Полный текст (552 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
انتكاس الفطرة عند بعض الناس
ومن عجائب ما ابتُلِي به المسلمون -وهم باعتبارهم من البشر جنسان: ذكر، وأنثى-: أن الذكر بما أن له شيئاً من البروز والظهور في جسده، والمرأة ليس لها ذلك إلا في حدود ضيقة جداً جداً، وعلى رأي بعض الفقهاء والذي نتبناه نحن: قرص الوجه فقط والكفان لا يجوز لها أن تظهر أكثر من ذلك، إلا أن القضية انعكست، فصار الرجل يطيل ذيله، يطيله ويطيله حتى يسحب في الأرض، والمرأة التي لا بد أن يسحب إزارها في الأرض صارت ترفع وترفع حتى تكاد تكشف عن عورتها الكبرى.
فهذا كله من وحي الشيطان يا جماعة! وليس من وحي الرحمن أبداً؛ لذلك لا تحاولوا أن تبرروا الواقع بشتى التعليلات، والإنسان عندما يرجع إلى دينه وعقله يشعر تماماً أن هذا ليس هو الصلاح.
فنحن نفرق بين من يقصد ومن لا يقصد، لذلك وجدتُ أحد العلماء من الحنفية المعتدلين ومن المتفقهين -بل الفقهاء ولا أقول: المتفقهين- وجدته يقول كلمة نادرة جداً أن نجدها عند الآخرين؛ فكأن القضية واضحة عندهم، أما هذا الرجل فقد انتبه لدقة هذا الموضوع، فقال تعليقاً على حديث حذيفة السابق، لما رتب الرسول ﵊ له مواضع الإزار، وقال له أخيراً: (ولا حق للكعبين في الإزار) قال هذا الفقيه، وهو أبو الحسن السني ﵀، صاحب الحواشي على الكتب الستة، قال: يظهر من مجموع ما ورد في هذا الموضوع أن إثم من يطيل الثوب تحت الكعبين دون إثم من يفعل ذلك خيلاء، أي: أن إطالة الثوب تحت الكعبين له حالتان: - حالة عدم قصد التكبُّر، مثل بعض شبابنا المسلم اليوم في قضية الموضة هذه، لا يريد أن ينتقده الناس، فقد يكون في الجامعة، وقد يكون موظفاً إلخ، فهذا لا يفعل ذلك تكبراً؛ لكن هذا لا يبرر له هذا الخطأ، بل يجب عليه أن يجاهد ويحارب كل العادات هذه التي تخالف الشريعة.
- فإذا كان الإزار تحت الكعبين، وقصد صاحبه مع ذلك التجبًُّر والتكبُّر، فهذا هو الذي جاء فيه ذلك الوعيد الشديد، وهو ألا ينظر الله إليه يوم القيامة.
وفي مثله جاء الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم: (بينما رجل ممن قبلكم يمشي قد أطال إزاره خيلاء، خسفت به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) فهذه أسوأ المراتب، وأهون منها قليلاً: الإطالة تحت الكعبين بدون هذا التكبر، وما فوق ذلك جائز، وأحسنها: أن يكون تحت الركبتين.
стр. 387
النهي عن التشبه بالكفار في اللباس
خلاصة القول: أنه ثبت هذا اللباس عن الرسول ﵊، وهو: العمامة، والقلنسوة، والإنسان في ذلك حر، إن شاء فعل هذا أو هذا أو غير ذلك؛ ولكن يجب أن يلاحِظ شيئاً مهماً، وهو كما قال ﵇: (كُلْ ما شئتَ، والبسْ ما شئتَ، ما جاوزك سرف ومخيلة) ، فكلْ ما شئتَ، والبسْ ما شئتَ؛ لكن بشرط واحد: لا تضيِّع شخصيتك المسلمة بأن تَنْماعَ في مظهرك متشبهاً بشعب من الشعوب أو أمة من الأمم الأخرى التي لا تؤمن بالله ورسوله؛ لأن الرسول ﵊ نهى عن التشبه بالكفار، وهذه الناحية -مع الأسف الشديد- مما تعرَّى منه جمهور المسلمين اليوم، فلا يكادون يقيمون وزناً لمثل هذا البحث من الناحية الفكرية العلمية، فلا تجد خطيباً، ولا واعظاً، ولا مرشداً، ولا مؤلفاً يؤلف ولو بطريق المرور سريعاً، فيكتب في تبليغ الناس عن هذه الظاهرة التي انتشرت بين المسلمين، وهي إعراضهم عن تقاليد آبائهم وأجدادهم وأزيائهم إلى تقليدهم لأزياء الكفار.
وأصبح هذا مع الأسف الشديد دَيْدَن شباب اليوم! فأي موضة تأتيهم فإنهم لا يدخلون فيها أي تغيير أو تبديل، ولو أنهم حرصوا على الشرع مثل هذا الحرص في عدم التغيير والتبديل لكانوا منصورين على أعدائهم الكافرين.
أنا يؤسفني جداً أن أدخل المسجد وأجد فيه شباباً مسلمين يصلون، وبعضهم ممن تبنوا دعوة الكتاب والسنة، فيصلي أمامي فأتعجب! هل هذا مسلم يصلي أم أنه رجل منافق يصلي؟! لِمَ؟! لأنه يلبس لباس الكفار، فما يسمونه بالبنطلون يَعَضُّ على فخِذَيه وعلى إلْيَتَيه عضاً، وربما إذا سجد ظهر لِمَن خلفه ما بينهما، هل هذا هو اللباس الإسلامي يا جماعة؟! حاشا لله ! لكن هذا هو التقليد، كان هناك تقليد نشكو منه كثيراً وكثيراً، وإذا بنا نبتلى بتقليد أفظع منه؛ لأن ذلك كيفما كان فنحن نقلد مسلمين ونقلد أئمة في الدين؛ لكن الإسلام يريدنا أن نأخذ الدين مباشرة من الرسول ﷺ ، فما بالنا اليوم نقلد أئمة الكافرين الذين يضعون هذه النظم في اللباس، سواءً للنساء أو للرجال أو للشباب، فالذي يأتينا نقبله دون أي بحث أو سؤال أو تفتيش؟! والحق أقول: أنا لا أعتقد أن الأمة المسلمة -ولا أريد التعميم على مائة مليون مسلم، فهذا مستحيل، وإنما نخبة منهم- لا يمكن أبداً أن تعود إليهم العزة بالإسلام وهم على هذا الوضع الذي يعيشون فيه!!
стр. 388
تقسيم الدين إلى لباب وقشور انحراف عقدي
وكثيرٌ من الكتاب الإسلاميين اليوم ومن المحاضرين وأمثالهم يصرِّحون بأن هذه القضايا التي جعلها الإسلام مبادئ وقواعد؛ مثل: (مَنْ تشبَّه بقوم فهو منهم) ، يقولون: هذه مسائل تافهة، وهذه أمور تعتبر من القشور! نحن لا بد أن نشتغل الآن باللباب!! وليتهم يشتغلون باللباب؛ لأن الذي لا يحافظ على القشر لا يمكن أن يحافظ على اللباب؛ لأن ربنا بحكمته كما حصَّن لباباً مادياً ببعض القشور المتنوعة، كذلك أيضاً حصَّن لباباً روحياً معنوياً بأمور أخرى يسميها هؤلاء بالقشور، ونحن نسميها بمثل ما قال الله في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به.
إلخ) .
لذلك فإن الأمة المسلمة الحية لا يمكن أبداً أن تكون مسلمة في قلبها، وغير مسلمة في قالبها، لأن الإسلام كلٌّ لا يتجزأ أبداً.
стр. 389
مظاهر تبشر بالخير
وإن كنتُ أرى تباشير في العصر الحاضر باعتبار أنني من الممكن أن أُعِدَّ نفسي شبه مخضرم، أي: أنني أدركتُ زمناًَ كان طلاب العلم فيه يحضرون في المساجد، ويحملون شعاراً دخيلاً في الإسلام، وهو اللفتة الصفراء التي على الطربوش الأحمر -هذا شعار طالب علم! - أما لحيته فحليقة، بينما القرآن والسنة والمذاهب الأربعة تؤكد وجوب إعفاء اللحية ما لا تؤكد مطلقاً في العمامة، خاصة هذه العمامة التي وضعها طلاب العلم هؤلاء، فهذا على درجة ذلك الزمان، أما الآن فأجد القضية قد انعكست؛ لكن هذا الانعكاس يحتاج إلى تعديل.
واليوم مظاهر الإسلام والتمسك بالدين في الشباب المؤمن واضحة تماماً: أولاً: في إقباله على بيوت الله .
ثانياً: في إقباله على التمسك بهذه السنة، بل بهذا الواجب، بل بهذه الفريضة.
والكثرة تبشر بالخير؛ ولكن لَمَّا يستقيموا على الطريقة؛ لأنهم لا يزالون يمشون في الطرقات حُسَّراً كالكفار، ثم إن هذه اللحية قد يطلقها بعض الناس أيضاً تقليداً؛ لأن في أوروبا أيضاً توجد هذه الظاهرة ولو بنسبة أقل مما عندنا، فمن الممكن إذا فعلها بعض الشباب فإنهم يفعلونها تقليداً أيضاً لأولئك.
стр. 390
نصيحة أخيرة
لذلك فأنا أرغب من شبابنا المسلم حقاً ألا يختلط مظهرُه بمظهر الكفار، فلا بد من وضع شيء على الرءوس، أما السير حُسَّراً فهذا ليس من الإسلام في شيء، وإلى ما قبل خمسين سنة لم يكن يدخل المسجد إنسانٌ حاسر الرأس، فما الذي أصاب المسلمين؟! هل نزل عليهم وحي جديد من السماء أن الأفضل ديناً وصحة وفلسفة -وما أدري ماذا! - أنه يمشوا حُسَّراً؟! لا والله! وإنما هذه من الأوبئة التي بثها هؤلاء الذين استعمرونا في بلاد الإسلام؛ في سوريا، وفي الأردن وفي مصر إلخ.
فيجب إذاً أن نتبنى الإسلام كاملاً، في العقيدة أولاً، ثم نطبقه كاملاً، وأنا أعتقد حينما أقول: كاملاً، أننا لن نستطيع أن نطبقه كاملاً؛ ولكن أن نضع هدفنا أمامنا، وأن نطبق إسلامنا كاملاً غير منقوص في حدود: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
أنا أرى أنه من الأسهل أن يتخذ الشباب المسلم لباساً للرأس انطلاقاً من قبوله اللحية؛ لأن إعفاء اللحية تحتاج إلى جهاد، فلماذا لا يُتِمُّ هذا المجاهد المسلم إسلامَه ظاهراً؛ لأن هذا الظاهر هو عنوان الباطن.
فأعتقد أن الأمر يحتاج إلى شيء من الوعي من أهل العلم، وأهل الوعي والإرشاد، ثم شيءٍ من الاجتهاد من هؤلاء الشباب المكلَّفين باتباع السنة بحذافيرها.
نسأل الله أن يوفقنا وإياهم لاتباع السنة.
стр. 391
الأسئلة
стр. 392
حكم لبس البنطلون
السؤال
هل يعتبر لبس السراويل تشبهاً بالكفار إذا كان من غير ارتداء القميص فوقها والعمامة؟
الجواب
لا أدري إذا كان السائل يعني بالسراويل الفضفاضة، أو كان يعني بها: البنطلون، فأبدل اسم السروال الفضفاض باسم البنطلون! فإن كان السائل يعني السروال الذي نفهمه، وهو اللباس الفضفاض العريض الذي لا يزال يلبسه بعض المسلمين، فعلى هذا النحو لا يعتبر لبسه تشبهاً بالكفار.
أما البنطلون فقد تكلمنا عنه مراراً وتكراراً، وأنه ليس من لباس المسلمين؛ لأنه يصف ويحجِّم ويُظهِِر، فهو يضيق حيث ينبغي أن يتسع، ويتسع حيث ينبغي أن يضيق، وهكذا اعكس تصب، هكذا نظامهم في الحياة اليوم مع الأسف.
فالتشبه يكون بلباس البنطلون وليس بلباس السروال.
أما إن كان يقصد شيئاً آخر فلم أفهم ما يريد.
стр. 393
شرح حديث: (خرج وعليه مِرْط مرحَّل)
وعن عائشة ﵂ قالت: (خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مِرْط مرَحَّل من شعر أسود) رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي ولم يقل: (مرَحَّل) أي قال: (عليه مرط شعر أسود) .
قال المصنف: (المِرط) بكسر الميم وإسكان الراء، هو: كساء من صوف أو خز -والخز هو الحرير- يتزر به -أي: مثل الفوطة- كالحاج عندما يشد إزاره.
و (المُرَحَّل) بتشديد الحاء المهملة مفتوحة، هو: الذي فيه صور الرحال، والرحال بالنسبة للجمل كالسَّرْج بالنسبة للفرس.
وهنا نكتٌ ينبغي أن نتحدث عنها قليلاً: ذكر المصنف ﵀ في تفسير المرْط أنه كساء من صوف أو خزٍّ، وهو لا يعني بهذا التفسير الكساء أو المرط الذي كان الرسول ﷺ يتزر به أنه كان من خز، ذلك أن الخز -وهو الحرير-، ولكنه يفسر المِرْط: ما هو في المعهود والمعروف في اللغة العربية؟ وهو أن المرط وهو الكساء، تارة يكون من صوف وتارة يكون من خز، فإذا كان من صوف جاز لباسه، وإذا كان من خزٍّ حينئذ لا بد من نظر: إذا كان الغالب على هذا المرط (الكساء) الحرير فهو حرام، وإن كان الغالب عليه غير ذلك من أنواع القطن أو الصوف أو أي نوع آخر؛ فحينئذٍ الحكم للغالب، فيكون لبسه حلالاً.
أما المرط الذي كان رسول الله ﷺ يتزر به إنما كان من صوف، أو من خز يخالط الصوف أو القطن أو غيره.
ثم ذكر أن هذا المرط كان (مرَحَّلاً) ، وفسر المرحل بأن عليه صور الرحل (الرحال) ، وفيه إشارة إلى أن التزويق والتصوير والتمثيل -وهو التصوير- كان معهوداً في عهد الرسول ﵊، ولكنهم كانوا يبتعدون عن تصوير ماله روح أو حياة؛ ذلك لأن الإسلام حرم التصوير ما دام أنها صورة لذات روح، وسواء كانت الصورة مجسمة أو غير مجسمة، وسواء كان لها ظل أو ليس لها ظل.
