Полный текст (552 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
حكم الأكل أثناء أذان الفجر للصائم
السؤال
إذا كان المسلم يأكل وأذن الفجر، فما حكم صومه؟ وهل عليه القضاء؟
الجواب
النص القرآني صريح في هذا ألا وهو قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فالآية صريحة في إباحة استمرار المتسحر في طعامه وشرابه حتى يتبين الفجر، أي: حتى يتأكد من طلوع الفجر الصادق، وهذه الآية لحكمة ما جاء فيها ربنا بقوله: ((حَتَّى يَتَبَيَّنَ)) [البقرة:١٨٧] لأن التبين من الشيء: هو التأكد منه، والواقع أن هناك تساؤلات كثيرة في أن المؤذنين في هذه البلاد يؤذنون مع طلوع الفجر الصادق، فقد كنا في العمرة في رمضان في مكة والمدينة، فرأيناهم يتأخرون في الأذان -أذان الفجر الصادق- قرابة نصف ساعة، ونحن لا نعلم هناك فرقاً من حيث خطوط الطول يؤدي إلى هذا الفرق بين فجرهم وفجرنا.
وملاحظتنا هذه الأخيرة هناك ذكرتنا بما نسمعه من بعض إخواننا المثقفين المتفقهين في الأردن، أنهم يقطعون بأن الأذان في الأردن بصورة عامة وليس فقط في رمضان، يؤذن قبل الفجر الصادق بنحو ثلث ساعة، ثم جاء بعض إخواننا من الأردن إلى هنا واتصلوا مع بعض إخواننا، وأيضاً راقبوا طلوع الفجر هنا في دمشق بصورة خاصة، فظهر لهم -وما أقول تبين؛ لأني بعد ما تبينت مما ظهر لهم- فظهر لهم أن الأمر هنا كالأمر هناك، ولذلك كان في نفسي أن نعمل جلسة خاصة مع بعض إخواننا، ونتدارس هذه القضية بالنسبة لنا هنا في دمشق، أي: هل يؤذن الأذان الثاني -وليس الأذان الأول- الذي به يحرم الطعام وتحل الصلاة في الوقت تماماً، أم أنه يقدم على الوقت كما يفعلون في بدعة الأذان الأول؟ حيث أنهم يسمونه بأذان الإمساك، وهو في الحقيقة من الناحية الشرعية هو أذان الطعام والشراب وليس أذان الإمساك، فهم يسمونه: أذان الإمساك، حتى سجل فيما يسمونه بالإمساكية، فصار لزاماً على كل صائم أن يمسك عن طعامه وشرابه بمجرد أن يسمع الأذان الأول، وهو شرعاً أذان الطعام والشراب، بدليل حديث البخاري ومسلم عن جماعة من الصحابة، أن النبي ﵌ قال: (لا يغرنكم أذان بلال، فإنما يؤذن بليل ليقوم النائم وليتسحر المتسحر، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) فهو ﵇ أمر بالطعام والشراب أن يستمر فيه الإنسان ولو بعد أذان بلال؛ لأن بلالاً يؤذن ليقوم النائم ويتسحر المتسحر، فالأذان الأول الغرض منه التنبيه إلى أنه الآن وقت الطعام والشراب، قال ﵇: (فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) .
وقد جاء في هذا الحديث أنه كان بين أذانيهما مقدار تلاوة خمسين آية، أي أن الوقت بين الأذانين وقت قريب جداً، وليست هذه المسافة التي تأخذ من الزمن نحو ربع ساعة موجودة اليوم بين أذان الإمساك المزعوم وبين أذان الفجر؛ لذلك فممكن أن بعض الموقتين الذين يوقتون التوقيت الفلكي هذا ربما لاحظوا احتياطاً ثانياً غير الاحتياط لأذان الإمساك، لاحظوا احتياطاً ثانياً في توقيت الأذان الثاني، فتقدموا به حتى لا يدخل الفجر الصادق في زعمهم وبعضهم لا يزال يأكل فيفطر، ولئن كان هذا واقعاً فهذا يدل على جهلهم؛ لأن هناك أمرين كل منهما عبادة وطاعة، فكما أنه لا يجوز الاستمرار في الطعام والشراب بالنسبة للمتسحر حتى دخول الفجر الصادق، كذلك لا يجوز للإنسان أن يصلي قبل الفجر الصادق، فكل منهما عبادة.
فالخلاصة: هذا الأذان الثاني يجب إضافة التثبت من كونه يؤذن في الوقت، وعندنا شكوك كثيرة جداً بالنسبة للأمور التي ذكرناها، ومع ذلك فهناك فسحة ورخصة صريحة في الحديث الصحيح، فلو افترضنا أن هذا الأذان الثاني يؤذنه المؤذنون في الوقت الصحيح -في الفجر الصادق- تأتي هذه الرخصة الكريمة، حيث قال ﵊: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) (إذا سمع أحدكم النداء) أي: النداء الثاني، أما الأول فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، أما الأذان الثاني فتأخذ حاجتك: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يأخذ حاجته منه) ، ففي هذا رخصة أن يستمر الصائم في الطعام حتى يأخذ حاجته، لكن لا يأتِ على التسلية، لا يجلس -مثلاً- يتفكه، أو (يفصفص) بحجة: (حتى يقضي حاجته منه) فإن هذا ليس مما له فيه حاجة، إنما هذا من باب التسلية، والحديث صريح: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده -الذي يأكل أو يشرب منه- فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) .
стр. 317
حكم تقبيل الزوجة في نهار رمضان
السؤال
ما حكم تقبيل الزوجة في نهار رمضان؟
الجواب
هذا سؤال هام، والجواب عليه يختلف باختلاف الأشخاص، بين أن يكون شاباً ولا سيما إذا كان حديث عهد بعرس وبزواج، وبين أن يكون كهلاً أو شيخاً فانياً، فالأول من باب الحيطة والحذر يبتعد عن حلاله وعن زوجته، وعن كل الأسباب التي قد توقعه في المحرم عليه، ألا وهو الجماع؛ لأن السيدة عائشة ﵂ التي تروي بأن النبي ﵌ كان يقبل نساءه وهو صائم، تقول: (وأيكم يملك من إربه ما كان يملك رسول الله ﵌؟) فالتقبيل نوع من المباشرة.
إذاً: التقبيل بالنسبة للرجل الكهل أو الشيخ جائز قولاً واحداً؛ لأنه عادة لا يؤدي به إلى أن يتورط، وأن يقع فيما يوجب عليه الكفارة الكبرى، وهو أن يصوم شهرين متتابعين إذا ما جامع زوجته؛ بخلاف الشاب فقد يقع، ولذلك يقال: ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فالشاب ينبغي أن يكون بعيداً عن زوجته في وقت صيامه، هذا من باب الحيطة والحذر، لكن إذا ما قبل ولم يتعد ذلك فليس فيه أي شيء؛ لأن التقبيل أصله مباح، وإنما يمنع -كما قلنا- سداً للذريعة، فإذا فرضنا أن إنساناً شاباً قوياً -ليس فقط في بدنه- بل هو أيضاً قوي في إيمانه وفي طاعته لربه، فهو يعرف الحدود فلا يتعداها؛ فله كل ما لم يحرمه الله على الصائم، وهذا الكل هو كل ما سوى الجماع، ولكن المشكلة تبقى ضبط (الغرائز) بالنسبة للشباب، وهذه الحيطة لا بد منها.
أما الأصل فهو مباح؛ ولذلك لما جاء عمر بن الخطاب إلى النبي ﵌ يوماً فقال له: (هلكت يا رسول الله! قال: ما أهلكك؟ قال: هششت إلى أهلي فقبلت.
قال: ما هو إلا كما لو تمضمضت بالماء) أو كما قال عليه الصلاة السلام، فالمضمضة بالماء إذا لم يدخل إلى الجوف ليس فيها شيء، لكن المهم يبقى وقوف الإنسان عند هذه الحدود.
стр. 318
البدعة وأسئلة حولها [٢]
تحدث الشيخ في هذا الدرس عن قواعد للحكم على الأمور الدينية والدنيوية، وفصل في مسألة مشروعية الأمور المحدثة عن عدمه، وضرب أمثلة حية على هذه التفصيلات للتوضيح والبيان.
стр. 319
وجوب عبادة الله تعالى وفق شرعه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جملة جامعة لأصل الإسلام، وهذه الجملة مستنبطة أصالة من الشهادة التي هي الركن الأول من أركان الإسلام، حيث قال ابن تيمية ﵀: (الإسلام أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً) هذا قسم، والقسم الثاني: (ألا نعبده إلا بما شرع لنا) .
فالإسلام اجتمع في هاتين الكلمتين: أن نعبده ﵎ وحده لا شريك له، وألا نعبده إلا بما شرع، وهذا من تمام التوحيد، وهو اصطلاح علمي دقيق لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإن المشهور: أن التوحيد إنما هو ذو أقسام ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية أو العبادة، وتوحيد الصفات، فجاء ابن تيمية بهذا التعبير الوجيز: ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع.
ألا نعبد الله إلا بما شرع وهذا ينطوي تحته بحث علمي خطير جداً، طالما اختلف فيه المتأخرون، ولم ينجُ من الاختلاف الممقوت منهم إلا الأقلون، أعني بذلك: اختلافهم في أنه هل يوجد في الإسلام بدعة حسنة أم لا؟ فجماهير المتأخرين -مع الأسف الشديد- يذهبون قولاً، وأصلاً، واعتقاداً، إلى أن هناك في الإسلام بدعة حسنة، ويقابلهم من أشرنا إليهم، ألا وهم الأقلون، الذين يقولون بما قال به الرسول ﵌ في الأحاديث الكثيرة، والتي منها ما سمعتموه في مطلع كلمتنا هذه الليلة، وهي التي تتردد دائماً في خطبة الحاجة، التي كان رسول الله ﷺ يعلمها أصحابه، ونفتتح عادة خطبنا وكلماتنا بها، ثم نتبعها بما كان الرسول ﵊ يتبع خطبة الحاجة في خطب الجمعة، حيث كان ﵊ يقول في خطبة الجمعة: (أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) فقد كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يكرر هذه الجملة الجامعة: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) ؛ لكي تتركز في الأذهان.
فالأقلون قد اهتدوا بهدي الله ﵎، وتمسكوا بكلام الرسول ﵊ على عمومه وشموله، وقالوا كما قال هو ﵊: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) .
لكن الشيء المهم الذي ينبغي أن نلاحظه، هو: أنه يوجد في هؤلاء الأقلين -على سبيل الحكاية- من يقع في الابتداع في الدين؛ وما ذاك إلا لأنه لم يضبط قاعدة البدعة، فهو يقول في نفسه: كل بدعة ضلالة، كما قال الرسول ﵊؛ لأنه من الفريق القليل الذين اهتدوا بأحاديث الرسول ﵊، التي أطلقت الضلالة على كل بدعة، ولكن لكيلا يقع هؤلاء الأقلون في البدعة التي يفرون منها بتبنيهم القاعدة العامة: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، يجب أن يتقنوا بحث البدعة؛ ليميزوا بين ما يدخل في عموم النص، فلا يعملون به؛ لأن قوله: (كل بدعة ضلالة) شمله، وإن كان هذا الذي دخل في هذا النص العام له أصل في الشريعة.
стр. 320
الفرق بين المشروع والمحدث غير المشروع
يشتبه الأمر على كثير من الناس حينما يرون بعض النصوص الحاضَّة على بعض الأعمال الصالحة، فيأخذون بعمومها، ولا يلاحظون أن بعض هذا العموم يشمله ذلك النص العام: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) .
فالتفريق بين هذا الشمول، وهو قوله ﵇: (كل بدعة ضلالة) وبين الشمول في نصوص أخرى، حيث تأمر ببعض العبادات، أو تحض على بعض العبادات حضاً عاماً، هنا يقع كثير من الخلط واللبس على بعض الناس.
وأنا قبل أن أذكر ما عندي في هذا الصدد، أريد أن أنصحكم بصفتكم -مثلي- طلاباً للعلم، أن تقرءوا لتفهموا هذه المسألة فهماً صحيحاً، ولتكونوا على ما كان عليه السلف الصالح، من الابتعاد عن الابتداع في الدين، ولو كان هذا الابتداع في الدين مستنداً إلى نص عام من أحاديث الرسول ﵊ -لكي لا تقعوا في الابتداع في الدين، أنصح بأن تقرءوا كتاباً هو أعظم كتاب عرفته في هذا الباب، ألا وهو كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي ﵀، فهذا الكتاب مختص في هذا الموضوع لا مثيل له فيما علمته، وكل من جاء بعده إنما هو عالة عليه، وإنما هو يستقي منه، كما أن هناك فصلاً خاصاً يجب -أيضاً- أن تقرءوه لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه العظيم اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، ففي هذا الكتاب طرق شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الموضوع الهام الخطير، فانتهى -من حيث الجملة- إلى ما يدل عليه الحديث السابق وما في معناه: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) ولكنه نظر إلى المسألة من زاوية أخرى، وهي: أنه قد تحدث بعض الأمور، ويرى أهل العلم أنها أمور مشروعة، ومع ذلك فهي لم تكن في عهد الرسول ﵊، فكيف لم يطبق عليها القاعدة: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؟ بينما حدثت محدثات كثيرة وكثيرة جداً، اعتبرها أهل العلم والتحقيق كـ الشاطبي وابن تيمية وغيرهما من المحدثات، فما هو الحكم الفصل بين ما يحدث ويكون مشروعاً، وبين ما يحدث ولا يكون مشروعاً؟ هذا ما فصل القول فيه الإمام الشاطبي في الكتاب السابق (الاعتصام) ، وجمعه وأوجز الكلام فيه شيخ الإسلام في الكتاب المذكور آنفاً، فأنا أوجز لكم القول.
لا أريد -بطبيعة الحال- أن أذكركم بالنصوص التي تؤكد هذه القاعدة الإسلامية العظيمة: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، لأنني أعتقد أنكم على علم بذلك -كما أظن وأرجو- ولكن أريد في الواقع أن أبين لكم أمرين اثنين؛ لتتحققوا من معنى هذا الحديث الصحيح: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) فلا تقعون في إفراط ولا تفريط.
لأن بعض الناس لجهلهم بما سيأتي ذكره عن الشيخين يحدثون محدثات ويتمسكون بها؛ لأنها دخلت في نصوص عامة، وأناس آخرون ينكرون أموراً حدثت بحجة أنها حدثت، وهي ليست بالمحدثات من الأمور، هذا التفصيل الدقيق نحن جميعاً بحاجة إليه.
стр. 321
حكم المحدث الذي ليس له علاقة بالدين
يقول شيخ الإسلام ﵀ في كتابه السابق الذكر: إن ما يحدث بعد وفاة الرسول ﵊ ينظر إليه، فإن كان ما حدث ليس له علاقة بالدين فهو من الأمور المباحة، التي يجوز للمسلم أن يعمل بها بشرط واحد: ألا تخالف نصاً من كتاب أو سنة.
لأن شيخ الإسلام كجماهير العلماء الأعلام يذهبون إلى القاعدة المعروفة ألا وهي: الأصل في الأشياء الإباحة.
فكل ما يحدث من المحدثات مما ليس له علاقة بالدين -أي: بالعبادة- أي: لا يفعله المسلم ويقصد به زيادة التقرب إلى الله، هو من الأمور المباحة، إلا إذا خالف نصاً من كتاب أو سنة.
стр. 322
حكم المحدث الذي له علاقة بالدين
أما إذا كان هذا الذي حدث بعد الرسول ﵌ له علاقة بالدين، فينظر؛ فإن كان المقتضي للعمل بهذا المحدث قائماً في عهد الرسول ﵊، ثم هو لم يعمل به، ولاحض الناس عليه؛ فيكون العمل بهذا الأمر الحادث بدعة ضلالة، أي: إذا كان المقتضي لتشريع هذا الذي حدث بفعله ﵇، أو بقوله، ثم لم يشرع ذلك لا بفعله ولا بقوله، فالأخذ بهذا الأمر الحادث هو البدعة الضلالة، وهو الذي تنصب عليه الأحاديث التي تنهى عن الابتداع في الدين.
مثال ذلك: الأذان لصلاة العيد، والقول: بـ (الصلاة جامعة) بالنسبة لغير صلاة العيد، كصلاة الاستسقاء، ونحو ذلك، فالأذان لصلاة العيدين باتفاق علماء المسلمين لم يكن في عهد الرسول ﵊، فلو زين لعالم ما أن يعلن عن وقت صلاة العيد بالأذان، فهذا ما حكمه في الإسلام؟ على الرغم من أن الأذان ذكر لله ، وشعيرة من شعائر الإسلام؟ يقول شيخ الإسلام: الأذان لصلاة العيد يكون بدعة وضلالة؛ لأن كل بدعة ضلالة، ولأن هذا الأذان ذكر، وله صلة بصلاة العيد، وهي من أكبر العبادات، فإحداث هذا الأذان يكون بدعة ضلالة لا يجوز لمسلم أن يتقرب بها إلى الله -السبب- قال: لأن الرسول ﵊ كان يصلي العيدين، والمقتضي لإعلام الناس بهذا الأذان كان موجوداً في عهد الرسول ﵊؛ لأن الناس بحاجة إلى هذا الإعلام، فما دام أننا عرفنا أن الرسول ﵊ مع وجود المقتضي لتبني هذا الأذان لم يتبنه ولم يأمر به، كان الأصل إحداثه، والأخذ به بدعة ضلالة.
