← Джавами‘

Джавами‘ · id 7682

دروس للشيخ الألباني

ناصر الدين الألباني

Полный текст (552 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

حكم توليد الطبيب الرجل للمرأة السؤال إذا كانت المرأة حاملاً، فهل يجوز أن يقوم على توليدها رجل؟ الجواب الحقيقة أن هذه المسألة من المسائل التي ابتلي بها المسلمون اليوم، لقد كانت المرأة الحامل تضع في عقر دارها، وبمساعدة بعض قريباتها، أو بمساعدة من تسمى بـ (الداية) أو (القابلة) في بعض البلاد، فتغيرت الأوضاع، وهذا كله بسبب تأثر المسلمين بالتقاليد الأجنبية الغربية، مصداقاً لقوله ﵊: (لتتبعن سَنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن الناس؟) . وفي رواية الترمذي وغيره تأكيد هذا التقليد الأعمى لهؤلاء الكفار في أسوأ ما يمكن أن يتصوره المسلم، حيث قال ﵊: (حتى لو كان فيهم من يأتي أمه على قارعة الطريق، لكان فيكم من يفعل ذلك) صدق رسول الله. فإننا نرى التقليد من المسلمين للكفار يشمل أسوأ التقاليد والعادات، من ذلك أنه أصبح عادة لازمة أن كل امرأة يجب أن تضع في المستشفى؛ سواء اضطرت إلى ذلك أو لم تضطر إليه، فأصبح تقليداً وأمراً رتيباً، وحتى البيوت الفقيرة تحاول أن تضيق من نفقاتها الضرورية؛ لتتمكن من توليد المرأة الحامل في المستشفى، وهذا تقليد من المسلمين للكفار. والذي نقول بعد هذه التوطئة وهذه المقدمة: إن أصل إدخال المرأة إلى المستشفى للتوليد لا يجوز القول بجوازه هكذا مطلقاً، وإنما لا بد من التحديد والتضييق، فيقال: إذا كانت القابلة أو الطبيبة المشرفة على هذه المرأة الحامل، إذا رأت بعلمها أن هذه المرأة سوف تكون ولادتها غير طبيعية، وأنها قد تتطلب إجراء عملية إضافية لها، ففي هذه الحالة تنقل إلى المستشفى، أما إذا كانت الولادة طبيعية؛ فلا يجوز أن تخرج من دارها وأن تدخل المستشفى فقط لتوليدها توليداً طبيعياً هذه واحدة. الأخرى: إذا اضطرت المرأة أن تدخل المستشفى في هذه الحدود الضيقة التي ذكرناها، فيجب ألا يتولى توليدها الرجل الطبيب، وإنما تولدها طبيبة من النساء، فإن لم توجد فحين ذلك لا بأس -بل قد نقول: يجب؛ إذا كانت ولادتها في خطر- أن يولدها الطبيب؛ ما دام أن الطبيبة غير موجودة، وهذا الجواب الأخير التفصيلي يؤخذ من قاعدتين اثنتين من علم أصول الفقه، ومن لا دراية له به لم يحسن الجواب عن المسائل العارضة، لا سيما إذا كانت جديدة، ولم يسبق أن عالجها العلماء السابقون. والقاعدتان هما: القاعدة الأولى: الضرورات تبيح المحظورات. القاعدة الأخرى وهي مقيدة للأولى: الضرورة تقدر بقدرها. لهذا قلنا: إذا كانت المرأة بإمكانها أن تضع ولدها في دارها؛ فلا يجوز لها أن تذهب إلى المستشفى، فإن اضطرت فيتولى توليدها الطبيبة وليس الطبيب، فإن لم توجد الطبيبة تولى توليدها الرجل الطبيب، لأننا قلنا: الضرورات تقدر بقدرها. وقولنا: إن الضرورات تقدر بقدرها، يوجب علينا أن نقول: المرأة هي التي تولدها، لكن إذا لم توجد المرأة فحينئذ نقول: الضرورات تبيح المحظورات. فهذا التوليد من الرجل للمرأة حينما لا توجد الطبيبة، ليس بشر من أن يتعرض المسلم لأن يأكل ما حرم الله من الميتة والدم ولحم الخنزير، فإن الله قد ذكر في خاتمة الآية فقال: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] فيحل لكم أن تأكلوا من هذه المحرمات، لكن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] ومن سياق هذه الآية من السباق والسياق أخذ العلماء القاعدتين السابقتين ذكراً: الضرورات تبيح المحظورات، لكن ليس ذلك على الإطلاق، وإنما الضرورة تقدر بقدرها؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] فمثلاً: رجل في الصحراء يتعرض للموت جوعاً، فيجد هناك ميتة، أو لحم خنزير، أو نحو ذلك، فلا يجوز له أن يجلس ويأكل من هذه الميتة كما لو كان يأكل لحماً طازجاً حلالاً حتى يشبع نهمته من الجوع، وإنما بقدر ما يسد به رمقه، وينقذ به نفسه من الهلاك. هذه الآية هي مصدر القاعدتين السابقتين: الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها. هذا الجواب لآخر سؤال.

стр. 352

حكم ولادة المرأة في المستشفى دون ضرورة السؤال بالنسبة للمرأة قلت: إنه لا يجوز أن تلد في المستشفى إلا إذا كان هناك ضرورة، فما الدليل على ذلك؟ الجواب الدليل ما قلناه آنفاً. السائل: لكن إذا كانت المرأة ستدخل المستشفى من أجل أن تلد على يد طبيبة مسلمة، فما المانع؟ الشيخ: الأصل يجب أن تتذكر القاعدة القرآنية: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فالأصل أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج من دارها إلا لحاجة، كما جاء في صحيح البخاري حينما نزلت هذه الآية السابقة: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] قال ﵊: (قد أذن الله لكن أن تخرجن لحاجتكن) فإذا تذكرنا هذا الأصل، وهذه القاعدة أيضاً بالنسبة للمرأة، فنحن نقول: ليس هناك حاجة بالمرأة الحامل إذا كان وضعها طبيعياً -كما تقدم- أن تدخل المستشفى هذا أولاً، وثانياً: إن المرأة التي تدخل المستشفى تتعرض للانكشاف لكثير من الرجال فضلاً عن النساء، فهذا التعرض لا يجوز للمرأة أن تلجأ إليه إلا في الحدود السابقة الذكر، فهذا هو الدليل لما قلناه. السائل: يا شيخ! إذا كان لا يوجد في البلدة امرأة قابلة، فكيف تصنع؟ الشيخ: بارك الله فيك! أنا أجبت عن هذا الموضوع، قلت: إذا كانت تلد في دارها ولادة طبيعية، وليست بحاجة إلى أن تخرج إلى المستشفى، فأنت الآن تأتي بمثال لا يخرج عن البحث السابق، فأنت تقول: لا يوجد في هذه البلدة قابلة أو داية، فإن الجواب قد سبق: إذ (لا يوجد) معنى ذلك أنه وجدت الحاجة التي تبيح للمرأة أن تدخل المستشفى، لكن -أيضاً- حينما تدخل المستشفى يجب ملاحظة القيود السابقة التي سبق ذكرها، فأنت لا تزال معي في بحثي السابق، كل ما في الأمر أنك تفرق بين بلد وآخر، ولذلك نحن لا نستطيع أن نقول: يجوز ولا يجوز، هكذا إطلاقاً! وإنما نأتي بالتفصيل ليأخذ كل مسلم الحكم منه في أي بلد كان، وفي أي وضع كان.

стр. 353

حكم العزل السؤال ما حكم العزل لرجل عزل حتى لا يكون ذلك عبئاً عليه، على الرغم من أنه يستطيع أن يصرف على أهل بيته وأولاده، ولكن زوجته تخاف الحمل؛ نظراً لمرضها وتأثير الحمل عليها؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. الشيخ: ما معنى عزل نفسه؟ السائل: أي أنه عزل باختياره. الشيخ: لماذا عزل؟ السائل: في الغالب أنه يخشى على زوجته. الشيخ: بالنسبة للمرأة جاء البيان بأنها تخشى على نفسها المرض. السائل: هو والله أعلم يريد أن يفسر: أنه لا يعزل من أجل أنه لا يستطيع أن يصرف على البيت والأولاد، إنما يعزل من أجل مرض امرأته. الشيخ: على كل حال لكل سؤال جواب هل انتهى هذا السؤال؟ السائل: نعم. الشيخ: قبل الجواب عن هذا السؤال لا بد من مقدمة وجيزة تتعلق بحكم العزل في الإسلام: العزل في الإسلام أقل ما يقال فيه: إنه مكروه، وأعني ليس التحريم وإنما الكراهة، والكراهة تجامع في تعبير العلماء الجواز، فقد يكون الأمر جائزاً وهو مكروه، لكن إذا كان حراماً فلا يكون جائزاً، فالجواز مع التحريم لا يجتمعان، أما الجواز مع الكراهة فيجتمعان، وقد أخذنا جواز العزل من حديث جابر ﵁ الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما أنه قال: [كنا نعزل والقرآن ينزل] . هذا الحديث في الوقت الذي يعطينا حكم جواز العزل، يعطينا قاعدة هامة جداً قلَّ من يتنبه لها من الناس، وهذه القاعدة هي: أنه إذا وقع أمر في عهد النبوة والرسالة، ولم يأتِ نهي عنه فهو دليل الجواز؛ ذلك لأنه لو كان منهياً عنه لنزل الحكم بالنهي عنه في القرآن، أو في بيان الرسول ﵊ الذي مما خوطب به في القرآن: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] . فإذاً: قول جابر: [كنا نعزل والقرآن ينزل] فيه إشارة إلى أنهم كانوا يفعلون ذلك ولم ينزل في القرآن حكم بذلك، فمعناه: أنه يجوز، لهذا كان هذا الحديث دليلاً على جواز العزل؛ لأن الله من فوق سبع سموات قد أقر عمل هؤلاء الصحابة، ولم ينههم عن ذلك. لكننا قلنا بالإضافة إلى الجواز بأنه مكروه، فمن أين يأتي هذا الحكم الإضافي على الجواز؟ هذا الحكم يأتي من ملاحظتنا لحديث رائع جداً، قلَّما يتعرض له بذكر بعض الذين يسألون عن هذه المسألة، ذاك الحديث هو قوله ﵊: (تزوجوا الودود الولود، فإني مباهٍ -وفي لفظ: مكاثر- بكم الأمم يوم القيامة) ، فالذي يعزل عن زوجته لا شك أنه في ذلك لا يحقق رغبة نبيه ﷺ هذه، وهي المباهاة والمفاخرة بأمته على سائر الأمم يوم القيامة. وفي هذا الحديث تنبيه هام جداً لخطورة ما شاع وذاع وملأ الأسماع في هذا العصر مما يسمونه بـ (تحديد النسل) ، أو (تنظيم النسل) ، فهذا ينافي الشرع الإسلامي منافاة لهذا التوجيه النبوي الكريم، فهو يريد منا أن نكثر من نسلنا، لنحقق بذلك رغبة من رغبات نبينا صلوات الله وسلامه عليه، كما جاء في الحديث السابق، وعلى العكس من ذلك؛ حينما ننظم أو (نحدد) -زعمنا- لا يحقق أحدنا أبداً هذه الرغبة النبوية الكريمة، لا سيما إذا ما جُعل التحديد أو التنظيم نظاماً عاماً يفرض من دولة ما على شعب مسلم ما، فهناك تكون الطامة الكبرى؛ لأن هذه المسألة تهون حينما ترتكب هذه المخالفة لرغبة النبي ﷺ من فرد، أما إذا صارت مشكلة تبنتها الدولة وتبناها الشعب، فهناك تحقيق لرغبة أعدائنا الذين يحيطون بنا من كل مكان، ولا يستطيعون -وهذا من فضل الله ورحمته بنا- أن يقضوا القضاء المبرم على الأمة المسلمة؛ لما بارك الله في عددهم. ولذلك فهم يخططون -كما ترون- في كثير من تصرفاتهم تخطيطاً بعيد المدى جداً جداً، وهم مع الأسف الشديد قد أوتوا صبراً وجلداً؛ بحيث أنهم يخططون إلى ما بعد خمسين سنة، فيرون أن هذا الشعب المسلم يبلغ -مثلاً- مائة مليون، فليكن بعد خمسين سنة خمسين مليوناً، وعلى ذلك فهم ينظرون إلى بعيد وبعيد جداً، تحقيقاً للمثل العربي القديم: (من لم ينظر في العواقب، ما الدهر له بصاحب) . فنحن حينما نتبنى (التنظيم) و (التحديد) المستوردين من بلاد الكفر والضلال، والذين لا يؤمنون بما عندنا من أن المسلم إذا عني بتربية أولاده كان له أجرهم، وكانت مكاسبهم الأخروية تسجل له -أيضاً- وهو في قبره، كما قال ﵊: (إذا مات الإنسان -وفي رواية: إذا مات ابن آدم- انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) . انظروا كيف ينبغي أن تختلف النتائج باختلاف العقائد، فالكفار لا يوجد عندهم إيمان بالآخرة كما جاء في القرآن الكريم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] فهم لا يؤمنون بالآخرة، ولا بأنهم إذا عنوا بتربيته الولد أو البنت فلهم أجرهم من بعد وفاتهم وموتهم. أما المسلم فيختلف عنهم اختلافاً جذرياً، فهو إذا رزق ولداً فيعلم أنه يترتب عليه أن يقوم بعبادات لا يحلم بها الكفار، فضلاً عن أن يؤمنوا بها، فهو ساعة ولادة وليده يؤمر أمر ندب أن يؤذن في أذنه وأن يسمعه: الله أكبر، وهو في أول خروجه إلى هذه الحياة الدنيا، ثم يترتب عليه تسميته في اليوم السابع، وقص شعره والتصدق بوزنه فضة أو ذهباً، ثم الذبح عنه ويسمى (العقيقة) وهكذا. كل هذه فضائل ودرجات تكتب لهذا الوالد بسبب ولده، وهذا شيء لا يؤمن به الكفار، من هذا القبيل أيضاً -وهو أمر هام- يقول رسولنا ﵊ فيما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من مسلمين -أي: زوجين- يموت لهما ثلاثة من الولد إلا لن تمسهما النار إلا تحِلة القسم) فأنبئوني بعلم: هل عند الكفار مثل هذا الفضل الذي بشرنا به نبينا ﷺ ؟! الجواب لا. ولذلك هم يقتصرون على أن يربوا ولداً أو ولدين وثالثهم كلبهم! فهذه تربيتهم وشأنهم من تمتعهم في حياتهم الدنيا، ولا يبتغون من وراء ذلك ثواب الآخرة، وأن يدخر لهم مثل هذا الأجر: (لن تمسهما النار إلا تحلة القسم) ، ولذلك هذه الفضائل كلها إنما تتوفر بتحقيق تلك الرغبة النبوية الكريمة وهي: (تزوجوا الودود الولود، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة) . بعد هذا التفصيل -ولعلي أطلت به عليكم- أقول جواباً عن السؤال السابق: إذا كان هناك ضرورة بالنسبة للمرأة، ولا أتصور الضرورة بالنسبة للرجل أبداً! إلا على تحقيق رغبة الجاهلية الأولى التي قال الله في القرآن فيها: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] ، فالرجل لا يوجد له عذر أبداً في أن يحاول من عند نفسه أن يفرض على زوجه تحديد النسل أو تنظيمه، وإنما هذا يمكن أن يتصور فقط بالنسبة للزوجة، وذلك بإشارة من طبيب مسلم حاذق يقول مثلاً للزوج: أن زوجتك هذه إذا استمرت في الحمل فحياتها في خطر، حينذاك لا أقول: تحدد النسل، فالتحديد شر من التنظيم؛ لأن التنظيم من معانيه أنه سيتابع الولادة. أما التحديد فكما قلنا: ثالثهم كلبهم! فقد انتهى الأمر عنده إلى هنا، فهذا منهج الكفار الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر، فإذا نظم الإنسان أو حدد نسله؛ فكأنه آمن بأن هذا الولد الأول وهذا الثاني سيعيشان ما عاش أبواهما، ولا يفترضان أبداً أن عند الله قد يقبض الولد الأول والثاني، ويبقيان كأنهما أبتران لم يرزقا نسلاً، ثم يحاولان أن يتداركا ما فاتهما وهيهات هيهات! وكما قيل: (في الصيف ضيعت اللبن) إذاً: إنما يجوز تحديد النسل للزوجة للضرورة التي يقدرها الطبيب الحاذق المسلم. هذا نهاية الجواب.