стр. 394
التصوف
في هذه المادة تحدث الشيخ ﵀ عن خوارق العادات، فذكر أقسامها، مبيناً الضوابط التي يميز بها المسلم بين الكرامة والحيل الشيطانية، وقد ذكر بعض روايات وقصص الحيل الشيطانية عند الصوفية، ثم بعد ذلك نبه الشيخ على أخطاء تقع فيها جماعة التبليغ.
стр. 395
خوارق العادات بين الكرامات والابتلاء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أريد أن أستغلها فرصة لأُذكر كثيراً من الناس اليوم ممن يؤمنون بخوارق عادات من نوعية أخرى، ويعتبرونها كرامات للأولياء، لا لشيء إلا لأنها خوارق عادات، ويجب أن نعلم -أيضاً- هذه الحقيقة الشرعية: ألا وهي: أن خوارق العادات تنقسم إلى قسمين: - القسم الأول: معجزات للأنبياء وكرامات للأولياء.
- القسم الثاني: خوارق عادات ابتلاء من الله لأصحابها، وليست بمعجزة ولا كرامة لأهلها، إنما هي فتنة، كما رأيتم بالنسبة للدجال الأعور.
هذان القسمان أمر متفق عليه بين علماء المسلمين، فالأمر الخارق للعادة تارة يكون معجزة أو كرامة -وهذا شيء جميل- وتارة يكون فتنة لمن تصدر منه أو يصدر منه ذلك الأمر الخارق للعادة.
وتمييز هذا النوع من ذاك النوع، أو هذا القسم من هذا القسم، إنما هو بالنظر إلى مصدر أي نوع من النوعين، فإن كان مصدره رجلاً مؤمناً -نبياً أو صالحاً- فهي معجزة أو كرامة، أما إذا كان مصدره إنساناً تراه لا يصلي ولا يصوم بل قد تسمع منه كُفريات يتأولها بعض الناس بتسميتها (شطحات) فهذه ليست كرامة؛ لأن الذي صدرت منه هذه الكرامة المزعومة لا يوصف بأنه صالح فضلاً عن أن يوصف بأنه نبي، كما نسمع من كثير من الناس: من أن فلاناً كان يمشي عارياً في الطرقات، ومع ذلك صدرت منه خوارق عادات فهي له كرامات، فهذا لا يجوز أن ينسب إلى هذا الإنسان إطلاقاً ولا تسمى كرامة، وإنما هذه: إما عبارة عن حيل ومخرقة ودجل من بعض هؤلاء الناس، أو هو ابتلاء من الله كما ذكرنا، وهذا مذكور في القرآن الكريم، قال الله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] الابتلاء بالخارق للعادة يكون خيراً تارة، وفتنةً تارة أخرى.
ومثل هذه الكرامات، التي هي أحق بتسميتها (إهانات) ، قد امتلأت بطون كتب كثير مما يتعلق بتراجم رجال ينتسبون إلى التصوف والصلاح، فمن شاء أن يرى العجب العجاب في هذا المجال فعليه أن يرجع إلى كتاب: طبقات الأولياء، للشعراني، الذي أعيد طبعه مرات ومرات، لم يعد طباعة صحيح البخاري وصحيح مسلم مثل هذا الكتاب؛ لأنه محشو بالأضاليل والأباطيل تحت عنوان الكرامات.
هناك -مثلاً- رجل يترجم له، وكل رجل هناك يترجم له تبتدئ ترجمته بقوله: ومنهم فلان بن فلان ﵁، كل شخص مترجم له هناك مترضى عنه، ومنهم: فلان بن فلان ﵁، كان كذا وكذا ففي بعض هؤلاء المترجمين يقول: وكان يقول: (تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدباً مع الله) ناقد ومنقود! الرجل -أولاً- في ظاهر هذه العبارة وصل إلى مرتبة الربوبية وليس الألوهية فقط، وإنما الربوبية حيث يقول للشيء: كن فيكون، وهذه الصفة لم يكفر بها العرب في الجاهلية الأولى، فقد كانوا يعتقدون أن الذي يقول للشيء كن فيكون هو الله وحده لا شريك له، ولكنهم أشركوا معه حين عبدوا غيره، أما هؤلاء ففي كتبهم حتى اليوم هذه العبارة: من كرامات ذلك الإنسان أنه كان يقول: (تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدباً مع الله) ، فترى حينما كان يقول بزعمه للشيء كن فيكون كان مخلاً بالأدب مع الله، فما بال هذا الولي تارة يتأدب وتارة لا يتأدب؟! لو لم يكن في هذا الكلام شيء من الكفر الصريح لكفى أنه ينقض بعضه بعضاً؛ لأن الولي يتأدب مع الله في كل السنين، أما أن يستمر ويقول للشيء: كن فيكون بعد عشرين سنة، فلماذا ترك ذلك عشرين سنة؟ يقول: أدباً مع الله، وقبل ذلك وبعد ذلك كان غير متأدب مع الله، هذا مما ذكر في كرامات هذا الإنسان.
وإنسان آخر يحكيه مؤلف الكتاب نفسه عن نفسه، قال: ذهبت لزيارة رجل من الأولياء -أدركه هو- فوقفت على الباب وإذا بي أسمع صوتاً من فوق -من شرفة- كأنه تلاوة قرآن، فأصغيت إليه، قال: فإذا هو يقرأ قرآناً غير قرآننا، وختم ذلك بقوله: اللهم أوهب ثواب ما تلوته من كلامك العزيز إلى شيخي فلان وشيخي فلان وفلان إلخ، فمن هذه الجملة تأكد الشيخ نفسه أن هذا قرآن غير القرآن الذي بين أيدي المسلمين! هذا -يا جماعة- مطبوع، يطبع في مصر حيث هناك الأزهر الشريف، وقد طُبع مراراً وتكراراً.
стр. 396
أمثلة من كرامات الصوفية (الدجل والحيل الشيطانية)
ومثل هذه الكرامات، التي هي أحق بتسميتها (إهانات) ، قد امتلأت بطون كتب كثير مما يتعلق بتراجم رجال ينتسبون إلى التصوف والصلاح، فمن شاء أن يرى العجب العجاب في هذا المجال فعليه أن يرجع إلى كتاب: طبقات الأولياء، للشعراني، الذي أعيد طبعه مرات ومرات، لم يعد طباعة صحيح البخاري وصحيح مسلم مثل هذا الكتاب؛ لأنه محشو بالأضاليل والأباطيل تحت عنوان الكرامات.
هناك -مثلاً- رجل يترجم له، وكل رجل هناك يترجم له تبتدئ ترجمته بقوله: ومنهم فلان بن فلان ﵁، كل شخص مترجم له هناك مترضى عنه، ومنهم: فلان بن فلان ﵁، كان كذا وكذا ففي بعض هؤلاء المترجمين يقول: وكان يقول: (تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدباً مع الله) ناقد ومنقود! الرجل -أولاً- في ظاهر هذه العبارة وصل إلى مرتبة الربوبية وليس الألوهية فقط، وإنما الربوبية حيث يقول للشيء: كن فيكون، وهذه الصفة لم يكفر بها العرب في الجاهلية الأولى، فقد كانوا يعتقدون أن الذي يقول للشيء كن فيكون هو الله وحده لا شريك له، ولكنهم أشركوا معه حين عبدوا غيره، أما هؤلاء ففي كتبهم حتى اليوم هذه العبارة: من كرامات ذلك الإنسان أنه كان يقول: (تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدباً مع الله) ، فترى حينما كان يقول بزعمه للشيء كن فيكون كان مخلاً بالأدب مع الله، فما بال هذا الولي تارة يتأدب وتارة لا يتأدب؟! لو لم يكن في هذا الكلام شيء من الكفر الصريح لكفى أنه ينقض بعضه بعضاً؛ لأن الولي يتأدب مع الله في كل السنين، أما أن يستمر ويقول للشيء: كن فيكون بعد عشرين سنة، فلماذا ترك ذلك عشرين سنة؟ يقول: أدباً مع الله، وقبل ذلك وبعد ذلك كان غير متأدب مع الله، هذا مما ذكر في كرامات هذا الإنسان.
وإنسان آخر يحكيه مؤلف الكتاب نفسه عن نفسه، قال: ذهبت لزيارة رجل من الأولياء -أدركه هو- فوقفت على الباب وإذا بي أسمع صوتاً من فوق -من شرفة- كأنه تلاوة قرآن، فأصغيت إليه، قال: فإذا هو يقرأ قرآناً غير قرآننا، وختم ذلك بقوله: اللهم أوهب ثواب ما تلوته من كلامك العزيز إلى شيخي فلان وشيخي فلان وفلان إلخ، فمن هذه الجملة تأكد الشيخ نفسه أن هذا قرآن غير القرآن الذي بين أيدي المسلمين! هذا -يا جماعة- مطبوع، يطبع في مصر حيث هناك الأزهر الشريف، وقد طُبع مراراً وتكراراً.
عن ماذا أحدثكم؟ هذا المجال واسع جداً، ولو أن هذا صار في خبر كان لما كان لي أن أحدثكم في شيء من ذلك، نقول: انتهى أمره والحمد لله، لكن يا إخواننا! من عرف منكم فقد عرف، ومن لا يعرف فنحن نعرف أن هذه الطامات لا تزال تسري في عروق جماهير المسلمين اليوم، وفيهم الخاصة والمشايخ.
стр. 397
قصة إمام مسجد في حلب
كان هناك في حلب رجل فاضل أرادوا أن يوظفوه إمام مسجد، فأرسلوا إليه لاختباره، فسأله المختبر: هل تؤمن بكرامات الأولياء؟ سأله هذا السؤال؛ لأنه تسرب إلى مسامعه أن هذا الإمام أو المرشح للإمامة رجل كما يقولون اليوم: (وهابي) ، أي: لا يؤمن بالكرامات المزعومة، فأراد أن يمتحنه، فكان هذا الممتحن لبيباً، فقال له: مثل ماذا؟ قال: مثل ما حدثنا به شيخنا أن خطيباً صعد على المنبر فبينما هو يخطب وإذا به يكاشف تلميذاًَ له بأنه حاقن -أي: مزنوق- وهو جالس يسمع خطبة الشيخ ويخجل أن ينسحب بين الملأ جميعاً فيلفت أنظار الناس، فما كان من الشيخ الخطيب إلا أن مد له يده هكذا -وتعرفون أن جبب المشايخ واسعة- وأشار له هكذا، يقول: فدخل التلميذ من كم جبة الشيخ، وإذا به يجد بستاناً، وفيه مكان -بيت الخلاء- فقضى حاجته ثم رجع وهو في مكانه، فقال له: أما هذه الكرامة فوالله أنا لا أؤمن بها، بل هذه خرافة وسخافة.
стр. 398
قصة حدثت مع الشيخ الألباني
أما أنا فأحدثكم عن قضية جرت لي كنت منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة في بئر عطية -قرية في الطريق إلى حلب - كنت سامراً ساهراً وإذا بنا نسمع طرق النافذة، ليس الباب، فخرج المضيف -صاحب الدار- لينظر من الطارق، فسمعنا احتفاء ومبالغة في الاحتفاء بالرجل الطارق ولم نره بعد: أهلاً وسهلاً يا أبا فلان، وأنا ومن في المجلس أردنا أن نعرف من هذا الضيف الكريم، فكانت مفاجئة لي منه ومني له؛ لأننا ضدان اجتمعنا، الرجل أعرفه ويمكن بعض الحاضرين يشاركونني في المعرفة من أهل محلة العمارة هذا الزائر الذي دخل كان يجلس دائماً وأبداً بجانب الركن الجنوبي الغربي من مسجد جامع اليوسفي في الساحة التي أمام دكاني، كان يجلس في رمضان يشرب الدخان علناً، ثيابه رثة، وعيناه جاحظتان محمرتان -والله أعلم- من شرب الحشيش والدخان، وإذا بصاحب البيت يعتقد فيه الولاية، ولذلك احتفى به احتفاءً بالغاً، فلما دخل الرجل فوجئ بي، فتظاهر بأنه أبله أو مجنون أو مأفون -كما يقولون- فأخذ يركع ويسجد بدون وعي، ويذكر كلاماً كما يقول ابن الجارم جملة غير تامة لكنها كلمات غريبة بيض، وباذنجان ونحو هذه الكلمات، وهو لم يذكر أي شيء لكنه خلط في الكلام، حينئذٍ افتتحت كلمة بقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] من هم؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [يونس:٦٤] وعلقت على كلمة الإيمان والتقوى ولستم بحاجة إلى مثل هذا التعليق.
إنما الخلاصة: أن الولي لله هو المؤمن بالله إيماناً جازماً بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة، والعامل بأحكام الشريعة أمراً واجتناباً، وبلا شك ما ابتدأت الكلام بمثل هذا إلا لأصل إلى ضيفنا هذا، لأقول: إن هناك أناساً يتظاهرون بالولاية وقد يأتون بأمور خارقة للعادة فيظنها بعض الناس كرامات، وإنما هي إهانات، وتكلمت طويلاً في هذا الصدد، ثم سكت ففوجئت بكلام المضيف -رجل عاقل- قال: والله يا أستاذ نحن كنا نعتقد هكذا مثلما تقول: أن الكرامة والولاية هي العمل بالكتاب والسنة.
والشاهد ليس هذا، فالشاهد فيما يحكيه هذا الرجل كيف طور عقيدته الصحيحة إلى العقيدة الباطلة، بمجيء رجل كان من أهل القرية، وعاش في الأزهر الشريف عشرين سنة أو نحو ذلك، فلما رجع إليهم رجع يعلمهم خلاف الإسلام، وأن المهابيل هؤلاء هم أولياء الله.
قال: كنا نعتقد أن هذا هو الإيمان وهذا هو الإسلام -كما ذكرت- حتى جاءنا هذا الشيخ، قال: فأخذ يحدثنا بحكايات وقصص تتلخص في أن الله له أشخاص وضع سره فيهم، إذا نظرتم إليهم لا يعجبكم عملهم ولا أقوالهم ولا أفعالهم، ولكن هؤلاء من كبار الأولياء هؤلاء تنظرون إليهم أنهم تاركون للصلاة، لكنهم يصلون الصلوات الخمس في المسجد الحرام -هذه كرامة لهم- وتنظرون إليهم أنهم مفطرون ويأكلون في رمضان، لكنهم في الحقيقة صائمون، ولكنكم أنتم الذين تنظرون إليهم بأنهم مفرطون، وغير هذا من المخاريق والأكاذيب.