стр. 323
ما أحدث بعد الرسول بسبب تقصير المسلمين
أما إذا لم يكن المقتضي للأخذ بهذا الذي حدث في عهد الرسول ﷺ موجوداً، قال: حينئذٍ ننظر، إذا كان المقتضي الذي حدث بعد الرسول ﵊ واقتضى لإيجاد أمر جديد، لم يكن في عهد الرسول ﷺ ، ينظر إلى هذا المقتضي أهو أمر سببه من المسلمين أنفسهم؟ أي: تقصيرهم في تطبيق شريعة ربهم هو الذي اقتضى لهم أن يحدثوا شيئاً جديداً؛ لأنه يحقق لهم مصلحة شرعية، يقول ابن تيمية: فإذا كان هذا المقتضي للأخذ بهذا المحدث سببه تقصير المسلمين؛ فأيضاً لا يجوز الأخذ بهذا المحدث؛ لأن سبب حدوثه هو تقصير المسلمين، مثال ذلك: ما ابتلي به المسلمون اليوم من وضع نظم وقوانين لجباية الأموال ولتكثير مال بيت مال المسلمين هذا من حيث الهدف هدف جميل ومشروع؛ لأنه يقصد به ملء بيت مال المسلمين؛ ليتمكن الحاكم المسلم من القيام بما أوجب الله عليه من إصلاحات في البلاد المسلمة، لكن الأخذ بهذا التشريع الجديد، أو القانون الجديد، إذا كان ناشئاً -كما هو الغالب في كل البلاد الإسلامية اليوم بنسب متفاوتة إذا كان ناشئاً- عن أنهم لم يطبقوا نظام الإسلام في الزكاة والتركات ونحو ذلك، والذي بتطبيقه تتحقق الغاية التي رمى إليها هؤلاء الذين وضعوا هذه التشاريع الجديدة، فيقول شيخ الإسلام: إذا كان المقتضي للتشريع الجديد سببه تقصير المسلمين في تطبيق شريعة رب العالمين، ولو كان هذا التشريع يحقق مصلحة للمسلمين، فلا يجوز الأخذ بهذا الذي حدث؛ لأن الدافع لهم على ذلك هو تقصيرهم.
стр. 324
ما أحدث بعد الرسول وليس له علاقة بتقصير المسلمين
أما إذا كان هذا الذي حدث ليس له علاقة بتقصير المسلمين في القيام بواجبهم، وبشريعة ربهم، فحين ذاك ما دام هذا الحادث يحقق مصلحة إسلامية، فلا بأس من الأخذ به، ما دام أنه يحقق غرضاً مشروعاً، والمثال الآن لهذا النوع الثالث بين أيديكم: هو هذا المكبر للصوت، الذي يستعمل في الدروس والمواعظ وفي الأذان أيضاً، هذا لا يشك إنسان أبداً في أنه أمر حادث، لم يكن في عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهل نقول: إنه بدعة، ونطبق عليه النص المعروف: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) فنجتنب حينئذٍ استعمال هذه الوسيلة؛ لأنها حدثت بعد الرسول ﵊، أم لا؟ إنما نقول: صحيح أن هذه وسيلة محدثة، ولكن هي تساعد على تحقيق غرض شرعي ألا وهو تبليغ وتسميع الناس، دون أن نكون نحن مقصرين.
أضرب لكم مثلاً في التقصير، وهو قريب من هذا المثال ولكن معاكس له: بعض أئمة المساجد لو رفع صوته في المسجد المتوسط المساحة لأسمع كل أهل المسجد، فهو لا يرفع صوته، لماذا؟ لأنه يعتمد على المبلغ (المؤذن) الذي خلفه، فتبليغ المؤذن خلف هذا الإمام بدعة، علماً أن أبا بكر الصديق كان يبلغ وراء الرسول ﵊ في مرض موته ﷺ ، لكن ذلك التبليغ كان لحاجة، ولم يقصر الرسول ﵊؛ لأنه كان مريضاً، بينما قبل ذلك لم نعرف تبليغاً خلف الرسول ﷺ ؛ لأنه كان يسمع الناس، فإنما بلغ أبو بكر الصديق خلفه لأن الرسول لم يستطع أن يبلغ الناس ويسمعهم صوته.
стр. 325
حكم استعمال مكبر الصوت دون حاجة
ولا يجوز استعمال مكبر الصوت حينما لا يكون هناك حاجة له، كالمؤذن الذي يستعمل مكبر الصوت في القرية الصغيرة التي يكون سكانها -مثلاً- عشرة بيوت أو نحو ذلك؛ لأن الصوت الطبيعي يسمعهم، ولكن إذا كان الجمع غفيراً خاصة في مواسم الحج ونحو ذلك، فاستعمال هذه الآلة حينئذ أمر واجب؛ لأنه ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب، وليس من محدثات الأمور؛ لأن هذا الذي حدث نحن لا نريد أن نتقرب بذاته إلى الله، وإنما نريد أن نحقق هدفاً لا يمكننا أن نحققه بالأمور الطبيعية التي مكننا الله منها، منذ خلق البشر.
فاستعمال مكبر الصوت من الأمور المحدثات، ولكن لا يشملها: (وإياكم ومحدثات الأمور) لماذا؟ أولاً: لأنه لا يقصد به زيادة التقرب إلى الله.
ثانياً: لأن هذا السبب الذي حدث ليس بسبب تقصيرنا نحن، كما ضربنا مثلاً بتقصير الإمام في تبليغ صوته للمقتدين، ويعتمد في ذلك على مبلغ الصوت، أو مكبر الصوت.
هذه أمثلة حساسة ودقيقة تحفظ المسلم من أن يميل يميناً أو يساراً، وتحفظه من أن ينكر وسيلة حدثت ليس لها علاقة بزيادة التقرب إلى الله أولاً، ثم إن حدوثها ليس هو بسبب تقصيرنا نحن في القيام بما شرع الله لنا.
لكن في كثير من الأحيان لاستعمال هذا المكبر، ولتحقيق الغرض الشرعي وهو التسميع، كثيراً ما نضيع أموراً مشروعة، ففي هذه الحالة لا يجوز اتخاذ هذه الوسيلة، وهذا مما حدث اليوم وعم وطم جميع المساجد إلا ما شاء الله.
من المتفق عليه -في علمي- عند العلماء أن الأذان في داخل المسجد -أيضاً- من البدع غير المشروعة؛ لأن الأذان في عهد الرسول ﵊ لم يكن -حتى يوم الجمعة- إلا على ظهر المسجد، وفوق باب المسجد؛ ذلك لأن الله فارق بين الغاية من الأذان والغاية من الإقامة، فالمقصود بالأذان تبليغ الناس الذين هم خارج المسجد، والمقصود بالإقامة تبليغ من كان في المسجد ليقوم إلى الصلاة، ويصطف مع إخوانه المسلمين، فحينما نؤذن في المسجد تكون قد عكسنا السنة، وعكسنا في الوقت نفسه الغاية من الأذان، فالمقصود من الأذان هو: تبليغ من كان خارج المسجد.
قد يقول قائل: هذا المقصود حصل الآن بمكبر الصوت وهذا هو السبب حتى تتابع المسلمون في استعمال مكبر الصوت، وترك الشعيرة الإسلامية وهو الأذان على ظهر المسجد، أو ما يشبه ذلك من منارة متواضعة؛ لأنهم ظنوا أن الغرض فقط من الأذان هو التبليغ، وهذا التبليغ حصل بمكبر الصوت بصورة أوسع بكثير، لكننا نقول: إن الأذان عبادة وشعيرة إسلامية عظيمة، فلا بد على المؤذن من أمرين: أولاً: يجب أن يظهر بشخصه.
وثانياً: أن يتعاطى السنن المتعلقة بالأذان، كالالتفات عند قول: حي على الصلاة، وحي على الفلاح.
стр. 326
البدعة وأسئلة حولها [١]
إن شريعة الرحمن كاملة على التمام، ومن ادعى بأن الشريعة تحتاج إلى زيادة فقد اتهم محمداً بأنه قد خان الرسالة.
وفي هذه المادة يوضح الشيخ مفهوم البدعة والفرق بين البدعة الدينية والدنيوية، وحكم مشابهة الكفار في بعض الأمور الدنيوية.
стр. 327
إشكالات حول مفهوم البدعة
السؤال
هل يوجد في الشرع تصنيف للبدعة بأنها واجبة أو حسنة؟
الجواب
لطالما سمعتم ممن يذهبون إلى تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام، أن هناك بدعة واجبة، ويضربون على ذلك مثلاً بجمع القرآن الذي جمعه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، يقولون: هذه بدعة في الإسلام، ولكنها واجبة، نحن نقول: تسمية هذا الأمر العظيم بالبدعة، التي إنما أطلقت للذم، كما ذكرنا في الحديث السابق (كل بدعة ضلالة) أعتقد أنه من أسوأ الاستعمالات التي دخلت في أذهان بعض العلماء.
стр. 328
جمع أبي بكر للقرآن الكريم
نقول: جمع القرآن واجب وليس بدعة، وإن قالوا: إنها بدعة، فيجب أن يستعملوا هذا اللفظ بالمعنى اللغوي، ولا يقولون: البدعة في الشرع تنقسم إلى أقسام خمسة: منها البدعة الواجبة الفريضة.
فجمع القرآن كان من الصحابة لأسباب: منها ظاهر لكثير من الناس، ومنها ما يظهر لبعض المتدبرين للقرآن الأمر الأول الظاهر هو القاعدة المتفق عليها بين العلماء: (ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب) .
وأنتم تعرفون السبب الذي حمل الصحابة يومئذٍ على جمع القرآن؛ وهو مجيء من يخبرهم بأنه قد قتل في يوم واحد سبعون قارئاً من قراء الصحابة، فخشوا من أن يستحر القتل ويشتد في القرَّاء؛ فيذهب القرآن الذي كان محفوظاً في صدورهم بذهابهم وموتهم.
لذلك بادر أصحاب الرسول ﵊، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر إلى جمع القرآن، وهذا يؤكد هذه القاعدة المعروفة عند علماء الأصول: (ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب) .
فالمحافظة على القرآن أمر واجب، فإذا لم يبادروا إلى جمعه -كما فعلوا- يكونون عندها قد ساعدوا على إضاعة الواجب؛ فيكونون مسئولين، وهذا هو الأمر الظاهر، ولكن هناك أمر يظهر لبعض المتأملين في بعض نصوص القرآن الكريم، من ذلك قول رب العالمين في أول سورة البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] (ذلك الكتاب) فالله أشار في هذه الآية إلى أن هذا القرآن كتاب، وهو حينما كان مبعثراً في الصحف، والرقاع، والعظام، ونحو ذلك؛ لا يطلق عليه حين ذاك أنه كتاب، فهو أشار إلى أنه ينبغي أن يكون هذا القرآن محفوظاً ومسجلاً في كتاب، وهذا ما فعله الصحابة الكرام، فلا يصح أن يطلق على جمع القرآن أنه بدعة، وأنه أول بدعة ظهرت في الإسلام، فهذا خطأ فاحش وكبير جداً، وأنا أقرب لكم هذا بمثال لعله أوضح من هذا، أي: إنه أمر حدث بعد الرسول ﷺ ولكن لا يصح أن نسميه بدعة إطلاقاً؛ لأن حدوثه كان بإذن من الشارع الحكيم.
стр. 329
إخراج عمر لليهود من خيبر
تعلمون أنه جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أن النبي ﷺ لما فتح خيبر عنوة أعطاها لليهود على أن يعملوا فيها، فيكون لهم النصف وللرسول ﷺ النصف، واتفق هو وإياهم على أنه أقرهم فيها، قال: (نقركم فيها ما نشاء) هذا كان من شروط الاتفاق على أن يبقى اليهود في خيبر يعملون في نخيلها، وتوفي رسول الله ﷺ واليهود في خيبر، وجاء أبو بكر وتوفي واليهود في خيبر، وجاءت خلافة عمر، ومضى ما شاء الله من خلافته وهم في خيبر، ثم بدا لـ عمر أن يخرجهم فأخرجهم طرداً، وأذن لهم أن يأخذوا ما خف من حوائجهم، هذا الإخراج -كما ترون- وقع بعد الرسول ﷺ وبعد أبي بكر، فهل هذه بدعة في الدين؟
الجواب
لا.
لم؟ لسببين اثنين: ذكرت الأول منهما: وهو قوله ﵊: (نقركم فيها ما نشاء) ، فهذه المشيئة انتهت حينما رأى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أن يخرجهم.
والأمر الثاني: قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب) ، فإذاً عمر عندما أخرج اليهود من خيبر، إنما نفذ طرفاً من هذا الأمر النبوي: (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب) ، فالذي نفذ طرفاً من أمر الرسول أيكون قد أحدث في الدين؟ حاشا لله رب العالمين! ليس هناك إحداث، وإنما هو في الواقع شيء جديد، ما كان في عهد الرسول ﷺ ؛ ولكن هذا الذي جد له دليله من السنة، كما رأيتم في الحديث في صحيح البخاري، وفي الحديث الآخر: (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب) وكان هذا مما وصى به الرسول ﷺ أمته وهو في مرض موته.
إذاً: فإخراج عمر لليهود من جزيرة العرب لا يصح أن يقال: إنه بدعة، حتى ولو بعبارة بدعة حسنة، عند من يقول بتقسيم البدعة إلى خمسة أقسام؛ لأنه نفذ أمراً نبوياً، وهذا واجب وليس بدعة.
стр. 330
جمع الناس لصلاة التراويح في خلافة عمر
من هذا القبيل ما يكثر إيراده من القائلين بالتقسيم للبدعة إلى حسنة وسيئة: صلاة عمر بن الخطاب، أو أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب أن يصلي بالناس إماماً في صلاة التراويح، وقول عمر بن الخطاب في هذه المناسبة: [نعمت البدعة هذه] يحتجون -أيضاً- بهذه الحادثة على أن هناك في الإسلام بدعة حسنة، والجواب هو عين الجواب عن إخراج عمر لليهود من جزيرة العرب، فـ عمر لم يبتدع شيئاً في الإسلام إطلاقاً، وإنما نفذ أمراً قديماً.
كذلك لما صلى، أو أمر أُبي بن كعب أن يصلي بالناس إماماً، لم يأت بشيء جديد؛ لأن هذه الإمامة شرعها الرسول ﷺ بنفسه في الليالي الثلاث التي قرأتموها في صحيح البخاري، ثم ترك ذلك ﵊ لعلة: (إني خشيت أن تكتب عليكم) ، ثم زالت هذه العلة بوفاة الرسول ﷺ ، حيث أتم الله الدين، فلم يبق هناك مجال لتشريع أحكام جديدة، ومن أجل زوال العلة رجع عمر بن الخطاب فأحيا تلك السنة، لا سيما وهناك حديث من قوله ﵊، وهو رد على بعض الناس الذين يرون -على الرغم من زوال تلك العلة- أن صلاة التراويح في البيوت أفضل من صلاتها في المساجد، فهو خطأ وغفلة من هؤلاء عن شيئين اثنين: الشيء الأول: أن العلة زالت؛ ولذلك رجع عمر إلى إحياء هذه السنة.
والشيء الآخر: هو أنه جاء في سنن أبي داود حديث بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من صلى العشاء في رمضان وراء الإمام، ثم صلى خلفه صلاة القيام، كتب له قيام ليلة) ، فهذا تشريع من الرسول من قوله يحض المسلمين على أن يصلوا صلاة التراويح مع الإمام، فما الذي فعله عمر بن الخطاب؟ أحيا سنة فعليه، وسنة قولية، كل منهما يؤيد الأخرى، إذاً ما أحدث عمر بن الخطاب شيئاً في الدين، وإنما أحيا سنة من سنن سيد المرسلين.
لكن يرد السؤال التقليدي: إذاً لم قال عمر بن الخطاب: [نعمت البدعة هذه] ؟ نقول: عمر أطلق البدعة على هذا التجميع باعتبار ما كان الأمر عليه، ما بين ترك الرسول ﵊ لصلاة الجماعة في التراويح، وإحيائه هو إياها، فكانت هذه السنة متروكة، فهو سماها بدعة؛ لأنها حدثت بعد أن لم تكن في هذا الزمن المحصور؛ بهذا الاعتبار قال: [نعمت البدعة هذه] .
خلاصة القول: لا يجوز أن ننسب إلى الدين ما ليس منه إلا بدليل شرعي -كما سمعتم- بالنسبة لإخراج اليهود، وبالنسبة لتجميع عمر الناس على صلاة التراويح، ولا يجوز إنكار بعض المحدثات ما دام ليس سبب إحداثها هو تقصير منا، وفي الوقت نفسه هذا الذي حدث يؤيد حكماً شرعياً منصوصاً عليه، كمكبر الصوت.
إذا عرفنا هذين الأمرين نجونا من الإفراط والتفريط، الإفراط: هو إضاعة مثل هذه الوسيلة بحجة أنها محدثة، وهي ليست محدثة في الدين، ولا تعارض الدين، بل تؤيد غرضاً من أغراض الدين، وحكمة من حكم التشريع، ولا يجوز أن ندخل في الدين أشياء بقصد زيادة التقرب إلى الله، فهذه الزيادة ممنوعة؛ للأحاديث الكثيرة التي تعرفونها في الذم عن الابتداع في الدين، ومن أخطرها قول الرسول ﵊: (أبى الله أن يقبل من صاحب بدعة توبة) .
