← Джавами‘

Джавами‘ · id 7682

دروس للشيخ الألباني

ناصر الدين الألباني

Полный текст (552 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بيان حقيقة الإسلام السؤال الصحابة رضوان الله عليهم عندما اعتنقوا الإسلام قولاً وعملاً كانوا أسياد العالم، وبعض المسلمين اليوم يتكلمون في أشياء لا تتعلق بالإسلام؛ لأنهم في حقيقتهم لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، فما تعليقكم على هذا؟ الجواب أرى أنه لا بد من الوقوف عند هذه الكلمة: الإسلام، وأسلم فإن كثيراً من الناس اليوم ممن ينتمون إلى الإسلام ويسمون بالمسلمين، كثيرون منهم لا يعرفون حتى اليوم حقيقة إسلامهم، وإذا كان الرسول ﵌ يهنئ من هدي للإسلام، فمعنى هذا أنه يشير إلى أنه قد هدي إلى أكبر نعمة معنوية روحية، فما هو هذا الإسلام؟ لا بأس أن أروي لكم حديثاً هو معروف عند بعضكم، ومجهول أو -على الأقل- غير معروف كثيراً عند آخرين منكم، وفيه عبرة، وفيه موعظة، وفيه بيان لهذا الذي نحن في صدده ألا وهو الإسلام. ذلك الحديث هو المعروف عند علماء الحديث بحديث جبريل ﵊ الذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄، الذي لما يرويه عن أبيه حيث قال: حدثني عمر (أنه كان في مجلسٍ مع النبي ﵌، إذ جاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﵌، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، ثم قال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال السائل: صدقت، قال عمر: فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال عمر: ثم لبثنا ملياً -أي: طويلاً، وفي رواية: ثلاثة أيام- ثم قال ﵊: أتدرون من السائل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال ﵊: ذاك جبريل جاءكم يعلمكم دينكم) . التعليق على هذا الحديث يطول في الكلام، فهو شيء هام جداً، ولكننا لسنا بهذا الصدد، وإنما سقناه لأمرين اثنين: الأول: تذكيراً لكم به. والثاني: ربطاً للجواب على السؤال الأول، لما جاء في هذا الحديث ذكر من أسلم ومن هدي للإسلام، حيث سأل جبريل ﵊، وهو قد تصور بصورة إنسان، جاء إلى مجلس الرسول ﵊، ويبدو أنه كان في المجلس شيءٌ من الوجوم وعدم الانطلاق في البحث والعلم؛ ذلك لأن قوله ﵊ في آخر الحديث من الرواية السابقة: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم) . وقد جاء في رواية أخرى في صحيح مسلم أيضاً، ولكن من رواية أبي هريرة وليس من رواية عمر قال: (هذا جبريل أتاكم يريد أن تعلموا إذ لم تسألوا) الشاهد هنا (أتاكم يريد أن تعلموا -أي: أن تتعلموا- إذ لم تسألوا) فما دام أنكم واجمون وساكتون ولا تسألون، فقد بعث الله رسوله جبريل ﵇ إليكم ليعلمكم طريقة السؤال والجواب. وهذا الحديث الصحيح من أدلة كثيرة على أن من طرق تعليم العلم في الإسلام طريقة السؤال والجواب، وليس كما يتوهم الكثيرون اليوم الذين لا علم عندهم بالإسلام، أن هذه الطريقة من السؤال والجواب هي طريقة ورقية أجنبية، بل هي طريقة إسلامية شرعها الله بواسطة جبريل ﵊، حين أرسله إلى النبي ﵌، ويجلس بين يديه جلوس المتعلم أمام المعلم، قد ألصق ركبتيه بركبتيه، ووضع كفيه على فخذي الرسول، يظهر للناس الحاضرين اهتمامه بالعلم، وما به من حاجة إلى العلم، ولكنه يريد أن يعلم أولئك الذين لم يسألوا رسول الله ﵌ عما هم بحاجة إليه من علم، فقال ﵊ -وهو الشاهد من هذا الحديث- في بيان الإسلام الذي سأل جبريل عنه: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وهذا بمعنى الحديث المشهور المتفق عليه بين الشيخين من حديث ابن عمر نفسه: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) إلى آخر الحديث. فقد بين الرسول صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث أن الإسلام هو: أن تشهد أن لا إله إلا الله، ومعنى أن تشهد أن لا إله إلا الله، هو كما جاء -أيضاً- في رواية أخرى: أن تعبد الله وحده لا شريك له. (لا إله إلا الله) معناها: أن تعبد الله وحده لا شريك له، هذا المعنى مأخوذ من الرواية الأخرى التي أشرت إليها آنفاً، إنما المعنى المتوارث التقليدي المعروف عند علماء المسلمين قاطبة هو قولهم، وقولهم حق: معنى (لا إله إلا الله) : لا معبود بحقٍ في الوجود إلا الله، هذا المعنى صحيح، ونحوه الرواية الأخرى لما سئل عن الإسلام أجاب ﵊: (أن تعبد الله وحده لا شريك له) . ومعنى هذا وذاك: أن الذي أسلم قديماً أو حديثاً أو وراثة، وهو من جهة أخرى يعبد غير الله بأي عبادة من العبادات المعروفة للإسلام فليس مسلماً، ولم يُهدَ للإسلام، فلا طوبى له، كل من عبد سوى الله فليس مسلماً، ولو قال: لا إله إلا الله، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ لأنه قد أخل بالركن الأول من أركان الإسلام الخمسة، وهي: أن تشهد أن لا إله إلا الله، أي: ألا تعبد إلا الله، ولا تشرك به شيئاً. ولخطورة هذا الموضوع؛ لأنه من العقيدة بل هو أس العقيدة، لاسيما أني أرى في كل يوم وجوهاً جديدة، وأفترض بل أقطع بأن هناك من لم يسمع مطلقاً بحثاً في مثل هذا الموضوع الهام، الذي يجب على كل مسلم قبل أن يقلد أباه وجده في الصلاة والصيام أن يعرف ما هو الإسلام، ثم بعد أن يعرف أن يؤمن به إيماناً جازماً، وبعد ذلك ينطلق إلى العمل لبقية أركان الإسلام. قد يظن بعض الناس بل قد يتساءل: ما فائدة هذا الكلام؟ وهل هناك من المسلمين من لا يعبدون الله وحده؟ هل فيهم من يشرك بالله شيئاً، والحديث يفسر الإسلام: أن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئاً؟ نقول: مع الأسف الشديد هناك كثيرون وكثيرون جداً يعبدون مع الله غيره، ويشركون به أشياء، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يظن هؤلاء الناس بأن الشرك الذي حذر منه الرسول ﵇ في هذا الحديث، وجعله مبايناً للتوحيد ولشهادة لا إله إلا الله، هو: أن يعبد إلهاً مع الله كما يعبد الله تماماً، وذلك بأن يصلي له، وأن يصوم له، وأن يحج له، وأن يعبده بكل شيء هو لله وحده! هكذا يتوهمون، وليس الأمر كذلك، إن الشرك أخطر من هذه الدائرة الواسعة. إن إنساناً إذا عبد الله حياة نوحٍ ﵊، ثم نادى غير الله يوماً ما، في ساعة ما، دعاه دون الله، بل دعاه مع الله؛ فقد أشرك مع الله وحبط عمله، كما قال : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] . دعاه من دون الله كأن يقول كما تسمعون كثيراً: يا باز! هذا دعاء من دون الله، دعاه مع الله فقال له: يا باز! هذا دعاء مع الله، ولو كان الأمر بالذوق فقط لقلت: إن مناداة غير الله مع الله أقبح، وانتبهوا لما أقول: لو كان الأمر بالذوق -والآن الأمر واحد؛ لأنه كله شرك- لقلت: إن مناداة عبد من عباد الله لا يسمع ولو سمع لا يستجيب، مناداته مع الله أقبح من أن ينادى من دون الله؛ لأن ذكر هذا العبد مع الرب قد يشعر بأن الله وحده لا يكفيه ولا يغنيه، بينما لو نادى العبد وحده فهذا المفهوم الخاطئ لا يخطر في البال، وهو لا شك أشرك حينما نادى الباز، لكن حينما قال: يا الله! يا باز! كأنه يشعر أو يؤكد بأن الله غير كافٍ عبده، فهو يقول: وكأنه يستدرك، يا الله! يا باز! كأن مناداة الله لا تكفي، فيستغيث بعبد الله الملقب عندهم بالباز. فهؤلاء الذين ينادون غير الله لم يفقهوا الإسلام الذي ينبغي أن يكونوا عليه، فإذا ما رزقوا كفافاً كان لهم طوبى وحسن مئاب. لذلك يجب عليكم جميعاً أن تهتموا بفهم كلمة التوحيد التي ينبني عليها علم التوحيد كله، على أساس ما كان عليه السلف الصالح من الكتاب والسنة، حتى إذا ما جاءت بشرى لنا كهذه التي بين أيدينا الآن كنا أهلاً لها. أما من كان في قلبه شيءٌ من الشرك -والعياذ بالله- فلا تفيده هذه البشرى، بل لا تفيده كل أعماله الصالحة، كما قال ربنا في القرآن، في حق المشركين، ولا محاباة عند رب العالمين، لا فرق بين مشرك يقول (لا إله إلا الله) بلسانه، ولما يدخل الإيمان إلى قلبه، وبين نصراني أو يهودي أو مجوسي أو ملحد، وكل هؤلاء مشركون، وكلهم يدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] . لذلك نحن نحمد الله أن جعلنا مسلمين ولو بالوراثة، ولكن الحمد الكامل أن نسعى إلى أن نتفقه في الدين، وأول ذلك وأصله وأسَّه أن نعرف هذا الإسلام الذي أصبح مجهولاً عند جماهير المسلمين اليوم، فلا غرابة أن يصبحوا أذلاء، يخشون من كانوا من قبل أذل الأمم، فلا يستطيعون أن يخرجوهم من بلادنا، لا نقول: من بلادهم؛ ذلك لأن هذا العدد الضخم من المسلمين الذي يبلغ ثمانمائة مليوناً أو يزيد، هم كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: (تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل) . لماذا هذا

стр. 247

حكم تعدد الجماعات الحزبية إن التحزب والتكتل في جماعات مختلفة الأفكار ومختلفة المناهج والأساليب ليس من الإسلام في شيء، بل ذلك مما نهى عنه ربنا في أكثر من آية في القرآن الكريم قال تعالى: (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) . لذلك فالواجب على كل مسلم أن يحرص على أن يكون من الفرقة الناجية، وليس هناك حزب فالح إلا حزب الله ﵎.

стр. 248

حكم الشرع في تعدد الجماعات والأحزاب والتنظيمات الإسلامية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا سؤال لشيخنا العلامة الشيخ/ ناصر: السؤال ما هو حكم الشرع في تعدد الجماعات والأحزاب والتنظيمات الإسلامية، مع أنها مختلفة فيما بينها، في مناهجها، وأساليبها، ودعواتها، وعقائدها، والأسس التي قامت عليها، وخاصة أن جماعة الحق واحدة كما دل الحديث على ذلك؟ الجواب لنا كلمات كثيرة وعديدة حول الجواب عن هذا السؤال، ولذلك نوجز الكلام فيه ونقول: لا يخفى على كل مسلم عارف بالكتاب والسنة، وما كان عليه سلفنا الصالح ﵃، أن التحزب والتكتل في جماعات مختلفة الأفكار أولاً، والمناهج والأساليب ثانياً، ليس من الإسلام في شيء، بل ذلك مما نهى عنه ربنا في أكثر من آية في القرآن الكريم، منها قوله : ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١-٣٢] وربنا يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] . فاستثنى الله ﵎ من هذا الاقتباس -الذي لا بد منه كونياً وليس شرعياً- الطائفة المرحومة حين قال: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٩] . ولا شك ولا ريب أن أي جماعة تريد بحرص وإخلاص لله أن تكون من الأمة المرحومة المستثناة من هذا الخلاف الكوني، فلا سبيل للوصول إلى ذلك وتحقيقه عملياً في المجتمع الإسلامي إلا بالرجوع إلى كتاب الله ، وإلى سنة الرسول ﵊، وإلى ما كان عليه سلفنا الصالح ﵃.

стр. 249

سلوك الطريق المستقيم طريق الفرقة الناجية ولقد أوضح رسول الله ﵌ المنهج والطريق السليم في غير ما حديث صحيح، فقد جاء في حديث عنه ﵌ (أنه خط ذات يوم على الأرض خطاً مستقيماً، وخط حوله خطوطاً قصيرة عن جانبي الخط المستقيم، ثم قرأ قوله ﵎: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] ومر بإصبعه على الخط المستقيم وقال: هذا صراط الله، وهذه طرق عن جوانب الخط المستقيم، وعلى رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليه) ولا شك أن هذه الطرق القصيرة هي التي تمثل الأحزاب والجماعات العديدة. ولذلك فالواجب على كل مسلم حريص على أن يكون حقاً من الفرقة الناجية أن ينطلق سالكاً الطريق المستقيم، وألا يأخذ يميناً ويساراً، وليس هناك حزبٌ ناجح إلا حزب الله ﵎، الذي حدثنا عنه القرآن الكريم: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢] فإذاً كل حزب ليس هو حزب الله فإنما هو من حزب الشيطان وليس من حزب الرحمن. ولا شك ولا ريب أن السلوك على الصراط المستقيم يتطلب معرفة هذا الصراط المستقيم معرفةً صحيحة، ولا يكون ذلك بمجرد التكتل والتحزب الأعمى على كلمة هي كلمة الإسلام الحق؛ لكنهم لا يفقهون من الإسلام إلا شيئاً قليلاً، فلا يكون التحزب الصحيح الفالح إلا بمعرفة هذا الإسلام كما أنزله الله ﵎ على قلب محمد ﵊.

стр. 250

اتباع الصحابة من علامات الفرقة الناجية لهذا كان من علامة الفرقة الناجية التي صرح النبي ﵌ بها حينما سُئل عنها فقال: (هي ما أنا عليه وأصحابي) فإذاً هذا الحديث يشعر الباحث الحريص على معرفة صراط الله المستقيم، أنه يجب أن يكون على علم بأمرين اثنين هامين جداً جداً: الأول: ما كان عليه الرسول ﵌، والآخر: ما كان عليه أصحابه ﵊؛ ذلك لأن الصحابة الكرام هم الذين نقلوا إلينا -أولاً- هديه ﵌ وسنته، وثانياً: هم الذين أحسنوا تطبيق هذه السنة تطبيقاً عملياً، فلا يمكننا أن نعرف معرفة صحيحة سنة النبي ﵌ إلا بطريق أصحابه. ومعلوم لدى أهل العلم أن السنة تنقسم إلى: سنة قولية، وفعلية، وتقريرية، فالسنة القولية تعريفها هو: ما نقله الصحابي من قوله ﵇، والسنة الفعلية: ما نقلوه عنه ﵌ فعلاً، أما السنة التقريرية فهي: ما نقلوه عن بعضهم وليس عن النبي ﵌، لكن رسول الله رأى ذلك الفعل وسكت عنه، هذا السكوت ليس من قوله ﵇ وليس من فعله وإنما من إقراره.