стр. 354

معنى قوله ﵊: (إلا تحلة القسم) السؤال ما معنى قوله ﵊ في الحديث السابق: (لن تمسهما النار إلا تحلة القسم) ؟ الجواب هذا الحديث يشير إلى قوله ﵎ في الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] (وَإِنْ مِنْكُمْ) قسم من الله، (إِلَّا وَارِدُهَا) اختلف العلماء قديماً وحديثاً في معنى الورود المقصود في هذا الحديث على ثلاثة أقوال: القول الأول: الورود بطرف النار، كما يقال: أورد الإبل الحوض. والقول الثاني: المرور على الصراط من فوق النار. والقول الثالث وهو لا ينافي الثاني: الدخول في النار؛ لأن المرور على الصراط هو دخول في النار. فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] أي: داخلها، لا فرق بين مؤمن وكافر، كلهم من الإنس والجن لا بد لهم من هذا الدخول، لكن بعد أن يتحقق هذا القسم الإلهي من الدخول هناك، بعد ذلك سرعان ما يتميز الصالح من الطالح، فالصالح يدخل الجنة، والطالح يدخل النار. ويفسر هذا الكلام حديث أذكره لما فيه من بيان وتفصيل، لكن لا بد لي من أن أقرن بذلك أن هذا الحديث لم يصح من حيث إسناده؛ لأنه على شهرته ينبغي أن نذكره تنبيهاً على ضعفه، لكن معناه مقبول في حدود ما جاء من الأدلة. ذلك الحديث يرويه بعض التابعين من المجهولين -وهو العلة- عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه لقيه في طريقه فقال: (كنا في مجلس ذكرت فيه هذه الآية: ((وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)) [مريم:٧١] قال: فاختلفنا -وذكر الأقوال الثلاثة- فما كان من جابر -كما تقول الرواية على ضعفها- إلا أن وضع إصبعيه في أذنيه وقال: صُمَّتا صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لا يبقى بر ولا فاجر إلا ويدخلها، ثم تكون برداً وسلاماً على المؤمنين، كما كانت على إبراهيم) . إذاً: هذا الدخول المذكور في هذه الآية، والمفسر أيضاً في حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يدخل النار أحد من أهل بدر وأصحاب الشجرة، قالت: كيف هذا يا رسول الله! والله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ؟) وهنا ملاحظة مهمة من حيث أنها تساعد طالب العلم على فهم النصوص الشرعية: نجد هنا السيدة حفصة ﵂ كأنها تريد أن تقول: إن الذي تقوله يا رسول الله! خلاف ما أفهم من الآية، فالآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] ولفظة (منكم) تشمل بلا شك أهل بدر وأصحاب الشجرة، فكيف التوفيق بين هذه الآية حسب فهمي، -أي: حفصة - وبين ما تقوله يا رسول الله؟! فقال لها بكل هدوء ولطف كما هو شأنه ﵇ وديدنه: (فاقرئي ما بعدها: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ) ما هي الفائدة؟ الفائدة: أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سمع قولاً ولم ينكره؛ كان ذلك دليلاً على صحته في نفسه، ولكن يمكن أن يدخل فيه تخصيص وتقييد لا يخطر على بال المتكلم بتلك الكلمة. وهذه فائدة مهمة جداً قد يغفل عنها بعض أهل العلم، ولا بأس من أن أضرب لكم مثلاً وقع في عدم الانتباه لهذه النكتة الفقهية الدقيقة فالإمام أبو محمد بن حزم صاحب الكتاب العظيم كتاب المحلى، وكتاب الإحكام في أصول الأحكام، وغيره من الكتب، قد ألف رسالة في إباحة الملاهي عامة من الآلات الموسيقية، والأغاني، وما شابه ذلك، وكان مما استدل به على ما ذهب إليه في تلك الرسالة، الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري، ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليَّ يوم عيد وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، وتضربان عليه بدف، ولما دخل أبو بكر قال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! -وهذا استفهام استنكاري- فقال ﷺ : دعهما، فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) . الشاهد: أن الإمام ابن حزم احتج بهذا الحديث على جواز الضرب بالدف والغناء به؛ لأن الرسول ﵊ أقر الجاريتين على ذلك، ولكن فاته ما أردت التنبيه عليه، من أن النبي ﷺ أقر أبا بكر الصديق على قوله السالف الذكر: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟!) فقد سمى أبو بكر الضرب على الدف والغناء به، سماه مزمار الشيطان، ولم ينكر الرسول ﵊ عليه، بل أقره، كما أقر حفصة على قولها في الآية هكذا، وكما أن النبي ﷺ أدخل على استدلال حفصة قيداً كانت غافلة عنه، كذلك تماماً فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع صاحبه في الغار أبي بكر الصديق، فلفت نظره كأنه يقول له: إن الأمر كما تقول أنت يا أبا بكر! لكن هنا استثناء قد فاتك: (دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) . فإذا نحن جمعنا بين إقرار الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ أبي بكر على قوله: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟!) ، وبين قوله له: (دعهما، فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا) فإننا نخرج بنتيجة: أن مزامير الشيطان لا تجوز، ويكفي في النهي عنها النسبة إلى الشيطان. لكن هذا الحكم يستثنى منه الضرب بالدف في يوم العيد، وممن؟ من الجاريتين، فجمعنا بين إقرار الرسول ﷺ لـ أبي بكر؛ وبين قوله له، وخرجنا بنتيجة معاكسة تماماً للنتيجة التي ذهب إليها أبو محمد بن حزم ﵀، حيث أخذ قول الرسول ﵇ ولم يتنبه لإقرار الرسول ﷺ لقول أبي بكر: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟!) .

стр. 355

حكم الدف السؤال يا شيخ! هل نفهم من حديث عائشة السابق أن الدف ليس من مزامير الشيطان؟ الجواب لقد أجبتك على هذا بارك الله فيك! نحن نقول: الأصل في آلات الطرب أنها من مزامير الشيطان، لكن استثنى الشارع الحكيم من أن يكون مزماراً للشيطان في هذا الوقت المعين، فالأصل: أنه مزمار للشيطان في غير يوم العيد، أما في يوم العيد فليس مزماراً للشيطان، فلا منافاة والحمد لله. ولعل من المفيد أن نذكر أيضاً بمثالٍ آخر، وهو مهم جداً من حيث الحياة الفكرية التي يحياها اليوم العالم الإسلامي جله، والذين يعتقدون بأن الموتى يسمعون، ويحتجون على ذلك بحجج كثيرة ولسنا نحن في هذا الصدد، إلا فيما يتعلق بلفت النظر إلى أن الرسول ﵊ إذا أقر أحداً على شيء فهو حق فعلينا الاستفادة من ذلك. كلنا يذكر غزوة بدر، حينما أهلك الله صناديد قريش، وألقوا في قليب بدر، ثم جاء النبي ﷺ بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فوقف على القليب ونادى أولئك الكفار القتلى بأسمائهم: (يا فلان بن فلان! لقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ قال عمر -هنا الشاهد-: يا رسول الله! إنك لتنادي أجساداً لا أرواح فيها) . ماذا نفهم نحن من قول عمر هنا؟ الجواب: نفهم من ذلك نحو فهمنا من كلمة أبي بكر هناك، ومن كلمة حفصة هناك، فنفهم أن عمر بن الخطاب يرى أن الموتى لا يسمعون؛ ولذلك فهو يستغرب ويتعجب لمناداة الرسول ﵊ لهؤلاء الموتى، حديث يقول: (يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! -بأسمائهم-: إني وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟) هذه المناداة تنافي -كما أفهم وهو حق إن شاء الله- ما كان تلقاه عمر بن الخطاب تعليماً من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن الموتى لا يسمعون، ويكفي في ذلك القرآن الكريم: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل:٨٠] . كذلك قوله : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] وهاتان الآيتان فيهما كلام من حيث التفسير، لكن خلاصة الكلام فيهما لا يتنافى أبداً مع هذه الحقيقة الشرعية، وهي: أن الموتى لا يسمعون، وهذه الحقيقة هي التي كان عمر بن الخطاب تلقاها وتعلمها من قبل من رسوله ﷺ ، ولذلك صار عنده إشكال: كيف لقننا هذا العلم ثم هو يناديهم؟! فماذا كان موقف الرسول عليه الصلاة السلام؟ كان موقفه منه كما كان موقفه من أبي بكر، وحفصة؛ أقرهم جميعاً على ما قالوا، ولكنه أدخل على كلامهم قيداً لا يعرفونه؛ لأنهم لا يوحى إليهم كما يوحى إليه، فلقد أقر الرسول ﵊ عمر بن الخطاب على كلمته هذه، ومعنى هذا كأنه يقول له: صدقت! الموتى لا يسمعون، لكن هؤلاء يسمعونني، ولذلك قال له في الجواب بلسان عربي مبين: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) أي: هؤلاء يسمعونني، فأنت يا عمر! الذي تلقيته مني حق وصواب، لكن اعلم أن هذه معجزة وكرامة خاصة من الله لنبيه ﷺ حيث أسمعهم صوته، ومن شأنهم أنهم لا يسمعون، لم؟ لأنهم موتى. ويؤكد هذا المعنى أن الإمام أحمد ﵀، روى هذه القصة بإسناده الصحيح في المسند: أن عمر قال: والموتى لا يسمعون. أيضاً جاء الجواب كما سمعتم لم يقل له: أنت مخطئ، بل الموتى يسمعون -لو كان هو مخطئاً- لكنه أقره على هذه العبارة الصريحة، ولكن أدخل في ذلك قيداً وهو: أن الموتى لا يسمعون إلا هؤلاء، ولذلك جاء في صحيح البخاري في هذه القصة من طريق قتادة عن أنس بن مالك -هذه القصة التي رويناها باستثناء رواية الإمام أحمد مروية في الصحيحين - قال قتادة: [أحياهم الله له، فأسمعهم صوته تبكيتاً وتحقيراً ونكاية بهم] إذاً: هذا الانتباه لإقرار الرسول ﵊ لكلام الصحابي، فهذا معناه أن كلام الصحابي حق، لكن ينظر هل أدخل عليه الرسول ﵊ شيئاً من التخصيص والتقييد فيضاف إليه، فنخرج بنتيجة سليمة مائة بالمائة، فالموتى لا يسمعون إلا هؤلاء فإنهم قد سمعوا، وآلات الطرب لا تجوز وبخاصة الدف إلا في يوم العيد، والناس كلهم لا بد أن يدخلوا النار كما فهمت حفصة من الآية، ولكن يختلفون من صالح يمر مروراً (ترانزيت) كما يقولون اليوم إلى الجنة، أما الكفار فيلبثون فيها أحقاباً.

стр. 356

حكم تعلم آلات الطرب وما يستثنى منها في العرس السؤال ما دام أن آلات الطرب جائزة في يوم العيد، فهل يجوز تعليمها؟ الشيخ: أتعني اتخاذها مهنة؟ السائل: إما اتخاذها مهنة، أو إدخال تعليمها في المدارس. الجواب لا فرق بارك الله فيك! فالذي يريد أن يعلم يكون قد اتخذ ذلك مهنة، كالمعلم يعلم الناس أي علم، فلا يجوز تعليمها، والمسألة أبسط -ولا أريد أن أقول أحقر- من أن تحتاج إلى تعلم؛ لأنها مسألة فطرية، فالناس يرقصون ويضربون الدفوف، دون أن يحتاجوا إلى تعليم، فالمسألة أبسط من ذلك. السؤال: ما هي المستثنيات من آلات اللهو في العرس؟ الجواب: من المستثنيات الواردة في السنة الصحيحة من مزامير الشيطان الضرب بالدف في العرس؛ لأن النبي ﷺ قد قال: (اضربوا عليه بالدف) ، وكانوا كذلك يفعلون في عهد النبي ﷺ ، وقد شرحت هذه المسألة بشيء من التفصيل في كتبي آداب الزفاف في السنة المطهرة، فمن شاء التوسع في ذلك رجع إليه إن شاء الله.

стр. 357

حكم الأناشيد واستخدام الدف فيها السؤال ما الحكم بالنسبة للأناشيد التي تضرب فيها الدفوف؟ الجواب هذه الأناشيد تسمى اليوم بغير اسمها (أناشيد دينية) ، بينما لا يوجد في الإسلام أناشيد دينية، لكن يوجد في الإسلام شعر بلا شك! يقول الرسول ﵊ في بعضه: (إن من الشعر لحكمة) ، أما أن نتغنى بأشعار ونسميها أناشيد، وأناشيد دينية، فهذا شيء لا يعرفه سلفنا الصالح إطلاقاً، وهذا في الواقع له علاقة بمبدأ كنا تحدثنا عنه قريباً في بعض جلساتنا هنا، وهو يتلخص باعتقاد ما يدندن حوله العلماء في مثل هذه المناسبة: وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف. فلم يكن من عادة السلف أن ينشدوا أناشيد ويسموها دينية، ولا سيما إذا اقترن بها بعض الآلات الموسيقية كالدف، وأنكر من ذلك أن نأتي بأذكار يقترن بها بعض الآلات الموسيقية -أيضاً- ونسميها (ذكراً) ، وليس هو من الذكر الإسلامي في شيء، خلاصة القول: ليس هناك أناشيد دينية، وإنما هناك أشعار لطيفة في معانيها، يجوز أن يتغنى بها إما انفراداً وإما في بعض الاجتماعات كالعرس، وكما جاء من حديث عائشة ﵂ أنها أقبلت من عرس للأنصار، فسألها الرسول: (من أين؟ قالت: من عرس للأنصار، قال ﵊ لها: هل غنيتم لهم؟ فإن الأنصار يحبون الغناء، قالت: ماذا نقول يا رسول الله؟! قال ﵊: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ) ولولا الحنطة السمراء لم تسمن عذاراكم انظروا الشعر العربي النزيه، ليس فيه شيء من الكلام الذي لا يليق، فهو شعر، ولكن ليس شعراً دينياً، بل شعر ترويح عن النفس بكلام مباح، هذا هو الذي كان معروفاً في ذلك العهد.

стр. 358

حكم الأكل مما ذبح عند الأضرحة السؤال هل يجوز أكل ما ذبح للأولياء والأضرحة، علماً بأن الذابح يذكر اسم الله عند الذبح؟ الجواب هذا مما أُهِل لغير الله فلا يحل أكله.

стр. 359

نصف العلم السؤال قال رسول الله ﷺ : (أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة) ما هو التفسير الممكن لهذا الحديث، بما لا يتعارض مع المعلوم من أن الله يتوب على الكافر إذا أسلم، فهل قتل المؤمن أشنع من الكفر؟ الجواب نصف العلم لا أدري.

стр. 360

حكم صلاة الحامل جالسة السؤال يسأل السائل فيقول: هل يجوز للمرأة الحامل في الشهور الأولى إن خافت الإجهاض أن تصلي وهي جالسة؟ الجواب إذا كان من المعلوم أن الفتوى على قدر النص، فأنا أقول: يجوز، لكني غير مطمئن أن المرأة إذا صلت قائمة تخاف على نفسها أن تجهض، لكن كما قال تعالى: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] ، فإذا كانت هذه المرأة غير موسوِسة، أو غير موسوَسة -يجوز الوجهان لغةً- ويغلب على ظنها فعلاً أن تسقط؛ فيجوز أن تصلي قاعدة. وأنا أعرف أن الأطباء ينصحون الحوامل بأن يتحركن وأن يمشين، ونعرف من التاريخ الإسلامي الأول أن المرأة كانت تضع وهي على ناقتها، لكن مع ذلك أعرف أن الحياة المدنية، وما أحاط الله الناس اليوم به من نعم لا يعرفها السابقون الأولون، قد جعلتهم لا يتحملون من المتاعب والمصاعب والمشاق، خاصة ما يسمى (بالجنس اللطيف) ، فلا أستبعد من هذا الجنس اليوم أن تخشى أن تسقط ولدها من بطنها إذا قامت تصلي قياماً لربها.

