعاً يهوون ساجدين، فالذين خلفي أحسوا بأني لست ساجداً وإنما أنا راكع، فتداركوا أمرهم وقاموا وشاركوني في الركوع، أما الذين وراء المنبر ولا يرون الإمام -ومن البدع الموجودة في بلادنا وفي بلادكم -أيضاً- هذا المنبر الطويل الذي يقطع الصف الأول والثاني- ما زالوا ساجدين إلى أن سمعوا قولي: سمع الله لمن حمده، حين ذاك بدأت الضوضاء والغوغاء في صفهم، وما أدري ماذا تكلموا، ولا شك أنهم نالوا من عرضي.
بعد أن أتممت الصلاة توجهت إليهم أعظهم فقلت لهم: يا جماعة! هل أنتم عجم أو عرب؟ والله لو أن هذه القصة وقعت من الأعاجم الذين لا يعرفون كلمة من اللغة العربية لكان عاراً عليهم، ألا تفرقون بين قول الإمام: (الم) وبين قوله: (كهيعص) ؟ أم أن قلوبكم وعقولكم وراء البقر والزرع والضرع؟ الشاهد: كيف أن العادات تؤثر في الناس، وتجعلهم يغفلون ما يسمعون من القرآن، كذلك إذا قال الإمام: السلام عليكم ورحمة الله سلموا معه، فأنا وجدت أنه من الحكمة أنه لم ينقل إلينا لا عن الرسول ﵇، ولا عن الصحابة جهرهم بالسلام حينما يصلون بالناس، لكنه نقل إلينا عن عمر بن الخطاب جهره بقوله: [أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر] .
стр. 215
رأي الشيخ في الجماعات التي تسعى لإقامة دولة إسلامية دون الأخذ بالأسباب
هناك الآن ظاهرة في العالم الإسلامي يجب أن نأخذ حذرنا منها، فالعالم الإسلامي الآن في اضطراب شديد، وذلك بسبب المصائب التي تنزل على المسلمين بأنواع وأشكال شتى، فنتج عن ذلك طائفة من الناس يريدون أن يقيموا دولة الإسلام بالقوة والبطش، بدون أي اتخاذ للوسائل الشرعية والوسائل الكونية التي يأذن بها الله ﵎.
ولعلكم سمعتم بالطائفة التي يصفهم أعداؤهم ويسمونهم بـ جماعة التكفير والهجرة، ونحن لا ندري بماذا يسمون أنفسهم، لكنهم ينتسبون إلى الكتاب والسنة، وقد التقيت بأفراد وجماعات منهم، وتناقشت معهم كثيراً، فوجدت في قلوبهم إيماناً، وفي نفوسهم حرارة الإسلام، ينظرون إلى واقع المسلمين فلا يعجبهم ولا يرضيهم؛ فيندفعون بطريقة غير واعية وغير حكيمة.
وقد نقلت بعض الإذاعات منذ يومين خبراً أن هذه الطائفة في مصر قبضت على أحد المشايخ الأزهريين بطريقة أشبه بالطريقة البوليسية، فأخذوه وأودعوه في السيارة ثم نقلوه إلى مكان، ثم قيل أنهم قتلوه، ومن قبل حبسوه وطلبوا فداءه كذا وكذا من المال.
إلخ، فهذه الظاهرة إنما هي تنفيس لهذا الضيق الذي يجده المسلمون في بلادهم، ولكنهم لا يحسنون الطريق.
كذلك هناك رجل اسمه الدكتور أحمد عيد، زعم أنه قد ألهم بأن المهدي سيخرج قريباً، وأن عليه أن يهيئ له المجلس الاستشاري، فأخذ يستقطب بعض الأفراد من كل الجماعات والأحزاب، حتى وصل إلى بعض إخواننا السلفيين فأخذ اثنين منهم، فوظفهم عنده في المجلس الاستشاري، لكنهم ما خرجوا عن الدعوة السلفية؛ لا سيما بعدما اتصلوا بي وأخبروني خبره.
حتى إنه استقطب بعض الأفراد من الناصريين، وهذا يدل للبصير في دينه أنه رجل ليس على هدى من ربه؛ لأنه يجمع بين الصالح وبين الطالح، فقد جمع بعض السلفيين، وبعض الإخوان المسلمين، وبعض الناصريين، وبعض النقشبنديين، ثم صور للناس بأن لديه غلاماً لم يبلغ بعد سن التكليف، وأن هذا الغلام يتصل بالرسول ﵇ مباشرةً؛ فكلما أراد شيئاً من وراء الغيب سأل ذلك الغلام، مثلاً: زيد من الناس يصلح للمجلس الاستشاري أم لا؟ فهو يعرض هذا الطلب على ذاك الغلام الذي عنده، فما يكون من الغلام إلا أن يضع يده على جبهته ويفكر، وإذا به يرى الرسول ﵇ يقظة فيكلمه ويسأله، ويقول له: يا رسول الله! فلان بن فلان ماذا تقول فيه؟ أيصلح للمجلس الاستشاري أو لعمل ثان أو غيره؟ فإذا قال له: يصلح.
أدخله في جماعته، وإذا قال له: لا يصلح.
لم يدخله في جماعته.
ثم أرسلنا إليه أحد إخواننا واسمه عيد عباسي -صاحب كتاب بدعة التعصب المذهبي، وهذا من أحسن ما ألف في العصر الحاضر في هذا الموضوع- فناظره وجادله وسجلت مناظرة بينهما.
الخلاصة: الرجل أخيراً فضح أمره فولى هارباً من دمشق، لكنه بذر بذوره في عمَّان، وأسمع ما بين آونة وأخرى بأن فلاناً صار من جماعته وفلاناً صار من جماعته.
فما الذي يجعل الناس يتقبلون مثل هذه الضلالات؟ لأنهم يريدون أن ينفسوا عن هذا الضيق الذي أصاب المسلمين بسبب ضغط الكفار والمستعمرين من هؤلاء الكفار، فيريدون مخرجاً، ولكنهم لا يحسنون الطريق.
ويتمسك هؤلاء بالأحاديث التي وردت في حق المهدي محمد بن عبد الله.
ويجب أن نعلم أن الأحاديث الواردة في المهدي فيها قسم كبير صحيح، وفيها قسم حسن، وفيها قسم كثير ضعيف، بعضه مما يأخذ بعضد بعض، وبعضه منكر لا يحتج به، فعقيدة خروج المهدي عقيدة صحيحة، ولكن هذه العقيدة فيها شيء من البيانات التي تجعل المسلم لا يميل يميناً ولا يساراً، ولا يكون ذيلاً لكل من يدعي المهدوية، كما وقع ذلك كثيراً في التاريخ الإسلامي.
وقد وصف النبي ﷺ المهدي بعلامات، فمنها قوله: (المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة) فأول شرط في المهدي: أن يكون من أهل البيت، لا يكون أعجمياً، ولا يكون عربياً ليس من أهل البيت، ولا يكون من قبيلة كذا وليس له صلة ببيت النبوة والرسالة، إذاً هو من أهل بيت الرسول ﵌.
العلامة الثانية: أن اسمه محمد بن عبد الله؛ لأن الرسول ﵊ قال: (لا تنقضي الدنيا -وفي رواية: لا تذهب الدنيا- حتى يبعث الله رجلاً يوافق اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئت جوراً وظلماً) فإذاً هو محمد بن عبد الله، ويجب أن يكون هذا اسمه منذ ولد، لا أن يكون مخترعاً من جديد، فالدجالون يعلمون هذا الحديث، ويعلمون أن المسلمين يؤمنون به؛ لذلك فهم يتسمون من جديد بهذا الاسم.
القادياني الذي ادعى النبوة اسمه: ميرزا غلام أحمد القادياني، هذا الرجل من كبار الدجاجلة في هذا القرن الأخير، سمي على طريقة الهنود: ميرزا غلام أحمد، ميرزا: لقب بمعنى السيد أو الباشا أو البيه.
إلخ، لكن اسمه غلام أحمد، ومعنى غلام أحمد: خادم أحمد، فهو ليس اسمه أحمد، إنما اسمه مضاف ومضاف إليه، مثل عبد الله، فهو عبد الله وليس الله، فالعبد مضاف إلى الله، كذلك هنا غلام أحمد، يعني هو: خادم محمد، يتشرف الهنود أن ينسب أحدهم بأنه خادم الرسول ﵇، وبعضهم يسمى بنور أحمد، فحذف النور يخرج أنه أحمد وهو ليس اسمه أحمد.
هذا الدجال لما بدأ ينشر كتبه باللغة العربية حذف كلمة غلام ووضع اسمه أحمد، لكي يحمل آية: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] يعني: هو، هو ليس اسمه أحمد بل هو غلام أحمد، لكن من باب التضليل على الناس حذف هذا الاسم الأول الذي أضيف إلى أحمد؛ لكي يسلك استدلاله على جماهير الناس.
الآن عندنا صفتان واضحتان للمهدي: الأولى: أنه من أهل بيت النبوة والرسالة، الثانية: أن اسمه محمد بن عبد الله، وأنه يجب أن يعرف منذ ولادته بهذا الاسم حتى يبلغ سن التكليف والرشد، وسن تولي هداية الأمة إلى سعادتها في الدنيا قبل الآخرة.
العلامة الثالثة: نأخذها من الحديث الأول: (يصلحه الله في ليلة) وهذا يمكن أن يفسر في الواقع على وجه من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يكون صالحاً لقيادة الأمة، يكون منطلقاً في دينه وفي استقامته، لكن لا يخطر في بال أحد أنه يصلح أن يكون قائداً للأمة، فيصلحه الله في ليلة، أي: يلهمه أن يقوم لقيادة المسلمين الذين يلتقون حوله إلى تحقيق الحلم الذي ينشده المسلمون اليوم، وهو الحكم بما أنزل الله.
الوجه الآخر: يكون الرجل غير صالح في نفسه، يعيش ما شاء الله من سنين وهو مفرط على نفسه، مضيع في شيء من دينه، فالله يلهمه في ليلة واحدة أن يعود إلى الله تائباً مهتدياً فيصلحه الله في ليلة.
العلامة الرابعة -وهي هامة جداً-: أنه يخرج في دمشق، وهي عاصمة بلاد الشام قديماً وسوريا حديثاً، وهذا مصرح به في الحديث الصحيح.
العلامة الخامسة: أنه يلتقي مع عيسى ﵊ في دمشق، حيث ينزل عيسى ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في وقت صلاة الفجر، وقد أقيمت الصلاة للمهدي، فلما يرى عيسى قد جاء يقدمه ليصلي بالناس، فيأبى ويقول له: لا.
تقدم أنت؛ تكرمة الله لهذه الأمة فعيسى حينما ينزل لا ينزل بصفة كونه نبياً؛ لأنه كان نبياً إلى بني إسرائيل ورسولاً، وإنما يأتي تابعاً لمحمد ﵊.
هذه علامات يجب أن تبقى في أذهاننا؛ حتى لا نغتر بدعوى بعض الناس أنه المهدي.
ومن جهة أخرى يجب ألا نتظنن وألا نرجم بالغيب فنقول: هذا زمن خروج المهدي؛ لأن هذا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، في كل عصر يوجد أناس يقولون: اشتد الفساد في الأرض، ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، إذاً هذا زمان خروج المهدي، وتمضي السنون والسنون والسنون ولا يخرج المهدي؛ لأن المهدي خروجه وزمانه ما أعطي علمه لأحد إطلاقاً، وكذلك نزول عيسى ﵊.
فعلينا أمران اثنان: أولاً من ناحية العقيدة: يجب أن نؤمن بكل ما صح في المهدي، وقد ذكرت لكم بعض النتف من هذه العقيدة، ثانياً: ألا نربط أنفسنا بوقت نزعمه وندعي أنه وقت خروج المهدي؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله، وعلينا أن نعمل بما أمرنا الله ، وما أمرنا به رسوله ﵊.
وكما أقول دائماً وأبداً بمثل هذه المناسبة: يجب أن نعمل سواء خرج المهدي في زماننا أو لا؛ لأنه إن خرج فسيجد الناس الذين هم بحاجة إلى قائد يقودهم، وإن لم يخرج فنكون قد قمنا بالواجب الذي فرضه الله علينا، وبهذا نرد على طائفتين متباينتين ونحن وسط بينهما: طائفة تنكر أحاديث المهدي وأحاديث نزول عيسى، وطائفة تثبت هذه الأحاديث ولا تعمل؛ بدعوى أنه لا توجد فائدة من العمل حتى يخرج المهدي وينزل عيسى ﵇.
نحن نقول كما قال الله : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] ولا ننتظر خروج المهدي؛ لأن هذا ليس من شأننا، إن خرج وجدنا على الخط، وإن لم يخرج فما يضرنا، وإنما علينا أن نعمل بما أمرنا الله ﵎.
السائل: أنت قلت: يخرج المهدي من دمشق؟ الشيخ: نعم.
السائل: نحن نعرف أنه يلجأ رجل للحرم فيبايع مكرهاً.
الشيخ: هل تعلم أن الحديث صحيح؟ أنا لا أعلم صحته، نح
стр. 216
المؤمن بين الرجاء والخوف
إن الخوف ولارجاء للمؤمن بمثابة الجناحين للطائر، فلابد أن يجتمع كل من الخوف والرجاء في قلب المؤمن حتى يحلق في سماء الإيمان، ومن المعلوم أن الخوف من الله سياط للقلوب تمنع العبد من مواقعة الذنوب، وتجعله يقبل على طاعة علام الغيوب، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف.
стр. 217
الخوف من الله حقيقته وفضله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
يقول المصنف ﵀: الترغيب بالخوف وفضله.
هذا الباب عقده المؤلف ﵀ في الترغيب في أن يعيش المسلم خائفاً من الله ﵎ خاشياً له، ويذكر تحته ما جاء من الأحاديث عن النبي ﷺ ببيان هذا الخوف من الله .
وعلى ما ستسمعون من أحاديث كثيرة تشهد لهذا الباب، ففي ذلك دلالة قاطعة على أن المسلم كلما كان إسلامه أقوى وأتم؛ كلما كان خوفه من الله ﵎ وخشيته له أعظم، ونحن إذا نظرنا إلى بعض الآيات التي جاءت في كتاب الله ، فضلاً عن الأحاديث التي ستأتي في هذا الباب؛ لوجدناها دائماً وأبداً تذكر عباد الله الأتقياء الصلحاء بالخوف من الله ﵎، وكلما كان أحدهم أقرب إلى الله وأعلى منزلةً عنده؛ كلما كان أتقى وأخشى لربه ، فهؤلاء رسل الله صلى الله عليهم وسلم قد وصفهم الله ﵎ بأنهم: ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] كذلك وصف الله العلماء بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] .
