← Джавами‘

Джавами‘ · id 7682

دروس للشيخ الألباني

ناصر الدين الألباني

Полный текст (552 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

رأي الشيخ الألباني في سلمان العودة وسيد قطب السؤال يا شيخ! ماذا تقولون فيمن خالف أئمة الإسلام في أمر من الأمور التي قد أجمعوا عليها، وقامت عليه الحجة ولم يرجع، بل زاد على ذلك أنه يمدح بعض الصوفية والمفوضة، ويمدح من يقول بقول جهم في القرآن، ويطعن في الصحابة بل وفي الأنبياء، ويسميهم أئمة ومجددين، بل ويثني على بعض الزنادقة الذين أباحوا الردة، وطعنوا في العقيدة وفي الرسول ﷺ وفي أهل الحديث، ويقول عنهم: فيهم خير كثير، وسمى زيغهم وضلالهم اجتهاداً، فقال: وإن كنا نتحفظ عن بعض اجتهاداتهم. فهل يكون هذا مبتدعاً؟ وهل نعينه ونقول: فلان مبتدع، تحذيراً للأمة ونصحاً لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؟ الشيخ: ذكر هذا في كتاب؟ السائل: في أماكن متفرقة. الشيخ: ليس في كتاب؟ السائل: أيضاً في بعض الكتب. الشيخ: حسناً منها؟ السائل: هو الذي مدح هذا الشيخ: لا تحد لا تحد. السائل: حسناً. الرجل الذي قال هذا في بعض الكتب، مثلاً في العدالة الاجتماعية، أو في ظلال القرآن، لكن الذي يمدحه وقال عنه: مجتهد، وكذا في شريط أو في بعض الأشرطة، وأيضاً شخص آخر حاله كحال هذا له كتاب اسمه الخلافة والملك، وله كتب أخرى تكلم فيها عن بعض الأنبياء، عن نوح -مثلاً- فقال عنه لما قال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥] قال: غلبت عليه عاطفة الجاهلية، وعن يوسف لما قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] قال: هذا دكتاتوري يطلب منصب الدكتاتورية كـ (موسوليني) في زماننا. الشيخ: من هذا الذي يقول هذا؟ السائل: في كتاب الخلافة والملك للمودودي. الشيخ: المودودي. ومن الذي يمدح هذا الكلام؟ السائل: أحد الدعاة مدحهم. الشيخ: لماذا لا تسميه؟ هل تسميته غيبة؟ السائل: لا. إن شاء الله، هو الشيخ سلمان مدحه. الشيخ: أنا أقول لك: مدح الكلام أم المتكلم؟ السائل: مدحهم في أشرطة. الشيخ: اسمع! فهمت سؤالي. السائل: حسناً أعد علي السؤال. مداخلة: يقول الشيخ: أمدح هذا الكلام، أم مدح صاحب هذا الكلام؟ السائل: لا. بل صاحب هذا الكلام، ما مدح الكلام. الشيخ: إذاً مدح صاحب الكلام! قد أمدحه أنا؛ فهل معنى ذلك أنني أصوب كل ما قال؟ السائل: لا يعني هذا. الشيخ: إذاً ماذا تعني أنت بهذا السؤال؟ السائل: بلغني أن في بعض الأشرطة لبعض المشائخ أنهم ذهبوا إليه، وقالوا له: إن فلاناً -أي المودودي - فيه كذا وكذا، فقال لهم: والله لو سئلت يوم القيامة، سأقول: إمام ومجدد، فنحن اختلط علينا هذا الأمر، وقلنا: نسأل عنه الشيخ! الشيخ: انظر! -يا أخي- أنا أنصحك أنت والشباب الآخرين الذين يقفون في خط منحرف فيما يبدو لنا والله أعلم: ألا تضيعوا أوقاتكم في نقد بعضكم بعضاً، وتقولوا: فلان قال كذا، وفلان قال كذا؛ لأنه أولاً: هذا ليس من العلم في شيء، وثانياً: هذا الأسلوب يوغر الصدور، ويحقق الأحقاد والبغضاء في القلوب، إنما عليكم بالعلم، فالعلم هو الذي سيكشف هل هذا الكلام في مدح زيد من الناس الذي له أخطاء كثيرة؟ وهل -مثلاً- يحق لنا أن نسميه صاحب بدعة؟ وبالتالي هل هو مبتدع؟ ما لنا ولهذه التعمقات؟ أنا أنصح بألا تتعمقوا هذا التعمق؛ لأننا في الحقيقة نشكو الآن هذه الفرقة التي طرأت على المنتسبين لدعوة الكتاب والسنة، أو كما نقول نحن: للدعوة السلفية، هذه الفرقة -والله أعلم- السبب الأكبر فيها هو حظ النفس الأمارة بالسوء، وليس هو الخلاف في بعض الآراء الفكرية، هذه نصيحتي. مداخلة: يا شيخنا! الصورة قاتمة جداً فيما يجري بين الشباب في كثير من بقاع الأرض، ولا نشك أن هناك منحرفين وهناك مخطئين ومبتدعين، لكن أصبحت المواجهة في كثير من الأحايين مواجهة شخصية، ومواجهة للقيل والقال، مما لا يشعر الشباب ما يترتب على ذلك من إضاعة الأوقات، وإثارة كثير من الحقد بينهم، هذه مسألة لا يتنبهون لها، وهم -ولا نشك- معهم الحق، لكن كثيراً من الشباب عندما أسأله: كم تحفظ من القرآن؟ يقول: أحفظ أقل من ثلاثة أجزاء! أسأله: كم لك تناقش هذه القضية؟ يقول: ثلاث سنوات، ثلاث سنوات وهم يجلسون يتناقلون: زيد مبتدع، غير مبتدع، كافر، غير كافر، زنديق، غير زنديق، قال ما قال، منحرف غير منحرف، وقد يكون منحرفاً أو مخطئاً أو ضالاً! وهم يظنون إذا جاءهم الناصح وقال لهم: هذا مضيعة للأوقات، الأغلب يظنون أن الناصح مع أولئك، وهذا أمر عجيب! وهو يريد نصحهم، شاب عمره سبع عشرة سنة لا يحفظ إلا القليل وهو الآن يناقش في مسائل عميقة جداً، قد يتأنى فيها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه ويتريثون فيها، بينما هم يتسرعون إلى مثل هذه القضايا، فنريد توجيهاً لمثل هذا. الشيخ: أنا كثيراً ما أُسْأَل: ما رأيك بفلان؟ فأفهم أنه متحيز له أو عليه، وقد يكون الذي يسأل عنه من إخواننا، وقد يكون من إخواننا القدامى يقال عنه: إنه انحرف، فأنا أنصح السائل: يا أخي! ماذا تريد بزيد وبكر وعمرو؟ استقم كما أمرت، وتعلم العلم، وهذا العلم سيميز لك الصالح من الطالح، والمخطئ من المصيب. إلخ، ثم لا تحقد على أخيك المسلم لمجرد أنه لا أقول: أخطأ، بل لمجرد أنه انحرف، لكن انحرف في مسألة أو اثنتين أو ثلاث، والمسائل الأخرى ما انحرف فيها، ونحن نجد في أئمة الحديث من يتقبلون حديثه، ويقولون عنه في ترجمته أنه مرجئ، وأنه خارجي، وأنه ناصبي. إلخ، فهذه كلها عيوب وكلها ضلالات، لكن عندهم ميزان يتمسكون به، ولا يرجحون كفة سيئة على الحسنات أو سيئتين أو ثلاث على جملة حسنات، ومن أعظمها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أنا أقول -مثلاً- في سلمان وأمثاله: بعض إخواننا السلفيين يتهمونهم بأنهم من الإخوان المسلمين، أنا أقول: لا أعلم أنه من الإخوان المسلمين، لكن ليت الإخوان المسلمين مثله، الإخوان المسلمون يحاربون دعوة التوحيد، ويقولون: إنها تفرق الأمة وتمزق الكلمة، أما هؤلاء -فيما أعتقد وأهل مكة أدرى بشعابها- يدعون إلى التوحيد، ويدرسون التوحيد، أليس كذلك؟ السائل: نعم. الشيخ: إذاً: ليت الإخوان المسلمين يكونون كذلك، وقد يوجد عندهم عمل سياسي، وعندهم ما يشبه الخروج على الحكام ...إلخ، نعم، الخوارج كانوا كذلك، الخوارج الرسميون الذين لا يشك العلماء أن قول الرسول ﵇: (الخوارج كلاب النار) إنما قُصِدُوا هم؛ الذين خرجوا على علي، وأنهم (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) ، كما في الحديث المعروف في الصحيحين؛ هم المقصودون، مع ذلك يروون الحديث عنهم، ويعتبرونهم مسلمين، فهم يدعون ضلالاتهم ويبينون حسناتهم، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] . فهؤلاء إذا كان عندهم انحراف، ولا أعتقد أنه انحراف في العقيدة، إنما هو انحراف في الأسلوب، وعلى كل حال نسأل الله أن يجعلنا من الأمة الوسط، التي لا تقع لا في الإفراط ولا في التفريط.

стр. 282

رأي الشيخ الألباني في كلمات للشيخ سلمان العودة السائل: فضيلة الشيخ! لا أدري السؤال الأول الذي سألتك عنه لا أدري هل هو خطأ في العقيدة؟ الشيخ: ما هو؟ السائل: قولهم: لو كان الأنبياء والمصلحون إلى يوم القيامة يحاربون الشيخ: ضلالة كبرى، وأنا أجبتك عن نوح ﵇. السائل: هذه هو قالها أيضاً. الشيخ: من هو؟ السائل: الشيخ سلمان. الشيخ: أين قالها؟ السائل: في هذا الكتاب. الشيخ: أرني هذا الكتاب. السائل: صفحة (١٧٠) . الشيخ: يقول: (وأن يعلموا -أي هؤلاء الدعاة- أنه لو كان الأنبياء أو المصلحون إلى يوم القيامة، يحاربون من ألوان الشرك المناقض لكلمة (لا إله إلا الله) ما يتعلق بالأوضاع الشعبية فقط لما تعرض لهم أحد، ولما وقف في وجوههم إلا القليل) كلمة (الشعبية) هنا لها مفهوم من حيث اللغة العربية أم لا؟ السائل: يا شيخ! أنا الذي أفهمه -والله أعلم- وقد أكون مخطئاً فيه. الشيخ: قد يكون كلنا كذلك. السائل: الأوضاع الشعبية هي هذه الموجودة عند الناس -مثلاً- جلوس الناس عند القبور، والطواف بها، والنذور، وتعليق الخرق وكذا، والله أعلم. الشيخ: نعم، نعم، لكن هل دعوة التوحيد واقفة إلى هنا، أي محاربة الشركيات الشعبية؟ السائل: لا، بل الشرك كاملاً. الشيخ: حسناً؛ فهو يعني أشخاصاً معينين، يفهم خطأً أو صواباً أنهم يرضون عن الحكام وعن تصرفاتهم المخالفة للشريعة، وإنما يعنون فقط بإصلاح قلوب الشعب وأفراد الشعب، لعلي استطعت أن أبين لك ماذا يعني الرجل، يعني أن دعوة الحق لا تنحصر فقط بإصلاح أفراد الشعب دون الحكام، والرضى عن تصرفات الحكام، وتركهم فيما هم يتصرفون فيه من مخالفات شرعية. السائل: يا شيخ! الجملة الأخيرة هل هي صحيحة؟ الشيخ: نسمع من أهل مكة. رجل مكي: أقول: الحقيقة في كثير من القضايا الناس بين إفراط وتفريط، فإما قوم لا يفقهون دعوة التوحيد إلا توحيد الحاكمية فقط، ويتركون الناس في شركهم الأكبر! وكما يسمونه الآن شرك القبور، وإما أناس آخرون لا يحبون بل يتحسسون من الحاء، مجرد ما يقول إنسان: إن التوحيد فيه حاكمية لله ، يتحسسون من هذه القضية ولا يلتفتون إليها لا من قريب ولا من بعيد، بل عليهم محاربة ما يسمى بشرك القبور، وإذا عدلنا في القضية عُرِفَ الصواب أن دعوة التوحيد هي دعوة توحيد الحاكمية أن تكون الحاكمية لله، وكثير من الكتاب -والحق يقال- أنه أحياناً يعني بالحاكمية من خلال قراءته لها يعني الحاكمية المطلقة أن الأمر كله يرجع إلى الله ، وأحياناً يعنون بها السياسة التي ظلوا وراءها، فمن العدل والإنصاف أن نقول: إن التوحيد يشمل كلا الجهتين. فإذا فهم هذا الكلام -يا أخي- على أن الأنبياء لو بقوا فقط على أن يمنعوا الناس من القبور لما اعترضهم معترض، هذا هو فحوى الكلام، لكن هناك نقطة ثانية -يا أخي! ومع الاستئذان من شيخنا وحبيبنا-: الكلام لا يحمل على فهم الرجل الذي فهمه القارئ، وإلا كان ضل كثير من الناس، ولكن يحمل على كلام الرجل الآخر، إما في مواقع أخرى أو من واقعه، فإذا كان الرجل معروفاً بالتوحيد الكلي، وداعية إلى هذا التوحيد، أو أنه من الموحدين، ثم قال لفظة أو قال لفظتين، فلا يحمل على أسوأ محمل؛ لأنه لو حمل على هذا المحمل لكان زنديقاً بكل معنى الكلمة، وكان خارجاً من ملة الإسلام، ثم نحن نرى أن واقعه ليس كذلك، فهذه مسألة جديرة. وبالمناسبة حمل الكلام على أسوأ محمل هذه قاعدة ليست من قواعد أهل السنة والجماعة.