стр. 251

لا سبيل إلى فهم الإسلام إلا بمعرفة سير الصحابة ومن هنا ينبعث في نفسي أن أُلفت النظر إلى أهمية هذه الضميمة التي نحن ندندن حولها في مثل هذه المناسبة وهي أنه لا يكفي لأي جماعة إسلامية تنتمي بحق إلى العمل بالكتاب والسنة، أن يقتصروا على فهم الإسلام بناءً على الكتاب والسنة فقط، بل لا بد -أيضاً- من معرفة تطبيق أصحاب الرسول ﵌ لهذه السنة. وهناك أمثلة كثيرة وكثيرة جداً يمكن بها تقريب أهمية هذه الضميمة، وقد ذكرت في بعض المحاضرات أو الأجوبة نماذج منها، والآن يحضرني مثال آخر، وهو ما جاء في صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرهما من أكثر من طريق واحد (أن النبي ﵌ لما أمر أصحابه أن يسووا الصفوف إذا قاموا إلى الصلاة، قال النعمان بن بشير: كان أحدنا يلصق قدمه بقدم صاحبه ومنكبه بمنكب صاحبه) . هذا فعل وقع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، تطبيقاً منهم لأمر الرسول ﵌ بتسوية الصفوف، ومما لا شك ولا ريب فيه أن النبي ﵌ لا يمكن أن يخفى عليه ما فعله أصحابه من خلفه وهم يصلون مقتدين به وتنفيذاً لأمره بتسوية الصفوف وتراص الصفوف؛ ذلك لأن من خصوصياته ﵇ ومعجزاته أنه كان وهو في صلاته يرى من خلفه كما يرى من أمامه، فلو أن هذه التسوية لهذا التراص -رص الأقدام ورص المناكب- لم يكن مشروعاً لكان تكلفاً، ولو كان تكلفاً لنهاهم الرسول ﵌ عنه؛ لأن هناك حديثاً صحيحاً (أن النبي ﷺ نهى عن التكلف) . وإن قيل: إنه من الممكن أن يخفى ذلك على النبي ﵌، فنقول: باب الإمكان واسع جداً، لكن ما نحن فيه ليس من هذا الباب لسببين اثنين ذكرت أحدهما آنفاً، وهو: أن النبي ﵌ كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه. السبب الثاني وهو الأهم: أنه إن فرض أن النبي ﵌ لم يشهد هذا الأمر الذي فعله أصحابه خلفه في الصلاة، فرب الرسول ﵌ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فما قلناه آنفاً عن الرسول ﵌ -وليس له من الوظيفة إلا التبليغ عن الله فبالأولى والأحرى أن يقال ذلك عن رب الرسول ﵎، فيقال: إذا كان ربنا -كما أشرنا إليه آنفاً اقتباساً من القرآن- لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وكان الله لا يريد أن يشرع لعباده المؤمنين هذا التراص في الصفوف لأمر نبيه ﷺ أن ينهاهم عن هذا التكلف، إذاً لا ينبغي أن يتصور المسلم سكوته ﵇ عن شيء إلا وربنا مطلع عليه، وبالتالي إقرار الله لنبيه على هذا هو تشريع. من هنا نتوصل إلى الإشارة إلى بعض المسائل التي جرى الخلاف فيها قديماً في بعض الأحكام الفقهية بين الحنفية والشافعية، حيث إن أحد الفريقين يحتج بما وقع في عهد النبي ﵌، فيرد الآخر بأن هذا الذي وقع ليس فيه بيان أن النبي ﵊ اطلع عليه حتى يقال: إنه اطلع فأقره. بما سبق من الكلام يرد على هذا الرد من بعض المذهبيين: أضرب لكم مثلاً أو أكثر، جاء في صحيح البخاري: (أن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه كان يصلي صلاة العشاء الآخرة خلف النبي ﵌ في مسجده، ثم ينطلق إلى قبيلته فيصلي بهم الصلاة نفسها، يقول راوي الحديث وهو جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: هي له نافلة ولهم فريضة) . استدل بعض الأئمة المتقدمين بهذا الحديث على جواز صلاة المفترض وراء المتنفل، فرد ذلك بعض المذهبيين بأن هذا لا حجة فيه؛ لأنه ليس فيه أن النبي ﵌ كان يعلم أن معاذاً بعد أن يصلي خلفه يعود إلى قبيلته فيصلي بهم نفس الصلاة، فتكون له نافلة ولهم فريضة. والجواب عليهم أن نقول: إن كان رسول الله ﵌ لا يعلم حقيقة أن معاذاً كان يعيد هذه الصلاة تنفلاً، فربنا يعلم السر وأخفى، فلو كان فعل معاذ غير مشروع لجاء الحكم من السماء لبيان عدم شرعيته. ومثال آخر ونكتفي به -وأعدد الأمثلة لأهمية هذه الملاحظة التي قلما نجدها فصيحة مبينة في كتب العلماء-: جاء في مسند الإمام أحمد، ومستدرك الحاكم، وسنن البيهقي، وغيرها من كتب السنة، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: (غزونا مع رسول الله ﵌ غزوة، أصبنا فيها امرأة من المشركين) أي: قتلناها، ولا يخالف هذا الحديث الحديث الذي فيه أن النبي ﵌ نهى عن قتل النساء والصبيان؛ لأن النهي محله في مكان وهذا القتل الذي ذكر في حديث جابر له محل آخر، فالنهي ينصب على قتل النساء اللاتي لم يشتركن في قتال المسلمين، والقرينة على ذلك قوله: (والصبيان) فإن الصبيان ليسوا من المقاتلة، فعلى هذا فقول جابر رضي الله تعالى عنه: أصبنا في تلك الغزوة امرأة من المشركين، يعني: أنها كانت من المقاتلة قال: (وكان زوجها غائباً، فلما رجع وأخبر الخبر، حلف ألا يدخل القرية إلا بعد أن يثأر لها ثأراً من أصحاب رسول الله ﵌، فتتبع آثار الصحابة) . ومعلوم أن العرب كانت تستعمل هذه المعرفة، فبتتبع الآثار وصلوا إلى اكتشاف مأوى الرسول في الغار يوم عزم على الهجرة من مكة إلى المدينة، فالأثر دلهم على أن الرسول ﵇ وصل إلى هذا المكان؛ لأن الأثر انقطع هناك، لكن أعمى الله بصرهم فلم يروا الرسول ﵇ وصاحبه في الغار، بينما صاحبه رأى أقدام المشركين، فخشي ليس على نفسه بل على نبيه، فقال: (لا تحزن إن الله معنا) . وهنا لا بد من التذكير بأن ما يذكر في بعض كتب الحديث وفي كتب السير، أن الذي صرف كفار قريش بعد أن هداهم تتبعهم للأثر إلى أن المطلوبين هما في الغار، زعموا بأنهم رأوا الحمامة قد عششت وباضت، وأن العنكبوت -أيضاً- نسج خيوطه، وقالوا: لا يمكن أن يكون في الغار أحد، فانصرفوا، هذا لم يصح على طريقة أهل الحديث، ثم هناك رواية قوية بأن الله أمر ملكاً بأن يغطي بجناحه فم الغار ولذلك لم يروه. فالشاهد أن ذلك المشرك تتبع آثار الجيش الغازي لتلك القرية، حتى وصل إلى مكان كان قد أدركهم فيه المساء، فنزلوا في وادٍ، وحسب النظام العسكري النبوي، قال ﵊ لأصحابه: (من يكلؤنا الليلة؟ فقام رجلان من الأنصار، أحدهما من الأوس والآخر من الخزرج، فقالا: نحن يا رسول الله! فقال لهما: كونا على فم الشعب، فانطلقا، والمشرك يراقبهما يريد أن يستغل الفرصة للوفاء بنذره ويأخذ بثأر زوجه، ولما وصلا إلى المكان الذي هو موضع حراسة الجيش النائم اتفقا على أن يتناوبا الحراسة، فأحدهما يحرس نصف الليل بينما الآخر ينام، ثم يتبادلان، ثم بدا للحارس الذي قام منتصباً أن يجمع بين عبادتين في وقت واحد: عبادة الحراسة، وعبادة الصلاة في الليل الهادئ، فقام يصلي، وهنا اغتنم المشرك الفرصة، حيث كان مختبئاَ وراء صخرة، فرماه بحربة فوضعها في ساقه، فما كان منه إلا أن رماها أرضاً والدماء تسيل منه، ولما رأى المشرك أن هدفه ما زال منتصباً رماه بالحربة الثانية فوضعها في ساقه، وهكذا ثلاث حراب ويصيب الهدف، ومن دقة تعبيره يقول: وضعها، والوضع عادة يكون باليد، لكن هذا من دقة الإصابة للهدف فكأنه يضع الحربة وضعاً بيده، ومع ذلك كان الصحابي الجليل مستمراً في صلاته لا يقطعها والدماء تسيل منه، حتى صلى ركعتين، ثم إما أنه أيقض صاحبه وإما أنه استيقظ، فلما رأى ما في صاحبه من الدماء هاله الأمر، وسأله عن السبب فقال: والذي نفسي بيده لقد كنت في سورة أقرؤها، ولولا أني خشيت أن أضيع ثغراً وضعني رسول الله ﵌ على حراسته لكانت نفسي فيها) . أي: تذكر وهو يصلي بأنه في وظيفة أمره الرسول أن يقوم بها، وهي حراسة الجيش النائم، وقد راق له الاستمرار في هذه الصلاة؛ لحلاوة المناجاة بين يدي الله ، ولولا أنه خشي أنه إن استمر في الصلاة، واستمر المشرك في رميه أن يكون هلاكه في هذه الصلاة فربما يهاجم العدو المسلمين، ولذلك هو قنع من الصلاة بركعتين، ولم يقنع بذلك خوفاً من الهلاك، وإنما خوفاً من هلاك الصحابة، فيما إذا هو مات وغدر بهم العدو. إلى هنا تنتهي القصة، والشاهد منها: أن بعض الأئمة يحتجون بأن الدم لا ينقض الوضوء؛ لأنه لو كان ناقضاً لما استمر هذا الرجل في الصلاة، فيرد المخالف ويقول: هذا تصرف شخصي منه، فيقول المردود عليهم: نعم، لكن هذا هو من أصحاب الرسول ﵇، فيجيب المخالف ويقول: ليس في الحديث أن النبي ﵌ اطلع على ذلك. نحن نجيب بجوابين اثنين، ولكن هنا شيء أقوى في أحد الجوابين مما سبق، وذلك أن هذا موظف من رسول الله ﵌، فيصاب بهذه الجراحات وهو في حالة من العبادة والصفاء النفسي، فهل يمكن أن يخفى هذا على قائد الجيش لو كان قائداً عادياً؟ فكيف وهو رسول الله ﵌؟! مستبعد جداً جداً جداً أن يخفى وضع هذا الإنسان على رسول الله ﵌. إذاً: الراجح أنه ﵇ اطلع على واقع هذا الحدث، وبناءً على ذلك لو كان خروج الدم ناقضاً لبين ذلك، لما هو معلوم من أصول الفقه أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن استمر المخالف في المكابرة وقال: إنه لا يوجد نص أن الرسول ﷺ اطلع، نقول له: حسبك أن رب الرسول اطلع، وهذا لا يمكن إنكاره، فإذا لم ينزل شرع يبين أن خروج الدم ناقض الوضوء، كانت القصة حجة لمن يحتج بها على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء. الشاهد من هذا ومن ذاك: أن فهم الإسلام فهماً صحيحاً لا س

стр. 252

دفاع الشيخ الألباني عن الشيخ محمد شقرة السؤال قرأنا على صفحات مجلة الفرقان التي تصدرها جمعية إحياء التراث الإسلامي في دولة الكويت، وهي مجلة ناطقة باسم الحركة السلفية، وهم -كما أعلم وسمعت منهم وكما تعلمون- يحبونك في الله، بل أنت أستاذهم وشيخهم، وهم يقولون هذا بكل عمق ويقين، لكن عندما قرأنا المقالات التي نشرها أخونا في الله عبد الرحمن عبد الخالق بعنوان: حوار مع أستاذنا وشيخنا الألباني، فاتصلت بالشيخ عبد الرحمن بالهاتف من جدة، وبنفس الوقت اتصلت بشيخي وأستاذي أبي مالك محمد شقرة، وقلت للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: إذا وصلك رد على ما نشرت من هذا الحوار في مجلة الفرقان من الشيخ محمد شقرة هل أنت مستعد أن تنشره على نفس صفحات الفرقان؟ فقال: نعم. كيف لا نعطي الحرية وغيرنا من غير الإسلاميين يعطي الحرية في ذلك، ثم قال: لكن إذا جاء منه رد على المذكرة التي خرجت من عندي بيد بعض الإخوان ووصلت إلى يد الأخ أبي مالك، فنحن لا ننشرها في مجلة الفرقان؛ لأنني ما كتبتها للنشر. وهذه المذكرة ربما بلغكم عنها وتعرفونها أكثر مني، وأبو مالك يعرفها؛ فإن لم تبلغكم فـ أبو مالك يبلغها لكم، فنحن نحبكم في الله. ثم أقول لكم بكل صراحة: إن إخوانكم من علماء السعودية يدعون لكم، وقد قابلت منهم سماحة الوالد الشيخ ابن باز الذي ما تحرج في كثير من محاضراته عندما يسأل عن حديث رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد دينها) فيعدكم سماحته من المجددين في الدين في إحياء سنة رسوله ﷺ ، ويحبكم في الله، وأرجو أن يكون هذا من باب عاجل بشرى المؤمن، ولا نزكيك على الله، بل نحسبك منهم. الشيخ: جزاه الله خيراً، ونسأل الله ألا يؤاخذنا بما يقولون، وأن يجعلنا خيراً مما يظنون، وأن يغفر لنا ما لا يعلمون. السؤال: بعض الإخوان من أهل العلم في المملكة ينتظرون ردكم على ما كتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في حواره بعنوان: حوار مع الشيخ الألباني، فهل ننتظر منكم الرد؛ لأن الإسلام علمنا أدباً ألا نأخذ بحكم أو برأي إلا بعد أن نسمع رأي الطرف الآخر الذي له صلة بهذا الموضوع؟ الجواب في الواقع الحوار أنا قرأته، ولم أجد في نفسي دافعاً للرد على أخينا عبد الرحمن عبد الخالق؛ لأن المسألة التي عرّض لها فيما يتعلق بشخصي ليست خلافية جوهرية، ولكن الشيء المهم جداً جداً هو ما نسبه إلى أخينا الشيخ محمد شقرة من أنه أنكر فرضية الجهاد، ونحو ذلك من العبارات التي يصعب علي الآن أن أستحضرها، مثل: معنى قوله: أنه جاء بسلفية جديدة، أو ما شابه ذلك، ثم أشار بأنه قد أكون أنا موافقاً له على ذلك، فنحن نرى بأن أخانا عبد الرحمن -نسأل الله أن يهدينا وإياه إلى الحق مما اختلف فيه الناس- قد اشتط به القلم، ليس في النشرة التي هو يقول: إنه ما عدها لتنشر في مجلة، وإنما في نفس المقال الذي نشره في المجلة، فقد نسب إلى أخينا محمد شقرة ما صرح هو بخلافه في كتابه الذي سماه بـ السلفية هي السلفية. لذلك فأنا أرى أن الخلاف الذي ينبغي أن يزال وألا يكون، هو الخلاف بين شخصين كلاهما يعمل في الدعوة السلفية وعلى الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، وهما أخونا عبد الرحمن وأخونا محمد شقرة، وقد علمت -والظاهر أنك لم تعلم بهذا الخبر- بأن محمد شقرة اتصل بأخينا عبد الرحمن، وعتِب عليه فيما ذكره، ليس في النشرة فقط بل وفي المجلة، وعلى ما نقل أخونا الشيخ محمد شقرة أن أخانا عبد الرحمن عبد الخالق اعتذر بأنه كتب المقالة على عجل، فالآن إذا كان الأمر كما حدثك أخونا عبد الرحمن عبد الخالق، أنه مستعد أن ينشر ما يصله من الرد على ما نشره هو في المجلة، فأنا في اعتقادي أن الرد حاضر لدى الأخ محمد. ولذلك فالقضية من هذه الحيثية منتهية كما علمت، فعليك أن تراجع أخانا أبا مالك وتأخذ منه الرد وترسله إلى عبد الرحمن، أو أن أخانا محمد شقرة يرسله بالطريقة التي هو يرضاها، وأسأل الله أن يلهمنا حسن الأسلوب في الرد والعدل مع المخالفين لنا في الرأي، ونحن لا ننكر أن الخلاف أمر طبيعي؛ لأن هذا النوع من الخلاف أو نوعاً من أنواع الخلاف قد كان موجودا ًفي عهد السلف الصالح بين الصحابة، فضلاً عمن بعدهم من الأئمة، ولكن ما عهدنا من أحدهم أن يفتري على أخيه المسلم، وأن يقول عليه ما لم يقل. وفي اعتقادي بعد أن قرأنا ما في الفرقان، وقرأنا ما في كتاب محمد شقرة، وجدنا هناك تنافراً تاماً، حيث عقد فصلاً خاصاً بفرضية الجهاد، ولكنه دندن حول ما دندنت أنا آنفاً، من أنه لا بد من أخذ العدة للجهاد، وأن يكون الجهاد تحت راية إسلامية وأمير مطاع، وهذا لا يعني أنه أنكر الجهاد، وإنما أقر بالجهاد، ولكن الجهاد ليس فوضى، وليس ثورة نفسية وعواطف جامحة، ينطلق من ورائها أفراد كثيرون من المسلمين، ثم لا يريدون إلا الهلاك دون أن يفيدوا لهذا شيئاً مذكوراً. فإذاً: بارك الله فيك، جوابك عند الأستاذ/ محمد شقرة إن شاء الله. السائل: التفصيل التام عن الموضوع موجود في شريطكم الذي تحدثتم فيه، وكان في وجود شيخنا أبي مالك. الشيخ: هناك شيء آخر، نحن اقترحنا على أخينا عبد الرحمن عبد الخالق أن يزورنا، وأن ينزل ضيفاً عندي في داري المتواضعة؛ لكي نتباحث عن قرب؛ لأنه في الحقيقة الرد كتابة يأخذ وقتاً طويلاً ومسافات طويلة جداً، بينما في جلسة واحدة قد يقول قائل كلمة فيقال له: هذا خطأ، وأنا ما أردت كذا، وما قصدت كذا، وإنما أردت كذا، فيمكن الحل وجاهياً، لذلك نحن نرجو أن نحظى بزيارة من أخينا عبد الرحمن، لاسيما أنه مضى علينا عشر سنوات أو أكثر ولم نره. السائل: علمتمونا -فضيلة الشيخ- الدقة في المسائل العلمية، وأنتم ذكرتم الآن -ولعلي وهمت- أن الشيخ محمد شقرة هو الذي اتصل بالشيخ عبد الرحمن عبد الخالق. الشيخ: المقصود أنه حدث اتصال بينهما، أما من الذي بدأ الاتصال؟ أنا أعرف أن أخانا أبا مالك كان حريصاً على الاتصال بـ عبد الرحمن عبد الخالق، وأعلم أنه طلبه أكثر من مرة، فقيل له: كان مسافراً إلى الإمارات وبعد ذلك اتصل عبد الرحمن عبد الخالق بـ أبي مالك وجرى النقاش. السائل: أخبرني أستاذي الشيخ أبو مالك أنه هو الذي بدأ بالاتصال بـ عبد الرحمن، وهذا ما جعلني أؤكد أن النية طيبة عند الشيخ، وأن الشيخ عبد الرحمن لم يفهم تماماً وتسرع في فهم مقصوده. الشيخ: وهذا ما صرح به على حسب ما نقل أخونا أبو مالك، وعلى كل حال -إن شاء الله- لا يكون إلا خيراً. السائل: نطلب من الأخ الفاضل الشيخ نظام سكجها أن يوصل رد الشيخ أبي مالك على الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق؛ لأن الشيخ أبا مالك الآن مسافر في العقبة، واتصلت به حتى آخذه فلم أجده. السائل: الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وطلبة العلم والدعاة إلى الله في الكويت وفي المملكة العربية السعودية بلغوني هذه الأمانة، وهي أن ألقي عليك هذه الأسئلة التي أجبت عنها، فجزاك الله كل خير، وعندي شعور أن الله تعالى شرح صدري لما تحدثت به سماحة الشيخ، وما عهدنا منك إلا سلامة النية وحبك لإخوانك ولعلماء المسلمين، ولا نزكي على الله أحداً، ومما زادنا يقيناً في هذا الأمر عندما سمعنا آخر حديثك وأنت تخاطب تلاميذك بإخواني، وهذا من تواضعك، فكم يفرح ويفخر هؤلاء الإخوة أمثال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وغيره عندما يسمعون أن سماحة الشيخ الألباني يقول: بلغ سلامي للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق. في هذه الليلة المباركة ليلة الجمعة الرابع من شوال، ونحن أمام سماحة الوالد الشيخ الألباني، نسأل الله أن يبارك في عمره، وأن يديم نفعه للإسلام والمسلمين اللهم آمين اللهم آمين. الشيخ: جزاك الله خيراً، وعسى الله أن يهديك.

стр. 253

التصفية والتربية قبل الخوض في السياسة السؤال سمعنا في الكويت أن في الأردن كلاماً كثيراً يدور عن سلفية الكويت، وأنها تمر بحزبية، وأنا أريد منك -فضيلة الشيخ- توضيح ما هي مظاهر الحزبية التي قلتموها على سلفية الكويت؟ الجواب هذه المسألة لا نريد الخوض فيها؛ لأنها تزيد النار ضراماً، فالسلفية في الأردن لا تزال قائمة على أساسين اثنين: التصفية والتربية، دون تكتل، ودون تحزب، ودون الاشتغال بالعمل السياسي، ولا نعني نحن أن العمل السياسي لا يجب شرعاً، بل هو فرض من فروض الكفاية، لكننا نعلم أن الاشتغال اليوم بالسياسة اشتغال يصرف القائمين على الدعوة عن هاتين الركيزتين، ألا وهما التصفية والتربية، فالاشتغال بالسياسة يصرف القائمين على هذه الدعوة مقرونة بهذه التصفية والتربية عما هم في صدده. أما الدعوة السلفية في الكويت فهم لا يمرون في دور تحزب، لا. فقد دخلوا وانتهى الأمر، منذ أجازوا لأنفسهم كـ الإخوان المسلمين دائماً وأبداً، وكـ حزب التحرير في بعض أدوارهم، حينما صوروا لأنفسهم باسم الإصلاح أن يدخلوا في البرلمانات القائمة لا نقول: على الكفر بالله ورسوله وبالإسلام جملة وتفصيلاً، وإنما على الأقل نقول: هذه البرلمانات القائمة على مخالفة الشريعة في جوانب كثيرة وكثيرة جداً، فحينما أباحوا لإخوانهم أن ينتخبوا وأن يدخلوا في البرلمان الذي لا يحكم بما أنزل الله، حتى أن بعضهم أصبح من الوزراء في الدولة. لهذا نحن نقول: إن الدعوة السلفية هناك أخذت طوراً سياسياً آخر، فنحن ماضون على الدعوة على هذا الأساس: التصفية بناءً على الكتاب والسنة الصحيحة، وتربية المسلمين على هذا الأساس، فمن اشتغل كجماعة من السلفيين بالسياسة، وأباحوا لأنفسهم فضلاً عن غيرهم أن يدخلوا في البرلمانات، وأن يختاروا سبيلاً للانتخابات هو السبيل الذي انتخبه ما يسمى بالنظام الديمقراطي، وهو الذي يسمح للمسلم والكافر أن يرشح نفسه، وأن يرشح من غيره -أيضاً- في البرلمان الذي يفترض أن يحكم بما أنزل الله، بل قد أباح هذا النظام المسمى بالنظام الديمقراطي أن يرشح المسلم الطالح والمسلم الجاهل والمسلم الفاسق، هؤلاء يرشحون غيرهم ويرشحون أنفسهم، وحينئذ تؤخذ القضية التي تطرح في البرلمان بالأكثرية، وليس على أساس الكتاب والسنة. ولذلك فنحن نريد من إخواننا الذين يشتركون معنا في الدعوة إلى الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح في كل الأراضي الإسلامية، أن يؤسسوا قبل أن يشتغلوا بالسياسة. أسألك أنت شخصياً: هل اطلعت على العدد الذي صدر أخيراً أو قبل الأخير بوصف الحركة السلفية واتهام رجل من إخواننا بأنه أسقط فرضية الجهاد؟ وهناك أخ من إخواننا بل هو تلميذ من تلامذتي القدامى كما يشهد هو بذلك، ينتقد كتاباً لأخينا أبي مالك، له ملاحظات على دعوات قائمة على الجهاد، وهو في ذلك دقيق النظر بعيد الفكر، اتهم بأنه أسقط فرضية الجهاد، مع أنه له فصل خاص يصادم هذه النسبة التي نسب إليها. ما الذي حمل أخانا وحبيبنا وصديقنا في الدعوة سنين كثيرة على مثل هذه الكراهية؟ إنه التحزب، لا نريد أن نبحث في مثل هذه القضايا؛ لأنه يكفي ما وقع من الأخ عبد الرحمن، فقد كتب يتهم أخانا أبا مالك، وربما مسني أنا شيء من اتهامه، ولكن من طرف بعيد، فلا نريد أن نوسع الخرق. وينبغي أن نتناصح، لذلك أنا سجلت كلمة، ولا بد أن تكون قد وصلت إليه، ندعوه إلى أن يحضر هنا، ونعقد جلسة خاصة للتفاهم في بعض النقاط التي قد نختلف فيها، وبخاصة النقطة الأخيرة التي اتهم فيها رجلاً من الدعاة السلفيين المعروفين لدينا بأنه أسقط فرضية الجهاد، هذه أشياء في اعتقادي أنها من آثار التحزب والتكتل، وإذا كان عندك شيء آخر تريد أن تسأله فتفضل. هناك اقتراح أرجو أن ينظر إليه بعين القبول: لا ينبغي البحث في التفاصيل التي تقع من اختلاف بين الجماعة الواحدة؛ لأن هذا سيذاع وينشر ويزداد الصف صدعاً على صدع؛ فإن كان هناك سؤال فقهي فهذا أحب إلي، أما إن كان سؤالاً يدندن حول الحزبية، فوالله أننا نفر منها فرارنا من الأسد.