وجاء في صحيح البخاري عن النبي ﷺ في قصة الرهط وغيرهم أنه قال: (أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له) .
هذا في البشر، وهناك وصفٌ من الله ﵎ لخلقٍ من خلقه اصطفاه على كثير من عباده ألا وهم الملائكة المقربون، وصفهم ربنا بقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] هؤلاء الملائكة الموصوفون في القرآن الكريم بأنهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] مع ذلك هم موصوفون -أيضاً- بأنهم يخافون ربهم من فوقهم، فإذا كان الأمر هكذا؛ فإن الملائكة والرسل والعلماء، كل هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء يخشون الله ﵎، وكما ذكرت آنفاً كلما كان أتقى كان أخشى، كما قال ﵊: (أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له) .
لذلك فمن العبث ومن الكلام الباطل المعسول أن يُنقل عن بعض المتصوفة، سواء كانوا نساءً أو رجالاً، أن أحدهم كان يقول في مناجاته لربه ﵎: "ما عبدتك طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك " إلى آخر الخرافة المزعومة، لا يتصور من إنسان عرف الله حق معرفته ألا يخشى من ربه ﵎، بل -كما ذكرنا- كلما كان مقرباً إلى الله كلما كان أخوف من الله وأخشى لله ، وما المقصود من مثل هذه الخرافة الصوفية إلا أن يُحمل الناس أن يعيشوا هكذا، ليس هناك خوف منهم لله يحملهم على تقواه، ولا -أيضاً- عندهم رغبة فيما عند الله يطمعهم في أن يزدادوا تقىً من الله.
стр. 218
الخوف من الله سبب للابتعاد عن المعاصي
فهذا الفصل ستسمعون فيه أحاديث كثيرة، فيه بيان أن المؤمن من طبيعته أنه يخشى الله، وأن هذه الخشية تكون سبباً لمغفرة ذنوبه، وأمانه من عذاب ربه ، حتى ولو حصلت منه هذه الخشية في لحظة من حياته، بينما كانت حياته كلها يحياها ويعيشها في بعد من الله ﵎.
الحديث الأول في هذا الباب حديث صحيح، وهو قوله: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ) فذكرهم إلى أن قال: (ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله) رواه البخاري ومسلم، وتقدم بتمامه.
هذا الحديث حديث معروف الصحة، ومخرج في الصحيحين، وكان قد تقدم معنا في موطن واحد أو أكثر في كتاب الزكاة؛ لأن فيه جملة: (ورجل تصدق بيمينه فأخفاها ... ) إلى آخره، فهناك ساق المؤلف هذا الحديث بتمامه، والآن اقتبس منه هذه الجملة التي يترجم بها في هذا الباب الذي ذكرناه، ذلك أن من أولئك السبعة رجلاً ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجلاً -أيضاً- دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، فذاك الذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه إنما بكى خوفاً من الله، وهذا الرجل الذي دعته المرأة الجميلة ذات المنصب، لما دعته قال: إني أخاف الله، فخوفه من الله عصمه، وخوف ذاك من الله حينما ذكره فبكى خشيةً منه، جعل كلاً منهما من أولئك السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
والحديث الذي بعده حديث ضعيف، أما الحديث الثالث فهو صحيح أيضاً وكان قد تقدم معنا في أول هذا الكتاب، فذاك الحديث هو من حديث ابن عمر، وأما هذا فهو من حديث أبي هريرة، ومخرجه غير مخرج ذاك، فستسمعون بعض الاختلاف بين هذا وذاك، فلا يشكلن الأمر عليكم؛ لأن الرواة يزيد بعضهم على بعض، يحفظ هذا شيئاً لا يحفظه ذاك، والعكس بالعكس.
يقول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خرج ثلاثة فيمن كان قبلكم يرتادون لأهلهم) .
стр. 219
شرح حديث الثلاثة النفر الذين سدت عليهم الصخرة فم الغار
أول جملة نفاجأ بها في هذه الرواية هذه الزيادة: (يرتادون لأهلهم) ، لأن الحديث الذي سبقت الإشارة إليه وكان تقدم معنا في أول الكتاب، ليس فيه هذه الجملة (بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يتمشون إذ أصابهم مطر) إلى آخر الحديث، لم يذكر في ذاك الحديث حديث ابن عمر ما الذي أخرج هؤلاء في الطريق وفي الصحراء حتى أصابهم المطر فلجئوا إلى الغار، وهنا يبين لنا السبب فيقول: (يرتادون لأهلهم) أي: يطلبون الرزق والمعاش، يضربون في الأرض كما أمر الله ، فهذا هو الذي خرج بهم ذلك المخرج.
(فأصابتهم السماء، فلجئوا إلى جبل فوقعت عليهم صخرة، فقال بعضهم لبعض: عفا الأثر، ووقع الحجر) هذا أيضاً تعبير لم يرد هناك: (عفا الأثر، ووقع الحجر، ولا يعلم بمكانكم إلا الله، فادعوا الله بأوثق أعمالكم، فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت امرأة تعجبني فطلبتها فأبت عليَّ، فجعلت لها جعلاً، فلما قربت نفسها تركتها، فإن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا، فزال ثلث الحجر، وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان، فكنت أحلب لهما في إنائهما، فإذا أتيتهما وهما نائمان قمت حتى يستيقظا، فإذا استيقظا شربا، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا، فزال ثلث الحجر، وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيراً يوماً، فعمل إلى نصف النهار، فأعطيته أجره فسخطه ولم يأخذه، فوفرتها عليه حتى صارت ذلك المال، ثم جاء يطلب أجره فقلت: خذ هذا كله، ولو شئت لم أعطه إلا أجره الأول، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا، فزال الحجر وخرجوا يتماشون) رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عمر، هكذا في نسختي، فمن كانت عنده كذلك فليصححها وليجعلها من حديث ابن عمر، ورواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عمر بنحوه، وتقدم -أي: في أول الكتاب- في الإخلاص في العمل لله .
نعود إلى الحديث ونتفقه في بعض فقراته ونشرح ما قد يغمض منها (خرج ثلاثة فيمن كان قبلكم) أي: من أهل الكتاب (يرتادون لأهلهم فأصابتهم السماء) هذا من أسلوب العرب، أن يطلق السماء على اعتبار أنها موضع المطر على المطر (فأصابتهم السماء) أي: أصابهم مطر، على حد قول الشاعر:
إذا نزل السماء بأرض قومٍ رعيناه وإن كانوا غضابا
إذا نزل السماء بأرض قوم، أي: قامت الساعة، وإنما المقصود بالسماء هنا المطر.
فأصابتهم السماء، أي: المطر فلجئوا إلى جبل، أي: إلى غار في جبل، هذا من الاختصار الذي جاء في هذا الحديث، وبيانه في حديث ابن عمر المشار إليه والمتقدم في أول الكتاب.
(فلجئوا إلى جبل فوقعت عليهم صخرة) أي: سدت عليهم الغار كما في ذاك الحديث: (فقال بعضهم لبعض: عفا الأثر) أي: بسبب نزول الأمطار لو فقدهم أهلهم لم يستطيعوا أن يتتبعوا أثرهم؛ لأن الأثر انمحى بسبب الأمطار والسيول، فكأن أحدهم يقول: إننا انقطعنا عن الدنيا، فلا أحد يعرف أين صرنا (عفا الأثر ووقع الحجر) أي: الصخرة التي سدت عليهم الغار (ولا يعلم بمكانكم إلا الله، فادعوا الله بأوثق أعمالكم) ولا يعلم بمكانكم هنا إلا الله، وأنا مررت عليها ولم أنتبه لها، وهكذا يقع فيه القارئ أو المصحح؛ لأنه يقرأ أحياناً من ذهنه.
стр. 220
مشروغية التوسل بالعمل الصالح
قال: (ولا يعلم بمكانكم إلا الله، فادعوا الله بأوثق أعمالكم) كما كنا شرحنا هناك يومئذٍ فيه شرعية التوسل بالعمل الصالح (ادعوا الله بأوثق أعمالكم) هناك يقول ابن عمر: إن الرسول ﵇ قال: (انظروا أعمالاً عملتموها صالحةً لله فادعوا الله بها) على وزان قول الله ﵎ في القرآن: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [لأعراف:١٨٠] .
ففي هذا الحديث حديث أبي هريرة زائد حديث ابن عمر نص على شرعية توسل العبد إلى الله ﵎ بعمل صالح له، وكما تعلمون جميعاً -إن شاء الله- لا يكون العمل صالحاً إلا بشرطين اثنين: الشرط الأول: أن يكون خالصاً لوجه الله ، فلو أن مسلماً صام وقام وصلى في الليل والناس نيام، وهو لا يقصد بذلك وجه الله، وإنما ليقال عنه: إنه متعبد زاهد صالح، كان عمله هباءً منثوراً؛ لأنه لم يخلص فيه لله .
الشرط الثاني: أن يكون العمل الذي أخلص فيه لله مشروعاً، ولا يكون مشروعاً إلا إذا كان قد ورد في الكتاب والسنة، وهذا له أدلة كثيرة، ومن الأدلة الجامعة للشرطين قول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] .
﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الكهف:١١٠] أي: على وجه الكتاب والسنة، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] أي: لا يقصد بهذا العمل الصالح غير وجه الله ، وإلا فيكون قد أشرك فيه مع الله، وحينئذٍ يرد عليه، بل ويضرب به وجهه.
فحينما يقول أحدهم وهم في الغار: (فادعوا الله بأوثق أعمالكم) أي: بأخلص عمل صالح فعلتموه، وشعرتم بأنكم فعلتموه وأنتم راغبون به ما عند الله .
فإذاً: هذا الحديث فيه شرعية التوسل بالعمل الصالح، والآية السابقة فيها شرعية التوسل باسم من أسماء الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [لأعراف:١٨٠] وهنا ادعوه بعمل صالح لكم.
стр. 221
مشروعية توسل المسلم بدعاء أخيه الصالح
وهناك توسل آخر مشروع ثابت في الكتاب والسنة، ألا وهو توسل المسلم بدعاء أخيه الصالح الذي يظن فيه الصلاح، ويأمل أن يستجاب منه الدعاء، فهذا أيضاً مشروع، وما سوى ذلك من التوسلات التي اشتهرت في القرون المتأخرة بتأخرهم عن الكتاب والسنة علماً وعملاً، فليس لها أصل إطلاقاً، ولم يقل بشيء منها أحدٌ من الأئمة المجتهدين، وقد فصّلت القول على هذه التوسلات المشروعة وغيرها من الغير مشروع في رسالتي الخاصة في التوسل، ويمكن الرجوع إليها لمن شاء التوسع.
стр. 222
استجماع القصة من مجموع الروايات الواردة فيها
(فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت امرأة تعجبني فطلبتها) في حديث ابن عمر أنها كانت قريبة له: (كان لي ابنة عم) يقول هناك: (أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء) وهذا أوضح من حديث: (تعجبني) ما مبلغ هذا الاستحسان والعجب؟ قال: (أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء) وسيظهر أثر هذا الحب الشديد في خوفه من الله حينما أمسك نفسه عنها: (فطلبتها فأبت عليَّ، فجعلت لها جعلاً) أي: تعويضاً في تسليمها نفسها له، فيعطيها مقابل ذلك مالاً، وكان هذا المال مائة دينار كما جاء في بعض طرق حديث ابن عمر.
(فلما قربت نفسها) يقول هناك: (فلما وقعت بين رجليها، قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها) وهنا يقول: (فلما قربت نفسها تركتها) هنا فيه إجمال وهناك تفصيل، وهكذا يمكن استجماع القصة بأكمل وجه من مجموع الروايات التي وردت فيها، قال هذا الداعي الأول يخاطب ربه: (فإن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك، فافرج عنا) أي: إن كنت تعلم أني أعرضت على هذه الفتاة وزيادة عن ذلك أنني تركت لها المال الذي قدمته إليها في سبيل أن أحظى منها بشهوتي، فتركت ذلك كله لوجهك وخوفاً منك، ولكنه يخشى أن يكون واهماً في أن يكون ترك ذلك خوفاً من الله، ولذلك يقول: (فإن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك، فافرج عنا، فزالت ثلث الحجر) أي: تزحزحت الصخرة التي سدت عليهم فم الغار بمقدار ثلث المسافة التي فيها يمكنهم أن يخرجوا من الغار.
(وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان فكنت أحلب لهما في إنائهما، فإذا أتيتهما وهما نائمان قمت حتى يستيقظا، فإذا استيقظا شربا) يصف هنا مدى خدمته لأبويه مهما تطلَّب ذلك صبراً منه، حتى كان يأتي بالإناء الذي فيه الحليب، فإذا وجدهما نائمين لا يوقظهما محافظةً على راحتهما ونومهما، وإنما يظل قائماً حتى يستيقظا فيجمعا بين راحة النوم والشرب من الحليب.
في حديث ابن عمر يفصل هذه الفقرة من هذا الحديث فيقول: (فنأى بي ذات يوم الشجر) أي: خرج في طلب المرعى والكلأ والحشيش، فأبعد عن القرية كثيراً، وهذا خلاف عادته، فما رجع إلا وقد أمسى، قال: (فحلبت كما كنت أحلب، وجئت بالحلاب فوجدتهما قد ناما) ، فهذا وصف دقيق جداً لحالته النفسية بين حق أبويه وحق أولاده، قال: (فوجدتهما قد ناما، فقمت عند رءوسهما أخشى أن أوقظهما من نومهما والصبية يتضاغون من الجوع عند قدمي) فهو متردد بين إيقاظهم من أجل أن يبدأ بإسقائهما قبل الصبيان، وفي هذا إزعاج لهم إذا ما أيقظهم، ومن جهة أخرى فالصبية يصيحون جوعاً، فكأنه يقول: ماذا أفعل؟ أوقظهما؟ لا.
لا بد أن يتقدموا على الأولاد، أترك الأولاد؟ الأولاد يصيحون ويبكون، قال في حديث ابن عمر: (فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر) هذا هو جهاد في سبيل إرضاء الوالدين.
يقول في تضرعه وفي مناجاته لربه: (اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان فكنت أحلب لهما في إنائهما، فإذا أتيتهما وهما نائمان قمت حتى يستيقظا، فإذا استيقظا شربا، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا، فزالت ثلث الحجر) أي: الثاني.
وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيراً يوماً فعمل إلى نصف النهار) في هذا الحديث هذه الفائدة، وهناك في حديث ابن عمر ليس فيه بيان مقدار العمل، هنا يوجد تحديد أنه عمل إلى نصف النهار (فأعطيته أجراً، فسخطه ولم يأخذه، فوفرتها عليه حتى صارت ذلك المال) هنا أيضاً إيجاز واختصار (حتى صارت ذلك المال) ما هو هذا المال؟ جاء بيانه في حديث ابن عمر أنه قال: (فلم أزل أزرعه) أي: أجر ذلك الرجل الذي كان فرقاً من أرز، وعاء صغير اسمه الفرق، كان أجره هذا الفرق من أرز، فلما لم يقبل هذا العامل هذا الأجر وانصرف مغضباً، قال هذا السيد صاحب الأرض: (فلم أزل أزرعه) أي: ذلك الفرق من الأرز (حتى جمعت منه بقراً ورعاءها) هذا هو الذي وفره الرجل من ذلك الفرق، وفر وجمع بقراً ورعياناً معه، فيقول في حديث ابن عمر: (ثم جاءني فقال: يا عبد الله! أعطني حقي -وحقه الفرق من الأرز- فقلت له: انظر إلى تلك البقر، فاذهب وخذها، قال: يا عبد الله! لا تستهزئ بي، إنما لي عندك فرق من أرز) أنت تقولي لي: خذ فرقاً من البقر!: (قال: اذهب وخذها فإنما تلك البقر من ذاك الفرق) يقول هنا في دعائه: (فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا) .
قبل ذلك يقول: (فقلت: خذ هذا كله، ولو شئت لم أعطه إلا أجره الأول) هذه نكتة مهمة جداً، الرجل ترك عنده أجره الذي هو الفرق من أرز، ولم يتفق معه على أن ينميه له ويزرعه له، لكن هو كرم منه وسخاء، فزرع هذا الفرق من الأرز، والله بارك، فحصد وزرع واشترى بقراً، الله أعلم بالمدة، مع بركة الله في هذا المال، ثم جاء هذا يطلب حقه، ما هو الحق؟ فرق من أرز، يقول: فأعطيته كل الذي وفرته بسبب هذا الفرق، ولو شئت لم أعطه إلا حقه، أي: هذا الفرق، أي: إنه قادر على ألا يعطيه ما وفره إياه في هذه المدة الطويلة، ولكنه رأى من كرم نفسه أن يقدم له كل ذلك الحاصل من المال الأول، فيقول: (فإن كنت تعلم أنني فعلت ذلك هناك يقول: ابتغاء مرضاتك، وهنا يقول: رجاء رحمتك وخشية عذابك- فافرج عنا، فزالت الحجر وخرجوا يتماشون) رواه ابن حبان في صحيحه بهذا اللفظ، وفيه كما رأيتم بعض الفوائد التي لا تذكر في حديث ابن عمر، وفي الدرس الآتي -إن شاء الله- أحاديث أخرى في هذا الباب، فنكتفي بهذا المقدار، والحمد لله رب العالمين.
стр. 223
شرح حديث: (.
إذا أنا مت فأحرقوني)
حديثنا في هذه الليلة يبدأ بالحديث الرابع من باب الترغيب في الخوف وفضله، والحديث صحيح كما سيدلكم تخريجه.
قال المؤلف ﵀: وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: (كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك.
ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك، فغُفر له) .
وفي رواية: أن رسول الله ﵌ قال: (قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مت فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا به ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله تعالى له) رواه البخاري ومسلم، ورواه مالك والنسائي بنحوه.
هذا الحديث يتضمن من غرائب الحوادث والوصايا التي كانت تقع في الزمن السابق ما قبل الرسول ﵌، فكان يقع فيه من الغرائب والعجائب التي إما أنه لم يعد يقع مثلها بعد الرسول ﷺ لحكمةٍ أرادها الله، وإما أنه قد يقع شيء منها ولكن لا يبلغنا خبرها؛ لأنه ليس لنا هناك من يستقصي هذه الأخبار إلا الخالق لأصحابها وأصحاب العلاقات بها، ثم هو يوحي بها إلى نبينا المعصوم ﵊، ثم هو يبلغها أمته موعظةً وذكرى.
من أجل ذلك أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) .
الشاهد هو الفقرة الوسطى من هذا الحديث، ألا وهي قوله ﵇: (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) وإن من خير ما يحدث به أحدنا اليوم عن بني إسرائيل هو ما حدثنا به رسول الله ﷺ ، مما صحت الأسانيد بذلك عنه ﵊.
فهذا الحديث -كما سمعتم- فيه عجيبة من تلك العجائب، فالرسول ﵌ يقول: (كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت) في رواية أخرى: (لم يعمل خيراً قط) وفي هذه الرواية الأولى استمر في إسرافه على نفسه، وظلمه لها، حتى حضره الموت، أي: لم يكن من أولئك الذين يقضون شطراً من حياتهم في الإسراف في الفسق والفجور، ثم قبيل وفاتهم يرجعون إلى الله ﵎ ويتوبون إليه، هذا الإنسان لم يكن كذلك، وإنما استمر في إسرافه وفي ظلمه لنفسه ومعصيته لربه حتى حضره الموت، لكنه لم يكن من أولئك الناس المغرورين الذين يسيئون العمل ثم يرجون من الله ﵎ المغفرة، هكذا كثير من المسلمين اليوم مع الأسف الشديد، يتواكلون على مغفرة الله ، ولا يتعاطون من الأعمال الصالحات ما بها يستحقون مغفرة الله ﵎، فهذا الرجل كان معترفاً بتقصيره وبجنايته على نفسه، ومع ذلك فيبدو من هذه القصة العجيبة أنه كان إيمانه لا يزال حياً في قلبه، وكان لا يزال فيه شيء استحق به أن ينال مغفرة الله ﵎، مع أنه سلك سبيلاً ربما لم يسلكه أحدٌ قبله ولا أحدٌ بعده، ذلك أنه أوصى بهذه الوصية الجائرة، حيث قال ﵊: (فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني) ولم يقنع بهذا، ثم قال: (اطحنوني) تصوراً منه أن الحرق قد لا يأتي على عظامه كلها، فيبقى هناك شيء قائم من هذه العظام، فتأكيداً لما خيل له من وسيلة للنجاة من عذاب الله ، قال لهم: (اطحنوني) وهذا باعتبار ما كان، كان إنساناً قوياً، فمات فأمرهم بأن يحرقوه بالنار، ثم أكد لهم ذلك بأن يطحنوه، ثم يأخذوا الحاصل من ذلك الحرق والطحن وهو أن يصبح رميماً، قال: (ثم ذروني في الريح) .
وفي رواية أخرى فيها توضيح كما سمعتم وسيأتي أيضاً: أنه أمر بأن يذَرُّوا، أو يذْروا -روايتان- نصف الرماد هذا في البر ونصفه في البحر، مبالغة في أن يضيع على الله في زعمه الضال، قال: (ثم ذروني في الريح) لماذا أوصى بهذه الوصية الجائرة الغريبة؟ حلف وبين فقال: (فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً) أي: من المسرفين على أنفسهم، (فلما مات فعل به) وهنا يظهر نوع من الطاعة من الأولاد للآباء، طاعة متناهية، ولكن يظهر أنه لم يكن عندهم في شرعهم أن مثل هذه الوصية هي وصيةٌ جائرة لا يجوز الإيصاء بها، وإذا ما أوصى بها جائرٌ كهذا فلا يجوز للموصى له أن ينفذها؛ لأنها مخالفة لشريعة الله ، فتنفيذ هؤلاء الأبناء لوصية أبيهم هذا يحمل على وجه من وجهين: الأول: أنه ربما لم يكن في شرعهم أن هذا لا يجوز.
الوجه الآخر: أنه إذا كان ذلك في شرعهم فهؤلاء لم يكونوا على علم بذلك، ولذلك بادروا فنفذوا وصية أبيهم هذه.
قال ﵊ في تمام الحديث: (فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك) بعد أن تفرقت ذرات هذا الإنسان المحرق بالنار والمذرو في الريح وفي البحر، قال لكل من البحر والأرض اليابسة: اجمعي ذرات فلان، وقال لها: كوني فلاناً، فكانت بشراً سوياً، فقال مخاطباً لهذا الإنسان بعد أن أعاده كما كان: (ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك، فغفر له) وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال: (قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مت فحرقوه) انتقل من الخطاب إلى الغائب، قال: (إذا مت فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا به ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله تعالى له) .
стр. 224
درء التعارض بين حديث: (إذا أنا مت فحرقوني) وقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به)
في هذا الحديث مثل رائع وعظيم جداً كتفسير لبعض النصوص من الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [لأعراف:١٥٦] وكقوله ﵊ في صحيح البخاري: (سبقت رحمتي غضبي) مثل هذا الإنسان إذا ما سُئل أي عالم في الدنيا -عالم حقيقي- عن إنسان أوصى بمثل هذه الوصية ونفذت فيه، هل يكون مسلماً أم كافراً؟ لابد أن يكون
الجواب
هو كافر، والحجة واضحة بينة؛ ذلك لأن هذا الإنسان في هذه الوصية يذكرنا بذاك الذي ذكره الله في القرآن مشيراً إليه بقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ.
﴾ [يس:٧٨-٧٩] إلى آخر الآيات، فهذا الإنسان كأنه لا يؤمن، كأنه من هذا الجنس الذي قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] مع ذلك نجد أن الله قد غفر لهذا الإنسان، فإذا سُئل عالم عن مثل هذا الإنسان يوصي بمثل هذه الوصية فلا يسعه إلا أن يحكم عليه بأنه كافر كفراً يخلد صاحبه في النار لا يخرج منها أبداً، وإذا الأمر كذلك فكيف يمكن أن نتلقى هذا الحديث بالقبول، وظاهره يخالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لأنه منصوص هذا المعلوم في القرآن الكريم حين قال رب العالمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهذه الآية صريحة الدلالة، أي: بتعبير علماء الأصول هي قطعية الثبوت قطعية الدلالة، ودلالتها أن الله يمكن أن يغفر أي ذنب مهما كان عظيماً، إلا الشرك بالله ﵎ فإن الله لا يغفره ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ؟ قد يقول قائل كتوفيق بين هذا النص القرآني القطعي الثبوت والدلالة: التوفيق بينه وبين هذا الحديث من ناحيتين: الناحية الأولى: إن الآية قالت: إن الله لا يغفر الشرك، والكفر غير الشرك.
وبمعنى آخر: إن ما جاء في هذا الحديث ليس فيه شرك، وإنما هو الكفر؛ لأن هذا الإنسان مؤمن بالله ، وإيمانه بالله حمله على هذه الوصية الجائرة؛ لأنه شعر بأنه يستحق هذا العذاب، فخلاصاً من عذاب الله له أوصى بها، فهو يخاف الله وليس يؤمن به فقط، بل ويخاف الله، فكان من أثر خوفه من الله أن أوصى بهذه الوصية.
فإذاً: هو مؤمن بالله ولم يشرك مع الله أحداً، فالتوفيق بين الحديث وبين الآية بأن تبقى الآية على ظاهرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] ، أما الكفر الذي ليس شركاً فيمكن أن يقال: إن الله يغفره، والدليل على ذلك هذا الحديث.
قد يقول قائل هذا، ويبدو لأول وهلة بأن هذا التوفيق مقبول ومعقول، لكن الأمر ليس كذلك؛ لأن هناك حقيقة شرعية يجب أن نكون على علم بها: أولاً: لأنه شرع يجب أن يفهم على وجهه وعلى حقيقته.
ثانياً: لأن هذا الفهم يساعدنا على التوفيق بين كثيرٍ من النصوص التي يبدو بينها تعارض وتضارب، ما هي هذه الحقيقة الشرعية؟ هي: أن كل كفر شرك، ومعلوم لدى جميع الناس على الأقل الفقهاء أو طلاب العلم أن كل شرك كفر، لكن العكس ليس معلوماً عندهم، المعلوم عندهم أن كل شرك كفر، لكن أن كل كفر شرك فهذا غير معلوم عند جماهير الناس، مع أن هذا حق مثلما أنكم تنطقون، أي: كل كفر شرك كما أن كل شرك كفر، لا فرق بينهما إطلاقاً.
ومن الأدلة على ذلك: المحاورة التي ذكرها الله في سورة الكهف بين المؤمن والمشرك، قال الله : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ [الكهف:٣٢-٣٤] قال صاحب الجنتين وهو كافر مشرك كما ستسمعون لصاحبه المؤمن: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٤-٣٦] هذا بالتعبير العام أو بالعرف العام أشرك أم كفر؟ هذا كفر؛ لأنه أنكر البعث والنشور: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ [الكهف:٣٥-٣٧] صاحبه المؤمن: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ [الكهف:٣٨] ختم موعظته ومحاورته لصحابه بأنه لا يشرك كشركه: ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ [الكهف:٣٨] ففي هذا بيان أن الرجل صاحب الجنتين -أي: البستانين- حينما شك في البعث والنشور أشرك بالله ، لذلك قال له صاحبه المؤمن: أنت كفرت وأشركت، أما أنا فلا أشرك بربي أحداً، وتمام القصة -أيضاً- تؤكد هذا؛ لأن في نهاية الآيات: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ [الكهف:٤٢] ما الذي أشرك؟ الظاهر أنه أنكر البعث والنشور، فأين الشرك؟ هنا النكتة، الشرك أن كل كافر بأي سبب كان كفره فقد اتخذ إلهه هواه، فمن هنا جاء الشرك بالنسبة لكل نوع كفر به صاحبه، من هنا قلنا: إن هناك حقيقة شرعية وهي: أن كل كفر فهو شرك، وهذا في السياق الذي ذكرناه لكم أكبر دليل على ذلك.
وعلى هذا فلا يصح التوفيق بين الآية السابقة الذكر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] وبين هذا الحديث على الوجه الذي حكيناه آنفاً؛ ذلك لأن معنى الآية بعد هذا الشرح هو: إن الله لا يغفر أن يكفر به، أي: سواء كان الكفر شركاً لغةً أو لم يكن، فالله لا يغفر الكفر مطلقاً؛ سواء كان شركاً أو ليس بشرك، وهذا البيان -كما قلت لكم- يفتح لنا حل مشاكل كثيرة، فإذا ما عرفنا أن الشرك في لغة الشرع هو الكفر والكفر هو الشرك؛ فحينئذٍ تعود الآية دلالة صريحة على أن الله لا يغفر الشرك بكل أنواعه، اللهم إلا إذا كان شركاً عملياً وليس شركاً قلبياً.
الحديث الذي هو كالحديث السابق هو قول المؤلف الحافظ المنذري ﵀: وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن رجلاً كان قبلكم رغسه الله مالاً) أي: وهبه الله أعطاه مالاً (فقال لبنيه لما حضر: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإنني لم أعمل خيراً قط، فإذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته) رواه البخاري ومسلم أيضاً.
