Полный текст (552 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
تفسير الخلق في الحديث: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه ... )
السؤال
ما هي أبعاد كلمة (خُلقَه) التي وردت في حديث: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) ؟
الجواب
الواقع أن هذا السؤال فيه دقة، لا سيما إذا نظرنا إلى ملحقه، وهو قوله: وهل للمرأة أن تشترط على الرجل شروطاً أباحها الشرع الحكيم، كألا يتزوج عليها مثلاً، أو أن تمارس نشاطاً إسلامياً معينا؟ الذي يبدو لي بالنسبة للفظة (خُلقه) في الحديث أنه يعني شيئين اثنين: الأول: لا بد منه وهو الخلق الواجب أن يتخلق به المسلم، والخلق نستطيع أن نقسمه إلى قسمين: قسم واجب، إذا لم يتخلق به المسلم كان آثماً، وخلق آخر ليس واجباً ولكنه من الكمال، مثلاً: رجل غني يخرج زكاة ماله، ومثلما يقول العوام: (حوله وبس) تطوع، صدقة، نافلة، هذا لا يوجد، هذا قام بالواجب الذي عليه، لكن خيرٌ من ذلك أن يحثوا المال -كما جاء في بعض الأحاديث- هكذا وهكذا، لكن هذا كمال لا يلام عليه الإنسان شرعاً إذا لم يأتِ به، فلو فرضنا أن خاطباً جاءك يخطب ابنتك أو أختك أو قريبتك، وأنت ولي أمرها، وأنت تعلم منه أنه كريم وبخيل؛ أي: كريم في حدود الفرض، بخيل فيما دون ذلك فهو لا يجود بالعطاء إلا فيما فرض الله وأوجب، فهذا إذا لم تجد فيه عيباً من النوع الذي يأثم عليه فيجب أن ترضى به زوجاً لوليتك، هذا هو القسم الأول من الخُلق الذي يجب أن يتخلق به المسلم وإلا كان آثماً.
النوع الثاني: ليس بالواجب، فإذا جاءك هذا الإنسان وفيه هذا الخُلق الأطيب الأكمل، فلا جدال بأنه يجب أن تبادر إلى تزويجه، أما إذا جاءك من النوع الأول فأنا أقول: في عصرنا الحاضر يجب أن نقنع أيضاً بهذا ولا نطلب وراء ذلك؛ لأنه عزيز ونادر، وإلا يكون قد عطلنا مصالح بناتنا وأخواتنا.
стр. 422
حكم اشتراط المرأة شروطاً أباحها الشرع
أما فيما يتعلق بالمرأة، وهل لها أن تشترط على الرجل شروطاً أباحها الشرع؟ فأنا أقول: الشروط هنا ينبغي أن تكون من نوع لا يتعرض الرجل فيما لو قبل شرطاً من شروطها لحرجٍ ما في مستقبلٍ من الزمان، ولنضرب على ذلك مثلاً: المثال الذي مثل به السائل وهو أن تشترط عليه ألا يتزوج، أي: لا يتزوج زوجة أخرى.
أقول: هذا الشرط عاقبة أمره خُسر بالنسبة للرجل، لا سيما أنه قد يمكن ألا يرزق منها الولد، فيعيش معها في حرج وفي ضنك، فلا يستطيع أن يتزوج؛ لأنها غللته وكتفته، فلا يستطيع أن يصبر على هذه الحياة معها، فسيضطر إلى تطليقها والخلاص منها، ويمكن أنها تشترط عدم الطلاق وبعد ذلك لا يجوز أن يطلقها، أو تشترط أن يكون الطلاق بيدها، كما يقول ذلك بعض المذاهب، فأنا أقول: مثل هذه الشروط لا تجوز في الإسلام، والسبب الذي ألمحت إليه: أنها تكون عادة حرجاً للرجل.
ولكن بالنسبة للشرط السابق وهو ألا يتزوج عليها، فيوجد في هذا مانع آخر، وهو شرعيٌ، ذلك أن زوجاً من أصحاب النبي توفي وترك زوجته، فقال لها ﵊: (إذا انقضت عدتك فأخبريني) فانتهت العدة وجاءت إليه، فقال لها ﵊: (إني أرغب فلاناً لك زوجاً، قالت: يا رسول الله! لك رغبت -أي أنا كما تأمر- ولكني اشترطت على زوجي ألا أتزوج من بعده، فقال ﵇: هذا لا يصلح) فتزوجت بالرجل الذي نصحها رسول الله ﷺ به، وهذا واضح جداً؛ لأن هذا الشرط ما فائدته؟ هذه أمور عاطفية محضة، والعواطف إذا لم تكن مقرونة بالشرع وبالعقل كانت ضرراً على أصحابها، هذه المرأة قد يموت زوجها وهي في أول حياتها الزوجية، فهل تعيش راهبة؟ ستعيش راهبة كما تعيش راهبات الكفار، هي في الظاهر راهبة؟ لكن هي في الباطن مومسة أو مومس؛ لذلك الشرع الحكيم يغلق ويسد جميع النوافذ والأبواب التي يدخل منها الشر إلى الناس.
ولذلك فنحن نقول ناصحين للرجال: حذار أن يقبلوا شروطاً مفروضة من النساء؛ لأن المستقبل لا يعلمه إلا الله ﵎، لا سيما أن النساء يغلب عليهن العواطف وقلة استعمال العقل بل والشرع، فلا جرم أن النبي ﵊ وصفهن بأنهن ناقصات عقل ودين، ولسنا بحاجة الآن أن نفسر هذا الحديث؛ لأنه مفسر في نفسه.
стр. 423
حكم خروج المرأة لممارسة نشاط إسلامي
وأخيراً: هل لها أن تمارس نشاطاً إسلامياً معيناً؟ أنا أقول ناصحاً ومذكراً: إن من مصائب العالم الإسلامي الآن أن تنطلق النساء حتى المسلمات، حتى المتحجبات، حتى بعض السلفيات، ينطلقن من بيوتهن إلى ما ليس من اختصاصهن، فممارسة نشاط إسلامي للنساء لا يوجد، ونشاطها في بيتها في عقر دارها، ولا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجال، وكذا لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتشبه برجل مسلم.
النساء المسلمات إذا أردن أن يخدمن الإسلام حقاً ففي بيوتهن، ولا يجوز أن تخرج المرأة، وبالتالي لا يجوز أن تشترط على الزوج أنها بعد الزواج يجب أن تمارس نشاطاً إسلامياً، نشاطها السابق لو كان جائزاً -جوازاً مطلقاً- فهو نشاط يتناسب مع فتاة عازبة ليس عليها مسئوليات، أما الآن فقد أصبحت ربة بيت، عليها واجبات أمام زوجها وأمام ما قد يرزقها الله من أولاد، فبديهي جداً أن تتطور حياتها الآن، هذا لو كان الشرط السابق جائزاً، ونحن لا نرى أنه جائز إطلاقاً.
لقد كانت النساء الصحابيات فيهن قدوات علماً وثقافة.
إلخ، لكن ما عرفنا أن امرأة منهن خرجت لتقود نشاطاً إسلامياً بين الرجال، وحينما تسمعون أن السيدة عائشة ﵂ خرجت من بيتها، فقد خرجت في مسألة وفتنة وقعت، خُيل لها أن خروجها خير للمسلمين ولم يكن كذلك، ولاشك أن علماء الإسلام يحكمون بأنها كانت مخطئة بهذا الخروج، وأن خطبتها في وقعة الجمل وغيرها خطأ، ولكن هذا الخطأ مغتفر بالنسبة لحسناتها، لكن لا ينبغي لامرأة أن تقتدي بخطئها وقد تابت منه هي نفسها، ومع ذلك في كل حياتها ما عرف عنها مثل هذا الانطلاق وهذا الخروج أبداً.
إذاً: هو جو خاص واجتهاد خاص منها ومع ذلك كان خطأً.
أما تراها ذاهبة راجعة كالشاب النشيط، وربما البعض منهن تسافر لوحدها سفراً محرماً في الإسلام، لا يجوز لامرأة أن تسافر سفراً إلا ومعها زوجها أو محرم لها، فتجد هذه النسوة يسافرن لوحدهن في سبيل الدعوة إلى الإسلام، لكن الواقع هذا سببه أن الرجال لم يقوموا بالواجب، فبقيت الساحة فارغة، فخيل لبعض النساء أنه لا بد أن نشغل هذا المكان الفارغ.
فعلينا إذاً نحن الرجال أن نقوم بواجب الدعوة فهماً وعملاً وتطبيقاً ودعوة، وأن يكلف النساء أن يلزمن بيوتهن، وأن يقمن بواجب تربية ذويهن؛ أولاد، أخوات، إخوة.
إلخ، ولا بأس أن تجتمع الجارات بعضهن مع بعض في مكان خاص للنساء، وبصوت مناسب منخفض يتناسب مع المكان الذي يجلسن فيه.
أما هذا الذي نراه اليوم فأنا اعتقادي أنه هذا ليس من الإسلام في شيء، وإن كانت بعض الجماعات الإسلامية تنظم هذه الحركات النسائية باسم الإسلام، وأنا أعتقد أن هذا من محدثات الأمور، وقد حفظتم وآن لكم أن تحفظوا قول الرسول ﵊: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) وبهذا القدر الكفاية.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 424
حكم ضرب الدفوف في الأعراس
السؤال
قرأت في كتاب ما يلي: وقد جرى الصحابة على ما رخص لهم رسول الله ﷺ ، فكانوا يجلسون للسماع والطرب في أحفال الزواج ولا حرج، وأيد كلامه بالحديث التالي: قال عامر بن سعد: [دخلت على قرضة بن سعد وأبي مسعود الأنصاري في عرسه، فإذا جوارٍ يغنين، فقلت: يا صاحبي رسول الله ﷺ ! يفعل هذا عندكم؟ فقالا: اجلس إن شئت فاستمع معنا وإن شئت فاذهب؛ فإنه قد رخص لنا في اللهو عند العرس] وقال: -يعني: صاحب الكتاب- بأن الحديث رواه الحاكم وصححه.
وتابع يقول: ويباح في أحفال الزواج قياساً على الدف كل ما كان من قبيله، كالعود والقانون والكمنجة والمزمار.
انتهى قول الكاتب، أرجو التعليق على ما تقدم مع التوضيح والشرح.
الجواب
أقول قبل كل شيء: هذا الحديث فعلاً رواه الحاكم في المستدرك، ولا أستطيع الجزم الآن بأنه أصاب في تصحيحه أم لا، وإن كان يغلب على حافظتي وذاكرتي أنه صحيح في واقع الأمر، وهذا إن شاء الله نتحقق منه فيما يأتي.
نقول: هذا الحديث يشبه من حيث دلالته حديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت الرسول ﵊ بغناء بعاث وتضربان عليه بدف، حين دخل أبو بكر الصديق فأنكر ذلك، فقال: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ فقال ﵊: دعهن يا أبا بكر؛ فإن لكل قومٍ عيداً وهذا عيدنا) .
هذا الحديث كهذا من حيث دلالتهما على جواز الضرب بالدف في يوم العيد، كما في حديث السيدة عائشة، وفي الزفاف كما في هذا الحديث على افتراض أنه صحيح كما نظن، فلا يجوز أن نلحق بهذه الآلة الآلات الأخرى التي ذكرها الكاتب أو السائل عن الكاتب -المؤلف- والسبب في هذا أن هناك قاعدة فقهية تقول: (ما كان على غير القياس فعليه غيره لا يقاس) عندنا أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف يتقوى بعضه ببعض، تدل هذه الأحاديث كلها على تحريم كل أنواع آلات الطرب.
إذاً: الأصل التحريم، فإذا جاء نص خاص يبيح شيئاً من تلك الآلات المحرمة فلا يقاس عليه؛ لأن القياس عليه يخالف النص العام، وإنما يوقف عند هذا النص الخاص، ماذا أباح هذا النص؟ أباح الضرب على الدف في يوم العيد -جائز- لحديث عائشة، وحديث أبي بكر الصديق أيضاً يؤكد هذا، لكن من أين أتى بالكمنجة والقانون وغيرها من الآلات التي سماها وأخرى لم يسمها أيضاً، من أين نلحق هذه الآلات الموسيقية بهذا النوع وهي داخلة في النص العام في تحريم المعازف، كما قال ﵊: (ليكونن في أمتي أقوامٌ يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف) والمعازف: كل آلات الطرب.
إذاً: هذه الأنواع التي سماها داخلة في هذا النص العام، ما الذي استثني من هذا النص العام؟ الدف في العيد وقفنا عنده فقلنا: هذا مستثنى من النص العام.
أما إجراء القياس في استباحة ما جاء النص العام بتحريمه، هذا في اعتقادي من مفاسد العصر الحاضر، حيث يريد بعض الكتاب الإسلاميين بحسن نية أو بغيرها -الله حسيبهم- يريدون أن يهونوا على الناس ويفرجوا همومهم وكروبهم، لا سيما وقد هلكوا في ماديتهم، ويظنون أنهم بذلك يحسنون صنعاً، ولا يحسون ولا يشعرون أبداً أنهم يخالفون مقاصد الشريعة حينما أهملوا أصلاً من أصولها، ألا وهو تحريم كل آلات الطرب؛ لأنها تلهي الناس عن الذكر وعن القيام إلى الصلاة، والواقع يشهد أن كل من يتعاطى هذه المعازف وآلات الطرب قلما تجده مصلياً مع جماعة المسلمين أين يحضر الجماعة وهو في لهوٍ وفي سماعٍ للطرب؟ بل لعلهم لا يصلون ولو في عقر دورهم؛ لأنهم في الدور -أيضاً- ساهون لاهون وراء هذه الآلات، لذلك هذا القياس الذي لجأ إليه نقول فيه: أولاً: مخالف للقاعدة الأصولية التي ذكرناها آنفاً: (ما كان على خلاف القياس فعليه غيره لا يقاس) ، فإن إباحة الدف في الأعراس وفي الأعياد الشرعية على خلاف القياس؛ لأنه خلاف النص، فعليه لا يقاس غيره، لا سيما وهذا القياس يخالف النص العام الصحيح الصريح.