стр. 361

الجمع بين الأدلة التي تثبت السماع للموتى والأدلة التي تنفي السماع السؤال قلت في مسألة: إن الموتى لا يسمعون، وقد جاء في أحاديث إثبات السماع للموتى مثل: (إن الميت يسمع قرع نعال المشيعين عند انصرافهم عنه) فهل يصح هذا الحديث؟ وكيف نوفق بينه وبين ما سبق أن قلت في هذا الخصوص؟ الجواب أولاً: هذا الحديث صحيح؛ لأنه مخرج في صحيح البخاري: (إذا وضع الميت في قبره وانصرف الناس عنه إنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرون) هذا الحديث صحيح، لكن هذا كذاك، أي: هذا مستثنى من القاعدة العامة؛ لأنه يقول: (حين) فهو ليس في كل حين يسمع، فنفس الحديث يعطيك تخصيصاً ولا يعطيك العموم: (يسمع قرع نعالهم حين ... ) فما معنى (حين) ؟ أي: وقت، (حين يولون عنه مدبرين) لكن هل يعني الحديث: أن الموتى كلما مر مار من المقابر فهم مشغولون بسماع قرع نعالهم؟ الجواب: لا. السائل: يا شيخ! ألا يحمل المعنى على وجه البلاغة كما في بعض الإعلانات؟ الشيخ: ما هو الذي يحمل يا أخي! حدد كلامك؟ السائل: في قوله: (يسمع قرع نعالهم) مثلاً: في إعلان عن شقة، نقول: شقة ترى البحر، فهي لا ترى البحر ولكنها في موضع يسمح لمن فيها برؤية البحر، فهنا المعنى يحمل على أن الصوت يصل إليهم، فلو أن حياً في مكانهم لسمع قرع النعال. الشيخ: أتعني أنهم لا يسمعون؟ السائل: نعم. الشيخ: في النهاية أنك تعني: أنهم لا يسمعون قرع نعالهم؟ السائل: أنا أتصور والله أعلم. الشيخ: أنا أسألك حتى أفهم منك، أتعني أنهم لا يسمعون قرع النعال؟ السائل: قد يحمل المعنى على ذلك، والله أعلم. الشيخ: وقد لا يحمل، فما الذي تستفيده من القدقدة؟! ثم أنا أذكر السائل وسائر الحاضرين بقاعدة لغوية مهمة جداً: إذا دار الأمر بين التقدير وعدمه؛ فالأصل عدم التقدير. بعبارة أخرى: إذا أمكننا أن نفسر العبارة أو الجملة العربية من كلام الله، أو من حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو أي جملة عربية إذا أمكننا أن نفسرها على الحقيقة؛ فلا يجوز تفسيرها على المجاز، إلا إذا قامت القرينة الشرعية أو العقلية، فحينئذٍ يقال: وجدت القرينة التي تضطرنا إلى تفسير الآية أو الحديث، أو الجملة العربية على المجاز وليس على الحقيقة. لكن إذا دار الأمر بدون وجود قرينة بين تفسير الجملة على الحقيقة أو على المجاز؛ فالأصل الحقيقة وليس المجاز، وإلا فسدت اللغة، وفسد استعمالها بين الناس، فإذا قال قائل: جاء الأمير، فهل يجوز للسامع أن يفهم جاء خادم الأمير؟ على الرغم من أن هذا التعبير عربي معروف، وهو بتقدير مضاف محذوف، لكن لا يجوز؛ لأنه ليس هناك ما يضطر السامع أن يتأول قول القائل: جاء الأمير. بمعنى: ليس الأمير، وإنما جاء خادمه، أو نائبه إلخ، ولو فتح هذا الباب لفسد التفاهم بين الناس باللغة العربية، ومن هنا كان من رد العلماء والفقهاء على غلاة الصوفية الذين يقولون -بما يعرف عند العلماء- بوحدة الوجود، والذين يتكلمون بعبارات صريحة في الكفر وفي وحدة الوجود، فيأتي المدافعون بالباطل عن أولئك الصوفية فيتأولون كلامهم تأويلاً يتفق في نهاية المطاف مع الشريعة، فنحن نقول لهؤلاء: بهذه الطريقة لا يمكن أن نقول: إن هذا الكلام كفر، وقد قلت مرة لبعضهم: ائتني بأي جملة فيها كفر في ظاهر العبارة، وأنا -على طريقتكم- أجعلها توحيداً خالصاً؛ وهذه الطريقة هي تأويل النصوص، مثلاًَ: لما قال قائلهم المغرق في الضلال: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسته فيتكلفون في تأويل: (وما الكلب والخنزير إلا إلهنا) . أي: إلا إلى هنا، (إلى) حرف جر بعده (هنا) ، ما هذا التأويل؟! لذلك مثل هذا التأويل يمكن إجراؤه على أي عبارة، مثلاً: أنا أقول لو قال قائل: القسيس خلق السموات والأرض، ما رأيكم في هذا الكلام يجوز أو لا يجوز؟ بالإجماع لا يجوز، لكن أنا أجعله توحيداً بطريقة الصوفية، وهو رب القسيس، وهذا معروف في اللغة، وهو تقدير مضاف محذوف، على حد قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف:٨٢] اسأل ماذا؟ حيطانها؟! شجرها؟! لا. إنما أهلها، كذلك العير، لكن هذا المضاف المحذوف، الأسلوب العربي نفسه يوحي به إلى السامع، فهنا لا يتساءل أحد: يا ترى هل المقصود هنا فعلاً القرية؟ الجواب: لا. ولذلك تسمية هذا التعبير في اللغة العربية بالمجاز مما يدفعه ابن تيمية ﵀ في رسالته الخاصة بالحقيقة والمجاز، يقول: إن تسمية هذه العبارة بأنها مجاز من باب حذف المضاف، فهذا اصطلاح طارئ، وإلا فالعرب ما كانوا يفهمون من هذه العبارة إلا معنى واحداً هو الذي يسمونه بالمجاز بحذف المضاف، كذلك -مثلاً- في الأسلوب العربي: سال الميزاب، على طريقة المتأخرين في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، حقيقة هذه العبارة سال الميزاب، أي: الميزاب من شدة الحرارة ذاب وصار سائلاً؛ لكن مَن من العرب إذا سمع هذه العبارة يتبادر إلى ذهنه المعنى الذي يسمونه حقيقة؟ فيقولون: هنا المقصود المجاز، هذا المعنى الذي يسمونه مجازاً في هذا المثال هو المعنى الحقيقي المراد منه، سال الميزاب، أي: سال ماء الميزاب، مثل: واسأل القرية تماماً، وهكذا أمثلة كثيرة يذكرها ابن تيمية، منها مثلاً: جرى النهر، النهر: هو الأخدود الذي يجري فيه الماء، فعندما يقول العربي: جرى النهر، فلا هو يعني: جرى الأخدود نفسه بدون ماء، ولا السامع منهم من العرب يفهم إلا الذي أراده، أي: جرى ماء النهر. إذاً: تسمية هذه التعابير بأنها مجاز يقول ابن تيمية: هذا خطأ، المجاز: هو الذي يخرج المعنى الظاهر من العبارة إلى معنى آخر لوجود قرينة، لكن هنا لا معنى آخر إلا معنى واحد محدد وهو: اسأل القرية، أي: أهلها سال الميزاب، أي: ماؤه جرى النهر أي: ماؤه، من هنا يصل ابن تيمية إلى الرد على المتأخرين الذين يتأولون آيات وأحاديث الصفات، بأن يلجئوا إلى ارتكاب طريق التأويل وهو سلوك طريق المجاز، لكن ما الذي يضطرهم إلى ترك فهم المعاني من هذه الآيات وتلك الأحاديث المتعلقة كلها بالصفات على حقائقها، لا سيما وهم يقولون -المتقدمون منهم والمتأخرون- الأصل في كل عبارة أن تفسر على حقيقتها، فمثلاً قوله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] أي: بذاته، فيقولون: لا يجوز هذا الفهم، ويتأولونه (جاء رحمة ربك) ، فأيّ مضاف محذوف يقدمونه؟ وعلى ذلك فقس، ونحن نقول: الحق كما نطق الحق في كتابه (وجاء ربك) لكن كيف يجيء؟ لا ندري، وهذا البحث طرقه العلماء قديماً وحديثاً، ونحن في مناسبة قريبة تعرضنا لمثله أيضاً. الخلاصة: أن الكلام العربي أول ما ينبغي أن يفسر به هو على الحقيقة، فقوله ﵊: (إذا وضع الميت في قبره فإنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرون) فهو يسمع قرع النعال على الحقيقة، بل أنا أقول خلاف ما قلت أنت، فلا يمكن أن نتصور أنه يسمع كل شيء؛ لأنه هو بكل شيء سميع، وهذا أمر مستحيل! لكن ما دام أن الأصل أن الموتى لا يسمعون كما شرحنا لكم آنفاً، فإذا جاء نص ما يعطي لميت ما أو موتى سماعاً ما نستثنيه من القاعدة، نقول: إن المشركين في القليب سمعوا قول الرسول ﷺ ، لكن ما كان يجري حولهم من أحاديث الصحابة، وحينما قال عمر: يا رسول الله! إنك لتنادي أجساداً لا أرواح فيها. لا نقول إنهم سمعوا قول عمر؛ لأن سماعهم لقول الرسول معجزة للرسول فيوقف عندها. كذلك في هذا الحديث: يسمع الميت قرع نعالهم وحسب، وما نزيد على ذلك، لسببين اثنين: أولاً: أنه خلاف الأصل، وهو: أن الموتى لا يسمعون. ثانياً وأخيراً: أن الأمور الغيبية -وهذا من الغيب في البرزخ- لا يتوسع فيها أبداً، والحق الوقوف عند النص، وعدم الزيادة عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 362

صفة السجود السؤال ما هي صفة السجود؟ الجواب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) ، وهذا الحديث من عجائب ما جرى من الخلاف حول فهمه، وأعجب من ذلك العجب أن يقع ذلك من العرب أهل الإبل! حيث أن النبي ﷺ يقول: (فلا يبرك كما يبرك البعير) ثم يفسر هذا الإجمال بقوله: (وليضع يديه قبل ركبتيه) فادعى بعض العرب، فضلاً عن غيرهم من العجم، أن الحديث من المقلوب، فزعموا أن الراوي أراد أن يقول: وليضع ركبتيه قبل يديه، فانقلب -في زعمهم- الحديث عليه فقال: وليضع يديه قبل ركبتيه، وذلك من ذهولهم عما يشاهدونه في بلادهم من بروك الجمل، فالجمل إذا برك برك على مقدمتيه، -أي: على يديه- مع العلم أن ركبتيه في يديه وليستا في مؤخرتيه، ولذلك فالجمل يختلف عن الإنسان من هذه الحيثية، فركبتا البعير في مقدمتيه، لذلك لما قال الرسول ﵊: (فإذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير) أي: لا يبرك على ركبتيه اللتين يبرك البعير عليهما، وإنما ليتلقى الأرض بكفيه، ثم يتبعهما بركبتيه. أما حجة المخالفين لهذين الحديثين الصحيحين، فهو حديث أخرجه أيضاً أبو داود وغيره من رواية وائل بن حجر: (أنه رأى النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) لكن هذا الحديث هو من طريق شريك بن عبد الله القاضي، وهو وإن كان قاضياً فاضلاً، وصدوقاً صادقاً، فقد اتفق علماء الحديث على أنه كان سيئ الحفظ؛ ولذلك لما روى له الإمام مسلم في صحيحه إنما أخرج له مقروناً بغيره، إشارة منه إلى أنه لا يحتج بما تفرد به، فهذا الحديث إذاً ضعيف سنده، ومع ضعفه في سنده خالف الحديثين الأولين الصحيحين، ولذلك فلا يجوز المعارضة به لذينك الحديثين الصحيحين، هذا ما يمكن الجواب به عن هذا السؤال بإيجاز.

стр. 363

القصر في السفر السؤال متى يقصر الإنسان في السفر؟ الجواب سؤال متى يقصر الإنسان في السفر؟ له شعب، فيمكن أن يقال في الجواب: إذا خرج من بنيان بلدته، وفي ظني أن السائل لا يعني هذا فقط، وكأني أشعر بأنه يعني: ما هو السفر الذي يقصر فيه المسافر؟ الحقيقة: أن هذه المسألة أيضاً مسألة جرى فيها خلاف كثير وطويل جداً، وليس هناك نص صريح من كتاب الله، أو من حديث رسول الله ﷺ ، يمكن أن يعتبر نصاً قاطعاً رافعاً للخلاف، وإنما هناك الترجيح فقط، ونحن مع أولئك الذين ذهبوا إلى أن مطلق السفر هو سفر تجري عليه أحكام السفر والمسافر، وهذا مأخوذ من مثل قوله ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة:١٨٤] . فكما أن الله أطلق المرض في هذه الآية، كذلك أطلق السفر، فكل ما كان سفراً، سواءً كان طويلاً أم قصيراً، فهو سفر تترتب عليه أحكامه، ولا ينظر بعد ذلك إلى المسافة أن يقال مثلاً: يوم وليلة، أو ثلاثة أيام بلياليها، أو نحو ذلك، فإذا عرفنا أن هذا هو القول الراجح وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه، بل وفي رسالته الخاصة بأحكام السفر، التي كانت قد طبعت في جزء ضمن خمسة مجلدات، وهي طبعة المنار للسيد رشيد رضا ﵀، وطبعت في مصر. إذا عرفنا أن السفر مطلقاً هو الذي يترتب عليه أحكام المسافر، فحينئذٍ مجرد أن يخرج المسافر من بلدته تجري عليه أحكام المسافر، فإذا نزل في البلدة التي كان قاصداً إليها فهناك لا يزال مسافراً أيضاً؛ سواء أكثرت أم قلت، فهو لا يزال في حكم المسافر، إلا إذا نوى الإقامة، أما ما دام لم يعزم الإقامة، وهو يقول في نفسه: اليوم أسافر وغداً أسافر وهكذا، فمهما كانت المدة التي أقامها في البلدة التي سافر إليها طويلة فهو لا يزال مسافراً. وقد ثبت أن الصحابة حينما خرجوا للجهاد في سبيل الله نحو خراسان من بلاد إيران اليوم، هناك نزلت الثلوج بغزارة فقطعت عليهم طريق الرجوع إلى بلادهم، فظلوا ستة أشهر وهم يقصرون الصلاة؛ لأنهم كانوا يأملون أن تزول هذه الثلوج إما بطريقة ربانية إلهية، أو بطريقة صناعية كما قد يفعلون اليوم في بعض البلاد. إذاً: بهذا نعرف أن السفر ليس له حد يسمى، وإنما هو على الإطلاق كالمرض، وأن أحكامه تبدأ بمجرد خروج المسافر من بلدته، فإذا وصل إلى البلدة القاصد إليها فهو لا يزال مسافراً إلا أن يعزم الإقامة، أما ما دام أنه لم يعزم الإقامة فهو مسافر.

стр. 364

حكم لبس البنطلون السؤال ما حكم لبس البنطلون؟ الجواب البنطلون هو من المصائب التي أصابت المسلمين في هذا الزمان؛ بسبب غزو الكفار لبلادهم، وإتيانهم بعاداتهم وتقاليدهم إليها، وتبني بعض المسلمين لها، وهذا بحث يطول أيضاً، لكني أقول بإيجاز: إن لبس البنطلون فيه آفتان اثنتان: الأولى: أنها تحجّم العورة، وبخاصة بالنسبة للمصلين الذين لا يلبسون اللباس الطويل الذي يستر ما يحجمه البنطلون من العورة من الإليتين، بل وما بينهما في السجدتين، وهذا أمر مشاهد مع الأسف لا سيما في صلاة الجماعة، حيث يسجد الإنسان فيجد أمامه رجلاً (مبنطلاً) -إن صح التعبير- فيجد هناك الفلقتين من الفخذين، بل وقد يجد بينهما ما هو أسوأ من ذلك، فهذه الآفة الأولى أن البنطلون يحجّم العورة، ولا يجوز للرجل فضلاً عن المرأة أن يلبس أو تلبس من اللباس ما يحجم عورته أو عورتها، وهذا مما فصلت القول فيه في كتاب حجاب المرأة المسلمة. والآفة الأخرى: أنها من لباس الكفار، ولم يكن لباس البنطلون أبداً يوماً ما في كل هذه القرون الطويلة في لباس المسلمين، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) ، وجاء في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ جاء إليه رجل فسلم عليه، فقال له: هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) ولذلك فيجب على كل مسلم ابتلي بلباس البنطلون لأمر ما أن يتخذ من فوقه جاكيتاً طويلاً، أشبه بما يلبسه بعض إخواننا الباكستانيين أو الهنود، من القميص الطويل الذي يصل إلى الركبتين، هذا في الواقع مما يخفف من تحجيم البنطلون لعورة المسلم.

стр. 365

الدعوة السلفية تكلم الشيخ في البداية عن أصول الدعوة السلفية، ثم بين مقاصدها، ومن ثم قارن بينها وبين منهج المعتزلة والمتصوفة والقاديانية في التأويل. ثم تحدث عن حكم اجتهاد العامة في استنباط أحكام الكتاب والسنة. وبعد ذلك تكلم عن حكم تعطيل السنة بحجة مصلحة الدعوة، ثم تكلم عن منهج السلف في الأخذ باجتهادات الأعلام المتقدمين، وكذلك تكلم عن مفهوم التجديد للإسلام.