يفسر تلك اللفظة الغريبة فيقول: (رغسه) بفتح الراء والغين المعجمة بعد سين مهملة (رَغَسه) قال أبو عبيدة: معناه: أكثر له منه، أي: من المال وبارك له فيه.
فهذا الحديث كالحديث السابق، وكان من رواية أبي هريرة فيما أذكر، وهذا مما يدل على أن الحديث مع صحة إسناده من طريقه الأولى فهو ليس حديثاً غريباً فرداً، بل قد اشترك في روايته جماعة من الصحابة، ذكر منهم المؤلف اثنين، الأول: أبو هريرة، والآخر: أبو سعيد هنا.
وكنا تساءلنا: ما الجواب عن هذا الحديث الذي ظاهره أن هذا الموصي بالوصية المذكورة فيه وهي وصية جائرة، ظاهر هذا أن الرجل كفر بالله ، وشك في قدرة الله تعالى على أن يبعثه وأن يحييه وأن يحاسبه ذلك الحساب الذي يستحقه؟ ولقد أوردنا جواباً في الدرس الماضي ولا نرتضيه بطبيعة الحال، ووعدنا أن نأتي بالجواب الصحيح المقنع إن شاء الله هذا الرجل لما أوصى بهذه الوصية أن يحرق وأن توزع ذرات جسده بعد أن احترقت في البحر وفي الهواء، لاشك أن هذا الفعل يدل على الكفر، فكيف أن الله لم يعامله بمقتضى كفره، بل غفر له؟ وقد قلنا في الدرس السابق: إن الكفر لا يغفر، بدليل الآية السابقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فكيف غفر لهذا؟ قلنا: قد يقول البعض: إن الآية تنفي أن يغفر الله الشرك، فهذا ما أشرك وإنما كفر، فوضحنا لكم بأنه لا فرق شرعاً بين الكفر والشرك، فكل كفر شرك وكل شرك كفر، خلافاً لما يذهب إليه بعض العلماء قديماً وحديثاً، وعلى هذا فالآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] أي: أن يكفر به، سواءً كان نوع الشرك من الناحية اللغوية شركاً فعلاً أن يتخذ مع الله شريكاً، أو كان كفراً بأن يجحد شيئاً مما شرعه الله أو أخبر الله به، ومن لم يرتض ذلك الجواب، فما هو الجواب الصحيح؟ هو ما أجاب به الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهما من الشراح والحفاظ، قالوا: إن هذا الرجل.
стр. 225
الحكمة من خلق الإنسان
خلق الله تعالى الثقلين لحكمة جليلة وغاية نبيلة؛ وهي عبادته .
وفي هذه المادة بين الشيخ الحكمة التي من أجلها خلق الله الجن والإنس، وأشار إلى أهمية التوفيق بين العبادة وطلب الرزق، ثم أجاب فضيلته على أسئلة الحضور.
стр. 226
الغاية من خلق الملائكة والإنس والجن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فكلمتي الآن جواب عن سؤال لم يعتد الناس أن يطرحوه، وهم في الواقع في حاجة إلى أن يذكروا بجوابه، ألا وهو: لماذا خلق الله الخلق من الملائكة والإنس والجن؟ الجواب في القرآن الكريم، وبطبيعة الواقع لا أقدم إليكم شيئاً مجهولاً في ظن لدى كافة المسلمين، وإنما هي: أولاً: الذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين.
وثانياً: أريد أن أربط بهذا التذكير أمراً قد يكون كثير من الناس عنه غافلين.
فجواب ذاك السؤال في قوله ﵎ في القرآن الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦-٥٨] إذاً: هذه الآية تعطينا الغاية والحكمة التي من أجلها خلق الله الإنس والجن، ومن باب أولى الملائكة الذين وصفهم ربهم في القرآن الكريم بقوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] هذه الحكمة هي: أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، خلق الجن والإنس ليعبدوه وحده لا شريك له.
стр. 227
كيفية التوفيق بين العبادة وطلب الرزق
ثم ذكر الله بعد الحكمة التي بينها قوله ﵎: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧-٥٨] .
لماذا ذكر ربنا : ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الذاريات:٥٧] ؟ أي: لكي لا يهتم المسلم برزقه اهتمامه بعبادة ربه، أي: يجب عليه أن يهتم بما من أجله خلق، وليس أن يهتم بالرزق؛ لأن الرزق قد تكفله الله لعباده وقدره منذ أن كان جنيناً في بطن أمه، كما تعلمون من الأحاديث الصحيحة، التي جاء فيها أن النبي ﵌ ذكر أن الله ﵎ يرسل ملكاً إلى الجنين وهو في بطن أمه، فينفخ فيه الروح بعد أن جاوز الأربعة الأشهر، ويسأل ربه عن عمره، وعن رزقه، وعن أجله، وعن سعادته أو شقاوته، كل هذا قد سجل، كما جاء في قوله ﵎ على قولٍ من أقوال المفسرين في قوله : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] فالله قد قدر الرزق منذ القديم، ولذلك فلا ينبغي للمسلم أن يهتم برزقه -وأرجو الانتباه! - لا أقول: ألا يهتم بالسعي وراء رزقه، لا.
وإنما أعني وأصرح فأقول: لا ينبغي أن يهتم المسلم بتحصيل رزقه بقدر ما يهتم بعبادة ربه ﵎؛ لأن الرزق مقطوعٌ مضمون، وإن كان هذا الكلام لا نعني به ألا يسعى المسلم وراء رزقه، لكن إنما نعني ألا يجعل الغاية من حياته هو أن يسعى وراء رزقه؛ لأن الغاية -كما علمتم- إنما هي عبادة الله وحده لا شريك.
ولكي لا يتبادر إلى ذهن أحدٍ -حينما نلفت النظر إلى الاهتمام بتحقيق الغاية الشرعية التي من أجلها خلق الله الإنس والجن- لكي لا يتبادر إلى ذهن أحدٍ أننا نأمر بما يظنه بعض الناس أنه توكل على الله حينما لا يسعى وراء الرزق، فأقول: ليس الإعراض عن السعي وراء الرزق توكلاً على الله ﵎؛ وإنما هو تواكل واعتمادٌ على العبد أو على العبيد الذين لا ينبغي أن يعتمد المسلم في تحصيله لرزقه على غير ربه ﵎؛ ذلك لأن السعي وراء الرزق بالحد المطلوب شرعاً، وبقدر ألا يبالغ في طلب الرزق، ومن المبالغة في طلب الرزق ما سأدندن حوله، وهو أن يطلب الرزق من أي طريقٍ كان، لا يهمه أجاءه الرزق بسببٍ حرامٍ أو حلالٍ، فالذي نريده أن السعي وراء تحصيل الرزق بالوسائل المشروعة، وبالقدر المشروع الذي لا يجعله غايته من حياته كما ألمحت إلى ذلك آنفاً، هذا السعي وراء الرزق يعتبره الشارع الحكيم من الجهاد في سبيل الله .
فقد جاء في الحديث الصحيح: (أن النبي ﵌ كان جالساً يوماً وحوله أصحابه، حينما مر رجلٌ شابٌ جلدٌ قويٌ عليه آثار النشاط والشباب، فقال أحد الحاضرين: لو كان هذا في سبيل الله) أي: لو كانت هذه الفتوة وهذا الشباب والقوة في سبيل الله ، يتمنى أحد الحاضرين أن يكون هذا الشاب المار بهذه القوة والفتوة يجاهد في سبيل الله ، فقال ﵌ ملفتاً نظر من حوله أولاً، ثم من سيبلغهم هذا الحديث ثانياً، إلى أن السعي وراء الرزق -كما قلت آنفاً- هو من الجهاد في سبيل الله ، حيث قال ﵌ مجيباً ذلك الصحابي الذي تمنى أن يكون شباب ذلك الرجل المار وقوته في سبيل الله ، قال ﵊: (إن كان هذا خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أهله وأولاده الصغار فهو في سبيل الله) .
إذاً: السعي وراء الرزق هو من الأمور المرغوب فيها، والتي حظ الشارع الحكيم عليها، ولكن على اعتبار أنها وسيلة وليست غاية المسلم في هذه الحياة، إنما غايته أن يعبد الله وحده لا شريك له، وسعيه وراء الرزق ليتمتع بالقدرة والقوة على القيام بما فرض الله عليه من الجهاد، ليس فقط في قتال الأعداء الذين حرمنا -مع الأسف الشديد- في عصرنا هذا من هذا الجهاد، وإنما على الأقل في الجهاد جهاد النفس الأمارة بالسوء، التي تتطلب القيام بكثيرٍ من الفروض والواجبات، ومنها -مثلاً- الصلاة التي هي الركن الثاني بعد الشهادتين في الإسلام.
فمن كان هزيلاً، ومن كان مريضاً لا يسعى لتقوية بدنه بما أنعم الله عليه من رزقٍ؛ فقد لا يستطيع أن يقوم بما فرض الله من عليه الجهاد النفسي العام، الذي عبر عنه الرسول ﵇ في الحديث الصحيح حين قال: (المجاهد من جاهد نفسه لله) وفي رواية: (هواه لله هذا الجهاد يتطلب -كما ألمحت آنفاً- إلى أن يكون المسلم قوياً في جسده، كما هو قويٌ في عقيدته وفي معانيه الإيمانية الإسلامية.
стр. 228
اهتمام الإسلام بصحة المسلم
قد أشار النبي ﵌ إلى وجوب محافظة المسلم على نشاطه وقوته في بدنه، حينما بلغه أن رجلاً من أصحابه يبالغ في طاعة الله ﵎؛ حيث كان يصلي الليل كله، ويصوم الدهر كله، ولا يأتي نساءه، فلما بلغ ذلك النبي ﵌ دعاه -وهذه قصة فيها بعض الطول لا مجال الآن لذكرها بتمامها، إنما الغرض الآن أن أذكِّر باهتمام الإسلام بصحة المسلم، وضرورة محافظته على بدنه- فدعاه وقال له ﵇: (إن لجسدك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولزورك -أي: من يزورك- عليك حقاً) ، زاد في حديث آخر أو في قصة أخرى: (فأعط كل ذي حق حقه) .
وكان في هذه القصة أن هذا الرجل العابد الزاهد في الدنيا والذي كان من زهده أنه لما زوجه أبوه كأنه لم يتزوج، لم يقرب زوجته لانشغاله واستغراقه في وقته كله على عبادة الله طلب هذا الزاهد العابد من رسول الله ﵌ أن يصوم أكثر مما رخص له في أول الأمر، ولم يزل رسول الله ﵌ يزيده في أيامٍ يصومها أكثر مما رخص له في أول الأمر، إلى أن قال له في نهاية المطاف: (صم يوماً وأفطر يوماً، فإنه أفضل الصيام، وهو صوم داود ﵊، وكان لا يفر -هنا الشاهد- إذا لاقى) ، أي: عدوه، فالنبي ﵌ وعظ ذلك الصحابي الزاهد بألا يزيد على الصيام نصف الدهر، يصوم يوماً ويفطر يوماً، وعلل ذلك ﵊ بقوله: (فإنه أفضل الصيام، وهو صوم داود ﵇ لماذا قال ﵊: (وهو صوم داود) ؟ لأنه جاء في حديثٍ في صحيح البخاري: (كان داود ﵇ أعبد البشر) أعبد البشر هو داود نبي الله، وهو والد سليمان، كان أعبد البشر، ومع ذلك كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وما هي الحكمة من هذا الصيام؟ قال: (وكان لا يفر إذا لاقى) أي: كان يجمع بين أن يعطي لنفسه حقها من عبادة ربها من جهة، وبين أن يعطي لجسده قوته من جهة أخرى؛ ليتمكن بهذه القوة من مقاتلة أعداء الله ، ولذلك جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة:٢٥١] لو كان داود ﵇ يصوم الدهر كله لما استطاع أن يقضي على ذلك الكافر الجاحد المنكر.
فإذاً: السعي وراء تقوية الجسم لطلب الرزق الحلال هذا أمرٌ مرغوبٌ فيه، واعتبر ذلك الشارع الحكيم -كما سمعتم في قصة الشاب الجلد- جهاداً في سبيل الله .
стр. 229
أهمية مراعاة أحكام الشريعة في طلب الرزق
الذي أريد الآن الدندنة حوله: أنه ليس من الجهاد في سبيل الله أن يطلب المسلم الرزق دون أن يلتزم في طلبه أحكام شريعة ربه ، أي: لا يسأل إن كان السعي الذي يسعاه أو العمل الذي يعمله في سبيل تحصيله لرزقه جائزاً شرعاً أو محرماً شرعاً، هذا -أولاً ليس مجاهداً ذلك الجهاد الذي وسَّع رسول الله معناه، فجعل السعي وراء الرزق في سبيل الله، هذا الذي يسعى وراء الرزق ولا يسأل أحرام هو أم حلال؟ فهو ليس فقط مجاهداً وخارجاً في سبيل الله، بل هو -ثانياً- عاصٍ لله ، غير متذكرٍ عملاً قول الله المذكور آنفاً: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فعلى كل مسلم إذا سعى وراء الرزق ألا يطلبه إلا من طريقٍ أباحه الله ، وقد بين ذلك رسول الله ﵌.
ولذلك جاءت أحاديث كثيرة عن النبي ﵌ تأمر المسلم بأن يطلب الرزق من الطريق الحلال، وتحذره أن يكون مكسبه من طريق حرام فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﵌ قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون:٥١] ثم ذكر رسول الله ﵌ الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومأكله حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك) يدعو المسلمون اليوم دعاءً طويلاً عريضاً، ثم لا يستجاب لهم أن ينصرهم الله على عدوهم، لماذا؟ لأن أكثر المسلمين اليوم لا يسألون الحلال، ولا يبالون من أي طريقٍ جاءهم هذا الكسب، أمن طريقٍ حلال أم حرام، فهذا الحديث يقول: إن الله جعل من سنته الشرعية أنه لا يستجيب دعاء من كان طالباً للرزق بطريقٍ محرم، بل قد أوعده النبي ﵌ إيعاداً مخيفاً جداً، حينما قال ﵊: (كل لحمٍ نبت من السحت فالنار أولى به) أي: من الكسب الحرام.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر أمته بأن استحلالهم السعي وراء الرزق بالطرق المحرمة يكون سبباً لأن يذلهم الكفار، ويستعبدوهم الكفار، وهذا أمرٌ مشاهد -مع الأسف- في كثيرٍ من الديار الإسلامية، ذلك قوله ﵌: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) فقد ذكر النبي ﵌ أن من أسباب تسلط الأعداء على المسلمين وإذلالهم إياهم، إنما هو انكبابهم على الدنيا وانصرافهم -بسبب هذا الانكباب- إلى طلب الرزق بطريق الربا، ومن أنواع الربا ما ذكره ﵊ في الطرف الأول من هذا الحديث، ألا وهو قوله: (إذا تبايعتم بالعينة) نوع من المبايعات الربوية (وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) .