стр. 331
سبب تأخير إحياء سنة صلاة التراويح
السؤال
ما دام أن العلة انتفت بموت الرسول، فلم لم تحي هذه السنة في خلافة أبي بكر، أو في صدر خلافة عمر؟
الجواب
أقول لك: أولاً: هذا السؤال إيراده ليس له علاقة بالموضوع من حيث فهمه هل هو صواب أو خطأ، والجواب عليه كذلك لا علاقة له بالموضوع، لم؟ لأن الأهم من ذلك أن تعلم هل الذي صنعه عمر هو بدعة في الدين، أم إحياء لسنة من سنن الرسول ﵊؟ فإذا عرفنا بالأدلة السابقة وغيرها أنه لم يبتدع في الدين -وحاشاه- وإنما أحيا سنة من سنن الرسول ﵇، فما الذي يهمنا في أن نعرف السبب الذي من أجله لم يحي أبو بكر الصديق هذه السنة، والسبب الذي من أجله لم يحي عمر هذه السنة في أول خلافته، ما الذي يضرنا؟ كثير من العلم يكون الجهل به مثل العلم به -أي: من نافلة القول- ومع ذلك فأهل العلم يجيبون أن الذي منعهم هو اشتغال أبي بكر بحروب الردة، وأنه كان في ذهنه يحمل هماً كبيراً وخطيراً جداً، إذ كان يخشى أن يقضى على الإسلام من هؤلاء المرتدين، فهذا أمر خطير وخطير جداً أخذ كل تفكيره وكل اهتمامه فصرفه إلى رد هذه الضلالة الكبرى التي حدثت، ولم يعد عنده مجال ليفكر في أن يحيي هذه السنة.
بخلاف عمر بن الخطاب الذي بدأت الأمور تهدأ في خلافته، فأحيا هذه السنة، ومن هنا يظهر لك أنه ليس من المهم أن نعرف السبب -على أن هذا السبب ممكن أن يكون كذلك- المهم أن نعرف هل الذي فعله مشروع، أم ليس بمشروع؟ السائل: لم لم يفعل ذلك ثلاثة أيام كما فعل الرسول ﷺ ؟ الشيخ: هذا القول لا يصح؛ لأن الرسول فعل ثلاثة أيام لعلة، ونحن ذكرناها، فهناك -يا أخي! - فقه وقواعد أصولية، يقول أهل العلم: الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً.
ما معنى هذا؟ مثال يفهمه كل الناس: ما علة تحريم الخمر؟ الإسكار، فإذا ذهب الإسكار من الخمر لسبب ما كالتخلل مثلاً، تغير الحكم، كان خمراً محرماً؛ لأنه مسكر، فلما انقلب خلاً خرج عن كونه خمراً مسكراً فصار شيئاً آخر، والخل مباح كما هو معلوم لدينا جميعاً.
كيف اختلف هذا عن هذا؟ بوجود العلة، وزوال العلة، ما دامت العلة موجودة في الخمر وهي الإسكار؛ فهو حرام، وإذا زالت هذه العلة؛ خرجت من كونها حراماً وصارت حلالاً.
الدابة الميتة، إذا مرت عليها عوامل من العوامل التي خلقها الله في كونه، ومنها الشمس، والأمطار، والرياح، فانقلبت بهذه العوامل الإلهية- هذه الدابة الميتة- ملحاً، يصبح هذا الحيوان الذي كان أكله محرماً حلالاً، بعد أن انقلب إلى شيء آخر؛ إلى ملح.
ولذلك تقول بعض المذاهب: إن التحول من جملة الأشياء المطهرة، كالأرض -مثلاً- التي يقع فيها نجاسة إذا تبخر ما فيها من نجاسة وذهب طهرت الأرض.
كثير من المسائل من هذا القبيل تقوم على هذه الملاحظة، وهي وجود العلة أو زوالها، فالرسول ﷺ لما وحصبوا بابه وخرج مغضباً قال: (عمداً تركته، إنه لم يخف عليَّ مكانكم هذا، إني خشيت أن تكتب عليكم) إذاً هذه الخشية زالت بوفاة الرسول ﷺ ، ولم يبق هناك مجال للإتيان بأحكام جديدة، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: جئتك بالحديث القولي: (من صلى العشاء مع الإمام، ثم صلى قيام رمضان معه كتب له قيام ليلة) ما قال: في ثلاث ليالٍ، بل جعله شرعاً أبدياً إلى يوم القيامة، ولذلك ما دام أن العلة السابقة زالت، وما دام أن هذا الحديث موجود وهو صحيح كما قلت، فلا يجوز لنا أن نقول: إن عمر ابتدع في الدين، وشرع للناس، وأصبحت هذه الشريعة مستمرة إلى يوم القيامة، هذا من أفحش الأخطاء التي قد يبتلى بها بعض الناس؛ لأنه أولاً: يلزم تعطيل قول الرسول: (إني خشيت أن تكتب عليكم) ، بينما هذا تحته توجيه كريم: أنه إذا زالت الخشية بوفاتي فلا مانع أن ترجعوا إلى هذه الصلاة، بدليل: أن قصة إحياء عمر لهذه السنة قد جاء فيها: أن عمر بن الخطاب حسب عادته كان يطوف في المسجد، فيجد الناس يصلونها زرافات وأفراداً، جماعة هنا وجماعة هنا، إذاً هم يصلون جماعة، لكن جماعات متفرقة، وما صلوا في البيوت؛ لأنهم علموا أن أمر الرسول ﵊ بالصلاة في البيوت هو لهذه الخشية، فما دام أن الرسول ﵊ توفي، فقد زالت الخشية؛ لذلك كانوا يصلون في المسجد، ولكن ليس وراء إمام واحد، فلما جمعهم عمر بن الخطاب وراء إمام واحد؛ فهو إنما أحيا السنة التي بدأها الرسول ﷺ في تلك الليالي الثلاث، ولكن علل الترك بهذه الخشية، فلما زالت الخشية زال حكم الترك، وأكد ذلك بالحض على الصلاة وراء الإمام صلاة القيام، حتى يكتب لهذا الذي قام وراء الإمام كأنه قام الليل كله، فإذاً عمر لم يبتدع في الدين، وحاشاه أن يفعل ذلك، ثم هل هو يبتدع ولا أحد ينكر عليه، والناس يتابعونه حتى يومنا هذا؟ هذا أبعد ما يكون عن الصواب.
إذاً: لا يجوز أن نقول بأن تجميع عمر بن الخطاب المسلمين من الصحابة الكرام والتابعين على أبي بن كعب إحداث في الدين، ثم يسكت الصحابة، وأبي بن كعب معهم، ويأتمر بأمره، ويعتقد -كما قد يقال- أنه بدعة، ولا أحد يقول له أو يلفت نظره، هذا أمر مستحيل! لذلك الصواب القول: بأن التجميع في رمضان سنة تركها الرسول لعلة، والعلة زالت، وبزوال العلة يزول المعلول وهو حكم الترك، زال هذا بوفاة الرسول ﷺ .
والقول: بأن السنة فقط ثلاثة أيام، هذا لا يقوله عالم في الدنيا إطلاقاً، بمعنى أنه في كل رمضان يقوم الواحد ويصلي ثلاثة أيام في المسجد فقط، وبعد ذلك يصلي في البيت، هذا لا أحد يقوله.
السائل: لماذا -بارك الله فيك- عمر لم يصلِّ بالقوم، ولا صلى وراءهم، ولكنه استمع حديث رسول الله ﷺ : (من صلى مع الإمام صلاة العشاء، ثم أقام معه وصلى خلف الإمام صلاة القيام كتب له قيام ليلة) ، فـ عمر ﵁ أقام مع أبي بن كعب، ولا صلى بهم هو، وما جمع القوم إلا لما رآهم مختلفين، كما رأى رسول الله ﷺ الناس يجتمعون فخشي أن تفرض عليهم، فـ عمر رضي الله تعالى عنه لما رأى القوم قد اختلفوا في الصلاة فأناس يصلون هنا، وأناس يصلون هنا؛ جمعهم لهذه العلة ولكن لم يصل معهم، ولم يصل بهم، ما أتى أمر الرسول فصلى مع الإمام حتى يكتب له الأجر، ولم يصل بالقوم.
الشيخ: عمر لم يصلِّ؛ لأنه يتحسس أحوال المسلمين، ويفتش عن أمورهم، فما هو فيه أفضل من أن يشارك الناس في هذه الصلاة، المهم أن هذه الصلاة التي أحياها عمر ليست بدعة، ولا يجوز لمسلم أن يسميها بدعة، حتى لو أطلق عليها أنها بدعة حسنة، فكيف نقول بأن هذه بدعة ضلالة؟! وعمر بن الخطاب أمر بها والصحابة استجابوا لها، وعمل المسلمون بها حتى يومنا هذا، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] .
стр. 332
حكم الزيادة على إحدى عشرة ركعة في التراويح
السؤال
في هذه الأيام زادت الركعات التي تصلى عن صلاة الرسول التي صلاها وهي إحدى عشرة ركعة، ثم بعد ذلك لم يحسنون الصلاة فيها، فما حكم ذلك؟
الجواب
هذا خلاف السنة، فما لنا ولهذا؟ الرسول ﷺ ما زاد في رمضان عن إحدى عشرة ركعة، وعمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب أن يصلي بالناس إحدى عشرة ركعة، هذا ليس فيه كلام، فالسنة لا نحيد عنها، أما أن نقول: إن عمر ابتدع، وهذه بدعة ضلالة، بل أن نقول: ابتدع وهذه بدعة حسنة، هذا خطأ، ولكن (حنانيك بعض الشر أهون من بعض) الذي يقول: هذه بدعة حسنة، شره أقل ممن يقول: هذه بدعة ضلالة ابتدعها عمر بن الخطاب -حاشاه من هذا ومن هذا- وإنما هو أحيا سنة، فينطبق عليه قوله ﵊: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، دون أن ينقص من أجورهم شيء) هذا ينطبق تماماً على ما فعله عمر بن الخطاب، وهو الذي أردت أن ألفت النظر إليه؛ حتى لا نقع -كما قلنا- في الإفراط والتفريط.
стр. 333
التفريق بين البدعة في الدين، والبدعة في أمور الدنيا
ومن الإفراط مثلاً: أن بعض الناس ينكرون -ممن لم يعتادوا- الأكل بالملعقة؛ فهذه ليس لها علاقة بالدين، لماذا تنكر؟ رسول الله ﷺ ما أكل بالملعقة صحيح، ورسول الله ما ركب السيارة، ولا الطيارة إلخ، فهل يقول الإنسان: إن هذه بدعة؟ البدعة تكون في الدين، أما أن تأكل بالملعقة، أو تركب الطيارة ولا تركب الدابة، وما شابه ذلك، فهذه كلها من أمور الدنيا، وقد تساعدنا أيضاً -كما قلنا- مثل هذه الوسيلة على القيام ببعض الواجبات التي ربما لا نستطيع أن نقوم بها في هذا الزمان بدونها.
المهم يجب أن نفرق بين البدعة في الدين، والبدعة في الدنيا ونلخص هذا الموضوع الطويل بالآتي: البدعة تنقسم -أي: الشيء الذي حدث- إلى قسمين: إما أن يكون لها علاقة بالدين، أو يكون لها علاقة بالدنيا.
فإذا كان لها علاقة بالدين ويقصد بها زيادة التقرب إلى الله؛ فهذه بدعة ضلالة قولاً واحداً، وإذا كان لا يقصد بها زيادة التقرب إلى الله، وإنما تستعمل كوسيلة لتحقيق حكمة أو علة شرعها الله على لسان نبيه ﵊، فحينئذٍ ننظر: إن كان السبب المقتضي للأخذ بهذا الأمر الذي حدث كان قائماً في عهد الرسول ﵊، فالأخذ بهذا الأمر الذي حدث لا يجوز؛ لأنه لو كان جائزاً لأخذ به الرسول ﵊، ومثاله الأذان لصلاة العيدين، فيقال: يا أخي! سنؤذن من أجل الإعلام، فيقول: هذا كان موجوداً في عهد الرسول ﷺ ، فلماذا لم يستعمل هذه الوسيلة للإعلام؟ إذاً نحن نتبعه، ولا نحدث في الدين شيئاً، أما إذا كان المقتضي حدث -ولسنا نحن مسئولين عنه- وكان يساعد على تحقيق غرض شرعي، كهذا المكبر للصوت، فنحن لا نسميه بدعة شرعية، وإنما هو أمر جديد حدث، فما دام يحقق غرضاً شرعياً فهو مشروع، وقد يمكن أن يكون أكثر من مشروع، فالمسجلات هذه -مثلاً- إذا سجل فيها درس أو موعظة أو حديث أو تلاوة قرآن، فهي مشروعة؛ لأنها وسيلة، أما إذا سجل فيها أغاني أو ملاهي أو آلات طرب؛ فهي غير مشروعة؛ هذا لأنه من الأمور التي حدثت في الدنيا لا في الدين، هذا التفصيل يجب أن نتذكره دائماً؛ حتى لا نقع في إفراط ولا تفريط.
الإفراط أن نقول: هذه لم تكن في عهد الرسول فلا نفعل بها يا أخي! ليس لها علاقة بالدين، مثل السيارة، والطيارة.
والتفريط: أن تأتي وتحدث في الدين أشياء تريد أن تتقرب بها إلى الله ، فتنسب النقص وضعف الهمة في العبادة للسلف الصالح، الذين لم يحدثوا هذه المحدثات من الأمور الدينية.
وفي هذا القدر الكفاية والحمد لله رب العالمين.
стр. 334
إشكال حول مشابهة الكفار في أمور دنيوية يمكن الاستغناء عنها
السؤال
يا شيخ! إذا كان هذا الشيء فيه مشابهة لأعداء الله، والإنسان يستطيع تركه؟ الشيخ: في مثل أي شيء هذه المشابهة؟ السائل: مثل الأكل بالملعقة، فأستطيع أن آكل بيدي، وليس من حرج عليَّ لو تركت الملعقة.
الجواب
المشابهة في الأمور الدنيوية يجب أن يكون فيها دقة، أما الإطلاق فلا يجوز، أنا هذا الذي خشيته، أي: الآن إذا ركبنا السيارة فهناك مشابهة أو ليس هناك مشابهة؟ السائل: هناك مشابهة، ولكن هذه السيارة كأنها ضرورية.
الشيخ: فلو استعملت الدابة التي استعملها أبوك وجدك ستفي بالغرض، ولكن تتعطل مصالحك المادية.
السائل: هذا صحيح.
الشيخ: وهكذا يقال بالنسبة للملعقة.
السائل: الملعقة ما فيها ضرورة.
الشيخ: وأنا أقول لك إذا أردت الحقيقة في رأيي أن الأكل بالملعقة خير من الأكل باليد، أتدري لم؟ السائل: لم؟ الشيخ: مثل مكبر الصوت الآن، فأن تؤذن ومكبر الصوت على المنارة خير من أن تقتصر على صوتك فقط؛ لأنه يحقق الهدف -كما قلنا- أكثر، أما بالنسبة للأكل فأقول: أنت تعلم أن السنة أن تأكل فقط بثلاث أصابع، أليس كذلك؟ وأنا أشاهد كل الذين يأكلون على هذه الطريقة لا يطبقون السنة، لا سيما حينما يكون هناك مرقة فتجد ليس فقط أربع أصابع، إنما الكف كلها تلوثت، أين السنة في الأكل بخمس أصابع؟ هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: تلاحظ أن الوعاء الذي عليه الأرز -مثلاً- تجد حوله وعلى الأرض فتات من الأرز كثير وكثير جداً، بينما الذي يأكل بالمعلقة لا يقع منه إلا ما شذ وندر جداً، فالمحافظة على البركة والنعمة يساعد عليه الأكل بالملعقة أكثر من أن تأكل بيدك، لا سيما إذا خالفت السنة، لذلك نحن نقول: الأكل بالملعقة هو من أمور الدنيا.
стр. 335
الأجوبة الألبانية على الأسئلة الاسترالية
стр. 336
حكم صور التلفاز ولعب الأطفال المجسمة
السؤال
هل قوله ﷺ : (إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة ولا تمثال) يشمل صور التلفزيون أيضاً ولعب الأطفال الصغار؟
الجواب
لا نشك في ذلك إذا كانت لعبة التلفاز مثبتة، فمن الممكن -مثلاً- أن يكون هناك أمور أو حشد أو ما شابه ذلك نراها بواسطة التلفاز، لكن أن تصور هذه المناظر وتحفظ في شريط ثم تعرض، فلا فرق بين هذه الصور والصور الفوتوغرافية ونحوها؛ لأن كل ذلك يسمى لغة وعرفاً: صورة، وحينذاك تدخل هذه الصور بكل أنواع وسائلها المحدثة في عموم قوله ﵊ فيما يتعلق بالمصورين: (كل مصور في النار) ، وعموم قوله ﵊ فيما يتعلق بالصور ذاتها: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة أو كلب) فهذا العام الأول، والعام الآخر يشمل كل المصورين مهما كانت وسائل تصويرهم، وكل الصور بأي وسيلة صورت هذا من حيث النقد.