стр. 283

رأي الشيخ الألباني في كلمات لسيد قطب أنا أذكر يا شيخنا! بالمناسبة نفس هذا الكلام كيف حمله بعض إخواننا الأفاضل على محمل سيئ، ولعلكم تسددونني فيما أقول. يقول سيد قطب في بعض كتبه: (إن عبادة الأصنام التي دعا إبراهيم ﵇ ربه أن يجنبه هو وبنيه إياها، لا تتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان يزاولها العرب في جاهليتهم، أو التي كانت تزاولها شتى الوثنيات في صور شتى مجسمة في أحجار، أو أشجار، أو حيوان، أو طير، أو نجم، أو نار، أو أرواح، أو أشباح. إن هذه الصورة الساذجة كلها لا تستغرق صور الشرك بالله، ولا تستغرق كل صور العبادة للأصنام من دون الله، والوقوف بمدلول الشرك عند هذه الصورة الساذجة يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها، ويمنعنا من الرؤية الصحيحة لحقيقة ما يعتور البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة، ولا بد من التعمق في إدراك طبيعة الشرك وعلاقة الأصنام بها، كما أنه لا بد من التعمق في معنى الأصنام وتمثل صورها المجردة، المتجددة مع الجاهليات المستحدثة) . نريد تعليق شيخنا، ثم نقرأ تعليق أحد الإخوة الأفاضل على هذا الكلام. الشيخ: لا يوجد شيء على الكلام، هو كلام سليم (١٠٠%) ، ويكفي في ذلك قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] والتفسير الذي جاء في هذه الآية لما نزلت، وهي نزلت في حق النصارى، وكان من العرب الذين تنصروا في الجاهلية -مع قلة المتنصرين- عدي بن حاتم الطائي، ثم هداه الله وأسلم، والقصة مذكورة في مسند الإمام أحمد وغيره، فلما نزلت هذه الآية أشكلت على عدي بن حاتم الطائي؛ لأنه فهمها بمعنى الشرك الذي ينكر الرجل أن يكون الشرك كله محصوراً في هذا النوع من عبادة الأصنام والوثنيات، فقال له ﵇ موضحاً المعنى العام الأشمل للشرك بالله في اتباع غير شريعته، قال له: (ألستم كنتم إذا حرموا عليكم حلالاً حرمتموه، وإذا حللوا لكم حراماً حللتموه؟ قال: أما هذا فقد كان، قال: فذاك اتخاذكم إياهم أرباباً من دون الله) . الآن هذا النوع من الشرك غير ملاحظ حتى عند الذين يعلنون أن الحاكمية لله ، وأنا أذكر بمثل هذه المناسبة لما كنت في دمشق في مخيم اليرموك، في مسجد صلاح الدين بالذات، حينما صعد المنبر خطيب من شباب الإخوان المسلمين، وألقى خطبة نارية في أن الحاكمية لله ، سبحان الله! ولما صلى وانتهى من الصلاة، لفتُّ نظره إلى خطأ -ونسيت الآن ما هو هذا الخطأ- قلت له: هذا مخالف للسنة، قال: لكن أنا حنفي! قلت: يا أخي! الله يهديك، أنت الآن خطبتك كلها في أن الحاكمية لله ، فما معنى الحاكمية؟ فقط أنه إذا جاءك قانون من كافر مخالف للشرع فهذا هو الكفر، وأنه يلزمك أن تتمسك بالشرع، أما إذا جاءك حكم من مسلم كان مخالفاً للشرع، هذا تتبعه مع مخالفة الشرع، أين الحاكمية لله إذاً؟! هذا المعنى -في الحقيقة- شامل وجامع، وهو أحسن حينما دفع شبهة من قد يقف، فقال: فقط، أي: ليس الشرك فقط هذا، فوسع المعنى؛ وهذه التوسعة هي الإسلام، ولذلك نحن نقول: إن الوقوف عند محاربة الشركيات في أفراد الشعب، وترك الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله -وهذا لا يعني أن ندخل في خضم التكفير وإخراجهم عن الملة، يكفي أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، والتفصيل الذي ندين الله به هو أن هناك كفراً دون كفر، كفر عملي وكفر اعتقادي، هذا التفصيل الحق هو الذي يجعلنا معتدلين، ولا نتسارع إلى تكفير الحكام دون أن نفرق بين حاكم يؤمن بما شرع الله، ولكن يتبع هواه في بعض مخالفته لما شرع الله- أقول: إن الوقوف عند محاربة الشركيات في أفراد الشعب، وترك الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله فيه ما فيه، وهذا الجانب من التوحيد يجب أيضاً أن يشتغل به الدعاة. لكن الحقيقة أنا أقول كلمة صريحة: إن دعاة التوحيد اليوم في امتحان مرير، فكل قرار يصدر تجد الجواب هذا أمر ولي الأمر! صح يا زين! أم لا؟ وقعنا فيما نحذر منه، لماذا نحن لا نتوجه -إذاً- إلى الدعوة بعامة وليس فقط فيما يتعلق بالشعوب، العبارة هذه تشبه تماماً كلمة (فقط) هناك، فهو قيدها بالوقوف في محاربة الشركيات المتعلقة بالشعوب وترك الحكام دون نصح ودون تحذير، ودون إنكار، ولو مع عدم الخروج، هل الجواب واضح؟ السائل: لا يستلزم هذا مواجهة؟ الشيخ: نعم. لا يستلزم. السائل: علق أخ فاضل على هذا الكلام بما يلي، الذي كأني فهمت أنه كلام ابن القيم بأسلوب عصري! قال: في هذا الكلام أولاً تهوين من دعوات الأنبياء. الشيخ: لا. هكذا كلام ابن القيم!! السائل: التي ركزت على عبادة الأصنام والأوثان، هل في هذا تهوين؟ الشيخ: بَيِّنٌ. السائل: يعني: لا. الشيخ: طبعاً!! السائل: قال! ثانياً: فيه صرف الدعاة عن أعظم وأكبر أنواع الكفر والشرك الذي حاربه كل الأنبياء والمرسلون المصلحون، وأدركوا أنه أكبر خطر على الإنسانية. هل في هذا الكلام صرف؟ الشيخ: لا يوجد. السائل: لا يوجد؟ الشيخ: نعم. السائل: ثالثاً: فيه خلط بين قضايا الشرك الأكبر والأصغر، وبين قضايا المعاصي صغيرها وكبيرها. الشيخ: أين هذا؟ السائل: والله ما فهمته! لكن سأقول لك: أين؟ الشيخ: بفهم أو بدون فهم؟ السائل: إن شاء الله بفهم. السائل: بعض الناس يرى أن مسألة الحاكمية والحاكم بصورة عامة هي شرك أصغر، وأما شرك القبور بصورة مطلقة شرك أكبر، ولا يفصلون بين الشرك العملي والشرك الاعتقادي إلا عند الحاكم، ولا يدرجون هذا على الناس الذين يقعون في الشرك المسمى شرك القبور، فيرون أن هذا ليس فيه تفصيل، أي شرك يأتي به الرجل في شرك القبور هو خارج من الملة دون تفصيل، دون جهل، دون إقامة حجة إلى غير ذلك، وأما ذاك ففيه تفصيل، ولعل إن أصبت والتسديد لكم، فهكذا: فيه خلط، مع أنه ذكر كلاماً بديعاً. ثم النقطة الثانية يقولون: إنه وصف الشرك هذا بأنه ساذج، لا شك أنه ساذج، فلا أدري هم فهموا ما معنى ساذج أم لا، يقول: هؤلاء الذين يعبدون الأصنام شركهم ساذج، ولكن أولئك الذين يعبدون ويطيعون ويفعلون مثل الحديث الجميل الذي ذكرته، فهذا كذلك داخل في الشرك. الشيخ: إي نعم. مداخله: هل يحسن أن نقول عن شرك الأوثان أنه بدائي. الشيخ: يا أخي -بارك الله فيك- كلمة شرك بدائي نزلت في شيءٍ من القرآن أو في السنة؟ السائل: لا. الشيخ: حسناً من الذي تكلم؟ زيد من الناس، نحن نستوضح منه هل يقصد من كلمة (بدائي) بمعنى أنه لا يخرج من الملة بعد إقامة الحجة؟ فإن كان يقصد هذا ننكر ذلك عليه، إذا كان يريد التهوين من هذا الشرك، إذاً نحن نستوضح منه، ماذا تريد من كلمة (بدائي) ؟ والذي أفهمه أنه يعني: أن هؤلاء العرب وثنيون ليس عندهم كتاب كاليهود والنصارى يرشدهم ويدلهم ويهديهم، ولو في بعض النواحي التي بقيت محفوظة عند أهل الكتاب وغير محرفة، فهم وثنيون يعيشون هكذا على الجاهلية، هذا الذي يعنيه بأنه شرك بدائي، ما أفهم أنه يعني أنه شرك لا ينبغي أن يهتم به، وأظن أنك أنت وأمثالك تريدون أن تفهموا هكذا، ولذلك لا تقفوا عند هذه الكلمات، لماذا؟ لأنها: أولاً: ما صدرت من معصوم. ثانياً: حاولوا أن تفهموا ماذا يعني بهذه الكلمة، كما يروى عن بعض السلف: التمس لأخيك عذراً، هذا إذا كانت العبارة فيها إيحاء بما يخالف الشرع، أما إذا كانت العبارة ما هي واضحة؛ فنحملها على أحسن الاحتمالين. السائل: لعل هذا -إن شاء الله- فيه هداية للجميع، يقول سيد قطب: إن الاعتقاد بالألوهية الواحدة قاعدة لمنهج حياة متكامل، وليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمائر، وحدود العقيدة أبعد كثيراً من مجرد الاعتقاد الساكن -كأنها لفتة إلى المرجئة دون أن يدري، الذين لا يجاوزون الإيمان حدود القلب- يقول: إن حدود الاعتقاد تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة، وقضية الحاكمية كذلك فروعها -أو كلمة خطأ- في الإسلام هي قضية عقيدة، والحاكمية هي قضية عقيدة، كما أن قضية الأخلاق بمجملها هي قضية عقيدة، فمن العقيدة ينبثق منهج الحياة الذي يشمل الأخلاق والقيم، كما يشمل الأوضاع والشرائع سواء بسواء. الشيخ: صحيح. السائل: هذا الكلام صحيح؟ الشيخ: نعم. السائل: يقول أخونا يعلق على هذا الكلام: هذا كلام حق وخطأ! الشيخ: عجيب! السائل: أما العقيدة قاعدة لمنهج حياة متكامل فمسلَّم. الشيخ: الحمد لله. السائل: وهذا أقره على كلامه كله. الشيخ: نعم. السائل: تابع لكلام الأخ الفاضل: وأما أن حدود العقيدة تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة؛ فهذا لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا قاله علماء الإسلام. الشيخ: هذا رجل سطحي. السائل: هذا الكلام غير صحيح؟ الشيخ: نعم، نقدر نفهم مَن هذا؟ السائل: ما أحبه. الشيخ: ما تحبه! السائل: فهذا من شذوذات سيد قطب ليوسع به دائرة التكفير! ألا ترون أن هذا إلزام بما لا يلزم؟ الشيخ: نعم، ولا شك. السائل: تابع: لمن يخالف منهجه -أي: لا يكفر الآخرين، مجرد أي واحد يخالف منهجه، فيريد سيد بهذا أن يكفر-. الشيخ: ما عرفنا ذلك عنه. أنا أعتقد أن الرجل ليس عالماً. السائل: لا شك. الشيخ: لكن له كلمات في الحقيقة! -خاصة في السجن- كأنها من الإلهام. السائل: تابع لكلام الأخ: وهو مع ذلك يحيد عن ذكر شرك القبور. السائل: قد وجدت كلاماً لـ ابن القيم في إعلام الموقعين هو نفس الكلام بالتمام، وهو يقول: التوحيد يشمل كذا، ويشمل كذا، وهو ينبثق من القلب إلى الأعضاء إلى غير ذلك، فيشابه هذا الكلام. فالحقيقة أنهم أتوا من جهة أنهم هم يفسرون كلام الآخرين، مع أن إخوانهم في العقيدة والمنهج وبخاصة من أمثالكم وأمثال سماحة الشيخ عبد العزيز وغيره؛ ترون أن هذا الأمر لا يحتمل مثل هذه الأمور التي حملوا كلام الناس عليها. الشيخ: هذا صحيح.

стр. 284

مناقشة الشيخ لتحريريين حول شمول العقيدة أنا بالمناسبة لما كنت أناقش جماعة التحرير في مذهبهم وفي ضلالاتهم أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وكنت أقول لهم: إن قولكم هذا عقيدة، وأنتم تشترطون في العقيدة الدليل القاطع ثبوتاً ودلالة، فأين الدليل القاطع على أن العقيدة لا تؤخذ إلا من حديث قطعي الثبوت قطعي الدلالة؟ وأثبت لهم بأنهم ليسوا في عقيدة منذ نشأ حزبهم؛ لأنهم تطوروا في هذه المسألة بالذات على ثلاث مراحل وثلاثة أقوال: القول الأول: الذي كان مسطوراً في الطبعة الأولى من كتاب لهم لا أذكر الآن اسمه، لكنَّ فيه فصلاً بعنوان: (طريق الإيمان) يقولون هناك: لا يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة، هكذا (لا يجوز) . ثم صدرت الطبعة الثانية للكتاب، وإذا هم يستبدلون (لا يجوز) بـ (لا يجب) رفعوا كلمة (لا يجوز) ووضعوا كلمة (لا يجب) فصارت: يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة، ومن قبل كانوا يقولون: (لا يجوز) عدلوها إلى (لا يجب) فقولهم: (لا يجب) أي: يعطيك الحرية، إن شئت ألا تأخذ وإن شئت أن تأخذ، أما من قبل قالوا: (لا يجوز) هذا التطور الثاني. التطور الثالث: وما أدري إذا كانوا لا يزالون مستقرين عليه، قالوا: يجب الأخذ بحديث الآحاد بمعنى التصديق وليس العقيدة! تلاعب بالألفاظ (التصديق لا العقيدة) وهذا نقاش جرى بيني وبين بعض أبناء بلدك بالذات حينما جمعنا سجن الحسكة، وجدت هناك خمسة عشر حزبياً تحريرياً، وعليهم رئيس واحد حلبي اسمه: مصطفى بكري، أتعرفون مصطفى بكري؟ الحضور: لا. الشيخ: لا تعرفونه! والحموي الذي كان هو مجادلهم الكبير كان بديناً طويلاً أشقر ذا هيئة -ولا أقول: ذا هيبة- المقصود: قلت له: أنت -يا أخي- تتحمس لعقيدة الحزب وأنت لا تعرفها، قال: كيف؟ قلت له: ألا تعتقد أن الحزب كان يرى من قبل أنه لا يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة؟ قال: نعم، وهذه هي عقيدتنا، قلت له: ثم طوروا هذا وقالوا: لا يجب، قال: أين؟ قلت له: الطبعة الثانية، وأخيراً قالوا بجواز الأخذ، ولكن بالتصديق وليس بالإيمان والاعتقاد. الله أكبر! يتلاعبون بالألفاظ حتى لا يظهروا تراجعهم أمام أفراد حزبهم، المهم هذه مقدمة، وكنت قد احتججت عليهم بأمور لا قبل لهم بردها، قلت لهم: يا جماعة! -وهنا الشاهد بالنسبة للكلام الذي سمعناه آنفاً- الإسلام بكل ما جاء فيه هو لابد من عقيدة، أنت إذا أديت فريضة وجردتها من العقيدة لم تصنع شيئاً، إذا ابتعدت عن محرم لا لأن الله حرمه ما تعبدت الله بهذا الابتعاد ... إلخ، ومن جملة ما قلت: لو كان هناك تفريق بين العقيدة وبين الأحكام لكان القول على العكس هو الأقرب إلى الصواب؛ ذلك لأن كل حكم يتضمن عقيدة، فإذا عري هذا الحكم من العقيدة بَطَلَ. بينما ليس كل عقيدة يتضمن عملاً، وأنت تستطيع أن تعتقد ولا يلزمك أي عمل بمثل هذه العقيدة، مثلاً: الإيمان بعذاب القبر، وهم يشكون فيه ويقولون: إن عذاب القبر غير ثابت؛ لأنه لا يوجد دليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ولسنا بصدد إبطال دعواهم هذه أيضاً، المهم أنت اعتقادك أن هناك عذاباً في القبر أو لا يوجد عذاب في القبر، لا يغير هذا الاعتقاد شيئاً من منطلقك في حياتك وفي عملك، وفي العاقبة لها تأثير، ولكن أريد التفريق بين الأحكام الشرعية، فكل حكم يتضمن عقيدة، أنت تقول: هذا حرام، أي: تعتقد أنه حرام، تقول: هذا فرض، أي: تعتقد أنه فرض، وهكذا الأحكام الخمسة كما يقولون، فإذاً: الإسلام كله عقيدة -وهذه حقيقة- وهذه العقيدة حينذاك لا بد أن تحفز صاحبها على التجاوب معها؛ إن كان مجرد إيمان بالغيب آمن بالغيب، وإن كان إيماناً بحكم شرعي فهو يعمل به على ضوء ما تضمنه الحكم الشرعي، وضربت له مثلاً: كان مما ابتليت به هناك في دمشق مجادلة القاديانيين، ومن جملة عقائد القاديانيين الضالين أنهم يعتقدون أن ركعتي الفجر -السنة- واجبة، أنا أتخذ هذا مثلاً وأقول: رجلان بعد أذان الفجر قاما وصليا ركعتين، أحدهما بنية السنة -وهذا هو الصحيح- والآخر بنية الواجب -وهذا غير صحيح-؛ فالعمل واحد لكن اختلفت النية، فنية أبطلت العبادة، ونية صححت العبادة. إذاً: المدار في كل أحكام الإسلام هو العقيدة، فلا يجوز فصل العقيدة في بعض الإسلام دون بعض إطلاقاً، وهذا نوع من الفقه الذي ينبغي أن نتنبه له. مداخلة: هنا مسألة: أحياناً إخواننا في مسألة العقيدة وغيرها عندما نقول: منهاج، وعقيدة، وشريعة، مثل بعض الآيات في القرآن التي فصلت مثل هذا، أو العلماء الأقدمون الذين قالوا: عبادات، وعقيدة، ومعاملات؛ لا يفرقون بين الاصطلاح الذي هو للتدريس والتعليم والتدريب وبين أصل الدين ككل، ثم هنا يبدو لي ملاحظتان: أن حزب التحرير وغيرهم، فضلاً عن أنهم لا يفقهون الدين لا يفقهون اللغة العربية، عندما يقولون: تصديق دون عقيدة. الشيخ: طبعاً هذا خلاف القرآن. مداخلة من الشخص السابق: نعم. والملاحظة الثانية هذه من ملاحظات الاصطلاح. الشيخ: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] قال: مبشراً! مداخلة من الشخص السابق: فعقيدتهم هذه تكذبها السنة، وهي قول الرسول ﷺ -إن أصبت في الفهم-: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها (لا إله إلا الله) وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فيلزم منه الاعتقاد. السائل: لعل الرجل أراد هنا في المقال لما قال: يريد أن يوسع دائرة التكفير، لعله أراد بهذا أن سيد قطب قال في الأمة الإسلامية الآن في هذا العصر: إنها تعيش جاهلية لا تعيشها الجاهلية الأولى، وقال: إن هذه مساجدها معابد جاهلية، وإن الإسلام يرفض (أَسْلَمَةَ) هذه المجتمعات، أنا قرأته بعيني يا شيخ! الشيخ: هل ذهبت إلى مصر؟ السائل: لا. الشيخ: هو مصري، هو يحكي ما يشاهده في مساجد عن الست زينب والبدوي إلخ. السائل: فتكون كل مساجد مصر هكذا؟ الشيخ: لا، أنا لا أقول بالكلية وهو لا يقول بالكلية، لكن هو يتكلم بصفة عامة. السائل: لكن هو عم المجتمعات يا شيخ!

стр. 285

خاتمة رأي الشيخ في سيد وكتبه الشيخ: على كل حال، الرجل مات وانتقل إلى رحمة الله وإلى ظنه، ونحن كما نصحتك آنفاً لا تبحث في الأشخاص، خاصة إذا كانوا انتقلوا إلى رحمة الله. رجل: ألا يمكن أن نقول: إن قصد بالجاهلية التكفير وتكفير هذه الأمة فهذا ضلال بعيد، وإن قصد أنك ما تمر بالشارع إلا كان على يمينك قمار، والدكان الثاني يبيع الخمر علناً، والثالث مرقص، والرابع سينما، والخامس سفور، ثم أزياء الكفار، ثم سن قوانين غير شرعية، فإن قصد مثل هذا فهو كما قال فيه جاهلية، فهذا كلام لا ينكر، بل قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما هو أشد من هذا في الناس. وأما إن قصد التكفير فالأمر والحمد لله واضح، فنحن نفصل، ولا يهمنا الرجل بذاته، إن كان قصد التكفير المخرج من الملة فهذا ضلال ونأباه وأمره إلى الله، وإن كان قصده الجاهلية التي نراها فلا تشك معي أن الأمر كذلك. الشيخ: أنت ماذا ينادونك؟ الرجل: أبو طلحة. الشيخ: انظر يا أبا طلحة! يقول الرسول ﷺ ولو في غير هذه المناسبة: (إنما الأعمال بالخواتيم) ، فما هي خاتمة البحث في كلام سيد قطب أو غيره، إن كان قصد كذا أو قصد كذا؟ السائل: الشاهد يا شيخ! الشيخ: لا تحد عن الجواب. السائل: ما قصدت الحيدة يا شيخ! الشيخ: أنا لا أتكلم قصدت أم لم تقصد، إنما أذكرك وأقول: لا تحد عن الجواب، ما هي ثمرة البحث في أن سيد قطب أو غيره قال كذا وكذا وكذا؟ فما هو المقصود من حكايتنا لكلامه؟ السائل: نحن الآن نريد أن نحذر الناس من كتب هذا الرجل؛ لأن الناس الآن عظموا مؤلفات هذا الرجل، حتى فاقت في طباعتها وانتشارها مؤلفات الأئمة، فيا شيخ! هو عنده أخطاء عقائدية كثيرة، وقد تكلم في عثمان. الشيخ: هذا هو الجواب. السائل: لا أقصد أنه لهذا يا شيخ! رجل آخر: لدينا سؤال واحد فقط! الشيخ: تفضل. السائل: هل قلتم مرة أن معالم على الطريق هو توحيد كتبَ بأسلوب عصري؟ الشيخ: أنا أقول: إن في هذا الكتاب فصلاً قيماً جداً، أظن عنوانه: (لا إله إلا الله منهج حياة) هذا الذي أقوله وقلته آنفاً، ومثل ما يقولون عندنا في الشام: (على غير عباية) : الرجل ليس عالماً، لكن له كلمات عليها نور وعليها علم، مثل (. منهج حياة) أنا أعتقد أن هذا العنوان كثير من إخواننا السلفيين ما تبنوا معناه، أن (لا إله إلا الله منهج حياة) هذا الكلام الذي تكلمت عنه. الرجل: قلتم لنا هذا الكلام في بيتنا منذ خمسة وعشرين سنة. الشيخ: ممكن، لكن أنا لا أذكر ما أقول. لكن الرجل له كتاب العدالة الاجتماعية لا قيمة له، لكن كتاب معالم على الطريق له بحوث قيمة جداً. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 286

خصوصيات الرسول ﷺ لقد خص النبي ﵊ بخصائص كثيرة، منها: شفاعته في تخفيف العذاب عن بعض المقبورين، كما في حديث: (أنهما لعيذبان) وكذلك سماع قتلى قليب بدر لخطابه، وكذلك خص بأفعال تبينت خصوصيتها بما عارضها من أقواله، وعليها تجري قاعدة فقهية عظيمة: القول مقدم على الفعل عند التعارض.