والرجوع إلى الدين معناه واسعٌ جداً جداً، ولكن فيما يتعلق بهذه الكلمة يجب على كل مسلم أن يرجع في طلبه للرزق إلى الكسب الحلال، حتى يكون هذا الكسب شفيعاً له فيما إذا دعا ربه أن يستجيب له أو منه دعوته.
نسأل الله أن يلهمنا التعرف على ديننا، وأن نعمل بأحكامه، ومن ذلك أن يوفقنا للسعي وراء طلب الرزق الحلال، وأن يبعدنا عن الوسائل المحرمة التي كثرت في هذه الأيام، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 230
الأسئلة
стр. 231
حكم عمل أشياء مباحة الجهات محرمة
السؤال
جزاك الله خيراً، ذكرت أن السعي وراء الرزق الحلال من الأمور الواجبة على المسلم، وهناك أمر مهم، كثير من المسلمين يجهله، يقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] فبعض المسلمين يعمل عملاً حلالاً لكن يكون فيه معاونة على الحرام، فالبع ض -مثلاً- يعمل في الحديد -يفصل أبواب- فيكون المحل الذي يريد أن يعمل له حراماً، فهل إذا صنع باباً لذلك المحل يكون عليه إثم؟
الجواب
في الآية التي ذكرتها، وهذا ما تعرضنا لبيانه في مناسبات كثيرة وكثيرة جداً، من يحمل الخمر فقط في سيارته فهو ملعون؛ بنص حديث الرسول ﵊ الذي يقول: (لعن الله في الخمرة عشرة.
وذكر منهم: حاملها والمحمولة إليه) ، وهذا الحديث من أحاديث كثيرة وكثيرة جداً، تفسر الشطر الثاني من الآية التي ذكرها السائل آنفاً ألا وهو قوله ﵎: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] فالذي يحمل الخمر إلى الخمارة قد أعان المدمن للخمر على شرب الخمر، كما أعان الخمار على بيع الخمر، وهكذا، ولذلك فالعمل الذي أصله مباح كما جاء في السؤال وفي الجواب، وهذا الحمل على السيارة أو على الدابة من حيث هو حمل بعينه فهو جائز، لكن العبرة كما قال ﵊، في غير هذه المناسبة: (إنما الأعمال بالخواتيم) فالمحمول هذا على هذه الجاهلة وهي السيارة -مثلاً- ما مصيرها؟ مصيرها أن تصل إلى الخمارة مساعدة للمدمنين للخمر على شربها، كذلك من يحمل أشخاصاً، نساءً أو رجالاً، إلى السينمات أو البارات، أو الملاهي المحرمة، كل هذا لا يجوز؛ لأنه يخالف الآية الكريمة: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] والبحث في هذا كثير وكثير جداً، ولعله من المهم لوقوع جماهير الناس اليوم -وبخاصة التجار منهم- في مخالفة الحديث التالي، ألا وهو قوله ﷺ : (لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه وشاهديه) لعن الله آكل الربا، لكن ما بال موكله؟ وما بال الشاهد والكاتب؟ الجواب في الآية: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] .
لذلك يتوهم كثير من التجار الذين يظنون أنفسهم أنهم من عباد الله الصالحين، أنهم حينما يودعون أموالهم في البنوك ولا يأخذون الربا، أنهم أحسنوا بذلك الصنع، كلا ثم كلا! لقد أساءوا بذلك صنعاً؛ لأنهم أعانوا البنك على أن يأكل الربا، والرسول ﵊ كما سمعتم يقول: (لعن الله آكل الربا وموكله) أي: مطعمه لغيره، فهذا التاجر أو هؤلاء التجار الذين يودعون أموالهم في البنوك، ولو كانوا صادقين في قولهم أنهم لا يأخذون الربا، حسبهم إثماً أنهم يُؤكِلون الربا أولئك الذين يعملون في البنك، ومعنى هذا الكلام -أيضاً- أنه لا يجوز للمسلم أن يكون موظفاً في البنك، ولو كان القمام، أو الكناس، أو الزبال -مفهوم الكلام هذا! - أي: أقل موظف، فلذلك أي موظف في البنك من المدير إلى الكناس يشملهم هذا النص القرآني، ثم الحديث النبوي: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] (لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه) .
والآن يوجد في البنك أنواع من التعاون، فليست الأنواع محصورة بالكاتب والشاهد، فالآن ليس هناك حاجة للشهود أبداً؛ لأن الجماعة نظموا أمورهم على القانون الغربي الذي لا يحرم ولا يحلل، كما قال الله في القرآن الكريم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] .
والبحث في هذا طويل جداً، وهناك أنواع من الأحاديث رهيبة جداً، كلها تلتقي على نقطة هامة جداً، وهي أنه لا يجوز للمسلم أن يكون عوناً لغيره على ارتكاب منكر، وبهذا القدر الكفاية.
стр. 232
حكم بيع التورق (العينة)
السؤال
ما حكم بيع التورق، وهو أن يشتري الرجل بضاعة من غير نقد من التاجر وهو يريد النقد ثم يبيعها لغير التاجر نقداً بثمنٍ أقل؟
الجواب
الحقيقة هذه التسمية هي كتسمية الربا بالفائدة، التورق اسم مبتدع، أما الذي سماه الرسول ﵊ في الحديث السابق فهو العينة، والصورة كما سمعتم: رجل يريد مالاً، ولتفكك عرى المودة والمحبة بين المسلمين فلا يجد هذا المسلم من يقرضه قرضاً حسناً، فيذهب لا يريد أن يذهب إلى البنك؛ لأن هذا ربا مكشوف، أن يأخذ -مثلاً- ألفاً على أساس أن يوفيها بعد مدة مسماة ألفاً ومائة أو أقل أو أكثر، وإنما يذهب عند التاجر فيشتري منه حاجة بألف ليس بالنقد، وإنما كما يقولون اليوم: بالتقسيط، ثم بعد أن يشتريها بألف يعود فيبيعها للبائع له بثمانمائة، فيسجل عليه المقدار الذي اشتراه من قبل بألف وزيادة، ويأخذ مقابل الألف وزيادة ثمانمائة، هذا ربا، ويصح لي أن أقول: ألعن من الربا، لماذا؟ لأن الفرق شاسع جداً، ففي البنك تأخذ مائة على أن توفي مائة وخمسة أو مائة وعشرة، أما هنا فالفرق باهظ جداً، فهذا النوع من الاحتيال على ما حرم الله ، ولذلك فبيع العينة أو التورق هذا أشد حرمة من الربا المكشوف، لا نريد أن نبيح الربا المكشوف فهو ملعون كما سمعتم وحسبه إثماً، لكن الاحتيال على أكل الربا تلحق بصاحبه لعنة أخرى؛ لأنه: أولاً: يأكل الربا، فهو ملعون بنص الحديث السابق.
ثانياً: يحتال على أكل الربا، وهذه لعنة أخرى، من أين جاءت هذه اللعنة؟ من قوله ﵊: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه) الحديث أولاً: يشير إلى عقوبة كان الله فرضها على اليهود بسبب ظلمهم لأنفسهم، وتعديهم على شريعة ربهم، من ذلك كما قال : ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠] حرم الله على اليهود بسبب ظلمهم، وقتلهم الأنبياء بغير حق، حرم عليهم أشياء هي في أصلها حلال، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠] ، منها الشحوم، فقال ﵊ في الحديث السابق: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها) ما معنى جملوها؟ أي: أذابوها، وضعوها في القدور وأوقدوا النار من تحتها فساخت وذابت، فصارت في شكل آخر غير الشكل الأول، زين لهم الشيطان بأن تغيير الشكل يخرج المحرم إلى دائرة الحلال، وهذا لعب على الأحكام الشرعية واحتيال عليها، لذلك قال ﵊: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها -أي أذابوها- ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه) .
إذاً: أكل الربا محرم، والاحتيال على أكل الربا محرم مرة أخرى، وآكل الربا ملعون، والمحتال على أكل الربا ملعون مرة أخرى، لذلك فالتورق هذا أو بيع العينة لا يجوز مضاعفةً أولاً: لأنه يطعم الربا، وذلك البائع يأكل الربا.
وثانياً: لأنهما تواطأا واتفقا على استحلال ما حرم الله، فوقعا في نفس الحيلة التي وقعت اليهود فيها من قبل.
стр. 233
حكم بيع الإيشار
السؤال
ما حكم من يبيع الإيشار -الذي يوضع على الرأس يا شيخ- مع العلم أن الإيشار بيعه ليس محرماً للنساء اللاتي يخرجن فيه كاسيات عاريات، وكذلك الملابس الأخرى، وهو يرى المرأة التي تشتريه كاسية عارية؟
الجواب
أظن أن جواب هذا السؤال يفهم مما سبق بوضوح، ولكن قد يتطلب الأمر شيئاً من التوضيح، الشيء الذي يباع كالإيشار الوارد في السؤال، قد يستعمل فيما هو مباح وقد يستعمل فيما هو محرم، فهنا ينظر إلى الأمر بمنظارين اثنين: الأول: إذا كان الغالب على استعمال المبيوع هذا؛ سواءً كان الإيشار أو غيره، إذا كان استعماله فيما حرم الله فبيعه حرام، وإذا كان الغالب استعماله فيما أباح الله فبيعه حلال.
هذا المنظار الأول.
المنظار الثاني: ينظر إلى المبيوع له -إلى الشخص الذي يباع له- بنفس النظام السابق، فإذا كان يغلب على البائع أن هذا الشاري لهذه الحاجة يستعملها فيما حرمها الله، فبيعه إياها حرام وإلا فحلال، لا بد من هذا التفصيل؛ حتى لا يكون الإنسان واقعاً فيما حرم الله باسم أنه حلال أو على العكس تماماً.
стр. 234
معنى حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
السؤال
ما ترجمة حديث النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ؟
الجواب
أولاً: (لا يؤمن أحدكم) هذا النفي ليس نفياً للإيمان المطلق، بحيث أنه يعني: يكون كافراً إذا كان لا يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، وإنما المعنى: لا يؤمن إيماناً كاملاً، وبلا شك لا بد من أن يقيد الحديث لفظاً؛ لأنه ورد، ومعنىً؛ لأنه هو المعنى المقصود من هذه الرواية المشهورة، والرواية المشهورة في الحديث هي كما سمعتم آنفاً: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) هكذا الحديث في الصحيحين.
لكن جاء الحديث بزيادة موضحة للمعنى الذي لا ثاني له، وهو: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير) ، لأن الحديث على إطلاقه قد يشمل ما ليس خيراً، فمثلاً: رجل يشتهي أن يدخل السينما، فهو يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، لا.
هذا المعنى لا يرد في بال المسلم، لكن القيد الذي جاء في آخر الحديث وفي رواية صحيحة، كما يقال اليوم: هذه الرواية تضع النقاط على الحروف، تبين أن المقصود بهذه المحبة التي إذا لم تتوفر في قلب المسلم يكون إيمانه ناقصاً، وهو أن يحب لأخيه المسلم من الخير ما يحب لنفسه.
مثلاً: أنت عندك علم نافع، كالعلم بالكتاب والسنة، وبالتلاوة، وباللغة العربية، أي علم نافع، فأنت لا يجوز أن تتمنى أن تظل وحيداً في علمك هذا؛ بل يجب عليك أن تتمنى ذلك لكل مسلم؛ لأنه خير، فإن لم تفعل فإيمانك ناقص، وعلى ذلك فقس.
فمعنى إذاً: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير) إذا افترضنا مسلماً يرى جاراً له فقيراً، ثم يتمنى له أن يظل فقيراً معدماً، ولا يتمنى له من المال الذي أعطاه الله إياه، وهذا من طبيعة الإنسان كما قال رب الأنام في القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] ، الخير هنا هو المال، هذا الجار الغني حينما يرى جاره الفقير فقراً مدقعاً؛ عليه أن يتمنى له من المال مثل ما له، ولكن عطفاً على بحثٍ سبق: إذا كان كسبه من حرام فإياه أن يتمناه لجاره الفقير، وإنما قبل كل شيء يجب أن يتمنى لنفسه المال الحلال، ثم يتمناه للمسلم؛ حتى يصدق عليه هذا الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير) .
стр. 235
حكم العمل في مصانع الألعاب البلاستيكية المجسمة
السؤال
بارك الله فيكم: ما حكم العمل في شركة لصناعة الألعاب البلاستيكية وهي أشكال الحيوانات؟
الجواب
سبق الجواب عن هذا -بارك الله فيكم- لا توجهوا أسئلة متكررة، الألفاظ متغيرة والمعاني متحدة، هذا السؤال والذي قبله بقليل كله يلتقي مع مخالفة الآية الكريمة: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] صنع الدمى وألعاب الأطفال هذه لا يجوز صنعها إلا في بيت المسلم، فلا مانع من صنع ذلك؛ انطلاقاً أو تمسكاً بحديث عائشة.
أما صنعها والمتاجرة بها، وتعميمها في بيوت المسلمين، وبخاصة إذا كان صنعها فيه تقليد للكفار ولأذواقهم ولعاداتهم وتقاليدهم، فهذا بلا شك من أشد المحرمات في الإسلام، فلا يجوز أن يعمل في مثل هذه الشركة مؤمن يؤمن بالله ورسوله.
стр. 236
التوفيق بين العمل والقدر
السؤال
هل الزواج من الأمور المقدرة على الإنسان جبراً؟
الجواب
هذا سؤال قديم لكنه حديث في التعبير، هذا كمن يقول: هل السعادة والشقاوة مقدرة للعبد أم لا؟ أما الجواب العقلي والشرعي في آن واحد، فهو أن كل شيء بقدر، والزواج إما أن يكون زواجاً شرعياً أو أن يكون زواجاً بدعياً، فإن كان زواجاً شرعياً فهو خير، وإن كان زواجاً بدعياً فهو شرٌ، فهل الخير والشر مقدر على الإنسان؟ الجواب: نعم.
كل شيء بقدر، كما جاء في الحديث الصحيح: (كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس) ولكن إذا كان كل شيء بقدر حتى السعادة والشقاوة فلم العمل؟ لقد ذكروا للرسول هذا السؤال حينما أخبرهم بأن كل شيء مستطر، كل شيء مسجل، قالوا له: ففيم العمل؟ فأجابهم ﵊، وهذا هو الجواب الحكم الفصل الذي لا جواب بعده ولكن لمن فهمه، قال ﵊: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فمن كان من أهل الجنة فسيعمل بعمل أهل الجنة، ومن كان من أهل النار فسيعمل بعمل أهل النار، ثم قرأ قوله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] ) إذاً كل ميسر لما خلق له.