стр. 399
قصة شيخ من الأزهر
وهذه قصة حكاها الشيخ الأزهري للجماعة، فقلب أهل القرية إلى أمثال هؤلاء يؤمنون بالخرافات والأباطيل المخالفة للشريعة، ما هي القصة؟ قال الشيخ الأزهري لأهل القرية في مجالسه: كان هناك فيما مضى من الزمان رجل عالم فاضل، وكان آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، كان يحتسب وينزل إلى السوق فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حتى وقف ذات يوم على عطّار وهو يبيع الحشيش المخدر المحرم، فأنكر عليه كعادته في إنكار المنكر، قال الشيخ الأزهري لأصحابه: فما كاد الشيخ ينكر على بائع الحشيش حتى سُلِب عقله، وعاد كأنه بهيمة لا يفهم شيئاً، وكان أتباعه وتلاميذه من حوله، فأخذوه إلى داره وهو لا يعرف شيئاً، كالدابة، لكنهم أهمهم الأمر فأخذوا يتساءلون كيف العلاج؟ من نسأل؟ من نطلب معالجته؟ .
إلخ، قال: فدلوا على رجل يسمى ذا الجناحين وهذه تساوي طامتها طامتين، ذو الجناحين أي: يعلم بالشريعة والحقيقة، علم الظاهر وعلم الباطن، وهذه من الدسائس التي أدخلت على الإسلام، ليتسنى لأعداء الإسلام هدم الإسلام باسم الإسلام، ما هذا يا أخي؟ قال: هذا حقيقة، الحقيقة شيء والشريعة شيء.
ما هذا؟ يقول: هذا من علم الباطن، فعلم الباطن شيء وعلم الظاهر شيء.
فدل على رجل يسمى ذا الجناحين، فجاءوا إليه وقصوا عليه قصة عالمهم، فسرعان ما قال لهم -هنا العبرة-: ذاك البائع للحشيش هو رجل من كبار الأولياء -عندهم- وقد أصيب عالمكم بسبب اعتراضه على ذلك الولي.
فأنا أجمع بين متناقضات في وصفه بين الولي الحشاش بائع الحشيش، هذه حقيقة أمره، هو ولي وهو بائع حشيش، هذا الولي الحشاش هو من كبار الأولياء عند هؤلاء الناس، لذلك ذو الجناحين نصح تلامذة العالم بأن يقودوه - وهو لا يزال كالدابة- إلى ذاك الولي الحشاش، وأن يطلبوا منه العفو والمغفرة لعالمهم ويعتذرون له بالنيابة عنه حتى يفيء إلى نفسه، وهكذا فعلوا، فما كاد يطيب قلب الولي الحشاش على العامل بعلمه حتى رجع إلى حالته الطبيعية، مثل إنسان كان نائماً واستفاق، ثم عرف العالم بطبيعة الحال مصيبته فاعتذر أيضاً هو بدوره للولي الحشاش.
هذه القصة حكاها لي صاحب الدار عن شيخه شيخ القرية، وأن مثل هذه القصص جعلت القرية تؤمن بمثل هذه الطامات وهذه السخافات.
خلاصة الكلام: أن التصديق بمثل هذه الطامات والضلالات، بأنها تصدر من أناس يفعلون شراً -هذا في الظاهر- لكنهم في الحقيقة أولياء، يفتح باباً لأمثال هؤلاء الناس أنه إذا بعث فيهم الدجال أن يؤمنوا به، لماذا؟ لأنه يأتيهم بكرامات -بزعمهم- ما جاءت عن أحد من أوليائهم، يقول للسماء: أمطري؛ فتمطر ماذا تريدون من كرامة أعظم من هذه؟ ونحن لا نسميها كرامة، وإنما هذا أمر خارق للعادة، لكن لما رأينا هذا الرجل يدعي الربوبية، كأن يصدر منه ما هو من خوارق العادات؛ كان ذلك دليلاً على أن هذه ليست كرامات وإنما هي (مخابيط وتدجيل) منه على الناس.
إذاً: الحكم الفصل بين الكرامة وبين الأمر الخارق للعادة: هو أن ننظر إلى المصدر، فمن كان مصدره ولياً صالحاً فهذا نؤمن بكرامته، وهناك كرامات صحيحة وثابتة عن بعض الصحابة وبعض السلف لا ننكرها أبداً، لكن نحن ننكر مثل هذه الكرامات التي هي في الحقيقة إهانات، أما أصل الكرامة فنحن نؤمن بها، وهي فصل من فصول الخوارق -خوارق العادات- وتختلف الخوارق بين الصالح والطالح، والمميز هو العمل الصالح، فمن كان ذا عمل صالح فما صدر منه من خوارق فهي كرامة، ومن كان عمله طالحاً فما صدرت منه من الخوارق فهي ليست كرامة بل هي إهانة، وحسبكم جمعياً ما ذكرنا لكم من خوارق العادات التي يجريها الله على يدي الدجال.
стр. 400
وقفات مع جماعة التبليغ في بعض وسائلها
النفر في سبيل الله: يقصدون بهذا ما اعتادوه للخروج، يخرجون إلى مختلف البلاد ومعهم العامة من الناس، فدعوتهم قائمة على الصفات الست، التي ذكرها المؤلف في أول الرسالة، وما فيها شيء من الكلام إلا هذه الأخيرة، فقال: قال الله ﵎: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] هذه الآية مناسبة للموضوع وهو الخروج في سبيل تعلم العلم وتعليمه، لكن انظر فيما بعد، عطف على الآية السابقة فقال: وقال أيضاً: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة:٣٩] هذه الآية لا علاقة لها بهذا العنوان، فالعنوان: النفير في سبيل -كما قلنا- طلب العلم، وهذا هو الذي يقصدونه كما سيأتي في تمام كلامه، أما الآية الثانية فإنما هو النفير في الجهاد في سبيل الله حينما يأتي الكفار ويهاجمون البلاد الإسلامية، فحين ذاك يجب على كل مسلم يستطيع أن يحمل السلاح أن يخرج في سبيل الله ، فحملوا آية الجهاد الذي هو فرض عين، على آية الخروج في سبيل طلب العلم الذي هو فرض كفاية، وطلب العلم ليس فرض عين، والآية الأولى التي ذكرها صريحة في ذلك؛ لأنها قالت: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢] ليس كلهم، بينما الآية الثانية التي هي الخروج في سبيل الله قال: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة:٣٩] أي جميعاً.
стр. 401
الخروج في سبيل الله
يقول في المبدأ السادس الذي أقيمت عليها دعوتهم: ومغزى هذا المبدأ هو التخلي عن مشاغلنا اليومية للتمرن وللجهد في إجراء الحياة على السنة النبوية، على صاحبها أتم الصلاة والتسليم، ودعوة الآخرين: التمرن والجهد؛ فإنهم كما قلت في الصفحات الأولى: إننا لا نستطيع التخلي من المشاغل البشرية لطول العمر، فإنه أمر محظور، ولكننا نستطيع دون صعوبة أن نوفر شهوراً في العام، أو أياماً في الشهر، كما نوفر للنزهة والاستجمام.
إلى آخر كلامه.
قال: وهذا الخروج في سبيل الله نوع من الجهاد، وتدل التجربة -الشاهد الآن هنا- قال: وتدل التجربة والمشاهدة على أن هذا الخروج في الدعوة إذا كان لأربعين يوماً في كل عام، فهو خير معاون على نيل المقصود.
الآن نحن قلنا: ونشهد أن محمداً رسول الله، والآن التزم هؤلاء الخروج بأربعين يوماً، فعدد الأربعين من أين جاء؟! إذا كنا ندعو الناس لاتباع سنة الرسول ﵇ فعدد الأربعين من أين جاء؟ ليس مثل هذا إلا مثل الطرق التي ورثناها.
أنا أعتقد أن هذه طريقة صوفية جديدة، وأنا أقول بهذا القول منذ سنين، لما أسأل عن جماعة التبليغ، أقول: صوفية جديدة؛ لأن دعوتها دعوة ليس فيها بغض في الله، وهم يقررون في دروسهم: أن من الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، ولكن من الناحية التطبيقية البغض في الله غير وارد إطلاقاً، وكلامه السابق يدل على ذلك، ولعلي أذكركم بكلامه السابق: أن كل مسلم لابد أن يكون موقفنا تجاهه موقف مسالم.
ونحو ذلك.
ولفظ هذا المبدأ ظاهره هو التعلق على مكانة المسلم، والنصح له، وتأدية ما له علينا من حقوق دون الطمع في أن يأتي بحقوقنا، وعلى كل مسلم أن يحترم أخاه ويحبه، وينصح له مهما ساءت حالته الدينية.
هذا ليس من الإسلام؛ لأن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وهذا رفع البغض في الله من باب المسايسة والمداراة، وبهذا لن تقوم الدولة المسلمة أبداً، ولن يتحقق المجتمع الإسلامي، إذا كنت أنا أريد أن أحب المصلح وأريد أن أحب المفسد، وأريد أن أوادد المصلح، وأريد أن أوادد المفسد.
المهم الناحية الأخيرة: الخروج لأربعين يوماً هذا يعرف كل مسلم أنه لم يكن من هدي الرسول ﵊، ولا من هدي الصحابة، ولا من هدي السلف الصالح، لاسيما وفي هذا الخروج شيء من الغرابة، إذ لو أنه خرج جماعة من أهل العلم والفقه كنا نقول: لا بأس؛ وإنما هذا التقييد ليس له أصل، لكن من خطتهم: أنهم ينزلون في قرية وفي بلدة، فإذا وجدوا في هذه القرية إنساناً تجاوب معهم من الناحية الروحية قالوا: يخرج معنا، هذا الذي يخرج معهم ماذا يستفيد؟ وهذا في الواقع له صلة بما قلت في كلمة أخيرة: هذا سيبعث الغرور في هؤلاء العامة؛ لأنهم يصور لهم أنهم خرجوا للدعوة، وصاروا دعاة، وهم بحاجة كبيرة جداً إلى أن يتعلموا العبادة والدين، فبدل هذا كله لماذا لا يحضرون مجالس العلم في المساجد، وفي المدارس، وفي حلقات العلوم الشرعية بدل هذا الخروج؟ هذا الخروج فيه إبعاد لهم عن أهلهم وعملهم، وعن العلم أيضاً؛ لأن العلم في هذا الخروج لا يتحقق، ونحن نعرف هذا بالتجربة، لكن لأناس أوتوا حظاً من العلم؛ لأن السفر تقع فيه بعض المسائل التي لم يعتد عليها المقيم، لكن عامة الناس ليس بحاجة إلى مثل هذا الخروج، فإذا ذكروا هذا -أنه يخرج معهم العامة وهم لا يعلمون شيئاً من العقيدة فضلاً عن الفقه- ثم وجدنا أنهم يلتزمون الإخراج والخروج بعدد معين -أربعين يوماً- هذا رقم ما أنزل الله به من سلطان، لا أدري كأن هذا الرقم له معنى أو مغزى خاص في أذهان بعض المسلمين، فهنا -مثلاً- هؤلاء يلتزمون الخروج بأربعين يوماً، تجد أناساً يلتزمون عدداً متتابعاً من الأربعين، هو ناتج الصلاة النارية المعروفة؛ لأن عددها أربعة آلاف وأربع مائة وأربع وأربعون، ما صار خمسة وأربعين وإنما كلهن أربعة، هذا بلا شك من وحي الشيطان، وهذا الذي يتقيد بمثل هذه الأرقام يعلم أنها لم تأت عن رسول الله ﷺ ، فما اتخذها الرسول ﵇ مشروعاً سديداً وحيداً أبداً.
نحن -مثلاً- حينما يعقد أحدنا الأذكار معدودة: ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وثلاثاً وثلاثين تحميدة، وثلاثاً وثلاثين تكبيرة، إنما يفعل ذلك استسلاماً للنص؛ لأن الله قال: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] لمن هذا التسليم؟ للرسول ولرب العالمين.
هذا من خواصه، فنحن الآن نتلقى أرقاماً في كل عصر وفي كل مصر أرقاماً جديدة من الأذكار، ومن غير الأذكار حتى في الخروج للدعوة، هذه الأرقام لم ترد إطلاقاً، ونحن لا نتقيد بها؛ لأن هذا لا يلتقي مع شهادتنا لنبينا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بأنه رسول الله.
ولا ينطلي هذا إلا على الناس الذين لم يتنبهوا للوازم الشهادة للرسول ﵇ بالرسالة، أو تنبهوا ولكن ما عرفوا الرسول ﵇ ما عرفوا سيرته ما عرفوا شريعته، والواقع أن هذه النقطة مهمة جداً؛ لأن معرفة ما كان عليه الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتطلب دراسة السنة وعلم الحديث.
стр. 402
كثرة الأحاديث الضعيفة والموضوعة في هذه الرسالة
وبهذه المناسبة أقول: هذه الرسالة على صغرها، انظروا ما فيها من أحاديث غير ثابتة عن الرسول ﵊، مع بعض التعابير التي لا تناسب الشريعة، من جانب ما كنا تكلمنا عليه أكثر من مرة: أن الإنسان خليفة الله في الأرض، وهو يقول هنا: وإذا آمن العبد بربه، واعترف بعظمته وكبريائه، وأقام الصلاة.
إلخ، ويدرك مغزى كونه خليفة الله في الأرض.
هذه واحدة، وهذه كلمات سريعة.
ثم جاء بحديث: (من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة) هذه القطعة في الصحيح بلا شك، لكن ما بعدها قال: (قلنا: وما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله) يقول في التخريج: رواه الطبراني.
وصحيح رواه الطبراني، لكن ما فائدة هذا التخريج إذا كان الطبراني رواه بإسناد ضعيف؛ لذلك أنا أقول كلمة ربما لا تعجب الكثيرين لكنها الحق والحق أقول: إن تخريج الأحاديث على هذه الطريقة المذكورة: رواه الطبراني، رواه أبو داود، رواه أحمد، هذا أبعد ما يكون عن النصح للقراء، لاسيما وأن جماهير القراء اليوم لبعدهم عن الدروس بصورة عامة، ولبُعدهم عن الدروس الحديثية بصورة خاصة، بمجرد أن يسمع: رواه فلان، قال: هذا حديث مثبت.