стр. 287

توجيه حديث: (إنهما ليعذبان) السؤال يقول الله : ((وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)) [الإسراء:٤٤] ويقول الرسول ﵊: (يستغفر له -الجريدة- ما لم ييبسا) ، عندما وضع الجريدة على القبرين. كيف نوفق بين قوله تعالى والحديث؟ الجواب السائل أخطأ مرتين: المرة الأولى حينما لم يسق لفظ الآية على صوابه، والمرة الأخرى حينما أدخل في الحديث ما ليس فيه، حيث ذكر السائل قوله: يستغفر أو يستغفران، أي: الجريدة، فبالتالي أشكل على السائل الحديث مع الآية، لكنه ليس في الحديث إطلاقاً أنه يستغفر أو يسبح حتى نتوهم التعارض بين الآية وبين الحديث، ولكن فيما يبدو لي أنه قام في ذهن السائل المعنى السائد في أذهان عامة الناس، والقصة الصحيحة المروية في صحيحي البخاري ومسلم: أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (أما إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول. ثم أمر رسول الله ﵌ بجريدة من نخيل فشقها شقين، ووضع كل شق على قبر، فقالوا: لماذا يا رسول الله؟ قال: لعل الله أن يخفف عنهما العذاب ما دام الغصنان رطبين) ، فليس في الحديث التسبيح أو عدمه حتى يتعارض مع الآية، ولكن الناس قام في أذهانهم أن سبب تخفيف العذاب عن القبرين إنما هو تسبيح الغصنين ما داما رطبين، فأشكل هذا المعنى الذي هو سائد في أذهان الناس وليس صحيحاً، أشكل على السائل؛ لأن الحديث قيد التخفيف بما دام الغصنان رطبين، فمفهومه أنهما إذا يبسا لم يعودا يسبحان الله، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] من هنا جاء الإشكال على السائل، لكن الحقيقة أن الحديث لا يعني مطلقاً أن الغصن يسبح، ليس في الحديث ذكر التسبيح، لا تصريحاً ولا تلميحاً، وبعض الناس توهم أن سبب تخفيف العذاب عن المقبورين إنما هو الرطوبة القائمة في الغصنين، فإذا ذهبت ذهب تخفيف العذاب عنهما، فلا إشكال إذاً، فالآية على إطلاقها: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] سواء كان حجراً أو كان شجراً، وسواء كان هذا الشجر رطباً أو كان يابساً، فالآية على إطلاقها، فهنا يرد السؤال: ما السر في تخفيف العذاب عن الرجلين المقبورين؟ وما السر في قوله ﵇: (ما لم ييبسا) ؟ الجواب: جاء في حديث آخر، وهذا الحديث الذي سقناه آنفاً هو من حديث ابن عباس في صحيحي البخاري ومسلم، فجاء الحديث في صحيح مسلم وحده من رواية جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، أن النبي ﷺ قال في هذه الحادثة أو فيما يشبهها لما أمر بوضع الغصن، وسئل عن السبب قال: (إن الله ﵎ قبل شفاعتي في أن يخفف عنهما العذاب ما دام الغصن رطباً) فإذاً: سبب تخفيف العذاب هو شفاعة الرسول ﷺ ودعاؤه للمقبور، والرطوبة ليست سبباً لتخفيف العذاب، وإنما علامة لمدة تخفيف العذاب، هذا معنى الحديث تخفيف العذاب سببه شفاعة الرسول ﷺ ودعاؤه للمقبور، والرطوبة القائمة في الغصن هي علامة ما بقيت على تخفيف العذاب، فإذا ما ذهبت هذه الرطوبة وأصبح الغصن يابساً عاد العذاب إلى المقبور. هذا هو السر والسبب في تخفيف العذاب عن الميت في هذا الحديث، وليس السر هو أن الغصن ما دام رطباً يسبح الله وما دام يابساً لا يسبح الله، حين ذاك يتعارض هذا مع الآية، فليس في الحديث شيء من ذلك مطلقاً، فالآية على عمومها وعلى إطلاقها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] .

стр. 288

إسماع الموتى من خصوصيات الرسول ﷺ السؤال حديث قليب بدر، وأن الرسول ﷺ أتى إلى البئر الذي كان ألقي فيه القتلى من صناديد قريش فناداهم بأسمائهم: (يا فلان بن فلان! إني وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ يا فلان بن فلان! ستة عشر شخصاً يناديهم بأسمائهم، يقول عمر ﵁: يا رسول الله! إنك لتنادي أجساداً لا أرواح فيها) . نرجو التوضيح؟ الجواب أنا أرجو من السائل بصورة خاصة والمستمعات بصورة عامة أن ينتبهن لقول عمر؛ لأن هذا هو بيت القصيد إذا أردنا أن نفهم هذه القصة فهماً صحيحاً. عمر يقول: (يا رسول الله! إنك لتنادي أجساداً لا أرواح فيها) ما معنى كلام عمر؟ كأنه يريد أن يقول ولكن لا يجرؤ أن يقول إلا بكلام لطيف ولطيف جداً، يقول: يا رسول الله! نحن تعلمنا منك أن الأموات لا يسمعون، أنت الذي أنزل إليك وبلغت ما أنزل عليك: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] فما بالك يا رسول الله! الآن في هذه الساعة تنادي أجساداً لا أرواح فيها؟ فهل قال رسول الله لـ عمر: أخطأت؟ أنا ما قلت لك هكذا، أو ما بلغتك شيئاً من هذا؟ بل أقره على قوله: (إنك لتنادي أجساداً لا أرواح فيها) ولكنه أجابه وأفهمه شيئاً ما كان عمر ليفهمه لولا بيان رسول الله ﷺ ، قال له: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا) كأنه يقول ﵊: أنا الذي قلته يا عمر هو حق وصواب، وفعلاً أنا بلغتك أن الموتى لا يسمعون، ولكن الله ﵎ أحيا هؤلاء حتى سمعوا النداء وفهموا التبكيت والإنكار، ولو استطاعوا أن يجيبوا لقالوا: نعم. إنا وجدنا ما وعدتنا حقاً، ولكن ولات حين مندم، ولات حين مناص! -يقول الرسول-: (ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا) . إذاً: قصة قليب بدر تؤكد ما سبق ذكره من أن الموتى لا يسمعون، ولكن في الوقت نفسه هذه القصة تعطينا تنبيهاً عظيماً، وهو أن المسلم لا يجوز أن يجمد على المعتاد من الأمور، ومن العادات، ومن السنن التي يمكن أن نسميها بالسنن الكونية، أي: إذا كان من سنة الله أن الموتى لا يسمعون، فلا ينبغي أن يضيق عقله عن أن يؤمن بأن الله قادر على أن يسمع الموتى الذين من طبيعتهم أنهم لا يسمعون، هذه هي الفائدة والنكتة من قصة قليب بدر. أي: إن الله قادر على إسماع الموتى الذين عادة لا يسمعون، كما أن الله قادر على أن يمكن النبي ﷺ من أن يصعد إلى السماوات العلا، حيث لا يستطيع إنسان في الدنيا أن يصعد هذا الصعود؛ لأنه خلاف سنة الكون، فالله خلق الإنسان وخلق له قدرات محدودة النطاق، فهو يبصر ويسمع ويمشي ويرفع، ولكن بنسب محدودة، هو ينظر مسافة مثلاً (كم) ، لكن لا يستطيع أن ينظر إلى مائة (كم) فضلاً عن أكثر من ذلك، يرفع خمسين (كجم) مائة (كجم) مائتين (كجم) بعد تمارين عديدة، لكن لا يستطيع أن يرفع ألف (كجم) -مثلاً-؛ لأن هذه حدود الطاقة البشرية التي طبع الله البشر عليها، ولكن الله بقدرته يستطيع أن يمكن إنساناً أن يرفع ألف (كجم) باليد الواحدة؛ لأن الله على كل شيء قدير، وعلى هذا جاءت قاعدة معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء هو من باب خرق العادة، أما السنن فلا تساعد على ذلك. كذلك جماعة قليب بدر من الكفار هم على اعتبار الأموات لا يسمعون، ولكن الله أسمعهم، لذلك قالها صريحة أحد رواة هذا الحديث وهو قتادة، حيث قال: [أحياهم الله له ﵇] أي: ما سمعوا وهم موتى، وإنما أحياهم الله فسمعوا قوله ﵇ ومناداته إياهم. إذاً: قصة قليب بدر تؤكد أن الموتى لا يسمعون كما قال ربنا ﵎. وهنا ملاحظة: ومن الفقه الدقيق لما قال عمر: (يا رسول الله! إنك لتنادي أجساداً لا أرواح فيها) وسكت الرسول على ذلك، معناه: أن سكوته إقرار، لكن من جهة أخرى أفهم عمر أن هنا أمراً خارقاً للعادة؛ أي: أن هؤلاء سمعوا مثلما أنتم تسمعون، لكن أنتم أحياء تسمعون بطبيعتكم، فهؤلاء أموات لا يسمعون بطبيعتهم، ولكن الله أحياهم فسمعوا، فخضع عمر. يشبه هذه القصة تماماً من حيث أن الرسول أقر الصحابي على ما قال من الإنكار، ولكن علمه ما لم يكن يعلم، مثل هذا قصة أبي بكر الصديق:، حينما دخل ذات يوم على النبي ﷺ وهو مسجىً -مغطى- كأنه نائم، وعنده جاريتان من الأنصار تغنيان، تضربان عليه بدف، فلما دخل أبو بكر الصديق قال: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟!) -ينكر الغناء الصادر من الجاريتين في بيت الرسول، والرسول حاضر- فرفع ﵊ رأسه وقال: دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) هذا تماماً على ميزان قول عمر، ورد الرسول عليه، فكما أن الرسول ما أنكر على عمر قوله: (إنك لتنادي أجساداً لا أرواح فيها) كذلك لم ينكر على أبي بكر الصديق قوله: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله) ولكن علمه ما لم يكن يعلم، كأنه ﵊ قال لـ أبي بكر: إن هذا الذي تقوله حق، هذا مزمار الشيطان؛ الغناء هو مزمار الشيطان، لكن هنا استثناء بمناسبة العيد، لذلك قال: (دعهما فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) . إذا أردنا أن نأخذ فقهاً من مجموع إنكار عمر وتعليم الرسول إياه، تكون النتيجة: الأموات لا يسمعون إلا إذا أحياهم الله معجزة للنبي فيسمعون. وإذا أردنا أن نأخذ فقهاً من إنكار أبي بكر الصديق وإقرار الرسول لهذا الإنكار، مع تعليمه إياه ما لم يكن يعلم من قبل، نخرج بالنتيجة الآتية: الغناء بالدف مزمار الشيطان إلا في يوم العيد، هذا الاستثناء هو الذي لم يكن يعلمه أبو بكر الصديق من قبل فعله الرسول ﷺ . إذاً: قصة قليب بدر لا تنافي حقيقة أن الموتى لا يسمعون.

стр. 289

شرح قاعدة: القول مقدم على الفعل عند التعارض السؤال عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان جالساً كاشفاً عن فخذه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قالت: يا رسول الله! استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك، فقال: يا عائشة! ألا أستحي من رجل والله إن الملائكة لتستحي منه) رواه أحمد وذكره البخاري تعليقاً. وعن محمد بن جحش قال: (مر رسول الله ﷺ على معمر وفخذاه مكشوفتان فقال: يا معمر! غط فخذيك؛ فإن الفخذين عورة) رواه أحمد، والحاكم والبخاري في تاريخه وعلقه في صحيحه. فهل هناك تعارض بين الحديثين؟ أو هل يُفهم من الحديث الأول أن الفخذ ليس بعورة؛ لأنه لو كان عورة ما كشفه الرسول ﵌؟ الجواب لو لم يكن في الباب الحديث الثاني لكان الحديث الأول يدل على أن فخذ الرجل بالنسبة للرجل ليس بعورة، ولكن ما دام أنه قد جاء هذا الحديث الثاني وأحاديث في معناه كثيرة تصرح بأن الفخذ عورة؛ فحينذاك لا يؤخذ الحكم من الحديث الأول الذي فيه أن الرسول كشف عن فخذه في حضرة أبي بكر وعمر، وإنما يؤخذ الحكم من الحديث الثاني. والسبب: أن هناك قاعدة فقهية تقول: إذا تعارض حديثان، وكان أحدهما من قوله ﵇ كحديث معمر هذا، والآخر من فعله ﵊ كحديث عائشة، ففي هذه الحالة يقدم القول على الفعل. هذه قاعدة أصولية من تفقه بها فُتحَ عليه فقه كبير جداً، واستطاع التوفيق بين أحاديث كثيرة، وهي: القول مقدم على الفعل عند التعارض. والقول في ذلك: إن القول الصادر من الرسول ﵇ الموجه إلى الأمة هو شريعة عامة، أما الفعل الذي يفعله هو فيمكن أن يكون شريعة عامة حينما لا يوجد معارض له، ويمكن أن يكون أمراً خاصاً به ﵊. ومن المعلوم أيضاً عند العلماء قولهم: الدليل إذا طرأ عليه الاحتمال سقط به الاستدلال. فهذا الفعل، أي فعله ﵊، يمكن أن يكون شريعة عامة، ويمكن أن يكون حكماً خاصاً به ﵊، ويمكن أن يكون هذا الشيء الذي فعله الرسول ﵊ لعذر، فما دام أن فعل النبي ﷺ يحتمل أسباباً كثيرة تجعل هذا الفعل ليس شريعة عامة، وقد جاء قوله ﵇ بما يخالفه؛ حينذاك القول مقدم على الفعل، ولهذا أمثلة كثيرة جداً. مثلاً: من المعلوم أن الرسول ﷺ كان يواصل الصيام، يواصل صوم النهار مع الليل والليل مع النهار وهكذا، فرآه أصحابه فواصلوا معه الصيام ولم يفطروا، وإنما أربعة وعشرين ساعة، وثمانية وأربعين ساعة وهكذا يتضاعف الرقم، فواصل الصحابة معه حتى ضعفوا! لم يستطيعوا أن يتابعوا الوصال في الصيام، فنهاهم الرسول ﵊ عن أن يوصلوا الصيام، فقالوا: (يا رسول الله! إنك لتواصل، فقال ﵊: إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) إني لست كهيئتكم؛ لست كمثلكم، عندي طاقة وعندي قدرة ربانية، الله يمكنني بها من مواصلة الصيام والاستمرار فيه، وأنتم لستم مثلي، فلا تواصلوا. فهنا نأخذ الحكمة من القاعدة السابقة، أن الرسول ﵇ قد يفعل الفعل وهو خاص به، فما دام أنه نهى عن شيء وهو فعله فنحن لا نفعله؛ لأن فعله خاص به، وقوله شريعة عامة للمسلمين جميعاً. كذلك من الأمثلة المشهورة عند جميع الناس: أن الرسول ﵇ مات وتحته تسع نسوة، بينما جاء في الحديث الصحيح: أن رجلاً في الجاهلية كان متزوجاً تسعاً، فلما أسلم جاء إلى الرسول ﵇ فذكر له ذلك، فقال له: (أمسك منهن أربعاً وطلق سائرهن) ما قال له: أنت متزوج كذا؛ لأنه يعرف أن له خصوصياته. إذاً: إذا اختلف القول من الرسول ﵇ مع فعله فالقول مقدم على الفعل. فحديث عائشة هنا لا يعارض حديث معمر: (غط فخذيك؛ فإن الفخذين عورة) فهو المعتمد في هذه المسألة، وليس حديث عائشة؛ لأنه فعل من الرسول ﵊، فهذا يمكن أن يكون قبل تحريم كشف الفخذ، ويمكن أن يكون خصوصية للرسول ﷺ . إذاً: الاعتماد على قوله ﵇ في هذه الحادثة وليس على فعله.