بالنسبة للسؤال السابق: من كان يريد الخير فيسعى إليه ويتزوج الزواج المشروع، ومن كان يريد الشر يسعى -أيضاً- إليه ويتزوج بزواج غير مشروع، كلٌ ميسر لما خلق له، لذلك لا يقولن أحدكم: إذا كانت السعادة مكتوبة لي فإذاً لماذا أنا أتعب نفسي وأصلي وأصوم وأنا سعيد؟ أو إذا كنت كتبت شقياً -لا سمح الله- لماذا -أيضاً- لا أتمتع بملاذ الحياة كلها ولا أتعب نفسي بصلاة وعبادة وصيام.
إلخ؟ الجواب: إن كنت صادقاً مع نفسك فقل كل شيء مثل السعادة والشقاوة، وسابقاً ذكرنا أن الرزق سيأتي، فلماذا تسعى وراء الرزق؟! والرزق -أيضاً- مما سجل كالسعادة والشقاوة، كل شيء مسطر، فلماذا تسعى وراء الرزق؟! لأنك تعلم أنك إن لم تسع لم يأتك، فهنا أنت معتزلي، أي: تؤمن بالأسباب، أما هناك فأنت جبري فيما يتعلق بالسعادة؛ لأنك لا تعمل؛ لأنه إن كان مكتوباً سعيد فأنت سعيد، وإن كان مكتوباً شقي فأنت شقي، وإن كان مكتوباً فقير فأنت فقير، فلماذا تسعى؟ لا بد من السعي، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء:١٨-١٩] لذلك لا بد من السعي وراء الخير، ولا بد من الابتعاد عن الشر، والله بحكمته قدر أن يعطي لكل إنسان ما يسعى إليه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] .
стр. 237
الإسلام وحكم المعازف والغناء
في هذه المادة أجوبة مفيدة لكلا الشيخين الجليلين الشيخ الألباني والشيخ ابن باز رحمهما الله عن حكم سماع الموسيقى، مع بيان أنها تدخل تحت لفظة المعازف التي نهى عنها النبي ﷺ في قوله: (ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) .
كما تضمنت أيضاً إجابات عن أسئلة أخرى منها ما يتعلق بهذا الموضوع، ومنها ما يتعلق بمواضيع أخرى.
стр. 238
حكم سماع الموسيقى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
السؤال
ما هو حكم سماع الموسيقى في الإسلام؟ وهل جاءت الأحاديث تحرم بعض الآلات الموسيقية؟
الجواب
هذا السؤال يتكرر كثيراً وحق له أن يتكرر؛ لأن المسلمين اليوم قد ابتلوا ببلاءين اثنين: بلاءٌ مادي، وبلاءٌ علمي.
أما البلاء المادي: فهو الذي أحياه اليوم جماهير المسلمين في بيوتهم، حيث لا يخلو بيت تقريباً إلا وفيه المذياع -الراديو- ويذاع بواسطة هذه الآلة ألوان وأشكال من أغانٍ ومن آلات موسيقية.
وأما البلاء العلمي: فهو أخطر، وذلك أنه يحاول كثير من الكُتّاب الإسلاميين أو المفتين أن يذللوا كل هذه المصائب والبلايا التي تنزل بالمسلمين، فيقولون: (يسروا ولا تعسروا) فيجب أن نعلم أن التيسير على الناس لا يكون على حساب الدين ومخالفة نصوصه، وإنما التيسير على الناس هو بتطبيق الإسلام؛ لأن الإسلام هو في أصوله وفي أسسه بني على اليسر، فإذا حرم الله ﵎ شيئاً فليس معنى ذلك أنه عسر علينا؛ لأنه حينما يحرم علينا أمراً ما فذلك لصالحنا في الدنيا قبل الأخرى.
فلما حرم علينا الآلات الموسيقية حرمها كلها على اختلاف أشكالها وأنواعها؛ سواءٌ ما كان منها معروفاً، أو ما جد اليوم مما لم يكن معروفاً؛ لأن هذه الآلات كلها: أولاً: تدخل تحت لفظة المعازف، وقد ذكرنا لكم مراراً حديث البخاري: (ليكونن في أمتي أقوامٌ يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، يمسون في لهوٍ ولعب، ويصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير) فهذا الحديث يفيد تحريم المعازف، وهي آلات الطرب -كما قلنا- كلها من ناحيتين: الناحية الأولى: قوله ﵇: (يستحلون) لأن معنى هذا اللفظ أن هذه الأشياء محرمة فهم يستحلونها، فيكون عقاب بعضهم في آخر الدنيا أن يمسخوا قردة وخنازير، كما مسخ اليهود من قبل، فقوله ﵇: (يستحلون) هذا يفيدنا تحريم كل هذه الأشياء التي ذكرت على نسقٍ واحد.
الحر: وهو الفرج، أي: الزنا.
الحرير: أي: الطبيعي.
الخمر: بأنواعه وأشكاله.
المعازف: كذلك بأنواعها وأشكالها.
كل هذه الأشياء محرمة، ويكون عقوبة من يستحلها أن يمسخوا، ولا يقال: ما سمعنا أنه وقع مسخ؛ لأن الحديث لا يعني أن كل من فعل ذلك مسخ، وإنما قال: ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون كذا وكذا يمسخون، ولا يعني أن كل من فعل ذلك مسخ.
وقد اتفقت الأئمة الأربعة وأتباعهم ممن بعدهم على تحريم آلات الطرب، وأجمع كتاب في ذلك لأحد علماء الشافعية وهو أحمد بن حجر الهيتمي، كتاب سماه: كف الرعاع عن السماع، جمع هناك كل ما ورد في هذا الباب، وفيه الصحيح والحسن والضعيف، فلذلك أنصح كل مسلم غيور على دينه ألا يستمع لآلات الطرب إطلاقاً.
وأنه إذا كان في داره عليه أن يمرن أهله كلما فتح الراديو فسمع موسيقى أنه إما أن يغلقه فوراً، أو يخفض صوته حتى لا يفوته من الأخبار إذا كان له برامج في الأخبار، وإلا فيحق فيهم قول أبي بكر الصديق لما دخل على بيت الرسول ﵇ وفيه جاريتان تغنيان غير هذا الغناء، تغنيان بغناء يوم بُعاث الذي وقع في الجاهلية بين الأوس والخزرج، ولأنهما كانتا تضربان عليه بدفٍ قال أبو بكر: [أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟] .
فماذا يقول أبو بكر لو سمع بهذه المعازف، التي لا يستطيع أن يذكر الآلات التي تجتمع لتطريب الناس -زعموا- إلا من كان خبيراً بهذا اللغو.
لذلك اتقوا الله ، ولا تفتنوا أنتم وأهلكم بسماع مثل هذه الآلات فكلها محرمة.
стр. 239
حكم سماع الأخبار إذا كان يتخللها شيء من الموسيقى
السؤال
أثناء نشرات الأخبار يتخللها أحياناً موسيقى، فهل يجوز سماع نشرة الأخبار؟
الجواب
يجوز سماع النشرات ولا يجوز سماع الأغنيات، فإذا كان يعرف الإنسان أو سمع صوت موسيقى فيجب أن يظل على الراديو قائماً، دائماً يطالبه بأن ينطق بالحق فقط، فكلما نطق بالباطل أسكته، المسلم هكذا يجب أن يعيش، أنا أعلم أن هذا أمرٌ صعب، ولذلك إذا دار الأمر بين القيام على هذا الأمر الصعب أو أن يخرج الراديو من بيته فيخرجه، كما كان يقول بعض الناس قديماً: إن هذا شيطان يجب إخراجه من البيت، فكنا نضحك منهم؛ لأنهم كانوا يطلقون الكلام، لكن الحقيقة أن الراديو ليس فيه شيطان واحد بل شياطين.
ولذلك إذا لم يتمكن المسلم التحرز من مثل هذه الشياطين، فكان عدم وجود الراديو في الدار أولى، وأولى منه بأن تخلو الدار من مثله هو التلفزيون؛ التلفزيون أثره وإضلاله للمبتلين برؤيته أكثر وأكثر بكثير، يكفي أنهم يأخذون الهجيع الأول من الليل في السهر أمام هذه المعروضات، وليس فيها شيء ينفع الناس، إلا ما ندر جداً والنادر لا حكم له، إنما العبرة بالغالب دائماً وأبداً، فلما كان الغالب اليوم على التلفزيون هو المنكر، وإضاعة الوقت والسهر؛ فلا يجوز إدخال التلفزيون في البيت، فهذا في اعتقادي جازماً.
أما الراديو فممكن التصرف فيه لكن بالشرط السابق، فإذا سمعت موسيقى فأوقفها مباشرة، واصبر إلى أن يأتي وقت نشرة الأخبار، فإذا جاءت فاسمع الأخبار، ولا بد من سماع الأخبار في اعتقادي حتى يعرف المسلم الجو والمحيط والزمن الذي يعيش فيه.
وقد لاحظ هذا علماؤنا القدامى ﵏، فذكروا في شروط المفتي أنه لا يجوز أن يكون مفتياً إلا أن يكون عارفاً بأحوال زمانه -انظروا مقدار دقتهم- (واليوم الأحوال التي تقع في الدنيا لا يمكن إحصاؤها ولا الاطلاع عليها إطلاقاً وأنت جالس في عملك، أو في مكتبتك، لا تتصل بالعالم إطلاقاً بوسيلة من هذه الوسائل المباح استعمالها، لذلك فالراديو إذا استعمله المسلم بهذا، مع القيام عليه -كما ذكرنا- فهذا أمر جائز، بل قد يكون أكثر من ذلك.
стр. 240
حكم سماع الأغاني وبيان أضرارها للشيخ ابن باز
كلام الشيخ/ عبد العزيز بن باز: هذا هو الواقع الآن! هذه الأغاني ضارة، وهي في التلفاز وفي الإذاعة وفي المسجلات وفي غير ذلك، هذا هو شأنها إلا ما شاء الله، فخطرها كبير وبلاؤها عظيم، فالواجب العلاج بأنجع وسيلة وبأنجع أسلوب، حتى يسلم الناس من شرها، وحتى يحل محلها ما أباح الله من الأشعار الطيبة الناشئة، والقصائد النافعة في لحون الرجال العرب لا في لحون النساء.
فيجب منع النساء منعاً باتاً، وأن تكون قصائد مفيدة في ألحان الرجال، وبلغة العرب، وبالألفاظ الواضحة البعيدة عن كل شر، وهي تحل محل الأغاني المنكرة، والأغاني الخليعة الفاسدة المفسدة.
وأما آلات الملاهي فكلها شر وكلها بلاء، وكلها محرمة بلا شك، وسمعتم ما أجاب به شيخنا عن العرضة النجدية، وأنها بالاسم المحلي حقيقتها تدرب على حمل السلاح والكر والفر، وهي من جنس ما فعل الحبشة في مسجد النبي ﵌، فإنهم لعبوا في المسجد بحضرة النبي ﵊ وبإقراره لهم، وكانوا يلعبون بحرابهم وهي رماحٌ قصيرة، وبالفئوس كراً وفراً؛ حتى يتدرب الناظر والعامل معهم على مثل هذا في الحروب، فكانت الحبشة لها رمي بالحربة، لها رجل شديد يؤثر في الجهاد.
فتدرب مثل هذا في الكر والفر وحمل السلاح كالبندقية والسيف والرماح والحراب، كراً وفراً، وتنوعاً في الرمي وتنوعاً في الكر والفر، هذا له وجهه وله أسلوبه، وله وجه شرعي، ولا حرج فيه ما لم يكن فيه اختلاط بالنساء، ولا فيه منكر آخر، فالحاصل أن ما يؤيد الله به الإسلام ويؤيد به المجاهدين فهو مطلوب بشرط ألا يكون من طريق الحرام، وبشرط ألا يكون فيه آلات محرمة، وبشرط ألا يكون فيه عمل محرم، فتستعمل الآلات الشرعية والآلات الحربية بالطرق الإسلامية، لا بالطرق الشيطانية، ولا بالطرق النسائية، ولا بالطرق المحرمة.
وما يقع من استعمال الرباب والعود والكمان والطبول وأشباه ذلك مع الأغاني كلها من المحرمات، وهي من المنكرات التي تشيع الشر والفساد في القلوب، ولهذا سمعتم قول ابن مسعود ﵁: [إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع] أي: ينبت بغض الحق وكراهيته، والتلذذ بالباطل، والتلذذ بالفواحش والمنكرات، ينبت في القلب هذا الشر، لأن النفاق أن تبطن خلاف ما تظهر، هذا ما يحدث، المنافق باطنه خراب وظاهره مع المسلمين.
وهذا حال المنافق الذي يكذب الله ورسوله، ويبغض الحق ويؤيد الباطل، وهو في الظاهر مع المسلمين؛ تقية أو لحظٍ عاجل أو لأسبابٍ أخرى يبتغي بذلك ما عند المسلمين، فيتظاهر بالإسلام وهو مع الكفار في الباطن، فالأغاني والملاهي تنبت هذا النفاق والعياذ بالله! تنبت في القلوب كراهية الحق، وكراهية القرآن، ومجالس الذكر ومجالس العلم، وكراهية العبادات والصلوات، والرضا بكل فسقٍ وكل بلاء، هذا من آثارها في القلوب، حتى يقسو القلب ويسود، وحتى ينحرف عن الهدى، نسأل الله السلامة والعافية.
فالواجب عليك - أيها المسلم- أن تتقي الله أينما كنت، وأن تحذر أسباب الهلاك، وأن تحذر ذلك من حولك من أهلٍ وأولادٍ وجيرانٍ وغيرهم، وأن تعين على الحق أينما كنت، وأن تعين على ترك الباطل أينما كنت، وأن تكون صادقاً في ذلك، لا تخف في الله لومة لائم، وعليك أن تحمل السلاح دائماً، وعليك بالجهاد، أي: أن تنكر المنكر، وأن تدعو إلى الحق، وأن تكون أبداً في جهاد وفي صبر ومصابرة لإقرار الحق والدعوة إليه، بكلامك الطيب وأسلوبك الحسن، لا بالعنف والشدة، بل تكون مجاهداً في قولك وجهادك ودعوتك إلى الله وأمرك بالمعروف وإنكارك المنكر؛ فإن الدعوة إلى الله جهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاد، وهذا سلاح المؤمن الذي ينفع الله به العباد، ليس السلاح السيف والبندق فقط، لا الدعوة سلاح ينفع الله به العباد، بالحكمة، والكلام الطيب، والأسلوب الحسن، وإقامة الأدلة، كما قال الله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] .