أما من حيث النظر فكلكم يعلم -إن شاء الله- بأن الشارع الحكيم إذا حرم شيئاً فلحكمة بالغة، قد تظهر هذه الحكمة لبعضهم، وقد تخفى على الكثيرين، ومن المعلوم عند أهل العلم أن الله حينما حرم التصوير واقتناء الصور، أنه حرم ذلك لحكمتين بالغتين ظاهرتين: الحكمة الأولى: من باب سد الذريعة بين الناس وبين أن يقعوا في الشرك، كما وقع لقوم نوح ﵇، الذين ذكرت قصتهم في السورة المسماة باسمه، وحكى ربنا عنهم أن موقفهم كان تجاه أمر نوح ﵇ إياهم أن يعبدوا الله وحده حيث تناصحوا بينهم فقالوا: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح:٢٣] وقد جاء في تفسير الآية في صحيح البخاري، وفي تفسير ابن جرير، وتفسير ابن كثير، وغيرها من المصادر السلفية: أن سبب وقوع قوم نوح ﵇ في الشرك وعبادة غير الله ، إنما هو بدء تعظيمهم لصالحيهم تعظيماً مخالفاً للشرع.
تقول هذه الرواية التي ذكرنا آنفاً بعض مصادرها: أن هؤلاء الخمسة الذين ذكروا في الآية السابقة كانوا عباداً لله صالحين، فلما ماتوا أوحى الشيطان إليهم أن يجعلوا قبورهم في أفنية دورهم.
وهؤلاء كانوا خمسة من عباد الله الصالحين، فأوحى الشيطان إلى قومهم: أن ادفنوهم في أفنية دوركم، ولا تدفنوهم في المقابر التي يدفن فيها عامة الناس؛ حتى تتذكروهم، ومن هنا بدأت فكرة نصب التماثيل في الساحات العامة، التي بدأت تنتشر مع الأسف في بعض بلاد الإسلام في هذا الزمان.
فاستجابوا لوحي الشيطان، ودفنوهم في أفنية دورهم، فتركهم الشيطان برهة من الزمان إلى أن جاء جيل ثان، فوجدوا آباءهم يترددون على هذه القبور بقصد الزيارة، أو ما يسمى اليوم عند بعض دراويش المسلمين بـ: (التبرك) فأوحى إليهم الشيطان أن هذه القبور بقاؤها في هذا المكان قد يعرضها للعواصف والسيول، فتجرفها وتذهب آثارها، وهؤلاء أناس صالحون كما تعلمون، فيجب أن تبقى آثارهم أبد الدهر، إذاً ماذا نصنع؟ قال: انحتوا لهم أصناماً (تماثيل) فاستجابوا ووضعوها في مكان، وأخذ الجيل يتردد على هذا المكان، ثم جاء جيل ثالث، فأوحى إليهم الشيطان أخيراً أنه لا يليق بهؤلاء إلا أن يوضعوا في أماكن رفيعات تليق بصلاحهم ومكانتهم وهكذا بدأت عبادة الأصنام من دون الله من طريق التماثيل، فكان من حكمة الله أن حرم التصاوير، سواء ما كان لها ظل أو ليس لها ظل، هذه الحكمة الأولى الظاهرة من قصة قوم نوح مع نوح ﵇.
الحكمة الثانية: وهي أقوى من حيث الرواية، ألا وهي: المضاهاة لخلق الله ، حيث جاء في صحيح البخاري: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رجع من سفر وأراد الدخول على عائشة وجد هناك ستارة وعليها تماثيل، فلم يدخل ووقف خارج الغرفة، فسارعت إليه السيدة عائشة وقالت: (يا رسول الله! إن كنت أذنبت فإني أستغفر الله، قال: ما هذا القيدام؟ قالت: قيدام اشتريته لك -تعني: أتزين به من أجلك- قال ﵊: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة هؤلاء المصورون الذين يضاهون بخلق الله) .
فإذاً: التصوير من أسباب تحريمه: أن المصور يضاهي خلق الله ، وهنا لابد من وقفة يسيرة لرد شبهة عصرية، ألا وهي: زعم كثير من المتفقهة -ولا أقول: من الفقهاء- في هذا الزمان أن الذي يصور بالآلة الفوتوغرافية -الكاميرا مثلاً أو الفيديو- هذا ليس مضاهياً لخلق الله، بل هو يتعاطى الأسباب الكونية التي خلقها الله وذللها للإنسان فتكون هذه الصورة، حتى أغرق بعضهم في الخيال والإبطال في الكلام أن قال: إن هذا الذي يصور بالكاميرا هو لا يصور، وإنما المصور هو الله الذي حبس الظل.
فهذه مكابرة عجيبة جداً لا تخفى على كل ذي بصيرة؛ ذلك لأن المسألة مسألة تصوير، ولو غضضنا النظر عن الجهود التي بذلت في صنع هذا الجهاز، بحيث أنه لا يحتاج إلى قلم، وريشة، ودهان إلخ بما كانوا قديماً يستخدمونه من أجل التصوير، وإنما إلى (كبسة) وضغط على زر! فأقول: سبحان الله! هذه مكابرة عجيبة جداً! فأقول: فإنه لو ترك هذا الجهاز المسمى بالكاميرا هكذا سنين لم يصور شيئاً، فلابد -أولاً- من توجيه الجهاز إلى الهدف المقصود تصويره، ثم لابد من الضغط على الزر، فكيف يقال: إن هذا ما صور؟! هذه مكابرة عجيبة وعجيبة جداً! لكن الشاهد: أنهم يقولون: إن هذه الوسائل الحديثة ليس فيها مضاهاة، والواقع أن المضاهاة بخلق الله بالتصوير بهذه الأجهزة أدق من التصوير كما كان قديماً سواء بالريشة أو بالنحت، فإذا كان من المتفق عليه بين العلماء قديماً وحديثاً أن الصور المجسمة -أي: الأصنام- هي محرمة لا لشيء إلا لأنها مجسمة ولها ظل، ولكنها هل تضاهي خلق الله من كل الجوانب؟ الأمر واضح جداً؛ ذلك لأن هذا الصنم عبارة عن قطعة حجر، فهو في الظاهر يمثل إنساناً من خلق الله ، لكن في الباطن ليس هناك شيء مما يوجد في باطن الإنسان الذي خلقه الله وسواه وعدله.
إذاًَ: التشبيه هو المضاهاة فيما يظهر من الصور؛ سواء كانت مجسمة، أو كانت على الستارة، أو على الجدار، أو على الورق.
ومن هنا يبدو لنا أننا نعيش في بعض ما نسمع من أحكام العصر الحاضر على نمط المذهب الظاهري، مذهب ابن حزم الظاهري الذي يضرب به المثل في غلوه وتمسكه بظواهر النصوص، وهذا كما يقال: يضحك الثكلى.
ونحن الآن في هذا العصر نقع في مثل هذه الظاهرية القديمة، فنحن نعيش ظاهرية عصرية، لماذا؟ لأن الصنم هو المحرم فقط، أما التصوير الذي يتحرك -أي: الفيديو- وتراه كأنه إنسان حي فهذا ليس فيه مضاهاة لخلق الله!! أما هذا الحجر الأصم الذي لا تسمع منه صوتاً، ولا ترى منه حركة شفوية ونحو ذلك، ولا رمش العين ولا فهذا فيه مضاهاة لخلق الله!! هذه ظاهرية من أغرق في التمسك بظاهرية ابن حزم، الذي وصل به الأمر أن يقول في حديث الرسول ﵊: (نهى رسول الله ﷺ عن البول في الماء الراكد) ظاهر هذا اللفظ العربي كما يقول ابن حزم: نهى عن البول في الماء الراكد، لكنه إذا بال في إناء فارغ، ثم أراق هذا البول من هذا الإناء في الماء الراكد ما بال في الماء الراكد، إذاً هذا يجوز، سبحان الله! مع فضله وعلمه وهو رجل فاضل حقيقة، لكن سبحان الله! أبى الله العصمة إلا لأنبيائه ورسله، وله من هذه نماذج أخرى، مثلاً: الرسول ﵊ يقول في البكر إذا ما استؤذنت في الزواج: (وإذنها صماتها) هذا في منتهى اللطف من الشارع الحكيم ببنات الخدور، والأبكار كن في الزمن الماضي في الخدور يتصنعن الحياء وإلى آخره.
أما اليوم فيسأل الوالد ابنته: فلان يريدك؟ فتقول: لا أريده، بل أريد كذا، وأريد كذا إلخ، بالصراحة.
فربنا أوحى إلى نبيه ﷺ أنه ينبغي الاكتفاء في استئذان البكر لأنها خجولة حيية أن تصمت.
وماذا فهم ابن حزم من هذا الحديث؟ قال: (إذنها صماتها) فإذا قالت: رضيت، فلا ينعقد، فيجب أن تصمت ظاهرية!! لا يلاحظ الغرض والهدف من هذا التشريع وذاك التشريع النهي عن البول في الماء الراكد واضح؛ وهو المحافظة على هذا الماء الراكد، وما هو الفرق بين أن تصب البول مباشرة أو بالإناء؟ عندنا نهر يسمى نهر عليق في دمشق، القاذورات كلها تنصب إليه، فإذا وصل هذا الماء النجس إلى بحيرة ماء صاف من ماء السماء، سواء صب عليه مباشرة أو بهذه الواسطة، ليس هناك فرق.
الخلاصة: نحن الآن نعيش هذه الظاهرية العصرية، نحت الصنم بـ (الإزميل) ليالي وأياماً هذا حرام! قلت لأحدهم واحتج بأن التصوير بالكاميرا جائز؛ لأن هذه الوسيلة ما كانت موجودة، ثم إن هذا ليس كالتصوير السابق الذي كان، قلت: وماذا تقول في المعامل الضخمة اليوم التي تضغط فيها على زر فتشتغل آلات دقيقة جداً، تُخرج عشرات بل مئات الأصنام الجامدة، هل يجوز هذا؟ قال: لا يجوز.
قلت: لكن هذه كهذه، هذه وسيلة ما كانت والصنم وجد بهذه الوسيلة، كذلك هذه الصورة وجدت بوسيلة، فالعبرة ليست بالوسيلة بل العبرة بالغاية، ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب، وما يقوم الحرام به فهو حرام، هذه قواعد، فإذاً وجد الصنم نحتاً بـ (الإزميل) أو سعياً إلى إبداع آلة تخرج في لحظات تلك الأصنام فالنتيجة واحدة، كنتيجة صب البول في الماء الراكد مباشرة، أو بالواسطة الأخرى.
إذاً: كل هذه الصور التي اختلفت وسائلها عن الوسائل المعروفة قديماً فهي اسمها صور، فيشملها حديث: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة) ، والذين يصنعون هذه الصور بهذه الأجهزة هم مصورون، وكلهم في النار كما قال ﵊: (كل مصور في النار) وقال: (لعن الله المصورين يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) .
وإذا عرفنا هذه الحقيقة عرفنا أن صور الفيديو على البيا
стр. 337
حكم شركات التأمين
السؤال
عندنا قائدو السيارات عندهم تأمين اضطراري، فلا يقودون السيارة إلا به، وهو التأمين على حياة الآخرين، والآن عندنا تأمين آخر، وهو التأمين ضد الغير، فلو حدث حادث سيارة، وتضرر آخرون كأن يصاب أحدهم بعاهة فلا يستطيع أن يعمل؛ فأنت ملزم بأن تكفله وتكفل معاشه طيلة حياتك طالما أنك أقعدته، وإذا تضررت سيارته فعليك أن تصلحها.
الشيخ: من هو الكفيل؟ الشركة أم صاحب السيارة؟ السائل: صاحب السيارة هو الذي سيتكفل بهذا.
الشيخ: كيف يتكفل؟ السائل: إذا لم يؤمن عند شركة التأمين، أما التأمين الآخر الذي هو ضد الغير، كأن يحدث حادث سيارة، فإذا مات الرجل تدفع الدولة عنك؛ لأنك مؤمن، أما إذا انكسر منه عضو، أو تضررت سيارته فأنت ملزم بذلك.
فهل هنا يصح التأمين؟
الجواب
التأمين لا يجوز على أي وجه، والصورة الأخيرة هي أقرب إلى الشرع كقتل الخطأ، مثلاً: واحد صدم شخصاً في الطريق، وكان هو المخطئ، فهو ضامن شرعاً، فهذا أولى من المشاركة في التأمين الذي هو عين المقامرة، أما ما اضطر إليه فعرف الحكم من السابق.
السائل: هذا نحن مضطرون إليه وحسبنا الله فيهم، أما الآخر فهل يجوز؟ الشيخ: لا يجوز.
стр. 338
حكم خلع المرأة ملابسها في محلات الملابس
السؤال
بالنسبة لخلع المرأة ملابسها في محل البيع والشراء، هل ينطبق عليها حديث النبي ﷺ : (أيما امرأة نزعت ثيابها.
الحديث) ؟
الجواب
أولاً: أنا أفهم من هذا الحديث بخلع الثياب كلياً، أي: أن تتعرى.
السائل: وهذا لا يحصل في المحل، وإنما خاص بالحمام.
الشيخ: لا تقاطعني، أنا لم أنته بعد، أنا قلت: أولاً، وأولاً تعني أن بعدها ثانياً، وقد تعني أن بعدها ثالثاً والله أعلم.
أولاً: الحديث ينصب على المرأة التي تتجرد عن ثيابها كلياً، ولذلك استدل به على تحريم دخول المرأة الحمام خارج دارها، مع ذلك أنا أقول: إذا اضطرت المرأة لأن تستحم في دار غير دار أهلها وذويها ومحارمها، حينذاك ينبغي النظر في تأمين سد الذريعة؛ لأن هذا الحكم ليس تعبدياً محضاً، لا تعرف الحكمة أو العلة في نهي الرسول ﵇ أن المرأة تتعرى، بل هذا معقول المعنى؛ لأن ذلك قد يعرضها لأن تفتن في عرضها، فإذا كان هناك محرم يصونها فيما إذا أريد أن يعتدى عليها؛ فحينئذٍ يزول المنع، فإذا وجد مثل هذا المانع ولو بطريق غير المحرم، كأن تكون -مثلاً- في دار هي على يقين أنه ليس فيها رجال؛ فيجوز لها أن تستحم بعد أن تأخذ -أيضاً- الحيطة بأن لا أحد حتى من النساء يطلع على عورتها إذا عرفنا النص وفقهه يمكننا الآن أن نتوصل إلى الإجابة عن السؤال مباشرة.
فأقول: هذه الغرف التي تتخذ في أماكن التجارة للألبسة، إذا كانت أولاً: ليس فيها عيون تتجسس وتراقب من يدخل في هذه الغرفة من النساء، فإننا نسمع أن هناك بعض الصالات التي تتخذ في بعض الفنادق الكبيرة والضخمة لإقامة حفلات الزواج والبناء، فيها كاميرات توضع في بعض الزوايا بحيث لا ينتبه لها الجالسون في تلك الصالة، لكنها تصور، ومن كان في الصالة لا يشعر وهم يقولون: لا يوجد أحد.
لكن هناك آحاد وعيون لا تُرى ولكنها ترى، فيشترط أن تكون هذه الغرف مؤمنة ولا يوجد فيها مثل هذه العيون المراقبة.
وثانياً: يكون مع هذه المرأة ولو خارج الغرفة من محارمها أو من صديقاتها، بحيث أنها تأمن على نفسها ألا يطرأ عليها طارئ، وبهذه التحفظات يمكن أن يقال بجواز دخول المرأة المسلمة وقياس الثوب الذي تريد أن تشتريه.
لكني أقول: لا أرى للمرأة المسلمة أن تهتم بنوعية لباسها، بحيث أنه لا يمكن أن ترضى به إلا بعد أن تلبسه كتجربة؛ لأنني أفهم أن المقصود من هذا كله أن تكون الثياب ضيقة عليها وألا تكون فضفاضة، وهذا معاكسة لحكم الشرع، حيث يشترط في ثيابها ألا تكون شفافة، وألا تكون مجسمة أيضاً، ولذلك فأنا أتصور أن مجرد الدخول في مثل هذه الغرفة مع كل التحفظات التي اشترطناها لا تخلو من مخالفٍ للشرع.
مداخلة: عفواً يا شيخنا! مصداقاً لما قلتم بارك الله فيك، في عمَّان رجل أتى بأهله لكي يبني بها في فندق، فصورت ليلة الدخلة تصويراً كاملاً، وافتضح الأمر، وتم إغلاق الفندق على إثر هذه الحادثة، فكان يوزع هذا الشريط بمئات الدنانير.
الشيخ: هذا في بلاد الإسلام فما بالك في بلاد الكفر والطغيان؟!! السائل: يا شيخ! كنت أبحث في هذه المسألة بصفتي بائع ملابس، فيفهم من كلامك أنك ذكرت أن يكون المحل ثقة، وأن يكون المحرم موجوداً، لكن في أستراليا لا تتوفر مثل هذه الثقة من حيث التجار؛ لأن أكثرهم كفار.
السائل: يا شيخ! بعض المتاجر فيها كاميرات التصوير لمراقبة الزبائن، وتوضع الكاميرات كذلك في غرف القياس، حتى لا يسرق الزبون الملابس ويلبسها تحت ملابسه التي دخل بها.