ثانياً: من العجيب جداً أننا نعيش في عصر فيه المتناقضات الغريبة، أناس -وهم جماهير المسلمين- لا يزالون غارقين في حياتهم العلمية المقلدة، يمشون على غير بصيرة في دينهم، ويدندنون ويجادلون أنه لابد من التمسك والجمود على المذهب، على التقليد الأعمى، وبعض كتابهم ودكاترتهم يفخر أنه مقلد، ولا يحس بأن معنى كلامه أن يفخر بأنه جاهل؛ لأن المقلد يساوي عند أهل العلم الجاهل، قالوا في كتاب القضاء: ولا يجوز نصب المقلد قاضياً، قالوا في الشرح: لأنه جاهل، مع ذلك وجد اليوم كُتّاب ودكاترة يقولون: أنا أفخر أني مقلد.
نعيش اليوم في مثل هذا التناقض.
وفي الطرف المقابل أناس يجتهدون ليخالفوا الشريعة بنصوصها، فهؤلاء يخالفون نصوص الشريعة بحجة التقليد، وهؤلاء يخالفون نصوص الشريعة بحجة الاجتهاد، ونحن نريد الوسط، والوسط: وهو اتباع الكتاب والسنة، بدون جمود وركون إلى التقليد وما وجدنا عليه الآباء والأجداد، ودون هذا الانطلاق بدون قيد ولا شرط، لإباحة ما حرم الله، فهذا الكلام من هذا النوع مع الأسف الشديد، وهناك فتاوى -كما سمعتم- لإباحة التعامل بالربا، تقول الفتوى: القليل من الربا لا بأس به، فتاوى صدرت في هذا، مع أن القرآن حرم الربا مطلقاً فقال الله: ﴿لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] فقط: ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] والحديث أيد ذلك أيضاً.
لذلك فهنا عبرة لمن يعتبر: أنه لا يجوز الجمود على المذهب؛ لأن في ذلك تعطيل العقل والفكر، وتعويد المسلمين على عدم معرفة المسائل من أين جاءت، وفي هذا تهيئة الشباب المسلم لكيلا يتقبل مثل هذه الأقوال؛ لأنه سيعلم حينذاك أن هذه الأقوال مخالفة لنصوص الشريعة العامة.
هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، وبهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 425
حكم المبادلة في الزواج مع إستيفاء شروط النكاح
السؤال
ما حكم الشرع في أن يزوج الرجل ابنته إلى ولد الرجل الآخر، والرجل الآخر يزوج ابنته إلى ولد الرجل الأول، وكل واحدة لها صداق، ولو ترك أحد الأزواج زوجته ليس للثانية علاقة بها، ولا تضر بتلك، وهناك زوجتان قد أنجبتا عدة أولاد وبعد مضي خمسة وعشرين عاماً أفتى أحد العلماء بأنه يجب التفريق بين كل من الزوجين وزوجاتهم، فهل هذا صحيح أم خطأ؟
الجواب
يقول العلماء: الفتوى على قدر النص، إذا كان السائل قد حرر الواقعة تحريراً صحيحاً فالجواب أن هذا النكاح صحيح، وذلك لأن من يشير إليه من بعض المشايخ لما حكم بوجوب فسخ هذا النكاح، تصور أن هذا النكاح كان شغاراً، وقد نهى الرسول ﵊ في غير ما حديث واحد عن الشغار، وقال: (لا شغار في الإسلام) إلا أن العلماء اختلفوا في الشغار في حقيقته ما هو؟ هو في الأصل: تبادل رجل عنده بنت وآخر عنده بنت، فكل واحد يأخذ بنت الثاني، هذا هو أصل الشغار، بعد ذلك يأتي الخيار، وليس بصورة خاصة في البنت؛ واحد عنده أخت والآخر عنده أخت، فكل واحد يأخذ أخت الآخر، هذا من الشغار، لكن تمام الشغار أن يجعل كلٌ منهما مهره الذي يجب عليه هو أخته أو بنته التي يقدمها للآخر، فكأن التبادل بضاعة ومقايضة، وهذا لا يجوز في الإسلام؛ لأن في هذا تعطيل حق البنت الذي هو المهر، ومن هنا يبدأ الخلاف.
إذاً: من تمام الشغار أن أحد الزوجين يغضب لسبب من زوجته فيطلقها، فتذهب إلى أخيها أو أبيها، فيقوم ذاك بالتالي بدوره ويطلق التي عنده من أخت أو بنت، وهكذا يكون الشغار سبباً لزيادة الفرقة، ووقوع الطلاق بين المتزوجين، هذا هو الشغار المعروف في الجاهلية والذي نهى عنه الرسول ﵊.
أما إذا لم يكن من هذا الشغار سوى مجرد تبادل مع القيام بكل شروط النكاح أنا عندي أختي وأعطيت زيداً من الناس هذه الأخت، وهو بالمقابل أعطاني أخته، لكن كل واحد منا أعطى ما يجب عليه من مهر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: لا يربط طلاق زوجته بالأخرى، كأن تسوء علاقته مع زوجته فتسوء علاقة الأخرى مع زوجها، فإذا كان هذا الزواج مجرد تبادل بدون مراد لتمام الشغار الجاهلي، فقط واحد أخذ قريبة وأعطى بنته أو أخته لقريبٍ له، هذا لا حرج فيه إطلاقاً ما دام أن المهر موجود، وما دام أن الشرط في التطليق في المقابلة أيضاً غير وارد، فإذا كانت الحادثة كما ذكر الرجل على حسب ما فهمت، فهذا النكاح ليس شغاراً ما دام كل واحد دفع المهر، وكل واحد التزم الآداب الشرعية بينه وبين زوجته، لكن أخشى ما نخشى أن يكون في الحادثة شيء من التفاصيل لم يستوعبها السائل، أو ربما استوعبها السائل لكن الشيخ المفتي ما استوعب ذلك، فأفتى بفساد هذا النكاح وبطلانه.
стр. 426
أبيات من الشعر في الزواج
الله يغنيه وسيعاً فضله فهو الغني عطاؤه مشكور
أمر النبي بذات دينٍ زوجة فاظفر بذات الدين هن الحور
المال يفنى والجمال وديعة والجاه يبلى كل ذاك غرور
الباقيات الصالحات ذخيرة مذخورة ونعيمها موفور
ليس الزواج لشهوةٍ وغريزةٍ إن الزواج تعفف وطهور
ليس الزواج ستار أطماعٍ وما تغني عن اللب الشهي قشور
ليس الزواج لنزوة عابرة ذاك انفعالٌ فتنة تغرير
إن الزواج وظيفة ومهمة ورعاية وتحمل وصغير
إن الزواج تصبرٌ وتجلد وعناية ما حقها التقصير
إن الأبوة خدمة وقيادة وتودد وتعقل وأمور
أمر بكل فضيلة في أهله للمكرمات يقودهم ويسير
إن الأمومة عطفها لا ينقضي ومقامها في التضحيات كبير
كان النبي معلماً في أهله وهو الرسول مبشر ونذير
خير الأنام وخيرهم في أهله في خدمة لعياله مشهور
يرعى صغيرهم ويحفظ عهدهم خلقٌ بفرقان الهدى مسطور
يحمي النساء يصونهن عفافه وهو الأنيس المؤنس الستير
فرض الحجاب وقاية وحماية ومن النفوس رقابة وضمير
وسع النساء بحلمه وأناته والحلم طبعٌ في الرسول شهير
زوجاته نبع الفضائل والتقى الطاهرات وزوجهن النور
للطيبين الطيبات وللألى خبثو خبيثات لهن شرور
الله طهر آل بيت محمدٍ بيت النبوة روضة وعطور
стр. 427
حكم معاشرة الزوجة المتبرجة تاركة الصلاة
السؤال
زوجتي لا تصلي ولي منها كذا وكذا من الولد، وهي تتبرج ولا تتجلبب بجلباب الشرع، ماذا أعمل؟
الجواب
نحن في هذه الحالة لا نستطيع أن نقول: طلق أو لا تطلق، لماذا؟ لأن المسألة كان ينبغي التفكير فيها قبل أن يقع الزواج، وإذا وقع الزواج فقبل أن يأتي الولد، وإذا جاء الولد فقبل أن يكبر الولد هذه خطوات لابد أن يمشي عليها هذا الإنسان المكلف، أما بعد فوات الأوان يأتي يسأل ويقول: ماذا أعمل؟ أنا إذا قلت له: طلق هذه الزوجة مادام أنها لا تصلي وما دام أنها تتبرج؛ فأنا أخشى عليك ما قد أخشاه عليها، وأنا لا أستطيع أن أحكم عليك أنت، كيف ضبطك لنفسك وجهادك لربك إلخ؟ فأنا أقول هنا: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] فهل أنت صاحب الزوجة ذات كذا ولد، إذا طلقتها لأنها لا تطيعك -في صورة عامة- لا تطيعك فيما يجب عليها الطاعة، هل أنت تستطيع أن تحتضن الأولاد وتربيهم؟ لا سيما وأن اليوم من فساد الزمن أن الرجل إذا صار عزباً أرملاً -كما يقولون- من الصعب جداً أن يجد امرأة ترضى به زوجاً؛ لأن عندهم أكبر عيب أن يكون زوجاً ومطلقاً، أولاً: لأن الطلاق بسبب التوجيهات غير الإسلامية والتي تنشر من إذاعات إسلامية -زعموا- تنفر المسلمين من الطلاق، وما أسرع ما يقول أحدهم: قال رسول الله ﷺ : (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) وهذا حديث ضعيف، لو كانوا يعلمون بأنه حديث، ولو كان الأمر كذلك ما طلق رسول الله ﷺ حفصة، ولمّا طلقها جاء جبريل إليه وقال له: (راجع حفصة فإنها صوامة قوامة) ليست تاركة صلاة متبرجة، صوامة قوامة، مع ذلك طلقها الرسول ﵊، ولا شك أن الرسول طلقها لسبب، وليس كل سبب يكون بين زوجين لابد أن يطلع عليه الناس، ومن هنا يأتي فساد بعض الأحكام الشرعية -زعموا- اليوم، حيث يدخلون القاضي الشرعي، وليته أيضاً يكون قاضياً شرعياً، يحكم بما أنزل الله، يدخل بين المرأة وزوجها يريد أن يعرف كل شيء، حتى دقائق الأمور.
لذلك فنحن لا نستطيع أن نقول لأي رجل يشكو من زوجته أنها لا تطيعه في طاعة الله : أن طلقها، لماذا؟ للسبب السابق الذكر، أما إن كان هناك رجل عصامي ورجل تقي، يطلقها ويصبر على قضاء الله وقدره، ويقوم بتربية أولاده ولو لم يتح له أن يتزوج زوجة أخرى فلا يجوز أن يمسكها والحالة هذه، ما دامت أنها تعصي الله .
فهذا السؤال بالذات: المرأة التي لا تطيع زوجها الذي يذكرها بأحاديث الرسول ﷺ ، التي تحرم معصية الزوج على النساء، فهي عاصية مرتين: المرة الأولى: عاصية للشرع، والمرة الثانية: عاصية لزوجها؛ لأن الزوج له من الطاعة على زوجته كالحاكم المسلم على شعبه، الحاكم المسلم الذي يحكم بما أنزل الله وبما جاء به رسول الله ﷺ ، إذا نهى الشعب المسلم عن شيء مباح في الأصل يصبح هذا الشيء حراماً، فالحاكم المسلم إذا نهى الشعب المسلم عن شيء مباح حينئذ يحرم على المسلمين أن يأتوا هذا الأمر المباح؛ لأن الرسول ﵊ أمر في غير ما حديث بطاعة ولاة الأمر، بل الله قبل ذلك قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] لكن هذه الطاعة المطلقة قيدها في قيد واحد، قال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) الحاكم إذا أمر بمعصية لا طاعة له ولا سمع.
وكذلك الزوج إذا أمر زوجته بمعصية لا سمع له ولا طاعة، لكن الزوج إذا أمر زوجته بأمر مباح، ومعنى مباح هنا أي: ليس عليها ضرر، فإذا وجد الضرر أصبح غير مباح، فبمعنى الكلمة: إذا الزوج أمر زوجته بأمر مباح فعليها أن تطيعه، مثلاً: يقول لها: هات الكاسة، والكاسة ليت فرضاً، لكن مجرد أمره إياها أصبح فرضاً عليها، تأتي بهذه الكأسة إن كانت فارغة ففارغة، وإن كانت مملوءة فمملوءة، إلى غيره.
стр. 428
معاشرة المرأة الناشز
السؤال
أمر زوجته بألا تشتري أساور الذهب؛ لأنه يحبها، ولأن الرسول نبيه ونبيها قال: (من أحب أن يسور حبيبه بسوار من نار فليسوره بسوار من ذهب) فهو يحبها ولا يريد أن يسورها بسوار من نار، لكن هي تأبى عليه إلا أن تشتري سواراً من ذهب فتسور نفسها بسوار من نار.