стр. 290

حكم من يطلب الصدقة وهو لا يستحقها السؤال جاء في الحديث: أن الرجل كان يأتي الرسول ﵇ فيسأله مالاً فيعطيه، فإذا انطلق السائل يتأبط المال قال ﵊ لمن حوله: (إنه خرج -أو انطلق- يتأبطها ناراً) لماذا؟ الجواب لأنه يسأل وليس له حق السؤال، ومعنى يسأل يشحذ، يأتي يطلب من الرسول ﵊ مالاً وهو قوي، كما قال ﵊ في حديث صحيح: (لا صدقة لغني ولا لذي مرة قوي) لغني واضح، ولذي مرة، أي: قوة، قوي، أي: قوي الخلق، ليس بناقص ولا ضرير ولا مقطوع اليد أو الرجل، فهذا لا صدقة له، ولا يجوز له أن يسأل ولا أن يُتصدق، عليه إلا إذا كان فقيراً أو إذا كان عاجزاً، فحينما كان يأتيه الرجل وهو من هذا النوع، إما أن يكون غنياً أو ذا مرة قوي، ويسأل الرسول ﵊ فيتحرج ﵊ من ألا يعطيه، فما يسعه ﵊ إلا أن يعطيه، ولكن مع ذلك يبين أن هذا السائل الذي أخذ ما أعطاه الرسول إنما يتأبط ناراً، لماذا؟ لأنه سأل ما ليس له حق فيه، فيقول الصحابة للرسول ﵊: إذاً: لِمَ تعطيه ما دمت ترى يا رسول الله أن هذا لا يستحق السؤال وبالتالي لا يستحق الإعطاء؟ فلماذا تعطيه؟ في جواب الرسول ﵊ الآتي بيان أنه ﵊ له منزلة ومقام يسوغ له من الأحكام ما يختص بها دون سائر الأنام، يقول الرسول ﵇: (وماذا أفعل؟ إنهم يسألونني ويكره الله لي البخل) ومعنى هذا: أن مقام النبوة يجب أن تكون بعيدة من أن يقال فيها ما لا يليق بها، ومن ذلك البخل، فلو أن الرسول ﵊ كلما جاءه سائل من الذين لا يجوز لهم السؤال امتنع من إعطائهم، لنشر هؤلاء بين الناس أن الرسول ﵊ شحيح وبخيل، بدليل أن فلاناً جاءه وسأله فلم يعطه، وفلان جاءه وسأله فلم يعطه، ومثل هذه الإشاعة التي لها ظواهر قد يقتنع بها بعض الناس، حيث امتنع الرسول من الإعطاء مما لا يناسب مقام النبوة والرسالة؛ ولذلك فكان يترجح عند الرسول ﵊ ولو كان غنياً، أن يعطي السائل ولو كان مستطيعاً للكسب، حتى لا يقال: إنه شحيح بخيل. ومن هنا نستطيع أن نقول: إن غير الرسول ﵊ ليس له هذا الحكم، وأعني بهذا: أن المسلم أن أحدنا إذا سأله سائل، جاءه متسول وقال له: أعطني من مال الله، فإذا كان المسئول يعلم أن هذا السائل لا يحق له السؤال، وأنه اتخذ السؤال والشحاتة مهنة فلا ينبغي أن يعطيه؛ لأنه في بإعطائه إياه يساعده على ضلاله، يساعده على اتخاذه السؤال مهنة، والمساعدة على الباطل باطل، والمساعدة على الإثم إثم، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] أما الرسول ﵊ فله ذلك الحكم خصوصية له من دون الناس، أما نحن فلا يؤثر فينا، ولا تتأخر دعوة الإسلام إذا أشاع الناس بالباطل أن فلاناً بخيل، أما الرسول ﵊ الذي هو الداعي الأول للإسلام، فقد تتأخر الدعوة بسبب مثل هذه الإشاعة التي تكون قائمة على امتناع الرسول ﵊ من إعطاء من لا يستحق العطاء. فهذا مثال يساعدنا على فهم هذا العطف في هذا الحديث، ورب متخوض في مال الله ورسوله، فهذا المال الذي أعطاه الرسول هو ماله، ومع ذلك فقد تصرف هذا السائل في هذا المال تصرفاً غير مشروع؛ لأنه أخذه بغير حقه.

стр. 291

هل الخلوة بالنساء من خصوصيات النبي ﷺ ؟ السؤال جاء عن النبي ﵊ أنه ذهب هو وأبو بكر وعمر إلى حائط أحد الصحابة، فلم يجدوا إلا امرأته، فقالت لهم: (إنه ذهب ليستعذب لنا الماء) فجلسوا حتى أتى فهل هذا الفعل خلوة؟ وهل الخلوة بالمرأة من خصوصيات النبي ﷺ ؟ الجواب رسول الله ﷺ يجوز له أن يخلو مع أية امرأة كانت؛ لأنه قد قال: (ما من رجل إلا ومعه قرينه -يعني شيطان- فلما قالوا له: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن الله ﵎ أعانني عليه فأسلم) روايتان: فأسلم، أي: من شره ووسوسته، والرواية الثانية: فأسلمَ، أي: صار مسلماً، فلا يأمره ﵇ إلا بخير لا يأمره إلا بخير أمر مقطوع به، على كل من الروايتين، إما أنه أسلم حقيقة فهو لا يأمر النبي ﵊ إلا بخير، وإما أنه ظل على كفره وضلاله ولكن الله عصم نبيه من وسوسته بالشر وإنما هو يأمره بالخير. لذلك كان اختلاء الرجل بالمرأة نهى الشارع الحكيم عن مثل هذه الخلوة، أولاً: من باب سد الذريعة، كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: (ما اختلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) فالرسول ﷺ لا ينطبق عليه هذا الحكم؛ لأنه إذا خلا مع امرأة لم يكن الشيطان ثالثهما، سواء كان أسلم أو لم يسلم، أما على اعتبار أنه أسلم فالقضية واضحة، إنما هناك مسلمون جماعة ليس معهم شيطان، وعلى رواية: فأسلم، من شره، فهو في حكم المسلم الذي لا يأمره إلا بخير. فإذاً: مثل هذه الخلوة للجماعة في بيت امرأة وهم الصالحون، وزوجها كما سمعتم في الحديث: (ذهب ليستعذب الماء) فهو سرعان ما سيعود، فمثل هذه الظروف لا مانع إطلاقاً من مثل هذا الدخول على المرأة الغريبة. لقواعد أصولية فقهية منها: أنه إذا تعارض القول والفعل قدم القول على الفعل، وهذا هنا ينطبق كما هو واضح. ومنها: إذا جاء نص حاظر مانع محرم، ونص آخر مبيح؛ قدم الحاظر المانع المحرم على المبيح، ومثال هذا أنه ثبت أن النبي ﷺ تزوج أكثر من أربع من النساء، لكنه لما جاءه رجل وأسلم وتحته تسع نسوة قال: (أمسك أربعاً منهن وطلق سائرهن) فهذا من هذا الباب، نهى وفعل، ففعله يقع هنا خاص به ونهيه شرع عام لأمته.

стр. 292

حكم كشف الفخذ السؤال يأتي صاحب كتاب فقه السنة بأحاديث جواز كشف الفخذ، وأحاديث حرمة ذلك. فما الصواب فيها؟ الجواب أحاديث الكشف التي يشير إليها السائل هي أحاديث فعلية، أي: انكشف فخذ الرسول ﵊ بمناسبة أو أكثر من مناسبة، أما الأحاديث التي تعتبر الفخذ عورة فهي أحاديث قولية، أي: إن الرسول ﵊ تلفظ فقال -مثلاً-: (الفخذ عورة) فما كان من قوله ﵇ موجهاً إلى أمته فهو تشريع عام لهم، وما كان من فعله ﵊ مخالفاً لقوله، لا أقول مطلقاً، وإنما ما كان من فعله ﵊ مخالفاً لقوله فهناك احتمال من ستة احتمالات: الاحتمال الأول: أن يكون فعله قبل قوله، قوله هنا: (الفخذ عورة) تشريع أن الفخذ عورة فيحرم كشفه، متى كان هذا التشريع؟ قطعاً لم يكن يوم أن قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:١-٢] ؛ لأنه في هذا الوقت إنما أمر بتبليغ الأمة دعوة التوحيد قبل أي شيء آخر قبل تشريع أحكام الحلال والحرام قبل الحض على مكارم الأخلاق والنهي عن مساويها قبل أي تشريع، إنما هو ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:٣] فلم يكن مثل هذا القول: (الفخذ عورة) في أول الإسلام، وإنما كان بعد ذلك. إذاًَ: نستطيع أن نتصور المسلمين وعلى رأسهم سيدهم، بل سيد الناس أجمعين محمد صلى الله عليه وآله سلم، وهم يفعلون أفعالاً في أول الإسلام تنزهوا عنها بعد ذلك أو بعيد ذلك حسبما شرع الله وأنزل، فيوم أُمر بتبليغ الناس التوحيد لم يكن هناك أحكام: هذا حرام وهذا حلال الفخذ كشفه حرام شرب الخمر حرام لبس الحرير حرام، لم تكن هذه الأحكام في أول الإسلام، فإذاً من الممكن حينما روى الصحابي الثقة أن الرسول كشف عن فخذه، قد يمكن أن يكون ذلك قبل أن ينزل عليه هذا الحكم الذي بلغه إلى الناس بقوله: (الفخذ عورة) هذا هو الاحتمال الأول. الاحتمال الثاني: أنه يمكن أن يكون ذلك بعد النهي، أي: بعد قوله: (الفخذ عورة) ولكن يكون هذا خصوصية له ﵊، لا يشاركه في ذلك غيره من الناس جميعاً؛ لأن هؤلاء الناس قد خوطبوا بذلك الحكم الشامل لجميعهم: (الفخذ عورة) وفي حديث آخر أنه مر برجل وقد انكشف فخذه فقال له: (خَمِّر، أو غط فخذك فإن الفخذ عورة) . وهناك أمر ثالث: لكن أستدرك الآن على نفسي وأقول: إنه لا ينطبق على مثل هذا الأمر؛ لأنه قد يمكن أن يقال، إذا كان هناك نهي أن النهي للتنزيه، هكذا يجمع أحياناً، فهنا لا مناص من أن يقال: إما أن كشف الرسول ﵊ لفخذه كان قبل قوله: (الفخذ عورة) وإما أن يكون ذلك خصوصية له لا يشاركه فيها غيره. وذلك مثل تزوجه بأكثر من أربع من النساء، مع أنه قد قال لمن كان عنده أكثر من ذلك من النساء: (أمسك منهن أربعاً وطلق سائرهن) فهذا حكم عام للأمة، أما تزوجه بأكثر من أربع فهو حكم خاص بالنبي ﷺ . أيضاً حديث: (الفخذ عورة) من المناهي التشريعية مقدم على حديث كشف الرسول ﵇ لفخذه، لما سبق بيانه.

стр. 293

حكم التضحية عن الغير وكيفية الدعاء فيها السؤال إذا أردت أن أضحي عن الغير، فهل هناك من دعاء خاص؟ الجواب التضحية عن الغير -أولاً- ليست مشروعة بالإطلاق الذي يفهمه عامة الناس، وإنما الذي يضحي عن الغير هو الولد عن أبيه أو أمه، وحينئذٍ ليس هناك دعاء معين، وإنما يقول: اللهم هذا عني وعن أبي، أو هذا عني وعن أمي، أما ذاك الذي جاء عن الرسول ﵊ فهو أمر خاص يوم أن ضحى فقال: (هذا عني وعمّن لم يضح من أمتي) فهذا يجب أن يفهم وأن يفسر تفسيراً يتفق مع الأحاديث الأخرى، ومع التكاليف الشرعية الأخرى، (اللهم هذا عني وعمّن لم يضح من أمتي) هل يمكن أن نفسر هذا الحديث: وعمّن لم يضح من أمتي وهو قادر على التضحية، وهو ممن يخاطبه الرسول ﵊ بقوله: (من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا) ؟ لا يمكن، إذا قال الرسول ﵊: هذا الكبش عني وعمّن لم يضح من أمتي، فلا يصح حمله حتى على أولئك الأغنياء المترفين الفاسقين، الذين يذبح أحدهم لأتفه مناسبة فتجد عندهم عشرات الأضاحي، ولا يذبح أضحية واحدة بمناسبة عيد الأضحى، والرسول ﷺ يقول: (من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا) هذا الذي يوعده ويهدده بهذا الوعيد الشديد، فلا يقربن مصلانا، هل يقول: أنا أذبح عنه؟! هكذا الأحاديث يجب أن تجمع بعضها إلى بعض ليفسر بعضها ببعض. فقوله ﵇ في هذا الحديث: (اللهم هذا عني وعمّن لم يضح) أي: عن العاجزين من أمتي، أما نحن فنذبح فقط عن أنفسنا وعمّن هم سبب حياتنا ووجودنا وهما الأبوان. إذاً: ليس هناك دعاء معين، وإنما فيه مثل التلبية بالحج: اللهم لبيك بعمرة، اللهم لبيك عن فلان، كذلك هنا: اللهم هذا عني وعن أبي أو وعن أمي.

стр. 294

الصوم [٢] إن من طبيعة الإسلام السماحة واليسر، وهذه الحقيقة تتجلى بوضوح في جميع أحكامه وشرائعه، وفي هذه المادة تحدث الشيخ عن كيفية إثبات هلال رمضان وبعض المسائل المتعلقة به، مبيناً خلال هذا كيف أن الإسلام يسر هذا الأمر بحيث يشترك فيه جميع الشعوب الإسلامية في أنحاء المعمورة.

стр. 295

ثبوت الصيام برؤية هلال رمضان إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. كان آخر حديث مر بنا في الأمس القريب حديث ابن عمر مرفوعاً إلى النبي ﵌: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا ... ) إلى آخر الحديث. هذا الحديث صريح الدلالة على أن النبي ﵌ ربط الأمر في الدخول في شهر رمضان وصيامه برؤية هلاله، فيقول: (إذا رأيتموه فصوموا) ولا شك أن هذه الرؤية هي الرؤية البصرية وليست الرؤية العلمية، ولا يحتاج هذا إلى تدليل؛ لا سيما وقد قال في آخر الحديث: (فإن غم عليكم فاقدروا له) وفي رواية أخرى: (فأتموا شعبان ثلاثين) فإن غم، أي: كان هناك في السماء غيم أو سحاب أو ضباب أو قتار، أو نحو ذلك من الموانع الطبيعية الكونية التي تمنع الناس عادة من رؤية الهلال بأبصارهم، إذا كان الأمر كذلك فالواجب عليهم أن يتموا شعبان ثلاثين يوماً، سواءً أفطروه أو صاموه.

стр. 296

مسألة: إثبات رؤية هلال رمضان بالرؤية الحسابية وهنا يثار عادة بمثل هذه المناسبة المسألة التي كثر الخلاف فيها قديماً وحديثاً، ألا وهي: هل يجوز إثبات هلال رمضان إما بالرؤية البصرية مع الاستعانة بالآلات المكبرة، أو بالرؤية الحسابية؟ هذا خلاف معروف منذ القديم، ولكن اشتد الخلاف في العصر الحاضر بسبب وجود الآلات المقربة والمكبرة، والتي تساعد على رؤية الهلال بالعين العادية ليس بعلم الحساب كالتقويم. والذي نراه أنه يجب على المسلمين أن يظلوا عند ظاهر هذا الحديث، وهو الذي يقتضي إثبات الهلال بالرؤية العادية بدون الاستعانة بالآلات المكبرة، أو بدون الاستعانة بالعمليات الحسابية، والسبب في هذا يعود إلى أمور: أولاً: ظاهر هذا الحديث، حيث يقول ﵇: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا) . ثانياً: لأن الرسول ﵌ قد أكد هذا الظاهر من هذا الحديث بقوله في حديث آخر، ألا وهو قوله ﵇: (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) فحكم الرسول ﵌ بهذا الحديث على الأمة الإسلامية، بالأمية تبعاً لنبيها الأمي: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] ، فألحق الرسول ﵊ الأمة الإسلامية ولو كانت في واقعها في كثير من عصورها ليست أمية، ولكن الرسول ﵇ ألحق الأمة بنبيها من حيث أنه وصفها بأنها أمة أمية لا تكتب ولا تحسب. لذلك فنحن يجب أن نلتزم هذا الوصف الذي وصف به رسول الله ﵌ أمته، من هذه الحيثية وهي: من حيث أنه ينبغي الاقتصار بإثبات الهلال على الرؤية البصرية العادية والابتعاد عن العلوم الحسابية؛ هذا هو الأمر الثاني الذي يوجب علينا أن نتمسك في إثبات الهلال بالرؤية العينية البصرية العادية. ثالثاً: هو أن الإسلام من طابعه -أيضاً- أنه سمح سهل ميسر مذلل للناس، بينما إذا تركنا هذا الأمر الميسر لكل الناس: (إذا رأيتموه فصوموا) وأردنا أن نلتزم وسيلة من الوسائل التي هي خاصةٌ ببعض الناس، الذين عندهم من الوسائل العلمية التي قد لا تتيسر لكل طائفة أو لكل شعب أو لكل أمة؛ صار الإسلام كأنه ليس ديناً عاماً ميسراً لكل الشعوب مهما كانت ثقافاتها ومدنيتها مختلفة بعضها عن بعض، فلا شك أن هذا الخطاب: (إذا رأيتموه فصوموا) يتوجه إلى كل شعب من الشعوب المسلمة، على ما بين الشعوب من تفاوت في الحضارة والمدنية والثقافة، بينما إذا التزمنا إثبات الهلال بالرؤية المجهرية -مثلاً- بالآلة المكبرة؛ انحصر الإثبات بالدولة التي تمتلك هذه الوسيلة الحديثة، كذلك إذا أردنا أن نثبت الدخول في الصيام بالعمليات الحسابية؛ انحصر أيضاً طريق هذا الإثبات بمن يعلمون علم الحساب الدقيق، وهذا ينافي شمول الإسلام ويسره لجميع الشعوب وفي جميع الأزمان والأماكن. ولا يقال هنا بأن الرؤية المجهرية والعمليات الحسابية دقيقة جداً؛ بحيث أنه لا يبقى هناك مجال للتردد أو للتشكك؛ فإننا نقول: إن الإسلام من يسره أنه قال: إذا رأيتموه -هذه الرؤية الطبيعية التي لا تحتاج إلى تكلف- فصوموا، وسيأتي قريباً -إن شاء الله- أن هذه الرؤية تثبت بشهادة رجل مسلم عدل، وليس بحاجة إلى استحضار شهود كثيرين، وهذا من تمام التيسير لإثبات الهلال، ومع ذلك فهو يقول في آخره: (فإن غم عليكم فأتموا الشهر ثلاثين يوماً) انتهت المشكلة، فما تحتاج القضية إلى كثير من الجدل والمناقشة، ما دام أن الإسلام أقام إثبات هلال رمضان ككل أهلة الشهور الباقية على هذه الرؤية الميسرة لكل إنسان عادي طبيعي، وبمجرد أن يشهد شاهد مسلم على أنه رأى الهلال -كما سيأتي وكما ذكرنا- ثبت الهلال، فإن كان هناك في السماء حائل قد حال بين الرؤية وبالتالي بينه وبين الصيام؛ أتموا الشهر السابق الذي هو شهر شعبان ثلاثين يوماً، فيصبحون في اليوم الذي بعده صائمين قطعاً، فالفرق يبقى بين أن يكون شهر شعبان تسعة وعشرين يوماً أو يكون ثلاثين يوماً. حتى لو فرضنا أن الواقع الآتي: كان هناك في السحاب غمام، -غمام شفاف- بحيث أنه يحول بين الرائي بالعين المجردة وبين رؤية هذا الهلال، لكن إذا سلط الآلة المكبرة -المجهر- أزال ذلك السحاب الشفاف فرأى الهلال من ورائه، فحينما اعتمدنا على العين المجردة ماذا أصابنا من الناحية الشرعية؟ لا شيء: (فإن غم عليكم فأتموا الشهر ثلاثين) ما نكون قد خسرنا شيئاً من الناحية الشرعية؛ لأن الشرع لا يحاسب ولا يدقق مع المسلمين، بحيث أنه لو ثبت فيما بعد بطريقة ما أن الهلال كان ظاهراً لكنه لم يُرَ بسبب ذلك السحاب، ماذا يضرنا؟ قد قال: (فإن غم عليكم فأتموا الشهر ثلاثين) إذا ما أصبحنا في هذا اليوم صائمين، وقد رئي -مثلاً- الهلال بالآلة المكبرة لكنه لم ير بالعين المجردة؛ لم يضرنا ذلك شيئاً إطلاقاً؛ لأننا ما بين أن نراه بأعيننا العادية فنصوم أو لا نراه فنتم الشهر ثلاثين يوماً، وقد فعلنا أحد الأمرين حينما حاولنا أن نراه بالعين المجردة. لذلك فأنا في اعتقادي: بأنه لا ضرورة ملحة لجعل المسلمين في العالم الإسلامي اليوم يستعيضون عن النظرة العادية بالنظرة العلمية؛ سواءً كانت بالآلة المكبرة أو كانت بالعملية الحسابية، ونحن نعتقد أن الإسلام لا يزال ينتشر في الأرض انتشاراً بالغاً، وفي الوقت نفسه نعتقد أن الأماكن التي ينتشر فيها الإسلام لا يوجد فيها شيء من هذه الآلات ومن هذه الوسائل العلمية، وسيظل هذا الحكم سائراً: (إذا رأيتموه) سائراً إلى الأبد ما وجد الإسلام على وجه الأرض، وحينئذٍ فالأولى بالمسلمين أن يوحدوا الوسيلة التي بها يثبتون هلال شعبان أو هلال رمضان ولا يختلفوا في هذه الوسائل ما دام أن الشارع وحد الوسيلة بمثل هذا الحديث: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا) . هذا ما كان بقي عليّ من الكلام حول هذا الحديث.

