← Джавами‘

Джавами‘ · id 7682

دروس للشيخ الألباني

ناصر الدين الألباني

Полный текст (552 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

إنكار المعتزلة لمسألة الاستواء وشبهتهم في ذلك حينما أنكر المعتزلة أن الله استوى على العرش -وهذا مثال آخر وله علاقة بحياتنا الفكرية والعقائدية القائمة اليوم- حينما أنكروا أن الله على العرش، كما قال تعالى صراحة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لماذا أنكروا؟ قالوا: لأننا إذا قلنا: استوى بمعنى استعلى، معناه: وضعناه في مكان، والله منزه عن المكان. وهذا أيضاً جاء من ضيق عقلهم وتفكيرهم، والحقيقة كما يقول -أيضاً- ابن القيم تبعاً لـ ابن تيمية: إن المعتزلة وأمثالهم حينما يتأولون النصوص يتقدم تأويلهم أنهم فهموا من النصوص التشبيه، فهموا أن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] مثلما يستوي الشيخ على كرسيه، أو السلطان على عرشه، وهو لا ينبغي أن يكون كذلك، إذاً: (استوى) ليس معناه (استعلى) . فمعنى التأويل أنه سبق إلى ذهنهم التشبيه، وإلا لو لم يفهموا التشبيه لما كان بهم من حاجة إلى تأويل، وأنا أُفصِّل لكم هذا لضرورة المسألة: هم فهموا أن الخالق كالمخلوق من جملة أن المخلوق لو أزيل عنه الكرسي لوقع على أم رأسه، الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، فإذاً: الله حينما استوى -أي: استعلى على العرش- ليس كالإنسان، فلذلك جاء في كلام بعض العلماء في هذه النقطة بالذات شعر فقهاء فيه علم، قال: ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال يعني: قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦] فهو غني عن العرش أن يجلس عليه، وإنما له ﵎ صفة العلو.