стр. 339
حكم صلاة المرأة بثياب بيتها وحكم ستر قدميها في الصلاة
السؤال
هل تصلي المرأة المسلمة بما تلبسه من ثياب ساترة داخل بيتها، أم لابد من جلباب فوقها؟ وهل يشترط لها أن تستر قدميها في الصلاة؟
الجواب
أما ستر القدمين في الصلاة فهذا لابد منه؛ لأن القدمين من عورة المرأة كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
أما هل يجوز للمرأة أن تصلي بثياب بيتها؟ الجواب: يبدو أنه ليس من ثياب بيتها ما تكون ساترة لقدميها، فإذاً الجواب واضح: أنه لا يجوز، ولهذا جاء في بعض الآثار السلفية: أن المرأة إذا قامت تصلي فيجب أن يكون عليها قميص سابغ يستر ظاهر قدميها، إلا إذا افترضنا امرأة -وهذا في الخيال- تعيش في عقر دارها متحجبة متجلببة بجلبابها كما لو كانت تعيش بين الأجانب، قد يكون هناك امرأة في لباسها في بيتها شيء من التحجيم، فإذا صلت وهي فعلاً ساترة لعورتها، ولكنها من جهة أخرى محجمة لعورتها وهذا مخالف لشريعة ربها، ولذلك فلا بد للمرأة أن تتخذ إزاراً أو قميصاً طويلاً تلبسه، ولو كانت حافية القدمين فيكفيها أن تستر ظهور قدميها بهذا الثوب السابغ.
стр. 340
لمحة عن لقاء الشيخ الألباني بعبد الله الحبشي وتقويمه له
السؤال
الإخوة في أستراليا يسمعون أن عبد الله الحبشي قابلك، وقد تحدثنا سابقاً عن هذا، فالإخوة يريدون لمحة بسيطة للقائك مع عبد الله الحبشي وتقويمك له.
الجواب
أولاً: كان لقاؤه معي وليس لقائي معه.
السائل نفسه: نعتذر عن التعبير.
الجواب: لا داعي لذلك، وإنما هذا تفصيل لبيان الواقعة على حقيقتها، فهذا رجل ما كنت أعرفه حينما فاجأني بزيارته، وكنت ألقي يومئذ درساً أسبوعياً في دار بعض إخواني، ولما جاءني هو ومعه طالبان من طلاب الفقه الحنفي، وليس من الغيبة في شيء أن أسميهما لكم وللتأريخ: أحدهما: شعيب الأرناؤوط والآخر عبد القادر أرناؤوط، وكانا يومئذ من أعداء الدعوة السلفية التي استمررنا في الدعوة إليها في سوريا كلها، وبخاصة في دمشق سنين عديدة طويلة، ففوجئت بمجيء الشيخ عبد الله الحبشي ومعه هذان الطالبان، وجلس يستمع، وبحكمة الله كان بحثي يومئذ فيما يتعلق بالعقيدة والأسماء والصفات، وبخاصة في صفة علو الله على خلقه، فجلس هو مستمعاً لا يحرك ساكناً.
وبعد الانتهاء قدَّم إليَّ أحد المذكورين وريقة يقول فيها: إن الشيخ يدعوك للمناظرة، وأنا أشك الآن إما أنه ذكر موضوعين أو أحدهما، فالموضوعان في قولي وفي محاضراتي وفي مجالسي وكتاباتي، في قول النبي ﷺ : (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) ، حيث إن الشيخ يقول بأن هناك بدعة حسنة.
والمسألة الثانية: البحث في إنكار التوسل بغير الله بالذوات، والأشخاص، والجاهات، ونحو ذلك.
لما قرأت عجبت من هذا الطلب العجيب الغريب، ومن شخص لم يسبق له ولا لي أن التقينا معاً! فبدأت الكلام مع الشيخ، وقلت: يا شيخ! أنت الآن تطلب اللقاء لعله فاتني أن أذكر أن من حماقة السؤال أنه طلب مني أن يكون اللقاء في المسجد الأموي الكبير وبعد صلاة الجمعة على مشهد من الناس.
قلت له: أنت ما سبق أن التقيت معي وبحثت معي وعرفت رأيي في هاتين المسألتين أو في غيرهما، فكيف تريد أن نلتقي مباشرة في المسجد الكبير، وعلى مشهد غفير من الناس، وقد يثير هذا فتنة بين الناس، فقد يتعصب بعضهم لك وبعضهم لي وتقع الفتنة، أليس من المشروع والمعقول أن نلتقي مع بعض ونبحث ما تريد؟ فإن اختلفنا ولم نجد بداً من أن نلتقي في مثل ذلك المشهد يومئذٍ يمكن أن يقدم مثل هذا الاقتراح، لكن هذا الاقتراح في ظني شرعاً وعقلاً أنه سابق لأوانه.
فأجاب بالإيجاب، الأمر الذي أشعرني بأن هذا الاقتراح لم يكن منه فعلاً؛ لأن الرجل غريب عن البلد، كيف يتجرأ هذه الجرأة وأنا ابن البلد أولاً، ولكن هؤلاء الذين كانوا معه هم الذين أوحوا إليه بهذا لإشعال فتيل الفتنة كما يقال.
المهم أن الرجل وافق، وفعلاً بدأنا نضع شروط المناضرة، ونحن نضع هذه الشروط: أولاً: أن تكون كتابياً، ونوقع كل شيء نجيب من السائل والمجيب، وقد وافق.
بعد الانتهاء اقترحت أن يكون البحث في بعض الأصول التي تتعلق بها بعض الفروع، كالمسألتين المشار إليهما آنفاً، أيضاً وافق.
وإذا بأحد الرجلين اللذين كانا معه وظني أنه شعيب قال: هل هناك مانع أن أكون حاضراً؟ قلت: أنا من جهتي ما عندي مانع لكن اسألوا الشيخ، والشيخ ليس عنده مانع.
قام أحد إخواننا المعروفين بذكائهم ورفع إصبعه يقول لي: أيمكن أن أكون حاضراً؟ قلت: أنا ليس عندي مانع إذا الشيخ ليس عنده مانع، فوافق الشيخ.
فقام نفس الطالب وقال: ما رأيك أنا ظروفي لا تساعدني، أفيكون بديلي فلان؟ وأشار إلى أخ لي اسمه منير عبد الله توفي ﵀؛ لأنه أقوى منه علماً، فقلت: أنا أيضاً ليس عندي مانع، وعلى ذلك اتفقنا.
وبدأت الجلسات تعقد في داري هناك في دمشق في منطقة اسمها الديوانية، وحضر الشيخ الجلسة والجلستين والثلاث ما عدت أذكر العدد، وفعلاً السؤال يكتب ويوقع والجواب كذلك.
إلى آخره، وإذا به انقطع عن النظام المتبع، كان هو من قبل يتردد على المكتبة الظاهرية التي أنا أعتبر ابنها البار، فبعدما اتفقنا لم أعد أراه، وإذا بي أراه في النهار الذي تلا الليلة التي لم يحضرها، وإذا به في المكتبة، فقلت: خيراً إن شاء الله أنت ما جئتنا أمس، قال: آتيك اليوم في الدرس -هو آخذ مع برنامج الدرس تبعي في كل ليلة معينة- قلت له: لكن ما هكذا اتفقنا، اتفقنا أن نستمر في وضع القواعد ثم التفريع عليها.
لم يأبه لكلامي وفعلاً حضر الدرس، وبعد الدرس بدأ يناقش، ومن القواعد التي أردت أن أؤسسها لدفع باطل من أباطيلهم: هم يحتجون بالإجماع، فأنا بدأت معه البحث في تعريف الإجماع الذي هو فعلاً حجة، فوصلنا إلى أن نقول: الإجماع هو إجماع علماء أمة محمد ﵊ في عصرٍ من العصور، وليس إجماع الأمة؛ لأنه بهذا ممكن أن يقال لك: يا أخي! لقد أجمع المسلمون مثلاً على الزيادة على الأذان قبل وبعد، فهذا ليس إجماعاً إلخ.
فهو في الجلسة أثار هذا الموضوع وقال: أنت قلت كذا، قلت له: لا.
أنا ما قلت كذا، وبدأ النقاش بطريقة غير مرضية لا عقلاً ولا شرعاً، فقلت له: يا شيخ! نحن اتفقنا على الكتابة لماذا؟ حتى لا يقال: قلت، لا ما قلت، هذا كتابنا ينطق بالحق، أين الكتابة التي أنا كتبتها جواباً عن هذا السؤال؟ قال: ليس معي، قلت: لماذا أتيت بدونه؟ ولماذا التقينا؟ والخلاصة: أن الجلسة هذه لم نحصل منها على نتيجة؛ لأن الرجل أتى يناقش بناء على ما في ذهنه وليس بناء على ما اتفقنا عليه.
وهذا كل ما وقع لي من اللقاء معه في جلستين فقط.
ثم بعد ذلك بدأ ينشر رداً في مجلة التمدن الإسلامي، وبدأت أنا أرد عليه، وكان من ذلك رسالة ربما رأيتموها: ردة عقيب الحثيث، وقد نشرت في مجلة التمدن الإسلامي مقالات متتابعة، ثم بعد ذلك فصلناها في رسالة، وكنت بدأت منذ سنتين أو ثلاث بإعادة النظر فيها وإضافة فوائد جديدة عليها، ثم سبحان الله! صرفتني الصوارف العلمية الكثيرة؛ لأني كان في عزمي أن أعيد نشرها، خاصة بعد أن وجد له بعض التلامذة الذين لا علم عندهم وإنما هم يتلقفون كل ما يقوله الشيخ، ويبدو أن نشاطه في لبنان واسع.
فنعود أخيراً بناءً على هذا السؤال ونقول: إن أتباعه مضلَّلون منه، ولذلك فأنا أنصح استعمال الصبر والأناة وطول البال في مناقشة الأتباع بالحكمة والموعظة الحسنة.
أنا أخشى ما أخشاه أن يكون الرجل غير مخلص، وأن يكون مدسوساً من جهة أخرى الله أعلم بها؛ لأننا نعلم في التاريخ الإسلامي أن الرءوس إما أصحاب أهواء عن قصد، أو غير قصد أما الأتباع فمضلَّلون، وكثير منهم إذا تبينت لهم الحقيقة عادوا إليها وتمسكوا بها، ولذلك فلا أرى مقاطعتهم ومدابرتهم، وإنما الصبر عليهم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، هذا لمن كان على وذا صدرٍ واسع؛ ليتمكن من نقل الكلمة الطيبة إليهم، وما أدري كيف الوضع عندكم هناك؟ السائل: يا شيخ! الحقيقة أنهم يكذبون كثيراً، فلذلك ليس فقط شيخهم يشكك فيه، بل حتى قادتهم الذين بعثوهم -أيضاً- على مثيلتهم، يذهب يناقشك ويقول: والله أنا ذهبت لاستتابة الشيخ فتاب على يدي، وهذا قالوه عني شخصياً، مع أنه خرج من عندي بأسوأ حال، وبعضهم أقسم بالله أنهم يفسقون معاوية عليه الرضوان، فأقسم أحدهم بالله أن هذا ليس صحيحاً، وأنه لو اكتشف ذلك لخرج منهم في الحال، وبعد أسبوع حدثت مناظرة في سدني وهو كان يقرأ لشيخهم، وقال: هذا صحيح، وهو تأكيد لحديث النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق) فهو سب علياً فهو فاسق.
السائل: وهم سيخرجون كتاباً بكفر الوهابية والهجوم عليهم، فنحن نريد حكم الشرع فيهم الحكم النهائي.
الشيخ: نحن لا نعطي حكماً نهائياً بالنسبة لكل الفرق الضالة، الحكم النهائي أنها فرق ضالة، أما أن نعطي حكماً نهائياً في كل فرد من أفراد الفرق الضالة، فهذا جنف وبغي وظلم وعدوان لا يجوز، عندنا مثلاً الشيعة ومن يقال فيهم الرافضة، كثير من علمائهم لا نشك في كفرهم وضلالهم كـ الخميني مثلاً؛ لأنه أعلن كفره في رسالته الحكومة الإسلامية.
لكن لا نستطيع أن ندين كل فرد من أفراد الشيعة أنه يتبنى هذه العقيدة، فيمكن أن يكونوا على الفطرة.
مثلاً بالنسبة لمن يسمون بـ أهل السنة والجماعة الذين يتعبدون ربنا على المذاهب الأربعة، كثير من عامة المسلمين لا يدينون بفلسفة الأشاعرة الذين ينفون عن الله صفة العلو ويقولون: الله لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، الفلسفة عامة المسلمين ما يعرفونها، بل أنا أعتقد حتى الكفار النصارى واليهود ربما لا يشاركونهم في هذه الضلالة.
فعامة المسلمين لا يزالون على الفطرة؛ لأنهم يرفعون أيديهم ويسألون الله ، فلا نستطيع أن نقول: إن كل فرد من أفراد أهل السنة وأهل السنة من هم الآن؟ الماتردية والأشاعرة، إذاً هؤلاء كهؤلاء، نحن لا نقول هذا، وهذا في أهل السنة فما بالنا في الشيعة؟ الشيعة فيهم كفريات وضلالات، وحسبكم كتذكير بما يزعمونه من مصحف فاطمة، وذاك الذي ألف رسالة عنوانها فصل الخطاب في إثبات تحريف كلام رب الأرباب، المقصود هل كل فرد من أفراد الشيعة العامة يعتقد أن المصحف محرف؟ الجواب: لا والله.
السائل: هل يجوز إطلاق الفتوى فيهم والشدة عليهم؟ الشيخ: لا يجوز إطلاق الفتوى العامة، وإنما من اعتقد بما هو كفر فهو كافر، لكن هنا ضميمة أخرى لابد -أيضاً- أن تكون في بالكم: من اعتقد ما هو كفر فهو كافر بشرط: الإنذار والتبليغ، بهاتين الضميمتين ممكن أن نقول: فلان كافر، أما هكذا بالكم:
стр. 341
شرح حديث: (الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهن)
السؤال
نرجو توضيح الحديث المنسوخ: (الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر) بحديث النهر والدرن.
فتوضيحه بارك الله فيك>
الجواب
بارك الله فيك، إن الله يتفضل على عباده بما يشاء، والحديث الأول يصرح بأن الصلاة تكفر الذنوب التي كانت قبلها، وكان ذلك التكفير مشروطاً بأن يجتنب المصلي للكبائر، حيث قال: ((ما اجتنبت الكبائر) أي: ما دام المصلي يجتنب الكبائر فالصلاة تكفر الذنوب التي بينها وبين الصلاة الأخرى.
لو كان هذا الحديث وحده لم يجز لنا أن نزيد عليه، لكن إذا زاد الله على عباده في الفضل فنقول: حمداً لله حيث أنعم على عباده بأجر أكبر من ذي قبل.
وهذا له أمثلة كثيرة في السنة؛ بأن الله يزيد عباده فضلاً، وأجراً، وتخفيفاً، ونحو ذلك، هناك حديثان فيما يتعلق بصلاة الجماعة: أحدهما يقول: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) ، وحديث آخر يقول: (بسبع وعشرين درجة) فلا تخالف بين هذا وذاك؛ لأن الأجر الأقل يدخل في الأجر الأكثر، والذي ينبغي أن نعتقده أن فضيلة صلاة الجماعة هي بسبع وعشرين درجة وليس فقط بخمس وعشرين؛ لأن الزيادة قد ثبتت في الحديث الصحيح.
مثلاً: هناك الآية الكريمة في خاتمة سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٥-٢٨٦] إلى آخر الآيات الواردة في خاتمة السورة، الشاهد: أن الله في هذه الآية أو لعلي سبقتها وما تلفظت بها وهي: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٨٤] الشاهد: أن الله أنزل هذه الآية أول ما أنزلها، وفيه التنصيف بأن الله يحاسب الناس على ما يظهرون، وعلى ما يخفون في صدورهم، ثم إذا حاسبهم فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء.
لما نزلت هذه الآية جاءت طائفة من أصحاب النبي ﵌ مهتمين بحكم هذه الآية؛ لأنه في الحقيقة إذا تصورتموها أي: لو بقي حكمها لما نجا من الحساب والعذاب إلا القليل من العباد؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] ، فكم وكم من وساوس تدور في أذهان الناس وتستقر في صدورهم، ثم الله في هذه الآية سيحاسبهم عليها، فكبر وعظم هذا الحكم على أصحاب الرسول ﵊، فجاءوا جثياً وجلسوا على الركب وقالوا: (يا رسول الله! هانحن أُمرنا بالصلاة وصلينا، وبالصوم فصمنا، وبسائر الأحكام فقمنا، أما أن يحاسبنا الله على ما في صدورنا فهذا مما لا طاقة لنا به، فقال ﵊: أتريدون أن تقولوا كما قال قوم موسى لموسى: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣] ؟ قولوا: سمعنا وأطعنا، فأخذوا يقولونها بألسنتهم حتى ذلت وخضعت لها قلوبهم، فأنزل الله الآية الناسخة لهذا الحكم الشديد: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾ [البقرة:٢٨٦] ) أي: علمت، فرفعت المؤاخذة على ما في النفوس، هذه المؤاخذة التي ذكرت في الآية السابقة، ثم جاء حديث الرسول ﵇ مؤكداً لاستقرار الحكم على عدم المؤاخذة بما في النفوس، فقال ﷺ : (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به) فما في النفوس لا مؤاخذة عليه.