стр. 366

أصول الدعوة السلفية ومقاصدها السؤال ما هي أصول الدعوة السلفية ومقاصدها؟

стр. 367

أصول الدعوة السلفية هذا سؤال هام بطبيعة الحال، وسوف نجيب بقدر ما يساعد المكان والزمان. نقول: أصول الدعوة السلفية قائمة -كما يعلم الجميع- على ثلاث دعائم: الدعامة الأولى: القرآن الكريم. والدعامة الثانية: السنة والسنة الصحيحة، ويركز السلفيون في كل بلاد الدنيا على هذه الناحية (السنة الصحيحة) ؛ ذلك لأن السنة -بإجماع أهل العلم- قد دخل فيها ما ليس منها منذ أكثر من عشرة قرون، هذا أمر لا خلاف فيه؛ ولذلك من المتفق عليه أيضاً أنه لا بد من تصفية السنة مما دخل فيها مما ليس منها؛ ولذلك فالسلفيون يتبنون أن هذا الأصل الثاني (السنة) لا ينبغي أن يؤخذ على واقعه؛ لأن فيه الضعيف والموضوع مما لا يجوز الأخذ به حتى ولا في فضائل الأعمال، فهذا هو الأصل الثاني، وهذا متفق عليه تقريباً بين المسلمين سلفهم وخلفهم. والدعامة الثالثة: وهو مما تتميز به الدعوة السلفية على كل الدعوات القائمة اليوم على وجه الأرض؛ ما كان منها من الإسلام المقبول، وما كان منها ليس من الإسلام إلا اسماً، فالدعوة السلفية تتميز بهذه الدعامة الثالثة ألا وهي: أن القرآن والسنة يجب أن يفهما على منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم، أي: القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية بنصوص الأحاديث الكثيرة المعروفة، وهذا مما تكلمنا عليه بمناسبات شتى، وأتينا بالأدلة الكافية التي تجعلنا نقطع بأن كل من يريد أن يفهم الإسلام من الكتاب والسنة بدون هذه الدعامة الثالثة فسيأتي بإسلام جديد، وأكبر دليل على ذلك الفرق الإسلامية التي تزداد في كل يوم؛ والسبب في ذلك هو عدم التزامهم هذا المنهج الذي هو الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح. لذلك نجد الآن في العالم الإسلامي طائفة ظهرت من جديد، وطلعت علينا من مصر، ثم بثت أفكارها وسمومها في كثير من بلدان العالم الإسلامي، ويدعون أنهم على الكتاب والسنة، وما أشبه دعواهم بدعوى الخوارج؛ لأنهم أيضاً كانوا يدعون التمسك بالكتاب والسنة، ولكنهم كانوا يفسرون الكتاب والسنة على أهوائهم، ولا يلتفتون إطلاقاً إلى فهم السلف الصالح وخاصة الصحابة منهم، وأنا لقيت من هؤلاء أفراداً كثيرين، وفي الفترة القريبة في الأردن جادلت رأساً من رءوسهم للمرة الثانية، وهو يصرح بأنه لا يعتد بتفسير الآية ولو جاء عن عشرات من الصحابة، أي: لو جاء هذا التفسير عن عشرات من الصحابة، فهو لا يقبل هذا التفسير إذا كان هو لا يراه، وهذا الذي يقول هذا القول لا يستطيع أن يقرأ آية بدون لحن وغلط وخطأ فيها، هذا هو سبب انحراف الخوارج القدامى، الذين كانوا عرباً أقحاحاً، فماذا نقول عن الخوارج المحدثين اليوم، الذين هم إن لم يكونوا أعاجم فعلاً فهم عرب استعجموا، وليسوا عجماً استعربوا، هذا واقعهم، فهؤلاء يصرحون بأنهم لا يقبلون تفسير النص إطلاقاً، إلا إذا أجمع عليه السلف، هكذا يقول قائلهم تمويهاً وتضليلاً. فقلت له: وهل تعتقد إمكان إجماع السلف على تفسير لنص من القرآن؟ قال: هذا مستحيل. قلت: إذاً أنت تريد المستحيل، أم أنك تتستر؟ فخنس وسكت. الشاهد: أن سبب ضلال الفرق كلها قديماً وحديثاً هو عدم التمسك بهذه الدعامة الثالثة: أن نفهم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح. المعتزلة المرجئة القدرية الأشعرية الماتريدية؛ وما في هذه الطوائف كلها من انحرافات، سببها أنهم لم يتمسكوا بما كان عليه السلف الصالح؛ لذلك قال العلماء المحققون: وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف. فهذا ليس شعراً، بل هذا الكلام مأخوذ من الكتاب والسنة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] لماذا قال: ويتبع غير سبيل المؤمنين؟ كان يستطيع ربنا أن يقول: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) فلم قال: ويتبع غير سبيل المؤمنين؟ حتى لا يركب أحد رأسه، ولا يقول: أنا فهمت القرآن هكذا، وفهمت السنة هكذا، فيقال له: يجب أن تفهم القرآن والسنة على طريقة السلف المؤمنين الأولين السابقين. وقد أيد هذا النص من القرآن نصوص من أحاديث الرسول ﵊، كحديث الفرق، قال ﵊: (كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: في رواية الجماعة. وفي أخرى: ما أنا عليه وأصحابي) لماذا وصف الفرقة الناجية بأن تكون على ما كانت عليه الجماعة، وهي جماعة الرسول ﷺ ؟ لكي يسد الطريق على المؤولين، وعلى المتلاعبين بالنصوص.

стр. 368

منهج المعتزلة في تأويل النصوص يقول تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] نص صريح في القرآن أن الله يمتن على عباده المؤمنين يوم القيامة، فيرون وجهه الكريم، كما قال الفقيه الشاعر السلفي: يراه المؤمنون بغير كيفٍ وتشبيهٍ وضربٍ للمثال قالت المعتزلة: لا يمكن للعبد أن يرى ربه لا في الدنيا ولا في الآخرة. أين تذهبون بالآية؟ قالوا: معناها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] أي: إلى نعيم ربها ناظرة، فهذا تأويل، بمعنى: إلى نعيم ربها، ربنا قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ [القيامة:٢٣] من أين جئت بهذه؟ قال: هذا مجاز الحذف، ومن هنا أنكر ابن تيمية المجاز في القرآن؛ لأنه كان معولاً من أعظم وأقوى المعاول هدماً للعقيدة الإسلامية، هذا النص يثبت لله نعمة منه على عباده أن يروه يوم القيامة، ويقول هؤلاء: لا يمكن! الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فيقولون: لا. ليس سميعاً ولا بصيراً، لم؟ لأننا إذا قلنا: سميع بصير شبهناه بأنفسنا، إذاً ما معنى: سميع بصير؟ قالوا: عليم، سميع بصير لفظتان عربيتان تساوي عندهم عليم فقط، وهل خلصنا من المشكلة، وفلان العليم! اليوم يقال عند الدكتور في اللغة العربية: عليم، تعبير لا بأس فيه، ويجوز أن نقول عن الإنسان: عليم، مبالغة في الوصف، هل يجوز أن نقول: فلان عليم؟ نعم. إذاً: لا نقول الله عليم؛ لأنه صار فيه تشبيه لله بعبد الله، وهكذا عطلوا صفات الله ، ووصل بهم الأمر أن أنكروا وجود الله، سواء اعترفوا أو لم يعترفوا فذلك يلزمهم، ورحم الله ابن القيم حين يقول: (المجسم يعبد صنماً، والمعطل -أي: المؤول- يعبد عدماً) ، ولذلك يقول هؤلاء المؤولة الذين لم يلتزموا منهج السلف الصالح في آيات وأحاديث الصفات، يقولون: الله لا فوق. هل تجدون في القرآن (الله لا فوق) ؟ نجد في القرآن يصف عباده: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] هم يقولون: لا فوق، تجدون في القرآن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] إلى آخر ذلك الله لا فوق -مثلاً- إذاً هل هو تحت؟ لا تحت، إذاً هل هو يمين؟ لا يمين ولا يسار، لا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، إذاً ماذا بقي؟ العدم. هذا هو العلم الذي تورط فيه كل علماء الكلام بدون استثناء، إلا من كان على منهج السلف الصالح، فكل علماء الكلام، لا أستثني لا أشاعرة ولا ماتريدية إلا أفراداً منهم آمنوا بما كان عليه السلف الصالح، كما قال صاحب قصيدة بذل الأماني: ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال يعني: ليس كمثله شيء، الله وصف نفسه بأنه على العرش استوى. ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال انظروا -يا إخواننا الشباب! - بصورة خاصة، نحن الآن نزعم بأننا نريد أن نحقق المجتمع الإسلامي، وأن نقف جبهة أمام الإلحاد، وأمام الشيوعية، ونحوها من الأحزاب، فبم نقف أمامهم؟ أبعلم كتاب الله وحديث رسول الله على منهج السلف الصالح، أم بعلم الكلام؟ لا تشعرون في الواقع -ولعل هذا من الخير لبعضكم- لو أنكم درستم علم الكلام لأقام المبطلون الحجة عليكم؛ لأن الملحد الشيوعي ونحوه حين يقول لك: لا يوجد في هذا الكون إله، لا تستطيع أنت أن تقيم الحجة عليه وأنت تقول: يوجد إله؛ لأنه قد يقول لك: أرني إياه، مثلما قال لي أحدهم: إن الذي صعد إلى القمر ما رأى الله عليه، يقول لك الشيوعي: أرني رب العالمين. تقول له أنت: لا فوق ولا تحت، لا يمين ولا يسار، لا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، فهذا الكلام أتقدر أن تقيم به الحجة على الملحد؟ الجواب لا. لكن لو أنك تلوت آيات الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] والله أكبر من كل شيء إلخ، نحن لا نريد أن تقنعه، حسبنا أن نقيم الحجة عليه، ولله الحجة البالغة على الناس، فإذا قلت له هذا الكلام الذي يوجد في كتب الماتريدية والأشاعرة -إلا قليلاً منهم -كما قلنا- ما استطعت أن تدعو إلى إسلامك، لكن أقول: من الخير لكم أو لبعضكم، أنه لم يقرأ علم الكلام، هذه حقيقة، ولا يعرف أنه قد يسمع هذا الكلام فيستغرب، ويقول: أيوجد من المسلمين من يعتقد هذه العقيدة؟ نعم. اقرءوا كتب الغزالي اقرءوا إحياء علوم الدين اقرءوا بعض الرسائل الجديدة المطبوعة والمنشورة اليوم باسم العقائد؛ فستجدون فيها الجحد الذي يساوي: أنا أؤمن بالله، ولا أؤمن بالله أؤمن بالله على أساس لا كبير ولا صغير، أي: لا يوصف بأنه كبير ولا صغير، وهذا مطبوع في طبعة جديدة وعصرية، وأنه لا فوق ولا تحت، لا يمين ولا يسار. إلخ، سيجد أنها لا توزن لا بميزان، ولا بقبّان، ولذلك رحم الله أحد أمراء دمشق حيث حضر مناقشة جرت بين شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثال هؤلاء المعطلة، لما سمع كلامهم، وسمع كلام ابن تيمية المستند إلى الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح؛ اقتنع أن هذه هي العقيدة الصحيحة، والتفت إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: هؤلاء -يشير إلى المشايخ- قوم أضاعوا ربهم. لماذا؟ لا فوق ولا تحت، لا يمين ولا يسار إلخ.

стр. 369

من ضلالات الصوفية الشاهد -والكلام طويل في هذا المجال- ما الذي أودى بعلماء المسلمين، فضلاً عن طلاب العلم، فضلاً عن عوام المسلمين، إلى هذا الحضيض وهذا الضلال المبين؟ اليوم على غير ما مبالاة أحدنا يقول: الله موجود في كل مكان الله موجود في كل الوجود، هذه هي بذاتها ولكنه إلحاد على نمط آخر، ووحدة الوجود التي يقول بها غلاة الصوفية هي على ألسنتنا في كل يوم: الله موجود في كل مكان الله موجود في كل الوجود. وحدة الوجود تفخر بأنها موحدة، لا يوجد خالق ومخلوق، فالخالق والمخلوق شيء واحد، وهذه هي وحدة الوجود، وهذه فلسفة من علم التصوف، كما أن عامة المسلمين -والحمد لله- ما قرءوا هذا العلم، لكن هم واقعون ولا يجهرون، هم يقولون: الله موجود في كل مكان. هذا شخص جاء إلي في رمضان منذ ثلاثين سنة، وأنا سهران بعد صلاة التراويح، فجاء إلي ليقول: أنت الذي تنكر وجود الخضر وتقول: إنه ميت؟ قلت له: نعم. قال: أنا الخضر، فلما سمعت هذا الكلام قلت له: اتق الله يا رجل! ظناً مني أنه عاقل، فقال: أنا شرعة الله ومحمد، ماذا أعمل؟ هذا صوفي، وقد قرأ الفتوحات المكية على الشيخ ومات إلخ، ما الذي أوصل المسلمين إلى هذا الكفر باسم الإسلام؟ إنه الانصراف عن منهج السلف الصالح، فنحن ننصح كل المسلمين في عالم الدنيا كلها، إلى ضرورة التمسك بالكتاب والسنة، وهذه هي الركيزة الثالثة، وهي: على منهج السلف الصالح، وإلا فكل طائفة في الدنيا تقول: نحن على الكتاب والسنة.

стр. 370

القاديانية فرقة ضالة أضل فرقة اليوم تنتمي للإسلام، وتصلي الصلوات الخمس، وتحج إلى بيت الله الحرام، وهي القاديانية، مع ذلك فهم ينكرون حقائق من الإسلام باسم التأويل، وعدم التمسك بما كان عليه المسلمون -حتى الخلف منهم- لأن المسلمين جميعاً اتفقوا على أنه لا نبي بعد رسول الله ﷺ ، فكيف جاء هؤلاء يدعون الإسلام؟! ويقولون: جاء نبي اسمه ميرزا غلام أحمد القادياني، وسيأتي من بعده أنبياء كثر، وجاء أحد تلامذته هنا، وحاول أن يبث هذه الفكرة، وقام المشايخ والحمد لله تارة بالسياط، وتارة بالصياح، وتارة بالكلام، والحمد لله كفينا شرهم، وكان لي مشاركة في المجادلة معهم كثيراً. الشاهد: كيف ضل هؤلاء؟ يقولون: قال النبي ﷺ (لا نبي بعدي) أتعرفون ما معنى: لا نبي بعدي؟ أي: معي، وليس بعدي، أي: لا يوجد نبي يكون معي أنا، ولكن إذا مِتُّ سيأتي بعدي نبي. ويؤولون النص: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ما معنى: خاتم النبيين؟ يقولون: زينة النبيين، كما أن الخاتم زينة الإصبع، فالرسول زينة الأنبياء، وليس بمعنى أنه لا نبي بعده. إذاً هؤلاء المسلمون كلهم كانوا على خطأ في فهم هذه النصوص. تأتي الآية: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] كيف كان المؤمنون في فهم هذه النصوص يا قاديانيون؟! كانوا يفهمونها خطأ، إذاً ما معنى قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] والبحث كثير وطويل جداً، فحسبنا الآن أصول الدعوة السلفية ثلاثة: الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح.

стр. 371

مقاصد الدعوة السلفية أما مقاصدها: فلا شك أن من مقاصدها هو أن يحققوا المجتمع الإسلامي الذي به يمكن تحقيق الحكم بالإسلام لا بسواه، فالحكم بالإسلام في غير مجتمع إسلامي ضدان لا يجتمعان، لذلك أختم الجواب على هذا السؤال بكلمة في منتهى الحكمة -عندي- فنقول للمسلمين جميعاً: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تُقم لكم على أرضكم.

стр. 372

حكم الاعتبار بفهم العامة للقرآن الكريم والسنة في استنباط الأحكام السؤال يقال: إن الدعوة السلفية تشترط أخذ الأحكام من الكتاب والسنة، دون اشتراط أخذها عن أهل العلم والاختصاص، فهل يمكن للعامي اعتماد فهمه للنص دون الرجوع إلى أهل العلم؟ الجواب إن ما نسمعه كثيراً وكثيراً جداً من بعض الناس الذين لم يفقهوا ولم يفهموا الدعوة السلفية، لا من أشخاص الدعاة إليها مباشرة ولا من مؤلفاتهم، وإنما فهموا الدعوة السلفية من خصومهم وأعدائهم، وهؤلاء هم الذين يأتون بمثل هذا البلاء في سوء الفهم لهذه الدعوة، كثير من الناس ينقلون عنا، وبعضهم يتصل بنا، وبعضهم يحاربنا ويطعننا في الخفاء، ويقول: بأننا نحن ندعو المسلمين جميعاً حتى عامتهم إلى الفهم من الكتاب والسنة مباشرة. وأنا أقول صراحةً: لو كان هناك فعلاً أناس يدعون الجهال الأميين، الذين لا يقرءون ولا يكتبون، إلى أن يأخذوا الفقه والعقيدة والدين كله من الكتاب والسنة مباشرة، وهم لا يحسنون قراءة آية ولا رواية حديث؛ لصح كلام هذا، وصح كلام أولئك الأعداء، ولكن هل الدعوة هكذا؟ أنحن ندعو من لا يفقه شيئاً من العلم أن يتسلق على الكتاب والسنة، وأن يفرض جهله، وعاميته، وأميته على الكتاب والسنة، ثم يقول: أنا أفهم هكذا، وأنا مأمور باتباع الكتاب والسنة؟! فهذا لا يوجد مسلم -صفه كما شئت، سلفي أو خلفي- أبداً يقول بمثل هذا الكلام، ونحن قلنا دائماً وأبداً، وفي الأمس القريب نهار البارحة جاءني أشخاص من حمص، فيهم شاب مثقف بعض الشيء، وقد بلغه من اللامذهبية المعروفة ونحوها ما يشير إليه هذا الكاتب، من أننا ندعو الناس جميعاً إلى اتباع الكتاب والسنة، يعني: أن الجهال يفهمون الكتاب والسنة بجهلهم، فشرحت له المسألة بشيء من التفصيل، إيجازه قلت له: نص القرآن الكريم جعل الناس من حيث العلم والجهل قسمين: علماء، وهم الذين يفهمون الكتاب والسنة، ويقابلهم غير العلماء، ونسميهم الجهال الذين لا يفهمون الكتاب والسنة، وعلى كل من القسمين واجبه بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] إذاً: هو يخاطب الأمة في مجموعها، في علمائها وجهالها، في مثقفيها وأمييها، يقول: أنتم طائفتان: علماء وغير علماء، غير العلماء عليهم أن يسألوا العلماء: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] نحن هذا الذي ندعو الناس إليه، لكن قد نختلف مع المقلدين في مفهوم العلم والعالم، ما هو العلم؟ ومن هو العالم؟

стр. 373

قاعدة: حمل العام على الخاص لرفع الإشكال في بعض النصوص السؤال كيف يمكن الجمع بين قولي الرسول ﷺ : (ما بعث الله من نبي إلا كان في أمته قوم يهتدون بهديه ويستنون بسنته) والحديث الآخر (رأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد) ؟ الجواب الذي يبدو لي -والله أعلم- أن الحديث: (ما بعث الله من نبي إلا كان في قومه من يهتدي بهديه) هذا من النصوص العامة التي تخصص بالحديث الآخر، الذي عرض فيه على الرسول ﷺ : النبي وليس معه أحد أي: أن الغالب -وهذا أمر مقطوع به نظراً وبصراً- الغالب أن الله حين بعث الأنبياء، فلا بد أن يكون هناك من يستجيب لدعوتهم؛ ولكن ما بين أن يكون المستجيب قليلاً أو كثيراً؛ ولكن هذا لا ينفي أن يكون هناك بعض الأفراد من الأنبياء لم يستجب لهم أحد، فالحديث الأول يحمل على الغالب من شأن الدعاة مع المدعوين، أي: شأن الأنبياء مع المدعوين، فعلى الغالب أن يستجيب المدعوون لدعوة الأنبياء؛ لأنها دعوة حق، مع الاختلاف -كما قلنا- في الكثرة والقلة، ولكن أحياناً لا يستجيب للرسول أحد إطلاقاً، وهذا من جملة الامتحان والاختبار من الله . فإذاً: التوفيق بين الحديثين بقاعدة: حمل العام على الخاص، وبذلك يزول الإشكال، وهذا لا يشكل على طلاب العلم؛ لأنه مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] فهذا يشبه تماماً لو سأل سائل: كيف التوفيق بين الآية، وبين قوله ﵊: (أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد والطحال) ؟ الجواب: حرمت عليكم الميتة إلا كذا كذلك الدم إلا كذا، فهذا النص القرآني نص عام، خصص منه ما ذكر في الحديث، كذلك المبدأ العام أن كل نبي بعثه الله استجاب له من استجاب إلا، فنأخذ الاستثناء من الحديث الثاني (فرأيت النبي وليس معه أحد) ، إذاً: عام وخاص، فهكذا يكون الجمع.