هذا في تعبير العامة: حديث مثبت رواه فلان، مسكين لا يعرف أن (رواه فلان) هي ترجمة هذا التخريج، أي: هذا -فلان- ساق إسناده منه إلى الرسول ﵇ بهذا الحديث، ولا ندري هل هذا الإسناد صحيح أو غير صحيح؟ هذا معنى رواه الطبراني، والناس لا يفهمون هذا الفهم كما هو الواقع، وإنما يفهمون رواه الطبراني: أنه حديث مثبت وانتهى الأمر؛ لذلك لابد عند طبع التخريج للقراء ألا تأتي بمجرد العزو للحديث إلى مخرجه، وإنما لابد أن تأتي به مقروناً ببيان مرتبته، وإلا فهذا التخريج أقرب إلى الغش للقراء منه إلى النصح.
وهذا مثال على ذلك.
مثال آخر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (جددوا إيمانكم، قيل: يا رسول الله! كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله) رواه أحمد.
وهم سيقولون: إنه حديث مثبت؛ لأنه رواه أحمد، لكنه حديث ضعيف، وأحمد رواه في المسند بسند ضعيف، ولذلك أنا كنت قد خرجته في سلسلة الأحاديث الضعيفة تحت رقم (٩٠٠) .
ومن هذا القبيل حديث عن معاذ بن جبل، قال: قال لي رسول الله ﷺ : (مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله) رواه أحمد وهو -أيضاً- حديث ضعيف، وهذا الكتاب فيه أحاديث صحيحة كثيرة، لكن أنا يهمني بيان الأحاديث الضعيفة، أولاً: لما يتعلق بهذه الرسالة، ثانياً: لإفادة الآخرين.
ثم قال: عن الحسن مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : (من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الإسلام فبينه وبين النبيين درجة واحدة في الجنة) وهذا بطبيعة الحال لو كان إسناده للحسن وهو البصري صحيحاً لكان ضعيفاً؛ لأن الحسن تابعي لم يكن له واسطة بينه وبين الرسول ﵇، ولذلك علماء الحديث يقولون: مراسيل الحسن البصري كالريح، أي: لا قيمة لها.
ومثل قوله عن واثلة بن الأسقع قال: قال الرسول ﷺ : (من طلب العلم وأدركه كان له كفلان من الأجر، فمن لم يدركه كان له كفل من الأجر) وهذا الحديث مع كونه ضعيف السند، فالقسمة فيه -باعتقادي- قسمة ضيزى، هل الذي يطلب العلم يحصل له كفلان، والذي لا يطلب العلم يحصل كفل واحد؟ ولا أظن أن هناك عدالة في الموضوع.
فيما قال في المبدأ الرابع عند إقرار مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أكرم شابٌ شيخاً من أجل سنه إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه) هذا حديث جميل، لكنه حديث منكر من حديث ابن وائل غير صحيح، وهو أيضاً في كتابي الأحاديث الضعيفة.
أما الحديث الذي بعده على سبيل المثال من الأحاديث الثابتة: (إن من إجلال الله: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، وإكرام السلطان المقسط) هذا حديث صحيح.
ثم قال: عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ : (ملعون من ضاد مؤمناً أو مكر به) لكن لأول مرة يقول المؤلف: رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب، لكن تُرى هل يفهم القارئ أن معنى (غريب) : أي: ضعيف؟ الله أعلم.
فهذه الكلمة الموجزة عن هذه الرسالة أحتاج أن أتكلم حولها؛ لأنه كثيراً ما نسأل عن الجماعة، وقد وقفنا على هذه الرسالة فعرفنا من مصدر موثوق فيه شيئاً مما يتعلق بها، ومن قبل ذلك كنا نسمع بعض الأشياء نحن على علم بها، وبعض الأشياء نتوقف؛ لأننا ما سمعناها إلا من بعض المصادر، من ذلك مثلاً: أنهم إذا جلسوا على الطعام بدءوا بالملح، ونحن نعرف السر في هذا البدء؛ لأن هناك حديثاً موضوعاً: (إن البدء بالملح في الطعام يدفع عن صاحبه سبعين داءً) ، فمثل هذا الحديث الموضوع جعلوه منهجاً لهم، ولنا صديق دكتور كان قد خالطهم في الكويت مدة طويلة، فقال لهم: يا جماعة! أنتم تحفزون الناس.
فعلاً: الكلام العام عندهم: اتباع الرسول ﵇ كما سمعتم هنا، لكن من حيث الواقع هناك أشياء فعلها الرسول لا يأتون بها، وأشياء لم ترد عن الرسول ﵇ ويأتون بها، من باب الاستحسان في الدين، كما رأيتم في الخروج أربعين يوماً، أو من باب العمل بالحديث الضعيف، كما يقول اليوم جماهير الناس: يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ثم هم لا يفرقون لسبب عدم دراستهم لعلم الحديث بين الحديث الضعيف والحديث الموضوع، أي حديث وجدوه في أي كتاب عملوا به، إن كان صحيحاً ففيه خير، وإن كان ضعيفاً فالحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، لكنه قد يكون موضوعاً ولا علم لهم به، وهذا مثال البدء بالملح بين يدي الطعام، إذا كان معهم حلوى فلا بد أن يتملحوا قبلها؛ لأنه هكذا جاء الحديث، والحديث موضوع لا يجوز العمل به اتفاقاً.
стр. 403
أبيات من الشعر في الطرق الصوفية
وأن هذا صراط الله فاتبعوا لا تسلكوا سبلاً تفضي إلى النار
ما قاله ربنا في الذكر أنزله بينته واضحاً يا خير مختار
علمتنا خطةً في الدين واضحةً على هداها يسير المدلج الساري
وليس لله من شرعين فاعتبروا يا أيها الناس يا أصحاب أبطار
ماذا جنيتم من الأحزاب من طرق غير اقتتال وتخريب وأضرار
أين الشريعة والتوحيد جوهرها توحيد معبودنا توحيد أفكار
نوحد الله في أحكام شرعته ما غيره آمرٌ فالشرع للباري
محمد وضّح القرآن بيّنه لم يترك الناس في جهل وأسرار
على محجته البيضاء فارقنا الليل عاد كصبح بعد إظهار
فإن شرع الهدى من شرع من رسموا هذي الطرائق في سر وإضمار
قالوا طريقتنا للشرع راجعة قلت اخسئوا نهجكم تشريع أغيار
ما لي أراكم تبعتم شيخ معصية باب ولكنه باب إلى النار
راقبتم الشيخ دون الله وارتبطت قلوبكم بطواغيت وأحجار
أغمضتم العين تضليلاً وشعوذة لتستمدوا به كشفاً لأسرار
يمدكم مدداً ما بعده مددٌ من الشياطين من غاد ومن ساري
طريقكم كجحور الخلد غامضة فيها متاهات أوكار وأجحار
أين الحقيقة ما كانت حقيقتكم غير الخرافات والتضليل والعار
أقطابكم رمم أوتادكم صنم وغوثكم قبة حفت بأستار
ما من مغيث سوى الرحمن يحفظنا من كل نازلة من كل أخطار
أين الكرامات ما كانت كرامتكم غير القذارات في جهر وإسرار
هذا الوحيش الذي ينزو على أذن وذاك عريانكم في مسجد عار
تأتون فاحشة جهراً بلا خجل أهكذا كشفكم هتك لأستار؟
وقال حلاجكم كفراً وزندقة فقلتم خاطئ في كشف أسرار
سميتم الكافر الزنديق عاشقكم وكيف يلقى شهيد العشق في النار
كل الطواغيت في الجنات مرتعهم فرعون هامان حلاج أبو العاري
إن الولي يفوق الرسل قاطبة والرسل قد شرعوا شرعاً لأغرار
خضتم بحاراً ورسل الله عاجزة عن خوضها ليس من فلك ولا صاري
نازعتم الله في أكوانه فلكم غوث مغيث وحامٍ حافظ الدار
الشيخ رسلان حاميكم وحافظكم وخالد النقش والخراج والعاري
وشيخ بصطان والكبريت أحمرهم ودستري عفيف القوم والدار
وهيكل صمداني له كتب في مدحهم ضاع حق بين أشرار
قالوا تجلى إله الكون في صور فالعبد رب وما التكليف للباري
وهل يكلف رب نفسه شططاً والكون مظهره بل سره الساري
وهل يعذب رب نفسه بلظى ما سم من جنة ما سم من نار
ليس العذاب عذاباً بل عذوبته معروفة في فتوحات وأشعار
أبو الفصوص التي فاحت فضائحها فدنست كل أرض كل أقطار
كذاك داعيّة ابن الفارض انتشرت أدرانها منذ أيام وأعصار
يفني عبادتنا نار الفرس يجعلها حقاً ويمدح من دانوا بأحجار
فالكل يعبد رباً واحداً أحداً لكن على شكل أحجار وأشجار
كفر بواح وإلحاد وزندقة ما قاله غير فجار وكفار
لكنهم زيفوا في الناس باطلهم وأظهروا نسكهم في لبس أطمار
وأعلنوها عبادات مضللة للناس فاغتر أقوام بمكار
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها عند التقلب وحش قاتل ضار
من حسّن الظن في كفر وزندقة أضحى شريكاً لكفار وفجار
فأعلنوا حربكم أهل الحجا علناً على الخديعة في عزم وإصرار
واستنصروا الله إن الله يحفظكم من مكر ماكرهم أو غدر غدار
هكذا غيرت الصوفية مفهوم الإسلام، يا أبا فتح.
стр. 404
الذكر عند الصوفية
إذا انتقلنا إلى الذكر نجد أنهم غيروا كذلك مفهوم الذكر، ولو سألت الناس الذين يعيشون حيث تكثر الصوفية ما هو الذكر؟ تجدهم يشيرون إلى ذلك الرقص والرقصات المختلفة باختلاف أصحاب الطرق، ولا يعرفون الذكر الشرعي الإسلامي.
فالذكر عند الصوفية -أي: الأذكار المأثورة- يسمونها أذكار العامة، فلا إله إلا الله وحده لا شريك له، هذا الذكر العظيم والتوحيد الخالص الذي قال فيه رسول الله ﵊: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير) هذا الذكر عند مشايخ الصوفية ذكر العوام، أما الخواص فقد ترفعوا عن هذا الذكر.
وذكر الخاصة عندهم تكرار لفظ الجلالة: (الله الله الله الله ... ) وذكر خاصة الخاصة تكرار ضمير الغيبة: (هو هو هو هو ... ) وقد اقتصر بعضهم على الآهات: (آه آه آه ... ) هكذا عبثوا بهذه العبادة العظيمة: ذكر الله، وغيروا مفهوم الذكر، وعلى هذا المفهوم يعيش جمهور المسلمين في كثير من البلدان، من الذين لا يعرفون الدين إلا من طريق الصوفية، وهذا عبث بالدين.
هذا ما رأيت أن أتكلم به في هذه المناسبة، أسأل الله أن يلهمنا العمل بالسنة، وعلى منهج السلف الصالح.
стр. 405
الاجتهاد والإفتاء
إن باب الاجتهاد مفتوح، ولكن هناك شروط لابد من توفرها في المجتهد، وهناك أصول وضوابط ينطلق من خلالها المجتهد.
وهذه المادة تحتوي على مباحث تتعلق بالاجتهاد والتقليد وضوابط الفتيا، مع حديث هام عن موضوع العمل بالقوانين الوضعية وحكم من يحكم بها أو يعتقدها.
стр. 406
أحوال الاجتهاد والاتباع والتقليد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
السؤال
هل صح الحديث عن رسول الله ﵌: (إذا اجتهد الإمام فأخطأ فله أجر، وإذا أصاب فله أجران) ؟ وفي حال صحة الحديث هل المسلم ملزم بالاجتهاد؟
الجواب
هذه المسألة طالما تكلمنا عنها مراراً، ويتكرر السؤال كما تسمعون، والسبب في ذلك أن هناك أناساً -مع الأسف- مغرضين، يثيرون هذه المشكلة بين الناس مع كثير من البهت والافتراء على الأبرياء، فلا بد إذاً من الإجابة على هذا السؤال بشطريه:
стр. 407
صحة حديث: (إذا اجتهد الإمام فأخطأ ... )
الشطر الأول: الحديث صحيح؛ لأنه مما أخرجه البخاري في صحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد) .
стр. 408
حكم الاجتهاد والتقليد
الشطر الثاني من
السؤال
هل المسلم ملزم بالاجتهاد؟
الجواب
ملزم وغير ملزم، بمعنى: أن ذلك يختلف باختلاف المسلم من حيث علمه وثقافته وقدرته واستعداده، وكل ذلك يجب أن يلاحظ حينما يقال: يجب على المسلم أن يجتهد.
أنا كنت -كما سمعتم ربما- في المدينة المنورة، وهناك أناس يدعون بدعوتنا إلى الكتاب والسنة؛ ولكن هم مبتدئون في الطريق، وبحاجة إلى علمٍ كثير، فهم يقولون بوجوب الاجتهاد على كل مسلم، دون أي تفصيل، والتفصيل: واجب على كل عالمٍ مسلم أن يقوم به، حتى لا يقع في إفراط أو تفريط، فقد قلت لهؤلاء ولغيرهم سابقاً ههنا: إن التقليد الأصل فيه أنه لا يجوز، والأصل أن المسلم -أي مسلم كان- يجب أن ينطلق في حياته الإسلامية على بينة وعلى بصيرة من دينه، كما قال ربنا في كتابه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] فلئن كان قول الله ﵎ حكاية على لسان نبيه: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] ، إن كان هذا نصاً عاماً يشمل كل متبعٍ للرسول ﵌، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] إذا كان هذا النص: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] نصاً شاملاً لكل مسلم، فلا شك حين ذاك أنه يجب على كل مسلم أن يكون على بصيرة من دينه، فهذا هو الأصل، لا فرق في هذا بين عالمٍ، ومتعلمٍ، وغير متعلم؛ كما جاء في بعض الآثار الموقوفة: [كن عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، ولا تكن الرابعة فتهلك] لا فرق في هذا بين طبقات المسلمين من حيث ثقافتهم؛ لأنه يجب على كل منهم أن يكون على بصيرة من دينه، للآية السابقة وغيرها مما يؤدي مؤداها، ولكن قد لا يستطيع كل مسلم أن يكون على بصيرة في كل مسألة، فحينئذ يعمل ما يستطيع، وأنا قلت لأولئك الأشخاص: إن كثيراً من العلماء المجتهدين يقلدون في بعض الأحايين مضطرين، فالعلماء المجتهدون يقلدون أحياناً؛ لكنهم إنما يفعلون ذلك اضطراراً، وقلت أيضاً: ليس التقليد من حيث أنه ينافي التبصر في الدين بأشد تحريماً مما نص الله في القرآن على تحريمه، كقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة:٣] إلى آخر الآية، ولكن هذا التحريم منوط ومربوط بالاستطاعة، لأن القاعدة القرآنية تقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فإذا كان الإنسان في وضع لا يستطيع إلا أن يواقع شيئاً من هذه المحرمات الثلاث المذكورة في الآية السابقة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة:٣] فاضطر إلى شيء من هذه المحرمات، فليس ذلك بحرامٍ عليه؛ لقوله في تمام الآية: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] وبمثل هذه الآية وغيرها جاءت القاعدة الفقهية الإسلامية: (الضرورات تبيح المحظورات) .