فلا تيأس، ولا ينبغي اليأس، بل ينبغي للمؤمن أن يكون دائماً حريصاً على الحق، طالباً له، داعياً إليه، راغباً فيه، معجباً به، لا يقول: هذا قد فرط وانتهى الأمر وهلك الناس، لا.
الناس فيهم خير وفيهم بقية محبة للخير، وبقية رغبة في الحق، فعليك أن تشارك في الخير، وأن تحذر الباطل، وأن تحذر من الباطل، وألا تيأس من إقامة الحق، ومن القضاء على الباطل منك ومن إخوانك ومن دولتك، ومن سائر إخوانك المسلمين، بالتعاون على البر والتقوى، وبالتواصي بالحق والصبر عليه.
وإذا يئس الناس وأخذوا بالبطالة، وأخذوا باليأس؛ ساد المنكر وانتشر، وقل الخير ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولكن ما داموا يشعرون بواجب، وما داموا يعملون ويكافحون فإن الشر ينقص، ولا يخفى ما وجد الآن -بحمد الله- من الحركات الإسلامية الكثيرة في الشباب وغير الشباب، وهذا يبشر بخيرٍ كثير، وهناك حركاتٌ أخرى شيطانية خبيثة تدعو للشر، فالواجب الكفاح، والواجب تأييد الحق ومن قام به، والحرص على كف الباطل ومن قام به، والقضاء عليه حسب الطاقة والإمكان، بالتعاون على البر والتقوى، وبالتواصي بالحق والصبر عليه.
وهكذا مناصحة ولاة الأمور، ومناصحة أعيان البلاد، ومناصحة من تستطيع أن تنصحه؛ لأن الدين النصيحة، لا تيأس ولا تقل: هذا أمر قد انتهى، بل عليك بالنصيحة والتوجيه إلى الخير، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٧] .
فعلينا أن ننصح لله ولعباد الله، يقول الله سبحانه في أوصاف الرابحين وفي أوصاف الناجين: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١-٣] .
هذه صفات الرابحين، وهذه العناصر الأربعة هي أصول النجاة، وهي أسباب السعادة، وهي أصول صلاح المجتمع، وكل مجتمع مستقيم على هذه الأصول الأربعة: الإيمان بالله ورسوله، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر؛ فهو مجتمع صالح ومجتمع سعيد ورابح، وإذا تخلى المجتمع عن هذه الأصول الأربعة أو بعضها؛ تأتي إليه الخسارة من كل جانب، ولا حول ولا قوة إلا بالله! نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق، وجزى الله أصحاب الفضيلة عنا خيراً، ونفعنا جميعاً بما سمعنا وعلِمنا، ورزقنا جميعاً وإياكم صلاح القلوب وصلاح الأعمال والهداية إلى خير طريق، كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا إلى رضاه، وأن يعينهم على قمع الباطل، وعلى إظهار الحق، وعلى إصلاح الأوضاع، ويصلح لهم البطانة، ويوفقهم لكل خير ويعينهم عليه، وأن يعيذهم من كل شر، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.
стр. 241
التحذير من الرسائل البريدية الداعية إلى الفجور والدعارة
السؤال
سماحة الشيخ! يصلكم مع هذه الورقة رقم تليفون مدرس للموسيقى الغربية، يوجد له إعلانات خاصة موجودة في البقالات في منطقة السليمانية والعليا بـ الرياض، نرجو اتخاذ اللازم خوفاً من أن يكون هذا المدرس له اتجاهات ونشاطات أخرى، وعنوان البقالة موجودٌ خلف هذه الورقة، وصندوق البريد والتليفون موجود بها هذا شيء، والشيء الآخر: هنا رسالة في مظروف مكتوب عليه بالإنجليزي: إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، هذه الرسائل ترد بالبريد إلى شباب المسلمين، ويقوم بفرزها مسئول البريد، وهذه الرسائل تدعو إلى الاشتراك بنوادي الفجور والدعارة، وأنتم تعرفون مدى هذه الرسائل، فهل نجد عندكم لها حلاً يحمي أبناء المسلمين؟ جزاكم الله خيراً.
الجواب
هذه الرسائل من النصارى وغيرهم لها مدة طويلة، وقد أُبلغ المسئولون بها غير مرة، ولهم بها جهود نسأل الله أن يعينهم في محاربتها والقضاء عليها، ولا شك أن النصارى واليهود وسائر الكفرة لهم نشاط متواصل في إضلال الناس اتباعاً للشيطان، وهم من شياطين الإنس، وشياطين الإنس قد يكونون في بعض الأحيان أقوى وأشد خطراً من شياطين الجن، نسأل الله العافية.
فينبغي لكل مؤمن أن يحذر شر شياطين الإنس، كما يحذر شياطين الجن أو أكثر، وأن يستعين بالله من شر الجميع، وأن يبذل وسعه في محاربة دعوتهم الباطلة، والتعاون مع إخوانه في مضادتها ومحاربتها، أكثر مما يتعاون أهل الباطل على نشر باطلهم؛ فإن النصارى وغيرهم عندهم تعاون كبير على نشر باطلهم والدعوة إليه، فالواجب على أهل الإسلام أينما كانوا أن يكون نشاطهم أكبر في محاربة الباطل والقضاء عليه، ومحاربة أسبابه ووسائله، نسأل الله للجميع العون والتوفيق والهداية.
стр. 242
معنى حديث: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)
السؤال
نرجو إيضاح وبيان معنى قوله ﵌: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) وما المقصود بذلك؟
الجواب
قد بيّن العلماء ذلك ومعناه: أن يحسن القارئ صوته بالقرآن ويجهر به، أما كونه يقرأ قراءة ليس فيها تحزن ولا تخشع، وما لها أثر في القلوب فلا يصح، فينبغي للقارئ أن يحسن صوته ويتلذذ بالقراءة ويجهر بها إذا كان حوله من يستمع، ولهذا قال النبي ﵌: (زينوا أصواتكم بالقرآن) هكذا جاء الحديث.
فتحسين الصوت بالقراءة، وتجويد القراءة، والتلذذ بالقراءة، والتخشع فيها، مما يؤثر على القارئ ويؤثر على غيره في سماعه كتاب الله، وقد مر النبي ذات ليلة على أبي موسى الأشعري وهو يقرأ، وكان الأشعريون لهم صوت حسن في القرآن ﵃، فلما مر النبي ﵌ على أبي موسى وهو يقرأ سمع له فقال عند ذلك: (لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود) فلما أصبح وجاء أبو موسى أخبره النبي بذلك، فقال: (يا رسول الله! لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً) .
فالمقصود بأن تحسين الصوت بالقراءة له أثر عظيم، فينبغي للقارئ أن يلاحظ هذا، ولهذا جاء في الحديث: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) قال العلماء: يحسن صوته به، ويزين صوته، ويتلذذ ويتخشع جاهراً به، إذا كان عنده من يسمع ويستمع له، أو كان يتلذذ بذلك ويتأثر به.
стр. 243
حكم تصوير ما لا روح فيه
السؤال
هل يجوز تصوير ما لا روح له، كتصوير الأشجار والمباني والمياه؟ وهل على المصور ذنب في ذلك؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
الجواب
هذا يذكِّر بما ذكره الإخوان في ندوة عن التصوير، ينبغي لأهل الأعراس أن يحذروا أن يمكنوا أحداً من تصوير النساء، وقد بلغني أن بعض الناس قد يصور النساء في الأعراس، فهذا منكر عظيم -نعوذ بالله- أن يسجل في الأفلام وغير الأفلام وقد ينشر هنا وهنا، وهذا شره عظيم، فلا يجوز أن يمكن من تصوير النساء لا امرأة ولا رجل، يجب الحذر من هذا، وإذا كان في العرس من تصور فيجب أن تخرج، وأن تمنع من الحضور؛ لأن هذا شرٌ كبير، قد تندس بين النساء امرأة تصور حتى تبيع الأفلام بمبالغ كبيرة، نعوذ بالله من ذلك! فيجب الحذر من هذا، ولا يجوز تصوير العروس والزوج أيضاً؛ لأن هذا منكر عظيم، وفساده كبير، فالتصوير نفسه محرم، وإذا كانت العروس والنساء في زينة كان أشد وأخطر وأعظم، نسأل الله العافية! فيجب الحذر من هذا البلاء غاية الحذر، سواء من النساء أو من الرجال، أما تصوير جبل وشجرة فلا يضر، وهذه من الجمادات، وقد قال ابن عباس: [إن كنت لا بد فاعلاً فالشجر والحجر] .
стр. 244
التحذير من مقولة: إن الكافر أحسن من المسلم
السؤال
لقد شاع بين الناس في هذا الزمان وخاصة أصحاب الأعمال كلمة: إن الكافر أحسن من المسلم.
وهذا غير صحيح، حتى إن معظم الشركات أصبحت تقتصر على الكافرين دون المسلمين، وهذا شيء خطير، نرجو من سماحتكم تعميم خطبة جمعة؛ حتى تكون كافية للرد على مثل هؤلاء الجهلاء، الذين يعتنقون الإسلام اسماً، وحتى يعلم الجميع خطر هذه الكلمة، خاصة أن خطبة الجمعة يحضرها كل الناس.
الجواب
هذا تقدم في المحاضرة الماضية للشيخ/ صالح الفوزان، وقد نبه على هذا الأمر، وأن ما يقول بعض الناس: إن الكافر أحسن من المسلم، أو إن النصارى أحسن من المسلمين، هذا ردة عن الإسلام -والعياذ بالله- وشره عظيم.
من قال: إن الكفار أحسن من المسلمين، فقد شابه اليهود في قولهم للكفرة: أنتم أهدى سبيلاً من محمدٍ وأصحابه، هذا منكر كبير، وإن كان الكافر قد يجتهد في تجديد بضاعته، وتسويق سوقه، لكن عنده من الكفر والضلال والفساد العظيم ما يزيد على خبثه وضلاله وفساده، وأنه من أنجس العباد ومن شرهم.
فالمسلم وإن كان عنده شيء من المعاصي فهو أفضل بكثير من الكافر؛ لأن عنده إيماناً بالله ورسوله، وعنده توحيد الله، فهو خير من الكافر من وجوه كثيرة، وإن كان عنده بعض المعاصي، فالإسلام ينهاه عن المعاصي، وينهاه عن الخيانة، وينهاه عن الكذب، لكن ليس الكفار أحسن منه! بل هو أحسن وأهدى سبيلاً من الكفار، وإن كان عنده ما عنده من المعاصي، والواجب على المسلم أن يتقي الله، وأن يحذر من المعاصي والكذب والخيانة.
وإذا كان الكافر قد يجتهد في الصدق، أو في تحسين البضاعة، أو في جودة الصنعة، لحظه العاجل ولدنياه العاجلة، فأنت -أيها المسلم- يجب عليك أن تجتهد في هذه الصنعة بالأمانة وعدم الخيانة، وبالصدق وعدم الكذب، حتى لا تفتح باباً للشر على المسلمين، بل يجب عليك أن تحذر غاية الحذر من كل ما حرم الله ، لكن لا يجوز لأحدٍ من المسلمين أن يقول: إن الكفار أحسن من المسلمين، أو أهدى من المسلمين، أو أصدق، هذا كله باطل ومنكرٌ عظيم، ومن قال هذا بإطلاق فقد كفر نسأل الله العافية، هذا بلاء عظيم أعوذ بالله! ثم لا يجوز توريد الكفار لهذه الجزيرة، ولا يجوز استخدامهم للخدمة، سواء كانوا نساء أو رجالاً؛ لأن هذه الجزيرة يجب أن تتطهر من الكفرة، يبعد عنها الكفار، ولا يستورد لها ولا يستخدم لها إلا مسلمون، مع التحري -أيضاً- في المسلمين والحذر، حتى لا يستخدم إلا مسلمٌ طيب ومسلمة طيبة عند الحاجة إلى ذلك.
أما استخدام اليهود أو النصارى أو البوذيين أو غيرهم من الكفرة، فهذا كله منكر لا يجوز في هذه الجزيرة، الرسول ﵊ أوصى بإخراج المشركين من الجزيرة، وقال: (لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى منها حتى لا أدع إلا مسلماً) .
ثم أوصى بذلك عند موته ﵊، فالمقصود أن هذه الجزيرة هي حمى الإسلام، وهي مهد الإسلام، لا يجوز أن يكون فيها دينٌ ثانٍ، بل لا يبقى فيها إلا دينٌ واحد، ولا يجوز استقدام الكفرة إليها، اللهم إلا عند الضرورة من طريق ولاة الأمور في شيء ينفع المسلمين، وفي ضرورة للمسلمين كمهندس يحتاج إليه أو طبيب بصورة قليلة نادرة عند الضرورة، كما أقر النبي ﵌ اليهود في خيبر لحاجة، ثم أجلاهم عمر بعدما أوصى النبي ﵊ بإخراجهم.
المقصود أن هذا أمرٌ خطير جداً يجب الحذر منه، ولا يجوز أن تبنى فيها الكنائس، ولا أن تفتح فيها مدارس للنصارى، وإن فعل هؤلاء المقصرون وتساهل بعض الأمراء، فعملهم ليس بحجة.
стр. 245
ضرورة الإنكار بشدة على المنكرات والتحذير من التساهل
السؤال
يا شيخ! غفر الله لك، بالنسبة للشيخ الطنطاوي سأله سائل في برنامج نور على الدرب: أنهم أتوا بمغنية ودفعوا لها مبلغاً من المال وقدره خمسون ألفاً، هل هذا حلال أم حرام؟ فما كان الجواب منه إلا أن قال: لو أن أم كلثوم جاءت وغنت ما ربحت هذا المبلغ في ليلة واحدة، فهل هذه إجابة كافية؟
الجواب
هذا في الحقيقة فيه نوع من التساهل، ويجب إنكار ذلك الأمر؛ لأنه عمل قبيح شنيع.