стр. 297

كيفية إثبات هلال رمضان الآن حديثنا هو الحديث الخامس، وفيه بيان كيف يثبت هلال رمضان، هل يحتاج الأمر إلى عديد من الشهود، أم يكتفى على ذلك بشاهد واحد عدل؟

стр. 298

حديث عبد الله بن عمر في إثبات رؤية الهلال يقول الحافظ ابن حجر ﵀: وعن ابن عمر ﵄ قال: (رأى الناس الهلال، فأخبرت النبي ﵌ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه) رواه أبو داود، وصححه الحاكم وابن حبان، وهذا الحديث في الواقع من الأحاديث الصحيحة، وقد صححه من ذكر المصنف وهم الحاكم وابن حبان، ولكن لعل الأولى كان من الناحية الحديثية والاصطلاحية تقديم ابن حبان في الذكر على الحاكم؛ لأنه قال: رواه أبو داود، وصححه الحاكم وابن حبان، فلو عكس وقال: رواه أبو داود، وصححه ابن حبان والحاكم لكان أقرب إلى الاصطلاح الحديثي من ناحيتين اثنتين: الناحية الأولى: أن ابن حبان أعلى طبقة، أي أقدم من الحاكم من حيث العصر. والناحية الأخرى: أن تصحيح ابن حبان على ما فيه من تساهل -ذكرناه في الدرس السابق- ومع ذلك فلا يزال تصحيحه أنظف من تصحيح الحاكم؛ لأن الحاكم يقال في تصحيحه ما قلناه بالأمس في تصحيح ابن حبان وزيادة في آخر: وهو أن الحاكم لا يصحح الأحاديث التي في أسانيدها من لا يعرف فقط، بل إنه يتعدى ذلك إلى أنه يصحح بعض الأحاديث وفي أسانيدها من هو متهم بالكذب والوضع في الحديث على النبي ﵌، وهذا مما لا يقع فيه ابن حبان، ولذلك من المقطوع به عند أهل العلم بالحديث أن الحاكم أشد تساهلاً في التصحيح من ابن حبان، وأن صحيح ابن حبان أنظف من صحيح مستدرك الحاكم أولاً: لما ذكرنا من علو ابن حبان في الطبقة. ثانياً: لأن تساهله في التصحيح أقل من تساهل الحاكم. فقد كان الأولى أن يقدم ابن حبان في الذكر على الحاكم فيقول: رواه أبو داود؛ وصححه ابن حبان والحاكم. وهذا الحديث في الواقع إسناده صحيح، وفيه -كما هو واضح- أن النبي ﵌ أثبت هلال رمضان برؤية رجل واحد ألا وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، فكان في هذا الحديث دلالة إلى المذهب الذي يقتصر في إثبات هلال رمضان على شاهد واحد، والمسألة خلافية بين الفقهاء فمنهم من يقول بما دل عليه هذا الحديث، ومنهم من يوجب أن يشهد اثنان فصاعداً، ومنهم من لا يقتصر بشاهدين اثنين، وإنما يوجب جماعة تحصل القناعة بصدقهم في رؤيتهم للهلال. ونحن نقول: إن هذا الحديث يعتبر أصلاً في الاكتفاء بالشاهد الواحد لإثبات هلال رمضان، ولكن الناس يختلفون من حيث التساهل في الإخبار بما رأوا، والتشدد فيما رأوا، وحتى في الصدق، فهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، فالأمر حينذاك يعود إلى القاضي الشرعي الذي أُنيط به إثبات هلال رمضان، فإذا جاءه شاهد وهو يعرفه جيداً، ويعلم أنه صادق، وأنه كيِّس فطن، وليس من الناس المغفلين الذين قد يقول أحدهم أنه رأى الهلال والواقع أنه رأى شعرة من حاجبه بينه وبين الأفق فتوهمها هلالاً، فإذا جاء إلى القاضي رجل مسلم يعرف صدقه ويعرف نباهته ويقظته؛ فيجوز له شرعاً أن يثبت هلال رمضان بمجرد شهادة هذا المسلم الواعي. أما إذا لم يطمئن لخبره فتشدد وأراد شاهداً ثانياً أو ثالثاً، على حسب الأشخاص الذين يأتون ويشهدون عنده؛ فلا مانع من ذلك حتى لا يشتبه الأمر ويثبت هلال رمضان والواقع أنه لم يثبت؛ لأنه لم يأت عنده شاهد يثق بشهادته، ونحن نعلم اليوم أن هناك عند القضاة -كما كان الأمر منذ القديم- جماعة يُعرفون بالمزكين، يزكون الناس أتعرف فلاناً؟ إي والله أعرفه. وماذا عرفت عنه؟ معرفة سطحية جداً، فلا شك أن القاضي الحريص على إثبات شهر الصيام بطريقة مرضية مطمئنة لا يطمع بمجرد أن يقول أحدهم: فلان هذا أعرفه، رجل صادق. إلا أن يتمكن هو من معرفته بطريقته الخاصة التي يقتنع بها هو. خلاصة القول: إن هذا الحديث يدل على أن الأصل في إثبات هلال رمضان يكفي فيه الشاهد الواحد، ولكن ينبغي أن يكون هذا الشاهد معروفاً عند الوالي المسئول الذي يعلم إثبات هلال رمضان اعتماداً منه على هذا الشاهد الواحد. وقد سمعتم أن الذي رأى الهلال في هذا الحديث هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو صحابي ابن صحابي، وهو معروف عند النبي ﵌ تمام المعرفة؛ فلا جرم أنه ﵊ اعتمد على خبره برؤيته لهلال رمضان، وأثبت بناءً عليه شهر الصيام، لكن ليس كذلك هؤلاء الشهود الذين يشهدون في هذه الأيام؛ لا سيما إذا أردنا أن نطبق شروط المسلمين العدول المنصوص عليها في كتب الفقه، وبعضها بلا شك صواب لا ريب فيه، فإننا لا نستطيع اليوم أن نثبت هلال رمضان إلا بواسطة أفراد قليلين جداً، ولنذكر على ذلك مثلاً نضربه ونحن -كما يقال- نرمي بذلك عصفورين بحجر واحد لقد جاء في كتب الأحناف التنصيص بأن الذي يحلق لحيته لا تقبل شهادته، فهل الحُكام اليوم إذا جاءهم مخبر بإثبات هلال رمضان وهو حليق يقبلون شهادته أم لا يقبلون؟ يقبلون، بينما المنصوص عليه أن هذا لا يقبل شهادته؛ والسبب في ذلك أن حلق اللحية معصية، وهذه المعصية باتفاق الأئمة الأربعة، لا فرق بين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فكلهم متفقون على أن حلق اللحية معصية؛ لأن في ذلك ارتكاباً لمخالفات عديدة ثابتة في السنة، يكفي في ذلك مثلاً قول الرسول ﵊: (حفوا الشوارب وأعفوا اللحى، وخالفوا اليهود والنصارى) اليهود والنصارى يحلقون لحاهم فأنتم خالفوهم، الذين يقتلون المسلمين اليوم. ولا مؤاخذة من الحاضرين المبتلين بهذه المعصية، فإن الدين النصيحة، كما قال ﵊: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة! قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، وللأئمة المسلمين وعامتهم) فنحن من عامة المسلمين يجب على أحدنا أن ينصح الآخرين؛ لأن الدين النصيحة كما سمعتم، لذلك فحلق اللحية معصية باتفاق الأئمة الأربعة، ونص الحنفية فيما علمت وقد يكون آخرون نصوا على ذلك: بأن من حلق لحيته لا تقبل شهادته. أما الآن فقد أصبح حلق اللحية أمراً عادياً، وعلى العكس من ذلك أصبح الذي يوفر لحيته موضع نظر غريب جداً من جماهير الناس وكأنه متوحش، وكأنه -كما يقولون اليوم- رجعي، ولا يحسون أبداً أن إعفاء اللحية هو من أمور الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولذلك كان الأنبياء جميعاً وبخاصة آخرهم محمد ﵊ -كانوا ذوي لحى، ففي القرآن الكريم: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [طه:٩٤] إلى آخر الآية، فهارون ﵊ كسائر الأنبياء كانوا محافظين على هذه الفطرة، فجماهير المسلمين اليوم بسبب غلبة العادات الغربية، حينما غزا الأوروبيون بلاد الإسلام بأبدانهم وبعاداتهم؛ انتشرت هذه العادات الفاجرة الفاسقة، وطبع بها جماهير المسلمين إلا القليل منهم ممن هداهم الله ، يعرفون أن نبيهم وأن أسوتهم الوحيدة كان ذا لحية جميلة، وأن هذا النبي الكريم أمرهم بأن يعفوا لحاهم ولا يتشبهوا بالكفار. لما أصبح أكثر الناس اليوم مبتلين بحلق اللحية رأى هؤلاء الحكام أن يتساهلوا في الموضوع، وأن يقبلوا شهادة حليق اللحية، وأريد من هذا المثال أن أقول: إن هناك تساهلاً في تعديل الشهود، ولذلك فإذا تثبت الحاكم ولم يقتصر في إثبات هلال رمضان على شهادة مسلم واحد فلا مانع من ذلك؛ لأن هذا المسلم سوف لا يكون مثل عبد الله بن عمر بن الخطاب من حيث إيمانه وصدقه ويقظته ونباهته من جهة، ومن جهة أخرى: فسوف لا يكون هذا الشاهد في الغالب معروفاً عند الحاكم كما كان عبد الله بن عمر معروفاً عند النبي ﵌. خلاصة القول: يجب على القاضي الذي يريد إثبات هلال رمضان أن يتثبت في إثبات هذا الهلال، فإن جاءه رجل يعرفه معرفة جيدة وهو مسلم عدل أثبته بشهادة هذا المسلم الواحد، كما يدل عليه هذا الحديث الصحيح.

стр. 299

حديث الأعرابي في إثبات رؤية الهلال ساق بعده المصنف حديثاً آخر قد يكون بمعنى الحديث الأول، ولكننا إذا أمعنا النظر فيه وجدنا فيه تبايناً بينه وبين الأول من حيث الدلالة، ألا وهو قوله: وعن ابن عباس ﵄: (أن أعرابياً جاء إلى النبي ﵌ فقال: إني رأيت الهلال) هذا أول تباين واختلاف بين الرواية السابقة وبين هذه الرواية، هناك كان الذي شهد ابن عمر صحابي ابن صحابي، والشاهد هنا أعرابي جاء من البادية لا يعرفه الرسول ﵇، ولذلك قال في الحديث -أي: الرسول- للأعرابي: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غداً) ، رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، ورجح النسائي إرساله. هذا الحديث بعد أن عرفتم أن بينه وبين الحديث السابق تباين في الدلالة، بمعنى: أن في هذا توسيع قبول شهادة الشاهد أكثر من الحديث الأول؛ لأن الرسول ﵊ -إن صح الحديث، وسأتكلم عن صحته قريباً إن شاء الله- قنع من هذا الأعرابي الذي لم يعرفه سابقاً، قال له: أنت مسلم؟ قال: نعم. ما دليل إسلامك؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أيضاً أني رسول الله؟ قال: أشهد أنك رسول الله. إذاً: أمر بلالاً بأن يؤذن، أي: يعلن في الناس أن يصوموا غداً، فقنع الرسول ﵇ من هذا الرجل الذي لا يعرفه بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بمعنى: أنه عرف أنه مسلم، لكنه ما جربه ولا عرف ذكاءه وفطنته وكياسته، كما كان الأمر بالنسبة للحديث الأول الذي فيه أن الشاهد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومع ذلك قبِل شهادته، فهذا فيه تيسير واسع، ومعنى هذا أن القاضي يقنع بظاهر الشاهد دون أن يأتي بمزكين يعرفونه كما جرى على ذلك عرف القضاة قديماً، يكتفي منه بأن يعرف إسلامه، هذا أعرابي ما يعرفه سابقاً ﵊ فاكتفى أن يشهد أمامه بالشهادتين، فهو مسلم له ما لنا وعليه ما علينا، وبناءً على شهادته وإسلامه قال: يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غداً.

стр. 300

مدى صحة حديث الأعرابي ولكن هل هذا الحديث صحيح؟ لقد ذكر المصنف أن فيه خلافاً بين علماء الحديث، وصرح بأن بعضهم صححه وهو الحافظ ابن خزيمة وتلميذه ابن حبان، لكن أتبع ذلك بأن الإمام النقّاد الحافظ أبا عبد الرحمن النسائي رجح إرساله، ومعنى هذا الكلام: أن الحديث روي عن ابن عباس من طريق عكرمة عنه، فبعض الرواة رواه هكذا موصولاً عن عكرمة عن ابن عباس أن أعرابياً إلى آخره، ورواة آخرون أرسلوه، بمعنى: أنهم لم يذكروا في إسناده ابن عباس وإنما قالوا: عن عكرمة أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ . وعكرمة تابعي لم يدرك عصر النبوة والرسالة، فهو حينما يقول: جاء أعرابي إلى الرسول، يكون هناك فجوة وانقطاع بينه وبين هذا الحديث الذي يحدث به، فهذا الحديث يسمى على الغالب بالحديث المرسل، ويعبر عنه أحياناً بأنه منقطع، والتعبير الأول أدق. وبعض الرواة قالوا: عن عكرمة عن ابن عباس، فهو موصول، وبعض الرواة قالوا: عن عكرمة أن أعرابياً. لم يذكر هؤلاء الرواة بين عكرمة وبين النبي ﵊ ابن عباس تُرى ما هو الراجح من هاتين الروايتين؟ الرواية الموصولة أم الرواية المرسلة؟ رجح الإمام النسائي الرواية المرسلة، وهذا الترجيح من الحافظ النسائي هو الراجح الواقع من ناحيتين اثنتين: الناحية الأولى: لما عرف من دقة نقد الإمام النسائي للأسانيد، يقابله ما عرف من تساهل ابن خزيمة وابن حبان في التصحيح، فإذا تقابل تصحيح ابن خزيمة وابن حبان مع طعن أو إعلال مثل الإمام النسائي دون أن نعرف نحن في الحقيقة الواقعة؛ فلا شك أن النفس تطمئن إلى ما ذهب إليه النسائي أكثر مما ذهب إليه ابن خزيمة أو ابن حبان؛ لأن ابن خزيمة وابن حبان متساهلان في التصحيح، أما النسائي فإمام نقاد، فإذا رجح الحديث المرسل فيكون هو الصواب. هذا من حيث المقابلة والمفاضلة بين الأئمة النقاد، لكن انضم إلى هذا أيضاً فيما بقي في ذهني من دراسة إسناد هذا الحديث: أن الدراسة العلمية تؤيد ما رجحه الإمام النسائي من أن هذا الحديث مرسل، وإذ كان الأمر كذلك فهل هناك تنافٍ وتنافر وتضاد بين تصحيح ابن خزيمة وابن حبان لهذا الحديث وبين إعلال النسائي له بالإرسال؟ الجواب نعم؛ لأنه من المعلوم عند العلماء بمصطلح الحديث: أن الحديث المرسل هو قسم من أقسام الحديث الضعيف، فإذا قيل: الحديث الفلاني مرسل، فذلك يساوي عندهم (حديث ضعيف) ، ولا شك حين ذاك أن حديثاً ضعيفاً يباين قول من قال: إنه حديث صحيح، فهذا معنى قول الحافظ ابن حجر معقباً على ما نقله من تصحيح ابن خزيمة وابن حبان للحديث بقوله: ورجح النسائي إرساله. يعني: أن الراجح أن الحديث ضعيف وعلته الإرسال.