الجواب
في هذه الحالة أنا أقول كما قلت بالنسبة لمن لا تصلي من النساء ولا تحتجب ولا.
إلخ: إن كنت تستطيع أن تصبر على تطليق هذه الزوجة، وأنا أتصور أن هذا المثال ليس مثالاً واحداً، بل: هناك كما يقال: (وراء الأكمة لا وراءها) ما تتصور امرأة تعيش مع زوجها في حدود الشرع تطيعه في كل ما يأمرها إلا في معصية الله، وما يؤذي الناس إلا هذه القضية، وأنا أتصور هذا، هذا مثال لعدة أمثلة، فأنا أقول حينئذ: إما أن تستطيع أن تطلقها بعد أن تسلك طريق الشرع معها: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] .
وأنا أذكر الرجال أيضاً قبل النساء، أكثر الرجال لا يتقون الله في نسائهم، على الأقل لا يطبقون في النساء هذا المنهج التأديبي الإسلامي؛ لأنه ليس عنده الحزم والصرامة أن يهجرها في الفراش، ويكون هو أول من نقض العهد لسبب ضعف الإرادة وضعف الشخصية، فبعد أن يسلك معها هذا المسلك، ويرى أنه بعد زمن طويل وصبر مديد لا توجد فائدة، فيطلقها والله يرزقه خيراً منها إن استطاع، وإن لم يستطع فاستمتع بها على عوج، كما جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً جاء إلى الرسول ﵊ فقال: (يا رسول الله! زوجتي لا ترد يد لامسٍ، قال: طلقها، قال: إني أحبها، قال: أمسكها) والسلام عليكم.
стр. 429
مسألة: تقسيم المهر إلى مقدم ومؤخر
السؤال
قرأ أحدهم في كتاب إعلام الموقعين: أن رأي ابن تيمية أن إجماع الصحابة على جواز المهر المتأخر، كما هو عليه الناس اليوم، فما جوابكم على هذا؟
الجواب
يجب على من يقرأ أن يفهم، وبعد ذلك أن يقابل ما فهم على ما يسمع، وأن يكون قد فهم ما سمع أيضاً، ليس هناك خلاف في جواز المهر المتأخر، ولكن هناك تفصيل لا بد منه، وهو: هذا الجواز الذي يذكره السائل نقلاً عن إعلام الموقعين، نقلاً عن ابن تيمية، هل هو هذا الذي نحن ننكره اليوم وندعو المسلمين إلى أن يجعلوا مهرهم مقدماً ما دام ميسراً؟ اليوم نظام المهر أنه لا بد أن يكون قسمين: مقدم ومؤخر، حتى لو كان الخاطب الذي سيدفع المهر (مليونيراً) لا بد أن يجعل المهر قسمين: متقدم ومتأخر، هل هذا الذي ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين عن ابن تيمية؟ الجواب: لا.
لأن هذا لم يكن في ذلك الزمان، الذي كان في ذلك الزمان هو الميسر، نحن نعلم أن كثيراً من الناس تزوجوا ودفعوا المهر كله مؤخراً، بل نعرف شيئاً ينكره بعض المشايخ اليوم، نعرف أناساً تزوجوا ولم يدفعوا من المال ولا درهماً واحداً، وإنما كان مهرهم إما تعليم القرآن وإما الإسلام، كما وقع لـ أم سُليم ﵂ مع أبي طلحة الأنصاري، فخلاصة القول: لا نريد أن نخوض في هذه المسألة، والذي جاء في كتاب الإعلام صحيح، وهو جواز المهر المتأخر، لكن هذا لا يعني جواز تنظيم المهر وجعله قسمين ولا بد، متقدم ومتأخر، حتى لو استطاع أن يقدم المهر كله سلفاً لا يفعل، لماذا؟ لأن نظام المهر: متقدم ومتأخر، هذا لا يقوله لا ابن تيمية ولا من هو أصغر منه، هذا الجواب على السؤال العاجل.
стр. 430
حكم الزواج من الكتابيات في عصرنا الحاضر
السؤال
ما حكم زواج المحصن الذي يدرس في بلاد الغرب من الكتابيات؟
الجواب
لاشك أن الحكم في هذا معروف بنص القرآن: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] يحل ذلك، وهذا رأي أكثر علماء المسلمين قديماً، وأجمعوا أخيراً على ذلك، إلا أن الحكم المباح شرعاً قد يعترضه ويحيط به ما يجعله ممنوعاً في بعض الأحيان، وأرى أن هذا النوع من الزواج هو من هذا القبيل، والسبب في ذلك يعود إلى جنس المسلمين الذي يتزاوجون بالكتابيات من جهة، ويعود أيضاً إلى جنس الكتابيات من جهة أخرى، أعني: أن هؤلاء المسلمين الذين يذهبون إلى تلك الديار ديار الكفر والضلال، هم في الغالب -ونحن لا نخص شخصاً أو أشخاصاً- هم في الغالب غير محصنين بالأخلاق الإسلامية، بل ولا بالعقيدة الإسلامية، التي إذا تجرد الإنسان عن أي شيء فممكن -بغض النظر- إلا عن العقيدة؛ لأن العقيدة فيها النجاة من الخلود في النار، أما ما دون ذلك فهو كمال الإنسان.
فكثير من هؤلاء الشباب الذين يذهبون إلى تلك البلاد لم يتثقفوا الثقافة الإسلامية الصحيحة، بل حتى ربما يجوز لي أن أقول: الثقافة الإسلامية حتى غير الصحيحة؛ لأنهم لا يدرسون الإسلام مطلقاً، سواء ما نسميه بالإسلام التقليدي أو بالإسلام القائم على الكتاب والسنة، فهم يدرسون نوعاً من الدراسات العلمية العلمانية اليوم، ثم ينطلقون إلى تلك البلاد لإكمال دراستهم، فهم غالباً غير مسلحين بهذا السلاح من الثقافة الإسلامية الصحيحة، والنادر منهم من يكون متخلقاً بالأخلاق الإسلامية الصحيحة، أي: يعيش في جو عائلي لا يزال يحتفظ بالعادات الإسلامية كلها، هذا نادر جداً في بلادنا، ولذلك فهؤلاء الشباب حينما يذهبون لتلك البلاد، ويريدون أن يضموا إلى أنفسهم زوجة من تلك البلاد النصرانية مثلاً.
أما اليهودية -الآن- فاضرب عليها صفحاً؛ لأن الناس يتأثرون بالواقع كثيراً جداً، مع أنه في الواقع -من الناحية الإسلامية- لا فرق بين النصرانية وبين اليهودية، وإذا كان اليوم الذهن المسلم العام قد نبا وانصرف ونأى عن التفكير في أن يتزوج يهودية؛ لأن اليهود احتلوا قسماً عزيزاً من بلادنا الإسلامية، فهذا تفريط لا يراعى فيه العلم، وإنما الواقع الطاري، ما الفرق بين اليهودية والنصرانية من الناحية الإسلامية؟ لا فرق أبداً، ما الفرق بين اليهود والنصارى من حيث أنهم كلهم أعداء للمسلمين، كما قال رب العالمين: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] وعرف الخراب من ثغرة اليهود من إثم قتل وصلب عيسى ﵇ كما زعموا؟ فكل هؤلاء هم أعداء الإسلام، لا فرق بين يهودية ونصرانية إطلاقاً، لكن مع الأسف لا يزال الناس ينظرون إلى النصارى نظرة دون نظرتهم إلى اليهود.
فهؤلاء الذين يذهبون إلى تلك البلاد يريدون أن يتزوجوا بنصرانية، أولاً: هذه النصرانية ليست بالوصف التي وصفها الله حين قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] أين المحصنات اليوم في بلاد الكفر؟ فقد انتشر فيها الفساد والفحش والزنا وإلخ، ولا أنسى وأنا أعرف شاباً منذ أربعين سنة كان يتردد على دكاني، وهو ضابط تركي ممن حاربوا في رومانيا في زمن الأتراك في قتال قام بين المسلمين والرومان، قال لي: دخلنا بعض البلاد وأقمنا فيها شهورا، ً فعلمت من بعض النصارى أن من عادة الداعيات في تلك البلاد، أن الجنين أول ما يسقط من بطن الأم فإذا رأتها الداعية بنتاً فضت بكارتها في تلك اللحظة، لماذا؟ لأن المجتمع كله قائم على الفحش، فإذا بلغت البنت سن الزواج وتزوجها الشاب كان قد لقن سلفاً أن هذه البنت قد فضت بكارتها من ساعة ما وقعت من بطن أمها، فيستسلمون لذلك، ولا شيء في ذلك إطلاقاً، فأمة بلغ بها الأمر إلى الحضيض من أين يجد هذا المسلم هذه الفتاة النصرانية المحصنة؟ لا يجدها، ثم إن وجدت، وهذا نادر جداً والنادر لا حكم له، هل عنده هذه الشخصية المسلمة القوية التي تساعده على أن يجذبها إليه وأن تربي أولاده حسب دينه وحسب أصول التربية الإسلامية، أم سيكل الأمر إليها وتربي أطفالها وأولادها على التربية الأوروبية؟ نحن المسلمون في البلاد الإسلامية نربي أطفالنا في بلاد الإسلام تربية غير إسلامية، فكيف إذا قام على هذه التربية امرأة غير مسلمة؟! فلهذه الأسباب وأسباب أخرى لا نرى أن يتمتع المسلم بهذا الحكم الذي أباحه الله في نص كتابه؛ لأنه أقل ما يقال: إنه اشترط أن تكون محصنة، أي عفيفة محفوظة، وهذا نادر والنادر لا حكم له.
ولعل في هذا الكفاية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 431
حكم من واقع زوجته وهي حائض
السؤال
رجل وقع على زوجته وهي حائض، فماذا عليه؟
الجواب
يجب عليه أن يتوب إلى الله ويعزم على ألا يعود.
стр. 432
مسألة: تعليق الطلاق
السؤال
ما حكم من قال لزوجته: لا تدخلي بيتي بعد سبعة أيام، ثم أتى بها بعد ثلاثة أيام وقد نوى اليمين، كما يُرجى بيان الحكم فيمن علق الطلاق بفعل الزوجة.
الجواب
المسألة الأولى: إذا حلف على زوجته ألا تدخل البيت إلا بعد سبعة أيام فدخلت، أو أدخلها قبل مضي الأيام، فوقع عليه يمين وعليه كفارة يمين.
وهذا الحكم هو نفسه فيما إذا حلف عليها بالطلاق، وهذا مما يلجأ إليه كثير من الناس، أن يقول لأهله: عليًّ الطلاق ما تدخلي البيت إلا بعد ثلاثة أيام، ودخلت البيت قبل ذلك، فهذا وقع عليه اليمين بالطلاق، واليمين بالطلاق عند بعض العلماء طلاق، وذهب آخرون -ونحن معهم- إلى أنه ليس بطلاق؛ لأن الطلاق من شرطه بنص القرآن العزم، قال الله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٧] فلابد من العزم، وهنا الذي حلف على زوجته بالطلاق يريد منعها من شيء أو حملها على شيء ولا يريد تطليقها، ومن هنا نتوصل إلى الإجابة عن الشطر الثاني من السؤال حيث قال: يرجى بيان الحكم فيمن علق الطلاق بفعل الزوجة.
فهنا تفصيل لا بد من مراعاته إذا قال لزوجته: إن دخلت بيت جارك فأنتِ طالق.
هذا اسمه طلاق معلق، أي: معلق بشرط، هذا الشرط هو الدخول إلى بيت الجار، فهذا الطلاق يعود إلى قصد المعلق له، وهذا يختلف في صوره وفي أشخاصه والقائمين به.
امرأة بينها وبين زوجها خصام، فهي تخالفه وتريد أن تذهب إلى بيت أهلها رغماً عن زوجها، وهو يريد أن يمنعها بالتي هي أحسن فلا تمتنع، فيهددها بالطلاق: إن ذهبت لبيت أهلك فأنتِ طالق.
هذا طلاق معلق بشرط؛ شرط الدخول، شرط الذهاب إلى البيت، هذا بلا شك يمكن أن يتصور أنه قصد غير قصد الطلاق، بخلاف صورة أخرى، كأن يرى -مثلاً- رجلاً ما زوجته تدخل إلى جارٍ له سيء الخلق، والناس يتحدثون عنه، وهي ما لها شغل في هذا البيت، ما فائدة دخولها البيت؟ أو رآها أو سمع ما يقولون، فقال لها: إن دخلت بيت جارنا فلان فأنت طالق، هنا القصد لا يمكن أن يتصور إلا على بُعد كبير، أن يكون قصده كقصد الرجل الأول، وتوضيح هذا: أن الرجل الأول يقصد منعها من أن تذهب بدون إرادته رغماً عنه إلى بيت أبيها ولا يريد طلاقها، لكنه يخوفها بتعليق الطلاق.
أما في الصورة الثانية فهو يريد -والله أعلم- أنه لا يطيق أن يتحمل امرأة من خلقها أنها تدخل على رجل غريب عنها ما يدري ما يفعلان هناك، لذلك فهو لا يطيق الحياة معها، فقال: إن دخلت دار جارنا فأنت طالق.
إذاً: هو ونيته، إن كان يقصد تطليقها فعلاً؛ لأنها تأتي بخلق غير إسلامي، فهو ونيته، فمجرد ما تدخل يقع الطلاق؛ لأنه قاصد ذلك.