стр. 374

حكم ترك السنة من أجل ما يرى أنه في مصلحة الدعوة السؤال يقال: إن الداعية إلى الإسلام يجب ألاّ يكون متشدداً بأمور السنة، وأن يتجنب -أكثر ما يمكن- المواقف التي تثير الأمور المتعلقة بالسنة، وأنه يجب أن يكون له سياسة بعيدة تقريباً عن السنة، فهل هذا صحيح ومفيد في أمور الدعوة؟ وإن كذلك فهل يجوز لنا اتباعه؟ وكيف التوفيق بينه وبين الحرص على السنة؟ الجواب الحقيقة أن السنة -لاسيما في معناها العام- لا يجوز لمسلم أن يعرض عنها ولو مؤقتاً، فالمسلم لاسيما إذا كان يقول، أو يقال عنه: إنه داعية؛ فيجب أن يدعو إلى الإسلام، والإسلام كلٌ لا يتجزأ، وأن يبين للناس كل ما يتعلق بالإسلام، لكن الأمر كما قيل: (العلم إن طلبته كثير، والعمر عن تحصيله قصير، فقدم الأهم منه فالأهم) . وأن يهتم الداعية بالدعوة إلى أهم شيء، ثم الذي يليه وهكذا، ولكن إذا كان في مناسبة ما وبدت له خطيئة من بعض الناس تخالف الشريعة في بعض الأحكام التي ليست من أصول الشريعة، لكن الوقت وقت بيان، ووقت أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ فلا يجوز له أن يكتم ذلك باسم السياسة، وإنما يدعو إلى السنة التي يعرفها في تلك المناسبة، ولكن كما قال الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] فلم يقل الله : ادع إلى شيء واترك شيئاً، وإنما أمر بالدعوة بالحكمة والموعظة وبالتي هي أحسن. فمثلاً: إذا كان هناك إنسان يصلي في مسجد، فرأى بجانبه شاباً في مقتبل العمر يصلي وهو متختم بخاتم من الذهب، فقد يرى بعض الناس أن من السياسة في الدعوة أن يسكت، وألا ينصح هذا المصلي بهذه المخالفة، فهذا من السياسة الشرعية، ومتى ينصحه يا ترى! وهو قد يفوته، ولا يراه مرة أخرى؟! والصور تتعدد وتتكرر، وخاصة من الشخص -كما قلت في أول الجواب- الذي نصب نفسه للدعوة إلى الإسلام، فهو لا يجوز أن يدعو إلى بعض الإسلام ويترك البعض الآخر، لكن يجب أن يهتم بالأهم فالأهم، هذا لا بد منه، ولكن يرى المنكر ويسكت عنه اليوم، واليومين، والثلاثة، والأربعة، والشهر، والشهرين؛ بزعم أن هذا من سياسة الدعوة؛ فلم يكن الأمر كذلك في عهد الرسول ﵊، ولا في عهد السلف الصالح، وإنما القاعدة في ذلك من ناحيتين: الناحية الأولى: من حيث الأسلوب. الناحية الثانية: من حيث عموم الأمر، فهو شامل لكل شيء؛ لأن هناك نصوصاً كثيرة جداً، ومن أشهرها ما هو معروف لدينا جميعاً: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رأى منكراً لم يستطع تغييره بيده فينزل إلى المرتبة الثانية، ويغير ذلك المنكر بلسانه، بالتي هي أحسن، كما في الآية السابقة، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، فلم يقل: إن اقتضت حكمة الدعوة أو سياسة الدعوة فعليك أن تسكت، لا. بل قال: إن استطعت، فما دمت تستطيع أن تغير المنكر مهما كان، ما دام أنه -كما جاء في السؤال- مخالف للسنة فعلينا البيان، ثم لست عليهم بمسيطر. الواقع أن المشكلة ليست مشكلة تقسيم الإسلام والدعوة إليه إلى قسمين: القسم الأول: أن ندعو إليه عاجلاً. القسم الثاني: أن ندعو إليه آجلاً، أو لا ندعو إليه بتاتاً. ليست هذه هي المشكلة، لاسيما أنه ليس هناك كتاب مصنف في بيان الإسلام الذي يجب أن ندعو إليه عاجلاً، والإسلام الذي يجب أن ندعو إليه آجلاً، أو لا ندعو إليه مطلقاً، بزعم أن سياسة الدعوة تقتضي ذلك، فليس هناك كتاب، ولا يمكن أن يوجد مثل هذا الكتاب، فهذا الذي يزعم ويريد أن يقسم الإسلام إلى قسمين: قسم ندعو إليه مباشرة، وقسم نؤجل أو ننسئ، من أين له هذا التقسيم؟ وما دليله؟ هذا في الواقع ينبغي أن يكون من أكبر علماء المسلمين؛ حتى قد يسمح له بهذا التقسيم، فأين هؤلاء؟ نحن نعرف الذين يتولون الدعوة لا يعرفون من الإسلام إلا شيئاً قليلاً، ثم هم أنفسهم يخالفون هذه القاعدة، أنا أقولها صريحة: إن الذين يدعون نظرياً إلى تقسيم الإسلام إلى قسمين: قسم هام يبدأ به، وآخر لا يشغل به، نحن نعرف أن هؤلاء يدعون إلى أمور قد لا تكون في الإسلام مطلقاً، فضلاً عن أن تكون من الإسلام الذي هو من القسم الأول الهام، ونحن تكلمنا في هذا كثيراً وكثيراً، ولذلك نقتصر على هذا، وبهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 375

منهج أهل السنة في الأخذ باجتهادات المتقدمين من أهل العلم السؤال يتهمونك بأنك لا تأخذ بأقوال الأئمة الأربعة ﵃، أو إن صح التعبير: باجتهاداتهم الفقهية، فما صحة ذلك؟ الجواب يقصد أننا نأخذ باجتهاداتنا الفقهية، أسأل الله أن يوفقنا والله المستعان. أقول: إن الذين يتهموننا بهذه التهمة شأني معهم كما قال الشاعر: غيري جنى وأنا المعذب فيكم فكأنني سبابة المتندم غيري جنى: غيري الذي لا يأخذ باجتهادات الأئمة، أما نحن فنأخذ باجتهادات الأئمة جميعاً؛ لأن الطالب للعلم لا سبيل له إلى طلب العلم إلا من طريقين: إما أن يأخذ عن إمام فقط من الأئمة الأربعة وأنا أختصر كلاماً، وأقطع مراحل لا بد من شرحها؛ لأن طلاب العلم اليوم لا يستطيعون أن يأخذوا حتى ولا من إمام واحد، إنما بالوسائط، لكن أقول: طالب العلم اليوم لا سبيل له إلى تحصيل العلم إلا من طريقين: إما أن يأخذ عن إمام واحد، والطريق الثاني: أن يأخذ عن كل الأئمة، فالطريق الأول هو طريقة المذهبيين طريقة المقلدين الجامدين، الذين أولاً: لا يلتفتون أبداً إلى ما قال الله، وإلى ما قال رسول الله. وثانياً: لا يلتفتون إلى الأخذ من الأئمة الآخرين، والذين لا ينتمي إلى مذهبهم في طلبه للعلم. إذاً: طريق طلب العلم إما بتقليد مذهب معين، وإما باتباع الأئمة دون تعصبٍ لواحد منهم على الآخرين، فما هي طريقة القوم -اليوم- الذين يتهموننا بأننا لا نأخذ باجتهادات الأئمة؟ وما هي طريقتنا؟ إذا علمتم أن طريقتنا هي الأخذ عن كل إمام، وليس فقط الأئمة الأربعة، فإن الله قد تفضل على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأئمة من أمثال الأئمة الأربعة بالعشرات، بل بالمئات، بل بالألوف المؤلفة، فالذين يأخذون بطريقة اتباع الكتاب والسنة، فهم الذين يأخذون باجتهادات الأئمة، أما الذين يقلدون مذهباً معيناً، فهؤلاء لا يستفيدون من الأئمة الآخرين، ولا يأخذون باجتهاداتهم، إذاً: فقد ظهر أن -كما قلت لكم آنفاً: غيري جنى وأنا المعذب فيكم غيري الذي لا يأخذ باجتهادات الأئمة وليس أنا، فأنا آخذ باجتهادات الأئمة كلهم، دون تفريق بين واحد والآخر منهم. ثم لابد هنا إلى التنبيه بأن هذه الطريقة التي نسلكها نحن لعدم التعصب لإمام على إمام، هي الطريقة التي خطها ونهجها نفس الأئمة الأربعة وغيرهم للمسلمين؛ لأن ذلك هو الذي يقتضيه الكتاب والسنة، ألا نقلد شخصاً معيناً؛ لأن الشخص المعين معرض للخطأ والصواب، ونحن حين نقول: خطأ، لا نعني الغمز، ولا اللمز، ولا الطعن، كما يتهمنا أولئك الناس، وإنما نعني: أنه -أي: المجتهد من هؤلاء المجتهدين- إما أن يؤجر أجرين، وإما أن يؤجر أجراً واحداً، فإذا أُجر أجراً واحداً فذلك يساوي عندنا (أخطأ) ، وأخطأ يساوي عندنا أجر أجراً واحداً، فالناس من جملة ما اضطربت فيه مفاهيمهم، وخرجوا عن الفهم الصحيح للكتاب والسنة: أن المسلم إذا قال في حق رجل عالم أخطأ، اعتبر هذا طعناً في الذي قيل فيه: إنه أخطأ، وهذا جهل، لقد قال الرسول ﷺ في أبي بكر في قضية: أخطأت. فهل طعن الرسول في صاحبه في الغار؟ حاشا! بل لقد قال في بعض أصحابه حينما أفتى فتوى فأخطأ فيها: كذب فلان، وكذب في اللغة العربية التي نكاد أن ننساها معناها: أخطأ، فنحن إذا قلنا اليوم: كذب فلان. يا لطيف! -ولا نقولها؛ لأن القوم لا يفقهون لغتهم- ولكن لا يسعنا أن نقول إلا: أخطأ، وأخطأ يساوي أجر أجراً واحداً. الخلاصة -والبحث في هذا طويل-: نحن نحترم الأئمة كلهم، ونأخذ باجتهاداتهم، وليس باجتهاد واحد منهم، وعلى العكس من ذلك؛ كل متمذهب إذا قال: نحن نحترم الأئمة ونعظمهم! فهو منافق، يقول ما لا يعتقد، في كتب المذهب الحنفي -بصورة خاصة- يقول ابن عابدين: إذا سُئلنا عن مذهبنا قلنا: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، وإذا سُئلنا عن مذهب غيرنا قلنا: خطأ كله. أي: أنا حنفي ومذهبي كله صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غير أبي حنيفة، مذهب مالك والشافعي وأحمد والثوري وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم؛ كل هؤلاء مذهبهم خطأ يحتمل الصواب، هذا قولهم مسطور مطبوع، أما نحن إذا قلنا: فلان أخطأ في هذه المسألة، ونعني: أجر أجراً واحداً، يا غيرة الله! أما المطبوعة بالكتب (كل المذاهب خطأ إلا مذهبنا) فهذا لا بأس، وهذه عقيدة يجب أن يعتقدوها. خلاصة القول: فرمتني بدائها وانسلت نحن نتبع الأئمة، وليس المقلدون هم الذين يتبعونهم، واحترامهم للأئمة إن أرادوا أن يكونوا صادقين؛ فعليهم أن يثبتوا لنا في ماذا اتبع الحنفي الشافعية، في أي مسألة؟ وفي أي مسألة اتبع الإمام مالكاً؟ وفي أي مسألة اتبع الإمام أحمد؟ حتى نعتقد أنهم يحترمون الأئمة، أما أن يظل يعيش أحدهم لا يحيد قيد شعرة عن مذهبه، ولا يعترف قيد شعرة بالمذاهب الأخرى، ويعتقد في نفسه أنه على صواب، فهو حين يقول: إنه يحترم الأئمة، يحتاج إلى ما يدعمه ويصدقه، أما نحن فواقعنا يشهد أننا نحترم الأئمة كلهم. أنا -مثلاً- رجل حنفي، وفي بلادي لا يعرف إلا المذهب الحنفي، والإسلام هناك كله مذهب حنفي، وربنا تفضل علينا وألهم أبانا فهاجر بنا؛ لنتعلم اللغة العربية ونتعلم الإسلام من مصدريه الصافيين: الكتاب والسنة، فقد عرفنا الأئمة، وعرفنا فضلهم، وعرفنا علمهم إلخ، فأنا حنفي، وتعلمت في الفقه الحنفي أنه يكره رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وقيل: إنه حرام، وقيل: إن الصلاة باطلة إذا رفعت يديك عند الركوع والرفع منه، وهذا مسجل في كتب وهي مطبوعة، فلما تبينت لي السنة في رفع اليدين، فوجدت الإمام الشافعي، والإمام أحمد، والإمام مالك أيضاً يقولون بأنها سنة أخذت بها، وكذلك كل مسألة يتبين أنها الحق أخذناها، إما من الجمهور، كـ مالك، والشافعي، وأحمد، أو تارة عن الشافعي دون مالك، وتارة عن مالك دون الشافعي، وتارة عن أحمد دون هذا وهذا، فهذا هو احترامنا للأئمة، لكن هم تارة بقصد سيء، وتارة بسوء فهم -وقد يكون القصد حسناً- يتوهمون أننا إذا قلنا: إن القول بأن رفع اليدين في الصلاة مكروه خطأ، فإننا نطعن في الإمام أبي حنيفة. فنقول لهم: إذاً أنتم ماذا تقولون؟ أنتم تقولون: مذهبنا كله صواب يحتمل الخطأ، إذاً طعنتم في الأئمة كلهم، في أقوالهم كلها، هكذا يجمعون بين متناقضات في أذهانهم، نسأل الله أن يهدينا وإياهم لاحترام الأئمة واتباعهم حسب منهجهم هم، لا حسب منهج المقلدين تقليداً أعمى.

стр. 376

تجديد الإسلام يكون بتجديد مفاهيمه الصحيحة السؤال ورد أن الله يبعث على رأس كل قرن هجري مجدداً لهذه الأمة، فهل هذا صحيح أولاً؟ وإن كان صحيحاً فما نوع التجديد الذي يتم على يد هذا المجدد؟ الجواب الحديث صحيح، والتجديد أنواع، هذا هو الصحيح في تفسير الحديث، فالإسلام يحتاج إلى تجديد كلما مضى عليه مدة من الزمن -طويلة أو قصيرة- وتجديد الإسلام يكون من نواحٍ متعددة، أهمها: تجديد مفاهيمه الصحيحة، حيث ينحرف المسلمون مع الزمن عن فهم الإسلام -كتاباً وسنةً- فهماً صحيحاً، فأعظم تجديد هو هذا التجديد، الذي يأتي إلى المسلمين بالمفاهيم الصحيحة التي كان عليها سلفنا الصالح لنصوص الكتاب والسنة. ومن هذا التجديد الأهم: أن يصفي السنة مما دخل فيها مما ليس منها، ثم هو يدعو المسلمين إلى الاعتماد على هذه السنة الصحيحة مع القرآن، ومع ذاك البيان الصحيح لكل منهما، الذي كان عليه سلفنا الصالح، هذا تجديد وهو أهم تجديد، ولا تقوم قائمة المسلمين، وقائمة الحركات الإسلامية، والدعوات الإسلامية كلها، والأحزاب الإسلامية كلها؛ إلا إذا بنيت على هذا التجديد الأصيل؛ وهو: تجديد السنة بتمييز ما ليس منها وطرحه جانباً، وتجديد المفاهيم الصحيحة لنصوص الكتاب والسنة، بدعوة المسلمين إلى المفاهيم التي كان عليها سلفنا الصالح. لكن هذا في الواقع لا يكفي، فلا بد من تجديد -مثلاً- لعلوم أخرى يتطلب تطور الحياة العلمية والاجتماعية أن يتوجه بعض الناس إلى تجديدها، ونضرب على ذلك مثلاً علم اللغة، فهذا العلم لا بد من التجديد فيه، وتقريبه إلى الناس، وحتى إلى العرب أنفسهم الذين ابتعدوا قليلاً أو كثيراً عن لغتهم، بسبب العُجمة التي تسربت إليهم، فلا بد إذاً من تجديد هذا العلم، وكذلك يقال: لا بد من تجديد النواحي التربوية والنفسية، وتوجيه المسلمين إلى ما يوافق الكتاب والسنة من هذه النواحي كلها، ولا شك أن فرداً بل جماعة لا تستطيع أن تقوم بكل هذه الجهود وهذه التجديدات، ولذلك ذكر بعض العلماء -كمثال لأنواع التجديد- من المجددين: صلاح الدين الأيوبي؛ مع أن الرجل لم يكن مشهوراً بالعلم، ولكن لما جدد الحياة الإسلامية؛ بأن حضهم على الجهاد، وحملهم على مقاتلة الأعداء، وإخراجهم من البلاد بعد أن احتلوها سنين طويلة؛ فاعتبروه من جملة المجددين، فإذاً: لا يحصر التجديد في ناحية دون أخرى، فما دام أن الحياة تتجدد فلا بد للعلوم من أن تتجدد، وأن تمشي هذه العلوم وفق الكتاب والسنة الصحيحة، وعلى المفهوم الذي كان عليه سلفنا الصالح ﵃.