стр. 254

الرد على من يعتبر كلمة سلفي تزكية السؤال يدعي بعض الإخوة غير التابعين للمنهج السلفي فيقولون: إن الإنسان المسلم الذي يتبع المنهج السلفي لا يجوز له أن يقول عن نفسه أنه سلفي؛ وذلك لأنه يزكي نفسه، ولا تجوز التزكية؟ الجواب سامحه الله، نسأله السؤال التالي: - هل أنت مسلم؟ - سيقول: نعم. فنقول: هذه تزكية، ولم أسأله: هل أنت مؤمن؟ لأن هذا يحتاج إلى بحث طويل؛ ولأن الإيمان فيه تفصيل، هل هو الإخلاص، أم هو الاعتقاد بالجنان والإخبار باللسان والعمل بالأركان؟ - لكن إذا سألته: هل أنت مؤمن؟ يمكن أن يقول لي: أنا مؤمن. فأقول: هل أنت من الذين وصفهم الله ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:١-٤] . إلى آخره؟ سيقول: نعم. لكن إذا سألته: هل أنت من الذين هم في صلاتهم خاشعون؟ فسيقول: أنا في شك من هذا. فنقول له: إذاً أنت تشك في إيمانك؟ فيقول: أنا لا أشك في عقيدتي. هذه تزكية أكثر من الأولى، هذا رجل لا يفقه ما هي السلفية حتى يقول: إن هذه تزكية، السلفية: هي الإسلام الصحيح، فمن يقول عن نفسه: أنا مسلم، وأنا ديني الإسلام، كالذي يقول اليوم: أنا سلفي، وهذا أمر ضروري جداً بالنسبة للشباب المسلم اليوم، يجب أن يعرف الجو الإسلامي الذي يعيشه ويحياه، وليس الجاهلي؛ لأن الله قد بين وفصل في القرآن فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١-٣٢] . فالله حذر عباده المؤمنين أن يكونوا من المشركين، الذين من أوصافهم كما قال: ﴿مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢] . أنتم اليوم تعلمون أن هناك طائفة من المسلمين اسمهم الشيعة فهم فعلاً وقولاً تفرقوا عن المسلمين، فإذا تركنا هؤلاء جانباً ونظرنا إلى من يسمون بـ أهل السنة والجماعة، هؤلاء -أيضاً- تفرقوا شيعاً وأحزاباً، فلا يوجد مسلم اليوم إلا ويعلم أن المذاهب الفقهية من أهل السنة والجماعة هي أربعة: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، ولا شك أن هؤلاء الأئمة الأربعة هم من أئمة السلف، ولكن الذين اتبعوهم منهم من اتبعهم بإحسان، ومنهم من اتبعوهم بإساءة. فالأئمة ﵏ أحسنوا إلى المسلمين في بيان الفقه الذي سلطوه من الكتاب والسنة، لكن الأتباع منهم ومنهم؛ لأنهم قد تفرقوا شيعاً وأحزاباً الحنفي لا يصلي وراء الشافعي، والشافعي لا يصلي وراء الحنفي. إلخ، لا نخوض في هذا الآن كثيراً، والحُر تكفيه الإشارة، لكن هناك مذاهب في العقيدة منها مذهبان بل ثلاثة، وقلت: مذهبان؛ لأن المذهبين لا يؤثرا على المذهب الثالث وهو المذهب الحق، في العقيدة ستة مذاهب: أهل الحديث، والماتريدية، والأشاعرة، وهذان المذهبان: الماتريدية والأشاعرة، هم الذين يقصدون بكلمة أهل السنة والجماعة قديماً وحديثاً، لكن بعض إخواننا السلفيين الدعاة منهم يحاولون الآن أن يطلقوا هذا الاسم (أهل السنة والجماعة) على أتباع السلف الصالح، والأزهر -مثلاً- حينما يقولون: أهل السنة والجماعة لا يقصدون إلا الماتريدية والأشاعرة، وهؤلاء يختلفون عن مذهب أهل الحديث ومذهب الفرقة الناجية، يختلفون كل الاختلاف، غير الخوارج والإباضية الموجودة اليوم في عُمان وفي الجزائر وفي المغرب. إلخ. هذه الأحزاب كلها لا يمكن الانتماء إلى شيء منها إلا إلى مذهب واحد، وهي التي تمثل الفرقة الناجية، التي وصفها الرسول ﵇ بأنها التي تكون على ما كان عليه وأصحابه، فهذا الإنسان الذي أنت تشير إليه، يجب أن يعرف هذه الحقيقة الغيبية التي أخبر الرسول عنها من الاختلاف الذي أشارت إليه الآية الكريمة المذكورة آنفاً، وفصلها الرسول ﵇ في أحاديثه تفصيلاً، خاصة في حديث الفرق، وهو قوله: (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة) هذا مسكين لا يعرف الفرقة الناجية، ولذلك يقول: لا يجوز أن تقول عن نفسك: أنا سلفي؛ لأنك تزكي نفسك! إن لم يقل هو عن نفسه سلفي فهو يقول: أنا مسلم، وقد يقول: أنا مؤمن، وكلاهما تزكية ولا شك، يقول ربنا : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم:٣٥-٣٧] ، المسلم يميز نفسه عن الكافر فيقول: ديني الإسلام، فإذا قال: ديني الإسلام، كلمتان مختصرهما: مسلم، فإذا قال: ديني الإسلام، كأنه قال: أنا مسلم، وهل أنت مسلم جغرافي أم أنك حقيقة مسلم؟ لأنه كان في عهد الرسول ﵇ مسلمون منافقون، يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ويصلون مع المسلمين ويصومون؛ لكنهم لم يؤمنوا بقلوبهم، فإذاً الإسلام إذا لم يقترن مع الإيمان في القلب فلا ينفعه إسلامه إطلاقاً، وهذا معروف في القرآن الكريم، لذلك مثل هذا المسلم الذي ينصح بتلك النصيحة الباطلة، يجب أن يعرف أين يضع قدمه من هذه الفرق الهالكة، التي ليس فيها فرقة ناجية إلا التي تكون على ما كان عليه الرسول ﵇ وأصحابه الكرام، لذلك حتى نكون مع هؤلاء نقول: الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح، ونسأل الله أن يحيينا على ذلك وأن يميتنا عليه.

стр. 255

الرد على من يرفض أن يقول: أنا سلفي خشية التفرقة السؤال بعض إخواننا الدعاة يقول: أنا أرفض أن أقول: أنا سلفي، خشية أن الناس تنظر إلي نظرة حزبية، فهل هذا الكلام صحيح أم أن عليَّ أن أبين للناس السلفية؟ الجواب جرت مناقشة بيني وبين أحد الكُّتاب الإسلاميين الذين هم معنا على الكتاب والسنة، أرجو من إخواننا طلاب العلم أن يحفظوا هذه المناقشة؛ لأن ثمرتها مهمة جداً. قلت له: إذا سألك سائل: ما مذهبك؟ ما هو جوابك؟ قال: مسلم. قلت: هذا الجواب خطأ. قال: لم؟ قلت: لو سألك سائل: ما دينك؟ قال: مسلم. فقلت: أنا ما سألتك أولاً ما دينك؟ أنا سألتك ما مذهبك؟ وأنت تعلم أن في الأرض الإسلامية اليوم مذاهب كثيرة وكثيرة جداً، أنت معنا في الحكم على بعضها بأنها ليست من الإسلام في شيء إطلاقاً، كـ الدروز مثلاً: والإسماعيلية، والعلوية ونحوهم، مع ذلك فهم يقولون: نحن مسلمون، وهناك طوائف أخرى قد لا نقول: إنها خرجت من الإسلام، وإنما لا شك أنها تكون من الطوائف الضالة التي خرجت في مسائل كثيرة عن الكتاب والسنة، كـ المعتزلة، والخوارج والمرجئة والجبرية ونحو ذلك، ما رأيك أهذا موجود عندك اليوم أم لا؟ قال: نعم. قلت: فإذا سألنا شخصاً من هؤلاء الأشخاص: ما مذهبك؟ سيقول قولك متحفظاً: مسلم، فأنت مسلم وهو مسلم، إذاً نحن نريد أن توضح في جوابك عن مذهبك بعد إسلامك ودينك؟ قال: إذاً أنا مذهبي الكتاب والسنة. قلت: أيضاً هذا الجواب لا يكفي. قال: لم؟ قلت: لأن من ذكرناهم يقولون عن أنفسهم أنهم مسلمون، ولا أحد منهم يقول: أنا لست على الكتاب والسنة، فمثلاً: هل الشيعة يقولون: نحن ضد الكتاب والسنة؟ بل يقولون: نحن على الكتاب والسنة، وأنتم منحرفون عن الكتاب والسنة، فلا يكفي يا أستاذ أن تقول: أنا مسلم على الكتاب والسنة، فلا بد من ضميمة أخرى، فما رأيك: هل يجوز أن نفهم الكتاب والسنة فهماً جديداً، أم لابد أن نلتزم في فهم الكتاب والسنة ما كان عليه السلف الصالح؟ قال: لا بد من ذلك. قلت: هل أنت تعتقد أن أصحاب المذاهب الأخرى -من كان خارجاً عن الإسلام، ويدعي الإسلام ومن كان لا يزال في دائرة الإسلام لكنه ظل عن بعض أحكامه- هل تعتقد أنهم يقولون معك ومعي: نحن على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح؟ قال: لا. لا يشتركون معنا. قلت: إذاً أنت لا يكفي أن تقول: أنا على الكتاب وعلى السنة، لابد من ضميمة أخرى. قال: نعم. قلت: إذاً ستقول: على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح. والآن نأتي إلى بيت القصيد، قلت له وهو رجل أديب وكاتب: هل توجد كلمة واحدة في اللغة العربية تجمع لنا إشارة إلى هذه الكلمات كلها: مسلم، على الكتاب والسنة، ومنهج السلف الصالح، مثلاً: أنا سلفي؟ قال: هو كذلك. وأسقط في يده، هذا هو الجواب، فإذا أحد أنكر عليك فقل له هذا الكلام الذي ذكرناه: وأنت ماذا؟ سيقول لك: مسلم، وأكمل بقية المناقشة معه. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 256

تحريم الصور والتماثيل إن الله أمرنا بتوحيده وإفراده بالعبادة والتعظيم، وحرم علينا كل طريقة تفضي إلى الإشراك به أو تعظيم غيره، ومن ذلك أن حرم علينا إقتناء الصور والتماثيل. وفي هذه المادة تحدث الشيخ ﵀ عن تحريم التصاوير والتماثيل سارداً في ذلك الأدلة من السنة النبوية، ثم أتبعها ببعض المسائل والأحكام المتعلقة بها.

стр. 257

أدلة تحريم التصور الحمد لله، نحمده ونستعينه ونسغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لدينا الآن فصل جديد، وهو من الفصول التي تعالج أمراً طالما خالطه الناس اليوم وابتلوا به، وازداد البلاء حينما اضطر الكثير من العلماء أن يتأولوا بعض هذه الأحاديث الآتية؛ ليفسّحوا للناس فيما تسامحوا فيه من مُواقعةِ التصوير المحرم. فيقول المصنف ﵀: الترهيب من تصوير الحيوانات والطيور في البيوت وغيرها.

стр. 258

الدليل الأول: حديث عمر: (إن الذين يصنعون هذه الصور ... ) أولاً: عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) رواه البخاري ومسلم. فهذا الحديث يحرم التصوير، ويبين أنه من كبار المعاصي؛ لأن الرسول ﵇ يصرح بأن هؤلاء الذين يصنعون ويصورون هذه الصور يُعذبون يوم القيامة تعذيباً -أقول من باب التوضيح- يكاد يكون أبدياً، لأنهم يعذبون حين يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، فإن استطاعوا إحياء ما خلقوا انتهى العذاب، ولن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، كما سيأتي في بعض الأحاديث الآتية. ويجب أن نلاحظ هنا أن في الحديث اسم إشارة: (إن الذين يصنعون هذه الصور) فما هي الصور التي أشار الرسول ﵊ إليها باسم الإشارة (هذه) في قوله: (إن الذين يصنعون هذه الصور) ؟ إن الوقوف عند هذا الاسم ومحاولة فهمه فهماً صحيحاً، يزيل إشكالاً واضطراباً كثيراً عند بعض الناس من الراغبين في معرفة الحقائق الفقهية، فإنهم حينما يسمعون بعض المؤلفين -اليوم- والكتاب يحملون كل الأحاديث المُحرِّمة لِلتصوير على تصوير المجسم، أي: على نحت الأصنام. هكذا يتأولون الأحاديث المُحرِمِّة للتصوير. فقول الرسول ﵊: (إن الذين يصنعون هذه الصور) ماذا يقصد بهذه الصور؟ أهي كما قال هؤلاء: الأصنام؟ أنا أقول: هذا أبعد ما يكون عن مقصود الرسول ﵊ في هذا الحديث، وبخصوص اسم الإشارة (هذه) ، لماذا؟ لأن الرسول ﵇ قال هذه الأحاديث في المدينة حيث لم يبق للتماثيل وللأصنام بقية تذكر مطلقاً، بعد أن نصر الله نبيه بفتح مكة، وحطم الأصنام التي كانت موضوعة على ظهر الكعبة، فانطمس الشرك وآثاره بالكلية، ولكن بقيت بقايا من الصور التي قد تكون يوماً ما سبباً لعودة الشرك إلى قوَّتِه التي كان عليها قبل بعثة الرسول ﵊، فأنا أستبعد جداً أن يعني الرسول ﵇ باسم الإشارة (هذه) الأصنام التي قَضَى عليها وحطمها. فالأقرب أنه يعني صوراً كانت لا تزال منبثة، ولا يزال المسلمون يقتنونها في بيوتهم وخيامهم، وغيرها من الأماكن، فهو ﵊ حين قال: (إن الذين يصنعون هذه الصور) يشير إلى صور قائمة ومنبثة بين الناس، ويؤكد هذا المعنى أن حديث عائشة ﵂ -الآتي- في بعض رواياته وألفاظه: أن الرسول ﵇ حينما دخل عليها ورأى القرام -الستارة- وعليها الصور، قال: (إن أشد الناس عذاباً هؤلاء المصورون) ، فهو يشير إلى هؤلاء الذين يُصورِون الصور على الستائر، ولا يعني الأصنام؛ لأن الأصنام لم تكن في بيت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها. إذاً: قوله: (إن الذين يصنعون هذه الصور) لا يعني بها الصور المجسمة مباشرة، وإنما يعني الصور غير المجسمة، ويسميها الفقهاء: التي لا ظل لها، فإذا حرم الرسول ﵊ هذه الصور غير المجسمة أو التي لا ظل؛ لها فمن باب أولى حينئذ أن يُحرِّم الأصنام والتماثيل. ومن باب التحذير من تعاطي هذه الصور صنعاً واقتناءً، يبين الرسول ﵇ في هذا الحديث ما هي عقوبة الذين يُصورِون هذه الصور، فيقول: (يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) ولا يستطيعون إحياءهم، فهو كناية عن استمرارهم في العذاب إلى ما شاء الله، واستمرارهم في العذاب يختلف باختلاف واقع الإيمان في قلوبهم، فمن مات منهم مؤمناً فسينجيه إيمانه يوماً ما من أن يستمر تعذيبه في النار، ومن مات مُستحِلاً لِمَا حرَّم اللهُ فقد عرفتم من البيان السابق أنه كافر، وأنه يُخلد في النار إلى أبد الآبدين. هذا هو الحديث الأول، وهو من حديث عمر مما رواه البخاري ومسلم.