أما الصورة الأولى: فيحتمل أن يكون يقصد ألا يتكرر ذلك منها مثلاً، ويحتمل ألا يقصد فيسأل ويدان، والله حسيبه: أنت قاصد تطليقها أم لا؟ وإذا قال: لا أقصد الطلاق، فلا تطلق، وإن كان قاصداً للطلاق فتطلق.
إذاً: الطلاق المعلق بشرط يعود إلى نية المعلق، إن كان يقصد وقوع الطلاق بوقوع الشرط وقع الطلاق، وإلا فلا.
стр. 433
الغيبيات
في هذه المادة يجيب الشيخ عن العديد من الأسئلة الواردة إليه، وهي أسئلة تتعلق بالعقيدة، وكان من أهم الأسئلة التي تعرض لها الشيخ: سؤال عن أفعال العباد، وعن حكم السؤال عن الغيبيات وغيرها مما يجده القارئ لهذه المادة.
стр. 434
يأجوج ومأجوج هم الحصة الكبرى من بعث النار
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
السؤال
نسمع أن من كل ألف من الناس واحداً يدخل الجنة والبقية يساقون إلى النار، هل ثبت هذا في حديث صحيح؟
الجواب
هذا ثبت في حديث يأجوج ومأجوج، وجاء معناه في الحديث الطويل كما في الصحيحين أو أحدهما، والمعنى هذا صحيح وثابت، ولما تعاظم الأمر على أصحاب النبي ﵊ بشرهم بيأجوج ومأجوج، وهم حطب جهنم، فأحدهم لا يموت إلا وقد خلّف من بعده ألفي ولد، ومن ذلك: أن منهم الحصة -من يأجوج ومأجوج- الكبرى لجهنم، وهذه الأمة تخرج في آخر الزمان، ولم تخرج بعد خلافاً لبعض التفاسير العصرية التي تنبع من صدور بعض الناس التي لا تتسع صدورهم للإيمان بالأمور الغيبية، أي بدون أن نجعل الدين أمراً عقلياً مهضوماً فكرياً، وذلك خلاف أول شرط من شروط الإيمان بالله ، كما في أول سورة البقرة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢-٣] فنحن نؤمن بكل ما جاء عن الرسول ﷺ من حديث صحيح.
стр. 435
مسألة أفعال العباد
وعندنا مسألة: (خلق الله وأنا مضطر إلى الإيجاز؛ لنستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة، لا سيما ومثل هذا البحث كنا قد طرقناه مراراً طرقاً تفصيلياً، إنما نلفت نظر السائل والحاضرين إلى أن خلق الله له صورتان: خلق مباشر لا دخل للإنسان فيه، فهذا الإنسان فيه مسير.
وله أمثلة واضحة جداً: نحن في مجلس يجمع كثيراً من الناس، فهذا طويل، وهذا قصير، وهذا أسمر، وهذا أصفر، وهذا أشقر، وهذا أبيض.
إلخ، هذا خلق الله ليس لأحد منا فيه إرادة مطلقاً، ولكن نرى بعض الناس ساتر الرأس، وآخرين حسراً، وأناساً حليقين، وأناساً بلحية أهكذا الله خلقنا؟ لا.
هذا كله من صنعنا نحن، لكن بمشيئة الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] ومثال أدق من هذا الواقع: نحن كذرية لآدم ﵇، كل منا له والدان، فنحن مِنْ خلق الله، لو لم يتصل أبي وأمي ما كنت أنا، لو لم يتصل أبوك وأمك ما كنت أنت وأنت إلخ، نحن خلق الله، لكن بالواسطة.
ما هي الواسطة؟ كلفنا الله سبحانه أن نحصن أنفسنا وأن نحصن نساءنا، وأن نتمتع بحلالنا، فيأتي من وراء ذلك إذا شاء الله الذرية، فالخلق كله خلق الله، لكن شيء منه يخلقه الله دون تكليف للبشر، وشيء منه هو بتكليف من الله للبشر.
فهذا النوع الثاني من خلق الله يجب أن ندندن فيه ليرسخ في الذهن كل شيء هو من خلق الله، ليس كما تقول المعتزلة أبداً، وكل شيء بمشيئة الله، لكن المهم أن تعرفوا التفصيل، فشيء من خلق الله بواسطتنا نحن أمرنا، كلَّفنا، تعبَّدنا، وشيء بمحض إرادتنا واختيارنا، فهذا خلق لكن بكسبنا وإرادتنا.
بعد هذه التوطئة المختصرة الوجيزة، فهل الإنسان مسير أم مخير؟
الجواب
أولاً: الإنسان في قسم مما يتعلق به مسير، أي: لا كسب ولا إرادة، والأمثلة كثيرة وقد ذكرناكم ببعضها.
ثانياً: ليس مسيراً -بمعنى: مجبوراً؟ لا.
بل مختار، والآن أنا أتكلم وأنتم تصغون، ترى نحن مسيرون في هذا وهذا، أم مختارون؟ مختارون جميعاً، ما جئتم إلى هنا ولا جئت أنا هنا إلا بمحض اختياري، ولا أتكلم إلا بمحض اختياري، والآن إن شئتم سأصمت، والله لم يفرض عليَّ الكلام، سأصمت، وإن شئتم أطول عليكم الصمت لكن لن يناسبنا الآن.
أقول: هذا الكلام هو خلق الله، لكن باختياري، فالإنسان في بعض الأمور مسير، وفي أمور أخرى مخير، وأي إنسان يقول: إن الإنسان مسير دائماً، فأرجو أن تصفعه في وجهه، فإذا قال لك: لِمَ؟ تقول له: أنا مجبور مسير، لست بمخير.
والفلسفة التي دخلت في الاعتزال والمعتزلة هي التي أفسدت فِكر المسلمين التي توافق تماماً ما جاء في كتاب الله، وما جاء في سنة رسول الله ﷺ ، يقول الله: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥] هل يقال لمن كان مجبراً مسيراً، يقال له: اعمل، اركع، اسجد، توضأ؟ هذا الكلام مستحيل، لو كان لك عبد فغللته بالأغلال وقلت له: اذهب إلى السوق واشتر هذه الحاجة لكنت أنت من أظلم الناس، فكيف يتصور هؤلاء القائلون بالجبر أن الله خلق الإنسان وأجبره على طريق الخير أو الشر؛ فهو مجبور مسير دائماً، كيف يقال هذا في الله، هو أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، ونحن لا نرضى أن نصف أنفسنا بما يصف هؤلاء ربهم ظلماً وبغيا، وهذا أمر مكتوب وواضح جداً.
ولقد بالغ في الكفر وفي الضلال ذاك الشاعر الذي وصف ربه -ممثلاً لعلاقة العبد مع ربه- قائلاً:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
أجبر الجبارين وأظلم الظالمين لو فعل هذا، لكان فوق ظلمه وفوق جبروته، فكيف ينسب هذا إلى الله؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
الحديث المعروف في الصحيحين أنه ﵊ قال ذات يوم: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب وجوههم كالقمر ليلة البدر) ثم في القصة شيءٌ من الطول، قال ﵊ في وصفهم: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) فقام رجل من الصحابة اسمه عُكّاشة فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عُكّاشة) .
هؤلاء السبعون ألفاً هم نخبة السبعينات الأخرى -أي: خواص- فإذا هو استزاد من بربه فزاده سبعين ألفاً آخرين، هذا ليس معناه أنهم في نفس المنزلة والفضيلة، بمعنى: إذا كان من الصعب على بعض الحاضرين أن يفهموا أن هؤلاء هم النخبة الأولون، فنحن نتساءل الآن: ترى أي سبعين من هذه السبعينات يدخل الجنة قبل؟ الجواب: هؤلاء السبعون الأولون، فمن هذا يظهر أنه لا تعارض بين هذا وذاك الحديث.
стр. 436
حكم من مات مؤمناً
السؤال
هل الذي يموت مؤمناً سيدخل الجنة، أو إن شاء الله أدخله الجنة وإن شاء أدخله النار؟
الجواب
هذا السؤال فيه نوع من الغرابة! لكن كأنه يخيل إليَّ أن السائل إما أن يكون قرأ شيئاً من علم الكلام، أو أنه سمع من بعض الناس شيئاً من هذا العلم، ففي علم الكلام جملة مأثورة عند الأشاعرة، يقولون وهم يظنون أنهم يثنون على ربهم بما يقولون: "لله تعذيب الطائع وإثابة العاصي" هذه جملة مذكورة في الجوهرة وفي غيرها من الشروح وغيرها من الأصول، وهناك تفاصيل لهذه الجملة تضخم المشكلة جداً، حيث يقولون: لله تعالى أن يدخل محمداً ﷺ النار ويجعله في الدرك الأسفل منها، وعلى العكس من ذلك لله أن يدخل إبليس الرجيم جنات النعيم.
نقول: لا تستعجلوا حتى لا نظلم الناس؛ لأن هذا الذي يقولونه يكفيهم ظلماً، فلا نريد أن تفهموا شيئاً أكثر مما يقولونه، قالوا على العكس من ذلك: لله أن يدخل إبليس الرجيم جنات النعيم، ويجعل مقامه في المقام الأعلى، لماذا؟ وقالوا: "لله تعذيب الطائع وإثابة العاصي" حجتهم في ذلك مثل قوله : ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] وقوله: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] لكن مثل هذه النصوص المطلقة لا يجوز الاعتماد عليها بدون ضمها إلى النصوص الأخرى، مثلاً: قال الله ﵎ وهو الذي يقول: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣]- يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٣-١٥٤] إذاً: هذه الآية وأمثالها آيات كثيرة وأحاديث أكثر وأكثر تبين أن الله حينما يقول: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] لا ظالماً، ولا معرضاً عن الحكمة والعدل، وإنما فعالٌ لما يريد مع حكمته ﵎ وعدله الذي لا ند له.
وحسبكم في هذا من الأحاديث الصريحة الصحيحة قوله ﵊: (قال الله ﵎: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) هذا نص صريح له فائدتان: إحداهما سلبية، والأخرى إيجابية السلبية: أن الله لا يظلم، أما الإيجابية: أن الله قادر على الظلم؛ لأنه قال: (حرمت الظلم على نفسي) فهو قادر على أن يظلم الناس، ولكنه لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون، هذا من تلك النصوص الكثيرة.
ولما وجد أولئك من علماء الكلام مثل هذه النصوص الصريحة القاطعة بأن الله يعامل عباده بمجموع الصفات العليا التي اتصف بها، ليس فقط بصفة أنه (فعال لما يريد) كما يفهمون قوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] ولا بظلم: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] لأنه يظلم، لا.
﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] لأن الله حكيم عليم، يضع كل شيءٍ في محله المناسب له، فلا أحد يستطيع أن يسأله: لماذا وضعت هذا هنا وهذا هنا؟ لِمَ أدخلت محمداً الجنة وأعطيته الدرجة الرفيعة، وألقيت إبليس في أسفل سافلين من النار؟ لا أحد يسأل هذا السؤال؛ لأن الله حكيمٌ عليم، يضع كل شيءٍ في محله المناسب له، ولما وجد علماء الكلام مثل هذه النصوص القاطعة بأن الله لا يعذب الطائع، كيف وهو يقول في استفهام استنكاري: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٣-١٥٤] قالوا: -لكي ندافع عن كلمة قالها بعض أسلافهم، وكل إنسان خطّاء، والحق أن يَدَعوا تلك الكلمة ولا يحاولوا إثباتها ولو بطريق العقل- قالوا: "شرعاً لا يقال لله تعذيب الطائع وإثابة العاصي، وإنما يقال هذا عقلاً.
وهذه مشكلة، كانوا في مشكلة فوقعوا في مشكلة أخرى، وذلك أنهم الآن يصورون للناس أن الإسلام شيء والعقل شيء، العقل يجيز شيئاً والإسلام يمنعه، وهل هذا هو الإسلام، أم الإسلام يمشي مع العقل السليم كالتوأمين تماماً؟ لذلك نحن نقول: لا عقلاً ولا شرعاً يجوز للمسلم أن يقول أو أن يصف ربه بقوله: له تعذيب الطائع وإثابة العاصي، فكيف ذلك؟ ألم نفهم؟ ألم نعقل أن ربنا حكيمٌ عليم عادل؟ هكذا فهمناه، فكيف نكابر ونقول: عقلاً له أن يعذب الطائع؟! وعلى هذا لا يجوز إلا أن نقطع بأن الله وعد المؤمنين بالجنة، حتى الفساق وحتى أصحاب الكبائر يوماً ما سيدخلون الجنة قطعاً: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] ولا يجوز الشك إطلاقاً في هذه الحقيقة، وهذه يقابلها حقيقةٌ أخرى: أن الكفار، وليسوا عندنا إنما الكفار عند الله ﵎، وهم الذين بلغتهم الشريعة الإسلامية في أصولها الصحيحة غير محرفة ولا مبدلة ثم كفروا بها وجحدوا بها واستيقنت بها أنفسهم، فهؤلاء سيدخلون جهنم خالدين فيها أبداً بدون نهاية.