أعود لأقول: التقليد ليس أشد تحريماً من هذه المحرمات وأمثالها، فإذا كانت هذه المحرمات تباح للضرورة؛ فالتقليد كذلك يباح للضرورة، ولذلك فكما أنه لا يجوز المغالاة في تحريم التقليد ألبتة في كل الحالات والصور كما ذكرنا آنفاً، فيستثنى من التحريم حالة الاضطرار، كذلك لا يجوز بداهة أن نجعل حالة المسلمين عامة، وفيهم العلماء، والشيوخ، وأهل العلم، والفضل -كما يقولون- أن نجعل حالتهم حالة اضطرار، كما لو قلنا: المسلمون اليوم مضطرون لأكل هذه المحرمات، هذا لا يقوله إنسان؛ لأنهم يعيشون في وضع طبيعي، فهم يستطيعون أن يأكلوا مما أحل الله لهم من غير هذه المحرمات، فكيف يقال: إنهم -والحالة هذه- مضطرون لأكل الميتة والدم ولحم الخنزير؟! هذا لا يقوله إنسان فيه ذرة من عقل، كذلك لا يصح أبداً أن نقلب الوضع فنقول: المسلمون اليوم كلهم -بما فيهم أهل العلم- مضطرون للتقليد؛ لأنهم لا يستطيعون الاجتهاد، هذا قلب لما يجب أن يكون عليه وضع العالم الإسلامي، فالعالم الإسلامي منذ عهد الرسول ﵊ كان فيه الناس طبقات، عالم، ومتعلم، ومستمع، فكيف نجعل كل الطبقات اليوم هي الطبقة الدنيا وهو مستمع فقط، يسمع الكلمة ويتلقفها، ثم يعمل بها؟ أما من أين جاءت؟ ما أصلها؟ ما فصلها؟ ما دليلها؟ أهو الكتاب أم السنة؟ أهو القياس؟ وهل هذا القياس قياس جلي أم خفي؟ وهل هو قياس صحيح أو قياس أولوي؟ أو ما أشبه ذلك فهذا لا تستطيعه هذه الطبقة الدنيا طبقة المستمعين إنما يستطيع ذلك طبقة أهل العلم.
إذاً: التقليد في الوقت الذي هو حرام، ويجب على كل مسلم أن ينجو منه بقدر استطاعته؛ إلا أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
стр. 409
الاتباع وسط بين الاجتهاد والتقليد
على هذا نحن يجب أن نفهم هذه المسألة حتى لا نقع -كما ذكرنا- في إفراط وتفريط، فليس كل مسلم بملزم أن يجتهد؛ ولكن الذي يلزمه الاجتهاد هو المستطيع؛ ولكن هنا مرتبة وسطى ما بين التقليد والاجتهاد، ذلك لأننا ذكرنا آنفاً أن كل مسلم يجب أن يكون على بصيرة من دينه بنص الآية السابقة العامة، لكن البصيرة بالدين يمكن تحصيلها بطريقة لا هي اجتهاد، ولا هي تقليد محرم في الأصل، لا هي بطريقة الاجتهاد التي لا يستطيعها كل الناس إلا الخواص منهم، ولا هي بطريقة التقليد التي يكون الأصل فيها التحريم، هناك طريقة وسط بين الطريقتين -الاجتهاد والتقليد- ألا وهي طريقة الاتباع، وهذا اصطلاح علمي جرى عليه كثير من المحققين، القدامى والمحدثين، كمثل حافظ الأندلس أبو عمر بن عبد البر، فقد جعل العلم ثلاث طبقات: اجتهاد، واتباع، وتقليد، وعلى ذلك جرى من بعده من أهل التحقيق كـ ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما.
стр. 410
الفرق بين الاتباع والاجتهاد
فطريقة الاتباع فيها حل للمشكلة، وقضاء على التقليد الذي عم وطم في بلاد الإسلام، وليست طريقة الاجتهاد كما يظن الظانون والباغون المفترون اليوم.
يمكن القضاء على التقليد الذي هو في الأصل حرام، ليس فقط بطريقة الاجتهاد، وإنما بطريقة أخرى دون ذلك، وهي طريقة الاتباع، والفرق بين طريقة الاجتهاد والاتباع فرقٌ سهل وواضحٌ جداً، ألا وهو: أن الاجتهاد يعني أن يكون المسلم العالم على علمٍ باللغة العربية، وآدابها، وعلوم الشريعة؛ كعلم الحديث، والتفسير، وأصول الفقه، ونحو ذلك، وهذا فعلاً لا يستطيعه حتى الذين درسوا هذه العلوم، لا يستطيعون تحقيقها وتطبيقها عملياً في واقع حياتهم العلمية.
لكن الاتباع هو: أنك حينما لا تستطيع الاجتهاد تسأل، فعليك أن تسأل أهل الاجتهاد -أهل العلم والفقه في الدين- عن المسألة التي يقدمونها إليك جازمين بحرمتها، أو جازمين بإباحتها، أو جازمين بوجوبها، أو باستحبابها، أو غير ذلك من الأحكام الشرعية، تستطيع أن تسألهم عن الدليل، فإذا قدّموا إليك الدليل اطمأن قلبك إلى هذا الحكم؛ لأنه قدم مقروناً بدليلٍ شرعي، بخلاف ما لو قال لك: هذا حرام، أو هذا حلال؛ فإنما قدم لك رأيه عارياً ومجرداً عن الدليل الشرعي، فالذي يأخذ هذا الرأي، التحريم، أو غيره، غير مقرون بدليل، فهذا هو التقليد، وهو الذي ينبغي أن نتخلص منه بقدر الإمكان، والذي يأخذ المسألة مقرونةً بدليلها الشرعي، من كتابٍ، أو سنة، أو اجتهاد عالم مجتهدٍ ما، فهو المتبع، والذي يقدم الدليل متفقهاً فيه من الكتاب والسنة فهو المجتهد.
لذلك فليس من الطبيعي أن نظل نوجه مثل هذا السؤال، هل كل مسلم ملزم بالاجتهاد؟ نقول: كل مسلم ملزم بأن يكون على بصيرة من دينه، أما الملزم بالاجتهاد فهم أهل العلم، وأهل العلم اليوم إن وجدوا فالمنصفون منهم في هذه المسألة يصرحون بأنهم ليسوا من أهل العلم، وهذا تصريح لا يبوحون به إلا حينما تضطرهم المجادلات العلمية إلى أن يقولوا بصراحة: إننا لسنا بعلماء، فأين هؤلاء العلماء؟ أصبحوا باعترافهم في خبر كان، ولذلك يعترفون بأن باب الاجتهاد أغلق، ومعنى هذا: أن العالم الإسلامي كله، أو على الأقل جله، يعيش في جهل، لا يعيش في حالة اجتهاد، وهذا أمر بدهي؛ لأنه في الزمن الأول ما كان كل أفراد المسلمين مجتهدين.
стр. 411
التقليد هو الجهل بعينه
المسلمون اليوم لا يعيشون في حالة اتباع على بصيرة؛ لأنهم يعيشون في حالة تقليد، فهل هكذا أمر الإسلام؟ هل قال: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على تقليد أم على بصيرة؟ ويجب أن تتذكروا أن من مواضع الاتفاق أن كلمة التقليد تساوي جهل، التقليد هو الجهل، ما من خلاف بين سلفي وخلفي في القضية إطلاقاً، كل العلماء يقولون: إن التقليد هو الجهل؛ ولذلك نص في بعض كتب الحنفية على أن المقلد لا يولى القضاء، وجاء الشارح وشرح المتن بقوله: لأن المقلد جاهل، والذي ينبغي أن يتولى القضاء يجب أن يكون عالماً بالكتاب والسنة، أي يجب أن يكون مجتهداً، ولذلك لا يولى المقلد القضاء؛ لأنه جاهل، وكما قلت: التقليد جهل باتفاق العلماء، فإذا قيل: ما بقي هناك اجتهاد، فمعنى ذلك: أن العالم الإسلامي اليوم يعيش في جهل عميق جداً.
إذاً: ما فائدة وجود الكتاب، ووجود السنة، بين ظهراني الأمة؟! والذين يفترض فيهم أن يكونوا على علم ودراسة لهذا الكتاب ولهذه السنة، يقولون: لا أحد يستطيع أن يفهم الكتاب والسنة، فنحن نعيش مقلدين، بل وصل الأمر ببعضهم إلى أن يفخر بأنه مقلد، ناسياً أن التقليد هو الجهل؛ لأني أظن أن إنساناً فيه ذرة من عقل لا يمكن أن يفخر بجهله، ولكنه افتخر بتقليده؛ وما ذلك إلا لأنه نسي ما معنى التقليد؛ لأن كلمة التقليد ليست صريحة في إعطاء المعنى الذي يفهم من كلمة الجهل، فلا أحد يفخر بالجهل؛ لكنه قد يعتذر ويقول: والله أنا لا أعلم، أما أن أحداً يفخر بالتقليد وهو مساوٍ للجهل كما ذكرنا، فهذا مما وقع فيه بعض الدكاترة في العصر الحاضر؛ لأنه نسي أن التقليد هو الجهل بعينه، لذلك أرجو أن يكون هذا واضحاً بينكم جميعاً، وأن يبلغ الشاهد الغائب.
من جهة أخرى لا تكثروا
السؤال
هل كل مسلم ملزم بالاجتهاد؟ كل مسلم ملزم بالاتباع، أما الاجتهاد فالذين يظن أنهم أهل العلم لا يستطيعونه اليوم باعترافهم، فماذا نقول عن الطلاب الذين يتخرجون تحت أيدي هؤلاء العلماء الذين هم مقلدون، أي: هم جهال، وكما قال قائلهم: هم علماء مجازاً وليس حقيقةً، هذا شأن العلماء في العصر الحاضر، فماذا يكون شأن الطلاب الذين يتخرجون تحت أيدي هؤلاء العلماء مجازاً باعترافهم؟! لذلك احفظوا هذه الآية، وتذكروا دلالتها العامة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] .
стр. 412
كيف يكون المسلم متبعاً لرسول الله
يجب على كل مسلم ليتبع الرسول ﵌ اتباعا حقاً، أن يكون على بصيرة من دينه، وهذا لا يتحقق -مع الأسف الشديد- إلا بأن يتحرك من في استطاعتهم أن يدرسوا الكتاب والسنة، وأن يتبينوا الحق مما اختلف فيه الناس ليقدموا هذا الحق إلى الناس ولعل مما يساعد على ذلك أن الجمهور المسلم إذا عرف هذه الحقيقة، وهي: أنه يجب أن يكون على بينة من دينه، وعلى بصيرة من أمره لعل مما يساعد على نشر هذا التبين أن يطالب الجمهور من يظنون فيهم العلم، بأن يبينوا ويوضحوا لهم الحقيقة، حتى يعيشوا على بينة وعلى بصيرة من دينهم.
هذا جواب السؤال السابق، وهو: هل المسلم ملزم بالاجتهاد؟ فنقول باختصار: كل مسلم ملزم بالاتباع، وأما الاجتهاد فملزم به من يستطيعه، وأما التقليد فحرامٌ كله إلا عند الضرورة، هذه خلاصة الجواب.
стр. 413
العدل والظلم وعلاقتهما ببقاء الأمم
السؤال
قال ابن تيمية: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، نرجو شرح هذا القول، مع بيان الأدلة الشرعية عليه، ورأيكم فيه.
الجواب
أنا لا أستحضر قول ابن تيمية هذا، ولكن الآية الكريمة التي تقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] ذكر بعض علماء التفسير هذا المعنى الذي ينقله السائل عن ابن تيمية ﵀، ذلك بأن الظلم هو سبب خراب البلاد، وهلاك العباد، فإذا كانت الأمة أو الدولة كافرة، ولكنها تحكم بالعدل فيما بينها، هذا العدل الذي يعرفه الناس بفطرهم، فإذا كانوا يحكمون بذلك؛ تقوم دولتهم، وتستمر مدة طويلة، والتاريخ يشهد بهذا، وعلى العكس من ذلك، إذا بغى الحكام وجاروا على العباد؛ كان ذلك سبباً لقيام الثورات، وما يسمى اليوم بالانقلابات العسكرية، ولن تستقر الأوضاع في تلك البلاد حتى يُهلك الشعب الواحد بعضه بعضاً، ويكون ذلك سبباً لفتح الطريق لأمة أخرى لكي تستعبدها، ولا شك أن الإسلام جاء بكل ما فيه خير الدنيا والآخرة، ومن ذلك الأمر بالعدل، والأمر بإقامة الحدود بين الناس، حتى قال ﵊: (حدٌ يقام في الأرض خيرٌ من مطر سبعين صباحاً) وما هذا إلا لتحقيق العدالة في المجتمع الإسلامي، فإذا افترضنا مجتمعاً إسلامياً لا يقيم حكم الله في الأرض، وذلك مما لا يمكن إقامته إلا على إقامة العدل بين المسلمين، فلا يمكن أن تقوم قائمة هذه الدولة؛ لأنها حين ذاك تحكم بغير ما أنزل الله ومن حكم بغير ما أنزل الله فقد عرض أمته ودولته للانهيار، هذا ما يحضرني الآن جواباً عن هذا السؤال الأول.