стр. 259

الدليل الثاني: حديث عائشة بتعدد رواياته الحديث الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: (قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام -السهوة: الطاقة في الحائط، والقرام: الستارة- فيه تماثيل) أي: فيه صور. وهنا فائدة لغوية بالنسبة لبعدنا اليوم عن اللغة العربية، أو لسيطرة بعض الاصطلاحات، فنحن اليوم نفهم من لفظة (تمثال) أو (تماثيل) : أنها الأصنام، فهذا تمثال المالكي -مثلاً-: نحن لا نقول: هذه صورة، وهي صورة بلا شك، كما أن الصور التي نقتنيها على الورق هي أيضاً في لغة العرب تسمى تماثيل، والشاهد على ذلك هو هذا الحديث، فالرسول ﵊ حينما دخل على السيدة عائشة، كما في هذه القصة، فرآها وقد علقت قِراماً -أي: ستارة- عليه تماثيل، والتماثيل توضع على الجدار ولا توضع على الأستار، لكن اللغة واسعة، فإن قلت: صورة، فيمكن أن تكون الصورة بمعنى الصنم، أو صورة ليس لها ظل. وكذلك إن قلت: تمثال، فهو بمعنى صورة، فقد يكون مجسماً، وقد يكون غير مجسم، فجاء هذا الاستعمال في هذا الحديث بالمعنى الذي لا ينتبه له كثيرٌ من الناس. إذاً: الرسول ﵊ رأى تماثيل على الستارة، -أي: صوراً- وهذه الصور سواءً كانت ملونة بدهان، أو مطرزة تطريزاً فليست أصناماً تقول: عائشة ﵂: (قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله ﷺ تلون وجهه -أي: تغير غضباً واحمر- وقال: يا عائشة! أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله) ، أي: الذين يعملون أعمالاً من التصوير؛ سواءً كان التصوير مجسماً أو غير مجسم، فهم يتشبهون بخلق الله لخلقه: (يضاهون بخلق الله) أي: بما يخلق الله، فالله يخلق هذه الأجسام وهذه الحيوانات وهم أيضاً يضاهون، والمضاهاة ليس من الضروري -كما هو معلوم- أن تكون من جميع الوجوه، فالذي ينحت في التمثال، أو يصور الصورة على الورق، يضاهي رب العالمين من حيث الهيكل والصورة، ولكن أهم شيء في ذلك هو نفخ الروح، ولذلك لمّا كان عاجزاً عنه يُعذب يوم القيامة بأن يُؤمر بنفخ الروح فيها، فلا يستطيع وليس بنافخ. إذاً: المضاهاة المقصود بها هنا، والتي جعلها الرسول ﵇ في هذا الحديث عِلة تحريم التصوير، هي: المضاهاة الشكلية الظاهرة، فقال ﵊: (يا عائشة! أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله، قالت: فقطّعناه، فجعلنا منه وسادة أو وسادتين) . وفي رواية قالت: (دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ وفي البيت قرام فيه صورٌ -هنا استعمل الراوي لفظة (صور) مقابل (تماثيل) ، فالمعنى واحد- فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه -أي: مزقه- وقال: إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور) ، جاء الشاهد الذي أشرت إليه فيما علقته على حديث عمر الأول: (إن الذين يصنعون هذه الصور) قلنا: إن اسم الإشارة (هذه) هنا يشير إلى الصور غير المجسمة، وهذا هو الدليل؛ لأن قصة السيدة عائشة لها هذه المناسبة وهذا السبب، وهو دخول الرسول عليها وقد علقت الستارة وعليها التماثيل والصور، فقال ﵊ مشيراً إلى هذه الصور التي على الستارة: (إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور) . ولذلك فإن قرأتم أو سمعتم هذه الأحاديث التي فيها هذا الترهيب الشديد من التصوير، إنما يُراد بها الذين كانوا يصنعون الأصنام التي تعبد من دون الله، وحمل الحديث على هذه التماثيل باطل؛ لأن الرسول ﵇ إنما يشير إلى الصور التي كانت في قِرام السيدة عائشة، ونحن نعلم بالضرورة أن هذه الصور: أولاً: ليست أصناماً مجسمة. ثانياً: لم تأت السيدة عائشة بهذا القرام -بهذه الستارة- التي فيها الصور لتعظمها أو تعبدها من دون الله ، حاشاها من ذلك! إذاً: فتأويل هذه الأحاديث وحملها على الأصنام التي كانت تعبد من دون الله، ونتيجة ذلك أن التصوير المحرم انقضى زمنه كما ينعق -أقولها صراحة- بعضهم بهذا الكلام؛ وإنما كان هذا النهي كسياج للقضاء على الشرك والوثنية، وقد انتهى أمر الشرك والوثنية؛ ولذلك فتعاطي الصور -لا سيما إذا كانت غير مجسمة- لا بأس بها عند هؤلاء الذين يتأولون الأحاديث على المعاني التي تدل الأحاديث على خلافها، كما سمعتم في قصة السيدة عائشة ﵂. وفي رواية أخرى عن السيدة عائشة ﵂، ويبدو أنها قصة أخرى؛ لأن هذه الرواية تقول: إنها اشترت نمرقة -وهي المخدة- والقصة الأولى بروايتيها تدور حول الستارة، فالرسول ﵇ في تلك القصة أنكر التصاوير وهي على الستارة، وتأكيداً لتحريم استعمالها مزق الستارة كما سمعتم، وعندنا الآن قصة أخرى: تقول السيدة عائشة: أنها اشترت نمرقة -وهي المخدة- وتلاحظون شيئاً في هذه القصة: أننا نستطيع أن نفسر بها طرفاً من القصة السابقة، ففي القصة السابقة سمعتم بأن الرسول ﵇ بعد أن هتك الستارة، ماذا صنعت السيدة عائشة بهذا الستارة؟ قطّعتها واتخذت منها وسادتين -أي: نمرقتين- فهنا يقول البعض: بأن الصور كانت ظاهرة على الوسادتين اللتين اتخذتهما السيدة عائشة من الستارة التي هتكها الرسول ﵇، فإن سُلِّمَ بهذا التفسير -أي: كانت الصور ظاهرة على الوسادتين- نقول: هذا يمكن أن يكون قبل القصة الآتية، التي فيها إنكار الرسول ﵇ على السيدة عائشة شراءها النمرقة أو الوسادة وفيها صور؛ فكيف يُمكن أن نجمع بين إقرار الرسول ﵇ للوسادتين وعليهما الصور بهذا التأويل، وبين إنكار الرسول ﵇ على السيدة عائشة حين اشترت النمرقة وعليها الصور كما سترون؟ فإن سُلِّمَ بأن الصور كانت ظاهرة في الوسادتين -وهذا خلاف ما يبدو لنا؛ لأن الستار مقطع- فنقول: هذا كان كمرحلة من مراحل التدرج في التشريع، فحينما هتك الستارة أنكر تعليق الصور، فلما اتخذت من الستارة وسادتين وعليها الصور -جدلاً- أقر ذلك مبدئياً، ثم في مرحلة أخرى أنكر -أيضاً- حتى الصور التي على الوسادة. وينتج من هذا أنه لا يجوز أن يكون في البيت صورة؛ سواءً كانت معلقة -أي: محترمة- أو كانت موطوءة -أي: مُهانة- ولا فرق حين ذاك بينهما، فكما تمنع تلك المعلقة تمنع هذه الموطوءة بالأقدام، بدليل قصة عائشة الآتية، وهي: (أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﵌ قام على الباب فلم يدخل، قالت: فعرفتُ في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله مما أذنبت! فقال رسول الله ﵌: ما بال هذه النمرقة؟ فقلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتتوسدها، فقال رسول الله ﵌: إن أصحاب هذه الصور -أيضاً هنا اسم إشارة ينطبق على الصور غير المجسمة- يُعذبون يوم القيامة، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة) رواه البخاري ومسلم. فقصة النمرقة هذه تلتقي في الإفادة مع قصة الستارة، وهي أن الرسول ﵇ حرَّم في القصتين تحريماً باتّاً التصوير غير المجسم -أي: غير الأصنام- والقصتان متفقتان على هذا، ولكن القصة الأولى -قصة الستارة- ليس فيها التصريح بأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة موطوءة، فلا يوجد فيها هذا البيان؛ بل فيها الاحتمال الذي يتمسك به بعض الناس اليوم، أنه لما اتخذت السيدة عائشة الستارة وسادتين وعليهما الصور كانت هذه الصور واضحة وظاهرة. إذاً: لا نغتر ببعض كلمات نسمعها بعدما سمعنا هذا الحديث، فلا نغتر بمن يقول: لا بأس إذا كانت الصورة على وسادة، أو إذا كانت الصورة على سجادة؛ لأنها ممتهنة غير محترمة، لا، فهذا حديث يصرح أن هذه الصورة التي هي على النمرقة، ويمكن الاتكاء عليها -ويا ليتها بهذا الاتكاء- هي من جملة الصور التي تمنع دخول الملائكة. فالبيت المسلم لا يجوز أن يكون فيه صور ظاهرة -هذا أقل ما يُقال- مهما كانت هذه الصور، فيجب أن نحرص كل الحرص أن نُجنب إظهار الصور في بيوتنا؛ لأن هذا الظهور يمنعُ دخول الملائكة، ومعنى هذا خطير جداً؛ لأن العامة يقولون: (إذا حضرت الملائكة هربت الشياطين) فهذا شيء كأنه مستنبط من هذا الحديث، إذا كانت الملائكة لا تدخل البيت فمن يدخله إذن؟ إذا خلا الجو لهؤلاء الشياطين سارعوا إلى هذه البيوت، فالقضية متعاكسة تماماً، فإذا اتخذت الوسائل الشرعية لاستجلاب ملائكة الله إلى دارك؛ فقد اتخذت سبباً قوياً جداً في إبعاد الشياطين عن بيتك، والعكس بالعكس تماماً؛ إذا تساهلت فخالفت الشرع واتخذت الأسباب لعدم دخول الملائكة إلى بيتك؛ فقد أفسحت المجال لدخول الشياطين إليه. هذه حقائق شرعية لا يمكن للإنسان أبداً أن يعرفها بمجرد عقله، ومن هنا نعرف أهمية الشريعة، وخاصة منها السنة التي تشرح لنا أموراً دقيقة تخفى حتى على المسلمين، إلا الذين يستنيرون بنور النبوة والرسالة.

стр. 260

الدليل الثالث: حديث ابن عباس: (من صور صورة فإن الله معذبه ... ) الحديث الثالث يقول: وعن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال: (إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها. فقال له: ادن مني. فدنا، ثم قال له: ادن مني. فدنا، حتى وضع يده على رأسه، وقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﵌، سمعت رسول الله ﵌ يقول: كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً فيعذبه في جهنم. قال ابن عباس: فإن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية للبخاري قال: كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل فقال: (يا ابن عباس! إني رجل إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﵌، سمعته يقول: من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً. فربا الرجل ربوة شديدة، فقال: ويحك! إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح) . يقول المصنف: ربا الإنسان: إذا انتفخ غيظاً أو كبراً، أي: إن ذاك الرجل لما سمع ما رواه ابن عباس من الوعيد الشديد بالنسبة لمن يصور تلك الصور، غضب غضباً شديداً، واغتاظ غيظاً كبيراً بسبب ما سمعه من الوعيد الشديد، فأوجد له ابن عباس مخرجاً ومتنفساً؛ لأنه كما سمعتم قال: إن معيشته من صنعه تلك التصاوير والتماثيل، فحينما بين له تحريم ذلك ربا تلك الربوة واغتاظ غيظاً شديداً، فقال له: إن كنت ولا بد صانعاً -أي: مصوراً- فصور الشجر وكل شيء لا روح ولا نفس فيه. ومن هذا الحديث أخذ العلماء التفريق بين تصوير الحيوانات وبين تصوير الجمادات، فحرموا القسم الأول وأباحوا القسم الآخر.

стр. 261

الدليل الرابع: حديث ابن مسعود: (إن أشد الناس عذاباً ... ) الحديث الرابع: وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) رواه البخاري ومسلم.

стр. 262

الدليل الخامس: حديث أبي هريرة: (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ... ) الخامس: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، وليخلقوا حبة، وليخلقوا شعيرة) رواه البخاري ومسلم.

стр. 263

الدليل السادس: حديث علي: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ؟ ... ) وعن حيان بن حصين قال: قال لي علي ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلى سويته) رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.

стр. 264

الدليل السابع: حديث أبي طلحة: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ... ) الحديث السابع: عن أبي طلحة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة) رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. وفي رواية ل مسلم: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل) والفرق بين رواية مسلم ورواية الشيخين هو في لفظ: (صورة وتماثيل) وقد ذكرنا -كما مر- ما نستطيع أن نفهم به أن الخلاف بين الروايتين؛ بين رواية (صورة) ورواية (تماثيل) إنما هو خلاف لفظي؛ لأن كل صورة لغة هي تمثال، وكل تمثال هو صورة، بخلاف ما هو شائع اليوم في العرف الحاضر من أن التمثال خاص بالصور المجسمة، فهكذا جرى العرف في تخصيص التمثال في الصورة المجسمة، أما في اللغة فلا فرق بين التمثال وبين الصورة، فسواء كانت الصورة مجسمة أو غير مجسمة فهي صورة وهي تمثال، ولا فرق بين اللفظين مطلقاً، فرواية الشيخين: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة) لا تختلف عن رواية مسلم التي فيها: (كلب أو تماثيل) .

стр. 265

الدليل الثامن: حديث ابن عمر: (واعد رسول الله ﷺ جبريل ... ) وعن ابن عمر ﵄ قال: (واعد رسول الله ﵌ جبريل ﵊ أن يأتيه، فراث عليه -أي: تأخر عنه- حتى اشتد على رسول الله ﵌، فخرج فلقيه جبريل فشكا إليه فقال: إنّا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة) رواه البخاري. (راث) : بالتاء المثلثة غير مهموز -أي: ليس رأث، وإنما راث- أي: أبطأ. وفي هذا الحديث فائدة مهمة، وهي سبب قول الرسول ﵊ في هذا الحديث: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة أو كلب) قال ذلك تلقياً عن جبريل، بمناسبة أنه كان على موعد مع الرسول ﵊، فراث عنه -أي: تأخر وأبطأ عنه- وفي بعض الروايات: أن الرسول ﵇ ظهر على وجهه الكرب والحزن والاضطراب، فسأله بعض نسائه فقال: (إن جبريل واعدني) أي: تأخر عنه، ثم سرعان ما ظهر جبريل خارج البيت -خارج الحجرة- فسارع الرسول ﵊ إليه، فقال له جبريل ﵊: (إنا معشر الملائكة لا ندخل بيتاً فيه كلب أو صورة) . والصورة التي كانت في البيت لم تكن صنماً، وبالمعنى الاصطلاحي اليوم تمثالاً، وإنما كانت صورة على ستارة كما سيأتي في بعض الروايات، ففي ذلك دليل واضح على دلالة حديث عائشة السابق، أن التحذير من تصوير الصور، وبيان -كما في هذا الحديث- أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، إنما يعني في هذا الحديث وفي ذاك الصورة التي لا ظل لها، أي الصورة مصورة على الثياب والورق، فلا يقصد بها كما يتوهم بعض العصريين تبعاً لبعض المتقدمين، ممن لم يحيطوا بالأحاديث الواردة في الباب -أي السابقين- أما المعاصرين اليوم فهم يعلمون مثل هذه الأحاديث، ولكنهم يدورون حولها ويحتالون عليها بشتى الحيل والتآويل، كما سيأتي ذكر بعض ذلك. فإذاً: هذه الصورة التي تمنع دخول الملائكة هي صورة ليس لها ظل وليست مجسمة، وإنما هي مصورة على الستارة، وكذلك في حديث عائشة السابق: (إن الذين يصورون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم) أو كما قال ﵊، وأشار إلى الصورة التي كانت على الستارة. ولم يأت معنا في كل هذه الأحاديث حديث ولو واحد، فيه التصريح بأن هذا الوعيد الذي أوعد به الرسول ﵇ المصورين، والذين يقتنون هذه الصور، إنما هي الصور المجسمة، وإنما هناك حديث علي ﵁ حيث قال: (ألا تدع صورة إلا طمستها) ومع ذلك فهذا كسوابقه من الأحاديث ليس صريحاً؛ لأن هذه الصور هي مجسمة، بل لعل لفظة: (طمستها) فيها إشارة إلى أن الصورة ليست مجسمة؛ لأن الطمس في الصور التي كتبت أو صورت بالدهان أو بالتطريز -مثلاً- إذا طمست بشيء من الألوان أو الخيوط -مثلاً- أقرب من تفسير الصنم إذا كان مجسماً، ففي هذا كله عبرة في انحراف الذين يحملون هذه الصور التي جاءت هذه الأحاديث بالنهي عنها على الصور المجسمة، ولم يأت ذكر التجسيم أو معناه في شيء من هذه الأحاديث. الحديث التاسع حديث ضعيف.

стр. 266

الدليل التاسع: حديث أبي هريرة: (أتاني جبريل ... ) والحديث الذي بعده وهو العاشر حديث صحيح، وفيه تفصيل للحديث السابق -حديث جبريل- وهو من رواية أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (أتاني جبريل ﵇ فقال لي: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل) لاحظوا التعبير، قال جبريل: (فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل) فيتبادر إلى أذهان الناس اليوم من لفظة (تماثيل) أنه يعني الأصنام، وليس كذلك؛ بدليل قوله فيما بعد: (وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل) فالستر الذي فيه تماثيل لا يعني بها الأصنام، وإنما المقصود هو قوائم تلك الصور التي على الباب، أو الصور التي على الستارة. (وكان في البيت كلب) هذا من تمام كلام جبريل، يقوله للرسول ﵊ مبيناً سبب تأخره عن المجيء في الوعد الذي كان قد ضربه للرسول ﵊، فيقول جبريل صلوات الله وسلامه عليه: (وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي في البيت فليقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فيجعل منه وسادتين منبوذتين يوطآن، ومر بالكلب فليخرج) رواه أبو داود، والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وتأتي أحاديث من هذا النوع في اقتناء الكلب إن شاء الله تعالى، أي: في باب أو فصل الترغيب من اقتناء الكلب، تأتي أحاديث فيها -أيضاً- النهي عن التصوير.

стр. 267

الدليل العاشر: حديث أبي هريرة: (يخرج عنق من النار ... ) الحديث الحادي عشر وهو الأخير في هذا الفصل: عن أبي هريرة -أيضاً- قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، وأذنان يسمعان، ولسان ينطق به، يقول: إني وكلت بثلاثة: بمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبكل جبار عنيد، وبالمصورين) هذا العنق عبارة عن لهب من النار يخرج من النار -جانب منها- فيه عينان يبصر بهما، وأذنان يسمع بهما، ولسان ينطق به، يقول: إني وكلت بثلاثة -أي: بتعذيبهم وحرقهم-: بمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبكل جبار عنيد، وبالمصورين، رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب ويفسر غريب الحديث فيقول: (عنق) بضم العين والنون، أي: طائفة وجانب من النار. هذا الحديث الأخير فيه غرابة من حيث ما تضمن من خبر من أخبار الغيب التي يجب الإيمان بها، وهو أن الله بقدرته يخرج من نار جهنم طرفاً منها يتمثل في صورة رأس له عينان، وأذنان، ولسان ينطق به، فيتكلم ويقول بأنه وكل بتعذيب ثلاثة: بمن اتخذ مع الله إلهاً آخر، وبكل متكبر جبار عنيد، وبالمصورين. هذا الحديث هو الحديث الحادي عشر من أحاديث الباب، وقد قرأتها عليكم كلها إلا الحديث التاسع ففي سنده ضعف، وتلك الأحاديث التي قرأناها تغني في الباب عن الحديث الضعيف.

стр. 268

خلاصة حكم التصوير إن لفظ التصوير والمصورين لفظة مطلقة، فهي من حيث إطلاقها تشمل الصور المجسمة وغير المجسمة، ومن حيث النظر إلى سبب ورود بعضها يدل على أن الرسول ﵇ إنما قالها بمناسبة الصور غير المجسمة؛ ولذلك فالذي يحمل هذه الأحاديث على الصور المجسمة والتي لها ظل، ولا يُدخل فيها الصور المصورة على الثياب والستائر والجدران والورق اليوم، فإنما هو أحد رجلين: الأول: إما أنه لم يطلع على هذه الأحاديث، وما فيها من بيان أن الرسول ﵇ قصد بها مباشرة الصور التي لا ظل لها، وهذا النوع إنما يتصور بالنسبة لبعض العلماء المتقدمين الذين لم يكونوا في زمن قد جمعت فيه السنة. الثاني: هم الذين اطلعوا على هذه الأحاديث بعد تذليلها وتيسير الاطلاع عليها، وهم المعاصرون اليوم، فإنما هم يتأولون هذه الأحاديث بتآويل باطلة، يدل على بطلان هذه التآويل أمران اثنان معاً: الأمر الأول: عموم وإطلاق الأحاديث، كما سمعتم في بعضها: (كل مصور في النار) فالذي يقول: ليس كل مصور في النار، وإنما المقصود بالمصورين هنا الذين ينحتون الأصنام، فنقول له: ما هو دليل التخصيص؟ مع أننا ذكرنا الأحاديث السابقة كلها، وبينا أن جميعها تدل على تحريم الصور التي ليس لها ظل، فكيف تخصص هذا اللفظ العام مع عدم وجود المُخَصِص؟ الأمر الثاني: وهو واضح كما ذكرنا؛ فقد كررنا أن الرسول ﵇ ذكر هذه الأحاديث التي سمعتموها في الباب بالنسبة للصور التي صورت على الستائر ولم تنحت نحتاً من الحجارة، كما كان عليه الكفار في زمن الجاهلية. فتأويل هذه الأحاديث على أن المقصود بها إنما هي الصور المجسمة رد لها الأحاديث، فنخشى أن يَدخل من يتأولها بهذا التأويل الباطل بعد أن يتبين له هذا البطلان في عموم قول الله ﵎ في القرآن: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] فإذا كان الرسول يقول: (كل مصور في النار) (من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ) ونحوه، بمناسبة الصور التي لا ظل لها، فكيف يقول المسلم الذي يؤمن بالله ورسوله أن الصور المحرمة في هذه الأحاديث إنما هي التي لها ظل، أي: الصور المجسمة؟ إذاً: نقطع بأن الصور المحرمة هي على العموم والشمول، وهي تشمل ما لها ظل وما لا ظل لها، وتشمل المجسمة وغير المجسمة.