وهناك مرتبة بين المرتبتين، وهي مرتبة العصاة من المسلمين، هؤلاء إما أن يشمل الكثير منهم ربنا بمغفرته، فيدخلهم الجنة بدون عذاب، أو أن يعذبهم بسبب ذنوبهم، ثم ينجيهم من الخلود في النار إيمانهم، ولو كان هذا الإيمان مثل ذرة، هذا الهباء الصغير، مهما كان هذا الإيمان قليلاً، إذا كان إيماناً صحيحاً مطابقاً للشريعة الإسلامية كتاباً وسنة فصاحبه لا يخلد في النار، ولا يخلد في النار إلا الكفار، هذا الذي يجب على المسلم أن يعتقده: أن المؤمن الذي مات على الإيمان الصحيح، وكانت حسناته أكثر من سيئاته فهو في الجنة بدون عذاب، ومن كان قد ارتكب شيئاً من المعاصي، فإن لم يشمله الله بمغفرته فيعذب في النار بالمقدار الذي يستحقه، ثم يخرج منها إلى الجنة.
أما الكفار فيخلدون فيها أبداً، كما هو نص القرآن ونص السنة المتواترة عن النبي ﵊.
стр. 437
حقيقة إبليس وأصله
السؤال
هل إبليس من الملائكة؟
الجواب
في السؤال خطأ مزدوج؛ لأن السائل أراد أن يقول: كان، فقال: من الملائكة، فهذا إقرار للواقع، فالسؤال خطأ؛ لأن إبليس لم يكن يوماً ما من الملائكة، وهذا وهم شائع عند الناس، يقولون: إن إبليس كان طاوس الملائكة، وليس من الملائكة وحسب، بل طاوس الملائكة! والحقيقة أن إبليس كان جنياً صالحاً يعبد الله مع الملائكة، لكن لما اختبر سقط، لما أُمر بالسجود لآدم استعلى واستكبر وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ [الإسراء:٦١] ولسنا الآن في هذا الصدد، المهم أن هذا وهم شائع؛ لأن القرآن يقول: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠] (كان من الجن) التعليل: (ففسق عن أمر ربه) فهو لم يكن يوماً ما من الملائكة.
стр. 438
حكم السؤال عن الأمور الغيبية
السؤال
لما رفض إبليس السجود أخرجه الله من الجنة وحرمها عليه وبقي آدم في الجنة، فكيف تمكن إبليس من الوسوسة لآدم وحواء؟ وهل من نصوص في بيان ذلك؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
السؤال هذا سؤالٌ خَلَفي وليس بسَلَفي، وأنا أقول لكم دائماً وأبداً: إن السؤال عن الأمور المغيبة لا يجوز، والسائل بطبيعة الحال يشعر معي أنه ليس هناك آية، بل ولا حديث أن الرسول ﷺ بيَّن لنا كيف تمكن الشيطان من الوسوسة لآدم ﵊، ولذلك فنحن نؤمن بأن الشيطان وسوس كما في نص القرآن، أما عن كيف؟ فنخشى أن نقول: السؤال عنه بدعة.
أخرجوا الرجل فإنه مبتدع!
стр. 439
حكم لبس السراويل والبنطلونات
السؤال
هل يعد ارتداء السراويل من التشبه بالكفار إذا كان من غير ارتداء القميص فوقها والعمامة؟
الجواب
لا أدري إذا كان السائل يعني بالسراويل بالمعنى المفهوم لغة، أو أراد أن يستعمل كلمة السروال بدل البنطلون، فإن كان السائل يعني السروال الذي نفهمه، وهو اللباس الفضفاض العريض الذي لا يزال يلبسه بعض المسلمين، فهذا من أين يأتي فيه التشبه؟ ولا يعتبر لبسه تشبهاً بالكفار.
أما إذا كان يقصد البنطلون فقد تكلمنا عنه مراراً وتكراراً، وهو ليس من لباس المسلمين؛ لأنه يصف العورة ويحجمها، فهو يضيق حيث ينبغي أن يتسع، ويتسع حيث ينبغي أن يضيق، وهكذا (اعكس تصب) هكذا نظامهم في الحياة اليومية مع الأسف، فالتشبه يكون بلبس البنطلون وليس بلبس السروال.
هذا إن كان قصد بالسروال: البنطلون، أما إن كان قصده شيئاً آخر فلم أفهمه.
стр. 440
هل تشترط اللحية للإمام ؟
السؤال
هل يشترط للإمام في الصلاة أن يكون ملتحياً؟
الجواب
نقول: لا يشترط لصحة الصلاة أن يكون ملتحياً، لكني كنت أتمنى أن يكون السؤال كالآتي: هل يشترط في إيمان المسلم أن يكون ملتحياً؟ هكذا ينبغي أن يكون السؤال.
ومن كان منكم لا يزال مبتلىً بهذه المعصية فلا يشكلن عليه تحويل السؤال على النحو السابق، إلا من كان يرى أن الإيمان لا يقبل الزيادة، فحينئذٍ سيفهم أن هذا السؤال معناه: أن حليق اللحية خارج من الإيمان فليس بمسلم، لكن إذا علمتم أن الإيمان يقبل الزيادة، وأنه مراتب لا يعلمها إلا الله ؛ فحينئذٍ تفهمون الفهم الصحيح: وهو أن من كان حليقاً فإيمانه ناقص، بحيث يمكن إذا كان لنا أن نقيس على بعض تعابير الرسول ﵊، يمكننا أن نقول: لا إيمان له، لكن ليس لنا مثل هذا القياس، ولنقس عليه قول الرسول ﵊: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) ، وفي هذا الحديث نفى الرسول ﵊ الإيمان عمن لا أمانة له، الذي لا يؤدي الأمانات إلى أهلها، وهو يعني: الإيمان الكامل الذي إذا تحقق به صاحبه كان ذلك بشيراً له أنه من أهل الجنة، أما إن نقص عن ذلك فهو يستحق دخول النار، أما هل يدخلها أو لا؟ فهذا أمره إلى الله وحسابه عند الله.
لذلك نقول: حلق اللحية معصية كبيرة، فهي وإن لم تكن شرطاً من شروط صحة الصلاة؛ لأن كون الشيء شرطاً من شروط صحة الصلاة قد يتوهم بعض الناس أنه أمر كبير، مع أن العكس هو الصواب؛ فإن كون الشيء شرطاً من شروط الإيمان الكامل أخطر من أن يكون شرطاً من شروط صحة الصلاة، مثلاً: يقول الرسول ﵊: (لا يصلين أحدكم وليس على عاتقيه من ثوبه شيء) ، لو صلى الإنسان ونصف بدنه الأعلى عارٍ، هذا معروف عند جميع الناس إلا أهل العلم بالحديث أنه لا شيء عليه؛ لأنه صلى ساتر العورة، لكن الرسول ﵊ يلفت النظر إلى أن في الصلاة شيئاً آخر يليق بالصلاة، وهو أن يستر القسم الأعلى من بدنه أيضاً، كما قال: (من وجد إزاراً ورداءً فليتزرْ وليرتدِ، فإن الله أحق أن يتزين له) لكن هذا الرجل لو خرج يمشي في الطريق كاشفاً القسم الأعلى، فليس عليه بأس إطلاقاً من الناحية الإسلامية، أما أهل الأرض فإذا خرجت وأنت مكشوف القسم الأعلى وهو ليس بعورة عيرك الناس حتى النساء، مع أنك رجل أما إذا خرجن وهن مكشوفات القسم الأدنى فلا بأس، وهو من الموضة.
المهم أن الكشف خارج الصلاة لا بأس فيه، فإذا كان الحكم حكماً عاماً يتعلق بالمسلم خارج الصلاة فلا يجوز أن يكون حليقاً، فحينئذٍ هذا الحكم أخطر من أن يكون شرطاً من شروط الصلاة، يمعنى: لو كان لا يجوز للمسلم أن يمشي مكشوف القسم الأعلى، هذا أخطر وأشد في الحكم مما هو عليه الآن، لا يجوز هكذا أن يصلي، لكن يجوز أن يمشي هكذا، ولذلك يجب أن نتنبه للأمور ونضعها في مواضعها.
فحلق اللحية ليس خاصاً بالصلاة؛ بل هي معصية خارج الصلاة وداخل الصلاة، لكن الإنسان لو صلى وهو حليق فصلاته صحيحة، كما أن إيمانه صحيح، لكن إيمانه ناقص، وصلاته ناقصة بطبيعة الحال.
ولذلك فنحن نغتنمها فرصة ونذكر المبتلين بأن يحاولوا الخلاص من هذه المصيبة؛ لأنها مصيبة الدهر، والواقع لا يشعر بقباحتها إلا الذين عافاهم الله مما ابتلى به غيرهم.
إن أخطر ما يخشى على جماهير المبتلين بهذه المعصية أنه لن يبقى عندهم حتى المرتبة الأخيرة من مراتب إنكار المنكر؛ لأنه مات حسهم بأن هذه معصية، قال ﵊ كما تعلمون جميعاً: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) فإذا مات القلب ولم يعد يحس بأن هذه معصية فليس وراء ذلك ذرة من إيمان، كما جاء في حديثٍ آخر.
لذلك أرجو أن يبادر المبتلون إلى طاعة الله والرسول، والخلاص من هذه الموبقة والمعصية.
стр. 441
حكم حلق الشارب
السؤال
ما حكم حلق الشاربين في الدين؟ وهل حرمته كحرمة حلق اللحى؟
الجواب
هذا السؤال طريف؛ لأن الواقع حلق الشاربين له صورتان: كان بعض السلف من الصحابة وغيرهم، ممن ائتمروا بقوله ﵊: (وأعفوا اللحى) كانوا يحلقون شواربهم، وذلك فهمٌ منهم للطرف الأول من الحديث: (أحفوا الشارب) أو (حفوا الشارب) وفي رواية: (انهكوا) وفي أخرى: (جزوا) فهموا من هذه الأحاديث استئصال الشارب، فكانوا يستأصلون الشارب ويعفون اللحى، كما أمر الرسول ﵊.
لكن علماء آخرون لم يفهموا فهمهم الخاص للشوارب، وإنما فهموا أن المقصود بالاستئصال والحف والجز هو ما يزيد على الشفة، وليس استئصال الشارب من أصله وجذره، ولهم أدلة كثيرة على ذلك لسنا الآن في صددها، من أوضحها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث المغيرة بن شعبة: (أن رجلاً جاء إلى الرسول ﷺ وقد وفى شاربه -أي: نما وطال- حتى سد الشفة) كما هو شأن بعض الذين خرجوا عن الإسلام قديماً وحديثاً، ممن يتشبهون بـ استالين ولينين وأمثالهم، فيطيلون شواربهم: (فأخذ الرسول ﵊ سواكاً، فوضعه تحت ما طال من الشارب، وأخذ مقراضاً -سكيناً- فقرضه) فكان هذا بياناً عملياً من الرسول ﵊ لقوله: (أحفوا الشارب) بمعنى: استأصلوا ما زاد على الشفة، هذا هو الصواب في مسألة الشارب وليس الحلق.
ولكن إذا كانت النيات لها علاقة ببعض الأعمال أحياناً، فلا شك أن ثمة فرقاً كبيراً بين أولئك الذي يأتمرون بالأمرين: بإحفاء الشارب، وإعفاء اللحى، ولكنهم يخطئون في فهم معنى الإحفاء، لا شك أن هناك فرقاً كبيراً بين هؤلاء الذين يستأصلون شواربهم، وبين الشباب اليوم الذين يستأصلون الشارب مع اللحية من باب التشبه بالكفار.
ولذلك إذا كان الدافع على حلق الشارب هو التشبه فهذا لا يجوز، وإذا كان الدافع على ذلك هو الفهم الخطأ، فهو خطأ وصاحبه مأجور عليه أجراً واحداً، وهو غير آثم.
стр. 442
النهي يفيد التحريم
السؤال
أحاديث النهي هل تفيد التحريم لا الحصر مثلاً: (حفوا الشارب واعفوا اللحى) ؟
الجواب
نعم.
الأصل في الأمر يفيد التحريم، ويفيد الوجوب مخالفة التحريم، وهناك أمور كثيرة جداً اقترنت مع أمر الرسول ﵊ بإعفاء اللحى، نصبت القول فيها في كتابي: آداب الزفاف في السنة المطهرة، فمن شاء التوسع فليرجع إليه.
стр. 443
حكم الأخذ من اللحية بعد أن تبلغ القبضة
السؤال
هل يجوز للمرء أن يأخذ من لحيته قبل أن تبلغ قبضة؟ أي: هل الواجب هو مجرد الإطلاق أم القبضة؟
الجواب
الذي نختاره القبضة، والمسألة فيها نظر، والأحسن اتباع السنة على كل حال.
стр. 444
التأويل
تناول الشيخ هذا الموضوع بتوثيقه لغة واصطلاحاً، وربطه بمنهج السلف، ثم أردف أسباباً وقع بسببها أهل الانحراف في أوحال تحريف الآيات عن معناها المراد منها.
وتقريباً لأبعاد الموضوع فقد ضربت أمثلة منها: مسألة المجيء، ومسألة الكلام، ومسألة هل الله في مكان أم لا.
стр. 445
حقيقة التأويل
السؤال
نرجو أن تتفضلوا لنا بشرح وافٍ لكل ما يتعلق بموضوع التأويل، وجزاكم الله خيرا.
الجواب
التأويل له مفهومان: مفهوم لغوي، ومفهوم اصطلاحي.
المفهوم اللغوي هو مرادف لمعنى التفسير تماماً، كما جاء في كثير من الآيات: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٨٢] (تأويل) أي: تفسير ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠] أي: تفسير، وهكذا فهذا التأويل بهذا المعنى.