стр. 377

التزام الصحابة بالنص النبوي في صفة التشهد السؤال في كتاب صفة الصلاة ذكرتم الحديث المروي عن الصحابة في كيفية التشهد، والصحابة قد غيروا صيغة (السلام عليك) بـ (السلام على النبي ورحمة الله وبركاته) ، كيف لنا أن نوفق الأمر الثاني بالأول، علماً بأن الدعوة السلفية منهجها الأخذ بالقرآن والسنة، وفهم الصحابة لهما؟ الجواب كأن السائل فهم أن الصحابة غيروا النص الذي تلقوه من النبي ﷺ في التشهد الذي هو بصيغة الخطاب: (السلام عليك أيها النبي) ، فكأنه فهم أنهم غيروه من عند أنفسهم، وهذا ما نبرئ منه أقل الناس فهماً للسنة حتى لو كان خلفياً سلفياً، أعني: حتى لو كان من الخلف الذين يتبنون مذهب السلف، فلا نتصور أن رجلاً من المتأخرين يفقه أن الأوراد توقيفية، يتجرأ على أن يغير حرفاً واحداً في ورد تلقاه عن النبي ﷺ بالأسانيد، فكيف نتصور صحابياً واحداً -لاسيما إذا كان مثل ابن مسعود - يقدم على تغيير نص تلقاه من النبي ﷺ مباشرة؟! هذا الخاطر يجب ألا يخطر على بال السائل أو غيره أبداً، وإنما يقول العلماء في مثل هذا: إن ذلك الذي فعلوه هو بتوقيف من النبي ﷺ إياهم، ومعنى التوقيف: أن الرسول ﵇ هو الذي ألمح وأشار إليهم أن هذا يكون في حياته، أما بعد وفاته فيتكلمون بصيغة الغيبة، وليس بصيغة الحاضر، فيقولون في التشهد: السلام على النبي، ونحن نعرف بعد الصحابي عن الابتداع بصورة عامة، وبعدهم عنه في الأذكار بصورة خاصة، وبالأخص منهم عبد الله بن مسعود الذي جاء النص الصحيح في صحيح البخاري عنه أنه قال: (علمني رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة وكفي بين كفيه) كناية عن اهتمام المعلم بالمتعلم بتلقينه ما هو في طريق تعليمه إياه، قال ابن مسعود: (علمني رسول الله ﷺ التشهد وكفي بين كفيه، التحيات لله ... ) وذكر التشهد المعروف عن ابن مسعود، والذي عليه الحنفية: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) قال ابن مسعود بعد أن ذكر النص الذي لقنه إياه رسول الله ﷺ ، وكفه بين كفي الرسول ﷺ ، قال: (وهو بين ظهرانينا) أي: علمه أن يقول هذا وهو بين ظهرانيهم، وهو حي معهم ﵊، قال (فلما مات قلنا: السلام على النبي) ما قال هو: قلت، وحاشاه أن يقول! -كما قلت لكم آنفاً- وحاشاه أن يتصرف في مثل هذا النص الذي تلقاه من الرسول مباشرة، وبهذا الاهتمام الذي عبر عنه بقوله: (وكفي بين كفه) وإنما ذلك مما فهمه في أثناء التلقين، لذلك قال في هذا الحديث: (وهو بين ظهرانينا، فلما مات قلنا ... ) ما قال: قلت، فكيف يقول من عند نفسه شيئاً يبدل فيه نص الرسول ﵊، وهو يعلم أن تعليم الرسول صلوات الله وسلامه عليه هو وحي من الله؟! والذين يجهلون هذه الحقيقة، أو يغفلون أو يتغافلون عنها، هم في الواقع في خطر كبير جداً، فالذين يتقدمون إلى أوراد الرسول ﵊ وإلى أذكاره، فيزيدون فيها ما شاءوا من الزيادات، لا يتصورون أبداً أنهم يزيدون على الوحي ولا يخطر هذا في بالهم، وهذا في الواقع تفريق خبيث بين الله ورسوله، وهم لا يتنبهون له، وهو تفريقٌ خبيث بين الكتاب والسنة، أي: بين ما جاء في الكتاب وما جاء في السنة، وإلا هل يجرؤ أحد هؤلاء أن يزيد في نص القرآن حرفاً واحداً؛ من أجل إشباع نهمته وغلوه في حبيبه محمد ﷺ ؟ مثلاً: هل يقول أحدهم حين قال الله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ. ﴾ [الفتح:٢٩] إلخ ما ورد في الآية، هل يقول أحدهم: سيدنا محمد رسول الله؟ لا أحد يقول هذا؛ فمباشرة سيقال له: هذه زيادة على ما في القرآن، وهو وحي فهو أيضاً لا يجوز، لكنهم يفرقون -كما قلت لكم- بجهلهم، كذلك لا يقول أحدهم: محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول الله؛ لأن هذا زيادة على النص، فنحن معشر الذين ينتمون إلى السلف لا نفرق بين الله ورسوله أبداً، ولا نفرق بين كتاب الله وحديث رسول الله، وبين تعليم الله وتعليم رسول الله؛ كلاهما يصدران من مشكاة واحدة وهي مشكاة الوحي من السماء؛ لذلك لما علم النبي ﷺ البراء بن عازب ورد الاضطجاع عند النوم: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، قال له: إذا أنت قلت ذلك ومت من ليلتك تلك مت على الفطرة) فأعاد البراء بن عازب هذا الدعاء بين يدي الرسول ﵊؛ ليتمكن من حفظه، فلما وصل إلى قوله في الأخير: (آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت) قال: (وبرسولك الذي أرسلت) ، بدل أن يقول: (وبنبيك الذي أرسلت) فصده الرسول ﵊ ورده عن ذلك، وقال له: قل: (وبنبيك الذي أرسلت) لو سألنا هؤلاء المغيرين والمبدلين في أذكار الرسول ﵊: هل هناك فرق يفسد المعنى الذي جاء به النبي ﷺ في هذا الورد، بين تعليم الرسول الذي هو: (وبنبيك الذي أرسلت) وبين ما أخطأ فيه البراء فقال: (وبرسولك الذي أرسلت) . هل هناك فرق؟ لو لم يكن محمد ﵊ رسولاً وكان نبياً فقط؛ لصار هناك تغيير للمعنى؛ لأن الرسول أعم من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، لكن نبينا ﵊ ليس فقط رسولاً، بل هو خاتم الأنبياء والرسل جميعاً، فحينما قال البراء: وبرسولك الذي أرسلت، ما خالف الواقع أبداً؛ ولكنه خالف التعاليم النبوية -إخواننا انتبهوا لهذا- كل ما في الأمر أنه خالف تعليم الرسول إياه، أما المعنى فمستقيم تماماً؛ لذلك قال له: قل: (وبنبيك الذي أرسلت) وعلى هذا جرى الصحابة.

стр. 378

أمثلة على تقيد الصحابة بألفاظ النصوص وقد ذكرت لكم مراراً في مثل هذه المناسبة عن كثير من الصحابة، وكيف كانوا يفرون من أن يعدل الرجل عن لفظ الرسول إلى لفظ من عنده، فهناك -مثلاً- في مسند الإمام أحمد: [أن سعد بن أبي وقاص سمع رجلاً يقول في تلبية الحج: لبيك ذا المعارج، فقال له -وهذا من حكمة الصحابة في إنكار المنكر- قال: إنه لذو المعارج؛ ولكن ما هكذا كنا نقول في عهد الرسول ﵊، كنا نقول: لبيك اللهم لبيك] إلى آخر التلبية المعروفة، قال له: الله هو ذو المعارج، لكن التلبية ما كانت هكذا في عهد الرسول ﵊. وأبدع من هذا -أيضاً- في أسلوب الإنكار، قصة ابن عمر التي ذكرتها لكم أكثر من مرة أيضاً، [أن ابن عمر سمع رجلاً عطس فقال: الحمد لله، والصلاة على رسول الله، فقال: وأنا أقول معك: الحمد لله، والصلاة على رسول الله، ولكن ما هكذا علمنا رسول الله، قل: الحمد لله رب العالمين] كأن القضية الآن تتكرر تماماً، لكن -مع الأسف! - دون أن يكون هناك متجاوبون مع المنكرين. وهذه الزيادة -اليوم- في عبادتنا تأتي في صور عديدة، وأشهرها الزيادة في الأذان، والصلاة على الرسول ﵊، كما قال ابن عمر: [وأنا أقول معك: الصلاة على رسول الله ﷺ ، لكن الرسول ما هكذا علمنا] فهكذا الصحابة، والآثار عنهم كثيرة جداً جداً، كانوا يتورعون أن يأتوا بتغيير للفظ الرسول ﵊، ومن أشهرهم وأدقهم في ذلك صاحبنا صاحب حديث التشهد الذي علمه الرسول إياه وكفه بين كفيه، ألا وهو عبد الله بن مسعود، حيث روى الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار، بالسند الصحيح عن ابن مسعود: [أنه كان إذا علم أصحابه التشهد يأخذ عليهم الحرف الواحد] . أي: إذا زاد حرفاً، أو نقص حرفاً، يقول له: لا. ارجع وقلها كما تلقيتها عن الرسول ﵊. فهل نتصور مثل هذا الصحابي -لو كان وحده- يأتي إلى التعليم الذي لقنه الرسول ﵇ إياه مباشرة: السلام عليك أيها النبي، فيأتي ويعدل منه إلى (السلام على النبي) دون أن يكون عنده تعليم وتوجيه من الرسول ﵇ له بذلك؟ حاشاه من ذلك! فكيف وليس هو في الميدان وحده، هو أولاً: يروي لنا فيقول: [فلما مات الرسول صلوات الله وسلامه عليه قلنا -أي: نحن معشر الصحابة- السلام على النبي] ، ولذلك تأكيداً لهذا المعنى الذي رواه لنا ابن مسعود بصيغة الجمع: قلنا، جاء هذا التشهد مع اختلاف الألفاظ، كما هو مذكور في صفة الصلاة عن السيدة عائشة بـ: السلام على النبي، وجاء عن عمر بن الخطاب في موطأ مالك: السلام على النبي وهكذا. إذا: ما نقوله هو اتفاق وإجماع من الصحابة، وذهبوا إليه ليس اجتهاداً منهم وتغييراً للنص -كما يتبادر من سؤال السائل- وإنما بتوقيف من الرسول صلوات الله وسلامه إياهم. ما أبدع هذا الأمر فيما إذا عرفنا اليوم غلو الناس في دعاء الموتى، والاستغاثة بغير الله ، فكأن النبي ﷺ أومأ وأشار إلى هؤلاء الصحابة من باب سد الذريعة، إذا أنا مت فقولوا: (السلام على النبي) ؛ ذلك لأن كثيراً من الناس اليوم يتوهمون أوهاماً كثيرة، منها: أن الموتى كلهم يسمعون كثير من الناس اليوم -إذا لم نقل كلهم- يتوهمون أن الموتى يسمعون، فإن سيدهم وسيد المسلمين جميعاً محمد ﵊ يسمع من باب أولى، فما بالكم إذا كان الرسول لا يسمع حتى الصلاة عليه، وهو أفضل ما يقال في حقه ﵊؟ فهل يسمع استغاثة المستغيثين به من دون الله ؟ هل يسمع توسل المتوسلين به من دون الله ؟ فالصلاة على الرسول لا يسمعها هو، وقد يستغرب بعضكم ممن لم يطرق سمعه مثل هذا الكلام من قبل كيف أن الرسول لا يسمع الصلاة عليه؟ نعم. اسمعوا حديث الرسول ﵇ الذي قال فيه: (أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني) . فقال: (فإن صلاتكم تبلغني) ما قال: أسمعها، قالوا: (كيف ذاك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) ويوضح هذا التبليغ: (فإن صلاتكم تبلغني) يوضحه حديث آخر يرويه أيضاً عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام) إذاً الرسول ﵇ إذا صلى أحدنا عليه، فإنه لا يسمع هذا السلام كما يتوهم جميع الناس تقريباً، وإنما هناك ملائكة مخصصون وموظفون من رب العالمين؛ لينقلوا سلام المصلين عليه إليه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا كان ﵊ لا يسمع؛ فإذاً نحن نخاطبه حيث جاء الخطاب فقط كما نخاطب الموتى ونقول لهم: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ... ) إلى آخر الدعاء المعروف، لكن هذا لا يعني أننا نخاطب من يسمع، فالموتى لا يسمعون بنص القرآن ونص السنة، ولقد شرحت هذا شرحاً وافياً في مقدمتي لكتاب: الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات، وهي مقدمة وافية هناك، فمن شاء منكم رجع إليها بتوسع في هذا الموضوع. خلاصة القول: السلام على النبي، هذا توقيف من النبي للصحابة وليس تغييراً منهم، وحاشاهم في مثل ذلك، وبهذا القدر نكتفي والحمد لله رب العالمين.

стр. 379

الألبسة والأزياء في الإسلام العالم الإسلامي اليوم يشهد تداخلات وغزو للحضارات؛ فحصل لديه تأثر في بعض نواحي الحياة ومن هذه النواحي: الأزياء والألبسة، وهذا يثير التساؤلات حول هذا الموضوع! وفي هذه المادة يبين لنا الشيخ ﵀ أحكاماً كثيرة حول الإسبال في الثياب وإطالتها، وحكم الملابس الوافدة، موضحاً الضوابط الشرعية في زي المسلم وغير ذلك مما له تعلق الأزياء والألبسة.

стр. 380

حكم الإسبال وإطالة الثياب إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لا بأس من اغتنام هذه الفرصة لننبِّه على ما ابتلي به جماهير المسلمين اليوم، ويتوجب علينا هذا التنبيه وجوباً مؤكَّداً، حينما لا نكاد نسمع صوتاً يذكِّر بمثل ذلك، مع شدة وكثرة ابتلاء الناس، ولا أخص الشباب دون الشيوخ. فقد سمعتم أن النبي ﵌ حذر من إطالة الثوب إلى ما تحت الكعبين، وأن من فعل ذلك خيلاء لم يستحق أن ينظر الله ﵎ إليه يوم القيامة نظرة رحمة. فواجبُ ولازمُ هذا الحديث أن المسلم يجب عليه أن يراعي ثوبه، وألاّ يرسله فيجعله فوق كعبيه، لا فرق في أن يكون هذا الثوب قميصاً -كما يقال اليوم: جلابية- أو أن يكون عباءة، أو أن يكون سروالاً -أعني: بنطلوناً- أو جُبَّة، أو أي شيء كان، كل هذه الأنواع من الثياب لا يجوز للمسلم أن يطيلها أكثر من الكعبين.