стр. 457

مناظرة مع عالم من علماء الأزهر حول مسألة المكان وكما قلت مراراً وتكراراً، وكان آخر هذا القول في موسم مضى في الحج: جاءنا رجل من علماء الأزهر، فجرى حديث طويل بيني وبينه في هذه القضية، من جملتها قلنا له: أليس الله كان ولا شيء معه؟ قال: نعم، قلنا: هذه نقطة تلاق، لا خلاف بيننا والحمد لله. قلنا له: إذ كان الله لا شيء معه، هل كان في مكان؟ قال: لا. قلت: وهذا هو اعتقادنا، فالله لما خلق الخلق بعد أن كان عدماً هل دخل فيه وامتزج فيه امتزاج الماء في الثلج، أو السمن والزبدة في الحليب، أم بقي مستغنياً عن خلقه؟ قال: بقي مستغنياً عن خلقه. قلنا له: إذ بقي مستغنياً عن خلقه، هل هو لا يزال ليس في مكان كما اتفقنا آنفاً؟ قال: نعم. ليس في مكان. إذاً: الله ليس في مكان قبل الخلق وبعد الخلق. ثم قلت له: المكان شيء وجودي أم عدمي؟ أي: يتخيله في الذهن أم هو له وجود حقيقي؟ قال: له وجود حقيقي، مكان يجلس فيه الإنسان يتمتع به. إلخ. هذه كانت الخطوة الأولى في التلاقي معه، وسلسلنا الأسئلة واتفقنا. قلنا: فلما خلق الله الخلق، هل ظل كما كان مستغنياً عن الخلق وليس في مكان؟ قال: نعم. قلنا: لما خلق الله الخلق -العقل الآن يحكم بشيء من شيئين، والشرع هو المرجح- فإن العقل يقول: إما أن يكون الله حينما خلق الخلق وهو فوق خلقه، وإما أن يكون خلق خلقه فوق ذاته، هل يمكن هذا؟ لم يبق إلا الأمر الأول وهو أن يكون الله فوق المخلوقات، هذه الفوقية التي يحكم بها العقل ضرورة، هي التي أخبر الله بها في كتابه وفي حديث نبيه، أما الكتاب فخذوا ما شئتم، أشهر هذه الآيات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: استعلى، ومنها آية نقرؤها ونمر عليها مر الكرام، ولا نتنتبه إلى أن الله يصف فيها شيئين: الشيء الأول: ذاته ﵎، نصفه بصفة الفوقية. الشيء الثاني: يصف المؤمنين بأنهم يؤمنون بهذه الصفة، فيقول ﵎: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] أي: أن المؤمن حينما يخشى الله إما دائماً وأبداً، وهذه من صفات الأنبياء والرسل، وإما أحياناً، فهو يلاحظ حين يخشاه ويخافه أنه يخاف رباً على العرش استوى، فإذاً: هذه الآية من جملة الآيات التي تثبت فوقية الله على عرشه وعلى خلقه جميعاً. قلت للشيخ: ما رأيك هل أنت تؤمن معي بهذا الكلام؟ قال: نعم. قلت: فأين المكان الذي تتهمونا؟ المكان هو طبيعة المخلوق، فالله فوق المخلوقات، أي: حيث لا مكان ولا زمان؛ لأن الله الآن من هذه الحيثية كما كان، وسلسلنا الموضوع معه كان الله ولا شيء معه، هل كان في مكان؟ قال: لا. فلما تسلسلنا معه في البحث وصلنا إلى نقاط تلاقينا فيها، لكن لا هو شعر أننا أثبتنا لله مكاناً، ولا أنا أيضاً شاعر بأنني أثبت لله مكاناً، فقلت له: إذاً: لماذا تتهمون السلفيين الذين يثبتون ما وصف الله به نفسه، ومنها صفة الفوقية وصفة العلو، أنهم حصروه في مكان؟ لكن الحقيقة (اعكس تصب) الذين أنكروا صفة الله هذه، وأنه فوق مخلوقاته كلها، هم الذين حصروه في مكان، والدليل على هذا الذي أقول: ألسنة الناس اليوم ما بين عالم وجاهل لا فرق في ذلك بينهم، هم الذين يقولون: الله موجود في كل مكان، معناها: إنكار ما جاء في كتاب الله وفي حديث رسول الله معناها: أن الله ليس فوق المخلوقات؛ لأنه لا يوجد فوق المخلوقات مكان كما شرحنا لكم؛ لأنه عدم، كان الله ولا شيء معه إطلاقاً، فلما خلق المخلوقات، بخلق المخلوقات وجد الزمان المكان، فهو سبحانه ما حل في هذا المكان ولا حل في هذا الزمان، فإذاً: الله مستغن عن المخلوقات بما فيه الزمان وبما فيه المكان، فالله ليس في مكان. هذه عقيدة أهل السنة أو السلفيين بالعبارة الصريحة. أما جماهير الناس اليوم فهم يقولون عبارتين كلتاهما تؤديان إلى ضلال معتقدها، يقولون: الله موجود في مكان، أو الله موجود في كل الوجود. الله موجود في كل مكان: هذا مكان المطبخ مكان، وغير المطبخ أيضاً مكان، فالله في كل هذه الأمكنة؟! هذا معنى كلام الناس، الله موجود في كل مكان في الحمام في الأسواق في السينمائيات في إلخ، المكان اسم جنس يشمل كل مكان طاهر أو قذر، فلما يقول القائل: الله موجود في كل مكان، معناه: هو في كل هذه الأمكنة، الأماكن الطاهرة والقذرة، مع أنه لا يجوز لمسلم أن يقول: إن الله موجود في الأمكنة الطاهرة! لا يجوز أن يقول هذا؛ لأننا إذا قلنا: الله موجود في الأمكنة فقد حصرناه، وهو مستغن عن خلقه جميعاً، وهو فوق السماوات كلها.