وللتأويل معنى اصطلاحي، وهذا الذي يجري كثيراً في أقوال العلماء، فمعنى التأويل اصطلاحاً هو: إخراج معنى النص من قرآن أو حديث عن ظاهره إلى معنى آخر يدل عليه الأسلوب العربي، كمثل: تفسير آية ما بالمجاز دون الحقيقة، فتفسير الآية في الحقيقة هو تفسير في الاصطلاح، وتفسير الآية بالتأويل بمعنى: إخراج النص عن ظاهره، هو التأويل المصطلح عليه، وهو على ما يبدو لي المراد بالسؤال.
стр. 446
التأويل بين السلف والخلف
فمثلاً الآية التي اختلف السلف والخلف في تفسيرها: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فما معنى استوى؟ معنى استوى بدون تأويل: استعلى، وهذا هو تفسير السلف، ومنهم أبو العالية، كما رواه البخاري في صحيحه.
أما الخلف فيؤولون الآية، أي: يخرجون معناها عن ظاهرها إلى معنى آخر يبدو لهم، فيقولون -مثلاً-: استوى أي: استولى، فهذا المعنى الذي فيه خروج عن ظاهر الآية هو التأويل، والأمثلة على ذلك كثيرة: فمثل قوله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] فتفسير هذه الآية (وجاء ربك) كما قال بعض السلف: تفسيرها قراءتها، أي: أمر ظاهر (جاء ربك والملك) .
أما تأويلها، بمعنى إخراج النص عن ظاهره (جاء ربك) أي: بعض آيات ربك، أو بعض ملائكة ربك، فهذا هو التأويل.
فإذاً: التأويل في الاصطلاح هو: الإتيان بمعنى للنص، سواء كان قرآناً أو سنة، لا يجري عليه ظاهر النص، وإنما يشار إليه بطريق المجاز أو الكناية أو نحو ذلك.
ومثل هذا التأويل لا يشرع عند علماء السلف، ولا يجوز المصير إليه إلا حينما تتعذر الحقيقة، أي: يتعذر ولا يمكن تفسير النص بدون تأويل؛ حينئذٍ يذهبون إلى التأويل، ومن هنا جاء الخلاف بين السلف والخلف الخلف يتوسعون كثيراً في تأويل الآيات، ويخرجونها عن دلالاتها الظاهرة لمجرد إبعادهم المعنى الظاهر من الآية، وكثيراً ما يكون الاستبعاد الذي قام في أذهانهم، سببه في الحقيقة قياسهم الغائب على الشاهد، وإذا كانت الآية التي يتأولونها تتعلق بالله وبصفاته، فهذا أبعد ما يكون عن الصواب حينما تؤول الآية تأويلاً يصرف نص الآية عن ظاهر دلالتها.
فها هنا -مثلاً- ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] ما تركوا الآية على ظاهرها كما هو واضح، وإنما قالوا: جاء بعض آيات ربك، لماذا؟ قالوا: لأن الله لا يوصف بأنه يجيء، واستلزموا من المجيء الحركة، فقالوا: الله لا يوصف بأنه يتحرك، وهذا الكلام معناه: أن هؤلاء المتأولين نظروا إلى رب العالمين نظرتهم إلى خلقه، فكما أن الإنسان يوصف بالحركة قالوا: إنه من الضروري ألا نصف الله بما يوصف به الإنسان، فالحركة للإنسان هذه صفته، فلا يجوز أن نصف الله ببعض الصفات التي هي من صفات البشر، فهذا الذي اضطرهم إلى التأويل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] كمثال ولا شك عند العاقل أنه إذا نظر إلى هذا السبب الذي حملهم إلى التأويل؛ لتبين له بأنه سبب من أضعف الأسباب، بل هو سبب باطل؛ ذلك لأن لازم هذا السبب وقصاراه ما دام أن البشر يتحرك فلا يجوز أن نصِف الله بأنه يتحرك، وما دام أن البشر يجيء فلا يجوز أن نصِف الله بأنه يجيء -وهو باطل بلا شك في الأصل- ما دام أن البشر يبصر ويرى فلا يجوز أن نصف الله بأنه يبصر ويرى ما دام أن البشر يسمع فلا يجوز أن نصف الله بأنه يسمع، بينما نصوص الكتاب والسنة متضافرة متتابعة متواترة على وصف الله بأنه يسمع ويرى، قال تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] كذلك قال ربنا ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فهل هناك ضرورة لتأويل هذه النصوص التي تثبت لله صفة السمع والبصر بمجرد اشتراك الإنسان مع الله اشتراكاً لفظياً في السمع والبصر؟ لو أنهم فعلوا ذلك لوقعوا في مثل ما وقع المعتزلة من قبلهم؛ فإن المعتزلة اشتطوا في التأويل، فأنكروا السمع والبصر أيضاً، بينما الأشاعرة -مثلاً- الذين تأولوا المجيء فنسبوا المجيء إلى غير الله، والله يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] فهؤلاء الذين تأولوا من الأشاعرة هذه الآية لم يتأولوا: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] فما أنكروا السمع والبصر، لكن المعتزلة غلوا فأنكروا السمع والبصر.
стр. 447
طريقة إنكار أهل التحريف لآيات الصفات
هل أنكروا الآيات المثبتة لهاتين الصفتين، أي: صفة السمع والبصر؟
الجواب
لا.
ولكنهم أنكروا حقائق معانيها، فقالوا: سميع، بصير، عليم، يساوي عليم شيء، وبصير شيء، وسميع شيء آخر! هذا الذي يسميه علماء السلف بالتعطيل، أي: أنهم عطلوا دلالة الآية على أن الله سميع وبصير بطريق التأويل، فقالوا: وصف الله لذاته بأنه سميع بصير كناية عن أنه عليم.
стр. 448
شبهة المؤولة والرد عليها
ما هي الضرورة التي اضطرت هؤلاء إلى تأويل هذا النص تأويلاً يؤدي إلى إنكار هاتين الصفتين؟ قالوا: لأنه إذا قلنا: إن الله سميع حقيقة، معناه: شبهناه بالبشر الذي يوصف بأنه سميع وبصير، فالله وصف آدم فقال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] هذه هي الشبهة التي إليها استند المؤولة الذين يؤولون الآيات ويخرجونها عن دلالتها الظاهرة، وهذه الشبهة تتلخص بأنهم ينظرون إلى أن الله إذا وصفناه بما وصف به نفسه فقد شبهناه بخلقه، ونحن لا يجوز لنا أن نشبهه بخلقه.
والرد عليها باختصار وبسهولة بالغة أن يقال: إن الله لما أثبت لنفسه السمع والبصر قدم بين يدي ذلك قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فالله في مطلع هذه الآية نزه نفسه أن يشابه أحداً من خلقه في شيءٍ من صفاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فبعد أن نزه ونفى أن أحداً من خلقه يشبهه ﵎ في شيء من صفاته؛ أثبت لنفسه ﵎ صفة السمع والبصر فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فطريقة الرد على هؤلاء المؤولة أن يقال لهم: إذا قلنا: إن الله سميع، نقول: ليس كمثل سمعه شيء، وإذا قلنا: بصير؛ ليس كمثل بصره شيء، كذلك حينما نقرأ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] نقول: مجيئه لا يشبه مجيء البشر؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] .
стр. 449
لازم مذهب المؤولة إنكار وجود ذات الله
وإذا اضطرد هؤلاء المؤولة في تأويل آيات الصفات؛ أدى بهم التأويل إلى إنكار وجود ذات الله، والسبب في هذا أننا نقول ببساطة لهؤلاء المؤولة: الله موجود وجوداً حقيقياً أم هو عدم؟ لا شك أنهم سيقولون: هو موجود.
فيقال لهم: الخلق الذي خلقه الله؛ كبشر، وحيوان، وشجر، وحجر، موجود أم عدم؟ فيضطرون أن يقولوا: موجود.
إذاً: هنا وجودان: وجود خالق المخلوقات كلها، ووجود المخلوقات نفسها، فهل إذا قلنا: إن المخلوقات موجودة والله موجود معنى ذلك: أننا شبهنا الله بمخلوقاته، أو شبهنا مخلوقات الله به نفسه؟
الجواب
لا؛ لأننا سنقول: الله موجود منذ الأزل؛ أول بلا بداية، وآخر بلا نهاية، والإنسان ليس كذلك.
إذاً: عندما أثبتنا لله وجوداً أثبتنا له وجوداً ينافي وجود البشر؛ كذلك إذا أثبتنا لله سمعاً، وبصراً، ومجيئاً، واستواءً، ونزولاً، ويداً إلى آخر ما هنالك من صفات كثيرة منصوص عليها في الكتاب والسنة، فإنما نثبت له صفات لا تشبه صفات المخلوقات.
باختصار: لله صفة الوجود وللمخلوق صفة الوجود، فهذا الإثبات للوجودين ليس معناه إثبات وجود مشابه لوجود، فوجود الله يليق بأزليته وبخالقيته، ووجود الإنسان يليق بضعفه وعجزه، وكونه كان عدماً فأوجده الله ﵎.
إذاً: إثبات كون أن هناك مباينة في الصفة الإلهية عن صفة المخلوقات، هذه المباينة هي التي تنفي المشابهة، وهي التي تجعلنا نؤمن بالصفات كما جاءت في الكتاب والسنة، دون تشبيه بالمخلوقات؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ودون تعطيل، أي: إنكار للصفات؛ لأن الله أثبت لنفسه الصفات منها: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
стр. 450
المعطل يعبد عدماً والمجسم يعبد صنماً
وما أحسن ما يقوله ابن القيم ﵀ في هذه المناسبة: المعطل يعبد عدماً، والمجسم يعبد صنماً.
المعطل يعبد عدماً، لماذا؟ لأن الله تعالى يقول ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] وهو يقول لك: ما جاء ينزل من السماء الدنيا في آخر كل ليلة فيقول: (ألا هل من داعٍ ... ) وهو يقول: ما ينزل استوى على العرش، وهو يقول: ما استوى على العرش له يد، وهو يقول: ليس له يد.
هذا هو الإنكار! لماذا تقول: ما استوى وما يجيء؟ يقول: لأن فيه مشابهة لمن يجيء من مخلوقاته.
وكذلك سميع بصير فيه مشابهة، إذاً: ليس سميعاً وليس بصيراً.
إذاً: هو موجود؟ إن قال: موجود، أقول: أنا أيضاً موجود، وهنا مشابهة! فالخلاص من هذا أن نقول: إن وجوده ليس كوجودنا، وبصره ليس كبصرنا وكل صفات الله ليست كصفات المخلوقات، فـ المؤولة وفي مقدمتهم المعتزلة ثم من يليهم من بعدهم الأشاعرة، يصل بهم الأمر أنهم إذا قالوا: نحن نعبد الله، فإنما يعبدون عدماً؛ لأنه: ما هي صفات هذا الإله؟ لا نعرف الله إلا بما وصف به نفسه، فإذا جئنا إلى الصفات التي يصف بها نفسه فأولناها، أي: أخرجناها عن معانيها الواضحة بحجة أنّا إذا قلنا: جاء، فالإنسان يجيء، إذا قلنا: سميع، الإنسان سميع، قال علماء السلف: هذا هو التعطيل! الله أيضاً له ذات، ولكل منا له ذات! إذاً نقول: لا ذات لله ، رجع إيمانهم بالله إلى العدم، لذلك قال ابن القيم: المعطل يعبد عدماً؛ لأنه لا يثبت لله صفة، حتى صفة السمع والبصر تأولها إلى صفة العلم، لكن هو سيضطر إلى تأويل العلم أيضاً؛ لأننا نقول: الله عالم، وكذلك فلان عالم، والله تعالى قال في القرآن الكريم: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] .
стр. 451
الاشتراك بين صفات الله وبين صفات المخلوقين اشتراك لفظي لا معنوي
إذاً: الله عالم، والإنسان عالم، نقول: إن الله ليس بعالم؛ لأنه صار هناك اشتراك -بزعمهم- بين الإنسان العالم وبين الرب العالم، وهذا على طريقتهم ليس لهم جواب إطلاقاً! أما على طريقة السلف فنقول: الله عالم علماً ليس كعلم البشر، ومن الواضح أن علم الله ذاتي، أما علم الإنسان فهو اكتسابي، أي: أن الإنسان كان جاهلاً فتعلم، أما الله -إن صح التعبير- ففي طبيعة ذاته ﵎ هو عالم، فلم يكتسب العلم بعد أن كان جاهلاً، كما هو الإنسان.
فإذاً: الاشتراك بالاسم لا يضره، أي: إذا قلنا: إن الله سميع، وقلنا: إن الإنسان سميع، فهذا ليس تشبيهاً؛ لأنه مجرد اشتراك في الاسم.
نحن نقول -مثلاً: الإنسان موجود والحيوان موجود، إذاً: إما أننا رفعنا الحيوان إلى صف الإنسان، أو أننا نزلنا الإنسان من مرتبته التي وضعه الله فيها إلى مرتبة الحيوان، لمجرد الاشتراك في الوجود، والأمر ليس كذلك.
وإنما نقول: وجود الإنسان يتناسب مع إنسانيته، ووجود الحيوان يتناسب مع حيوانيته، كذلك يقال: الجماد موجود فعلاً، فهل وجود الجماد كوجود الحيوان الصامت أو الناطق؟
الجواب
لا.
إذاً: هذا يسميه العلماء: اشتراك لفظي، فوجود الجماد والإنسان والحيوان وخالق الموجودات كلها، هذا كله اشتراك لفظي، أما الحقيقة فلا اشتراك فيها أبداً، فوجود الجماد غير وجود الحيوان حقيقة، ووجود الحيوان الأعجم الذي لا ينطق غير وجود الإنسان الناطق حقيقة، ووجود هذا الإنسان غير وجود الملائكة، ووجود الجن، ووجود هذه المخلوقات كلها غير وجود واجد الوجود .