стр. 381

شبهة وردها وهنا شبهة ترد كثيراً وكثيراً في مثل هذه المناسبة، يقولون: إن الرسول ﵊ قد قال في الحديث السابق: (من جر إزاره خيلاء) ، فنحن اليوم سواءً كنا شباباً أو شيوخاً، لا نجر الثياب تحت الكعبين خيلاء، وإنما هو عادة و (موضة) ويحتج أولئك بما جاء في صحيح البخاري: أن أبا بكر الصديق ﵁ لما سمع هذا الوعيد الشديد لمن يجر إزاره خيلاء قال: (يا رسول الله! فإن ثوبي يقع، فقال له ﵇: إنك لا تفعله خيلاء) ، فيتمسك أولئك بقول الرسول ﵊ هذا لـ أبي بكر، ويحتجون به على أن إطالة الثوب تحت الكعبين إنما يكون ممنوعاً إذا اقترن بهذا القصد السيئ، ألا وهو: الخيلاء والتكبر. الآن أقول: جوابي على هذا من وجهين اثنين: الأول: أن أبا بكر الصديق ﵁ لم يقل: أنا حينما أُفَصِّل ثوبي أجعله طويلاً تحت الكعبين لا أقصد بذلك الخيلاء، وإنما قال: يقع! وهذا يعرفه الذين اعتادوا أن يلبسوا العباءة، فقد تكون العباءة مُفَصَّلة حسب السنة، أي فوق الكعبين؛ لكن مع الانطلاق والسير والعمل والصلاة تصبح العباءة متدلية إلى الخلف فتنزل إلى ما تحت الكعبين هذا هو الذي أشار إليه أبو بكر في سؤاله، وقال له الرسول صلوات الله وسلامه عليه: (إنك لا تفعله خيلاء) . أما أن يأتي الرجل فيُفَصِّل الثوب -أيَّ ثوبٍ كان مما سبقت الإشارة إليه- طويلاً خلافاً للشرع، ويبرر ذلك بأنه لا يفعل ذلك خيلاء، فهذا من تلبيسات الشيطان على بني الإنسان. وبعد هذا نقول في الجواب عن هذه الشبهة، بعد أن أوضحنا أن حديث أبي بكر الصديق إنَّما يعني الثوب الذي يستطيل بدون قصد صاحبه، ما لَمْ يُوْصِلُه صاحبه ويفصِّله طويلاً تحت الكعبين، ويدَّعي أنه إنما يفعل ذلك بغير قصد الخيلاء، نقول: ليس من المفروض في المجتمع الإسلامي الصحيح أن يعمل المسلم -فضلاًَ عن جماهير المسلمين- عملاً يحتاج كل منهم إلى أن يبرر هذا العمل بحسن النية، فهذا الأمر لا يكاد ينتهي، وهذا يخالف نصوصاً من الأحاديث الصحيحة التي تربي المسلم على ألاَّ يعمل عملاً، وألاَّ يتكلم كلاماً، وألاَّ يقول قولاً يحتاج بعد ذلك كله إلى أن يقدم له عذراً، حيث قال ﵊: (لا تَكَلَّمَنَّ بكلام تعتذر به عند الناس) هذا خاص بالكلام؛ لكن يأتي الحديث الآخر يشمله ويشمل غيره من الأعمال، ألا وهو قوله ﵊: (إياك وما يُعْتَذَرُ منه!) . فمن يطيل ثوبه تحت الكعبين، فيُنْكِرُه عليه العارف بالسنة، فيقول: يا أخي! أنا لا أفعل ذلك خيلاءً، -كما قال أبو بكر الصديق -. فأولاً: إن كان رسول الله ﷺ عرف أبا بكر الصديق، وعرف تواضعه، وأنه قد تبرأ من الكِبْر ولو ذرة منه، فقال وشهد له بأنه لا يفعل ذلك خيلاء، فليس بعد رسول الله ﷺ أحد يستطيع أن يشهد مثل هذه الشهادة لإنسان آخر، لا سيما في مثل هذه المجتمعات الفاسدة. وثانياً: قد قال ﵊ في الحديث الآخر: (أزْرَة المؤمن إلى نصف الساق ... ) هذا الحديث يضع لك منهجاً عملياً يجب أن تلتزمه، دون أن تبرر مخالفتك إياه بحجة أنك لا تفعل تلك المخالفة خيلاء، حيث يقول: (أزْرَة المؤمن إلى نصف الساق، فإن طال فإلى الكعبين، فإن طال ففي النار) . فهنا لا يُسْمَعُ مِن أحد يطيل ثوبه إلى ما تحت الكعبين أنه لا يفعل ذلك خيلاءً؛ لأننا نقول: إنك تفعل ذلك مخالفة لهذا النهج النبوي، وانتهى الأمر، أما إن انضمَّ إلى ذلك أنك فعلتَه خيلاءً فقد استحققت ذلك الوعيد الشديد، ألاَّ ينظر الله ﵎ إليك يوم القيامة نظرةَ رحمة. ذلك هو ما ابتلي به شباب اليوم، لاسيما وهم يتخذون ذلك من باب اتباع التقاليد الأوروبية والموضة الغربية، من إطالة السروال -أعني: البنطلون- حتى يكاد يتهرَّى من أسفل بسبب اتصاله بالأرض، فهذا محرم لا يجوز؛ سواءً قصد لابسُه الخيلاء أو لم يقصده، وهي في الأصل ابتُدِعَت من هناك تكبراً وخيلاء، لا شك في هذا ولا وريب؛ لأن الكفار لا يهمهم في هذه الدنيا إلا التمسك بحب الظهور والتكبر على الناس ونحو ذلك، وما دام أن هذه الأزياء إنما تأتينا من تلك البلاد فهي لم يُقْصَد بها قطعاً وجه الله ﵎، إنما قُصِد بها وجه الشيطان. وهذا الكلام يشمل كل الأزياء التي تَرِد إلى هذه البلاد الإسلامية؛ سواء ما كان منها متعلقاً بأزياء الرجال أو بأزياء النساء، فكيف ما كان منها مخالفاً لمثل ذلك الحديث الصريح الذي يقول فيه النبي ﷺ : (أَزْرَة المؤمن إلى نصف الساق، فإن طال فإلى الكعبين، فإن طال ففي النار) ؟! هذا مما يجب على كل مسلم يغار على دينه ويهتم به أن يكون بعيداً عن غضب ربه ﵎ عليه، ولا نقول: هو حريص على اتباع السنة؛ لأن السنة مراتب، قد تدخل تحتها الأمور المستحبة، نحن الآن نتكلم عن الأمور الواجبة، انظر الحديث السابق: (أزْرَة المؤمن إلى نصف الساق ... ) هذا هو المستحب؛ لكن إذا أطاله إلى الكعبين فهذا جائز وليس بمحرم؛ لكن إن زاد في الإطالة حتى تحت الكعبين فهذا محرم وصاحبه في النار، وينبغي أن يُفْهم من قوله ﵇: (وما طال ففي النار) أنه لا يعني: الثوب؛ لأن الثوب ليس مكلفاً ولا يحاسَب! وهذا له أمثلة كثيرة في الشريعة، منها ما نفتتح به خُطَبَنا ودروسَنا من قوله ﵇: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) أي: كل بدعة في النار، فما هي البدعة؟! هي شيء معنوي وليس شيئاً مُجَسَّماً؛ لكن معنى قوله: (وكل ضلالة في النار) أي: صاحبها في النار. وكذلك الإزار الذي يطيله صاحبه إلى أسفل الكعبين، صاحبه في النار. هذه تذكرة أردتُ أن أوجهها إليكم؛ لإرشاد من كان يريد منكم أن يكون تحت رحمة ربه يوم يُحْشَر الناس ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨-٨٩] .

стр. 382

كلمة للأزواج في ضرورة التزامهم بالشرع وكلمة أخرى أريد أن أقولها بهذه المناسبة، وهي: أننا نسمع في كثير من الأحيان كثيراً من الشباب يشكون من عدم انصياع زوجاتهم لأوامرهم الشرعية. وإن كنا لا ننسى أنه في كثير من الأحيان تكون المرأة عاصيةً لسوء خُلُقِها؛ لكن الذي يهمني في هذه المناسبة أن نقول: إن الزوج في كثير من الأحيان يكون عوناً لها على عدم طاعتها له، وذلك كأنْ يريد الزوج -مثلاً- من زوجته ألا تتزين ولا تتبرج أمام الرجال، لا سيما إذا خرجت من بيتها، ويريدها أن تتجلبب الجلباب الشرعي؛ ولكنه هو نفسه لا يلبس اللباس الشرعي، فلا يتَزَيَّا بزِيِّ المسلمين، وحتى لو أنها لم تكن فقيهة؛ لكنها تسمع أن هذا اللباس هو لباسٌ أفرنجي، وأن هذا التَّزَيُّن بحلق اللحى -مثلاً- أقل ما يقال فيه: أنه خلاف السنة، بل هو خلاف الواجب والفرض. فإن لم تقل هذا لزوجها بلسان مقالها فهي تقوله له بلسان حالها: الفرس مِن الفارس، اضبط حالك أنت، فأْتَمِرْ وتَشَرَّع حتى أسمع كلامك. هذا لسان حالِ كثيرٍ من النساء. لذلك فأنا أهتبلها فرصة في هذه التذكرة لأقول: يجب على الشباب أن يساعدوا نساءهم على طاعتهن لهم، بأن يكونوا هم مطيعين لربهم ومتبعين لشريعته .

стр. 383

عموم تحريم إسبال الثياب كلمة (إطالة الإزار) هو التعبير النبوي، والتعبير العربي القديم، والذي يهمنا اليوم هو: تطويل البنطلون وتنزيله إلى الأرض وجره، على اعتبار أن هذه هي الموضة الوافدة من بلاد الغرب. فاسمعوا الآن معي هذا الحديث، وانتبهوا بعد ذلك لما يلي من التعليق هذا الحديث يرويه الإمام أحمد في مسنده الجامع للأحاديث الكثيرة الطيبة بإسناد قوي: عن عمرو بن فلان الأنصاري -ذهب عن ذهن الراوي اسم عمرو الصحابي بالكامل فقال: عن عمرو بن فلان الأنصاري - قال الراوي: (بينما هو يمشي قد أسبل إزاره، لَحِقه رسول الله ﵌ وقد أخذ بناصية نفسه وهو يقول: اللهم عبدك ابن عبدك ابن أمتك، قال عمرو: فقلت: يا رسول الله! إني رجل حَمْش الساقين. فقال: يا عمرو! -بيت القصيد في هذا النداء من الرسول الكريم- قال: يا عمرو! إن الله قد أحسن كل شيء خَلْقَه -هذا جوابه لقوله: إني حَمْش الساقين، أي: دقيقهما، يعني: أنه مُعَظِّم قليل لحم الساقين، وكل من يراه قد يضحك- يا عمرو! إن الله قد أحسن كل شيء خَلْقَه، يا عمرو! وضرب رسول الله صلى الله عليه وآله سلم بأربع أصابع بكفه اليمنى تحت ركبة عمرو - فقال: يا عمرو! هذا موضع الإزار، ثم فعل ذلك مرة ثانية -أي: وضع أربع أصابع تحت الأربع أصابع الأولى- ثم رفعها، ثم وضعها تحت الثانية -فصارت اثنتي عشرة أصبعاً- فقال: يا عمرو! هذا موضع الإزار) . انتهى الحديث. لاحظوا معي الآتي: أن النبي ﷺ قد هاله وعَظُم عليه أمر هذا الصحابي أن يمشي وإزاره مسبَل، ويدلكم على هذا أنه وضع يده على ناصيته، وهذا كأنه عادة لا تزال معروفة عند بعض الناس؛ فمن هاله أمر فإنه يضع يده على رأسه، وهكذا فعل الرسول ﵊، ثم رفع رأسه إلى ربه متضرعاً إليه أن يغفر لهذا الأنصاري - عمرو - فعْلَته هذه؛ ولكنه قال هذه الكلمة مُسْمِعاً عَمْراً إياها. ولذلك كان جواب عمرو معتذراً بقوله: (يا رسول الله! إني رجل حَمْش الساقين) أي: دقيقهما. وبما أن الناس عادة يلفت نظرهم حموشة الساقين ودقتهما، إلا أن أكثر الناس -في الواقع- لا يتذكرون هذه الحقيقة التي لَفَتَ إليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نظر هذا الرجل الذي خلقه الله حَمْش الساقين، حيث قال له: (إن كل شيء خَلَقَه الله فهو حسن) ، وقد ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة:٧] ، كما هو النص في القرآن. وهذا التعليل من الرسول ﵇ يقصد به الآتي: أولاً: تهويل هذا الذي لا يُعْجِب هذا الإنسان أن الله قد خلقه حَمْش الساقين. ثانياً -وهو الأهم-: أن الناس الآخرين الذين يرون هذا الإنسان حَمْش الساقين -وهو من خلق الله فلا تعجبهم هذه الحموشة، فأقول لهم: حذارِ من ذلك! لأن هذا خَلْق الله، وكلُّ ما خَلَق الله فهو حسن. أقول هذا وإن كنتُ أذكر بأن هناك قصة أو حديثاً وقع في زمن الرسول ﵇ وهو في سفر، ولعله كان في حجة الوداع -لا أذكر الآن- وكان معه عبد الله بن مسعود، فأخذ يتسلق شجرة -لعلها الأراك- ولا يخفاكم أن هذا الإنسان الذي يصعد تنكشف ساقاه أكثر مما لو كان على الأرض، ولو كان إزاره على السنة تحت الركبة، فلما رآه بعض الصحابة ضحكوا، وهذا اندفاع واستجابة للطبيعة التي يُفْطَر عليها الإنسان ما لم يُهَذَّب بتهذيب الشارع الحكيم، فكان جواب الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن قال لمن حوله: (إنهما أثقل من أحد في الميزان يوم القيامة) ، أي: ساقي ابن مسعود الدقيقتين الرقيقتين. فنجد نبينا ﵊ في حديث عمرو يحاول تلطيف وَقْع هذا الخَلْق الذي قد لا يُعْجِب بعض الناس حتى الرجل نفسه، فلَفَتَ نظره إلى أن خَلْقَ الله كلَّه حسن، وهذا ما كنا نحن نقوله، وهنا الشاهد الأول من هذا الحديث. فعندما نقول: إن الله لَمَّا خلق الرجل بلحية والمرأة بدون لحية فإنه ما خلق هذا عبثاً، وما جعل هذا التفاوت هكذا لا لحكمة ولا لغاية، وإنما كل خَلْق الله حسن. فإذا كان النظام العام دائماً وأبداً أن الرجل له لحية والمرأة ليست لها لحية، وإذا بنا اليوم نرى بعض مَن يُسَمَّون بالشواذ، حيث يوجد رجل أمرد لا لحية له، وامرأة لها لحية! هذا أيضاً ليس عبثاً، بل هذا -كما قلنا مراراً وتكراراً- يلَفْتِ نظر الملاحدة والزنادقة الذين لا يؤمنون بالله ، وأنه هو الذي خلق هذا الكون، وأحسن خَلْقَه كما عرفتم. فمن حُسْن خَلْقِه أن يلفت نظر عباده إلى أن القضية ليست صُدفة أن الرجل بلحية والمرأة بدون لحية! انظروا فهو يخلق لكم رجلاً بدون لحية (أمرد) وامرأة بلحية! إذاً هذا خلق الله!! فيجب أن نتذكر هذه الحقيقة، فما خلقه الله فهو حسن، ولا يجوز لإنسان أن يستقبحه. فالرسول ﵊ لفت نظر هذا الصحابي إلى هذه الحقيقة، وكأنه يواسيه إن كان في نفسه شيء من حَمْش ساقيه، ثم رد عليه اعتذاره في إطالته لإزاره بهذا الحَمْش؛ لأن هذا ليس عذراً؛ لما سَبَقَ مِن أنه خَلْق الله، ولذلك قال له: (هذا موضع الإزار) . ومع هذا فإنك لو كان لك مثل هذا الخَلْق وهو حَمْش الساقين؛ لجعلت إزارك طويلاً لستر هذا العيب، كما عند بعض الناس، وهذا ليس عذراً لك أبداً؛ لأن هذا خلق الله، ولستَ أنت مسئولاً عنه، فيجب أن تلتزم النهج الذي شرعه الله على لسان النبي ﵊ في عدم إطالة الإزار.

стр. 384

مواضع الإزار وغيره بين الحظر والجواز هذا الحديث -مثل أحاديث كثيرة- يبيِّن مواضع الإزار، والمواضع التي تشرع أو تجوز أو تحرم: وأول ذلك: يقول: (هذا موضع الإزار) تحت أربع أصابع من الركبة، أي: هذا هو الأفضل، وكذلك كان إزار الرسول ﵌، وهذه سجية وشريعة محمدية شرعها للناس المسلمين المؤمنين به حقاً، فلا يكون الإزار -استحباباً لا إيجاباً وفرضاً- تحت الركبة بنحو أربع أصابع. ثم المرتبة الثانية: بعد أربع أصابع أخرى تحت الأولى. المرتبة الثالثة: في الجواز تحت الأربع الثانية -أعني: تحت اثنتي عشرة إصبعاً- فهذا يجوز، وهذا الحديث صريح في ذلك. وقد جاءت أحاديث أخرى في الصحيح وفي غيره: ما أسفل الكعبين فهو في النار) ، وأحاديث كثيرة في هذا، من ذلك أيضاً: قصةٌ جرت بين الرسول ﵊ وحذيفة بن اليمان، وحذيفة بن اليمان من أجلة أصحاب الرسول ﵊، وصاحبه الخاص في سِرِّه، أي: صاحب سر الرسول ﵊: (رآه يوماً وإزاره طويل مُسْبَل، فأوقفه، ووضع يده ﵊ على عضلة ساقه -شك الراوي، هل وَضَع يده ﵊ على ساقه هو نفسه، أم على ساق حذيفة؟ وأيَّاً كان فالأمر واضح- وضع يده ﵇ على ساقه أو ساق حذيفة على العضلة، وقال له: هذا موضع الإزار، فإن طال فلا بأس -لا بأس في الأولى- فإن طال فلا حق للكعبين في الإزار) هذا نص حديث حذيفة: لا حق للكعبين في الإزار) . ولا شك أن بعض الأحاديث التي أشرت إليها أصرح في التحريم من هذا، فتلك تقول: (ما طال تحت الكعبين ففي النار) أي: صاحبه بلا شك. إذاً: هذا هو النهج النبوي على هذه المراتب: أولها أفضلها، وآخرها محرم في الإسلام، وما بين ذَيْنِك فهو أمر جائز. وعلى هذا فنحن نأخذ من هذا الحديث أنه لا يشرع للمسلم أن يخالف النهج الذي وضعه الرسول ﵇ بحُجَّة ما، ولو كانت هناك حجة لمن هو مبتلى اليوم بإطالة الإزار؛ لكان لهذا الإنسان -وهو عمرو الأنصاري - أقوى حُجَّة في إسباله؛ ليظهر أمام الناس بالمظهر الجميل الذي لا يلفت أنظارهم إليه، بل لا يُضْحِك بعض الناس عليه. فإذا رأينا أن النبي ﵊ لم يعتبر ذلك عذراً، بل وحدد له المراحل التي ينبغي أن يلاحظها: إما في مرتبة الأفضل، أو ما دون ذلك، أو الجواز أخيراً، أما إذا خالف -كما في الأحاديث الأخرى الصحيحة- فما طال تحت الكعبين فهو في النار.