стр. 269

الاحتيال على أحكام الله وشريعته ومن الانحرافات: الاحتيال على أحكام الله في شريعته فبعد الرد بمثل هذه النصوص التي تدل على أن الصور المحرمة هي -أيضاً- الصور غير المجسمة، مع ذلك فقد احتال بعض الكُتّاب في العصر الحاضر حيلة أظن أنه سبق بها اليهود، أقولها صريحة وستقولونها معي حينما تسمعون ماذا صنع وماذا فعل. جاء في حديث أبي هريرة الذي فصل لنا امتناع جبريل ﵇ من الدخول إلى بيت الرسول، مع أنه كان على وعد معه، فذكر له أن هناك تماثيل -أي: صوراً- على الباب وعلى الستارة، فأمر بتغيير الصور التي على الستارة حتى تصير كهيئة الشجرة، ومعنى ذلك: أن هذه الستارة كانت مطرزة وفيها تماثيل -أي: صور- الخيل ذوات الأجنحة -كما في بعض الروايات- فحينما أمر جبريل ﵊ بتغيير هذه الصورة حتى تصير كهيئة الشجرة، معنى ذلك إضافة خيوط جديدة على هذه الصورة، حتى يقضى على معالم الصورة السابقة وتظهر أنها تمثل صورة شجرة، فأخذ العلماء من هذا الحديث: أن الصورة إذا غيرت خرجت عن التحريم وصارت مباحة، ولكن -مع الأسف الشديد- لم يقفوا عند هذا التغيير الذي حدده جبريل للرسول عليهما الصلاة والسلام، أي: لم يقفوا عند هذا التغيير الكلي الذي به تنطمس معالم الصورة السابقة، وتظهر بعد ذلك صورة أخرى كهيئة الشجرة المباحة، لم يقفوا عند هذا التغيير الشامل، فقالوا مثلاً: لو أردت تغيير الصورة -صورة على الورق مثلاً- فخط خطاً على العنق، زعموا بأن هذه الصورة تغيرت هيئتها، لماذا؟ وزعموا أن الرأس أصبح منفصلاً عن الجسد، ولا يعيش الإنسان بهذه الصورة إذاً: هذه الصورة تغيرت فصارت مباحة! وتسلسل تغيير التغيير -إذا صح هذا التعبير- تغيير المطلق الشامل الذي ذكره الرسول ﵇ عن جبريل، فضيقوا دائرته فقالوا -كما سمعتم في التغيير الأول-: أنه إذا خُط خط على العنق وبقيت الصورة كما هي فهي صورة جائزة؛ لأنها تغيرت، فهذا تغيير رقم (١) للتغيير الكلي الذي أمر به جبريل ﵇ في الحديث السابق. ثم هذا التغيير لم يقنعوا به، فانتقلوا إلى مرحلة أخرى، فقالوا: إذا كانت الصورة نصفية -وهذا بلاء عم وطم- فهذه الصورة جائزة؛ لأن الإنسان لا يعيش بنصفه؛ فلابد أن يكون معه الأرجل والبطن وبقية أجزاء الجسد، فهذه الصورة مغيرة، ونحن نعلم جميعاً أن العبرة في كل شيء وبخاصة في الإنسان إنما هو رأسه، فإذا بقي الرأس وذهبت الرجلان -مثلاً- فلن يقضى على الصورة وعلى أثرها في المجتمع الذي يخشاه الشارع الحكيم ولو في المستقبل البعيد، ومن أجل ذلك فسبب من أسباب حكمة تحريم الصور: حتى لا تُعبد من دون الله ولو في المستقبل البعيد. هذا التغيير رقم (٢) . جاء الكاتب المشار إليه -وهو من علماء الأزهر- فجاء بتغيير فيه العجب العجاب؛ وهو الذي عنيته بقولي: سبق في هذا الاحتيال اليهود؛ فكتب مقالاً منذ القديم حينما كانت تظهر مجلة الأزهر تحت عنوان نور الإسلام، فكتب فيها مقالاً ذكر المذاهب حول الصورة المحرمة، وهما مذهبان: المذهب الأول: مذهب تحريم الصور عامة، بدلالة الأحاديث السابقة. المذهب الثاني: ويروى عن الإمام مالك، أن الصور المحرمة إنما هي المجسمة. فهذا الرجل الكاتب المشار إليه دون أن يلتفت إلى هذه الأحاديث وأن يتفقه فيها، تبنى منهج الإمام مالك، وهو مخالف بلا شك لهذه الأحاديث، فهذا المذهب الذي يقول: الصور المجسمة هي فقط المحرمة، تبنى هذا المذهب ذلك الكاتب لغاية في نفسه، ثم توصل من بعد هذه الخطوة الأولى التي انحرف فيها عن الأحاديث السابقة، إلى خطوة أخرى قصيرة جداً قضى بها على كل المذاهب حتى على مذهب الإمام مالك؛ لقد لفق من مذهب الإمام مالك الذي يُحرم -أيضاً- الصور المجسمة مع جماهير العلماء، ومن قال من العلماء: بأن الصورة إذا تغيرت هيئتها كانت حلالاً، لفق من مجموع القولين المسألة الآتية فقال: بناءً على ذلك؛ إذا نحت الفنان -هكذا يقول- صنماً؛ فلِكي يتخلص من التحريم حفر حفيرة في أم رأسه حتى يصل إلى الدماغ، وهو في هذه الحالة -أي: هذا الصنم- يمثل إنساناً لا يعيش؛ لأنه لا يمكن أن يعيش الإنسان وفيه حفرة تصل إلى دماغه، قال: لكن هذا عيب في الصنم -في التمثال- من الناحية الفنية- فهو يعلم الفنانين ما شاء الله! فيقول: يضع شعراً مستعاراً على رأس الصنم، فيظهر الصنم من الناحية الفنية في أتم صورة وأجمل هيئة، وبذلك يتخلص هذا الممثل النحات من أن يخالف أحاديث الرسول ﵊. فهل علمتم في اليهود من احتال على حرمات الله كمثل هذا الرجل الأزهري؟! هذا مصداق قول الرسول ﵊: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) هذا احتيال مما أصيب به بعض العلماء في العصر الحاضر، ولا شك أن الذين يقرءون مقال ذلك الكاتب، وهم من جماهير الناس ممن لا يعلمون هذه الأحاديث وليسوا بفقهاء؛ يتورطون ببيانه، وينطلقون في النحت والتصوير، ويحتالون على ذلك بمثل تلك الحيلة التي تعلمها تلميذ بل شيخ إبليس، هذا تحريفه.

стр. 270

التفريق بين الصور اليدوية الفوتوغرافية حيلة على شرع الله ومن هذا النوع، وهو بلاء أكبر، وإن كان دون السابق في الاحتيال التفريق بين الصور اليدوية والصور الفوتوغرافية، أو التفريق بين الصور التي تصور بالقلم أو الريشة، وبين الصور التي تصور بالآلة المصورة هذا التفريق قلَّ ما ينجو منه عالم في العصر الحاضر؛ وذلك لعموم ابتلاء الناس بهذه الآلة وصورها؛ فيقول: هؤلاء الذين يفرقون بين الآلة المصورة فيجيزون التصوير بها، وبين التصوير بالقلم أو بالريشة، يقولون -وعجيب ما يقولون! -: إن هذه الآلة -أولاً- لم تكن في عهد الرسول ﵊، فمتعاطيها والمصور بها لا يدخل في عموم الأحاديث السابقة، ومنها: قوله ﵊: (كل مصور في النار) إذاً: هذا المصور بالآلة لا يدخل في عموم الحديث، لماذا؟ قالوا: -زعموا- لأن الآلة ولأن المصور بها لم يكن في عهد الرسول ﵊. ولا يكاد ينقضي عجبي من مثل هذا الكلام وهو يصدر من علماء، المفروض أنهم يتذكرون دائماً وأبداً أن ما يقوله الرسول ﵊ من الأحاديث ليست من عنده اجتهاداً برأيه، وإنما هو كما قال ربنا ﵎: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] فحينما قال الرسول ﵇: (كل مصور في النار) يجب أن يستحضر المسلمون عامة فضلاً عن العلماء خاصة، يجب أن يستحضروا أن هذا الكلام ليس من عنده: (كل مصور في النار) وإنما تلقاه من وحي السماء من ربه ﵎ ثم صاغه بلفظه، أما المعنى فهو من عند الله ، فكأن الله هو الذي يقول: (كل مصور في النار) ، لأن الرسول لا يشرع للناس من عند نفسه.

стр. 271

فرصة استئناف الحياة الإسلامية إن من أسباب صحة تعبدنا لربنا وعدم وقوعنا فيما يفسد عقائدنا أن نفهم التوحيد فهماً صحيحاً، حتى لا نقع في الشرك الذي نهينا عنه، وإن من صميم التوحيد تحقيق الحاكمية لله، وذلك بعدم أخذ الشرائع من غيره، سواء أكانت هذه المصادر شرائع سماوية محرفة، أو اجتهادات بشرية قاصرة.

стр. 272

أهمية فهم أنواع التوحيد وما يناقضها من أنواع الشرك إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. تكلمنا عن الفقرة الأولى ألا وهي: الإشراك بالله ﵎، وذكرنا أن هذه الخصلة كما جاء في أحاديث أخرى هي أكبر الكبائر في هذه السبع، والكبائر كثيرة جداً، ولكن الأولى من هذه السبع هي أكبر الكبائر، ألا وهي الإشراك بالله ، وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة كحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: (أكبر الكبائر أن تجعل لله نداً وهو خلقك) وشرحنا في الدرس الماضي أن الشرك على ثلاثة أنواع: ١- شرك في الربوبية ٢- وشرك في الألوهية، أو العبودية ٣- وشرك في الصفات. وتكلمنا عن هذه الأنواع الثلاثة بشيء من التفصيل، وانتهينا إلى أن المسلم لا يكون موحداً حقاً، قائماً بتحقيق شهادة لا إله إلا الله؛ إلا إذا تبرأ عقيدة وعملاً من هذه الأنواع الثلاثة من أنواع الشرك: شرك الربوبية، وشرك الألوهية، وشرك الصفات. وذكرنا أنه يقابل هذه الأنواع الثلاثة من الشرك أنواع ثلاثة أخرى من التوحيد، وكل نوعٍ من هذه الأنواع الثلاثة من التوحيد يضاده نوع من تلك الأنواع الثلاثة من الشرك، فالتوحيد: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية أو العبودية، وتوحيد الصفات، فمن اعتقد أن لله نداً في ذاته، كما يعتقد الوثنيون المجوس القائلون بخالق الخير وخالق الشر؛ فهؤلاء مشركون شركاً من النوع الأول، شرك الربوبية، وهم لم يؤمنوا بوجود ربٍ خالقٍ واحدٍ. وهذا هو أكبر وأوضح أنواع الشرك في الدنيا، فإذا آمن الإنسان بأن الله لا ندّ له ولا شريك له في ذاته، فهذا لا يكفيه؛ لأن المشركين قد كانوا موحدين توحيد الربوبية كما ذكرنا في الدرس الماضي، فلا بد أن يضم إليه توحيداً من النوع الثاني، ألا وهو توحيد العبودية أو الألوهية، ومعنى ذلك: أنك -أيها الإنسان- بعد أن آمنت بأن الله واحد في ذاته لا خالق معه؛ يجب أن تعتقد وأن تحقق في نفسك أنه أيضاً لا شريك له في عبادته، فيجب ألا تعبد مع الله إلهاً أو آلهة أخرى، فإن أنت -لا سمح الله- فعلت شيئاً من ذلك؛ فقد نقضت توحيد العبودية أو الألوهية، ووقعت في الشرك من النوع الثاني: ألا وهو شرك العبودية أو الألوهية. أي: إن توحيدك الأول -توحيد الربوبية- لم ينفعك بشيء؛ لأنك لم توحد الله في عبادته وفي ألوهيته، وهذا المعنى الثاني هو الذي رمى إليه الرسول ﵊ في الحديث السابق حديث ابن مسعود حينما قال: (أكبر الكبائر أن تجعل لله نداً وهو خلقك) أي: أن تعبد مع الله إلهاً آخر، وهو الذي تعتقد أنه وحده تولى خلقك، ورزقك، إلخ. فلذلك لا يليق بهذا الإنسان الذي اعتقد بأن الله هو خالقٌ وحده أن يعبد غيره؛ لأن معنى ذلك أنه قد أعطى العبادة لغير من يستحقها، وإنما يستحقها رب العالمين ﵎. كذلك قلنا في النوع الثالث من الشرك، وهو الشرك في الصفات، فيجب أن توحد الله في صفاته كما أنك توحده في عبادته، وكما أنك توحده في ذاته، فإذا ما اعتقدت في إنسان -مهما سما وعلا- نوعاً أو صفة من صفات الله ؛ فإن توحيدك لله ذاتاً وعبادة لا ينفعك شيئاً مطلقاً؛ لأنك لا بد أن توحده أيضاً في صفاته، فإذا ما اعتقدت أن هناك من يشبهه في صفة من صفاته؛ فقد أشركت وحبط عملك. فهذه التفاصيل تبين لك أهمية فهم التوحيد بأنواعه الثلاثة، وما يناقضها من أنواع الشرك الثلاثة؛ حتى تتمكن من اجتناب هذا الشرك الذي كان أول ما أمرك به الرسول ﵊ باجتنابه في هذا الحديث الصحيح: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله .

стр. 273

اتباع المشرعين من دون الله شرك بالله بقي علينا في الدرس الماضي أن نبين أن من الشرك بالله : أن تتخذ معه مشرعاً غيره، فالتشريع هو صفة من صفات الله وخصوصية له، لا يجوز لمسلم أن يعتقدها أو أن يعطيها لشخص في الدنيا مهما علا وسما؛ وذلك لما جاءت النصوص من الكتاب والسنة صريحة في بيان أن التشريع ليس هو إلا لله . فالله ينكر على المشركين الذين كانوا يحرمون أشياء من عند أنفسهم، ويحللون أشياء أخرى مقابل تلك من عند أنفسهم، بقوله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] فهذا إنكار على الذين يشرعون من عند أنفسهم، وهناك إنكار على الذين اتبعوا أمثال هؤلاء المشرعين من عند أنفسهم، فقال ربنا ﵎ ذاماً ومنكراً على النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] . وقد أشكلت هذه الآية على بعض الصحابة؛ لأنه فهم منها أن إشراك المشركين من النصارى إنما كان من النوع الأول، وهو الإشراك في الربوبية فقط، فقال أحدهم وهو عدي بن حاتم الطائي، وقد كان من النصارى القليلين الذين تدينوا بدين النصارى يومئذ وقرأ وكتب، ثم هداه الله إلى الإسلام فأسلم، وصحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحضر مجالسه، فلما تلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مجلس من تلك المجالس على الصحابة هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] استغرب عدي بن حاتم هذا الحكم؛ لأنه كان من المتفقهين في دين النصارى، فقال: يا رسول الله! ما اتخذناهم أرباباً من دون الله، كأنه فهم أن الله عندما قال: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً)) [التوبة:٣١] أي: يعتقدون فيهم أنهم يخلقون مع الله، فبين له الرسول ﵊ أن الآية لا تعني ذلك، وإنما تعني: أن النصارى أشركوا مع الله حينما اتخذوا قسيسيهم ورهبانهم مشرعين من دون الله ؛ فوقعوا في الشرك، وكأنهم اعتقدوا أن هؤلاء أرباب مع الله يتصرفون في الكون كما يشاءون، فذلك الذي أراده ربنا في هذه الآية. فرجع الرسول ﵊ إلى عدي يقول له: (ألستم كنتم إذا حرموا لكم حلالاً حرمتموه، وإذا حللوا لكم حراماً حللتموه؟ قال عدي: أما هذا فقد كان، فقال ﷺ : فذاك اتخاذكم إياهم أرباباً من دون الله) فبهذه الآية مع تفسيرها يتبين أن الإنكار لا يشمل فقط الذين ينصبون أنفسهم منصب المشرع، فيحلل ويحرم، ويبيح ويحضر ما يشاء، دون أن يستند في شيء من ذلك إلى شرع الله ، فالإنكار لا ينصب على هذا المشرع وحده فحسب، وإنما يشمل أيضاً أولئك الذين يتبعونهم ويتخذونهم مشرعين من دون الله . ولعل هذا من معاني قول الله في المشركين: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [النساء:٨٩] فالمسلم حينما يتبع شخصاً يحرم ويحلل؛ فقد جعله ولياً يستنصر به من دون الله ، فهذا شرك ليس من شرك الذات، وإنما هو شرك في العبودية وفي الصفات، لذلك يجب أن يحذر المسلم. وقد يكون مستغرباً أن نقول: يجب أن يحذر المسلم من أن ينصب نفسه مشرعاً مع الله ؛ لأننا نعتقد أنه لا أحد في المسلمين يشرع من دون الله ، ولعل هذا يكون كذلك. ولكن على العكس من ذلك؛ فالمتوفر والموجود بكثرة هو اتخاذ مشرعين من دون الله ، فهذا يجب التحذير منه أيما وجوب؛ لأن الذين يتخذون من دون الله أولياء مشرعين يحرمون ويحللون، وهؤلاء وجد منهم كثيرون، ولكن الذين يتبعونهم أكثر وأكثر في كثير من القرون التي مضت، وخاصة في العصر الحاضر حينما أصبح التشريع والتقنين طبيعة لكل الدول الحاكمة والمسيطرة والموجهة لشعوبها وأممها. ولذلك كثر في العصر الحاضر من كثير من الكتاب الإسلاميين المصلحين التنبيه والتحذير من أن يتورط المسلم فيخضع لمشرع غير الله ، وكثر من هؤلاء بالتالي الأمر بإخلاص العبادة لله والتشريع له، وتخصيص الحاكمية له ﵎ وحده لا شريك له.

стр. 274

الشرائع السماوية السابقة ليست مصدراً للتشريع هذا التحذير والتنبيه في العصر الحاضر هو بلا شك أمر واجب ومهم جداً، ولكن الذي أعتقده أن هناك ما هو أهم من هذا الذي يحذر منه هؤلاء الكتاب الإسلاميون، ومما يحتاج إلى التنبيه والتحذير أكثر وأكثر، وفي ظني أن الذي حفز ودفع هؤلاء الكتاب إلى مثل هذا التنبيه الذي يشكرون عليه، هو ما تورطت به كثير من الدول الإسلامية من تحكيم القوانين الأرضية، ولا أقول كما يحلو لبعض الكتاب أن يقولوا اليوم: دون التشريعات السماوية، ولكني أقول: دون التشريع السماوي الذي لا ند له ولا شريك له أيضاً، ألا وهو شريعة الإسلام؛ لأن تلك الشرائع التي كانت تقدمت الإسلام أصبحت في حكم الإسلام في خبر كان. فلا ينبغي أن نقيم لتلك الشرائع وزناً، هذا لو افترضنا أنها بقيت كما أنزلها الله دون تغيير ودون تحريف وتبديل، فكيف وقد عرض لها ما لا يخفى على أي مسلم من الزيادة والتبديل! فقد أصبحت منسوخة بحكم قوله تبارك تعالى: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨] فالقرآن ومن أُنزل عليه القرآن محمد ﵊، هو الذي يسيطر بكتابه على كل الشرائع السابقة، ولو كان أصحاب تلك الشرائع أحياء لما وسعهم إلا أن يكونوا من أتباع محمد بن عبد الله، كما جاء في الحديث الصحيح، حينما رأى رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب يقرأ في صحيفة، فلما سأله عنها قال: هذه صحيفة من التوراة كتبها لي رجل من اليهود، فقال ﵊: (يا ابن الخطاب! أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟! والذي نفس محمد بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) . فلا أقول: إن أولئك الكتاب أحسنوا جداً حينما نددوا بهذه القوانين التي نبعت من الأرض ولم تنزل من السماء، ولا أقول: إن هذه القوانين إنما الإنكار عليها لأنها لم تستند إلى الشرائع السابقة، وإنما أقول: الإنكار عليها لأنها لم تستند إلى شريعة الإسلام؛ لأن الدين عند الله هو الإسلام فقط لا غير.