стр. 414
نسخ الاجتهاد للأحكام الثابتة
السؤال
إذا كان النسخ لا يصح إلا من قبل الشارع نفسه، فهل يصح في الاجتهاد تغيير ما لم ينسخه الشارع من الأحكام؟ ومتى يكون ذلك؟
الجواب
مما هو مجمع عليه بين علماء المسلمين: أن النسخ لا يمكن أن يقع بعد استقرار الأحكام الشرعية، وذلك لا يظهر يقيناً إلا بعد وفاة الرسول ﵊، فأي حكمٍ انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى وقد استقر ذلك الحكم على وجه، فلا يمكن أن يُنسخ هذا الحكم بعده ﵊ بوجه من الوجوه، ولعلنا نذكر جميعاً أن معنى النسخ هو: إبطال الحكم وإلغاؤه من أصله، وليس من هذا القبيل ما قد يشير إليه السائل في قوله: فهل يصح في الاجتهاد تغيير ما لم ينسخه الشارع من أحكام؟ ومتى يكون ذلك؟ لا يمكن أن يكون نسخ حكم تقرر أنه حكم ثابت -كما ذكرنا- واستمر ذلك إلى آخر حياته ﵇، لا يمكن لمثل هذا الحكم أن ينسخ بأي وجه من الوجوه، لكن الذي يمكن أن يقع في ظروف وملابسات خاصة، هو توقيف حكم من الأحكام الثابتة غير المنسوخة إلى أمد معين؛ بسبب ظروف أحاطت بالناس فأوجبت تأخير ذلك الحكم إلى زمن معين.
مثلاً: جعل عمر بن الخطاب ﵁ الطلاق الثلاث، الذي كان في عهد الرسول ﵇ يعتبر طلقة واحدة، وكذلك في عهد أبي بكر الصديق، وكذلك في شطر من خلافة عمر نفسه، جعل عمر ﵁ هذا الطلاق ثلاثاً، فمن طلق ثلاثاً في عدةٍ واحدة اعتبره نافذاً ثلاثاً، على خلاف ما كان الأمر عليه في عهد الرسول ﵊، وفي عهد أبي بكر، وفي شطر من خلافة عمر نفسه، كما ذكرنا.
يذهب بعض الفقهاء المتأخرين الذين رأوا جمهور علماء المسلمين تبنوا هذا الحكم وكأنه حكم لازم وثابت إلى يوم الدين، يرون بأن تنفيذ عمر للطلاق بلفظ الثلاث (ثلاثاً) لا يمكن أن يكون إلا ولديه ناسخ، يقولون هذا لأنهم لا يجدون في نصوص السنة فضلاً عن نصوص الكتاب ما يمكنهم أن يدعموا به أن ما فعله عمر هو حكم ثابتٌ قاله الرسول ﵇، لا يجدون إلا أن يقولوا: إن عمر ما صار إلى هذا إلا ولديه نصٌ ناسخ للحكم السابق، وهو أن الطلاق بلفظ الثلاث يعتبر طلقة، ولعل الحاضرين جميعاً يفقهون ما معنى طلاق بلفظ الثلاث، وأنه يعتبر ثلاثاً في اجتهاد عمر، ولم يكن كذلك في زمن الرسول ﵇، وأبي بكر، وشطر من خلافة عمر، كأني أرى من الضروري أن أقف قليلاً هنا لأبين لكم الفرق؛ لأنها مما يبتلى به كثير من الناس اليوم الأصل في الطلاق الشرعي: أن الذي يريد أن يطلق زوجته طلاقاً شرعياً؛ يشترط في هذا الطلاق أن تتوفر فيه شروط عديدة ولست الآن في صددها، وإنما أذكر هذا الشرط الواحد، وهو ألا يجمع الطلقات الثلاث التي قال الله فيها: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] الطلاق مرتان، في كل مرة إمساك بمعروف، أي: بعد ما طلقت، أو تسريح بإحسان، فإن طلقها في الثالثة ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ هذا من شروط الطلاق الشرعي؛ أن يطلق ثم يفكر هل يمسكها ويرجعها إلى نفسه، أم يخلي سبيلها والله يعوضه خيراً منها ويعوضها خيراً منه؟ جعل الله له ساحة تفكير وهي العدة، فالمرأة بعد أن طلقها زوجها فعدتها ثلاثة قروء، أي: ثلاثة أشهر وعشرة أيام تقريباً، فيفكر الرجل في هذه المدة يعيدها أو لا يعيدها، فإذا انتهت العدة أصبحت المرأة حرة وليس له سبيل إلى إرجاعها، وقبل العدة يستطيع أن يعيدها إليه بدون نكاح، ولكن تحسب عليه طلقة.
стр. 415
الضوابط الشرعية للفتوى
نرجع إلى الفقرة الثالثة والأخيرة من هذا الحديث قوله ﵊: (ومن أفتى فتيا بغير ثبتٍ فإثمه على من أفتاه) في هذه الفقرة حكم خاص يتعلق بأهل العلم الذين يتعرضون لفتيا الناس وإفتائهم، وهذه مسألة ثقيلة في الواقع؛ لقوله تعالى لنبيه ﵇: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:٥] ذلك لأن النبي ﵌ قد أوجب على المستفتى ألا يتسرع في الأفتاء، بل عليه أن يتثبت.
стр. 416
أخذ الحكم من الكتاب والسنة
التثبت في الفتيا هو أن يعرف الحكم من كتاب الله، ومن حديث رسول الله ﵌، فإن أفتاه دون أن يتثبت هذا التثبت، وهو بأن يرجع إلى كتاب الله، وحديث رسول الله، فتبنى المستفتي رأي المفتي وفتواه، وكان قد أفتاه بإثمٍ، فإنما إثمه على مفتيه، ومن ههنا نتوصل إلى مسألة خطيرة جداً، وهي أن العالم حينما يستفتى في مسألة، فيفتي بغير استنادٍ، إلى الكتاب وإلى السنة فهو يفتي بغير ثبتٍ؛ لأن الحديث يقول: (ومن أفتى فتيا بغير ثبتٍ) أي: بغير سندٍ وبغير بينة وحجة، ومعلوم لدى كل مسلم أن الحجة في الإسلام ليس هو إلا الكتاب والسنة، وإلا ما استنبط من إجماعٍ وقياسٍ صحيح، فمن أفتى بغير ثبتٍ، أي: بغير حجة من كتاب الله، أو من حديث رسول الله ﵌ على التفصيل الثابت السابق؛ فقد أفتى بغير رشدٍ وبغير حجة، فإثم المستفتي حين ذاك على مفتيه، فماذا يجب على المفتي؟ يجب عليه التثبت قبل كل شيء، ولا يتسرع بالفتوى، ومعنى هذا: أنه يجب أن يراجع المسألة إن لم يكن راجعها، فكيف يراجعها؟ ومن أين يستقي الجواب الصحيح على ما استفتي؟ يكون ذلك بالرجوع إلى الكتاب والسنة؛ لأن الحديث يقول: (بغير ثبتٍ) أي: بغير حجة، وما هي الحجة في الإسلام؟ الحجة هي القرآن والسنة، كما قال ﵊: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض) .
стр. 417
حكم الفتيا بقول أحد العلماء في المسائل الخلافية
يا ترى من استفتيَ في مسألة أو في قضية فأفتى برأي عالمٍ -أي عالمٍ كان- وهو يعلم أن المسألة فيها قولان فأكثر، فهل أفتى بثبتٍ أي: بحجةٍ وبينة؟
الجواب
لا.
لأنه حينما تكون المسألة من المسائل الخلافية، وقد صدر للعلماء فيها قولان فأكثر، فهو أفتى بقولٍ من القولين دون أن يدعم فتواه -ولو في نفسه على الأقل- بآية من كتاب الله، أو بحديثٍ من سنة رسول الله ﷺ ، فهذا لا يكون قد أفتى عن ثبتٍ، وعن حجةٍ، وعن بينة؛ فيكون فتواه بهذا الخطأ لا يتعلق الإثم على المستفتي، وإنما على المفتي، فإثمه عليه.
إذاً: على كل متفتٍ أن يتثبت في فتواه، أي: أن يستند في فتواه إلى كتاب الله وإلى حديث رسول الله ﵌.
ومعنى هذا الكلام العلمي بعبارة واضحة بينة: أن المستفتى -أي العالم- إذا استفتيَ في مسألة ما، ولنضرب على ذلك مثلاً: رجل سأله: خروج الدم أينقض الوضوء؟ فقال: نعم، وهو يعني أن المذهب الحنفي هكذا يفتي، فإذا نحن رجعنا إلى هذا الحديث نفهم أن هذا الجواب إثمه عليه وليس على المستفتي، لماذا؟ لأن هناك قولين آخرين في هذه المسألة، فالمذهب الحنفي يحكم ببطلان الوضوء بمجرد خروج الدم عن مكانه، أما المذهب الشافعي فيقول: لا ينقض الدم الوضوء مطلقاً مهما كان الدم كثيراً، بينما مذهب الإمام مالك وأحمد يفصل فيقول: إن كان الدم كثيراً نقض وإلا فلا، فالذي أفتى وقال: ينقض، أين الحجة في حكمه والمسألة فيها اختلاف؟ والله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] ولذلك فلا يجوز للمسلم المتمذهب بمذهب واحد إذا استفتي في مسألة أن يفتي على مذهبه؛ لأن هناك مذاهب أخرى، فهذا يجب أن يمسك عن الفتوى، فإن أفتى فهو آثم بدليل هذا الحديث، وهو قوله ﵊: (ومن أفتى بفتيا بغير ثبتٍ -أي: بغير سندٍ وحجةٍ- فإثمه على من أفتاه) فالذي يقول: خروج الدم ناقض للوضوء، أو غير ناقض، أو ينقض إن كان كثيراً، ولا ينقض إن كان قليلاً، أي جوابٍ كان؛ إذا كان لم يستند صاحبه على سند من الكتاب أو من السنة؛ فإثمه عليه وليس على المستفتي، لماذا؟ لأن المستفتي أدى واجبه الذي أمره به ربه: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] جاء هذا الذي لا يعلم إلى من يظن أنه من أهل الذكر، فسأله فأفتاه، فإثمه على هذا المفتي، فهذا المفتي.
عليه أن يراقب الله حينما يسأل، وألا يفتي إلا عن ثبتٍ وحجة وسند، فإن لم يفعل فهو آثم، وقد نبه لهذه الحقيقة الإمام أبو حنيفة ﵀ حين قال: لا يحل لرجلٍ أن يفتي بقولي ما لم يعلم من أين أخذت دليلي.
هذا نص عن الإمام أبي حنيفة ﵀، أول الأئمة الأربعة يفسر لنا هذا الحديث، الذي يقول: (من أفتى فتيا بغير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه وليس على المستفتي) فيقول الإمام أبو حنيفة ﵀: لا يحل لرجل أن يفتي بكلامي ما لم يعلم من أين أخذت دليلي.
فهذا الحنفي الذي سئل: الدم إذا خرج أينقض الوضوء؟ فأجاب: نعم.
لا يجوز له هذا بحكم هذا الحديث، وبحكم قول الإمام السابق؛ لأنه لم يعرف دليله، ومعنى هذا أو حصيلة هذا الحديث هو: وجوب دراسة الكتاب والسنة؛ لكي يتمكن المفتي من أن يفتي بالدليل من الكتاب والسنة، فلا يلحقه إثمٌ، حتى ينجو في حال لو أخطأ في الفتوى؛ لأنه ليس معنى من أفتى معتمداً على الكتاب والسنة أنه معصوم من الخطأ، لا.
ولكن إذا اجتهد فأفتى بما فهم من الكتاب والسنة فله حالتان: إما أن يكون أصاب فله أجران، وإما أن يكون أخطأ فله أجرٌ واحد، لكن هذا إنما هو -أي الأجران إذا أصاب، والأجر الواحد إذا أخطأ- إنما هو للذي يفتي اعتماداً على الكتاب والسنة، أما الذي يقلد -والتقليد جهلٌ باتفاق العلماء- ولا يتبصر في الفتوى، فهذا ليس له أجر، ولا حتى أجر واحد، بل عليه وزر؛ لأنه أفتى بغير ثبتٍ، وبغير بينة وحجة، فحصيلة هذا الحديث هو: وجوب رجوع العالم في كل ما يفتي به إلى الكتاب والسنة.
стр. 418
حكم الالتزام بمذهب معين في الفتوى
من هنا ننتهي إلى مسألة خطيرة جداً وهي: ما وقع فيه كثير من البلاد الإسلامية اليوم، أعني بالبلاد الإسلامية التي وقعت في هذه القضية المشكلة: البلاد السورية -مثلاً- والمصرية، حيث أنهم ألزموا القضاة والحكام بأن يقضوا ويفتوا بناءً على مذهبٍ معين، إما على المجلة سابقاً، وإما على القوانين التي وضعت حديثاً بشيء من التعديل لأحكام المجلة سابقاً، هذا بالنسبة للقضاة، وبالنسبة للمفتي فعليه أن يفتي ملتزماً المذهب الحنفي، هذا إلزام بما لا يلزم أولاً، بل هذا أمرٌ بنقيض ما أفاده هذا الحديث، فإن المفتي إذا استفتي فعليه أن يرجع إلى الكتاب والسنة، لا أن يرجع إلى مذهبه الذي قال فيه إمامه، ولا يحل له أن يفتي حتى يعرف دليله، فهذا المفتي المتقيد بالإفتاء بمذهبه لا يرجع إلى الأدلة الشرعية، فهو يفتي بما جاء في المذهب.
وأنا أضرب على هذا مثلاً: صدرت فتوى اطلعت عليها بنفسي من بعض المفتين السابقين في هذه البلاد: أنه يجوز للمسلم أن يحفظ لحم الخنزير في البرادات الكبيرة للنصارى؛ لأن أحد المسلمين الطيبين عنده براد ضخم يحفظ فيه الفواكه، واللحوم، ونحو ذلك، فجاءه رجل أرمني وعرض عليه أجراً باهظاً مقابل أن يحفظ له لحوم الخنزير في هذا البراد، فالمسلم شك قلبه في هذا العمل، وهل يجوز للإنسان المسلم أن يحفظ لحم الخنزير المحرم؟ فذهب وسأل المفتي، فقال له المفتي: تعال بعد أيام، فجاء فأعطاه الفتوى، والفتوى في الحقيقة مضحكة مبكية في آن واحد؛ لأنها أولاً: جاءت فتوى على غير ثبت، أي: على غير حجة.