стр. 301

مسألة: قبول زيادة الثقة هاهنا مسألة حديثية فيها دقة، وكثير من المشتغلين بعلم الحديث اليوم لا يتنبهون لها لدقتها، وهي: إذا كان هذا الحديث قد رواه بعض الرواة موصولاً، أي: عن عكرمة عن ابن عباس، والبعض الآخر رووه عن عكرمة دون ذكر ابن عباس، فهنا قاعدة تذكر بمثل هذه المناسبة: أن الذي ذكر ابن عباس قد جاء بزيادة بالسند على الذي لم يذكر فيه ابن عباس -على الذي أرسله- ومن المعلوم عند علماء الحديث: أن زيادة الثقة مقبولة، فلماذا رفضت هذه الزيادة من هنا في هذا الحديث وصرح الحافظ نقلاً عن النسائي أن الراجح الإرسال؟ لماذا لم يقبل قول من قال: عن عكرمة عن ابن عباس، وهذه زيادة؟ الجواب إن قاعدة (زيادة الثقة مقبولة) ليست على إطلاقها، وهنا موضع الدقة، زيادة الثقة تقبل حينما يكون الذي جاء بالزيادة إما مثل الذي لم يأت بها أو خيراً منه. أما إذا كان الذي جاء بالزيادة فردٌ، والذين لم يأتوا بالزيادة جماعةٌ؛ فهنا لا ترد هذه القاعدة، وزيادة الثقة مقبولة ولا ترد هنا، وإنما هنا يرد أن هذه الزيادة شاذة؛ لأن الحديث الشاذ: هو أن يروي الثقة ما خالف فيه غيره من الثقات، أو على الأقل خالف فيه من هو أوثق منه، حين ذاك الزيادة لا تُقبل، إنما تُقبل زيادة الثقة إذا كان الزائد مثل الذي لم يزد أو أحفظ منه، أما إذا كان الزائد دون الذي لم يزد في الضبط والحفظ، أو أقل عدداً من الذين لم يأتوا بالزيادة؛ حينئذٍ الزيادة يحكم عليها بالشذوذ، ولا يقال فيها: زيادة الثقة مقبولة؛ ولهذا نجد كثيراً من الأحاديث إذا دُرست بالنظر إلى طريق رجال إسناده كلهم ثقات وهو متصل، إذا دُرس هذا السند بالذات قيل: إنه إسناد صحيح، ولكن إذا ما نظر إلى هذا الإسناد من طرق أخرى انكشف لنا أن الطريق الأول فيه راوٍ ثقة خالف فيه جماعة من الثقات، هذه المخالفة حين ذاك تجعلنا نغير نظرتنا السابقة. أعيد الكلام يأتي الحديث أحياناً من طريق ثقة من الثقات بسند صحيح إليه، وهذا الثقة يرويه أيضاً بإسناد صحيح إلى النبي ﷺ ، فيقال في هذا السند: إسناده صحيح. ولكن الثقة الذي دارت طرق الحديث عليه -اختلف الرواة عليه- فالإسناد الأول جاء عنه بإسناد صحيح -كما قلنا- ثم جاءت أسانيد أخرى وإذا بهذه الأسانيد الأخرى تبين أن في الإسناد الأول علة، ويمكن هذا التصوير من صور كثيرة جداً، ولنقل مثلاً: الإمام الزهري وهو أشهر من أن يذكر، يروي كثيراً عن سعيد بن المسيب، وهو يروي عن أبي هريرة، فيأتي ثقة يروي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، فماذا يكون هذا الإسناد؟ يكون صحيحاً، ولكن لما يتسع الباحث في دراسة هذا الحديث بهذا الإسناد، وإذا به يجد ثقاة آخرين شاركوا الثقة الأول في رواية الحديث عن الزهري لكن خالفوه في الإسناد، فقالوا مثلاً: عن الزهري عن سعيد المسيب أن النبي ﵌ قال لم يذكروا أبا هريرة، فهل يقال هنا أو هل نظل نقول: إن الحديث إسناده صحيح باعتبار أن الثقة الأول رواه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة وزيادة الثقة مقبولة؟ أم نقول: لا. هذا الثقة الذي زاد في السند وذكر فيه أبا هريرة قد خالف الثقات الذين رووه جميعاً عن الزهري عن سعيد مرسلاً؟ يقال: نعم. رواية الثقات هنا هي الراجحة، فيكون الحديث معللاً بالإرسال. هذا هو واقع حديث ابن عباس، فحديث ابن عباس مداره على عكرمة عن ابن عباس، رواه الثقة، وجاء الآخرون فرووه عن عكرمة مرسلاً، من أجل ذلك رجح الإمام النسائي إرساله. وبعد معرفة أن هذا الحديث ضعيف بعلة الإرسال؛ حينئذ يظهر لنا الفرق بين دلالة الحديث الأول الصحيح وبين دلالة الحديث الآخر الضعيف، فإن الأول يدل على أن النبي ﷺ قبل شهادة عبد الله بن عمر المعروف عنده بالعدالة والصدق والضبط ونحو ذلك، بينما الحديث الثاني قبل شهادة الأعرابي الذي لم يعرف إسلامه إلا ساعة الشهادة، فهذا فيه تساهل كبير، فلو أن الحديث صح كان سيعطينا حكماً زائداً على الحديث الأول، لذلك فنحن لا نبني عليه حكماً، وإنما نقتصر في استنباط الحكم السابق من الحديث المتقدم من رواية ابن عمر ﵁.

стр. 302

تبييت النية في صيام الفرض هنا حديث ثانٍ فيه بيان وجوب ما يعرف عند الفقهاء بتبييت النية لصوم الفرض وبخاصة صوم رمضان، لابد كل ليلة من تبييت النية، وهو قوله: وعن حفصة أم المؤمنين ﵂ أن النبي ﵌ قال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه الخمسة. وفي هذا الحديث ما يشبه الكلام السابق، لكن الترجيح على خلاف ذلك؛ لأن الحافظ يقول: رواه الخمسة، وقد عرفنا من الدرس السابق أن المقصود من الخمسة من هم؟ أصحاب السنن الأربعة، والإمام أحمد هو الخامس، بينما في اصطلاح آخر رواه الخمسة: مسلم وأصحاب السنن الأربعة، هذا مصطلح المنتقى. رواه الخمسة -أصحاب السنن الأربعة والإمام أحمد - قال الحافظ: ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه على حفصة، وصححه مرفوعاً ابن خزيمة وابن حبان، وللدارقطني: (لا صيام لمن لم يفرضه من الليل) . هنا يتكلم الشارح طويلاً في اختلاف الأئمة، في رفع الحديث ووقفه، وهناك كان الخلاف في وصل الحديث وإرساله، أما هنا فاختلفوا في وقفه ورفعه، فبعض الرواة قال: عن حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ . ورواة آخرون قالوا: عن حفصة قالت. أي: حديث موقوف عليها لم ترفعه إلى الرسول ﵊، فاختلف علماء الحديث وكل وما بدا له، ويؤيد المصنف قول من رجح رفعه إلى النبي ﷺ ، بأنه قد أخرجه الطبراني من طريق أخرى -أي: مرفوعاً- فهذه الطريق الأخرى هي التي ترجح قول من رجح رفعه، وتجعل قول من رجح وقفه مرجوحاً، لكن هذا الحديث لم يذكر فيه الرسول ﵇ رمضان، بل أطلق فقال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) ونحن قلنا في التمهيد لهذا الحديث: أنه من لم يبيت النية في صيام الفرض وبخاصة في شهر رمضان. فمن أين جئنا بهذا القيد؟ هذا القيد جيء بالتوفيق بين هذا النص وبين حديث آخر رواه الإمام مسلم وغيره من حديث السيدة عائشة ﵂، أن النبي ﷺ مر على بعض نسائه غداة يوم فقال: (هل عندكم من طعام؟ قالوا: لا. فقال ﵊: إني إذن صائم) فأنشأ النية في تلك اللحظة، وهنا معناه صراحة أنه ما بيت النية من الليل؛ لأنه كان يريد أن يأكل، لكنه لما لم يجد ﵊ طعاماً يتغدى به اغتنمها فرصة، ما دام أنه سيعيش النهار بدون طعام فجعلها صياماً لوجه الله ﵎، فقال: (إني إذن صائم) . من هنا فرق جماهير العلماء بين صوم الفرض هل يجب فيه تبييت النية لكل ليلة؟ وبين صوم التطوع فلا يجب فيه التبييت وإنما يجوز إنشاؤه ضحوة، وهذا هو الأصح من مذاهب العلماء، وهو مذهب الإمام الشافعي، أما الأحناف فاقتصروا على القول بأنه يكفي أن ينوي لشهر رمضان كله نية واحدة، أول ما يدخل في أول ليلة من شهر رمضان فيكفي ذلك عن شهر الصيام كله بنية واحدة، لكن في هذا ما علمتم من الإهدار والإهمال لحديث حفصة أم المؤمنين.

стр. 303

حكم التلفظ بالنية النيات في كل العبادات مقرها القلب، ويجب أن يعرف هذا كل مسلم يهمه اتباع الرسول ﵌، وما اعتاده جماهير المسلمين اليوم وقبل اليوم، وما تقرر في بعض الكتب الفقهية من أن التلفظ بالنية سنة، منهم من يقول: سنة مستحبة، ومنهم من يقول في بعض الحواشي والشروح تفسيراً لقول الماتن تحت عنوان سنن الصلاة؛ فيعد أول ما يعد: التلفظ بالنية، ويأتي المحققون والباحثون فلا يجدون في سنة الرسول ﵊ التلفظ بنية الصلاة مطلقاً، فماذا يفعلون بقول هذا المؤلف وهو إمام من أئمة المذهب، أو عالم من علماء المذهب، وقد حشر التلفظ بالنية تحت عنوان: سنن الصلاة؟ يضطرون أن يسلكوا طريق التأويل. وذلك بلا شك ألطف من التخطئة الصحيحة المكشوفة من حيث تأدب بعضهم مع بعض، وإن كنا نحن نرى أن هذا وإن كان جميلاً من ناحية لكنه ليس جميلاً من ناحية أخرى، ألا وهو الصدع بالحق؛ لأن بعضهم يقول في تفسير قوله: "سُنة" يعني: سنة المشايخ، هذا التأويل في فهمي أنا للموضوع مثل المثل العامي الذي يقول: (كنا تحت المطر وصرنا تحت المزراب) . يعني: كنا في خطأ نسبة هذا الأمر إلى الرسول ﵇؛ أن من السنة التلفظ بالنية، هذا خطأ لكنه خطأ جزئي، لكن هذا التأويل الذي هو أشبه بالترقيع فتح لنا باباً كبيراً جداً، وهو أن هناك سنة الرسول ﵊، وهناك سنة المشايخ. وهل المشايخ كذلك يسننون للناس؟ هذا لا يجوز، وهذا من شؤم التأويل وعدم المصارحة بالحق، وكان بالإمكان أن يقول -هذا الشارح أو ذاك المحشي-: "لم يثبت" كما يقول ابن القيم في زاد المعاد وغيره: لم يثبت عن الرسول ﵇ ولا عن السلف ولا عن الأئمة الأربعة أن التلفظ بالنية سنة. وانتهت المشكلة، ومن ذا الذي لا يخطئ -أبى الله أن يتم إلا كتابه- ولذلك التلفظ بالنية في كل الطاعات والعبادات من البدع الدخيلة في الدين، فإذا قمت تصلي فلا تقل: نويت أن أصلي لله تعالى أربع ركعات، أو ثلاث ركعات (مقتدياً، منفرداً، إماماً) هذا كله من لغو الكلام، لا سيما وأنت تباشر به رب العالمين، وتقف بين يديه فتعبر له عن نيتك وهو يعلم السر وأخفى، وإنما يجب أن تفتتح عبادتك وصلاتك بـ (الله أكبر) وقد جاء في صحيح مسلم من حديث السيدة عائشة ﵂: (أن النبي ﵌ كان يستفتح صلاته بالتكبير) ونحن بهذا نستفتح صلاتنا بالبدعة، وقد قال ﵊: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) . وبهذه المناسبة أريد أن أذكر: لقد قرأت آنفاً في كتاب لبعض إخواننا يقول في بعض البدع: إن أقل ما يقال في هذه البدعة أنها خلاف الأولى. وأنا الآن لا أستحضر هذه البدعة، وأنا لا أرى لإخواننا السلفيين أن يتهاونوا في التعبير عن أية بدعة مهما كانت في الظاهر أنها سهلة وأنها لا خطورة فيها، لا أرى أن يقولوا فيها: إنه خلاف الأولى؛ لأن الرسول يقول: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) . وهذا تعميم لم يدخله تخصيص، صحيح أن الضلالات ليست بنسبة واحدة لكن أقل واحدة منها هي ضلالة، والضلالة لا يقال أنها خلاف الأولى، لذلك هذا التلفظ بالنية الذي نفتتح به الصلاة إنما نفتتح الصلاة بضلالة، بينما كان الواجب علينا أن نفتتح الصلاة بتكبير الله . كذلك الصيام الذي نحن بصدده الآن، وأنه يجب تبييت النية في الفرض في رمضان، ليس معنى تبييت النية أن يقول القائل بلفظه وبقلبه: نويت أن أصوم غداً لله تعالى، لا. قل في قلبك فقط، استحضر نفسك أنك صائم، واستحضر أنك غداً عازم على الصيام، هذه هي النية. كذلك في الوضوء لا يقول القائل: نويت رفع الحدث الأصغر، وفي الجنابة: نويت رفع الحدث الأكبر، هذا كله كلام هراء، لمن تقول هذا الكلام؟ لنفسك؟ فأنت تعرف ما في نفسك. لربك؟ هو أعرف منك بنفسك إذاً اتباعاً لنبيك؟ نبيك لم يكن على شيء من هذا إطلاقاً، فكان التلفظ بالنية في كل مجالات العبادات أمر ما أنزل الله به من سلطان. وكذا في الحج أيضاً -وهذا قد يخفى على بعض من الناس- في الحج يذكر في كتب المناسك: نويت الحج والعمرة لله؛ فهذا من هذا الباب لا يصح أن يقول نويت إطلاقاً، وإنما تلبي: لبيك اللهم بعمرة، لبيك اللهم بحجةٍ وعمرة، على حسب نيتك أما أن تقول: نويت؛ فهذا كلام لغو، إنما تقول: لبيك اللهم بعمرة، لبيك اللهم بحجة وعمرة، حسبما عزمت عليه من الحج أو العمرة. إذاً: هذا الحديث الصحيح فيه دلالة على فرضية تبييت النية في الصيام، ولكن هذا الحديث مخصص لصيام رمضان والفرض كالنذر مثلاً، بدليل حديث عائشة ﵂ الذي أشرنا إليه آنفاً، وهو أول درسنا الآتي إن شاء الله تعالى، وبهذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 304

الصوم [١] إن الله فرض علينا الصيام في أيام معلومات، وبين لنا أحكامه في كتابه العزيز، ثم جاءت السنة المطهرة متممة ومبينة لهذه الأحكام، وفي هذه المادة يستعرض الشيخ ﵀ طائفة من أحاديث الصيام من كتاب بلوغ المرام، معلقاً عليها بالشرح ومناقشة المسائل والأحكام الفقهية فيها.

стр. 305

حكم تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. بما أننا قادمون على شهر الصيام شهر رمضان المبارك -إن شاء الله تعالى- رأينا أن نغتنم هذه المناسبة من هذا الاجتماع وأن نقرأ عليكم، ونبين لكم بعض الأحاديث التي وردت في كتاب الصيام من كتاب بلوغ المرام من أحاديث الأحكام، للحافظ/ أحمد بن حجر العسقلاني. قال ﵀: كتاب الصيام. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه) متفق عليه. في هذا الحديث نهي صريح عن التقدم بين يدي رمضان بصوم يوم أو أكثر من يوم، وهذا من باب المحافظة على المقدار المطلوب من الصيام، ذلك هو شهر رمضان، ولا يجوز لمسلم أن يزيد على رمضان، سواءً في التقدم أو في التأخر يوماً أو يومين.