كذلك يقال تماماً عن كل الصفات التي يأتي ذكرها في الكتاب والسنة.
فالله يجيء قطعاً؛ لأن النص صريح: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] لكن ليس ضرورياً أن نتصور نحن أنه يأتي على رجليه، أو يأتي على السيارة أو الطيارة.
إلخ مما هو من طبيعة الإنسان، هنا نقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] .
فالمذهب السلفي هو الجمع بين التنزيه وبين الإثبات، نثبت وننزه، أما مذهب المعتزلة ومن تأثر بمذهبهم من الأشاعرة وغيرهم، فهو لما ضاقت عقولهم عن أن يعقلوا أن هناك وجوداً لله حقيقياً ينافي وجود المخلوقات، فهم اضطروا أن يقولوا: لا يجيء ما استوى على العرش، ولا ينزل، وليس له يد، ولا يتكلم، وهذه مشكلة أكبر وأكبر بكثير جداً!
стр. 452
وجود الله تعالى حقيقي أزلي له صفات
كل المسلمين يشتركون على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم أن الله حقيقة، وليس معناً قائماً في الذهن، يعني: هو له وجود خارج الكون وجود حقيقي، وليس هو معنى يتخيله الإنسان فكل موجود له صفات ولا شك وإلا فهذا يكون خيالاً، فالله وجوده حقيقي وأزلي.
ما هي صفات هذا الموجود الأزلي؟ العقل قد يدرك شيئاً منها، ولكن لا يستطيع أن يستقصي الصفات كلها إلا بطريق النقل الذي هو عبارة عن الكتاب والسنة، فإذا جئنا إلى هذه النصوص التي وردت في الكتاب والسنة تصف هذا الموجود الحقيقي، وهو واجب الوجود بصفات، فكأن موقفنا تجاه تلك الصفات تأويلها وتعطيل معانيها، بقي وجود الله وجود خيالي لا حقيقي؛ لأننا قلنا: إن الوجود الحقيقي له صفاته المناسبة له، فإذا جئنا إلى كل صفة فتأولناها بغير ما يدل عليه النص؛ حينئذٍ كأننا آمنا بوجود خيالي لا حقيقة له.
فكما قلنا آنفاً وأكرر وأقول: الله وصف نفسه بصفات كثيرة، فهو يقول: يجيء، ويسمع، ويرى إلخ، فإذا قلنا: لا يسمع، لا يرى إلخ، معناها أننا ما وصفنا هذا الوجود الحقيقي الغائب عنا، وإن لم نصفه ما حكمنا بوجوده إلا حكماً ذهنياً.
стр. 453
من أمثلة التأويل: قولهم: إن القرآن حادث
وضربت لكم بعض الأمثلة السابقة، والآن أريد أن أضرب مثلاً آخر لخطورته.
أظن أن الكثيرات منكن يعلمن الخلاف بين المعتزلة وبين أهل السنة بصورة عامة في القرآن الكريم، فـ المعتزلة يقولون: إنه حادث، وأهل السنة يقولون: هو قديم أزلي لماذا؟ لأن أهل السنة يقولون: القرآن كلام الله؛ فهو صفة من صفات الله، والله أزلي بصفاته، فإذاً: صفة الكلام ليست حادثة، وإنما هي صفة أزلية لله قديمة كذاته.
والمعتزلة يقولون: كلام الله الذي هو القرآن حادث، والله ما تكلم.
كيف هذا والله تعالى يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] أثبت الله لنفسه كلاماً في هذه الآية، وفي غيرها من الآيات: قال الله كذا وكذا، وقال وتكلم كله يدل على أن لله صفة الكلام، كل هذه النصوص أنكرها المعتزلة.
стр. 454
شبهة تأويلهم لصفة الكلام والرد عليها
هل أنكروها بمعنى أنهم قالوا: ليس في القرآن: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] ؟ لا.
وإنما أنكروها بتأويلها، أي: بتعطيل معانيها، لماذا؟ قالت المعتزلة: إذا قلنا: إن الله يتكلم فالإنسان يتكلم، فشابهنا الله بالإنسان، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن نقول: إن الله يتكلم، إذاً: هذا الكلام الذي بين أيدينا ليس هو كلام الله، قالوا: هذا الكلام -تخيلوا شيئاً- سجله الله في اللوح المحفوظ، ثم نقله جبريل إلى رسول الله ﷺ فمن تكلم به إذاً؟ لا بد أن يتكلم به إما جبريل حين أنزله، أو أيضاً جبريل خيله في قلب الرسول ﵇، ورسول الله عبر عنه للصحابة، فإذاً: معنى قول المعتزلة: هذا القرآن ليس كلام الله، أي أنه تكلم به غير الله.
وحينئذٍ اشتركوا مع الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] وهم المشركون الذين كذبوا الرسول ﵇ في قوله: هذا كلام الله أوحاه إلي، فكذبوه وقالوا: لا.
هذا كلامك، فيلتقي المعتزلة المؤمنون بالله ورسوله، وبأن دين الإسلام قائم على القرآن وعلى الحديث، يلتقون بشؤم التأويل مع هؤلاء الكفار الذين نسبوا القرآن إلى أنه من قول البشر.
وكل إنسان يعلم أن الكفر يتحقق؛ سواءً قيل: هذا القرآن هو قول البشر، أو قول ملائكي، كله كفر؛ لأن الحقيقة أنه كلام الله ﵎، فما الذي أودى بـ المعتزلة إلى هذه الهوة السحيقة، فأنكروا أن يكون القرآن الكريم كلام الله، ولذلك قالوا: هو حادث؟ هو من فضائل التأويل، أي: من شؤم التأويل الذي أودى بهم إلى أن ينكروا أن يكون لله كلام أصلاً، وبالتالي أنكروا أن يكون هذا القرآن كلام الله ﵎.
إذاً: ما هو؟ هو إما قول محمد، وإما قول جبريل، وإما قول خلق من خلق الله الكثير، المهم أنهم يقولون صراحة: ليس هو كلام الله .
والسبب هو عدم انتباههم للفرق بين وجود الله وصفاته وجوداً حقيقاً ينافي وجود المخلوق وصفاته منافاةً حقيقية، لم ينتبهوا لهذا، فقالوا: مجرد ما يشترك المخلوق مع الخالق في صفة من الصفات من ذلك الكلام؛ لزم من ذلك أن يشابه الله خلقه، أو يشابه الخلق ربههم ﵎.
و
الجواب
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، الله يتكلم ولكن كلامه ليس ككلامنا، كما أن ذاته ليست كذاتنا، وكل صفاته ليست كصفاتنا.
стр. 455
دليل يثبت صفة الكلام لله تعالى
ثم إن الله ﵎ خلق في هذا العصر آية فيها رد واقعي على المعتزلة وأمثالهم، ذلك لأن المعتزلة يقولون: إذا قلنا: إن الله يتكلم فمعناه أن له شفتين، ولساناً، وأسناناً، ولثة، معناه ومعناه إلخ، هذا كله من ضيق عطنهم، وقصر تفكيرهم، فلم يتسع عقلهم أن يكون الله شيئاً حقيقياً ينافي هذه الحقائق التي خلقها الله، فخلق الله في هذا العصر من جملة ما خلق آلة صماء بكماء هي الراديو، فنحن نسمع الراديو يتكلم بكلام عربي مبين لا له شفة، ولا له أسنان، ولا له لهاةً، ولا أي شيء، هذا في الحقيقة من أكبر آيات الله في هذا العصر للرد على المؤولة -أي: المعطلة - الذين يتخيلون أنه من الضروري أن يكون الله مثلنا في صفة كلامه، لكن هو ليس مثلنا، إذاً: أنكرنا كلامه، فخلق الله الراديو يتكلم بدون أي آلة، فالأخرس -مثلاً- لماذا لا يتكلم؟ فيه نقص-وأنا لست طبيباً- في تركيبه الجسدي، فلم يستطع أن يتكلم، فالله خلق الراديو يتكلم بأوضح كلام بأي لغة من لغات الدنيا، وهو ليس له أي آلة من آلات الإنسان التي يتكلم بها عادة! فإذا كان الله خلق آلة جامدة تتكلم بدون هذه الوسائل، أليس الله بقادر على أن يتكلم بدون لسان وشفتين وأسنان؟! بلى.
إنه على ذلك قدير! فانظروا إذاً كيف أن المعتزلة ضاق عقلهم أن يتفكروا ويعلموا أن الله إذا وصف نفسه بأنه يتكلم، فليس ضرورياً أن يكون كالإنسان له أعضاء الإنسان التي يتكلم بها هذه آية من آيات الله -الراديو- كما قلنا! باختصار، هذا التأويل الذي ذهب إليه كثيرٌ من المتأخرين وقليلٌ من المتقدمين، كان سبباً لانحراف علماء كبار عن طريق السنة والصحابة، الذين كانوا يؤمنون بكل ما وصف الله به نفسه بشرط الإثبات والتنزيه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
стр. 456
إنكار المعتزلة لمسألة الاستواء وشبهتهم في ذلك
حينما أنكر المعتزلة أن الله استوى على العرش -وهذا مثال آخر وله علاقة بحياتنا الفكرية والعقائدية القائمة اليوم- حينما أنكروا أن الله على العرش، كما قال تعالى صراحة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لماذا أنكروا؟ قالوا: لأننا إذا قلنا: استوى بمعنى استعلى، معناه: وضعناه في مكان، والله منزه عن المكان.
وهذا أيضاً جاء من ضيق عقلهم وتفكيرهم، والحقيقة كما يقول -أيضاً- ابن القيم تبعاً لـ ابن تيمية: إن المعتزلة وأمثالهم حينما يتأولون النصوص يتقدم تأويلهم أنهم فهموا من النصوص التشبيه، فهموا أن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] مثلما يستوي الشيخ على كرسيه، أو السلطان على عرشه، وهو لا ينبغي أن يكون كذلك، إذاً: (استوى) ليس معناه (استعلى) .
فمعنى التأويل أنه سبق إلى ذهنهم التشبيه، وإلا لو لم يفهموا التشبيه لما كان بهم من حاجة إلى تأويل، وأنا أُفصِّل لكم هذا لضرورة المسألة: هم فهموا أن الخالق كالمخلوق من جملة أن المخلوق لو أزيل عنه الكرسي لوقع على أم رأسه، الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، فإذاً: الله حينما استوى -أي: استعلى على العرش- ليس كالإنسان، فلذلك جاء في كلام بعض العلماء في هذه النقطة بالذات شعر فقهاء فيه علم، قال:
ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال
يعني: قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦] فهو غني عن العرش أن يجلس عليه، وإنما له ﵎ صفة العلو.
стр. 457
مناظرة مع عالم من علماء الأزهر حول مسألة المكان
وكما قلت مراراً وتكراراً، وكان آخر هذا القول في موسم مضى في الحج: جاءنا رجل من علماء الأزهر، فجرى حديث طويل بيني وبينه في هذه القضية، من جملتها قلنا له: أليس الله كان ولا شيء معه؟ قال: نعم، قلنا: هذه نقطة تلاق، لا خلاف بيننا والحمد لله.
قلنا له: إذ كان الله لا شيء معه، هل كان في مكان؟ قال: لا.
قلت: وهذا هو اعتقادنا، فالله لما خلق الخلق بعد أن كان عدماً هل دخل فيه وامتزج فيه امتزاج الماء في الثلج، أو السمن والزبدة في الحليب، أم بقي مستغنياً عن خلقه؟ قال: بقي مستغنياً عن خلقه.
قلنا له: إذ بقي مستغنياً عن خلقه، هل هو لا يزال ليس في مكان كما اتفقنا آنفاً؟ قال: نعم.
ليس في مكان.
إذاً: الله ليس في مكان قبل الخلق وبعد الخلق.
ثم قلت له: المكان شيء وجودي أم عدمي؟ أي: يتخيله في الذهن أم هو له وجود حقيقي؟ قال: له وجود حقيقي، مكان يجلس فيه الإنسان يتمتع به.
إلخ.
هذه كانت الخطوة الأولى في التلاقي معه، وسلسلنا الأسئلة واتفقنا.
قلنا: فلما خلق الله الخلق، هل ظل كما كان مستغنياً عن الخلق وليس في مكان؟ قال: نعم.
قلنا: لما خلق الله الخلق -العقل الآن يحكم بشيء من شيئين، والشرع هو المرجح- فإن العقل يقول: إما أن يكون الله حينما خلق الخلق وهو فوق خلقه، وإما أن يكون خلق خلقه فوق ذاته، هل يمكن هذا؟ لم يبق إلا الأمر الأول وهو أن يكون الله فوق المخلوقات، هذه الفوقية التي يحكم بها العقل ضرورة، هي التي أخبر الله بها في كتابه وفي حديث نبيه، أما الكتاب فخذوا ما شئتم، أشهر هذه الآيات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: استعلى، ومنها آية نقرؤها ونمر عليها مر الكرام، ولا نتنتبه إلى أن الله يصف فيها شيئين: الشيء الأول: ذاته ﵎، نصفه بصفة الفوقية.
الشيء الثاني: يصف المؤمنين بأنهم يؤمنون بهذه الصفة، فيقول ﵎: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] أي: أن المؤمن حينما يخشى الله إما دائماً وأبداً، وهذه من صفات الأنبياء والرسل، وإما أحياناً، فهو يلاحظ حين يخشاه ويخافه أنه يخاف رباً على العرش استوى، فإذاً: هذه الآية من جملة الآيات التي تثبت فوقية الله على عرشه وعلى خلقه جميعاً.