هذا مثال من أمثلة كثيرة، إذا عرفنا هذا رجعنا إلى الجواب مباشرة عن السؤال فنقول: كان الحكم السابق في الحديث الأول أن الصلوات مكفرات لما بينها ما اجتنبت الكبائر، ثم جاء الحديث بل أحاديث كثيرة وكثيرة جداً تؤكد أن الصلوات المفروضة تكفر الذنوب حتى الكبائر، وذلك هو قوله ﵊ في الحديث الثاني الذي أشرت إليه في سؤالك وهو: (أرأيتم لو أن نهراً أمام دار أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، أترونه يبقى على بدنه من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يكفر الله بهن الخطايا كلها) .
وواضح جداً أن هذا الحديث لا يقبل التأويل المعروف عند العلماء بعامة، حيث يقولون: إن العبادات التي جاءت النصوص تترى بأنها مكفرات للذنوب، إنما تكفر الصغائر دون الكبائر.
هذا القول لا نتردد في التصريح بأنه قول باطل؛ لأنه ينافي نصوصاً كثيرة وكثيرة جداً، هذا النص أحدها؛ لأن هذا المثل الذي ضربه الرسول ﵇ رجل قذر وسخ، فإذا انغمس كل يوم في نهر جارٍ وترى هل الأوساخ الكبيرة تبقى والصغيرة هي التي تمحى؟ وإذا كان يبقى هناك شيء فعلى العكس، تذهب الأقذار الكبيرة وتبقى الصغيرة، فهذا المثال الذي ضربه الرسول ﵇ يؤكد تماماً أن الصلوات مكفرات للذنوب كلها.
كذلك -مثلاً- الحديث المتعلق بالحج، وبعضكم قد جاء من الحج سائلاً المولى أن يكون قد شملهم قوله ﷺ : (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ، فهل من إنسان يفهم أن الوليد حينما يسقط من بطن أمه يسقط ممتلئاً بالذنوب الكبائر دون الصغائر، أم التشبيه هنا من أبدع ما يكون أنه نظيف من كل الذنوب كبيرها وصغيرها؟ والأحاديث في هذه القضية كثيرة وكثيرة جداً، وللحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ رسالة خاصة في الخصال المكفرة، من أراد التوسع فيها رجع إليها.
لكني أريد أن أنبه إلى شيئين اثنين: الشيء الأول: أنه يؤكد أن هذه المكفرات هي مكفرات للكبائر؛ ذلك أن المكفرات للصغائر منصوص في القرآن الكريم السبب الذي يكفر الصغائر قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] فإذاً: اجتناب الكبائر نفسها هي تذهب بالصغائر وتكفرها، فلا بد أن يكون لمثل هذه العبادات كالصلاة والحج ونحو ذلك كرمضان، لا بد أن يكون لها فعل آخر أكثر من فعل اجتناب الكبائر، فاجتناب الكبائر يكفر الصغائر، والإتيان بالفرائض ماذا يفعل؟ أيضاً يكفر الصغائر، فالصغائر ممحوة باجتناب الكبائر، فهذا يؤكد بأن الأحاديث السابقة هي على ظاهرها.
هذا هو الأمر الأول من الأمرين.
أما الأمر الثاني والأخير: أن كثيراً من الناس قد يتوهمون أن القول: بأن هذه العبادات كالصلاة والصيام تكفر الكبائر -أيضاً- أن هذا يكون حاملاً للناس بأن يتساهلوا وأن يواقعوا الكبائر؛ أن يسرقوا، وأن يزنوا، وأن يشربوا الخمر بدعوى أن الصلوات -مثلاً- تكفر الكبائر، فنحن نقول الآن لكي تفهم المسألة من هذه الزاوية جيداً: نذكر أن الصلاة التي تكفر الكبائر لا يمكننا أن نقول هي صلاتنا نحن، وهذه حقيقة يجب أن نعرفها؛ حتى ننجو من التورط في هذا الترغيب الكبير الذي جاء ذكره في هذه الأحاديث، وكما يقولون عندنا في سوريا: (نحط رجلينا بمي باردة) .
فنحن نصلي كل يوم الصلوات الخمس، فمهما فعلنا من كبائر فإذاً هي مكفرة بصلواتنا هذه.
نقول: من الذي يستطيع أن يقول بأنه يصلي الصلاة الكاملة؟ لأن الصلاة الكاملة هي التي لها هذه الآثار الطيبة، والرسول ﷺ يقول في الحديث المعروف: (إن الرجل ليصلي الصلاة وما يكتب له إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها.
إلى أن قال ﵊: ربعها، نصفها) إذاً: لا نستطيع أن نقول: إن هناك صلاة كاملة حتى نقول: إن هذه الصلوات التي نصليها نحن هي مكفرات للكبائر، كل ما نستطيع أن نقول: إننا نأمل بأن نصلي وأن يغفر الله لنا بهذه الصلوات ما شاء من الذنوب؛ سواء كانت من الكبائر أو الصغائر.
هذا ما أردت أن أبينه في نهاية الجواب عن هذا السؤال.
стр. 342
حكم التحلق قبل صلاة الجمعة
السؤال
الحديث الذي هو متعلق بالحِلق يوم الجمعة، إن كانت حلق تلاوة أو حلق ذكر؟ وهل ذكر أو خصص في حديث آخر أن هذه الحلق هي خاصة فقط بصلاة الجمعة في وقت صلاة الجمعة في دخول الجمعة، أو قبل الجمعة وبعدها، أم في كامل اليوم بارك الله فيك؟
الجواب
الحديث في السنن: (نهى رسول الله ﷺ عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة) .
стр. 343
حكم المصلي إذا وقع له ما يبطل صلاته
السؤال
تكملات في الصلاة سمعنا لك أحد الأشرطة ذكرت فيها: (أن الرسول ﷺ قام ليؤم أصحابه فتذكر أنه ليس على طهارة، فقال: الزموا أماكنكم، فذهب فرجع وهو يقطر ماءً، فكبر وصلى) .
فذكرت أنت هناك كلمة البناء أنه بنى، فكيف تتم عملية البناء أولاً؟ ثم هل في هذه الصلاة -في هذا الحديث الذي ذكر- هل كان ﷺ قد صلى بهم ثم ذهب ليغتسل، أم قبل التكبير؟
الجواب
هناك حديثان اثنان: أحدهما من حديث أبي هريرة، والآخر من حديث أبي بكرة الثقفي، الحديث الأول يقول: (إن النبي ﷺ قام ليصلي صلاة الفجر فتذكر قبل أن يكبر أنه على جنابة، فذهب واغتسل وجاء وصلى بهم) هذا الحديث ليس موضوعنا.
الحديث الثاني وهو بحثنا: حديث أبي بكرة: (أن النبي ﷺ كبر ذات يوم لصلاة الفجر، ثم تذكر، فأشار إليهم أن مكانكم، فذهب وجاء ورأسه يقطر ماءً، فصلى بهم) هذا الحديث الثاني، ونحن نقول: إن هذا الحديث فيه أن النبي ﷺ بنى على ما صلى من قبل.
وهنا مسألة خلافية بين العلماء: إذا وقع للمصلي ما يبطل صلاته، كأن يكون -مثلاً- وهو يصلي خرج منه ناقض للوضوء على خلاف النواقض المعروفة عند العلماء، مثلاً: رعف، فمن يقول: إن الرعاف ينقض الوضوء، فهذا قد بطل وضوءه، خرج الدم فبطل وضوءه عند من يقول به، أما النواقض كما قال ﵊: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) فهذه نواقض متفق عليها، فأي ناقض خرج من المصلي ثم ذهب وتوضأ، فهل يبني على صلاته، أي: يعتبر الصلاة الماضية التي صلاها على طهارة ثم انتقضت هذه الطهارة، هذه الطهارة المنتقضة هل نقضت الصلاة السابقة، أم تبقى هذه الصلاة صحيحة؟ فهنا قولان للعلماء: منهم من يقول: يبني على ما مضى، كأن يكون صلى ركعة -مثلاً- فانتقض وضوءه بناقض من النواقض، فمعنى يبني أي: أن الركعة التي صلاها ما دام صلاها على طهارة فهي ركعة صحيحة، فإذا جدد وضوءه يبني، أي: لو كان يصلي الصبح فلا يأتي بركعتين وإنما يأتي بركعة واحدة.
أما من يقول: إنه يستأنف الصلاة، فمعنى ذلك: أن هذه الركعة لا قيمة لها، فهو يبتدئ الصلاة من جديد.
حديث أبي بكرة من الأحاديث الصحيحة التي ترجح أن من عرض له ما يبطل صلاته فيبني على ما صلى ما دام أنه كان معذوراً، ومن الأعذار النسيان، وهذا ما وقع للرسول ﵇ في قصة أبي بكرة، حيث دخل في الصلاة وهو جنب، فذهب واغتسل وجاء ورأسه يقطر ماء فصلى، وما قال: ابتدأ الصلاة.
هذه ناحية.
والناحية الأخرى: أنه ﵇ لو كان يريد أن يبين لأمته مثل هذه الحادثة التي وقعت له، لم يكن به من حاجة بأن يشير إليهم، وأن يقول لهم إشارة بيده أن مكانكم، وإنما يقول لهم بلسانه: أنا بطلت صلاتي؛ لأني تذكرت أنني على غير طهارة فاجلسوا استريحوا حتى آتيكم.
وثانياً: أن يوقفهم كأنهم في الصلاة، وهم حقيقة في الصلاة.
فهذه علامات تؤكد أن قوله: فصلى.
أي: أتم الصلاة، فإذاًَ وضح لك ما هو المقصود بكلمة البناء هنا.
السائل: أريد إيضاحاً آخر بارك الله فيك: أنه كان على جنابة، فإذا صلى بهم ركعة -على سبيل المثال- أي: أن الإمام صلى بهم ركعة، فكما قلت أنه يبني بهم على الركعة الأولى، ألا نقول: إن هناك القاعدة التي تقول: ما بني على فاسد فهو فاسد.
فصلاته أصلاً كانت فاسدة؛ لأنه أصلاً كان على جنابة! الجواب: ما هو الدليل على أنها فاسدة؟ السائل: لأنه كان جنباً عندما دخل في الصلاة.
الشيخ: ما عليك يا أخي، لكن نحن نقول: هذا غير متعمد ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] هذا السؤال يشبه تماماً: ما حكم من يأكل في رمضان ناسياً هل يبطل صيامه؟ الجواب: لا.
لأنه كان ناسياً، فهل يصح أن نقيس الناسي على العامد؟ فنقول: الذي يأكل ناسياً في رمضان كالذي يأكل عامداً في رمضان؟ لا يستويان مثلاً.
فحينما نريد أن نقول: ما بني على فاسد فهو فاسد.
القاعدة صحيحة، لكن سنطبق القاعدة نفسها: ما بني على فاسد فهو فاسد.
نحن نقول: أنت تبني على فاسد، لماذا؟ لأنه لا دليل على أن الذي يصلي وهو ناسٍ لوضوئه وتذكر هذا الوضوء، أو ناسي لجنابته فتذكرها وهو في الصلاة فبنى عليها، أنه بنى على فاسد، لا.
نحن بحاجة إلى دليل، والدليل الآن على خلاف المدعى.
السائل: لماذا نقول: إن الذي يصلي الصلاة تامة على غير طهارة وهو ناسٍ نقول مثلاً: إنه يتبع الحديث، بمعنى: أن النبي ﵊ اعتد بركعة؟ الشيخ: لو كان الحديث بعد الصلاة، ولو كانت القصة كما وقع لـ عمر لقلنا بالحديث، لكن الحديث خاص في جزئية طبقناها، فأثر عمر كان في جزئية أعم من ذلك، فطبقناه ووضعنا كل شيء في مكانه.
السائل: شيخنا! هذه المسألة بالذات، بعض المذاهب يشيرون إلى استدبار القبلة، إذاً كيف العمل هنا بمعنى أن الرسول ﷺ لا شك أنه استدبر القبلة؟ الجواب: لا نقول نحن: لا شك، يمكن هذا هنا، يمكن أن إنساناً إذا تذكر ألا ينحرف عن القبلة، يأتي ويقف هنا ويتوضأ، يمكن هذا، فإذا أمكن فعليه أن يحرص ألا ينحرف عن القبلة، أما إذا كان ولا بد لأن المكان في وضع -مثلاً- دبر القبلة، فلا بد له أن يذهب إليها منحرفاً عن القبلة، فالانحراف عن القبلة كالحدث تماماً، أي: استقبال القبلة شرط، والطهارة شرط، لكن هذه الطهارة إذا اغتفرت بسبب عذر شرعي، فكذلك استدبار القبلة يلحق بنفس الحكم هذا عندما لا يمكن إلا كذلك.
стр. 344
حكم الإمام إذا تذكر في ركوعه أو سجوده أنه على غير طهارة
السؤال
إذا كان الإمام تذكر في ركوعه أو سجوده فهل يبقي المصلين على هذه الهيئة؟ ومن فهمنا من الحديث السابق أنه أشار إليهم، هل يعني هذا أنه لا يجوز له أن يتكلم معهم؟ الشيخ: الصورة فهمتها، هو أنه لا يجوز للإمام أن يتكلم.
السائل: هل يجوز له أن يتكلم معهم، أو يوحي لهم إيحاءً فقط؟ الشيخ: هذا يختلف باختلاف الجماعة الذين يؤمهم، فإذا كانوا ربوا على عينه، ويفهمون عليه إذا أشار إليهم أن مكانكم؛ فلا يجوز له أن يتكلم؛ لأنه لا يزال في صلاة، أما إذا كانوا ليسوا كذلك كما هو واقع اليوم؛ فحينئذٍ لابد أن ينيب أحدهم، وهذا مما يترتب على الحكم السابق، أي: تبقى الصلاة السابقة صحيحة، فيقدم أحدهم ليتم بهم الصلاة، فالمسألة إذاً تختلف من جماعة إلى أخرى.
السائل: حين يرجع الإمام إلى مكانه، على افتراض أنه رجع وأدرك شيئاً من الصلاة، كيف يكون وضعه الآن؟
الجواب
انظر كيف وضعه: نفترض أنه كان يصلي الفجر فصلى بهم ركعة فيأتي هو ويكمل على حسب الوضع، إن كان فيما سبق أكمل الركعة، أي: بركوعها وسجدتيها، فيعتبر أنه أدرك ركعة، وإلا فما يكون صلى ركعة، فيصلي هو ركعتين.
السائل: يا شيخنا! يُحرم من جديد أم؟ الشيخ: لا يحرم.
السائل: إذاً ليس هو في داخل الصلاة؟ الشيخ: إذا لم يتكلم ولم يفعل شيئاً يبطل الصلاة عمداً فهو في صلاة، وما أدري أخذت جواب سؤالك أم لا؟ السائل: إذا أحدث وهو في التشهد؟ الشيخ: يعود إلى التشهد.
السائل: ما يسلم؟ الشيخ: ما يسلم؛ لأن الخروج بالسلام هو ركن من أركان الصلاة.
السائل: ولو كان بعد التسليمة الأولى؟ الشيخ: انتهى الأمر.
стр. 345
رأي ابن عمر في الرعاف أثناء الصلاة
السؤال
روى مالك في الموطأ بإسناد صحيح إلى ابن عمر [أنه أصابه رعاف في الصلاة، ثم خرج فتوضأ فعاد وبنى على صلاته] .
فهل يعني من هذا أن ابن عمر يرى بطلان الصلاة بسبب الرعاف؟
الجواب
هذا يفهم، ولكن لا يتم الاستدلال إلا إذا كان هناك دليل على أن ابن عمر يرى أن الرعاف ناقض للوضوء، حينئذٍ يكون هذا نص معنا في الموضوع، لكن يمكن أن يكون هذا ليس دليلاً قاطعاً إذا كان ابن عمر لا يرى أن الرعاف ينقض الوضوء، وإذا كان هناك نص يرى فيه ابن عمر أن الرعاف ناقض فهذا يكون شاهد للحديث المذكور آنفاً.
стр. 346
حديث: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى)
السؤال
حديث الرسول ﷺ : (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى) أي: درءاً للفتنة، وفي عصرنا هذا الناس ما يفقهون في هذه المسألة لو أناب أحداً مكانه.
الجواب
ماذا قلت آنفاً -سامحك الله أين كنت؟ - قلت آنفاً جواب لسؤال الأخ هنا: أنه إذا كانوا راكعين هل يشير إليهم أو يكلمهم؟ كان الجواب في حالتين: إذا تذكر أنه على غير طهارة وهو راكع وهم ركَّع خلفه، وكان الناس الذين يؤمهم، ربوا على عينه -هكذا كان تعبيري- فكيف إذاً سمعت وما فهمت، كيف هذا؟ قلت: إذا ربوا على عينه فهو يكتفي بالإشارة إليهم، فيظلون راكعين حتى يعود إليهم، وإن كانوا ليسوا كذلك فينيب أحدهم كما قلنا.
وبهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 347
أسئلة الإمارات
أجاب الشيخ في هذه المادة عن بعض أسئلة شباب من الإمارات، وقد تناول فيها الحديث عن حكم الضرائب في الإسلام، وحكم خروج المرأة من بيتها بضرورة معينة كالولادة وغيرها، كما تناول حكم العزل في الإسلام.
وكذلك تناول مسألة الجمع بين الأدلة الشرعية وضرب بعض الأمثلة على ذلك، كما بين حكم التأول في الأدلة الشرعية، موضحاً خطره على المسلم في جره إلى منزلق المجاز، وغير ذلك من الأسئلة.
стр. 348
حكم تفويت صلاة الجماعة من أجل الامتحان
إن الحمد لله، نحمده ونستيعنه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد:
السؤال
إذا تعارض وقت صلاة الجماعة مع وقت الامتحان أو منتصفه.