стр. 306

حكم الزيادة على العبادة المفروضة وهذا الحديث في الواقع وإن كان جاء خاصاً في النهي عن التقدم وعن وصل أيام من شهر شعبان بشهر رمضان، إلا أن فيه تلميحاً قوياً إلى أنه لا يجوز الزيادة على العبادة المفروضة. هذا حكم صريح في النهي عن أن يتقدم الرجل بصوم يوم أو يومين بين يدي رمضان. ويدخل في هذا -بلا شك- صوم يوم الشك كما سيأتي في الحديث التالي، فهذا النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين يؤكد وجوب المحافظة على العبادة كما شُرعت بدون زيادة أو نقص، فالذي فرضه الله على عباده المؤمنين إنما هو صوم شهر رمضان، قد يكون تارة ثلاثين يوماً، وقد يكون تارة تسعة وعشرين يوماً، فلا يجوز أن يتقدم بصوم يوم أو يومين؛ خشية أن يصبح رمضان أكثر من ثلاثين يوماً مع مضي الزمن، ومضي العهد بالمسلمين عن العلم بالكتاب والسنة. فأقول: في الوقت الذي ينهى هذا الحديث نهياً صريحاً عن التقدم بين يدي رمضان بصوم يوم أو يومين، كذلك كل عبادة لا يجوز أن يتقدمها، أو أن يوصل بها ما ليس منها من العبادات والطاعات الأخرى، فلا بد من الفصل الذي يحقق استقلال هذا الصوم المفروض ألا وهو صوم رمضان، لابد من الفصل بإفطار قبله وبعده؛ ليتحقق أن هذا الفرض هو فرض رمضان فقط لا يتقدمه شيء ولا يوصل به شيء. ومن هذا القبيل تماماً ما جاء في صحيح مسلم من نهي الرسول ﵊ أن يصل فرض الجمعة بالسنة التي بعدها، فأمر بالفصل بين الفرض والتطوع؛ إما بالكلام وإما بالخروج والانصراف، نهى الرسول ﵇ عن وصل الفرض بالسنة التي بعده، هذا أيضاً من باب سد الذريعة؛ أن يوصل بالفرض ما ليس منه، فيوم الجمعة بصورة خاصة وكل الفرائض بصورة عامة، ينبغي بعد السلام الفصل فيها إما بخروج وتغيير المكان، وإما أن تتكلم مع صاحبك بكلام عادي، تحقيقاً للفصل، علماً أن الأمر كما قال ﵊ بالنسبة للصلاة: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) فيحل لك ما كان حراماً من قبل في الصلاة بمجرد قولك: السلام عليكم ورحمة الله في التسليمة الأولى، ولكن من باب التأكيد لهذا الفصل بأكثر من السلام، ومن باب سد الذريعة أن يوصل بهذه الفريضة -وهي فريضة الصلاة- شيء ليس منها، أكد الرسول ﵇ على المصلي أن يتكلم أو أن ينصرف يميناً أو يساراً، أماماً أو خلفاً، كل هذا يؤكد هذا الأمر الذي أمر به الرسول ﵊، ألا يتقدم بين يدي رمضان بصوم يوم أو يومين؛ ليبقى شهر رمضان بدون زيادة عليه، كما أنه لا يجوز النقص منه، والزائد -كما يقول العامة- أخو الناقص.

стр. 307

قوله ﷺ : (إلا رجلاً يصوم صوماً فليصمه) يقول ﷺ : (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين) هل هذا النهي على إطلاقه؟ يقول الرسول ﵇ جواباً عن هذا السؤال (إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه) هذا الاستثناء يوضح أن النهي السابق إنما هو خاص بمن يتعمد التقدم بين يدي رمضان بصوم يوم أو يومين، أما إنسان -آخر- له نظام من الصيام، كأن يكون من عادته اتباع السُّنة المعروفة وهي صيام يوم الإثنين ويوم الخميس من كل أسبوع، فاتفق أن جاء يوم الخميس وكان ذلك قبل رمضان بيوم، فهل يدخل في هذا النهي: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين) ؟ الجواب لا: (إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه) فهذا الذي اعتاد هذا الصيام المشروع له أن يتقدم رمضان بمثل هذا الصيام؛ لأنه لم يقصد هذا التقدم، وكأن المقصود مباشرة بهذا النهي هو صيام يوم الشك الذي سيأتي الحديث الخاص فيه؛ لأن الذي يصوم يوم الشك يصوم اليوم الذي هو بين يدي رمضان ولم يثبت بعد أن هذا اليوم -أي: يوم الشك- هو من رمضان، فيصومه احتياطاً، وفتح باب الاحتياط في الدين هو فتح لباب كبير من الزيادة في الدين، وهذا في الواقع له أمثلة كثيرة في بعض الأحكام الفقهية. ولعل الحاضرين يعلمون أن بعض المذاهب توجب على من صلى يوم الجمعة أن يصليها بعد الفراغ منها ظهراً، بعض المذاهب توجب هذا، لكن هناك مذاهب أخرى لا توجبه من باب ما يوجبه المذهب الأول، وهو أن تلك الصلاة لم تصح فتصلى هذه، لكن هذا المذهب الآخر يقول: إن هناك شروطاً فيها خلاف، إذا توفرت صحت الصلاة -صلاة الجمعة- وإن لم تتوفر لم تصح الصلاة، فمن باب الاحتياط يحسن أن يصلى بعد الجمعة صلاة الظهر. هذا الاحتياط يؤدي بقائله إلى مخالفة ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ألا وهو أن الله إنما فرض في كل يوم وليلة خمس صلوات، وإلى مخالفة نص آخر، وهو قوله ﵊: (لا صلاة في يوم مرتين) فنحن نعلم أن المفروض من يوم الجمعة هو صلاة الجمعة، فإذا كانت صلاة الجمعة لا تصح فصلاة الظهر، أما أن يصلي مرتين: مرة بنية الجمعة ومرة بنية الظهر؛ فهذا خلاف هذا الحديث مع مخالفة ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كما في الحديث، حيث يقول الرسول ﷺ : (لا صلاة في يوم مرتين) فهذا في الوقت الواحد -وقت الظهر- صلى صلاتين: صلاة الجمعة ثم صلاة الظهر. فلذلك لا يجوز أن يتقدم الإنسان على الحكم المنصوص عليه في الشرع من باب الاحتياط، أو من باب ما يقوله العامة: (زيادة الخير خير) . لا خير بعدما شرع الله على لسان نبيه ﵇ من الخير. الخلاصة: هذا الحديث الذي ينهى المسلم أن يتقدم بين يدي رمضان بصوم يوم أو يومين، في الوقت ذاته يوضح أنه لا مانع من صيام ما كان معتاداً له قبل رمضان، إذا كان له عادة أن يصوم -مثلاً- ثلاثة أيام من كل شهر، وجاء رمضان فله أن يصوم هذه الثلاثة الأيام، له أن يصوم يومين، له أن يصوم يوماً واحداً ما دام أنه لم يقصد الصيام من أجل رمضان؛ لأن رمضان أيامه محدودة، وإنما صام تنفيذاً لتلك العادة المشروعة التي كان عليها.

стр. 308

حكم صيام يوم الشك إذاً: هذا الحديث المتفق على صحته بين العلماء يشمل مباشرة ما اختلف فيه العلماء من صوم يوم الشك، وصوم يوم الشك منهم من يقول بشرعيته أيضاً احتياطاً، ومنهم من يقول: لا يشرع صيامه. والحديث الذي سبق دليل ومؤيد لهذا القول الذي يقول بعدم شرعية صوم يوم الشك؛ ذلك لأنه سيأتي في الأحاديث الصحيحة: أن رمضان يثبت بالرؤية، فإن لم يكن هناك رؤية فإتمام الشهر -أي شهر شعبان- ثلاثين يوماً، فلماذا يصوم الإنسان يوم الشك؟ لذلك عقب المصنف - ابن حجر ﵀ على الحديث السابق بحديث ثانٍ وهو قوله: وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم) ذكره البخاري تعليقاً، ووصله الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.

стр. 309

حكم المتابعة في صيام الكفارة وتبييت النية السؤال بالنسبة لصيام ثلاثة أيام كفارة يمين، هل يُشترط أن يكون الصوم متتالياً؟ وهل يشترط فيه تبييت النية أم لا؟ الجواب بالنسبة للشق الأول: لا يشترط التتالي، فالنص مطلق: ثلاثة أيام، لكننا نذكّر دائماً بمثل هذه المناسبة بالأصل الذي أسسه ربنا في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] إلى آخر الآية، ففيها حثٌ على المسارعة بالخيرات لا سيما إذا كانت من الواجبات، ومن أجل ذلك كان القول الراجح عند العلماء -ونحن على أبواب الحج إلى بيت الله الحرام- كان القول الراجح وجوب الحج على الفور لمن استطاع إليه سبيلاً لا على التراخي، وهذه الآية من أدلة هذا القول الراجح، وأصرح منها دلالة قوله ﵊: (من أراد الحج فليتعجل فقد يمرض المريض وتضل الضالة) . على هذا الأصل ينبغي المسارعة في الإتيان بالطاعات؛ لا سيما -كما قلنا آنفاً- ما كان منها من الواجبات ككفارة اليمين. أما الشق الثاني: وهو هل يجب تبييت النية؟ الجواب: بالإيجاب، والقاعدة في ذلك أن الصوم الواجب لا بد من تبييت النية فيه، بخلاف صوم التطوع فيجوز استحضار النية من ضحوة، هذا هو الذي ثبت عن الرسول ﵊، بناءً على ذلك فمن كان عليه صيام ثلاثة أيام كفارة يمين، أو أي كفارة من الكفارات المعروفة صياماً، فلا بد فيها من تبييت النية. السائل: عفواً أستاذي لعله يقصد النية التلفظية أو الكلام! الشيخ: لا. هو يقول: هل يشترط تبييت النية قبل النوم؟ أما التلفظ بالنية فهذا سؤال من عندك، والجواب: التلفظ بالنية بدعة في كل العبادات: (إنما الأعمال بالنيات) كما قال ﵊. السائل: ما عدا في الحج والعمرة؟ الشيخ: لا توجد نية في أي عبادة، فالحج والعمرة إنما هو ذكر. السائل: عندما يقول الحاج: لبيك اللهم بعمرة أو بحج. الشيخ: أجبتك سلفاً، إنما هو تلبية وذكر، لكن لا يقول: نويت الحج والعمرة، فهذا ليس له أصل.

стр. 310

حكم من مات وعليه صوم السؤال إذا أتى شهر رمضان على مسلم وكان مريضاً مرضاً منعه من الصيام، ثم وافته المنية وذهب إلى ربه، فهل تجب على ورثته الكفارة أم ماذا؟ الجواب لم يثبت شيء صريح في الموضوع، وإن كان هناك قوله ﵇ في الصحيحين: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ، وقد ذهب إلى هذا الشافعية، فأوجبوا في مثل هذا السؤال على ولي المتوفى أن يصوم ما فاته من أيام رمضان بسبب مرضه، لكن الذي رجح عندنا ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀، وهذا الحديث الذي ذكرته آنفاً: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) - من رواته عبد الله بن عباس، وقد كان يفسر هذا الحديث بأنه محمول على صيام النذر، فمن نذر على نفسه صيام يوم أو أكثر ثم لم يفِ به؛ فهنا يأتي الحديث السابق: (صام عنه وليه) . أما الصيام الذي فرضه الله مباشرة على المسلمين تزكية وتطهيراً لهم، فهنا يرد المبدأ في الإسلام: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر:١٨] . أما إنسان فرض على نفسه فريضة ما فرضها الله عليه -من باب النذر- فهذا هو الذي يحمل عليه الحديث السابق: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ، وقد جاءت أحاديث صريحة في هذا أن امرأة سألت الرسول عليه الصلاة السلام أن أخاها مات وعليه صيام نذر، فقال ﵇: (صومي عنه أو صومي عنها) وهي أحاديث صريحة في السؤال والجواب عن صيام النذر؛ فحمله ابن عباس -وهو أحد رواة هذا الحديث كما قلنا- على صيام النذر. وهذا الذي نراه والله أعلم. السائل: إذا مات ولم يقض صوم رمضان، فهل يسقط عنه؟ لم يقل في السؤال: لم يقضه، وإنما مات في رمضان، أو هكذا أنا فهمته، والآن سوف نقسم السؤال السابق والجواب إلى شقين: الشق الأول: رجل مريض مات في رمضان وعليه أيام من رمضان، فعلى هذا ينصب كلامي السابق. صورة أخرى: إنسان أفطر من رمضان أياماً وهو مريض، ثم شفي بعد ذلك وما قضى ما عليه وهو مستطيع، فهذا لا نقول بأنه يمكن لأحد أن يصوم عنه، هذا مثله كمثل الذي يفطر في رمضان عامداً متعمداً، مثله مثل من يدع الصلاة عامداً متعمداً، فهذا لا كفارة له مطلقاً، لكن المعذور، أي: الذي مات مريضاً لا يستطيع أن يقضي ما فاته من أيام رمضان، فهذا يجري عليه كلامنا السابق. أما إنسان تعمد الإفطار في رمضان أو لم يتعمد، كأن كان مريضاً -وهذا عذر والله أعلم بنيته- ثم عوفي وشفي ومضت عليه أيام بل ربما شهر أو شهور ولم يقض، فهذا لا يقضى عنه إطلاقاً.

стр. 311

علامات تساعد على معرفة ليلة القدر السؤال كيف يعرف الإنسان المسلم أنه قد صادفته ليلة القدر مع تحريه الليالي المذكورة عنه ﷺ ؟ الجواب ذلك أمر وجداني يشعر به كل من أنعم الله ﵎ عليه برؤية ليلة القدر؛ لأن الإنسان في هذه الليلة يكون مقبلاً على عبادة الله ، وعلى ذكره والصلاة له، فيتجلى الله على بعض عباده بشعور ليس يعتاده حتى الصالحون، لا يعتادونه في سائر أوقاتهم، فهذا الشعور هو الذي يمكن الاعتماد عليه؛ بأن صاحبه يرى ليلة القدر، والسيدة عائشة ﵂ قد سألت الرسول ﵊ سؤالاً ينبئ عن إمكان شعور الإنسان برؤيته لليلة القدر، حينما توجهت بسؤالها للنبي ﵊ بقولها: (يا رسول الله! إذا أنا رأيت ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) ففي هذا الحديث فائدتان: الفائدة الأولى: أن المسلم يمكن أن يشعر شعوراً ذاتياً شخصياً بملاقاته لليلة القدر. والفائدة الثانية: أنه إن شعر بذلك فخير ما يدعو به هو هذا الدعاء: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) . وقد جاء في هذه المناسبة في كتابنا هذا الترغيب في بعض الدروس المتأخرة: أن خير ما يسأل الإنسان ربه ﵎ هو العفو والعافية في الدنيا والآخرة. نعم. هناك لليلة القدر بعض الأمارات والعلامات المادية، لكن هذا قد لا يمكن أن يرى ذلك كله من يرى ويعلم ليلة القدر، إلا أن هذه العلامات بعضها يتعلق بالجو العام الخارجي، كأن تكون -مثلاً- الليلة ليست بقارة ولا حارة، فهي معتدلة ليست باردة ولا هي حارة، فقد يكون الإنسان في جو لا يمكنه من أن يشعر بالجو الطبيعي في البلدة، كذلك هناك علامة لكن هي بعد فوات وقت ليلة القدر، تلك العلامة تكون في صبح تلك الليلة حين تطلع الشمس، حيث أخبر ﵊ بأنها تطلع صبيحة ليلة القدر كالطست -كالقمر- ليس له شعاع، هكذا تطلع الشمس في صبيحة ليلة القدر، وقد رُئي هذا من بعض الناس الصالحين ممن كان يهمهم رؤية أو ملاحظة ذلك في كثير من ليالي القدر. ليس المهم بالنسبة للمتعبد التمسك بمثل هذه الظواهر؛ لأن هذا الظواهر هي عامة، هذه طبيعة الجو، لكن لا يستوي كل من عاش في ذلك الجو ليرى ليلة القدر، ومن عاش في صفاء النفس في لحظة من تلك اللحظات في تلك الليلة المباركة، بحيث أن الله يتجلى عليه برحمته وفضله، فيلهمه ويؤيده بما سبق وبغيره. والعلامات المادية هي علامات لا تدل على أن كل من شاهدها أو لمسها قد رأى ليلة القدر، وهذا أمر واقعي، ولكن الناحية التي يجدها الإنسان في نفسه من الصفاء الروحي، والشعور برؤيته لليلة القدر، وتوجهه إلى الله بسؤاله بما شرع، هذه هي الناحية التي ينبغي أن ندندن حولها ونهتم بها؛ لعل الله أن يتفضل بها علينا.

стр. 312

درجة حديث (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال) السؤال ما درجة حديث: (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال خرج كيوم ولدته أمه) ؟ الجواب هذا من الأحاديث الصحيحة التي أخرجها الإمام مسلم في صحيحه، وهو من الأحكام التي كاد الفقهاء أن يتفقوا عليها، ولكنهم -مع الأسف- لم يتفقوا، فقد جاء عن مالك ﵀ أنه كان يكره صيام الست من شوال؛ فاحتج عليه الجمهور بهذا الحديث، وهو حجة -بلا شك- قاطعة، إلا أن بعض العلماء نقلوا عن الإمام مالك وجهاً لما ذهب إليه من كراهة صيام هذه الأيام الست، قال: لكي لا يعتقد الناس وجوبها لا سيما وهي متصلة برمضان، ولا يفرق بينها وبين صيام رمضان إلا يوم العيد، فخشية أن يتبادر إلى أذهان بعض الناس وجوب صيام هذه الست نهى الإمام مالك أو كره صيامها. ومعنى كلام هؤلاء العلماء فيما نسبوا إلى مالك: أن مالكاً ﵀ لا ينكر أصل مشروعية صيام هذه الأيام الست، فهو يلتقي مع جماهير العلماء الذين ذهبوا إلى استحبابها ولكنه يكره المثابرة على ذلك، فإن كل من صام رمضان ثم صام الستة الأيام، سوف يصبح صيام الست مع الزمن ولو البعيد كأنه من تمام صوم رمضان، هذا الذي خشيه مالك فذهب إلى الكراهة، ولا شك أن لمثل قوله وجاهة من حيث القواعد الأصولية الفقهية، وقد ذهب إلى مثلها بعض الحنفية في مثل اعتياد الإمام قراءة سورة السجدة وسورة الدهر في كل فجر جمعة، فنص فقهاء الحنفية على أنه ينبغي على الإمام أن يترك قراءة هاتين السورتين أحياناً؛ لكيلا يظن العامة بأن قراءة هاتين السورتين من الواجبات بل من أركان صلاة الصبح يوم الجمعة. وهذا في الواقع -كما قلنا- من العلم الذي قل من يتنبه له، وفي بعض البلاد الإسلامية فعلاً قد يخشى -أو وقع في الخشية- أن يتوهم بعض العامة أن صيام ستة أيام من شوال هو أمر واجب؛ فحينئذ من الواجب على بعض العلماء ألا يلتزموا ذلك، مع تنبيههم في خطبهم ومواعظهم ودروسهم على أن هذا الصيام ليس من الأمور الواجبة، إنما هو من الأمور المستحبة.