стр. 458

شرح حديث الجارية في إثبات علو الله تعالى وأخيراً نروي الحديث الآتي تأكيداً لهذه العقيدة، أي: عقيدة استواء الرب على عرشه، واستعلائه على جميع خلقه من جهة، وكدليل لإبطال التأويل الذي مصيره إنكار الحقائق الإلهية. يروي الإمام مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁: (أنه صلى يوماً وراء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعطس رجل بجانبه فقال له: يرحمك الله) معاوية بن الحكم السلمي يقول للذي عطس بجانبه: يرحمك الله، كأنه خارج الصلاة، لا يعلم أن هذا كلام، وأنه لا يجوز للمصلي أن يتكلم، فنظر إليه من كان عن جنبيه نظرة إسكات، فما كان منه إلا أن انزعج أكثر من قبل وقال: وا ثكل أمي! ما لكم تنظرون إلي؟! لم يعرف بعد هذا المسكين لبعده عن العلم خطأه، وأنه تكلم في الصلاة، وأن الكلام مبطل، ولو كانت بكلمة: يرحمك الله أيها العاطس، فما كان من الصحابة إلا أن أخذوا ضرباً على أفخاذهم تسكيتاً له، يقول معاوية: [فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة أقبل إلي. ] تصوروا نفسية هذا الإنسان الذي شعر بعد زمن أنه مخطئ، والرسول يقبل عليه، ماذا تتصور أن يفعل الرسول معه؟! هل يريد أن يؤنبه أو أن يجهله، مثلما يعامل مشايخنا إلا قليلاً منهم؟ إذا أخطأ شخص خطيئة تافهة يتمنى من شدة التأنيب أن الأرض تبلعه، ربما تصور هذا معاوية، أي: أن الرسول ﵇ لما أتى أليه يريد أن يخطئه ويؤنبه، قال معاوية: (فلما قضى رسول الله ﷺ أقبل إلي، فوالله ما ضربني، ولا قهرني، ولا شتمني، وإنما قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تسبيح وتكبير وتحميد) لما رأى معاوية رسول الله ﷺ بهذا الخلق اللطيف الناعم، كأنه عاد إلى نفسه يحاسبها أنه جاهل، فلا بد أن يتعلم، لذلك أخذ يلقي على النبي ﷺ السؤال بعد السؤال، فقال: (يا رسول الله! إن منا أقواماً يأتون الكهان -أي: المنجمين والعرافين- قال: فلا تأتوهم، قال: يا رسول الله! إن منا أقواماً يتطيرون -يتشاءمون- قال: فلا يصدنكم) أي: إذا تشاءم فلا يتجاوب معها، بل يتم مشيه في سبيله، وهذه كلمات سريعة وتحتاج إلى شرح، وربما في مناسبة أخرى نشرحها (قال: يا رسول الله! إن منا أقواماً يخطون -الضرب في الرمل - قال ﵊: قد كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطُه خطَه فذاك -وهذه الجملة أيضاً تحتاج إلى شرح فيما بعد- قال: يا رسول الله! -وهنا الشاهد- إن عندي جارية ترعى لي غنماً في أحد، فسطا الذئب يوماً على غنمي، فلما أخبرتني وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة -هو نادم على ما فعل- يقول: وعلي عتق رقبة) -كأنه يسأل الرسول: هل يجزيني أن أعتق هذه الجارية كفارة الظلم لها، بسبب ثورتي عليها وضربي لها تلك اللطمة؟ قال ﵇: (ائت بها، فلما جاءت سألها الرسول ﵇، أين الله؟ قالت: في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة) . هذا حديث في صحيح مسلم، فاعتبروا يا أولي الأبصار! ومع كونه في صحيح مسلم فكثير من المشايخ اليوم ينكرون صحة هذا الحديث من حيث الإسناد، وإسناده من أصح الأسانيد، وبعضهم لا يستطيعون أن ينكروا؛ لأن السند صحيح، فماذا يقولون؟ يقولون: الرسول راعى ثقافة الجارية؛ لأنها بدوية، أي: سايرها في مفاهيمها؛ هي تعني أن الله في السماء أي: الأصنام الموجودة في الأرض ليست هي التي خلقت المخلوقات، إنما غير الأصنام -أي الله- يقولون: إن الرسول ﵇ لما قالت: في السماء، لا تعني فوق، وإنما تعني مجرد إثبات أن لهذا الكون خالقاً، وليست الأصنام التي تعبدها أهل الجاهلية. نقول لهم: أولاً: رسول الله لا يقر على باطل، ولو كانت جارية، ولو كانت بدوية! واجب الرسول ﵇ أن يعلم المتعلم أم يعلم الجاهل؟ فإذا افترضتم أن هذه الجارية جاهلة، وتتكلم بالباطل -في ظنكم أنتم الذين لا تثبتون أن الله في السماء- فعندما ينظرون هذا الجواب من الجارية، يقولون: الجارية مخطئة في هذا. كيف أقرها الرسول؟ قالوا: أقرها لأنها عنت معنىً مطلقاً مجرداً عن إثبات أن الله له صفة العلو، فنقول لهم: الجارية في الحقيقة يبدو لي من وراء هذه القرون الطويلة أنها أفقه من هؤلاء العلماء لسببين اثنين: لأنها أولاً: أثبتت ما أثبت الله في كتابه حيث قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦-١٧] فإذاً: الجارية مثقفة بثقافة القرآن، فهي أثبتت وشهدت بما شهد به القرآن، فكيف تقولون إنها كانت مخطئة في قولها: الله في السماء؟ ثانياً: هل تعتقدون أن الرسول ﵇ يقر الباطل؟ سيقولون: لا. فكيف أقر هذه الجارية على هذا القول الذي تنكرونه؟ الجارية تقول: إن الله في السماء، وأنتم تقولون: الله ليس في السماء، فكيف وقف الرسول ﵇ تجاه هذه الجارية موقف المقر للباطل الذي أنتم تعتقدون أنه باطل، أهذا هو إيمانكم برسول الله ﷺ الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [لنجم:٣-٤] ؟ هذا الحديث في صحيح مسلم، لكن الناس اليوم الذين ينكرون علو الله فوق خلقه ما بين منكر له مع صحته، وما بين مقر بأن الجارية مخطئة والرسول سايرها في كلامها؛ لأنها قصدت فقط إثبات أن الله هو الخالق. هذا من شؤم التأويل! الحقيقة أن الذي يدرس موضوع التأويل يجد له أخطاراً لا تكاد تنتهي؛ من إنكار آيات، ومن إنكار أحاديث صحيحة، فإن كان النص آية فبالتأويل، وإن كان النص حديثاً إما بطريقة الإنكار كما هو الشأن في هذا الحديث، أو بطريق التأويل كما يفعل البعض.