стр. 275

القوانين الوضعية تنافي إفراد الله بالتشريع وغرضي من هذه الكلمة الأخيرة فيما يتعلق بالتحذير من الشرك بالله ، ألا نصب حماسنا حينما نتكلم حول الحاكمية لله وحده في محاربة القوانين الغربية فقط؛ لأن هذا الأمر واضح حتى لعامة الناس؛ وهو أن أي قانون غربي يأتينا من بلاد الكفر والضلال فهو ضلال، ولكن يجب أن نتوجه بحماسنا إلى قوانين أصبحت جزءاً من حياتنا، وليس لها صلة بكتاب ربنا ولا بحديث نبينا، ونحن خاضعون لها! لماذا؟ لأننا نعلم أنها لم تأت من أوروبا مثلاً، إنما هي نبعت من أرضنا، فهل هذا عذر لنا لكي نتبعها من دون شرع الله ؟ الجواب لا؛ لأن تلك الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] إنما نزلت في النصارى الذين يتبعون قسيسيهم ورهبانهم، ولم تنزل هذه الآية في النصارى الذين اتخذوا قانوناً جاءهم من غير بلادهم، فلا يهم إذاً أن القانون المخالف لشرع الله نابع من أرضنا، أو وارد من بلاد أعدائنا، فكلاهما مخالف لشرع الله ، ولا يجوز لمسلم أن يخضع لمثل هذا النظام؛ سواء كان شرقياً أو غربياً. وأنا أقول: سواءً كان شرقياً، أو غربياً، أو أرضياً، أي: من أرضنا، فكون الحكم صادر من أرضنا؛ فلا يشفع له أن يكون شريعة لنا إذا ما علمنا أنه مخالف لشريعة ربنا ﵎، وهذه نقطة حساسة ومهمة جداً؛ لأننا جربنا كثيراً من الخطباء الذين يتحمسون للبحث في الحاكمية لله ، وهذا أمر هام وهام جداً؛ لأنه يتعلق -كما سمعتم- بالتوحيد، ولكن هذه الحاكمية لله لم تصبح واضحة المعالم في نفوس كثير من الدعاة، فالذي يتحمس لمحاربة القوانين الأرضية الغربية، لا يتحمس لمحاربة القوانين المخالفة لشريعة الإسلام؛ لأنها من عندنا، وأي فرق بين هذا وهذا؟! لذلك جربنا بعض الخطباء، فهو بعد أن ألقى خطبة هامة جداً في موضوع توحيد الحاكمية لله وإفراده في ذلك، فحينما ذُكِّر ببعض المخالفات للكتاب والسنة، وإذا به في النتيجة يكفر بكل تلك الخطبة التي ألقاها بذلك الحماس البالغ، فيقول: والله مذهبنا كذا، وهذا الذي فعلته هو مذهبي فأين موقع الكتاب والسنة إذاً؟! فإذاً: نحن نتمسك بالكتاب والسنة لمحاربة الحاكمية التي تأتينا من بلاد الكفار منافية لحكم الله ، أما إذا نبعت من أرضنا فلا بأس بها؛ بل نحن نتشبث بها لأنها خرجت من أرض إسلامية أو من رجل مسلم. إذاً: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] معناها: أنه إذا خرج هذا التحريم والتحليل من عندنا فيتبع، أما إذا جاء من الخارج فلا يتبع، فهذا تفريق شكلي صوري لا قيمة له في الإسلام أبداً، لذلك أنبّه وأكرر بأننا يجب أن نفهم أن كون الحاكمية لله ينافي أي تشريع منافٍ للإسلام، سواء كان أرضياً أو شرقياً أو غربياً. فيجب أن نخلص في عبادتنا لله ، فلا نعبد إلا الله، ولا نعبد الله إلا بما شرع لنا رسول الله ﷺ هاتان الكلمتان: لا نعبد إلا الله، ولا نعبد الله إلا بما جاء به رسول الله ﷺ ، هو خلاصة قول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فأنت توحد الله في عبادتك؛ فتحقق معنى لا إله إلا الله، ثم تعبد الله بما جاء به نبيك؛ فتحقق قولك: وأشهد أن محمداً رسول الله، فإذا اتبعت غيره فلن تخلص في الاتباع لنبيك ﷺ ، وبالتالي لا تكون أخلصت لله في عبادته. هذا مما يتعلق بشرح الكبيرة الأولى التي حذر الرسول ﵊ أمته منها بقوله: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله .

стр. 276

معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لا يستحق عبادة الأبرار غير الإله الواحد القهار فهو الجدير بأن نذل لوجهه وهو العزيز وعالم الأسرار الله فوق العرش عنه بائن وهو العلي ومدرك الأبصار فوق الخلائق والخلائق دونه ترقى إليه دعوة الأخيار يخشاه كلٌّ الخلق كل ساجد وظلالهم في الطوع والإجبار يطوي السماوات العلى بيمينه والأرض قبضة ربنا الجبار لا نوم يأخذه وليس بغافل عن خلقه واحسرة الكفار! الرزق يبسطه ويقبض رزقه الرزق مقدور من الأقدار وهو القدير وما له من مكره وهو الكريم مفجر الأنهار فلمن أطاع الله جنات ومن يكفر فذلك خالد في النار فاشهد بأنه وحده معبودنا وإلى الجحيم عبادة الأحجار فالله وحده يستحق عبادة وسواه مخلوق لهذا الباري من خص شيئاً من عبادة ربه للجبت كان مشابه الكفار إن العبادة للإله جميعها إخلاصها شرط لدى الأحرار أما الشهادة للرسول محمد فبأنه المعصوم في الإخبار وبأنه في الرسل جاء ختامهم مسك الختام ودرة الأخيار وهو الرسول لمن سيأتي بعده بالنصح والتبشير والإنذار ما نطقه إلا بأمر إلهه وكتابه وحي من الجبار أعيت بلاغته ومعجز نظمه أهل الفصاحة أو ذوي الأشعار هو خالد والله خيرٌ حافظاً فالذكر محفوظ من الأغيار ما باطل يأتيه من قدامه أو خلفه هذا كلام الباري والله صان عن الضلال رسوله وحماه من شيطانه الأمار تبيانه نهج قويم واضح لا نهج يعدل منهج المختار لا يرفض الإسلام إلا كافر ما بعده نور من الأنوار هدي الرسول موضحٌ قرآننا فهو العليم بمقصد الأخبار لا يفهم القرآن مثل محمد فحديثه نور الهدى للساري فإذا شهدنا للرسول فإننا نعطيه كل رجاحة المقدار وإذا شهدنا لا نرى أهلاً سوى هذا الرسول لقدوة الأبرار لله نشهد بالعبادة وحده ولأحمدٍ بالفهم والإخبار رب إله واحد ورسالة نسخت جميع شرائع الأحبار معنى الشهادة بينٌ لبصيرة لوضوحه يخفى عن الأنظار

стр. 277

حكم أقامة الحدود من غير الحاكم المسلم إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. السؤال امرأة زوجها عسكري ويغيب كثيراً، فاتخذت خدناً في غيابه، فشاهدتهما امرأة، فاستفتت شيخاً، فأفتاها بنصحها ثلاثاً علها تتوب، فإن لم تتب تخبر أهلها، وقد فعلت ذلك فلم ترتدع، فترصدوا لهما فقتلوهما، وصلى عليهما الشيخ لأنهما يصليان، ما حكم الإسلام في كل ما جرى بالتفصيل؟ الجواب فتوى الشيخ من حيث الإخبار وليس لتحقيق أن هناك زنا، وهذا ليس من الضروري لمنع المتخادنين من اجتماعهما على حرام، فليس من الضروري أن يتهما بالزنا، يكفي أن هذا الرجل الغريب عنها يدخل البيت، فالإنباء بهذا الخبر لا شيء فيه، بل هو واجب، وفتوى الشيخ المشار إليه هنا هو في بابه إن كان ليس هناك اتهام بالزنا؛ لأنكم تعلمون جميعاً أنه لا يجوز في الشرع الإسلامي اتهام رجل أو امرأة بالزنا إلا بشهادة أربعة، وإلا ففي الحكم الإسلامي -لو كان هناك من يحكم بالإسلام- أن الذي يقذف أي رجل ولو كان القاذف صادقاً بالزنا، ثم لا يستطيع أن يثبت دعواه فيجلد حد المفتري، أما إذا قال: إن فلاناً غريباً يدخل البيت، فليس فيه هنا اتهام بالزنا، وبهذا المقدار من الإخبار تحصل مصلحة الردع، فإذا كان الإخبار في هذه الحدود فلا شيء في ذلك أبداً. أما قتلهما فهذا أيضاً لا يجوز شرعاً، وذلك لأسباب: أولاً: أن الحدود الشرعية لا يقيمها إلا الحاكم المسلم، ونحن نعرف ونسمع دائماً وأبداً الجواب التقليدي: لا أحد اليوم يقيم الحدود الشرعية، فنقول: نعم. مع الأسف لا أحد يقيم الحدود الشرعية، فهل نصبت نفسك لإقامة الحدود الشرعية؟! فكلما رأيت رجلاً وقع في حد شرعي تذهب وتقيم عليه الحد، أم أن العملية عملية (تفشيش خلق) كما يقول العامة، ثم أنت تريد أن تبرر هذا الخطأ بدعوى أن الحكام اليوم لا يقيمون الحدود؟! صحيح أن الحكام اليوم لا يقيمون الحدود، ولكن هذا لا يعني أن يتولى فرد من أفراد الناس إقامة الحدود؛ لأن هذا التولي سيفتح باباً جديداً من الفتنة كنا في راحة منه، مثلاً: هذان المتهمان بالزنا قتلا، ولا بد لكل من المقتولين من أقارب، وقد تأخذهم الحمية حمية الجاهلية فيثأرون لهما بالحق أو بالباطل، وهكذا تتشعب القضية وتصير قضية عشائرية، كما يقع في البوادي. لذلك أقول: لا يجوز أن يتولى إقامة الحدود غير الحاكم المسلم، وحينما نظهر الأسى والأسف لأنه ليس هناك من يقيم الحدود الشرعية، فهذا لا ينبغي أن يفتح لنا باباً غير شرعي، ولكن ينبغي أن يذكرنا بتقصير المسلمين جميعاً في عدم وجود دولة مسلمة تقيم الحدود الشرعية، فضلاً عن تنفيذ الأحكام الشرعية بحذافيرها، فحينما نتذكر هذا يجب أن يدفعنا إلى أن نعمل لإقامة هذه الدولة المسلمة، وذلك كما تعلمون -وقلنا ذلك مراراً وتكراراً- لا يكون بالصياح والحماس، و. إلخ. ولكن يكون ذلك بالجهاد الذي لا يستطيعه المجاهدون -زعموا- الجهاد الذي لا يستطيعه أولئك الذين يدعون أنهم يجاهدون الكفار؛ لأننا نعني بالجهاد: الثبات على العمل للإسلام بصورة مستمرة، وبدأب مستمر، إلى أن يأتيه اليقين، يعمل للإسلام كل بحسبه إلى أن يأذن الله للمجتمع الإسلامي أن يستأنف مسيرته، وللدولة الإسلامية أن تقوم على هذا الأساس من المجتمع الإسلامي، فأين المسلمون من هذا العمل؟! كل المسلمين اليوم لا يعملون ما يجب على كل منهم أن يعمل لاستئناف الحياة الإسلامية على الأقل في بيوتنا على الأقل في دورنا، ليس في بلادنا، ولا في دولتنا، ولا في دولنا الكبيرة، بل في بيوتنا، كما قال ذلك الداعية الحكيم: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تقم لكم في أرضكم. ثانياً: أن المسلمين في الحقيقة يعيشون في مشاكل كثيرة وكثيرة جداً، هم من ناحية مقصرون في تطبيق ما يعلمون من الأحكام الشرعية، ومن ناحية أخرى يقع أحدهم في مخالفة، فيحاول تبرير هذه المخالفة بوسائل عديدة، بعضها وسائل حديثة وجديدة، وهي أنه أصبح كل واحد منا مجتهداً، وكل واحد منا يقول لك: أنا أفهم الحديث هكذا، وهو لو قيل له: كم حديثاً مر عليك وبقي آثار معانيها وليس ألفاظها في ذهنك؟ ربما يقول: مائة حديث، ألف حديث، إلخ. وهذا مما يجرني إلى أن أضرب على ذلك مثلاً، والأمثلة كثيرة جداً جداً، وأنا ليس عندي من الوقت ما يكفي لتسجيلها، ولكن منذ عهد قريب قال لي أحدهم متسائلاً: أحد إخواننا يرى أن البنطلون الطويل الذي يكاد يجر على الأرض، بل يجر فعلاً على الأرض، ليس داخلاً في النهي عن جر الإزار؛ لأن الرسول ﵊ عندما قال: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى من يجر إزاره خيلاء، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! إن إزاري يسقط، قال: إنك لا تفعل ذلك خيلاء) فأخذ هذا الشاب من جواب الرسول ﵊ لـ أبي بكر أنه لا يوجد مانع أن يكون الإزار طويلاً ما دام أن النية طيبة، فهكذا فهم المراد، وقد يكون من الجائز له مثل هذا الفهم من هذا الحديث، وليس له ذلك، ولكن هذا يعني أنه لم يطلع على أحاديث أخرى سوى هذا، ومن هنا يجب أن يعتبر هؤلاء الشباب، وألا يفسحوا المجال لأشخاصهم وذواتهم أن ينطلقوا مستقلين غير مستعينين بالعلماء قديماً وحديثاً على فهم النص؛ لأن النص الواحد يفهم على ضوء النصوص الأخرى التي تحيط به. فهنا مثلاً في هذا الحديث، أليس هناك أحاديث أخرى؟ الجواب: بلى. ولكن هذا الإنسان ما عرف إلا هذا الحديث في هذه المسألة، فهناك مثلاً قوله ﵊: (أزرة المؤمن إلى نصف الساق، فإن طال فإلى الكعبين، فإن طال ففي النار) هذا منهج ونظام يضعه النبي ﷺ للمسلم في ثوبه، وليس لهذا علاقة بالحديث السابق، ذلك الوعيد الشديد لمن يجر إزاره خيلاء، بأن الله لا ينظر إليه يوم القيامة، لكن هذا لا يعني أن الذي يتعمد إطالة الثوب -أي ثوب كان- إلى ما تحت الكعبين أنه ليس عاصياً، وأنه ليس مستحقاً للنار؛ لأن الحديث يأتي هكذا بهذه المراتب الثلاث: المرتبة الأولى: مرتبة فاضلة، في شأن المؤمن الكامل. المرتبة الثانية: دونها وهي مرتبة جائزة. المرتبة الثالثة: مرتبة العاصي المستحق للنار (أزرة المؤمن إلى نصف الساق، فإن طال فإلى الكعبين، فإن طال ففي النار) ، فهذا المؤمن الذي يطيل ثوبه إلى ما دون الكعبين يكون في النار، أي: يستحق النار، كذلك هناك أحاديث كثيرة عن عدد من الصحابة: (. نعم الرجل فلان لولا طول إزاره) ، أو كما قال ﵊، وهناك أحاديث كثيرة بهذا المعنى، فأين يذهب هؤلاء الشباب بمثل هذه الأحاديث؟! يضربون بها عرض الحائط، ويظلون يتمسكون بهذا الحديث! فهذا من جملة البلايا التي يصاب بها العالم الإسلامي اليوم. ومن البلايا المتجسدة الآن: ما كنتم سمعتم من جماعة التكفير في مركز القاهرة في مصر، وقد قتل منهم جمع بحق أو بباطل، وهذا ليس مجالاً للبحث فيه، لكنهم لا شك كانوا قد خرجوا عن الأحكام الشرعية، أو على الأقل عن بعض الأحكام الشرعية، وهأنتم الآن سمعتم بمشكلة المسجد الحرام مع الأسف الشديد، فهم أذناب أولئك تماماً، فهم شباب طيبون، وإلخ، ولكنهم أصيبوا بالعجب، وأصيبوا بالغرور، فأخذوا يرسلون أحكاماً فوق مستواهم العلمي. ولعل احتلالهم المسجد هو من فعل الفتاوى القائمة على القاعدة المعروفة: الغاية تبرر الوسيلة.

стр. 278

رأيي في سيد قطب إن من أخلاق علمائنا المقتبسة من هدي السلف الإنصاف والدفاع عن المُحقّ وإن كانت عليه ملاحظات، وقد تجلى هذا الخلق الرفيع في هذه المادة، حيث تحدث الشيخ عن سيد قطب من خلال أجوبة عن بعض الأسئلة، ظهر فيها رأي الشيخ في سيد قطب بوضوح تام، لا لبس فيه.

стр. 279

تنبيه على بعض مقالات الإخوان المسلمين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: السؤال فضيلة الشيخ! عندنا كثير من الإخوة عندهم تركيز شديد على الحاكمية، والتهوين من شأن الشرك الأكبر شرك القبور والأضرحة، ويسمونه شركاً ساذجاً بدائياً، وأخذوا هذا عن دعاتهم، فيقولون: (لو كان الأنبياء أو المصلحون إلى يوم القيامة يحاربون من ألوان الشرك المناقض لكلمة (لا إله إلا الله) ما يتعلق بالأوضاع الشعبية فقط لما تعرض لهم أحد، ولما وقف في وجوههم إلا القليل) ، ما هو تعليقكم يا شيخ؟ الجواب تعليقي هو: تعرض الناس للداعية ليس هدفاً وليس غرضاً، وإنما القصد هو تبليغ الدعوة إلى الناس، فإن استجابوا فبها ونعمت، وإن لم يستجيبوا فتلك سنن الذين من قبلهم. فكلمتهم هذه تشعر السامع لها أن الدين يأمر بأن يتكلف الإنسان أن يكون مصادماً من الآخرين ومعارضاً، فأنت اليوم تدعو -مثلاً- إذا دعوت إلى التوحيد ما أحد يخالفك، أما إذا اشتغلت بالسياسة فسيخالفونك ويعادونك. إلخ. هذا أكبر دليل على أن كثيراً من أفراد الإخوان المسلمون يهرفون بما لا يعرفون، ويتلفظون بما لا يعلمون، لقد سئلت أكثر من مرة أن زعيم الإخوان المسلمين في الجزائر يقول: لو كان الرسول ﵊ اليوم في هذا العصر للبس (الجاكت) و (البنطلون) وعقد (الكرفته) . الإنسان إذا تكلم بجهل فلا يقف أمام جهله شيء، وهذا الكلام من هذا القبيل. الخلاصة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ، هذا هو المقصود، و: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ، ورسول الله ﷺ خوطب بقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] ، فالأنبياء كلهم بدءوا بدعوة التوحيد، وأنا أقول: نوح ﵇ الذي لبث في قومه بنص القرآن ألف سنة إلا خمسين عاماً، ماذا عمل في هذه الألف سنة؟ هؤلاء لو كانوا يعرفون ما يتكلمون به لكفروا وخرجوا عن الملة؛ لأنهم يخطئون الأنبياء بعامة، ونوح ﵇ بخاصة؛ لأنه تميز على سائر الأنبياء بأن بارك الله في عمره فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً. نحن نعلم أن الشرائع التي تقدمت شريعة الإسلام لم يكن فيها هذا الفقه الواسع الذي يشمل شئون الحياة كلها، كان فقهاً مبسطاً، ولذلك نوح ﵇ عندما أقام هذا العمر الطويل المديد المبارك، إنما كان همه أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، وهذا الكلام ينافي ذاك الكلام، ولذلك فهم جهلة بالمرة، وهم الآن يسلكون سنن الإخوان الذين سيمضي عليهم قرن من الزمان وهم لم يقدموا للإسلام شيئاً، سوى الهتافات والصياحات، وهم على النظام العسكري (مكانك راوح) لا يتقدمون إطلاقاً. لذلك لا يبالى بكلام هؤلاء، وأنا أتعجب من بعض إخواننا طلاب العلم، ما يكادون يسمعون ضلالة من أي جاهل من أي إنسان إلا ويقول لك: ما رأيك في كذا؟ السائل: يا شيخ! المشكلة أن هؤلاء يتبعهم كثير جداً يقولون مثل هذا الكلام، كهذا الجزائري الذي قال على الرسول ﷺ : أنه لو كان في عصرنا هذا لكان كذا وكذا، فهذا الذي قال هذا الكلام داعية معروف جداً ويتبعه كثير جداً، حتى بعض أتباعه إذا قلت لهم؛ فلان أخطأ، هو مستعد أن تقول له: عمر أخطأ الشافعي أخطأ أما فلان -فيقيم عليك الدنيا ولا يقعدها!! الشيخ: ماذا نفعل لهؤلاء؟ السائل: ادع لهم بالهداية. الشيخ: ما علينا إلا أن ندعو بالتي هي أحسن، والعلم نور، هؤلاء يقعون في هذه الضلالات بسبب جهلهم بالإسلام، ولذلك ما علينا إلا أن نشفق عليهم، ونعتبرهم مرضى، ونعالجهم بما نستطيع من الحكمة والموعظة الحسنة.