стр. 313

حكم جمع الزكاة للجمعيات الخيرية السؤال ما حكم جمع زكاة الفطر للجمعيات الخيرية؟ الجواب في عهده ﵌، وفي عهد السلف الصالح، كانت الزكاة تجمع كزكاة الزروع والمواشي، وكذلك لم تكن تجمع زكاة النقدين -الفريضة- زكاة النقدين ما كانت تجمع، وإنما كان الأمر يفوض إلى الغني الواجب عليه الزكاة فهو يوزع ما وجب عليه في نقديه، كذلك لم يكن من سنة العهد الأول جمع صدقة الفطر، وإنما كل مكلف يخرجها، أما إعطاء الزكاة هذه -زكاة الفطر- إلى الجمعيات الخيرية اليوم، فذلك يتوقف على أمر هام -ما أدري إذا كانت هذه الجمعيات تهتم بتطبيقه- فكلنا يعلم بأن زكاة الفطر لا يجوز التقدم بإخراجها قبل يوم الفطر بأكثر من يومين أو ثلاثة أيام، فإخراجها في أول رمضان أو في منتصف رمضان -كما يفعل كثير من الأفراد- هذا خلاف السنة، فإذا كانت الجمعيات المشار إليها تراعي هذه الناحية فتجمع هذه الزكوات -زكاة الفطر- ولا تخرجها إلا قبل العيد، فلا بأس حين ذاك من توكيل هذا الجمعيات بهذه الصدقة، على أساس أنه يفترض فيها أن تكون أعلم من المزكي بالفقراء والمساكين الذين هم في ذلك الحي. لكن أنا أخشى أن يكون هؤلاء يتبنون رأياً فيه توسيع في إباحة إخراج الزكاة قبل العيد بأيام كثيرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: قد يجمعونها في صندوق في الجمعية ويضمونها إلى أصل الزكاة المجموعة عندهم، فيخرجونها ربما بعد العيد بأيام وربما بأشهر؛ لذلك فيكون الأحوط أن يتولى المزكي والمخرج لصدقة الفطر إخراجها بنفسه، فهو أولاً: يخرجها قبل العيد مباشرة، وهذا هو الأفضل، فإن ترخص فقبل ذلك بيوم أو بيومين، وثانياً: يضعها في يد من يراه أنه من المستحقين لهذه الزكاة، ثم يلاحظ أن يكون من الصالحين، وهذه ناحية -أيضاً- ما أدري إذا كانت الجمعيات عندها استعداد أن تلاحظ وتطبق هذه الناحية؛ وذلك ليكون المزكي معيناً لأهل الخير والصلاح بما يقدمه إليهم من خير ومال.

стр. 314

الاحتلام في نهار رمضان السؤال ما حكم من احتلم في رمضان، وهل عليه قضاء؟ الجواب لم يفطر حتى يكون عليه قضاء.

стр. 315

حكم صيام من بلغت سن اليأس وخرج منها دم يشبه دم الحيض السؤال امرأة بلغت من العمر ثلاثاً وستين سنة ومازالت تنزل دماً كالحيض بشكل غير منتظم، فهل تصوم؟ الجواب نقول: إنها بلغت سن اليأس فهي لا ترى الحيض، وإذا كانت خرقت العادة العامة في النساء، وأنها لا تزال تحيض بصورة منتظمة كما هي عادة النساء، فحين ذاك ترجع في هذا الدم إلى شروط دم الحيض المعروفة، فالغالب أن يكون هذا الدم استحاضة وليس دم حيض، لا سيما وهي في هذا السن -سن الستين- فالغالب أنها يائس من الحيض، ففي هذه الحالة يكون هذا الدم دم استحاضة، فليس له علاقة حين ذاك بالصيام، أي أنه لا يكون مانعاً لها من الصيام.

стр. 316

حكم الأكل أثناء أذان الفجر للصائم السؤال إذا كان المسلم يأكل وأذن الفجر، فما حكم صومه؟ وهل عليه القضاء؟ الجواب النص القرآني صريح في هذا ألا وهو قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فالآية صريحة في إباحة استمرار المتسحر في طعامه وشرابه حتى يتبين الفجر، أي: حتى يتأكد من طلوع الفجر الصادق، وهذه الآية لحكمة ما جاء فيها ربنا بقوله: ((حَتَّى يَتَبَيَّنَ)) [البقرة:١٨٧] لأن التبين من الشيء: هو التأكد منه، والواقع أن هناك تساؤلات كثيرة في أن المؤذنين في هذه البلاد يؤذنون مع طلوع الفجر الصادق، فقد كنا في العمرة في رمضان في مكة والمدينة، فرأيناهم يتأخرون في الأذان -أذان الفجر الصادق- قرابة نصف ساعة، ونحن لا نعلم هناك فرقاً من حيث خطوط الطول يؤدي إلى هذا الفرق بين فجرهم وفجرنا. وملاحظتنا هذه الأخيرة هناك ذكرتنا بما نسمعه من بعض إخواننا المثقفين المتفقهين في الأردن، أنهم يقطعون بأن الأذان في الأردن بصورة عامة وليس فقط في رمضان، يؤذن قبل الفجر الصادق بنحو ثلث ساعة، ثم جاء بعض إخواننا من الأردن إلى هنا واتصلوا مع بعض إخواننا، وأيضاً راقبوا طلوع الفجر هنا في دمشق بصورة خاصة، فظهر لهم -وما أقول تبين؛ لأني بعد ما تبينت مما ظهر لهم- فظهر لهم أن الأمر هنا كالأمر هناك، ولذلك كان في نفسي أن نعمل جلسة خاصة مع بعض إخواننا، ونتدارس هذه القضية بالنسبة لنا هنا في دمشق، أي: هل يؤذن الأذان الثاني -وليس الأذان الأول- الذي به يحرم الطعام وتحل الصلاة في الوقت تماماً، أم أنه يقدم على الوقت كما يفعلون في بدعة الأذان الأول؟ حيث أنهم يسمونه بأذان الإمساك، وهو في الحقيقة من الناحية الشرعية هو أذان الطعام والشراب وليس أذان الإمساك، فهم يسمونه: أذان الإمساك، حتى سجل فيما يسمونه بالإمساكية، فصار لزاماً على كل صائم أن يمسك عن طعامه وشرابه بمجرد أن يسمع الأذان الأول، وهو شرعاً أذان الطعام والشراب، بدليل حديث البخاري ومسلم عن جماعة من الصحابة، أن النبي ﵌ قال: (لا يغرنكم أذان بلال، فإنما يؤذن بليل ليقوم النائم وليتسحر المتسحر، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) فهو ﵇ أمر بالطعام والشراب أن يستمر فيه الإنسان ولو بعد أذان بلال؛ لأن بلالاً يؤذن ليقوم النائم ويتسحر المتسحر، فالأذان الأول الغرض منه التنبيه إلى أنه الآن وقت الطعام والشراب، قال ﵇: (فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) . وقد جاء في هذا الحديث أنه كان بين أذانيهما مقدار تلاوة خمسين آية، أي أن الوقت بين الأذانين وقت قريب جداً، وليست هذه المسافة التي تأخذ من الزمن نحو ربع ساعة موجودة اليوم بين أذان الإمساك المزعوم وبين أذان الفجر؛ لذلك فممكن أن بعض الموقتين الذين يوقتون التوقيت الفلكي هذا ربما لاحظوا احتياطاً ثانياً غير الاحتياط لأذان الإمساك، لاحظوا احتياطاً ثانياً في توقيت الأذان الثاني، فتقدموا به حتى لا يدخل الفجر الصادق في زعمهم وبعضهم لا يزال يأكل فيفطر، ولئن كان هذا واقعاً فهذا يدل على جهلهم؛ لأن هناك أمرين كل منهما عبادة وطاعة، فكما أنه لا يجوز الاستمرار في الطعام والشراب بالنسبة للمتسحر حتى دخول الفجر الصادق، كذلك لا يجوز للإنسان أن يصلي قبل الفجر الصادق، فكل منهما عبادة. فالخلاصة: هذا الأذان الثاني يجب إضافة التثبت من كونه يؤذن في الوقت، وعندنا شكوك كثيرة جداً بالنسبة للأمور التي ذكرناها، ومع ذلك فهناك فسحة ورخصة صريحة في الحديث الصحيح، فلو افترضنا أن هذا الأذان الثاني يؤذنه المؤذنون في الوقت الصحيح -في الفجر الصادق- تأتي هذه الرخصة الكريمة، حيث قال ﵊: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) (إذا سمع أحدكم النداء) أي: النداء الثاني، أما الأول فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، أما الأذان الثاني فتأخذ حاجتك: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يأخذ حاجته منه) ، ففي هذا رخصة أن يستمر الصائم في الطعام حتى يأخذ حاجته، لكن لا يأتِ على التسلية، لا يجلس -مثلاً- يتفكه، أو (يفصفص) بحجة: (حتى يقضي حاجته منه) فإن هذا ليس مما له فيه حاجة، إنما هذا من باب التسلية، والحديث صريح: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده -الذي يأكل أو يشرب منه- فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) .

стр. 317

حكم تقبيل الزوجة في نهار رمضان السؤال ما حكم تقبيل الزوجة في نهار رمضان؟ الجواب هذا سؤال هام، والجواب عليه يختلف باختلاف الأشخاص، بين أن يكون شاباً ولا سيما إذا كان حديث عهد بعرس وبزواج، وبين أن يكون كهلاً أو شيخاً فانياً، فالأول من باب الحيطة والحذر يبتعد عن حلاله وعن زوجته، وعن كل الأسباب التي قد توقعه في المحرم عليه، ألا وهو الجماع؛ لأن السيدة عائشة ﵂ التي تروي بأن النبي ﵌ كان يقبل نساءه وهو صائم، تقول: (وأيكم يملك من إربه ما كان يملك رسول الله ﵌؟) فالتقبيل نوع من المباشرة. إذاً: التقبيل بالنسبة للرجل الكهل أو الشيخ جائز قولاً واحداً؛ لأنه عادة لا يؤدي به إلى أن يتورط، وأن يقع فيما يوجب عليه الكفارة الكبرى، وهو أن يصوم شهرين متتابعين إذا ما جامع زوجته؛ بخلاف الشاب فقد يقع، ولذلك يقال: ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فالشاب ينبغي أن يكون بعيداً عن زوجته في وقت صيامه، هذا من باب الحيطة والحذر، لكن إذا ما قبل ولم يتعد ذلك فليس فيه أي شيء؛ لأن التقبيل أصله مباح، وإنما يمنع -كما قلنا- سداً للذريعة، فإذا فرضنا أن إنساناً شاباً قوياً -ليس فقط في بدنه- بل هو أيضاً قوي في إيمانه وفي طاعته لربه، فهو يعرف الحدود فلا يتعداها؛ فله كل ما لم يحرمه الله على الصائم، وهذا الكل هو كل ما سوى الجماع، ولكن المشكلة تبقى ضبط (الغرائز) بالنسبة للشباب، وهذه الحيطة لا بد منها. أما الأصل فهو مباح؛ ولذلك لما جاء عمر بن الخطاب إلى النبي ﵌ يوماً فقال له: (هلكت يا رسول الله! قال: ما أهلكك؟ قال: هششت إلى أهلي فقبلت. قال: ما هو إلا كما لو تمضمضت بالماء) أو كما قال عليه الصلاة السلام، فالمضمضة بالماء إذا لم يدخل إلى الجوف ليس فيها شيء، لكن المهم يبقى وقوف الإنسان عند هذه الحدود.

стр. 318

البدعة وأسئلة حولها [٢] تحدث الشيخ في هذا الدرس عن قواعد للحكم على الأمور الدينية والدنيوية، وفصل في مسألة مشروعية الأمور المحدثة عن عدمه، وضرب أمثلة حية على هذه التفصيلات للتوضيح والبيان.

стр. 319

وجوب عبادة الله تعالى وفق شرعه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جملة جامعة لأصل الإسلام، وهذه الجملة مستنبطة أصالة من الشهادة التي هي الركن الأول من أركان الإسلام، حيث قال ابن تيمية ﵀: (الإسلام أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً) هذا قسم، والقسم الثاني: (ألا نعبده إلا بما شرع لنا) . فالإسلام اجتمع في هاتين الكلمتين: أن نعبده ﵎ وحده لا شريك له، وألا نعبده إلا بما شرع، وهذا من تمام التوحيد، وهو اصطلاح علمي دقيق لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإن المشهور: أن التوحيد إنما هو ذو أقسام ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية أو العبادة، وتوحيد الصفات، فجاء ابن تيمية بهذا التعبير الوجيز: ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع. ألا نعبد الله إلا بما شرع وهذا ينطوي تحته بحث علمي خطير جداً، طالما اختلف فيه المتأخرون، ولم ينجُ من الاختلاف الممقوت منهم إلا الأقلون، أعني بذلك: اختلافهم في أنه هل يوجد في الإسلام بدعة حسنة أم لا؟ فجماهير المتأخرين -مع الأسف الشديد- يذهبون قولاً، وأصلاً، واعتقاداً، إلى أن هناك في الإسلام بدعة حسنة، ويقابلهم من أشرنا إليهم، ألا وهم الأقلون، الذين يقولون بما قال به الرسول ﵌ في الأحاديث الكثيرة، والتي منها ما سمعتموه في مطلع كلمتنا هذه الليلة، وهي التي تتردد دائماً في خطبة الحاجة، التي كان رسول الله ﷺ يعلمها أصحابه، ونفتتح عادة خطبنا وكلماتنا بها، ثم نتبعها بما كان الرسول ﵊ يتبع خطبة الحاجة في خطب الجمعة، حيث كان ﵊ يقول في خطبة الجمعة: (أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) فقد كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يكرر هذه الجملة الجامعة: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) ؛ لكي تتركز في الأذهان. فالأقلون قد اهتدوا بهدي الله ﵎، وتمسكوا بكلام الرسول ﵊ على عمومه وشموله، وقالوا كما قال هو ﵊: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) . لكن الشيء المهم الذي ينبغي أن نلاحظه، هو: أنه يوجد في هؤلاء الأقلين -على سبيل الحكاية- من يقع في الابتداع في الدين؛ وما ذاك إلا لأنه لم يضبط قاعدة البدعة، فهو يقول في نفسه: كل بدعة ضلالة، كما قال الرسول ﵊؛ لأنه من الفريق القليل الذين اهتدوا بأحاديث الرسول ﵊، التي أطلقت الضلالة على كل بدعة، ولكن لكيلا يقع هؤلاء الأقلون في البدعة التي يفرون منها بتبنيهم القاعدة العامة: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، يجب أن يتقنوا بحث البدعة؛ ليميزوا بين ما يدخل في عموم النص، فلا يعملون به؛ لأن قوله: (كل بدعة ضلالة) شمله، وإن كان هذا الذي دخل في هذا النص العام له أصل في الشريعة.

стр. 320

الفرق بين المشروع والمحدث غير المشروع يشتبه الأمر على كثير من الناس حينما يرون بعض النصوص الحاضَّة على بعض الأعمال الصالحة، فيأخذون بعمومها، ولا يلاحظون أن بعض هذا العموم يشمله ذلك النص العام: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) . فالتفريق بين هذا الشمول، وهو قوله ﵇: (كل بدعة ضلالة) وبين الشمول في نصوص أخرى، حيث تأمر ببعض العبادات، أو تحض على بعض العبادات حضاً عاماً، هنا يقع كثير من الخلط واللبس على بعض الناس. وأنا قبل أن أذكر ما عندي في هذا الصدد، أريد أن أنصحكم بصفتكم -مثلي- طلاباً للعلم، أن تقرءوا لتفهموا هذه المسألة فهماً صحيحاً، ولتكونوا على ما كان عليه السلف الصالح، من الابتعاد عن الابتداع في الدين، ولو كان هذا الابتداع في الدين مستنداً إلى نص عام من أحاديث الرسول ﵊ -لكي لا تقعوا في الابتداع في الدين، أنصح بأن تقرءوا كتاباً هو أعظم كتاب عرفته في هذا الباب، ألا وهو كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي ﵀، فهذا الكتاب مختص في هذا الموضوع لا مثيل له فيما علمته، وكل من جاء بعده إنما هو عالة عليه، وإنما هو يستقي منه، كما أن هناك فصلاً خاصاً يجب -أيضاً- أن تقرءوه لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه العظيم اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، ففي هذا الكتاب طرق شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الموضوع الهام الخطير، فانتهى -من حيث الجملة- إلى ما يدل عليه الحديث السابق وما في معناه: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) ولكنه نظر إلى المسألة من زاوية أخرى، وهي: أنه قد تحدث بعض الأمور، ويرى أهل العلم أنها أمور مشروعة، ومع ذلك فهي لم تكن في عهد الرسول ﵊، فكيف لم يطبق عليها القاعدة: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؟ بينما حدثت محدثات كثيرة وكثيرة جداً، اعتبرها أهل العلم والتحقيق كـ الشاطبي وابن تيمية وغيرهما من المحدثات، فما هو الحكم الفصل بين ما يحدث ويكون مشروعاً، وبين ما يحدث ولا يكون مشروعاً؟ هذا ما فصل القول فيه الإمام الشاطبي في الكتاب السابق (الاعتصام) ، وجمعه وأوجز الكلام فيه شيخ الإسلام في الكتاب المذكور آنفاً، فأنا أوجز لكم القول. لا أريد -بطبيعة الحال- أن أذكركم بالنصوص التي تؤكد هذه القاعدة الإسلامية العظيمة: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، لأنني أعتقد أنكم على علم بذلك -كما أظن وأرجو- ولكن أريد في الواقع أن أبين لكم أمرين اثنين؛ لتتحققوا من معنى هذا الحديث الصحيح: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) فلا تقعون في إفراط ولا تفريط. لأن بعض الناس لجهلهم بما سيأتي ذكره عن الشيخين يحدثون محدثات ويتمسكون بها؛ لأنها دخلت في نصوص عامة، وأناس آخرون ينكرون أموراً حدثت بحجة أنها حدثت، وهي ليست بالمحدثات من الأمور، هذا التفصيل الدقيق نحن جميعاً بحاجة إليه.
следующие страницы →