стр. 459

معنى قوله ﷺ : (قد كان نبي من الأنبياء يخط) السؤال ما معنى: (قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه فذاك) ؟ الجواب هذا السؤال قد ألمحت إلى معناه آنفاً، يقول الرسول ﵇ في الحديث السابق: نبي من الأنبياء كان الله قد أنعم عليه بنعمة الضرب بالرمل، يتخذ بذلك وسيلة للاطلاع على بعض المغيبات، والاطلاع على المغيبات هو من خصوص الأنبياء والرسل، لكن لما علم ذاك النبي ضرب الخط كان ينبئه عن بعض المغيبات بواسطة الرمل، بينما الأنبياء الآخرون ينبئهم فوراً بواسطة جبريل ﵇، بمعنى أن الخط على الرمل علم خص الله به بعض أنبيائه معجزة له، يقول الرسول ﵇ من باب التعليق بالمحال: فمن وافق خطه اليوم خط ذلك النبي فهو مصيب، ومن لا فليس بمصيب وإنما يتعاطى الدجل؛ لأن هذا العلم لم يبق إليه سبيل ولا طريق؛ لأنه خاص بذاك النبي، وهذا يسميه العلماء: التعليق بالمحال، وفي هذا الجواب بهذا الأسلوب نكتة، فهو بدل أن يقول: الضرب بالرمل باطل، يعطيك فائدة أن الضرب بالرمل كان علم نبي من الأنبياء السابقين، فإذاً إذا كان باستطاعتك أن يطابق علمك كعلم ذلك النبي فأنت الموفق. (ماذا سيكون الجواب؟ هل يمكن يصادف ضرب رمل إنسان غير موحى إليه ضرب ذلك النبي الموحى إليه؟. هذا اسمه: تعليق المحال، فإذاً المقصود به: التعجيز، فإن كنت تستطيع أن تعيد الأيام التي فاتت الصلاة فيها فاقض، هو يعرف أنه لا يستطيع أن يعيد الأيام، فإذاً: سيعلم إذا قضاها، كذلك إذا كان هنا إنسان باستطاعته أن يوافق خطه خط ذلك النبي فهو المصيب الموفق، وهو يعلم أن ذاك النبي مضى وانقضى وذهب بمعجزته، فكل الأنبياء الذين ذهبوا ذهبوا بمعجزاتهم. فإذاً: خلاصة معنى (فمن وافق خطه خطه فذاك) هذا تعليق المستحيل، فلا يمكن أن يوافق خط رمالي اليوم -المنجمين- خط ذلك النبي. إذاً: الضرب بالرمل أمر غير مشروع؛ لأنه تعليق المحال، كتعليق قضاء الصلاة بإعادة الأيام. وأخيراً: أسأل الله ﵎ أن يفقهنا في ديننا، وأن يلهمنا أن نسلك منهج السلف الصالح في فهم الشريعة، ويحفظنا ويصوننا عن أن ننحرف يميناً أو يساراً، كما وقع في ذلك كثير من الطوائف المنتمية إلى الإسلام.