стр. 280

قول الشيخ في بعض أصحاب الجمعيات السؤال فضيلة الشيخ! جاء إليك عدد من الإخوة اليمنيين يسألونك عن الجمعية، وفي سؤالهم تلبيس، وقالوا: إنهم أصحاب الجمعية الفلانية، وأنهم من طلبة الشيخ مقبل وكذا وكذا رغم أن الشيخ مقبل قد حذر منهم كثيراً، وبح صوته في التحذير منهم، بل وتبرأ منهم، وهم يطعنون في الشيخ مقبل كثيراً جداً، بل إن بعضهم -وهو تلميذ للشيخ- يقول في شريط اسمه: (حوار هادئ مع مقبل بن هادي) قال له: أنت والغزالي عندي سواء، الغزالي طعن في السنة، وأنت تطعن في السنة باسم الدفاع عن السنة، وأحدهم -وهو أيضاً من تلاميذه لكنه تلميذ عاق- قال لي: أهل الحديث فيهم قسوة وقلة تعبد، أما ترى الشيخ مقبلاً؟! وأيضاً في الوقت نفسه يثنون على المبتدعة، لا أقول المبتدعة الذين يشك في ابتداعهم، بل المبتدعة القبوريين، رجل صوفي عندنا في حضرموت فيه كل بلية، قبوري، مفوض كل شيء فيه، فيذهبون عنده ويدرسون عنده، بل بعضهم قال: رحبة صدر فلان -الصوفي هذا- خير من ضيق صدر مقبل، والصوفي هذا يرسل أبناء الذين يسمون بالسادة، يرسلهم إلى السقاف هنا، وأخبرني أبو الحارث علي حسن أن عددهم بلغ أربعين شخصاً، والله نزل علي هذا الخبر كالصاعقة! هو لما رأى الشباب أقبلوا على السنة أخذ أبناء السادة وأرسلهم إلى هنا. فهؤلاء الحزبيون أصحاب الجمعيات، أو الحزبيون عامة سمعناهم يزهدون الشباب في أن يذهبوا إلى الشيخ مقبل، في الوقت الذي يثنون فيه على هؤلاء المبتدعة الذين يرسلون أبناءهم إلى السقاف وغيره، فما تعليقكم يا شيخ؟ وقد تعبنا منهم، والله أتعبونا وأشغلونا. الجواب أنا أقول: هداك الله، لماذا تهتم بهؤلاء، لا نملك شيئاً -يا أخي- هؤلاء كُثُر غلبوا الدنيا كلها، الباطل هكذا. السائل: يتبعهم كثير. الشيخ: من المناسب هنا من الآيات: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦] ، خذ -يا أخي- موعظة وعبرة من مواساة رب العالمين لنبيه بمثل هذا الكلام، مع أن أولئك كفرة وضلال ومشركون، وهؤلاء وإن كانوا ضلالاً ولكن على كل حال لا يخرجون عن دائرة الإسلام والمسلمين، ولذلك فأنا أتعجب -والله- كلما رأى أحدكم شخصاً أو أشخاصاً كانوا يزعمون أنهم من السلفيين ثم انحرفوا، يقولون فيه كذا وكذا وكذا، هذا القول ناشئ عن شيئين: إما عن جهل، وإما عن تجاهل، وقد يجتمعان. يقولون عندنا في الشام عن الصوفية: (فلان مثل الصوفي، لا ينكر ولا يوفي) ، فعنده لسان عذب؛ لأنه ليس عنده أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ليس عنده حب في الله ليس عنده بغض في الله، بينما من كان على طريقة السلف الصالح فهو يحب في الله ويبغض في الله، يتكلم تارة باللين، وتارة بالشدة؛ لأن هذه سنة الرسول ﵊، لكن الصوفي لا يعرف الشدة؛ لأنه لا تهمه الأحكام الشرعية، يهمه جذب قلوب الناس فقط، يهمه أن الناس تقبّل يده أو يديه كلتيهما معاً. ولذلك هؤلاء عندما يقولون: مقبل متشدد، أما ذاك الصوفي فهو هين لين؛ ما أوتوا إلا بسبب جهلهم، أو بسبب تجاهلهم وركضهم وراء مصالحهم الشخصية. ثم أنت تقول: جاءني أناس من هؤلاء اليمنيين، ثم ماذا وراء ذلك؟ السائل: هم أرادوا أن يلبسوا. الشيخ: ماذا نفعل لهم؟ السائل: الله المستعان، أنا سألت عن هذا؛ لأن كثيراً من الشباب هنا يسمعون كلام الشيخ، فإذا سمعوا هذا -إن شاء الله- يتبين لهم الأمر. مداخلة: أنا أذكر أن الشيخ ما أجاز لهم وضع أموالهم في البنوك، وأن جمعيتهم لا تجوز إلا بشروط: عدم التحزب و. أما تذكر يا شيخ؟ الشيخ: كيف لا؟! السائل: يا شيخ! أنتم أجبتم إجابة صحيحة، إن كانت حسب الشروط وكذا، إنما هم هكذا، والله المستعان! الشيخ: يا أخي! ماذا نفعل لهم؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 281

رأي الشيخ الألباني في سلمان العودة وسيد قطب السؤال يا شيخ! ماذا تقولون فيمن خالف أئمة الإسلام في أمر من الأمور التي قد أجمعوا عليها، وقامت عليه الحجة ولم يرجع، بل زاد على ذلك أنه يمدح بعض الصوفية والمفوضة، ويمدح من يقول بقول جهم في القرآن، ويطعن في الصحابة بل وفي الأنبياء، ويسميهم أئمة ومجددين، بل ويثني على بعض الزنادقة الذين أباحوا الردة، وطعنوا في العقيدة وفي الرسول ﷺ وفي أهل الحديث، ويقول عنهم: فيهم خير كثير، وسمى زيغهم وضلالهم اجتهاداً، فقال: وإن كنا نتحفظ عن بعض اجتهاداتهم. فهل يكون هذا مبتدعاً؟ وهل نعينه ونقول: فلان مبتدع، تحذيراً للأمة ونصحاً لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؟ الشيخ: ذكر هذا في كتاب؟ السائل: في أماكن متفرقة. الشيخ: ليس في كتاب؟ السائل: أيضاً في بعض الكتب. الشيخ: حسناً منها؟ السائل: هو الذي مدح هذا الشيخ: لا تحد لا تحد. السائل: حسناً. الرجل الذي قال هذا في بعض الكتب، مثلاً في العدالة الاجتماعية، أو في ظلال القرآن، لكن الذي يمدحه وقال عنه: مجتهد، وكذا في شريط أو في بعض الأشرطة، وأيضاً شخص آخر حاله كحال هذا له كتاب اسمه الخلافة والملك، وله كتب أخرى تكلم فيها عن بعض الأنبياء، عن نوح -مثلاً- فقال عنه لما قال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥] قال: غلبت عليه عاطفة الجاهلية، وعن يوسف لما قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] قال: هذا دكتاتوري يطلب منصب الدكتاتورية كـ (موسوليني) في زماننا. الشيخ: من هذا الذي يقول هذا؟ السائل: في كتاب الخلافة والملك للمودودي. الشيخ: المودودي. ومن الذي يمدح هذا الكلام؟ السائل: أحد الدعاة مدحهم. الشيخ: لماذا لا تسميه؟ هل تسميته غيبة؟ السائل: لا. إن شاء الله، هو الشيخ سلمان مدحه. الشيخ: أنا أقول لك: مدح الكلام أم المتكلم؟ السائل: مدحهم في أشرطة. الشيخ: اسمع! فهمت سؤالي. السائل: حسناً أعد علي السؤال. مداخلة: يقول الشيخ: أمدح هذا الكلام، أم مدح صاحب هذا الكلام؟ السائل: لا. بل صاحب هذا الكلام، ما مدح الكلام. الشيخ: إذاً مدح صاحب الكلام! قد أمدحه أنا؛ فهل معنى ذلك أنني أصوب كل ما قال؟ السائل: لا يعني هذا. الشيخ: إذاً ماذا تعني أنت بهذا السؤال؟ السائل: بلغني أن في بعض الأشرطة لبعض المشائخ أنهم ذهبوا إليه، وقالوا له: إن فلاناً -أي المودودي - فيه كذا وكذا، فقال لهم: والله لو سئلت يوم القيامة، سأقول: إمام ومجدد، فنحن اختلط علينا هذا الأمر، وقلنا: نسأل عنه الشيخ! الشيخ: انظر! -يا أخي- أنا أنصحك أنت والشباب الآخرين الذين يقفون في خط منحرف فيما يبدو لنا والله أعلم: ألا تضيعوا أوقاتكم في نقد بعضكم بعضاً، وتقولوا: فلان قال كذا، وفلان قال كذا؛ لأنه أولاً: هذا ليس من العلم في شيء، وثانياً: هذا الأسلوب يوغر الصدور، ويحقق الأحقاد والبغضاء في القلوب، إنما عليكم بالعلم، فالعلم هو الذي سيكشف هل هذا الكلام في مدح زيد من الناس الذي له أخطاء كثيرة؟ وهل -مثلاً- يحق لنا أن نسميه صاحب بدعة؟ وبالتالي هل هو مبتدع؟ ما لنا ولهذه التعمقات؟ أنا أنصح بألا تتعمقوا هذا التعمق؛ لأننا في الحقيقة نشكو الآن هذه الفرقة التي طرأت على المنتسبين لدعوة الكتاب والسنة، أو كما نقول نحن: للدعوة السلفية، هذه الفرقة -والله أعلم- السبب الأكبر فيها هو حظ النفس الأمارة بالسوء، وليس هو الخلاف في بعض الآراء الفكرية، هذه نصيحتي. مداخلة: يا شيخنا! الصورة قاتمة جداً فيما يجري بين الشباب في كثير من بقاع الأرض، ولا نشك أن هناك منحرفين وهناك مخطئين ومبتدعين، لكن أصبحت المواجهة في كثير من الأحايين مواجهة شخصية، ومواجهة للقيل والقال، مما لا يشعر الشباب ما يترتب على ذلك من إضاعة الأوقات، وإثارة كثير من الحقد بينهم، هذه مسألة لا يتنبهون لها، وهم -ولا نشك- معهم الحق، لكن كثيراً من الشباب عندما أسأله: كم تحفظ من القرآن؟ يقول: أحفظ أقل من ثلاثة أجزاء! أسأله: كم لك تناقش هذه القضية؟ يقول: ثلاث سنوات، ثلاث سنوات وهم يجلسون يتناقلون: زيد مبتدع، غير مبتدع، كافر، غير كافر، زنديق، غير زنديق، قال ما قال، منحرف غير منحرف، وقد يكون منحرفاً أو مخطئاً أو ضالاً! وهم يظنون إذا جاءهم الناصح وقال لهم: هذا مضيعة للأوقات، الأغلب يظنون أن الناصح مع أولئك، وهذا أمر عجيب! وهو يريد نصحهم، شاب عمره سبع عشرة سنة لا يحفظ إلا القليل وهو الآن يناقش في مسائل عميقة جداً، قد يتأنى فيها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه ويتريثون فيها، بينما هم يتسرعون إلى مثل هذه القضايا، فنريد توجيهاً لمثل هذا. الشيخ: أنا كثيراً ما أُسْأَل: ما رأيك بفلان؟ فأفهم أنه متحيز له أو عليه، وقد يكون الذي يسأل عنه من إخواننا، وقد يكون من إخواننا القدامى يقال عنه: إنه انحرف، فأنا أنصح السائل: يا أخي! ماذا تريد بزيد وبكر وعمرو؟ استقم كما أمرت، وتعلم العلم، وهذا العلم سيميز لك الصالح من الطالح، والمخطئ من المصيب. إلخ، ثم لا تحقد على أخيك المسلم لمجرد أنه لا أقول: أخطأ، بل لمجرد أنه انحرف، لكن انحرف في مسألة أو اثنتين أو ثلاث، والمسائل الأخرى ما انحرف فيها، ونحن نجد في أئمة الحديث من يتقبلون حديثه، ويقولون عنه في ترجمته أنه مرجئ، وأنه خارجي، وأنه ناصبي. إلخ، فهذه كلها عيوب وكلها ضلالات، لكن عندهم ميزان يتمسكون به، ولا يرجحون كفة سيئة على الحسنات أو سيئتين أو ثلاث على جملة حسنات، ومن أعظمها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أنا أقول -مثلاً- في سلمان وأمثاله: بعض إخواننا السلفيين يتهمونهم بأنهم من الإخوان المسلمين، أنا أقول: لا أعلم أنه من الإخوان المسلمين، لكن ليت الإخوان المسلمين مثله، الإخوان المسلمون يحاربون دعوة التوحيد، ويقولون: إنها تفرق الأمة وتمزق الكلمة، أما هؤلاء -فيما أعتقد وأهل مكة أدرى بشعابها- يدعون إلى التوحيد، ويدرسون التوحيد، أليس كذلك؟ السائل: نعم. الشيخ: إذاً: ليت الإخوان المسلمين يكونون كذلك، وقد يوجد عندهم عمل سياسي، وعندهم ما يشبه الخروج على الحكام ...إلخ، نعم، الخوارج كانوا كذلك، الخوارج الرسميون الذين لا يشك العلماء أن قول الرسول ﵇: (الخوارج كلاب النار) إنما قُصِدُوا هم؛ الذين خرجوا على علي، وأنهم (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) ، كما في الحديث المعروف في الصحيحين؛ هم المقصودون، مع ذلك يروون الحديث عنهم، ويعتبرونهم مسلمين، فهم يدعون ضلالاتهم ويبينون حسناتهم، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] . فهؤلاء إذا كان عندهم انحراف، ولا أعتقد أنه انحراف في العقيدة، إنما هو انحراف في الأسلوب، وعلى كل حال نسأل الله أن يجعلنا من الأمة الوسط، التي لا تقع لا في الإفراط ولا في التفريط.

стр. 282

رأي الشيخ الألباني في كلمات للشيخ سلمان العودة السائل: فضيلة الشيخ! لا أدري السؤال الأول الذي سألتك عنه لا أدري هل هو خطأ في العقيدة؟ الشيخ: ما هو؟ السائل: قولهم: لو كان الأنبياء والمصلحون إلى يوم القيامة يحاربون الشيخ: ضلالة كبرى، وأنا أجبتك عن نوح ﵇. السائل: هذه هو قالها أيضاً. الشيخ: من هو؟ السائل: الشيخ سلمان. الشيخ: أين قالها؟ السائل: في هذا الكتاب. الشيخ: أرني هذا الكتاب. السائل: صفحة (١٧٠) . الشيخ: يقول: (وأن يعلموا -أي هؤلاء الدعاة- أنه لو كان الأنبياء أو المصلحون إلى يوم القيامة، يحاربون من ألوان الشرك المناقض لكلمة (لا إله إلا الله) ما يتعلق بالأوضاع الشعبية فقط لما تعرض لهم أحد، ولما وقف في وجوههم إلا القليل) كلمة (الشعبية) هنا لها مفهوم من حيث اللغة العربية أم لا؟ السائل: يا شيخ! أنا الذي أفهمه -والله أعلم- وقد أكون مخطئاً فيه. الشيخ: قد يكون كلنا كذلك. السائل: الأوضاع الشعبية هي هذه الموجودة عند الناس -مثلاً- جلوس الناس عند القبور، والطواف بها، والنذور، وتعليق الخرق وكذا، والله أعلم. الشيخ: نعم، نعم، لكن هل دعوة التوحيد واقفة إلى هنا، أي محاربة الشركيات الشعبية؟ السائل: لا، بل الشرك كاملاً. الشيخ: حسناً؛ فهو يعني أشخاصاً معينين، يفهم خطأً أو صواباً أنهم يرضون عن الحكام وعن تصرفاتهم المخالفة للشريعة، وإنما يعنون فقط بإصلاح قلوب الشعب وأفراد الشعب، لعلي استطعت أن أبين لك ماذا يعني الرجل، يعني أن دعوة الحق لا تنحصر فقط بإصلاح أفراد الشعب دون الحكام، والرضى عن تصرفات الحكام، وتركهم فيما هم يتصرفون فيه من مخالفات شرعية. السائل: يا شيخ! الجملة الأخيرة هل هي صحيحة؟ الشيخ: نسمع من أهل مكة. رجل مكي: أقول: الحقيقة في كثير من القضايا الناس بين إفراط وتفريط، فإما قوم لا يفقهون دعوة التوحيد إلا توحيد الحاكمية فقط، ويتركون الناس في شركهم الأكبر! وكما يسمونه الآن شرك القبور، وإما أناس آخرون لا يحبون بل يتحسسون من الحاء، مجرد ما يقول إنسان: إن التوحيد فيه حاكمية لله ، يتحسسون من هذه القضية ولا يلتفتون إليها لا من قريب ولا من بعيد، بل عليهم محاربة ما يسمى بشرك القبور، وإذا عدلنا في القضية عُرِفَ الصواب أن دعوة التوحيد هي دعوة توحيد الحاكمية أن تكون الحاكمية لله، وكثير من الكتاب -والحق يقال- أنه أحياناً يعني بالحاكمية من خلال قراءته لها يعني الحاكمية المطلقة أن الأمر كله يرجع إلى الله ، وأحياناً يعنون بها السياسة التي ظلوا وراءها، فمن العدل والإنصاف أن نقول: إن التوحيد يشمل كلا الجهتين. فإذا فهم هذا الكلام -يا أخي- على أن الأنبياء لو بقوا فقط على أن يمنعوا الناس من القبور لما اعترضهم معترض، هذا هو فحوى الكلام، لكن هناك نقطة ثانية -يا أخي! ومع الاستئذان من شيخنا وحبيبنا-: الكلام لا يحمل على فهم الرجل الذي فهمه القارئ، وإلا كان ضل كثير من الناس، ولكن يحمل على كلام الرجل الآخر، إما في مواقع أخرى أو من واقعه، فإذا كان الرجل معروفاً بالتوحيد الكلي، وداعية إلى هذا التوحيد، أو أنه من الموحدين، ثم قال لفظة أو قال لفظتين، فلا يحمل على أسوأ محمل؛ لأنه لو حمل على هذا المحمل لكان زنديقاً بكل معنى الكلمة، وكان خارجاً من ملة الإسلام، ثم نحن نرى أن واقعه ليس كذلك، فهذه مسألة جديرة. وبالمناسبة حمل الكلام على أسوأ محمل هذه قاعدة ليست من قواعد أهل السنة والجماعة.