فما الجواب جزاكم الله خيراً؟
الجواب
إن أصل المنهج ليس على الشرع، وما بني على فاسد فهو فاسد، وهذا الذي دخل مثل هذه المدرسة التي وضعت مناهج لم تراع فيها أحكام الشريعة، فبدهي جداً أن تكون العاقبة بالتالي مخالفة للشريعة، ولذلك فهناك حكمة أو مثل عامي شامي يقول: (الذي يريد ألا يرى منامات مكربة، فلا ينام بين القبور) .
فالذي يريد أن يتمسك بالشريعة عليه ألا ينتمي إلى تعليم أو منهج يخالف الشريعة، وحينئذ إن فعل وانتمى إليها فلا يورد مثل هذا السؤال؛ لأنه لا يستطيع من جهة أن يضيع تلك الجهود والسنوات التي قضاها في التحصيل ليقدم في هذه الساعة من الامتحان أو الاختبار نتيجة ذلك التحصيل، فإن فعل فقد وقع في المخالفة الصريحة للشريعة.
ولذلك على المرء أن يبتدئ الطلب للعلم على المنهج العلمي الصحيح؛ لأن ما بني على صالح فهو صالح، وما بني على فاسد فهو فاسد.
стр. 349
حكم الضرائب في الإسلام
السؤال
ما حكم الإسلام في الضرائب؟
الجواب
الضرائب هي التي تسمى بلغة الشرع (المكوس) ، والمكوس من المتفق بين علماء المسلمين أنها لا تجوز إلا في حالة واحدة، يتحدث عنها بحجة بينة الإمام الشاطبي ﵀ في كتابه العظيم الاعتصام، حيث يتكلم فيه بكلام علمي دقيق قلما نجده في كتاب آخر سواه، يفرق فيه بين البدعة التي أكد في بحثه في هذا الكتاب أن قول النبي ﷺ : (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) أن هذا القول الكريم هو على إطلاقه وعمومه وشموله، وأنه ليس في الإسلام ما يسميه بعض المتأخرين بالبدعة الحسنة؛ لأن هذه البدعة الحسنة أولاً: لا دليل عليها في الكتاب ولا في السنة، وثانياً: هي مخالفة لعموم الأحاديث التي تطلق ذم البدعة إطلاقاً شاملاً، فكلما تعرض النبي ﷺ لذكرها فإنه يطلق الذم عليها، ولا يقيدها بقيد ما، كمثل الحديث السابق، ومثل الحديث الآخر الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، أكد الإمام الشاطبي في كتابه المشار إليه آنفاً: أن هذه الأحاديث تحمل على عمومها وشمولها، فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ولكنه من إحسانه في هذا البحث العظيم أن تعرض لما يسمى أو يعرف عند بعض العلماء بـ (المصالح المرسلة) ، وهذه المصالح المرسلة التي تلتبس على بعض المتأخرين من الذين ذهبوا إلى القول بأن في الدين بدعة حسنة، تختلط عليهم المصالح المرسلة بالبدعة الحسنة، وشتان ما بينهما، فالمصلحة المرسلة -التي يتبناها بعض العلماء ومنهم إمامنا الشاطبي ﵀ هي التي توجبها ظروف وضعية أو زمنية، تؤدي إلى تحقيق مصلحة شرعية.
فهذه ليس لها علاقة بالبدعة التي يستحسنها بعض الناس؛ لأن البدعة التي يسمونها بالبدعة الحسنة إنما يقصدون بها زيادة التقرب إلى الله ﵎، وهذه الزيادة لا مجال لها في دائرة الإسلام الواسعة، التي مما جاء فيها قول ربنا ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ، ولذلك لقد أجاد إمام دار الهجرة الإمام مالك ﵀ حينما قال كلمته الذهبية المشهورة، قال: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة؛ فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة -وحاشاه- اقرءوا قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] .
قال مالك: فما لم يكن يومئذ ديناً -أي: يتقرب به إلى الله- فلا يكون اليوم ديناً، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
إذا كان هذا هو شأن البدعة التي يسمونها بالبدعة الحسنة، وهو أنهم يريدون التقرب إلى الله ﵎ بها، زيادة على ما جاء به رسول الله ﷺ القائل: (ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يباعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه) .
إذاً: لا مجال لاتخاذ محدثة سبيلاً للتقرب إلى الله ﵎، ما دام أن الله قد أتم النعمة علينا بإكماله لدينه.
أما المصلحة المرسلة فشأنها يختلف كل الاختلاف عن البدعة الحسنة -المزعومة- فالمصلحة المرسلة يراد بها تحقيق مصلحة يقتضيها المكان أو الزمان ويقرها الإسلام.
وفي هذا المجال يؤكد الإمام الشاطبي شرعية وضع ضرائب تختلف عن الضرائب التي اتُخذت اليوم قوانين مضطربة في كثير إن لم نقل في كل البلاد الإسلامية، تقليداً للكفار الذين حرموا من منهج الله المتمثل في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان من الضرورة بالنسبة لهؤلاء المحرومين من هدي الكتاب والسنة أن يضعوا لهم مناهج خاصة، وقوانين يعالجون بها مشاكلهم، أما المسلمون فقد أغناهم الله ﵎ بما أنزل عليهم من الكتاب، وبما بين لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لذلك فلا يجوز للمسلمين أن يستبدلوا القوانين بالشريعة، فيحق فيهم قول الله ﵎: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١] فلا يجوز أبداً أن تتخذ الضرائب قوانين ثابتة، كأنها شريعة منزلة من السماء أبد الدهر، وإنما الضريبة التي يجوز أن تفرضها الدولة المسلمة هي في حدود ظروف معينة تحيط بتلك الدولة.
مثلاً -وأظن أن هذا المثال هو الذي جاء به الإمام الشاطبي:- إذا هوجمت بلدة من البلاد الإسلامية، ولم يكن هناك في خزينة الدولة من المال ما يقوم بواجب تهيئة الجيوش لدفع ذلك الهجوم من أعداء المسلمين، ففي مثل هذه الظروف تفرض الدولة ضرائب معينة وعلى أشخاص معينين، عندهم من القدرة أن يدفعوا ما فرض عليهم، ولكن لا تصبح هذه الضريبة ضريبة لازمة، وشريعة مستقرة -كما ذكرنا آنفاً- فإذا زال السبب العارض وهو هجوم الكافر ودفع عن بلاد الإسلام؛ أُسقطت الضرائب عن المسلمين؛ لأن السبب الذي أوجب تلك الضريبة قد زال، والحكم -كما يقول الفقهاء- يدور مع العلة وجوداً وعدماً، فالعلة أو السبب الذي أوجب تلك الفريضة قد زال، فإذاً تزول بزوالها هذه الضريبة.
وباختصار جواب ذاك السؤال: ليس هناك ضرائب تتخذ قوانين في الإسلام، وإنما يمكن للدولة المسلمة أن تفرض ضرائب معينة لظروف خاصة، فإذا زالت الظروف زالت الضريبة.
стр. 350
حكم الكفالة الشكلية واشتراط المنفعة عليها
السؤال
ما حكم الشرع بالنسبة لرجل مسلم يكفل، أو يشارك في الرخص التجارية التي تصدر عن بلديات الدولة، لرجل مسلم أو غير مسلم من غير أهل هذا البلد، مع إلزام المكفول أو المشارك بدفع مبلغ معين مقابل هذه الكفالة؟
الجواب
الذي نراه والله أعلم أن هذه الكفالة إذا كانت مجرد كفالة شكلية لا يقترن بها مساعدة عملية للمكفول، فهذا من باب أكل مال الناس بالباطل، وهو المنهي عنه في القرآن الكريم.
стр. 351
حكم توليد الطبيب الرجل للمرأة
السؤال
إذا كانت المرأة حاملاً، فهل يجوز أن يقوم على توليدها رجل؟
الجواب
الحقيقة أن هذه المسألة من المسائل التي ابتلي بها المسلمون اليوم، لقد كانت المرأة الحامل تضع في عقر دارها، وبمساعدة بعض قريباتها، أو بمساعدة من تسمى بـ (الداية) أو (القابلة) في بعض البلاد، فتغيرت الأوضاع، وهذا كله بسبب تأثر المسلمين بالتقاليد الأجنبية الغربية، مصداقاً لقوله ﵊: (لتتبعن سَنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن الناس؟) .
وفي رواية الترمذي وغيره تأكيد هذا التقليد الأعمى لهؤلاء الكفار في أسوأ ما يمكن أن يتصوره المسلم، حيث قال ﵊: (حتى لو كان فيهم من يأتي أمه على قارعة الطريق، لكان فيكم من يفعل ذلك) صدق رسول الله.
فإننا نرى التقليد من المسلمين للكفار يشمل أسوأ التقاليد والعادات، من ذلك أنه أصبح عادة لازمة أن كل امرأة يجب أن تضع في المستشفى؛ سواء اضطرت إلى ذلك أو لم تضطر إليه، فأصبح تقليداً وأمراً رتيباً، وحتى البيوت الفقيرة تحاول أن تضيق من نفقاتها الضرورية؛ لتتمكن من توليد المرأة الحامل في المستشفى، وهذا تقليد من المسلمين للكفار.
والذي نقول بعد هذه التوطئة وهذه المقدمة: إن أصل إدخال المرأة إلى المستشفى للتوليد لا يجوز القول بجوازه هكذا مطلقاً، وإنما لا بد من التحديد والتضييق، فيقال: إذا كانت القابلة أو الطبيبة المشرفة على هذه المرأة الحامل، إذا رأت بعلمها أن هذه المرأة سوف تكون ولادتها غير طبيعية، وأنها قد تتطلب إجراء عملية إضافية لها، ففي هذه الحالة تنقل إلى المستشفى، أما إذا كانت الولادة طبيعية؛ فلا يجوز أن تخرج من دارها وأن تدخل المستشفى فقط لتوليدها توليداً طبيعياً هذه واحدة.
الأخرى: إذا اضطرت المرأة أن تدخل المستشفى في هذه الحدود الضيقة التي ذكرناها، فيجب ألا يتولى توليدها الرجل الطبيب، وإنما تولدها طبيبة من النساء، فإن لم توجد فحين ذلك لا بأس -بل قد نقول: يجب؛ إذا كانت ولادتها في خطر- أن يولدها الطبيب؛ ما دام أن الطبيبة غير موجودة، وهذا الجواب الأخير التفصيلي يؤخذ من قاعدتين اثنتين من علم أصول الفقه، ومن لا دراية له به لم يحسن الجواب عن المسائل العارضة، لا سيما إذا كانت جديدة، ولم يسبق أن عالجها العلماء السابقون.
والقاعدتان هما: القاعدة الأولى: الضرورات تبيح المحظورات.
القاعدة الأخرى وهي مقيدة للأولى: الضرورة تقدر بقدرها.
لهذا قلنا: إذا كانت المرأة بإمكانها أن تضع ولدها في دارها؛ فلا يجوز لها أن تذهب إلى المستشفى، فإن اضطرت فيتولى توليدها الطبيبة وليس الطبيب، فإن لم توجد الطبيبة تولى توليدها الرجل الطبيب، لأننا قلنا: الضرورات تقدر بقدرها.
وقولنا: إن الضرورات تقدر بقدرها، يوجب علينا أن نقول: المرأة هي التي تولدها، لكن إذا لم توجد المرأة فحينئذ نقول: الضرورات تبيح المحظورات.
فهذا التوليد من الرجل للمرأة حينما لا توجد الطبيبة، ليس بشر من أن يتعرض المسلم لأن يأكل ما حرم الله من الميتة والدم ولحم الخنزير، فإن الله قد ذكر في خاتمة الآية فقال: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] فيحل لكم أن تأكلوا من هذه المحرمات، لكن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] ومن سياق هذه الآية من السباق والسياق أخذ العلماء القاعدتين السابقتين ذكراً: الضرورات تبيح المحظورات، لكن ليس ذلك على الإطلاق، وإنما الضرورة تقدر بقدرها؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] فمثلاً: رجل في الصحراء يتعرض للموت جوعاً، فيجد هناك ميتة، أو لحم خنزير، أو نحو ذلك، فلا يجوز له أن يجلس ويأكل من هذه الميتة كما لو كان يأكل لحماً طازجاً حلالاً حتى يشبع نهمته من الجوع، وإنما بقدر ما يسد به رمقه، وينقذ به نفسه من الهلاك.
هذه الآية هي مصدر القاعدتين السابقتين: الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها.
هذا الجواب لآخر سؤال.
стр. 352
حكم ولادة المرأة في المستشفى دون ضرورة
السؤال
بالنسبة للمرأة قلت: إنه لا يجوز أن تلد في المستشفى إلا إذا كان هناك ضرورة، فما الدليل على ذلك؟
الجواب
الدليل ما قلناه آنفاً.
السائل: لكن إذا كانت المرأة ستدخل المستشفى من أجل أن تلد على يد طبيبة مسلمة، فما المانع؟ الشيخ: الأصل يجب أن تتذكر القاعدة القرآنية: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فالأصل أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج من دارها إلا لحاجة، كما جاء في صحيح البخاري حينما نزلت هذه الآية السابقة: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] قال ﵊: (قد أذن الله لكن أن تخرجن لحاجتكن) فإذا تذكرنا هذا الأصل، وهذه القاعدة أيضاً بالنسبة للمرأة، فنحن نقول: ليس هناك حاجة بالمرأة الحامل إذا كان وضعها طبيعياً -كما تقدم- أن تدخل المستشفى هذا أولاً، وثانياً: إن المرأة التي تدخل المستشفى تتعرض للانكشاف لكثير من الرجال فضلاً عن النساء، فهذا التعرض لا يجوز للمرأة أن تلجأ إليه إلا في الحدود السابقة الذكر، فهذا هو الدليل لما قلناه.
السائل: يا شيخ! إذا كان لا يوجد في البلدة امرأة قابلة، فكيف تصنع؟ الشيخ: بارك الله فيك! أنا أجبت عن هذا الموضوع، قلت: إذا كانت تلد في دارها ولادة طبيعية، وليست بحاجة إلى أن تخرج إلى المستشفى، فأنت الآن تأتي بمثال لا يخرج عن البحث السابق، فأنت تقول: لا يوجد في هذه البلدة قابلة أو داية، فإن الجواب قد سبق: إذ (لا يوجد) معنى ذلك أنه وجدت الحاجة التي تبيح للمرأة أن تدخل المستشفى، لكن -أيضاً- حينما تدخل المستشفى يجب ملاحظة القيود السابقة التي سبق ذكرها، فأنت لا تزال معي في بحثي السابق، كل ما في الأمر أنك تفرق بين بلد وآخر، ولذلك نحن لا نستطيع أن نقول: يجوز ولا يجوز، هكذا إطلاقاً! وإنما نأتي بالتفصيل ليأخذ كل مسلم الحكم منه في أي بلد كان، وفي أي وضع كان.
стр. 353
حكم العزل
السؤال
ما حكم العزل لرجل عزل حتى لا يكون ذلك عبئاً عليه، على الرغم من أنه يستطيع أن يصرف على أهل بيته وأولاده، ولكن زوجته تخاف الحمل؛ نظراً لمرضها وتأثير الحمل عليها؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
الشيخ: ما معنى عزل نفسه؟ السائل: أي أنه عزل باختياره.
الشيخ: لماذا عزل؟ السائل: في الغالب أنه يخشى على زوجته.
الشيخ: بالنسبة للمرأة جاء البيان بأنها تخشى على نفسها المرض.
السائل: هو والله أعلم يريد أن يفسر: أنه لا يعزل من أجل أنه لا يستطيع أن يصرف على البيت والأولاد، إنما يعزل من أجل مرض امرأته.
الشيخ: على كل حال لكل سؤال جواب هل انتهى هذا السؤال؟ السائل: نعم.
الشيخ: قبل الجواب عن هذا السؤال لا بد من مقدمة وجيزة تتعلق بحكم العزل في الإسلام: العزل في الإسلام أقل ما يقال فيه: إنه مكروه، وأعني ليس التحريم وإنما الكراهة، والكراهة تجامع في تعبير العلماء الجواز، فقد يكون الأمر جائزاً وهو مكروه، لكن إذا كان حراماً فلا يكون جائزاً، فالجواز مع التحريم لا يجتمعان، أما الجواز مع الكراهة فيجتمعان، وقد أخذنا جواز العزل من حديث جابر ﵁ الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما أنه قال: [كنا نعزل والقرآن ينزل] .
هذا الحديث في الوقت الذي يعطينا حكم جواز العزل، يعطينا قاعدة هامة جداً قلَّ من يتنبه لها من الناس، وهذه القاعدة هي: أنه إذا وقع أمر في عهد النبوة والرسالة، ولم يأتِ نهي عنه فهو دليل الجواز؛ ذلك لأنه لو كان منهياً عنه لنزل الحكم بالنهي عنه في القرآن، أو في بيان الرسول ﵊ الذي مما خوطب به في القرآن: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] .
فإذاً: قول جابر: [كنا نعزل والقرآن ينزل] فيه إشارة إلى أنهم كانوا يفعلون ذلك ولم ينزل في القرآن حكم بذلك، فمعناه: أنه يجوز، لهذا كان هذا الحديث دليلاً على جواز العزل؛ لأن الله من فوق سبع سموات قد أقر عمل هؤلاء الصحابة، ولم ينههم عن ذلك.