стр. 460

حقيقة الدعوة السلفية إن الدعوة السلفية على مر العصور قديماً وحديثاً بمبدئها الصافي وهو الكتاب والسنة ستظل علماً شامخاً ومناراً هادياً لكل من أحب الحق، ولعل سبب عدول الخلف عن كثير مما كان عليه السلف هو اتباعهم لغير ما هم عليه واتجاههم إلى من أصابه الزيغ وعمى البصيرة. والدعوة السلفية ترتكز على نقاط كلها تدعو إلى تسوية الصف الإسلامي ولم شمله تحت راية واحدة، بل وزجر كل مستورد لأي فكر يقدح في الدعوة السلفية أو يشرك في التشريع السماوي شريكاً من الهوى.

стр. 461

مخالفة الخلف لمنهج السلف كلمة للشيخ عيد عباسي: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. الموضوع الذي سأتحدث فيه هو عن الدعوة السلفية، ما هي حقيقتها؟ وما هو المراد بها؟ ولمحة عن تاريخها، ثم موقفها من الدعوات الأخرى بشكل إجمالي. الدعوة السلفية: نسبة إلى السلف، وفي اللغة: هم القوم المتقدمون. ويراد بهم في الاصطلاح: أنهم القرون الثلاثة الخيرة التي جاء الثناء عليها عن رسول الله ﷺ في قوله: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي من بعد ذلك أناس يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويكون فيهم الكذب) فهؤلاء بشهادة رسول الله ﷺ -أي: لهذه القرون الثلاثة- أنهم خير القرون، ولا شك أن هديهم وطريقتهم وسنتهم هي خير الهدي وخير السنن وخير الطرائق. ويقابل السلف الخلف، وهم: الذين جاءوا بعد هذه القرون الثلاثة، ونحن نعلم أنه قد اختلفت طريقة السلف عن الخلف في كثير من الأمور، فقد ظهرت بعد القرن الثالث أمور لم تكن، وكان ذلك بسبب اختلاط المسلمين بغيرهم، ودخول الثقافات الأجنبية على الأمة الإسلامية، فقد دخلت ثقافات النصارى الذين أسلموا، وكذلك اليهود، واليونان، والهنود بعد الفتوحات الإسلامية الهائلة، وهذه الثقافات أثرت مع الأسف، وخاصة في الذين لم يتمكن الإسلام في قلوبهم، فقد انبهروا بها، وحين اطلعوا عليها -وهي شيء جديد عليهم- وثقوا بها، وانبهروا، فأخذوا يعتنون بها، وأخذ بعض الأمراء والحكام من الذين لم يفقهوا حقيقة الإسلام ولم يهتموا بالأمر وخطورته، أخذوا يعطونهم الجوائز الكبيرة من أجل ترجمة كتب هذه الأمم الأجنبية إلى المسلمين.