وثانياً: جاءت فتوى على أسلوب السياسيين في الكلام المطاط، الذي من الممكن أن نأتي به هكذا، أو نأتي به هكذا، حيث أفتى المفتي بأنه جاء في الكتاب الفلاني من المذهب الحنفي الذي هو يفتي به، لو أن مسلماً استأجره ذميٌ على أن ينقل الخمر جاز له ذلك وطاب له الأجر، وقال فلان في المذهب: جاز لكن مع الكراهة، ثم نقل نقلاً آخر، قال: لو أن مسلماً بناءً استأجره نصراني على أن يبني له كنيسة، جاز وطاب له الأجر.
وبعدما انتهى من نقل مثل هذه النقول المتعارضة لم يقل للمستفتي: يجوز لك اتخاذ لحوم الخنزير أو لا يجوز حل لك الأجر أو ما حل لك الأجر، وإنما قال: ومما سبق تعرف جواب سؤالك.
فالجواب فيه خطيئتان: الخطيئة الأولى: ما قال له: قال الله وقال رسول الله أبداً، مع أن المسألة من أوضح المسائل بالنسبة لمن كان على علمٍ وفقهٍ في الكتاب والسنة.
والخطيئة الثانية: أنه حيره، وأتى له بقولين: قول أول طاب لك الأجر، وقول ثانٍ يكره؛ والكراهة في المذهب الحنفي إذا أطلقت فإنما هي للتحريم.
فلو رجع هذا المفتي كما أوجب عليه هذا الحديث، أي: أن يفتي المستفتي على ثبتٍ وبينة ورشد، لو رجع للكتاب والسنة لوجد مثلاً في القرآن الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] فهذا تعاون على عدوان، وعلى معصية الرحمن ﵎، ولوجد في صحيح مسلم قوله ﵊: (لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه) فلعن كل من يساعد على أكل الربا، وكذلك في الحديث الصحيح: (لعن الله في الخمر عشرة ... ) عشرة أجناس ابتداءً من الشارب وانتهاءً إلى حامل الخمر؛ ذلك لأنهم كلهم يتعاونون على شرب الخمر الذي هو المعصية في الأصل، لكن شرب الخمر لا يمكن أن يحصل بدون بيع الخمر، وبيع الخمر لا يمكن أن يحصل بدون شرائه، وشراء الخمر لا يمكن أن يحصل بدون شراء العنب، وشراء العنب لا يمكن أن يصبح خمراً إلا بعصره، وهذا العصير لا يمكن أن يصبح خمراً -لأنه يمكن أن يصير خلاً- إلا بتعاطيه بطريقة فنية حتى يصير خمراً، فإذا صار خمراً لا يمكن شربه من الدكاكين والحوانيت إلا بأن ينقل من العصارة -أي المخمرة- إلى بائع الخمر وهكذا؛ فلأن هؤلاء كلهم يساعد شارب الخمر على شرب الخمر لعنوا جميعاً، فكيف يخفى هذا على من كان على علم بالكتاب والسنة، فيفتي لذلك المستفتي بأنه يجوز ادخار لحم الخنزير.
فإذاً: المصيبة اليوم هي أن الفتوى مفروضة على القاضي بأن يفتي من مصدر ليس هو الكتاب والسنة، والقضاة يجب عليهم أن يفتوا من القوانين وليس هناك قوانين شرعية محضة، كما كان الأمر في زمن (المجلة) ، حيث استنبطت كلها أو جلها من المذهب الحنفي، فأصبح فيها اليوم قوانين وضعية لم تنزل من السماء، وإنما نبعت من الأرض، ففرضت هذه الأحكام على القضاة المسلمين ليقضوا بها بين المسلمين.
هذه مصيبة حلت بالبلاد السورية، والبلاد المصرية، وربما في بلاد أخرى لا نعرف حقيقة الأمر فيها، والآن هناك دعاة يدعون إلى تقنين الأحكام، أي: إلى الاقتداء بالدولة السورية، والدولة المصرية، وفرض آراء وأفكار معينة على القضاة الذين يحكمون هناك بالكتاب والسنة، فهذه مصيبة جديدة، ونرجو الله ألا تتحقق في تلك البلاد، ولكن يجب على كل مسلم أن يعرف هذه الحقيقة، وهي أنه لا يجوز الإفتاء إلا من كتاب الله، وحديث رسول الله، كما لا يجوز القضاء إلا استنباطاً من كتاب الله، أو حديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 419
حكم من حكم بغير ما أنزل الله
في هذا الحديث تنبيه لأمور تتعلق بنا نحن، وتتعلق بالأمة التي تنصب مفتين وقضاة يحكمون بغير ما أنزل الله، ويتناسى هؤلاء جميعاً الوعيد الشديد المذكور في ثلاث آيات من القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] هذه آيات صريحة بذم، بل بالحكم بالكفر على من لم يحكم بما أنزل الله، ولكن ههنا كلمة قصيرة: أن الحكم بغير ما أنزل الله منه حكمٌ يرادف الردة، ومنه حكمٌ لا يلزم منه الردة، التفصيل الذي ذكرناه في الكذب على رسول الله ﵌، أيضاً لا بد من استحضاره في تفسير هذه الآيات الثلاث ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] قال ابن عباس في تفسير (الكافرون) في هذه الآية: [كفر دون كفر] أي إن الكفر نوعان: كفر اعتقادي قلبي، كفر عملي، وهذا ما يجهله كثيرٌ من المسلمين اليوم وخاصة منهم الشباب الناشئ، فإنهم يتوهمون أن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو مرتد عن دينه، وليس كذلك، بل يجب أن يُنظر إلى الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، فإن كان يحكم بغير ما أنزل الله مستحلاً له بقلبه، مؤثراً له على حكم الله وحكم نبيه، فهذا هو الذي يرتد به عن دينه، أما إن كان في قرارة قلبه يعتقد بأن الحكم بما أنزل الله هو الصواب وهو الواجب، لكن يقول: أعاننا الله على هؤلاء البشر كيف لنا أن نحكم إلا بهذا، فهو يجد لنفسه عذراً، ولو أنه عذر غير مقبول، إنما اعتذاره بهذا العذر يدل على أنه يؤمن بحكم الله وحكم رسوله، أنه هو الصواب، ولكن انحرف عن هذا الحكم، كما ينحرف كثيرٌ من الناس الذين نظن بهم خيراً.
الحاكم المسلم الذي يحكم بكتاب الله، وبحديث رسول الله ليس معصوماً، فقد يضل في حكمٍ ما، أي: يُرشى -مثلاً- فيحكم بغير ما أنزل الله، فهذا ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ولكن بأي معنى (أولئك هم الكافرون) كفر ردة أم كفر معصية؟ ننظر إذا كان حينما ارتشى وحكم للراشي بما ليس له، إن كان يعتقد أنه آثم في نفسه، كما يعتقد الغاش، والسارق، والزاني إلخ، فهو آثم وليس بكافر، وهذا معنى (كفر دون كفر) ، وإن كان يقول كما يقول كثير من الشباب الذي تثقف الثقافة الأجنبية ولما يدخل الإيمان في قلبه، يقول: بلا إسلام بلا إيمان بلا رجعية بلا كذا إلخ، فهذا وضع الغطاء على رأسه بالكفر، فهو إلى جهنم وبئس المصير.
فإذاً: يجب أن نعرف أن الواجب على المسلم أن يحكم بما أنزل الله، وبما فسره وبينه رسول الله ﷺ ؛ سواءً كان مفتياً عادياً كرجل يمشي في الطريق فيأتي إنسان ويسأله، فيجب عليه أن يتثبت ولا يقول له: حرام حلال؛ لأنه درس في كتاب الله أنه حرام أو حلال، كذلك المفتي الرسمي (الموظف) أولى وأولى ألا يفتي الناس بدون رشد، وبدون بينة وحجة، والقضاء أولى وأولى ألا يحكم القضاة في قضائهم إلا بما جاء في كتاب الله، وما جاء عن رسول الله ﵌.
ولخطورة القضاء على الكتاب والسنة قال ﵊ في الحديث الصحيح: (القضاة ثلاثة: فقاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار، قاضٍ عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاضٍ عرف الحق فلم يقض به فهو في النار، وقاضٍ لم يعرف الحق فحكم أو فقضى فهو في النار) ؛ لأنه قضى بجهل، إذاً يجب القضاء بالكتاب والسنة، فإذا قضى بالكتاب والسنة فهو الناجي، وإذا قضى بخلاف ما عرف من الكتاب والسنة فهو آثم، وإذا قضى بجهلٍ بالكتاب والسنة، وليس المعنى أنه ما عرف المذهب الحنفي، أو المذهب الشافعي؛ لأن هذا ليس هو العلم- فهو أيضاً آثم، لذلك قال ابن القيم ﵀، وبكلامه أختم درسنا هذا:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذراً من التعطيل والتشبيه
والحمد لله رب العالمين.
стр. 420
الزواج في الإسلام
في هذه المادة أجاب الشيخ ﵀ عن أسئلة عديدة متعلقة بمسائل الزواج، كمسألة الشروط عند عقد النكاح، وضرب الدفوف في أفراح الزواج، وتعليق الطلاق.
وغيرها من المسائل.
стр. 421
تفسير الخلق في الحديث: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه ... )
السؤال
ما هي أبعاد كلمة (خُلقَه) التي وردت في حديث: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) ؟
الجواب
الواقع أن هذا السؤال فيه دقة، لا سيما إذا نظرنا إلى ملحقه، وهو قوله: وهل للمرأة أن تشترط على الرجل شروطاً أباحها الشرع الحكيم، كألا يتزوج عليها مثلاً، أو أن تمارس نشاطاً إسلامياً معينا؟ الذي يبدو لي بالنسبة للفظة (خُلقه) في الحديث أنه يعني شيئين اثنين: الأول: لا بد منه وهو الخلق الواجب أن يتخلق به المسلم، والخلق نستطيع أن نقسمه إلى قسمين: قسم واجب، إذا لم يتخلق به المسلم كان آثماً، وخلق آخر ليس واجباً ولكنه من الكمال، مثلاً: رجل غني يخرج زكاة ماله، ومثلما يقول العوام: (حوله وبس) تطوع، صدقة، نافلة، هذا لا يوجد، هذا قام بالواجب الذي عليه، لكن خيرٌ من ذلك أن يحثوا المال -كما جاء في بعض الأحاديث- هكذا وهكذا، لكن هذا كمال لا يلام عليه الإنسان شرعاً إذا لم يأتِ به، فلو فرضنا أن خاطباً جاءك يخطب ابنتك أو أختك أو قريبتك، وأنت ولي أمرها، وأنت تعلم منه أنه كريم وبخيل؛ أي: كريم في حدود الفرض، بخيل فيما دون ذلك فهو لا يجود بالعطاء إلا فيما فرض الله وأوجب، فهذا إذا لم تجد فيه عيباً من النوع الذي يأثم عليه فيجب أن ترضى به زوجاً لوليتك، هذا هو القسم الأول من الخُلق الذي يجب أن يتخلق به المسلم وإلا كان آثماً.
النوع الثاني: ليس بالواجب، فإذا جاءك هذا الإنسان وفيه هذا الخُلق الأطيب الأكمل، فلا جدال بأنه يجب أن تبادر إلى تزويجه، أما إذا جاءك من النوع الأول فأنا أقول: في عصرنا الحاضر يجب أن نقنع أيضاً بهذا ولا نطلب وراء ذلك؛ لأنه عزيز ونادر، وإلا يكون قد عطلنا مصالح بناتنا وأخواتنا.
стр. 422
حكم اشتراط المرأة شروطاً أباحها الشرع
أما فيما يتعلق بالمرأة، وهل لها أن تشترط على الرجل شروطاً أباحها الشرع؟ فأنا أقول: الشروط هنا ينبغي أن تكون من نوع لا يتعرض الرجل فيما لو قبل شرطاً من شروطها لحرجٍ ما في مستقبلٍ من الزمان، ولنضرب على ذلك مثلاً: المثال الذي مثل به السائل وهو أن تشترط عليه ألا يتزوج، أي: لا يتزوج زوجة أخرى.
أقول: هذا الشرط عاقبة أمره خُسر بالنسبة للرجل، لا سيما أنه قد يمكن ألا يرزق منها الولد، فيعيش معها في حرج وفي ضنك، فلا يستطيع أن يتزوج؛ لأنها غللته وكتفته، فلا يستطيع أن يصبر على هذه الحياة معها، فسيضطر إلى تطليقها والخلاص منها، ويمكن أنها تشترط عدم الطلاق وبعد ذلك لا يجوز أن يطلقها، أو تشترط أن يكون الطلاق بيدها، كما يقول ذلك بعض المذاهب، فأنا أقول: مثل هذه الشروط لا تجوز في الإسلام، والسبب الذي ألمحت إليه: أنها تكون عادة حرجاً للرجل.
ولكن بالنسبة للشرط السابق وهو ألا يتزوج عليها، فيوجد في هذا مانع آخر، وهو شرعيٌ، ذلك أن زوجاً من أصحاب النبي توفي وترك زوجته، فقال لها ﵊: (إذا انقضت عدتك فأخبريني) فانتهت العدة وجاءت إليه، فقال لها ﵊: (إني أرغب فلاناً لك زوجاً، قالت: يا رسول الله! لك رغبت -أي أنا كما تأمر- ولكني اشترطت على زوجي ألا أتزوج من بعده، فقال ﵇: هذا لا يصلح) فتزوجت بالرجل الذي نصحها رسول الله ﷺ به، وهذا واضح جداً؛ لأن هذا الشرط ما فائدته؟ هذه أمور عاطفية محضة، والعواطف إذا لم تكن مقرونة بالشرع وبالعقل كانت ضرراً على أصحابها، هذه المرأة قد يموت زوجها وهي في أول حياتها الزوجية، فهل تعيش راهبة؟ ستعيش راهبة كما تعيش راهبات الكفار، هي في الظاهر راهبة؟ لكن هي في الباطن مومسة أو مومس؛ لذلك الشرع الحكيم يغلق ويسد جميع النوافذ والأبواب التي يدخل منها الشر إلى الناس.
ولذلك فنحن نقول ناصحين للرجال: حذار أن يقبلوا شروطاً مفروضة من النساء؛ لأن المستقبل لا يعلمه إلا الله ﵎، لا سيما أن النساء يغلب عليهن العواطف وقلة استعمال العقل بل والشرع، فلا جرم أن النبي ﵊ وصفهن بأنهن ناقصات عقل ودين، ولسنا بحاجة الآن أن نفسر هذا الحديث؛ لأنه مفسر في نفسه.