стр. 385

الإسبال يشمل البنطلون والجبة وغيرهما وهذا يجرني إلى أن أركز على أنه لا ينبغي لإنسان أن يتمسك بلفظية الحديث؛ فلفظ الحديث: (إزار) ، فقد يقول إنسان: إن البنطلون ليس إزاراً! فنحن نقول: صحيحٌ أن البنطلون ليس إزاراً، بل ليس لباساً إسلامياً مطلقاً؛ ولكن إذا كان اللباس الإسلامي وهو الإزار وهو اللباس الذي ليس فيه أي تكلُّف وأي تصنُّع، ولا جرم فقد جعله أن الله -لذلك- لباساً للحاج والمعتمر، إذا كان هذا اللباس إذا أطاله الإنسان فوق الحد المشروع جوازاً على الأقل فهو آثم وفي النار، فأَولى ثم أَولى أن يأثَمَ هذا الإثْمَ وأكثرَ منه الذي يلبس لباس الكفار وهو بالبنطلون. ويؤكد لكم هذا أن هناك حديثاً يذكر أن الإسبال الذي في الإزار حكمه أيضاً في القميص وفي ذيل العمامة، فإطالة الثوب ليست خاصةً بالإزار في هذا اللفظ ليكون البنطلون خارجاً عن هذا الحكم؛ لأن العمامة التي لها عَذَبَة من الخلف إطالتها أيضاً تدخل في هذا الحكم، وكذلك القميص الذي كله جائز على المسلمين أيضاً يدخله الإسبال المنهي عنه. فهذه كلها أمور جاء بها الإسلام، فأصبحت اليوم نسياً منسياً. ونقول في مناسبات كثيرة: السبب في ذلك يعود إلى أمرين اثنين: أولُُهُما: بُعْدُ أهلِ العلمِ عن دراسة السنةِ وتدريسِها. ثانيهما: إهمالُ الأحكامِ الشرعيةِ وتطبيقِها. هذه الآفة منتشرة جداً مع الأسف الشديد في مصر بين أهل العلم، إذ لا يمكن -في تلك البلاد- أن تجد عالماً بغير تلك الآفة! وشعار العالم هناك العمامة البيضاء، وهي -كما ذكرنا لكم- عادة وليست سنة تعبدية، على أنها لم تكن على هذه الصورة التي تطورت وأصبحت تارة عبارة عن قطعة قماش ذراعاً أو ذراعين أو عشرة أذرع، أعني: على النقيض. فبعض المشايخ خاصة في مصر عمائمهم بسيطة جداً؛ لكنها على كل حال شعار العلماء والفقهاء عندهم، بخلاف بعض البلاد. وهنا نرى بعض النماذج كما قال محمد عبده ﵀: (عمامةٌ كالبرج وجُبَّةٌ كالخُرج) ، فهناك في مصر هذه الظاهرة: عمامة وجُبَّة، وأيضاً الأكمام واسعة جداً؛ لكنها طويلة وطويلة، تكاد تَمَس الأرض، ولا يمكن أن ترى عالِماً هناك إلا وَجُبَّته طويلة، والجبة في اللغة غير الإزار، فالإزار يقابله الرداء، والإزار بمعناه العامي: فوطة، وهي التي يشدها الإنسان في وسطه. فالجبة ليست إزاراً بطبيعة الحال، بل هي أكثر من إزار؛ لأنها تكسو البدن من فوق إلى أسفل، فما قيل في الإزار يشمل الجبة، ولو كانت هذه جُبَّةً وليست إزاراًً؛ لأن الغرض واضح جداً، وهو الخلاص من مظاهر الكبر والبطر؛ فهنا -في الحقيقة- أمران اثنان وهما: - أن يطيل الإنسان ثوبه مهما كان اسم هذا الثوب، ويقصد بذلك الكبر والبطر والعنجهية. هذا شيء. - وشيء آخر: ألا يقصد ذلك؛ ولكن ما يلبسه مما هو طويل، ويلبسه عادة المتكبرون المتجبرون، فهذا مظهر يدل على ذلك، ولو كان قصده على خلافه. فَنَهْيُ الرسولِ صلوات الله وسلامه عليه عن إطالة الإزار يعني بتر وقطع هذه المظاهر، سواءً كانت بقصد سيئ أو ليس هناك قصد سيئ؛ لأن هناك منهجاً وضعه الرسول ﵊، ولذلك نجده يهتم بهذه المظاهر المخالفة للشريعة في أصحابه، وأنا لا أتصور خاصة مثل حذيفة بن اليمان أنه قد أطال إزاره وهو يقصد الكبر والعنجهية؛ ولكن الأمر كان من الأمور التي لا يهتم بها بعض الناس، وربَّما كان لا يعلم أن الإسلام يؤكد حتى على من ليس ينوي ذلك المقصد السيئ على ألا يطيل ثوبه؛ وقد قال لـ حذيفة: (فما طال دون ذلك فلا حق للإزار) . وقال لأمثال حذيفة: (لاحق للإزار في الكعبين) . ولآخرين قال ﷺ :: (فإن طال ففي النار) . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وكثيرة جداً. والحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ قد تكلم عن هذه القضية بكثير من الفقه، ومن الأشياء التي استفدتُها منه -وهذه في الواقع يجب أن تفهموها، وأن تجد مكاناً في قلوبكم لتفهموا هذه الحقيقة-: أنه يَذكر أن في بعض الأحاديث، -وهذا مر بنا في بعض الدروس- أن النبي ﵌ لما قال: (مَن جَرَّ إزاره خيلاء لم ينظر الله يوم القيامة إليه، أو: لا ينظر الله ﵎ إليه يوم القيامة) ، لما ذكر الرسول ﵊ هذا الحديث، فهَمِتْ إحدى النسوة وأظنها أم سلمة بأن هذا الحديث يدخل فيه النساء أيضاً، وهذا هو اللسان العربي الأصيل، لأن (مَن) من ألفاظ الشمول والعموم، (مَن جَرَّ) سواء كان رجلاً أو امرأة، وعلى هذا الفهم الصحيح توجهت بالسؤال إلى الرسول ﵊ فقالت: (يا رسول الله! إذاً تنكشف أقدامنا -أي: أقدام النساء- قال: فتطيل شبراً -حتى تتحقق السترة التي أمر الشارع الحكيم بها بالنسبة للنساء- قالت: يا رسول الله! تأتي ريح فترفع الثوب، قال: تطيل شبراً -أي: ثانياً-، ولا تزدن عليه) . الشاهد هنا مما لفت النظر إليه الحافظ ابن حجر: إذا كانت المرأة لا يجوز لها أن تزيد على ما أَذِن الشارع به، فأَولى ثم أَولى ألا يجوز للرجل أن يزيد على ما أَذِن الشارع به في إطالة الثوب، وذلك إلى ما فوق الكعبين، وهذا هو الحد الأخير (فما أسفل الكعبين فهو في النار) كما قال ﵊. هذا هو الذي أردت أن أذكِّر به بمناسبة هذا الحديث الثاني. وللأسف واقعنا اليوم يخالف هذا التوجيه النبوي الكريم!

стр. 386

انتكاس الفطرة عند بعض الناس ومن عجائب ما ابتُلِي به المسلمون -وهم باعتبارهم من البشر جنسان: ذكر، وأنثى-: أن الذكر بما أن له شيئاً من البروز والظهور في جسده، والمرأة ليس لها ذلك إلا في حدود ضيقة جداً جداً، وعلى رأي بعض الفقهاء والذي نتبناه نحن: قرص الوجه فقط والكفان لا يجوز لها أن تظهر أكثر من ذلك، إلا أن القضية انعكست، فصار الرجل يطيل ذيله، يطيله ويطيله حتى يسحب في الأرض، والمرأة التي لا بد أن يسحب إزارها في الأرض صارت ترفع وترفع حتى تكاد تكشف عن عورتها الكبرى. فهذا كله من وحي الشيطان يا جماعة! وليس من وحي الرحمن أبداً؛ لذلك لا تحاولوا أن تبرروا الواقع بشتى التعليلات، والإنسان عندما يرجع إلى دينه وعقله يشعر تماماً أن هذا ليس هو الصلاح. فنحن نفرق بين من يقصد ومن لا يقصد، لذلك وجدتُ أحد العلماء من الحنفية المعتدلين ومن المتفقهين -بل الفقهاء ولا أقول: المتفقهين- وجدته يقول كلمة نادرة جداً أن نجدها عند الآخرين؛ فكأن القضية واضحة عندهم، أما هذا الرجل فقد انتبه لدقة هذا الموضوع، فقال تعليقاً على حديث حذيفة السابق، لما رتب الرسول ﵊ له مواضع الإزار، وقال له أخيراً: (ولا حق للكعبين في الإزار) قال هذا الفقيه، وهو أبو الحسن السني ﵀، صاحب الحواشي على الكتب الستة، قال: يظهر من مجموع ما ورد في هذا الموضوع أن إثم من يطيل الثوب تحت الكعبين دون إثم من يفعل ذلك خيلاء، أي: أن إطالة الثوب تحت الكعبين له حالتان: - حالة عدم قصد التكبُّر، مثل بعض شبابنا المسلم اليوم في قضية الموضة هذه، لا يريد أن ينتقده الناس، فقد يكون في الجامعة، وقد يكون موظفاً إلخ، فهذا لا يفعل ذلك تكبراً؛ لكن هذا لا يبرر له هذا الخطأ، بل يجب عليه أن يجاهد ويحارب كل العادات هذه التي تخالف الشريعة. - فإذا كان الإزار تحت الكعبين، وقصد صاحبه مع ذلك التجبًُّر والتكبُّر، فهذا هو الذي جاء فيه ذلك الوعيد الشديد، وهو ألا ينظر الله إليه يوم القيامة. وفي مثله جاء الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم: (بينما رجل ممن قبلكم يمشي قد أطال إزاره خيلاء، خسفت به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) فهذه أسوأ المراتب، وأهون منها قليلاً: الإطالة تحت الكعبين بدون هذا التكبر، وما فوق ذلك جائز، وأحسنها: أن يكون تحت الركبتين.

стр. 387

النهي عن التشبه بالكفار في اللباس خلاصة القول: أنه ثبت هذا اللباس عن الرسول ﵊، وهو: العمامة، والقلنسوة، والإنسان في ذلك حر، إن شاء فعل هذا أو هذا أو غير ذلك؛ ولكن يجب أن يلاحِظ شيئاً مهماً، وهو كما قال ﵇: (كُلْ ما شئتَ، والبسْ ما شئتَ، ما جاوزك سرف ومخيلة) ، فكلْ ما شئتَ، والبسْ ما شئتَ؛ لكن بشرط واحد: لا تضيِّع شخصيتك المسلمة بأن تَنْماعَ في مظهرك متشبهاً بشعب من الشعوب أو أمة من الأمم الأخرى التي لا تؤمن بالله ورسوله؛ لأن الرسول ﵊ نهى عن التشبه بالكفار، وهذه الناحية -مع الأسف الشديد- مما تعرَّى منه جمهور المسلمين اليوم، فلا يكادون يقيمون وزناً لمثل هذا البحث من الناحية الفكرية العلمية، فلا تجد خطيباً، ولا واعظاً، ولا مرشداً، ولا مؤلفاً يؤلف ولو بطريق المرور سريعاً، فيكتب في تبليغ الناس عن هذه الظاهرة التي انتشرت بين المسلمين، وهي إعراضهم عن تقاليد آبائهم وأجدادهم وأزيائهم إلى تقليدهم لأزياء الكفار. وأصبح هذا مع الأسف الشديد دَيْدَن شباب اليوم! فأي موضة تأتيهم فإنهم لا يدخلون فيها أي تغيير أو تبديل، ولو أنهم حرصوا على الشرع مثل هذا الحرص في عدم التغيير والتبديل لكانوا منصورين على أعدائهم الكافرين. أنا يؤسفني جداً أن أدخل المسجد وأجد فيه شباباً مسلمين يصلون، وبعضهم ممن تبنوا دعوة الكتاب والسنة، فيصلي أمامي فأتعجب! هل هذا مسلم يصلي أم أنه رجل منافق يصلي؟! لِمَ؟! لأنه يلبس لباس الكفار، فما يسمونه بالبنطلون يَعَضُّ على فخِذَيه وعلى إلْيَتَيه عضاً، وربما إذا سجد ظهر لِمَن خلفه ما بينهما، هل هذا هو اللباس الإسلامي يا جماعة؟! حاشا لله ! لكن هذا هو التقليد، كان هناك تقليد نشكو منه كثيراً وكثيراً، وإذا بنا نبتلى بتقليد أفظع منه؛ لأن ذلك كيفما كان فنحن نقلد مسلمين ونقلد أئمة في الدين؛ لكن الإسلام يريدنا أن نأخذ الدين مباشرة من الرسول ﷺ ، فما بالنا اليوم نقلد أئمة الكافرين الذين يضعون هذه النظم في اللباس، سواءً للنساء أو للرجال أو للشباب، فالذي يأتينا نقبله دون أي بحث أو سؤال أو تفتيش؟! والحق أقول: أنا لا أعتقد أن الأمة المسلمة -ولا أريد التعميم على مائة مليون مسلم، فهذا مستحيل، وإنما نخبة منهم- لا يمكن أبداً أن تعود إليهم العزة بالإسلام وهم على هذا الوضع الذي يعيشون فيه!!

стр. 388

تقسيم الدين إلى لباب وقشور انحراف عقدي وكثيرٌ من الكتاب الإسلاميين اليوم ومن المحاضرين وأمثالهم يصرِّحون بأن هذه القضايا التي جعلها الإسلام مبادئ وقواعد؛ مثل: (مَنْ تشبَّه بقوم فهو منهم) ، يقولون: هذه مسائل تافهة، وهذه أمور تعتبر من القشور! نحن لا بد أن نشتغل الآن باللباب!! وليتهم يشتغلون باللباب؛ لأن الذي لا يحافظ على القشر لا يمكن أن يحافظ على اللباب؛ لأن ربنا بحكمته كما حصَّن لباباً مادياً ببعض القشور المتنوعة، كذلك أيضاً حصَّن لباباً روحياً معنوياً بأمور أخرى يسميها هؤلاء بالقشور، ونحن نسميها بمثل ما قال الله في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به. إلخ) . لذلك فإن الأمة المسلمة الحية لا يمكن أبداً أن تكون مسلمة في قلبها، وغير مسلمة في قالبها، لأن الإسلام كلٌّ لا يتجزأ أبداً.

стр. 389

مظاهر تبشر بالخير وإن كنتُ أرى تباشير في العصر الحاضر باعتبار أنني من الممكن أن أُعِدَّ نفسي شبه مخضرم، أي: أنني أدركتُ زمناًَ كان طلاب العلم فيه يحضرون في المساجد، ويحملون شعاراً دخيلاً في الإسلام، وهو اللفتة الصفراء التي على الطربوش الأحمر -هذا شعار طالب علم! - أما لحيته فحليقة، بينما القرآن والسنة والمذاهب الأربعة تؤكد وجوب إعفاء اللحية ما لا تؤكد مطلقاً في العمامة، خاصة هذه العمامة التي وضعها طلاب العلم هؤلاء، فهذا على درجة ذلك الزمان، أما الآن فأجد القضية قد انعكست؛ لكن هذا الانعكاس يحتاج إلى تعديل. واليوم مظاهر الإسلام والتمسك بالدين في الشباب المؤمن واضحة تماماً: أولاً: في إقباله على بيوت الله . ثانياً: في إقباله على التمسك بهذه السنة، بل بهذا الواجب، بل بهذه الفريضة. والكثرة تبشر بالخير؛ ولكن لَمَّا يستقيموا على الطريقة؛ لأنهم لا يزالون يمشون في الطرقات حُسَّراً كالكفار، ثم إن هذه اللحية قد يطلقها بعض الناس أيضاً تقليداً؛ لأن في أوروبا أيضاً توجد هذه الظاهرة ولو بنسبة أقل مما عندنا، فمن الممكن إذا فعلها بعض الشباب فإنهم يفعلونها تقليداً أيضاً لأولئك.

стр. 390

نصيحة أخيرة لذلك فأنا أرغب من شبابنا المسلم حقاً ألا يختلط مظهرُه بمظهر الكفار، فلا بد من وضع شيء على الرءوس، أما السير حُسَّراً فهذا ليس من الإسلام في شيء، وإلى ما قبل خمسين سنة لم يكن يدخل المسجد إنسانٌ حاسر الرأس، فما الذي أصاب المسلمين؟! هل نزل عليهم وحي جديد من السماء أن الأفضل ديناً وصحة وفلسفة -وما أدري ماذا! - أنه يمشوا حُسَّراً؟! لا والله! وإنما هذه من الأوبئة التي بثها هؤلاء الذين استعمرونا في بلاد الإسلام؛ في سوريا، وفي الأردن وفي مصر إلخ. فيجب إذاً أن نتبنى الإسلام كاملاً، في العقيدة أولاً، ثم نطبقه كاملاً، وأنا أعتقد حينما أقول: كاملاً، أننا لن نستطيع أن نطبقه كاملاً؛ ولكن أن نضع هدفنا أمامنا، وأن نطبق إسلامنا كاملاً غير منقوص في حدود: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . أنا أرى أنه من الأسهل أن يتخذ الشباب المسلم لباساً للرأس انطلاقاً من قبوله اللحية؛ لأن إعفاء اللحية تحتاج إلى جهاد، فلماذا لا يُتِمُّ هذا المجاهد المسلم إسلامَه ظاهراً؛ لأن هذا الظاهر هو عنوان الباطن. فأعتقد أن الأمر يحتاج إلى شيء من الوعي من أهل العلم، وأهل الوعي والإرشاد، ثم شيءٍ من الاجتهاد من هؤلاء الشباب المكلَّفين باتباع السنة بحذافيرها. نسأل الله أن يوفقنا وإياهم لاتباع السنة.
следующие страницы →