стр. 283

رأي الشيخ الألباني في كلمات لسيد قطب أنا أذكر يا شيخنا! بالمناسبة نفس هذا الكلام كيف حمله بعض إخواننا الأفاضل على محمل سيئ، ولعلكم تسددونني فيما أقول. يقول سيد قطب في بعض كتبه: (إن عبادة الأصنام التي دعا إبراهيم ﵇ ربه أن يجنبه هو وبنيه إياها، لا تتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان يزاولها العرب في جاهليتهم، أو التي كانت تزاولها شتى الوثنيات في صور شتى مجسمة في أحجار، أو أشجار، أو حيوان، أو طير، أو نجم، أو نار، أو أرواح، أو أشباح. إن هذه الصورة الساذجة كلها لا تستغرق صور الشرك بالله، ولا تستغرق كل صور العبادة للأصنام من دون الله، والوقوف بمدلول الشرك عند هذه الصورة الساذجة يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها، ويمنعنا من الرؤية الصحيحة لحقيقة ما يعتور البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة، ولا بد من التعمق في إدراك طبيعة الشرك وعلاقة الأصنام بها، كما أنه لا بد من التعمق في معنى الأصنام وتمثل صورها المجردة، المتجددة مع الجاهليات المستحدثة) . نريد تعليق شيخنا، ثم نقرأ تعليق أحد الإخوة الأفاضل على هذا الكلام. الشيخ: لا يوجد شيء على الكلام، هو كلام سليم (١٠٠%) ، ويكفي في ذلك قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] والتفسير الذي جاء في هذه الآية لما نزلت، وهي نزلت في حق النصارى، وكان من العرب الذين تنصروا في الجاهلية -مع قلة المتنصرين- عدي بن حاتم الطائي، ثم هداه الله وأسلم، والقصة مذكورة في مسند الإمام أحمد وغيره، فلما نزلت هذه الآية أشكلت على عدي بن حاتم الطائي؛ لأنه فهمها بمعنى الشرك الذي ينكر الرجل أن يكون الشرك كله محصوراً في هذا النوع من عبادة الأصنام والوثنيات، فقال له ﵇ موضحاً المعنى العام الأشمل للشرك بالله في اتباع غير شريعته، قال له: (ألستم كنتم إذا حرموا عليكم حلالاً حرمتموه، وإذا حللوا لكم حراماً حللتموه؟ قال: أما هذا فقد كان، قال: فذاك اتخاذكم إياهم أرباباً من دون الله) . الآن هذا النوع من الشرك غير ملاحظ حتى عند الذين يعلنون أن الحاكمية لله ، وأنا أذكر بمثل هذه المناسبة لما كنت في دمشق في مخيم اليرموك، في مسجد صلاح الدين بالذات، حينما صعد المنبر خطيب من شباب الإخوان المسلمين، وألقى خطبة نارية في أن الحاكمية لله ، سبحان الله! ولما صلى وانتهى من الصلاة، لفتُّ نظره إلى خطأ -ونسيت الآن ما هو هذا الخطأ- قلت له: هذا مخالف للسنة، قال: لكن أنا حنفي! قلت: يا أخي! الله يهديك، أنت الآن خطبتك كلها في أن الحاكمية لله ، فما معنى الحاكمية؟ فقط أنه إذا جاءك قانون من كافر مخالف للشرع فهذا هو الكفر، وأنه يلزمك أن تتمسك بالشرع، أما إذا جاءك حكم من مسلم كان مخالفاً للشرع، هذا تتبعه مع مخالفة الشرع، أين الحاكمية لله إذاً؟! هذا المعنى -في الحقيقة- شامل وجامع، وهو أحسن حينما دفع شبهة من قد يقف، فقال: فقط، أي: ليس الشرك فقط هذا، فوسع المعنى؛ وهذه التوسعة هي الإسلام، ولذلك نحن نقول: إن الوقوف عند محاربة الشركيات في أفراد الشعب، وترك الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله -وهذا لا يعني أن ندخل في خضم التكفير وإخراجهم عن الملة، يكفي أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، والتفصيل الذي ندين الله به هو أن هناك كفراً دون كفر، كفر عملي وكفر اعتقادي، هذا التفصيل الحق هو الذي يجعلنا معتدلين، ولا نتسارع إلى تكفير الحكام دون أن نفرق بين حاكم يؤمن بما شرع الله، ولكن يتبع هواه في بعض مخالفته لما شرع الله- أقول: إن الوقوف عند محاربة الشركيات في أفراد الشعب، وترك الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله فيه ما فيه، وهذا الجانب من التوحيد يجب أيضاً أن يشتغل به الدعاة. لكن الحقيقة أنا أقول كلمة صريحة: إن دعاة التوحيد اليوم في امتحان مرير، فكل قرار يصدر تجد الجواب هذا أمر ولي الأمر! صح يا زين! أم لا؟ وقعنا فيما نحذر منه، لماذا نحن لا نتوجه -إذاً- إلى الدعوة بعامة وليس فقط فيما يتعلق بالشعوب، العبارة هذه تشبه تماماً كلمة (فقط) هناك، فهو قيدها بالوقوف في محاربة الشركيات المتعلقة بالشعوب وترك الحكام دون نصح ودون تحذير، ودون إنكار، ولو مع عدم الخروج، هل الجواب واضح؟ السائل: لا يستلزم هذا مواجهة؟ الشيخ: نعم. لا يستلزم. السائل: علق أخ فاضل على هذا الكلام بما يلي، الذي كأني فهمت أنه كلام ابن القيم بأسلوب عصري! قال: في هذا الكلام أولاً تهوين من دعوات الأنبياء. الشيخ: لا. هكذا كلام ابن القيم!! السائل: التي ركزت على عبادة الأصنام والأوثان، هل في هذا تهوين؟ الشيخ: بَيِّنٌ. السائل: يعني: لا. الشيخ: طبعاً!! السائل: قال! ثانياً: فيه صرف الدعاة عن أعظم وأكبر أنواع الكفر والشرك الذي حاربه كل الأنبياء والمرسلون المصلحون، وأدركوا أنه أكبر خطر على الإنسانية. هل في هذا الكلام صرف؟ الشيخ: لا يوجد. السائل: لا يوجد؟ الشيخ: نعم. السائل: ثالثاً: فيه خلط بين قضايا الشرك الأكبر والأصغر، وبين قضايا المعاصي صغيرها وكبيرها. الشيخ: أين هذا؟ السائل: والله ما فهمته! لكن سأقول لك: أين؟ الشيخ: بفهم أو بدون فهم؟ السائل: إن شاء الله بفهم. السائل: بعض الناس يرى أن مسألة الحاكمية والحاكم بصورة عامة هي شرك أصغر، وأما شرك القبور بصورة مطلقة شرك أكبر، ولا يفصلون بين الشرك العملي والشرك الاعتقادي إلا عند الحاكم، ولا يدرجون هذا على الناس الذين يقعون في الشرك المسمى شرك القبور، فيرون أن هذا ليس فيه تفصيل، أي شرك يأتي به الرجل في شرك القبور هو خارج من الملة دون تفصيل، دون جهل، دون إقامة حجة إلى غير ذلك، وأما ذاك ففيه تفصيل، ولعل إن أصبت والتسديد لكم، فهكذا: فيه خلط، مع أنه ذكر كلاماً بديعاً. ثم النقطة الثانية يقولون: إنه وصف الشرك هذا بأنه ساذج، لا شك أنه ساذج، فلا أدري هم فهموا ما معنى ساذج أم لا، يقول: هؤلاء الذين يعبدون الأصنام شركهم ساذج، ولكن أولئك الذين يعبدون ويطيعون ويفعلون مثل الحديث الجميل الذي ذكرته، فهذا كذلك داخل في الشرك. الشيخ: إي نعم. مداخله: هل يحسن أن نقول عن شرك الأوثان أنه بدائي. الشيخ: يا أخي -بارك الله فيك- كلمة شرك بدائي نزلت في شيءٍ من القرآن أو في السنة؟ السائل: لا. الشيخ: حسناً من الذي تكلم؟ زيد من الناس، نحن نستوضح منه هل يقصد من كلمة (بدائي) بمعنى أنه لا يخرج من الملة بعد إقامة الحجة؟ فإن كان يقصد هذا ننكر ذلك عليه، إذا كان يريد التهوين من هذا الشرك، إذاً نحن نستوضح منه، ماذا تريد من كلمة (بدائي) ؟ والذي أفهمه أنه يعني: أن هؤلاء العرب وثنيون ليس عندهم كتاب كاليهود والنصارى يرشدهم ويدلهم ويهديهم، ولو في بعض النواحي التي بقيت محفوظة عند أهل الكتاب وغير محرفة، فهم وثنيون يعيشون هكذا على الجاهلية، هذا الذي يعنيه بأنه شرك بدائي، ما أفهم أنه يعني أنه شرك لا ينبغي أن يهتم به، وأظن أنك أنت وأمثالك تريدون أن تفهموا هكذا، ولذلك لا تقفوا عند هذه الكلمات، لماذا؟ لأنها: أولاً: ما صدرت من معصوم. ثانياً: حاولوا أن تفهموا ماذا يعني بهذه الكلمة، كما يروى عن بعض السلف: التمس لأخيك عذراً، هذا إذا كانت العبارة فيها إيحاء بما يخالف الشرع، أما إذا كانت العبارة ما هي واضحة؛ فنحملها على أحسن الاحتمالين. السائل: لعل هذا -إن شاء الله- فيه هداية للجميع، يقول سيد قطب: إن الاعتقاد بالألوهية الواحدة قاعدة لمنهج حياة متكامل، وليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمائر، وحدود العقيدة أبعد كثيراً من مجرد الاعتقاد الساكن -كأنها لفتة إلى المرجئة دون أن يدري، الذين لا يجاوزون الإيمان حدود القلب- يقول: إن حدود الاعتقاد تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة، وقضية الحاكمية كذلك فروعها -أو كلمة خطأ- في الإسلام هي قضية عقيدة، والحاكمية هي قضية عقيدة، كما أن قضية الأخلاق بمجملها هي قضية عقيدة، فمن العقيدة ينبثق منهج الحياة الذي يشمل الأخلاق والقيم، كما يشمل الأوضاع والشرائع سواء بسواء. الشيخ: صحيح. السائل: هذا الكلام صحيح؟ الشيخ: نعم. السائل: يقول أخونا يعلق على هذا الكلام: هذا كلام حق وخطأ! الشيخ: عجيب! السائل: أما العقيدة قاعدة لمنهج حياة متكامل فمسلَّم. الشيخ: الحمد لله. السائل: وهذا أقره على كلامه كله. الشيخ: نعم. السائل: تابع لكلام الأخ الفاضل: وأما أن حدود العقيدة تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة؛ فهذا لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا قاله علماء الإسلام. الشيخ: هذا رجل سطحي. السائل: هذا الكلام غير صحيح؟ الشيخ: نعم، نقدر نفهم مَن هذا؟ السائل: ما أحبه. الشيخ: ما تحبه! السائل: فهذا من شذوذات سيد قطب ليوسع به دائرة التكفير! ألا ترون أن هذا إلزام بما لا يلزم؟ الشيخ: نعم، ولا شك. السائل: تابع: لمن يخالف منهجه -أي: لا يكفر الآخرين، مجرد أي واحد يخالف منهجه، فيريد سيد بهذا أن يكفر-. الشيخ: ما عرفنا ذلك عنه. أنا أعتقد أن الرجل ليس عالماً. السائل: لا شك. الشيخ: لكن له كلمات في الحقيقة! -خاصة في السجن- كأنها من الإلهام. السائل: تابع لكلام الأخ: وهو مع ذلك يحيد عن ذكر شرك القبور. السائل: قد وجدت كلاماً لـ ابن القيم في إعلام الموقعين هو نفس الكلام بالتمام، وهو يقول: التوحيد يشمل كذا، ويشمل كذا، وهو ينبثق من القلب إلى الأعضاء إلى غير ذلك، فيشابه هذا الكلام. فالحقيقة أنهم أتوا من جهة أنهم هم يفسرون كلام الآخرين، مع أن إخوانهم في العقيدة والمنهج وبخاصة من أمثالكم وأمثال سماحة الشيخ عبد العزيز وغيره؛ ترون أن هذا الأمر لا يحتمل مثل هذه الأمور التي حملوا كلام الناس عليها. الشيخ: هذا صحيح.

стр. 284

مناقشة الشيخ لتحريريين حول شمول العقيدة أنا بالمناسبة لما كنت أناقش جماعة التحرير في مذهبهم وفي ضلالاتهم أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وكنت أقول لهم: إن قولكم هذا عقيدة، وأنتم تشترطون في العقيدة الدليل القاطع ثبوتاً ودلالة، فأين الدليل القاطع على أن العقيدة لا تؤخذ إلا من حديث قطعي الثبوت قطعي الدلالة؟ وأثبت لهم بأنهم ليسوا في عقيدة منذ نشأ حزبهم؛ لأنهم تطوروا في هذه المسألة بالذات على ثلاث مراحل وثلاثة أقوال: القول الأول: الذي كان مسطوراً في الطبعة الأولى من كتاب لهم لا أذكر الآن اسمه، لكنَّ فيه فصلاً بعنوان: (طريق الإيمان) يقولون هناك: لا يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة، هكذا (لا يجوز) . ثم صدرت الطبعة الثانية للكتاب، وإذا هم يستبدلون (لا يجوز) بـ (لا يجب) رفعوا كلمة (لا يجوز) ووضعوا كلمة (لا يجب) فصارت: يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة، ومن قبل كانوا يقولون: (لا يجوز) عدلوها إلى (لا يجب) فقولهم: (لا يجب) أي: يعطيك الحرية، إن شئت ألا تأخذ وإن شئت أن تأخذ، أما من قبل قالوا: (لا يجوز) هذا التطور الثاني. التطور الثالث: وما أدري إذا كانوا لا يزالون مستقرين عليه، قالوا: يجب الأخذ بحديث الآحاد بمعنى التصديق وليس العقيدة! تلاعب بالألفاظ (التصديق لا العقيدة) وهذا نقاش جرى بيني وبين بعض أبناء بلدك بالذات حينما جمعنا سجن الحسكة، وجدت هناك خمسة عشر حزبياً تحريرياً، وعليهم رئيس واحد حلبي اسمه: مصطفى بكري، أتعرفون مصطفى بكري؟ الحضور: لا. الشيخ: لا تعرفونه! والحموي الذي كان هو مجادلهم الكبير كان بديناً طويلاً أشقر ذا هيئة -ولا أقول: ذا هيبة- المقصود: قلت له: أنت -يا أخي- تتحمس لعقيدة الحزب وأنت لا تعرفها، قال: كيف؟ قلت له: ألا تعتقد أن الحزب كان يرى من قبل أنه لا يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة؟ قال: نعم، وهذه هي عقيدتنا، قلت له: ثم طوروا هذا وقالوا: لا يجب، قال: أين؟ قلت له: الطبعة الثانية، وأخيراً قالوا بجواز الأخذ، ولكن بالتصديق وليس بالإيمان والاعتقاد. الله أكبر! يتلاعبون بالألفاظ حتى لا يظهروا تراجعهم أمام أفراد حزبهم، المهم هذه مقدمة، وكنت قد احتججت عليهم بأمور لا قبل لهم بردها، قلت لهم: يا جماعة! -وهنا الشاهد بالنسبة للكلام الذي سمعناه آنفاً- الإسلام بكل ما جاء فيه هو لابد من عقيدة، أنت إذا أديت فريضة وجردتها من العقيدة لم تصنع شيئاً، إذا ابتعدت عن محرم لا لأن الله حرمه ما تعبدت الله بهذا الابتعاد ... إلخ، ومن جملة ما قلت: لو كان هناك تفريق بين العقيدة وبين الأحكام لكان القول على العكس هو الأقرب إلى الصواب؛ ذلك لأن كل حكم يتضمن عقيدة، فإذا عري هذا الحكم من العقيدة بَطَلَ. بينما ليس كل عقيدة يتضمن عملاً، وأنت تستطيع أن تعتقد ولا يلزمك أي عمل بمثل هذه العقيدة، مثلاً: الإيمان بعذاب القبر، وهم يشكون فيه ويقولون: إن عذاب القبر غير ثابت؛ لأنه لا يوجد دليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ولسنا بصدد إبطال دعواهم هذه أيضاً، المهم أنت اعتقادك أن هناك عذاباً في القبر أو لا يوجد عذاب في القبر، لا يغير هذا الاعتقاد شيئاً من منطلقك في حياتك وفي عملك، وفي العاقبة لها تأثير، ولكن أريد التفريق بين الأحكام الشرعية، فكل حكم يتضمن عقيدة، أنت تقول: هذا حرام، أي: تعتقد أنه حرام، تقول: هذا فرض، أي: تعتقد أنه فرض، وهكذا الأحكام الخمسة كما يقولون، فإذاً: الإسلام كله عقيدة -وهذه حقيقة- وهذه العقيدة حينذاك لا بد أن تحفز صاحبها على التجاوب معها؛ إن كان مجرد إيمان بالغيب آمن بالغيب، وإن كان إيماناً بحكم شرعي فهو يعمل به على ضوء ما تضمنه الحكم الشرعي، وضربت له مثلاً: كان مما ابتليت به هناك في دمشق مجادلة القاديانيين، ومن جملة عقائد القاديانيين الضالين أنهم يعتقدون أن ركعتي الفجر -السنة- واجبة، أنا أتخذ هذا مثلاً وأقول: رجلان بعد أذان الفجر قاما وصليا ركعتين، أحدهما بنية السنة -وهذا هو الصحيح- والآخر بنية الواجب -وهذا غير صحيح-؛ فالعمل واحد لكن اختلفت النية، فنية أبطلت العبادة، ونية صححت العبادة. إذاً: المدار في كل أحكام الإسلام هو العقيدة، فلا يجوز فصل العقيدة في بعض الإسلام دون بعض إطلاقاً، وهذا نوع من الفقه الذي ينبغي أن نتنبه له. مداخلة: هنا مسألة: أحياناً إخواننا في مسألة العقيدة وغيرها عندما نقول: منهاج، وعقيدة، وشريعة، مثل بعض الآيات في القرآن التي فصلت مثل هذا، أو العلماء الأقدمون الذين قالوا: عبادات، وعقيدة، ومعاملات؛ لا يفرقون بين الاصطلاح الذي هو للتدريس والتعليم والتدريب وبين أصل الدين ككل، ثم هنا يبدو لي ملاحظتان: أن حزب التحرير وغيرهم، فضلاً عن أنهم لا يفقهون الدين لا يفقهون اللغة العربية، عندما يقولون: تصديق دون عقيدة. الشيخ: طبعاً هذا خلاف القرآن. مداخلة من الشخص السابق: نعم. والملاحظة الثانية هذه من ملاحظات الاصطلاح. الشيخ: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] قال: مبشراً! مداخلة من الشخص السابق: فعقيدتهم هذه تكذبها السنة، وهي قول الرسول ﷺ -إن أصبت في الفهم-: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها (لا إله إلا الله) وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فيلزم منه الاعتقاد. السائل: لعل الرجل أراد هنا في المقال لما قال: يريد أن يوسع دائرة التكفير، لعله أراد بهذا أن سيد قطب قال في الأمة الإسلامية الآن في هذا العصر: إنها تعيش جاهلية لا تعيشها الجاهلية الأولى، وقال: إن هذه مساجدها معابد جاهلية، وإن الإسلام يرفض (أَسْلَمَةَ) هذه المجتمعات، أنا قرأته بعيني يا شيخ! الشيخ: هل ذهبت إلى مصر؟ السائل: لا. الشيخ: هو مصري، هو يحكي ما يشاهده في مساجد عن الست زينب والبدوي إلخ. السائل: فتكون كل مساجد مصر هكذا؟ الشيخ: لا، أنا لا أقول بالكلية وهو لا يقول بالكلية، لكن هو يتكلم بصفة عامة. السائل: لكن هو عم المجتمعات يا شيخ!

стр. 285

خاتمة رأي الشيخ في سيد وكتبه الشيخ: على كل حال، الرجل مات وانتقل إلى رحمة الله وإلى ظنه، ونحن كما نصحتك آنفاً لا تبحث في الأشخاص، خاصة إذا كانوا انتقلوا إلى رحمة الله. رجل: ألا يمكن أن نقول: إن قصد بالجاهلية التكفير وتكفير هذه الأمة فهذا ضلال بعيد، وإن قصد أنك ما تمر بالشارع إلا كان على يمينك قمار، والدكان الثاني يبيع الخمر علناً، والثالث مرقص، والرابع سينما، والخامس سفور، ثم أزياء الكفار، ثم سن قوانين غير شرعية، فإن قصد مثل هذا فهو كما قال فيه جاهلية، فهذا كلام لا ينكر، بل قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما هو أشد من هذا في الناس. وأما إن قصد التكفير فالأمر والحمد لله واضح، فنحن نفصل، ولا يهمنا الرجل بذاته، إن كان قصد التكفير المخرج من الملة فهذا ضلال ونأباه وأمره إلى الله، وإن كان قصده الجاهلية التي نراها فلا تشك معي أن الأمر كذلك. الشيخ: أنت ماذا ينادونك؟ الرجل: أبو طلحة. الشيخ: انظر يا أبا طلحة! يقول الرسول ﷺ ولو في غير هذه المناسبة: (إنما الأعمال بالخواتيم) ، فما هي خاتمة البحث في كلام سيد قطب أو غيره، إن كان قصد كذا أو قصد كذا؟ السائل: الشاهد يا شيخ! الشيخ: لا تحد عن الجواب. السائل: ما قصدت الحيدة يا شيخ! الشيخ: أنا لا أتكلم قصدت أم لم تقصد، إنما أذكرك وأقول: لا تحد عن الجواب، ما هي ثمرة البحث في أن سيد قطب أو غيره قال كذا وكذا وكذا؟ فما هو المقصود من حكايتنا لكلامه؟ السائل: نحن الآن نريد أن نحذر الناس من كتب هذا الرجل؛ لأن الناس الآن عظموا مؤلفات هذا الرجل، حتى فاقت في طباعتها وانتشارها مؤلفات الأئمة، فيا شيخ! هو عنده أخطاء عقائدية كثيرة، وقد تكلم في عثمان. الشيخ: هذا هو الجواب. السائل: لا أقصد أنه لهذا يا شيخ! رجل آخر: لدينا سؤال واحد فقط! الشيخ: تفضل. السائل: هل قلتم مرة أن معالم على الطريق هو توحيد كتبَ بأسلوب عصري؟ الشيخ: أنا أقول: إن في هذا الكتاب فصلاً قيماً جداً، أظن عنوانه: (لا إله إلا الله منهج حياة) هذا الذي أقوله وقلته آنفاً، ومثل ما يقولون عندنا في الشام: (على غير عباية) : الرجل ليس عالماً، لكن له كلمات عليها نور وعليها علم، مثل (. منهج حياة) أنا أعتقد أن هذا العنوان كثير من إخواننا السلفيين ما تبنوا معناه، أن (لا إله إلا الله منهج حياة) هذا الكلام الذي تكلمت عنه. الرجل: قلتم لنا هذا الكلام في بيتنا منذ خمسة وعشرين سنة. الشيخ: ممكن، لكن أنا لا أذكر ما أقول. لكن الرجل له كتاب العدالة الاجتماعية لا قيمة له، لكن كتاب معالم على الطريق له بحوث قيمة جداً. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
следующие страницы →