стр. 423
حكم خروج المرأة لممارسة نشاط إسلامي
وأخيراً: هل لها أن تمارس نشاطاً إسلامياً معيناً؟ أنا أقول ناصحاً ومذكراً: إن من مصائب العالم الإسلامي الآن أن تنطلق النساء حتى المسلمات، حتى المتحجبات، حتى بعض السلفيات، ينطلقن من بيوتهن إلى ما ليس من اختصاصهن، فممارسة نشاط إسلامي للنساء لا يوجد، ونشاطها في بيتها في عقر دارها، ولا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجال، وكذا لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتشبه برجل مسلم.
النساء المسلمات إذا أردن أن يخدمن الإسلام حقاً ففي بيوتهن، ولا يجوز أن تخرج المرأة، وبالتالي لا يجوز أن تشترط على الزوج أنها بعد الزواج يجب أن تمارس نشاطاً إسلامياً، نشاطها السابق لو كان جائزاً -جوازاً مطلقاً- فهو نشاط يتناسب مع فتاة عازبة ليس عليها مسئوليات، أما الآن فقد أصبحت ربة بيت، عليها واجبات أمام زوجها وأمام ما قد يرزقها الله من أولاد، فبديهي جداً أن تتطور حياتها الآن، هذا لو كان الشرط السابق جائزاً، ونحن لا نرى أنه جائز إطلاقاً.
لقد كانت النساء الصحابيات فيهن قدوات علماً وثقافة.
إلخ، لكن ما عرفنا أن امرأة منهن خرجت لتقود نشاطاً إسلامياً بين الرجال، وحينما تسمعون أن السيدة عائشة ﵂ خرجت من بيتها، فقد خرجت في مسألة وفتنة وقعت، خُيل لها أن خروجها خير للمسلمين ولم يكن كذلك، ولاشك أن علماء الإسلام يحكمون بأنها كانت مخطئة بهذا الخروج، وأن خطبتها في وقعة الجمل وغيرها خطأ، ولكن هذا الخطأ مغتفر بالنسبة لحسناتها، لكن لا ينبغي لامرأة أن تقتدي بخطئها وقد تابت منه هي نفسها، ومع ذلك في كل حياتها ما عرف عنها مثل هذا الانطلاق وهذا الخروج أبداً.
إذاً: هو جو خاص واجتهاد خاص منها ومع ذلك كان خطأً.
أما تراها ذاهبة راجعة كالشاب النشيط، وربما البعض منهن تسافر لوحدها سفراً محرماً في الإسلام، لا يجوز لامرأة أن تسافر سفراً إلا ومعها زوجها أو محرم لها، فتجد هذه النسوة يسافرن لوحدهن في سبيل الدعوة إلى الإسلام، لكن الواقع هذا سببه أن الرجال لم يقوموا بالواجب، فبقيت الساحة فارغة، فخيل لبعض النساء أنه لا بد أن نشغل هذا المكان الفارغ.
فعلينا إذاً نحن الرجال أن نقوم بواجب الدعوة فهماً وعملاً وتطبيقاً ودعوة، وأن يكلف النساء أن يلزمن بيوتهن، وأن يقمن بواجب تربية ذويهن؛ أولاد، أخوات، إخوة.
إلخ، ولا بأس أن تجتمع الجارات بعضهن مع بعض في مكان خاص للنساء، وبصوت مناسب منخفض يتناسب مع المكان الذي يجلسن فيه.
أما هذا الذي نراه اليوم فأنا اعتقادي أنه هذا ليس من الإسلام في شيء، وإن كانت بعض الجماعات الإسلامية تنظم هذه الحركات النسائية باسم الإسلام، وأنا أعتقد أن هذا من محدثات الأمور، وقد حفظتم وآن لكم أن تحفظوا قول الرسول ﵊: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) وبهذا القدر الكفاية.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 424
حكم ضرب الدفوف في الأعراس
السؤال
قرأت في كتاب ما يلي: وقد جرى الصحابة على ما رخص لهم رسول الله ﷺ ، فكانوا يجلسون للسماع والطرب في أحفال الزواج ولا حرج، وأيد كلامه بالحديث التالي: قال عامر بن سعد: [دخلت على قرضة بن سعد وأبي مسعود الأنصاري في عرسه، فإذا جوارٍ يغنين، فقلت: يا صاحبي رسول الله ﷺ ! يفعل هذا عندكم؟ فقالا: اجلس إن شئت فاستمع معنا وإن شئت فاذهب؛ فإنه قد رخص لنا في اللهو عند العرس] وقال: -يعني: صاحب الكتاب- بأن الحديث رواه الحاكم وصححه.
وتابع يقول: ويباح في أحفال الزواج قياساً على الدف كل ما كان من قبيله، كالعود والقانون والكمنجة والمزمار.
انتهى قول الكاتب، أرجو التعليق على ما تقدم مع التوضيح والشرح.
الجواب
أقول قبل كل شيء: هذا الحديث فعلاً رواه الحاكم في المستدرك، ولا أستطيع الجزم الآن بأنه أصاب في تصحيحه أم لا، وإن كان يغلب على حافظتي وذاكرتي أنه صحيح في واقع الأمر، وهذا إن شاء الله نتحقق منه فيما يأتي.
نقول: هذا الحديث يشبه من حيث دلالته حديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت الرسول ﵊ بغناء بعاث وتضربان عليه بدف، حين دخل أبو بكر الصديق فأنكر ذلك، فقال: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ فقال ﵊: دعهن يا أبا بكر؛ فإن لكل قومٍ عيداً وهذا عيدنا) .
هذا الحديث كهذا من حيث دلالتهما على جواز الضرب بالدف في يوم العيد، كما في حديث السيدة عائشة، وفي الزفاف كما في هذا الحديث على افتراض أنه صحيح كما نظن، فلا يجوز أن نلحق بهذه الآلة الآلات الأخرى التي ذكرها الكاتب أو السائل عن الكاتب -المؤلف- والسبب في هذا أن هناك قاعدة فقهية تقول: (ما كان على غير القياس فعليه غيره لا يقاس) عندنا أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف يتقوى بعضه ببعض، تدل هذه الأحاديث كلها على تحريم كل أنواع آلات الطرب.
إذاً: الأصل التحريم، فإذا جاء نص خاص يبيح شيئاً من تلك الآلات المحرمة فلا يقاس عليه؛ لأن القياس عليه يخالف النص العام، وإنما يوقف عند هذا النص الخاص، ماذا أباح هذا النص؟ أباح الضرب على الدف في يوم العيد -جائز- لحديث عائشة، وحديث أبي بكر الصديق أيضاً يؤكد هذا، لكن من أين أتى بالكمنجة والقانون وغيرها من الآلات التي سماها وأخرى لم يسمها أيضاً، من أين نلحق هذه الآلات الموسيقية بهذا النوع وهي داخلة في النص العام في تحريم المعازف، كما قال ﵊: (ليكونن في أمتي أقوامٌ يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف) والمعازف: كل آلات الطرب.
إذاً: هذه الأنواع التي سماها داخلة في هذا النص العام، ما الذي استثني من هذا النص العام؟ الدف في العيد وقفنا عنده فقلنا: هذا مستثنى من النص العام.
أما إجراء القياس في استباحة ما جاء النص العام بتحريمه، هذا في اعتقادي من مفاسد العصر الحاضر، حيث يريد بعض الكتاب الإسلاميين بحسن نية أو بغيرها -الله حسيبهم- يريدون أن يهونوا على الناس ويفرجوا همومهم وكروبهم، لا سيما وقد هلكوا في ماديتهم، ويظنون أنهم بذلك يحسنون صنعاً، ولا يحسون ولا يشعرون أبداً أنهم يخالفون مقاصد الشريعة حينما أهملوا أصلاً من أصولها، ألا وهو تحريم كل آلات الطرب؛ لأنها تلهي الناس عن الذكر وعن القيام إلى الصلاة، والواقع يشهد أن كل من يتعاطى هذه المعازف وآلات الطرب قلما تجده مصلياً مع جماعة المسلمين أين يحضر الجماعة وهو في لهوٍ وفي سماعٍ للطرب؟ بل لعلهم لا يصلون ولو في عقر دورهم؛ لأنهم في الدور -أيضاً- ساهون لاهون وراء هذه الآلات، لذلك هذا القياس الذي لجأ إليه نقول فيه: أولاً: مخالف للقاعدة الأصولية التي ذكرناها آنفاً: (ما كان على خلاف القياس فعليه غيره لا يقاس) ، فإن إباحة الدف في الأعراس وفي الأعياد الشرعية على خلاف القياس؛ لأنه خلاف النص، فعليه لا يقاس غيره، لا سيما وهذا القياس يخالف النص العام الصحيح الصريح.
ثانياً: من العجيب جداً أننا نعيش في عصر فيه المتناقضات الغريبة، أناس -وهم جماهير المسلمين- لا يزالون غارقين في حياتهم العلمية المقلدة، يمشون على غير بصيرة في دينهم، ويدندنون ويجادلون أنه لابد من التمسك والجمود على المذهب، على التقليد الأعمى، وبعض كتابهم ودكاترتهم يفخر أنه مقلد، ولا يحس بأن معنى كلامه أن يفخر بأنه جاهل؛ لأن المقلد يساوي عند أهل العلم الجاهل، قالوا في كتاب القضاء: ولا يجوز نصب المقلد قاضياً، قالوا في الشرح: لأنه جاهل، مع ذلك وجد اليوم كُتّاب ودكاترة يقولون: أنا أفخر أني مقلد.
نعيش اليوم في مثل هذا التناقض.
وفي الطرف المقابل أناس يجتهدون ليخالفوا الشريعة بنصوصها، فهؤلاء يخالفون نصوص الشريعة بحجة التقليد، وهؤلاء يخالفون نصوص الشريعة بحجة الاجتهاد، ونحن نريد الوسط، والوسط: وهو اتباع الكتاب والسنة، بدون جمود وركون إلى التقليد وما وجدنا عليه الآباء والأجداد، ودون هذا الانطلاق بدون قيد ولا شرط، لإباحة ما حرم الله، فهذا الكلام من هذا النوع مع الأسف الشديد، وهناك فتاوى -كما سمعتم- لإباحة التعامل بالربا، تقول الفتوى: القليل من الربا لا بأس به، فتاوى صدرت في هذا، مع أن القرآن حرم الربا مطلقاً فقال الله: ﴿لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] فقط: ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] والحديث أيد ذلك أيضاً.
لذلك فهنا عبرة لمن يعتبر: أنه لا يجوز الجمود على المذهب؛ لأن في ذلك تعطيل العقل والفكر، وتعويد المسلمين على عدم معرفة المسائل من أين جاءت، وفي هذا تهيئة الشباب المسلم لكيلا يتقبل مثل هذه الأقوال؛ لأنه سيعلم حينذاك أن هذه الأقوال مخالفة لنصوص الشريعة العامة.
هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، وبهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 425
حكم المبادلة في الزواج مع إستيفاء شروط النكاح
السؤال
ما حكم الشرع في أن يزوج الرجل ابنته إلى ولد الرجل الآخر، والرجل الآخر يزوج ابنته إلى ولد الرجل الأول، وكل واحدة لها صداق، ولو ترك أحد الأزواج زوجته ليس للثانية علاقة بها، ولا تضر بتلك، وهناك زوجتان قد أنجبتا عدة أولاد وبعد مضي خمسة وعشرين عاماً أفتى أحد العلماء بأنه يجب التفريق بين كل من الزوجين وزوجاتهم، فهل هذا صحيح أم خطأ؟
الجواب
يقول العلماء: الفتوى على قدر النص، إذا كان السائل قد حرر الواقعة تحريراً صحيحاً فالجواب أن هذا النكاح صحيح، وذلك لأن من يشير إليه من بعض المشايخ لما حكم بوجوب فسخ هذا النكاح، تصور أن هذا النكاح كان شغاراً، وقد نهى الرسول ﵊ في غير ما حديث واحد عن الشغار، وقال: (لا شغار في الإسلام) إلا أن العلماء اختلفوا في الشغار في حقيقته ما هو؟ هو في الأصل: تبادل رجل عنده بنت وآخر عنده بنت، فكل واحد يأخذ بنت الثاني، هذا هو أصل الشغار، بعد ذلك يأتي الخيار، وليس بصورة خاصة في البنت؛ واحد عنده أخت والآخر عنده أخت، فكل واحد يأخذ أخت الآخر، هذا من الشغار، لكن تمام الشغار أن يجعل كلٌ منهما مهره الذي يجب عليه هو أخته أو بنته التي يقدمها للآخر، فكأن التبادل بضاعة ومقايضة، وهذا لا يجوز في الإسلام؛ لأن في هذا تعطيل حق البنت الذي هو المهر، ومن هنا يبدأ الخلاف.
إذاً: من تمام الشغار أن أحد الزوجين يغضب لسبب من زوجته فيطلقها، فتذهب إلى أخيها أو أبيها، فيقوم ذاك بالتالي بدوره ويطلق التي عنده من أخت أو بنت، وهكذا يكون الشغار سبباً لزيادة الفرقة، ووقوع الطلاق بين المتزوجين، هذا هو الشغار المعروف في الجاهلية والذي نهى عنه الرسول ﵊.
أما إذا لم يكن من هذا الشغار سوى مجرد تبادل مع القيام بكل شروط النكاح أنا عندي أختي وأعطيت زيداً من الناس هذه الأخت، وهو بالمقابل أعطاني أخته، لكن كل واحد منا أعطى ما يجب عليه من مهر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: لا يربط طلاق زوجته بالأخرى، كأن تسوء علاقته مع زوجته فتسوء علاقة الأخرى مع زوجها، فإذا كان هذا الزواج مجرد تبادل بدون مراد لتمام الشغار الجاهلي، فقط واحد أخذ قريبة وأعطى بنته أو أخته لقريبٍ له، هذا لا حرج فيه إطلاقاً ما دام أن المهر موجود، وما دام أن الشرط في التطليق في المقابلة أيضاً غير وارد، فإذا كانت الحادثة كما ذكر الرجل على حسب ما فهمت، فهذا النكاح ليس شغاراً ما دام كل واحد دفع المهر، وكل واحد التزم الآداب الشرعية بينه وبين زوجته، لكن أخشى ما نخشى أن يكون في الحادثة شيء من التفاصيل لم يستوعبها السائل، أو ربما استوعبها السائل لكن الشيخ المفتي ما استوعب ذلك، فأفتى بفساد هذا النكاح وبطلانه.
следующие страницы →