стр. 246
بيان حقيقة الإسلام
السؤال
الصحابة رضوان الله عليهم عندما اعتنقوا الإسلام قولاً وعملاً كانوا أسياد العالم، وبعض المسلمين اليوم يتكلمون في أشياء لا تتعلق بالإسلام؛ لأنهم في حقيقتهم لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، فما تعليقكم على هذا؟
الجواب
أرى أنه لا بد من الوقوف عند هذه الكلمة: الإسلام، وأسلم فإن كثيراً من الناس اليوم ممن ينتمون إلى الإسلام ويسمون بالمسلمين، كثيرون منهم لا يعرفون حتى اليوم حقيقة إسلامهم، وإذا كان الرسول ﵌ يهنئ من هدي للإسلام، فمعنى هذا أنه يشير إلى أنه قد هدي إلى أكبر نعمة معنوية روحية، فما هو هذا الإسلام؟ لا بأس أن أروي لكم حديثاً هو معروف عند بعضكم، ومجهول أو -على الأقل- غير معروف كثيراً عند آخرين منكم، وفيه عبرة، وفيه موعظة، وفيه بيان لهذا الذي نحن في صدده ألا وهو الإسلام.
ذلك الحديث هو المعروف عند علماء الحديث بحديث جبريل ﵊ الذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄، الذي لما يرويه عن أبيه حيث قال: حدثني عمر (أنه كان في مجلسٍ مع النبي ﵌، إذ جاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﵌، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، ثم قال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام.
قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال السائل: صدقت، قال عمر: فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة.
قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها.
قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال عمر: ثم لبثنا ملياً -أي: طويلاً، وفي رواية: ثلاثة أيام- ثم قال ﵊: أتدرون من السائل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال ﵊: ذاك جبريل جاءكم يعلمكم دينكم) .
التعليق على هذا الحديث يطول في الكلام، فهو شيء هام جداً، ولكننا لسنا بهذا الصدد، وإنما سقناه لأمرين اثنين: الأول: تذكيراً لكم به.
والثاني: ربطاً للجواب على السؤال الأول، لما جاء في هذا الحديث ذكر من أسلم ومن هدي للإسلام، حيث سأل جبريل ﵊، وهو قد تصور بصورة إنسان، جاء إلى مجلس الرسول ﵊، ويبدو أنه كان في المجلس شيءٌ من الوجوم وعدم الانطلاق في البحث والعلم؛ ذلك لأن قوله ﵊ في آخر الحديث من الرواية السابقة: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم) .
وقد جاء في رواية أخرى في صحيح مسلم أيضاً، ولكن من رواية أبي هريرة وليس من رواية عمر قال: (هذا جبريل أتاكم يريد أن تعلموا إذ لم تسألوا) الشاهد هنا (أتاكم يريد أن تعلموا -أي: أن تتعلموا- إذ لم تسألوا) فما دام أنكم واجمون وساكتون ولا تسألون، فقد بعث الله رسوله جبريل ﵇ إليكم ليعلمكم طريقة السؤال والجواب.
وهذا الحديث الصحيح من أدلة كثيرة على أن من طرق تعليم العلم في الإسلام طريقة السؤال والجواب، وليس كما يتوهم الكثيرون اليوم الذين لا علم عندهم بالإسلام، أن هذه الطريقة من السؤال والجواب هي طريقة ورقية أجنبية، بل هي طريقة إسلامية شرعها الله بواسطة جبريل ﵊، حين أرسله إلى النبي ﵌، ويجلس بين يديه جلوس المتعلم أمام المعلم، قد ألصق ركبتيه بركبتيه، ووضع كفيه على فخذي الرسول، يظهر للناس الحاضرين اهتمامه بالعلم، وما به من حاجة إلى العلم، ولكنه يريد أن يعلم أولئك الذين لم يسألوا رسول الله ﵌ عما هم بحاجة إليه من علم، فقال ﵊ -وهو الشاهد من هذا الحديث- في بيان الإسلام الذي سأل جبريل عنه: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وهذا بمعنى الحديث المشهور المتفق عليه بين الشيخين من حديث ابن عمر نفسه: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) إلى آخر الحديث.
فقد بين الرسول صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث أن الإسلام هو: أن تشهد أن لا إله إلا الله، ومعنى أن تشهد أن لا إله إلا الله، هو كما جاء -أيضاً- في رواية أخرى: أن تعبد الله وحده لا شريك له.
(لا إله إلا الله) معناها: أن تعبد الله وحده لا شريك له، هذا المعنى مأخوذ من الرواية الأخرى التي أشرت إليها آنفاً، إنما المعنى المتوارث التقليدي المعروف عند علماء المسلمين قاطبة هو قولهم، وقولهم حق: معنى (لا إله إلا الله) : لا معبود بحقٍ في الوجود إلا الله، هذا المعنى صحيح، ونحوه الرواية الأخرى لما سئل عن الإسلام أجاب ﵊: (أن تعبد الله وحده لا شريك له) .
ومعنى هذا وذاك: أن الذي أسلم قديماً أو حديثاً أو وراثة، وهو من جهة أخرى يعبد غير الله بأي عبادة من العبادات المعروفة للإسلام فليس مسلماً، ولم يُهدَ للإسلام، فلا طوبى له، كل من عبد سوى الله فليس مسلماً، ولو قال: لا إله إلا الله، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ لأنه قد أخل بالركن الأول من أركان الإسلام الخمسة، وهي: أن تشهد أن لا إله إلا الله، أي: ألا تعبد إلا الله، ولا تشرك به شيئاً.
ولخطورة هذا الموضوع؛ لأنه من العقيدة بل هو أس العقيدة، لاسيما أني أرى في كل يوم وجوهاً جديدة، وأفترض بل أقطع بأن هناك من لم يسمع مطلقاً بحثاً في مثل هذا الموضوع الهام، الذي يجب على كل مسلم قبل أن يقلد أباه وجده في الصلاة والصيام أن يعرف ما هو الإسلام، ثم بعد أن يعرف أن يؤمن به إيماناً جازماً، وبعد ذلك ينطلق إلى العمل لبقية أركان الإسلام.
قد يظن بعض الناس بل قد يتساءل: ما فائدة هذا الكلام؟ وهل هناك من المسلمين من لا يعبدون الله وحده؟ هل فيهم من يشرك بالله شيئاً، والحديث يفسر الإسلام: أن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئاً؟ نقول: مع الأسف الشديد هناك كثيرون وكثيرون جداً يعبدون مع الله غيره، ويشركون به أشياء، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يظن هؤلاء الناس بأن الشرك الذي حذر منه الرسول ﵇ في هذا الحديث، وجعله مبايناً للتوحيد ولشهادة لا إله إلا الله، هو: أن يعبد إلهاً مع الله كما يعبد الله تماماً، وذلك بأن يصلي له، وأن يصوم له، وأن يحج له، وأن يعبده بكل شيء هو لله وحده! هكذا يتوهمون، وليس الأمر كذلك، إن الشرك أخطر من هذه الدائرة الواسعة.
إن إنساناً إذا عبد الله حياة نوحٍ ﵊، ثم نادى غير الله يوماً ما، في ساعة ما، دعاه دون الله، بل دعاه مع الله؛ فقد أشرك مع الله وحبط عمله، كما قال : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] .
دعاه من دون الله كأن يقول كما تسمعون كثيراً: يا باز! هذا دعاء من دون الله، دعاه مع الله فقال له: يا باز! هذا دعاء مع الله، ولو كان الأمر بالذوق فقط لقلت: إن مناداة غير الله مع الله أقبح، وانتبهوا لما أقول: لو كان الأمر بالذوق -والآن الأمر واحد؛ لأنه كله شرك- لقلت: إن مناداة عبد من عباد الله لا يسمع ولو سمع لا يستجيب، مناداته مع الله أقبح من أن ينادى من دون الله؛ لأن ذكر هذا العبد مع الرب قد يشعر بأن الله وحده لا يكفيه ولا يغنيه، بينما لو نادى العبد وحده فهذا المفهوم الخاطئ لا يخطر في البال، وهو لا شك أشرك حينما نادى الباز، لكن حينما قال: يا الله! يا باز! كأنه يشعر أو يؤكد بأن الله غير كافٍ عبده، فهو يقول: وكأنه يستدرك، يا الله! يا باز! كأن مناداة الله لا تكفي، فيستغيث بعبد الله الملقب عندهم بالباز.
فهؤلاء الذين ينادون غير الله لم يفقهوا الإسلام الذي ينبغي أن يكونوا عليه، فإذا ما رزقوا كفافاً كان لهم طوبى وحسن مئاب.
لذلك يجب عليكم جميعاً أن تهتموا بفهم كلمة التوحيد التي ينبني عليها علم التوحيد كله، على أساس ما كان عليه السلف الصالح من الكتاب والسنة، حتى إذا ما جاءت بشرى لنا كهذه التي بين أيدينا الآن كنا أهلاً لها.
أما من كان في قلبه شيءٌ من الشرك -والعياذ بالله- فلا تفيده هذه البشرى، بل لا تفيده كل أعماله الصالحة، كما قال ربنا في القرآن، في حق المشركين، ولا محاباة عند رب العالمين، لا فرق بين مشرك يقول (لا إله إلا الله) بلسانه، ولما يدخل الإيمان إلى قلبه، وبين نصراني أو يهودي أو مجوسي أو ملحد، وكل هؤلاء مشركون، وكلهم يدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] .
لذلك نحن نحمد الله أن جعلنا مسلمين ولو بالوراثة، ولكن الحمد الكامل أن نسعى إلى أن نتفقه في الدين، وأول ذلك وأصله وأسَّه أن نعرف هذا الإسلام الذي أصبح مجهولاً عند جماهير المسلمين اليوم، فلا غرابة أن يصبحوا أذلاء، يخشون من كانوا من قبل أذل الأمم، فلا يستطيعون أن يخرجوهم من بلادنا، لا نقول: من بلادهم؛ ذلك لأن هذا العدد الضخم من المسلمين الذي يبلغ ثمانمائة مليوناً أو يزيد، هم كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: (تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل) .
لماذا هذا
стр. 247
حكم تعدد الجماعات الحزبية
إن التحزب والتكتل في جماعات مختلفة الأفكار ومختلفة المناهج والأساليب ليس من الإسلام في شيء، بل ذلك مما نهى عنه ربنا في أكثر من آية في القرآن الكريم قال تعالى: (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) .
لذلك فالواجب على كل مسلم أن يحرص على أن يكون من الفرقة الناجية، وليس هناك حزب فالح إلا حزب الله ﵎.
стр. 248
حكم الشرع في تعدد الجماعات والأحزاب والتنظيمات الإسلامية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فهذا سؤال لشيخنا العلامة الشيخ/ ناصر:
السؤال
ما هو حكم الشرع في تعدد الجماعات والأحزاب والتنظيمات الإسلامية، مع أنها مختلفة فيما بينها، في مناهجها، وأساليبها، ودعواتها، وعقائدها، والأسس التي قامت عليها، وخاصة أن جماعة الحق واحدة كما دل الحديث على ذلك؟
الجواب
لنا كلمات كثيرة وعديدة حول الجواب عن هذا السؤال، ولذلك نوجز الكلام فيه ونقول: لا يخفى على كل مسلم عارف بالكتاب والسنة، وما كان عليه سلفنا الصالح ﵃، أن التحزب والتكتل في جماعات مختلفة الأفكار أولاً، والمناهج والأساليب ثانياً، ليس من الإسلام في شيء، بل ذلك مما نهى عنه ربنا في أكثر من آية في القرآن الكريم، منها قوله : ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١-٣٢] وربنا يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] .
فاستثنى الله ﵎ من هذا الاقتباس -الذي لا بد منه كونياً وليس شرعياً- الطائفة المرحومة حين قال: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٩] .
ولا شك ولا ريب أن أي جماعة تريد بحرص وإخلاص لله أن تكون من الأمة المرحومة المستثناة من هذا الخلاف الكوني، فلا سبيل للوصول إلى ذلك وتحقيقه عملياً في المجتمع الإسلامي إلا بالرجوع إلى كتاب الله ، وإلى سنة الرسول ﵊، وإلى ما كان عليه سلفنا الصالح ﵃.
стр. 249
سلوك الطريق المستقيم طريق الفرقة الناجية
ولقد أوضح رسول الله ﵌ المنهج والطريق السليم في غير ما حديث صحيح، فقد جاء في حديث عنه ﵌ (أنه خط ذات يوم على الأرض خطاً مستقيماً، وخط حوله خطوطاً قصيرة عن جانبي الخط المستقيم، ثم قرأ قوله ﵎: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] ومر بإصبعه على الخط المستقيم وقال: هذا صراط الله، وهذه طرق عن جوانب الخط المستقيم، وعلى رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليه) ولا شك أن هذه الطرق القصيرة هي التي تمثل الأحزاب والجماعات العديدة.
ولذلك فالواجب على كل مسلم حريص على أن يكون حقاً من الفرقة الناجية أن ينطلق سالكاً الطريق المستقيم، وألا يأخذ يميناً ويساراً، وليس هناك حزبٌ ناجح إلا حزب الله ﵎، الذي حدثنا عنه القرآن الكريم: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢] فإذاً كل حزب ليس هو حزب الله فإنما هو من حزب الشيطان وليس من حزب الرحمن.
ولا شك ولا ريب أن السلوك على الصراط المستقيم يتطلب معرفة هذا الصراط المستقيم معرفةً صحيحة، ولا يكون ذلك بمجرد التكتل والتحزب الأعمى على كلمة هي كلمة الإسلام الحق؛ لكنهم لا يفقهون من الإسلام إلا شيئاً قليلاً، فلا يكون التحزب الصحيح الفالح إلا بمعرفة هذا الإسلام كما أنزله الله ﵎ على قلب محمد ﵊.
стр. 250
اتباع الصحابة من علامات الفرقة الناجية
لهذا كان من علامة الفرقة الناجية التي صرح النبي ﵌ بها حينما سُئل عنها فقال: (هي ما أنا عليه وأصحابي) فإذاً هذا الحديث يشعر الباحث الحريص على معرفة صراط الله المستقيم، أنه يجب أن يكون على علم بأمرين اثنين هامين جداً جداً: الأول: ما كان عليه الرسول ﵌، والآخر: ما كان عليه أصحابه ﵊؛ ذلك لأن الصحابة الكرام هم الذين نقلوا إلينا -أولاً- هديه ﵌ وسنته، وثانياً: هم الذين أحسنوا تطبيق هذه السنة تطبيقاً عملياً، فلا يمكننا أن نعرف معرفة صحيحة سنة النبي ﵌ إلا بطريق أصحابه.
ومعلوم لدى أهل العلم أن السنة تنقسم إلى: سنة قولية، وفعلية، وتقريرية، فالسنة القولية تعريفها هو: ما نقله الصحابي من قوله ﵇، والسنة الفعلية: ما نقلوه عنه ﵌ فعلاً، أما السنة التقريرية فهي: ما نقلوه عن بعضهم وليس عن النبي ﵌، لكن رسول الله رأى ذلك الفعل وسكت عنه، هذا السكوت ليس من قوله ﵇ وليس من فعله وإنما من إقراره.
следующие страницы →