لكننا قلنا بالإضافة إلى الجواز بأنه مكروه، فمن أين يأتي هذا الحكم الإضافي على الجواز؟ هذا الحكم يأتي من ملاحظتنا لحديث رائع جداً، قلَّما يتعرض له بذكر بعض الذين يسألون عن هذه المسألة، ذاك الحديث هو قوله ﵊: (تزوجوا الودود الولود، فإني مباهٍ -وفي لفظ: مكاثر- بكم الأمم يوم القيامة) ، فالذي يعزل عن زوجته لا شك أنه في ذلك لا يحقق رغبة نبيه ﷺ هذه، وهي المباهاة والمفاخرة بأمته على سائر الأمم يوم القيامة.
وفي هذا الحديث تنبيه هام جداً لخطورة ما شاع وذاع وملأ الأسماع في هذا العصر مما يسمونه بـ (تحديد النسل) ، أو (تنظيم النسل) ، فهذا ينافي الشرع الإسلامي منافاة لهذا التوجيه النبوي الكريم، فهو يريد منا أن نكثر من نسلنا، لنحقق بذلك رغبة من رغبات نبينا صلوات الله وسلامه عليه، كما جاء في الحديث السابق، وعلى العكس من ذلك؛ حينما ننظم أو (نحدد) -زعمنا- لا يحقق أحدنا أبداً هذه الرغبة النبوية الكريمة، لا سيما إذا ما جُعل التحديد أو التنظيم نظاماً عاماً يفرض من دولة ما على شعب مسلم ما، فهناك تكون الطامة الكبرى؛ لأن هذه المسألة تهون حينما ترتكب هذه المخالفة لرغبة النبي ﷺ من فرد، أما إذا صارت مشكلة تبنتها الدولة وتبناها الشعب، فهناك تحقيق لرغبة أعدائنا الذين يحيطون بنا من كل مكان، ولا يستطيعون -وهذا من فضل الله ورحمته بنا- أن يقضوا القضاء المبرم على الأمة المسلمة؛ لما بارك الله في عددهم.
ولذلك فهم يخططون -كما ترون- في كثير من تصرفاتهم تخطيطاً بعيد المدى جداً جداً، وهم مع الأسف الشديد قد أوتوا صبراً وجلداً؛ بحيث أنهم يخططون إلى ما بعد خمسين سنة، فيرون أن هذا الشعب المسلم يبلغ -مثلاً- مائة مليون، فليكن بعد خمسين سنة خمسين مليوناً، وعلى ذلك فهم ينظرون إلى بعيد وبعيد جداً، تحقيقاً للمثل العربي القديم: (من لم ينظر في العواقب، ما الدهر له بصاحب) .
فنحن حينما نتبنى (التنظيم) و (التحديد) المستوردين من بلاد الكفر والضلال، والذين لا يؤمنون بما عندنا من أن المسلم إذا عني بتربية أولاده كان له أجرهم، وكانت مكاسبهم الأخروية تسجل له -أيضاً- وهو في قبره، كما قال ﵊: (إذا مات الإنسان -وفي رواية: إذا مات ابن آدم- انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) .
انظروا كيف ينبغي أن تختلف النتائج باختلاف العقائد، فالكفار لا يوجد عندهم إيمان بالآخرة كما جاء في القرآن الكريم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] فهم لا يؤمنون بالآخرة، ولا بأنهم إذا عنوا بتربيته الولد أو البنت فلهم أجرهم من بعد وفاتهم وموتهم.
أما المسلم فيختلف عنهم اختلافاً جذرياً، فهو إذا رزق ولداً فيعلم أنه يترتب عليه أن يقوم بعبادات لا يحلم بها الكفار، فضلاً عن أن يؤمنوا بها، فهو ساعة ولادة وليده يؤمر أمر ندب أن يؤذن في أذنه وأن يسمعه: الله أكبر، وهو في أول خروجه إلى هذه الحياة الدنيا، ثم يترتب عليه تسميته في اليوم السابع، وقص شعره والتصدق بوزنه فضة أو ذهباً، ثم الذبح عنه ويسمى (العقيقة) وهكذا.
كل هذه فضائل ودرجات تكتب لهذا الوالد بسبب ولده، وهذا شيء لا يؤمن به الكفار، من هذا القبيل أيضاً -وهو أمر هام- يقول رسولنا ﵊ فيما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من مسلمين -أي: زوجين- يموت لهما ثلاثة من الولد إلا لن تمسهما النار إلا تحِلة القسم) فأنبئوني بعلم: هل عند الكفار مثل هذا الفضل الذي بشرنا به نبينا ﷺ ؟!
الجواب
لا.
ولذلك هم يقتصرون على أن يربوا ولداً أو ولدين وثالثهم كلبهم! فهذه تربيتهم وشأنهم من تمتعهم في حياتهم الدنيا، ولا يبتغون من وراء ذلك ثواب الآخرة، وأن يدخر لهم مثل هذا الأجر: (لن تمسهما النار إلا تحلة القسم) ، ولذلك هذه الفضائل كلها إنما تتوفر بتحقيق تلك الرغبة النبوية الكريمة وهي: (تزوجوا الودود الولود، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة) .
بعد هذا التفصيل -ولعلي أطلت به عليكم- أقول جواباً عن السؤال السابق: إذا كان هناك ضرورة بالنسبة للمرأة، ولا أتصور الضرورة بالنسبة للرجل أبداً! إلا على تحقيق رغبة الجاهلية الأولى التي قال الله في القرآن فيها: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] ، فالرجل لا يوجد له عذر أبداً في أن يحاول من عند نفسه أن يفرض على زوجه تحديد النسل أو تنظيمه، وإنما هذا يمكن أن يتصور فقط بالنسبة للزوجة، وذلك بإشارة من طبيب مسلم حاذق يقول مثلاً للزوج: أن زوجتك هذه إذا استمرت في الحمل فحياتها في خطر، حينذاك لا أقول: تحدد النسل، فالتحديد شر من التنظيم؛ لأن التنظيم من معانيه أنه سيتابع الولادة.
أما التحديد فكما قلنا: ثالثهم كلبهم! فقد انتهى الأمر عنده إلى هنا، فهذا منهج الكفار الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر، فإذا نظم الإنسان أو حدد نسله؛ فكأنه آمن بأن هذا الولد الأول وهذا الثاني سيعيشان ما عاش أبواهما، ولا يفترضان أبداً أن عند الله قد يقبض الولد الأول والثاني، ويبقيان كأنهما أبتران لم يرزقا نسلاً، ثم يحاولان أن يتداركا ما فاتهما وهيهات هيهات! وكما قيل: (في الصيف ضيعت اللبن) إذاً: إنما يجوز تحديد النسل للزوجة للضرورة التي يقدرها الطبيب الحاذق المسلم.
هذا نهاية الجواب.
стр. 354
معنى قوله ﵊: (إلا تحلة القسم)
السؤال
ما معنى قوله ﵊ في الحديث السابق: (لن تمسهما النار إلا تحلة القسم) ؟
الجواب
هذا الحديث يشير إلى قوله ﵎ في الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] (وَإِنْ مِنْكُمْ) قسم من الله، (إِلَّا وَارِدُهَا) اختلف العلماء قديماً وحديثاً في معنى الورود المقصود في هذا الحديث على ثلاثة أقوال: القول الأول: الورود بطرف النار، كما يقال: أورد الإبل الحوض.
والقول الثاني: المرور على الصراط من فوق النار.
والقول الثالث وهو لا ينافي الثاني: الدخول في النار؛ لأن المرور على الصراط هو دخول في النار.
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] أي: داخلها، لا فرق بين مؤمن وكافر، كلهم من الإنس والجن لا بد لهم من هذا الدخول، لكن بعد أن يتحقق هذا القسم الإلهي من الدخول هناك، بعد ذلك سرعان ما يتميز الصالح من الطالح، فالصالح يدخل الجنة، والطالح يدخل النار.
ويفسر هذا الكلام حديث أذكره لما فيه من بيان وتفصيل، لكن لا بد لي من أن أقرن بذلك أن هذا الحديث لم يصح من حيث إسناده؛ لأنه على شهرته ينبغي أن نذكره تنبيهاً على ضعفه، لكن معناه مقبول في حدود ما جاء من الأدلة.
ذلك الحديث يرويه بعض التابعين من المجهولين -وهو العلة- عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه لقيه في طريقه فقال: (كنا في مجلس ذكرت فيه هذه الآية: ((وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)) [مريم:٧١] قال: فاختلفنا -وذكر الأقوال الثلاثة- فما كان من جابر -كما تقول الرواية على ضعفها- إلا أن وضع إصبعيه في أذنيه وقال: صُمَّتا صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لا يبقى بر ولا فاجر إلا ويدخلها، ثم تكون برداً وسلاماً على المؤمنين، كما كانت على إبراهيم) .
إذاً: هذا الدخول المذكور في هذه الآية، والمفسر أيضاً في حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يدخل النار أحد من أهل بدر وأصحاب الشجرة، قالت: كيف هذا يا رسول الله! والله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ؟) وهنا ملاحظة مهمة من حيث أنها تساعد طالب العلم على فهم النصوص الشرعية: نجد هنا السيدة حفصة ﵂ كأنها تريد أن تقول: إن الذي تقوله يا رسول الله! خلاف ما أفهم من الآية، فالآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ولفظة (منكم) تشمل بلا شك أهل بدر وأصحاب الشجرة، فكيف التوفيق بين هذه الآية حسب فهمي، -أي: حفصة - وبين ما تقوله يا رسول الله؟! فقال لها بكل هدوء ولطف كما هو شأنه ﵇ وديدنه: (فاقرئي ما بعدها: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ) ما هي الفائدة؟ الفائدة: أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سمع قولاً ولم ينكره؛ كان ذلك دليلاً على صحته في نفسه، ولكن يمكن أن يدخل فيه تخصيص وتقييد لا يخطر على بال المتكلم بتلك الكلمة.
وهذه فائدة مهمة جداً قد يغفل عنها بعض أهل العلم، ولا بأس من أن أضرب لكم مثلاً وقع في عدم الانتباه لهذه النكتة الفقهية الدقيقة فالإمام أبو محمد بن حزم صاحب الكتاب العظيم كتاب المحلى، وكتاب الإحكام في أصول الأحكام، وغيره من الكتب، قد ألف رسالة في إباحة الملاهي عامة من الآلات الموسيقية، والأغاني، وما شابه ذلك، وكان مما استدل به على ما ذهب إليه في تلك الرسالة، الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري، ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليَّ يوم عيد وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، وتضربان عليه بدف، ولما دخل أبو بكر قال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! -وهذا استفهام استنكاري- فقال ﷺ : دعهما، فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) .
الشاهد: أن الإمام ابن حزم احتج بهذا الحديث على جواز الضرب بالدف والغناء به؛ لأن الرسول ﵊ أقر الجاريتين على ذلك، ولكن فاته ما أردت التنبيه عليه، من أن النبي ﷺ أقر أبا بكر الصديق على قوله السالف الذكر: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟!) فقد سمى أبو بكر الضرب على الدف والغناء به، سماه مزمار الشيطان، ولم ينكر الرسول ﵊ عليه، بل أقره، كما أقر حفصة على قولها في الآية هكذا، وكما أن النبي ﷺ أدخل على استدلال حفصة قيداً كانت غافلة عنه، كذلك تماماً فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع صاحبه في الغار أبي بكر الصديق، فلفت نظره كأنه يقول له: إن الأمر كما تقول أنت يا أبا بكر! لكن هنا استثناء قد فاتك: (دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) .
فإذا نحن جمعنا بين إقرار الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ أبي بكر على قوله: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟!) ، وبين قوله له: (دعهما، فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا) فإننا نخرج بنتيجة: أن مزامير الشيطان لا تجوز، ويكفي في النهي عنها النسبة إلى الشيطان.
لكن هذا الحكم يستثنى منه الضرب بالدف في يوم العيد، وممن؟ من الجاريتين، فجمعنا بين إقرار الرسول ﷺ لـ أبي بكر؛ وبين قوله له، وخرجنا بنتيجة معاكسة تماماً للنتيجة التي ذهب إليها أبو محمد بن حزم ﵀، حيث أخذ قول الرسول ﵇ ولم يتنبه لإقرار الرسول ﷺ لقول أبي بكر: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟!) .
стр. 355
حكم الدف
السؤال
يا شيخ! هل نفهم من حديث عائشة السابق أن الدف ليس من مزامير الشيطان؟
الجواب
لقد أجبتك على هذا بارك الله فيك! نحن نقول: الأصل في آلات الطرب أنها من مزامير الشيطان، لكن استثنى الشارع الحكيم من أن يكون مزماراً للشيطان في هذا الوقت المعين، فالأصل: أنه مزمار للشيطان في غير يوم العيد، أما في يوم العيد فليس مزماراً للشيطان، فلا منافاة والحمد لله.
ولعل من المفيد أن نذكر أيضاً بمثالٍ آخر، وهو مهم جداً من حيث الحياة الفكرية التي يحياها اليوم العالم الإسلامي جله، والذين يعتقدون بأن الموتى يسمعون، ويحتجون على ذلك بحجج كثيرة ولسنا نحن في هذا الصدد، إلا فيما يتعلق بلفت النظر إلى أن الرسول ﵊ إذا أقر أحداً على شيء فهو حق فعلينا الاستفادة من ذلك.
كلنا يذكر غزوة بدر، حينما أهلك الله صناديد قريش، وألقوا في قليب بدر، ثم جاء النبي ﷺ بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فوقف على القليب ونادى أولئك الكفار القتلى بأسمائهم: (يا فلان بن فلان! لقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ قال عمر -هنا الشاهد-: يا رسول الله! إنك لتنادي أجساداً لا أرواح فيها) .
ماذا نفهم نحن من قول عمر هنا؟ الجواب: نفهم من ذلك نحو فهمنا من كلمة أبي بكر هناك، ومن كلمة حفصة هناك، فنفهم أن عمر بن الخطاب يرى أن الموتى لا يسمعون؛ ولذلك فهو يستغرب ويتعجب لمناداة الرسول ﵊ لهؤلاء الموتى، حديث يقول: (يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! -بأسمائهم-: إني وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟) هذه المناداة تنافي -كما أفهم وهو حق إن شاء الله- ما كان تلقاه عمر بن الخطاب تعليماً من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن الموتى لا يسمعون، ويكفي في ذلك القرآن الكريم: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل:٨٠] .
كذلك قوله : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] وهاتان الآيتان فيهما كلام من حيث التفسير، لكن خلاصة الكلام فيهما لا يتنافى أبداً مع هذه الحقيقة الشرعية، وهي: أن الموتى لا يسمعون، وهذه الحقيقة هي التي كان عمر بن الخطاب تلقاها وتعلمها من قبل من رسوله ﷺ ، ولذلك صار عنده إشكال: كيف لقننا هذا العلم ثم هو يناديهم؟! فماذا كان موقف الرسول عليه الصلاة السلام؟ كان موقفه منه كما كان موقفه من أبي بكر، وحفصة؛ أقرهم جميعاً على ما قالوا، ولكنه أدخل على كلامهم قيداً لا يعرفونه؛ لأنهم لا يوحى إليهم كما يوحى إليه، فلقد أقر الرسول ﵊ عمر بن الخطاب على كلمته هذه، ومعنى هذا كأنه يقول له: صدقت! الموتى لا يسمعون، لكن هؤلاء يسمعونني، ولذلك قال له في الجواب بلسان عربي مبين: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) أي: هؤلاء يسمعونني، فأنت يا عمر! الذي تلقيته مني حق وصواب، لكن اعلم أن هذه معجزة وكرامة خاصة من الله لنبيه ﷺ حيث أسمعهم صوته، ومن شأنهم أنهم لا يسمعون، لم؟ لأنهم موتى.
ويؤكد هذا المعنى أن الإمام أحمد ﵀، روى هذه القصة بإسناده الصحيح في المسند: أن عمر قال: والموتى لا يسمعون.
أيضاً جاء الجواب كما سمعتم لم يقل له: أنت مخطئ، بل الموتى يسمعون -لو كان هو مخطئاً- لكنه أقره على هذه العبارة الصريحة، ولكن أدخل في ذلك قيداً وهو: أن الموتى لا يسمعون إلا هؤلاء، ولذلك جاء في صحيح البخاري في هذه القصة من طريق قتادة عن أنس بن مالك -هذه القصة التي رويناها باستثناء رواية الإمام أحمد مروية في الصحيحين - قال قتادة: [أحياهم الله له، فأسمعهم صوته تبكيتاً وتحقيراً ونكاية بهم] إذاً: هذا الانتباه لإقرار الرسول ﵊ لكلام الصحابي، فهذا معناه أن كلام الصحابي حق، لكن ينظر هل أدخل عليه الرسول ﵊ شيئاً من التخصيص والتقييد فيضاف إليه، فنخرج بنتيجة سليمة مائة بالمائة، فالموتى لا يسمعون إلا هؤلاء فإنهم قد سمعوا، وآلات الطرب لا تجوز وبخاصة الدف إلا في يوم العيد، والناس كلهم لا بد أن يدخلوا النار كما فهمت حفصة من الآية، ولكن يختلفون من صالح يمر مروراً (ترانزيت) كما يقولون اليوم إلى الجنة، أما الكفار فيلبثون فيها أحقاباً.
следующие страницы →