قلت للشيخ: ما رأيك هل أنت تؤمن معي بهذا الكلام؟ قال: نعم.
قلت: فأين المكان الذي تتهمونا؟ المكان هو طبيعة المخلوق، فالله فوق المخلوقات، أي: حيث لا مكان ولا زمان؛ لأن الله الآن من هذه الحيثية كما كان، وسلسلنا الموضوع معه كان الله ولا شيء معه، هل كان في مكان؟ قال: لا.
فلما تسلسلنا معه في البحث وصلنا إلى نقاط تلاقينا فيها، لكن لا هو شعر أننا أثبتنا لله مكاناً، ولا أنا أيضاً شاعر بأنني أثبت لله مكاناً، فقلت له: إذاً: لماذا تتهمون السلفيين الذين يثبتون ما وصف الله به نفسه، ومنها صفة الفوقية وصفة العلو، أنهم حصروه في مكان؟ لكن الحقيقة (اعكس تصب) الذين أنكروا صفة الله هذه، وأنه فوق مخلوقاته كلها، هم الذين حصروه في مكان، والدليل على هذا الذي أقول: ألسنة الناس اليوم ما بين عالم وجاهل لا فرق في ذلك بينهم، هم الذين يقولون: الله موجود في كل مكان، معناها: إنكار ما جاء في كتاب الله وفي حديث رسول الله معناها: أن الله ليس فوق المخلوقات؛ لأنه لا يوجد فوق المخلوقات مكان كما شرحنا لكم؛ لأنه عدم، كان الله ولا شيء معه إطلاقاً، فلما خلق المخلوقات، بخلق المخلوقات وجد الزمان المكان، فهو سبحانه ما حل في هذا المكان ولا حل في هذا الزمان، فإذاً: الله مستغن عن المخلوقات بما فيه الزمان وبما فيه المكان، فالله ليس في مكان.
هذه عقيدة أهل السنة أو السلفيين بالعبارة الصريحة.
أما جماهير الناس اليوم فهم يقولون عبارتين كلتاهما تؤديان إلى ضلال معتقدها، يقولون: الله موجود في مكان، أو الله موجود في كل الوجود.
الله موجود في كل مكان: هذا مكان المطبخ مكان، وغير المطبخ أيضاً مكان، فالله في كل هذه الأمكنة؟! هذا معنى كلام الناس، الله موجود في كل مكان في الحمام في الأسواق في السينمائيات في إلخ، المكان اسم جنس يشمل كل مكان طاهر أو قذر، فلما يقول القائل: الله موجود في كل مكان، معناه: هو في كل هذه الأمكنة، الأماكن الطاهرة والقذرة، مع أنه لا يجوز لمسلم أن يقول: إن الله موجود في الأمكنة الطاهرة! لا يجوز أن يقول هذا؛ لأننا إذا قلنا: الله موجود في الأمكنة فقد حصرناه، وهو مستغن عن خلقه جميعاً، وهو فوق السماوات كلها.
стр. 458
شرح حديث الجارية في إثبات علو الله تعالى
وأخيراً نروي الحديث الآتي تأكيداً لهذه العقيدة، أي: عقيدة استواء الرب على عرشه، واستعلائه على جميع خلقه من جهة، وكدليل لإبطال التأويل الذي مصيره إنكار الحقائق الإلهية.
يروي الإمام مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁: (أنه صلى يوماً وراء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعطس رجل بجانبه فقال له: يرحمك الله) معاوية بن الحكم السلمي يقول للذي عطس بجانبه: يرحمك الله، كأنه خارج الصلاة، لا يعلم أن هذا كلام، وأنه لا يجوز للمصلي أن يتكلم، فنظر إليه من كان عن جنبيه نظرة إسكات، فما كان منه إلا أن انزعج أكثر من قبل وقال: وا ثكل أمي! ما لكم تنظرون إلي؟! لم يعرف بعد هذا المسكين لبعده عن العلم خطأه، وأنه تكلم في الصلاة، وأن الكلام مبطل، ولو كانت بكلمة: يرحمك الله أيها العاطس، فما كان من الصحابة إلا أن أخذوا ضرباً على أفخاذهم تسكيتاً له، يقول معاوية: [فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة أقبل إلي.
] تصوروا نفسية هذا الإنسان الذي شعر بعد زمن أنه مخطئ، والرسول يقبل عليه، ماذا تتصور أن يفعل الرسول معه؟! هل يريد أن يؤنبه أو أن يجهله، مثلما يعامل مشايخنا إلا قليلاً منهم؟ إذا أخطأ شخص خطيئة تافهة يتمنى من شدة التأنيب أن الأرض تبلعه، ربما تصور هذا معاوية، أي: أن الرسول ﵇ لما أتى أليه يريد أن يخطئه ويؤنبه، قال معاوية: (فلما قضى رسول الله ﷺ أقبل إلي، فوالله ما ضربني، ولا قهرني، ولا شتمني، وإنما قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تسبيح وتكبير وتحميد) لما رأى معاوية رسول الله ﷺ بهذا الخلق اللطيف الناعم، كأنه عاد إلى نفسه يحاسبها أنه جاهل، فلا بد أن يتعلم، لذلك أخذ يلقي على النبي ﷺ السؤال بعد السؤال، فقال: (يا رسول الله! إن منا أقواماً يأتون الكهان -أي: المنجمين والعرافين- قال: فلا تأتوهم، قال: يا رسول الله! إن منا أقواماً يتطيرون -يتشاءمون- قال: فلا يصدنكم) أي: إذا تشاءم فلا يتجاوب معها، بل يتم مشيه في سبيله، وهذه كلمات سريعة وتحتاج إلى شرح، وربما في مناسبة أخرى نشرحها (قال: يا رسول الله! إن منا أقواماً يخطون -الضرب في الرمل - قال ﵊: قد كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطُه خطَه فذاك -وهذه الجملة أيضاً تحتاج إلى شرح فيما بعد- قال: يا رسول الله! -وهنا الشاهد- إن عندي جارية ترعى لي غنماً في أحد، فسطا الذئب يوماً على غنمي، فلما أخبرتني وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة -هو نادم على ما فعل- يقول: وعلي عتق رقبة) -كأنه يسأل الرسول: هل يجزيني أن أعتق هذه الجارية كفارة الظلم لها، بسبب ثورتي عليها وضربي لها تلك اللطمة؟ قال ﵇: (ائت بها، فلما جاءت سألها الرسول ﵇، أين الله؟ قالت: في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة) .
هذا حديث في صحيح مسلم، فاعتبروا يا أولي الأبصار! ومع كونه في صحيح مسلم فكثير من المشايخ اليوم ينكرون صحة هذا الحديث من حيث الإسناد، وإسناده من أصح الأسانيد، وبعضهم لا يستطيعون أن ينكروا؛ لأن السند صحيح، فماذا يقولون؟ يقولون: الرسول راعى ثقافة الجارية؛ لأنها بدوية، أي: سايرها في مفاهيمها؛ هي تعني أن الله في السماء أي: الأصنام الموجودة في الأرض ليست هي التي خلقت المخلوقات، إنما غير الأصنام -أي الله- يقولون: إن الرسول ﵇ لما قالت: في السماء، لا تعني فوق، وإنما تعني مجرد إثبات أن لهذا الكون خالقاً، وليست الأصنام التي تعبدها أهل الجاهلية.
نقول لهم: أولاً: رسول الله لا يقر على باطل، ولو كانت جارية، ولو كانت بدوية! واجب الرسول ﵇ أن يعلم المتعلم أم يعلم الجاهل؟ فإذا افترضتم أن هذه الجارية جاهلة، وتتكلم بالباطل -في ظنكم أنتم الذين لا تثبتون أن الله في السماء- فعندما ينظرون هذا الجواب من الجارية، يقولون: الجارية مخطئة في هذا.
كيف أقرها الرسول؟ قالوا: أقرها لأنها عنت معنىً مطلقاً مجرداً عن إثبات أن الله له صفة العلو، فنقول لهم: الجارية في الحقيقة يبدو لي من وراء هذه القرون الطويلة أنها أفقه من هؤلاء العلماء لسببين اثنين: لأنها أولاً: أثبتت ما أثبت الله في كتابه حيث قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦-١٧] فإذاً: الجارية مثقفة بثقافة القرآن، فهي أثبتت وشهدت بما شهد به القرآن، فكيف تقولون إنها كانت مخطئة في قولها: الله في السماء؟ ثانياً: هل تعتقدون أن الرسول ﵇ يقر الباطل؟ سيقولون: لا.
فكيف أقر هذه الجارية على هذا القول الذي تنكرونه؟ الجارية تقول: إن الله في السماء، وأنتم تقولون: الله ليس في السماء، فكيف وقف الرسول ﵇ تجاه هذه الجارية موقف المقر للباطل الذي أنتم تعتقدون أنه باطل، أهذا هو إيمانكم برسول الله ﷺ الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [لنجم:٣-٤] ؟ هذا الحديث في صحيح مسلم، لكن الناس اليوم الذين ينكرون علو الله فوق خلقه ما بين منكر له مع صحته، وما بين مقر بأن الجارية مخطئة والرسول سايرها في كلامها؛ لأنها قصدت فقط إثبات أن الله هو الخالق.
هذا من شؤم التأويل! الحقيقة أن الذي يدرس موضوع التأويل يجد له أخطاراً لا تكاد تنتهي؛ من إنكار آيات، ومن إنكار أحاديث صحيحة، فإن كان النص آية فبالتأويل، وإن كان النص حديثاً إما بطريقة الإنكار كما هو الشأن في هذا الحديث، أو بطريق التأويل كما يفعل البعض.
стр. 459
معنى قوله ﷺ : (قد كان نبي من الأنبياء يخط)
السؤال
ما معنى: (قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه فذاك) ؟
الجواب
هذا السؤال قد ألمحت إلى معناه آنفاً، يقول الرسول ﵇ في الحديث السابق: نبي من الأنبياء كان الله قد أنعم عليه بنعمة الضرب بالرمل، يتخذ بذلك وسيلة للاطلاع على بعض المغيبات، والاطلاع على المغيبات هو من خصوص الأنبياء والرسل، لكن لما علم ذاك النبي ضرب الخط كان ينبئه عن بعض المغيبات بواسطة الرمل، بينما الأنبياء الآخرون ينبئهم فوراً بواسطة جبريل ﵇، بمعنى أن الخط على الرمل علم خص الله به بعض أنبيائه معجزة له، يقول الرسول ﵇ من باب التعليق بالمحال: فمن وافق خطه اليوم خط ذلك النبي فهو مصيب، ومن لا فليس بمصيب وإنما يتعاطى الدجل؛ لأن هذا العلم لم يبق إليه سبيل ولا طريق؛ لأنه خاص بذاك النبي، وهذا يسميه العلماء: التعليق بالمحال، وفي هذا الجواب بهذا الأسلوب نكتة، فهو بدل أن يقول: الضرب بالرمل باطل، يعطيك فائدة أن الضرب بالرمل كان علم نبي من الأنبياء السابقين، فإذاً إذا كان باستطاعتك أن يطابق علمك كعلم ذلك النبي فأنت الموفق.
(ماذا سيكون الجواب؟ هل يمكن يصادف ضرب رمل إنسان غير موحى إليه ضرب ذلك النبي الموحى إليه؟.
هذا اسمه: تعليق المحال، فإذاً المقصود به: التعجيز، فإن كنت تستطيع أن تعيد الأيام التي فاتت الصلاة فيها فاقض، هو يعرف أنه لا يستطيع أن يعيد الأيام، فإذاً: سيعلم إذا قضاها، كذلك إذا كان هنا إنسان باستطاعته أن يوافق خطه خط ذلك النبي فهو المصيب الموفق، وهو يعلم أن ذاك النبي مضى وانقضى وذهب بمعجزته، فكل الأنبياء الذين ذهبوا ذهبوا بمعجزاتهم.
فإذاً: خلاصة معنى (فمن وافق خطه خطه فذاك) هذا تعليق المستحيل، فلا يمكن أن يوافق خط رمالي اليوم -المنجمين- خط ذلك النبي.
إذاً: الضرب بالرمل أمر غير مشروع؛ لأنه تعليق المحال، كتعليق قضاء الصلاة بإعادة الأيام.
وأخيراً: أسأل الله ﵎ أن يفقهنا في ديننا، وأن يلهمنا أن نسلك منهج السلف الصالح في فهم الشريعة، ويحفظنا ويصوننا عن أن ننحرف يميناً أو يساراً، كما وقع في ذلك كثير من الطوائف المنتمية إلى الإسلام.
стр. 460
حقيقة الدعوة السلفية
إن الدعوة السلفية على مر العصور قديماً وحديثاً بمبدئها الصافي وهو الكتاب والسنة ستظل علماً شامخاً ومناراً هادياً لكل من أحب الحق، ولعل سبب عدول الخلف عن كثير مما كان عليه السلف هو اتباعهم لغير ما هم عليه واتجاههم إلى من أصابه الزيغ وعمى البصيرة.
والدعوة السلفية ترتكز على نقاط كلها تدعو إلى تسوية الصف الإسلامي ولم شمله تحت راية واحدة، بل وزجر كل مستورد لأي فكر يقدح في الدعوة السلفية أو يشرك في التشريع السماوي شريكاً من الهوى.
следующие страницы →