стр. 462

الأدلة النقلية على تحريم مخالفة هدي الكتاب والسنة نحن نعلم أن الرسول ﷺ قد نبه إلى خطورة ذلك وحذر منه، ويكفينا في الدلالة على ذلك حديث عمر ﵁ حينما كتب صحائف من التوراة فرآها ﵊ فسأله عنها، فقال: إنه كان له صديق يهودي، وإنه نسخ منه بعض الصحائف من التوراة، فغضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً، وقال: (أمتهوكون أنتم؟! كما تهوكت اليهود والنصارى! والذي نفسي بيده! لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا أن يتبعني) فهو ﵊ يعلن أنه لا هدي إلا الهدي الذي جاء به عن ربه، ولا يجوز لأحد أن يكون متبعاً وأن يكون إماماً وقدوة ومرضياً للاتباع ومأخوذاً عنه الهدي إلا رسول الله ﷺ . وهذا يشير إلى أنه لا يجوز للمسلمين أن يأخذوا دينهم، ولا هدايتهم، ولا إرشادهم، ولا أخلاقهم، ولا كل شيء من الأشكال والتصورات والقيم والسلوك عن أي أمة أخرى، وما السبب في ذلك؟ السبب أن الله أرسل إليهم الهدى كاملاً، واختصهم بالفضل عاماً شاملاً، فليسوا بحاجة إلى هدي آخر، وليسوا بحاجة إلى إرشاد قوم آخرين، فقد أخبرهم الله بأنه أكمل لهم الدين، وأتم عليهم النعمة، ورضي لهم الإسلام ديناً: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فالذي يلجأ إلى غير طريق الوحي الذي جاء به محمد ﵌ فإنما يعتقد بطريق المفهوم أن هدي رسول الله ﷺ غير كافٍ، وأن هناك هدياً آخر وخيراً آخر يمكن أن يستمده لدى الأمم الأخرى، وهذا مؤداه الكفر، وأن كثيراً لا يفقهونه ولا يفهمونه. فهذا النص وحده كافٍ في التحذير من اللجوء إلى طرائق الأمم الأخرى وهديها في أفكارها وعقائدها وأخلاقها وقيمها.

стр. 463

جواز أخذ العلوم الدنيوية من غير المسلمين وبالطبع! فإن هذا لا يدخل في الأمور الدنيوية، حتى لا يقول قائل: إن الإسلام حجر على العقول، وضيق على الأفكار؛ لأن العلوم المختلفة هي عامة شاملة لدى الأمم الأخرى، ولا يمكن أن نهمل أو نطرح ما يأتي به الأجانب وغير المسلمين من تقدم علمي، أو تفوق حضاري في بعض العصور. هذا صحيح، فإن العلم الدنيوي غير خاص بالمسلمين، والعقل الإنساني يعمل، والأمم الأخرى تعمل وتنهض، والحضارة والتقدم العلمي الدنيوي كما يقال: متداول بين الأمم، فيومٌ يكون الحكم لهذه الأمة ويوم لتلك، وهي جميعاً تسير وتعمل وتبني هذه الحضارة المادية، في ناحية العلم لم يحرج علينا ربنا أن نأخذ عنهم العلم الدنيوي المحض الصناعي، الذي يفيد، مثلاً: علم الزراعة، وعلم الكيمياء، وعلم الفيزياء، والفلك ولكن بشريطة ألا يخالف شيء من هذه العلوم ومن هذه المبتكرات ما جاءنا به الإسلام الحنيف. لأن هناك من مبتكرات العلم ومن نظرياته أموراً قد نجدها تخالف الإسلام فلا يجوز أن نقبلها؛ لأن الإسلام حق لا يتطرق إليه الريب والشك، أما هذه العلوم فهي من فعل بشر، وهي من صفات أناس يحتملون الخطأ والصواب، ولا يخلون من أغراض ومن أهواء، فلذلك إذا اصطدم النص الشرعي الواضح الصريح القطعي بنظرية علمية، أو أفكار خبيثة فيجب أن تكون ثقتنا بما جاء عن الله ورسوله لا غير، فيجب أن نقدمهم على هذه الأمور التي تأتينا من آخرين. أقول: لا حرج من قبول هذه العلوم بهذا الشكل، وعمدتنا في ذلك قول النبي ﷺ في الحديث المشهور الذي هو حديث تأبير النخل، وخلاصته (أن النبي ﷺ لما جاء المدينة وجد أهل المدينة يؤبرون النخل فسألهم عما يفعلون، فقالوا: شيء اعتدنا عليه، فقال: لو لم تفعلوا لكان خيراً، فتركوه، فنقصت ثمرته، فأخبروا النبي ﷺ بذلك فيما بعد فقال: إذا حدثتكم عن أمر من أمور دينكم فخذوا به، وإذا حدثتكم عن أمر من أمور دنياكم فأنتم أعلم بأمور دنياكم) أو كما قال ﵊. إذاً: هناك أمران من الأمور: أمور دينية تتضمن العقائد، والأخلاق، والأفكار، والتصورات، والقيم، والثقافة، والأدب، فهذه يجب ألا نقبلها إلا عن طريق كتابنا، ولا نأخذها إلا من طريق الوحي الصادق الصحيح الذي جاء به ﵊. وهناك أمور دنيوية بحتة واجتماعية وعلمية، فيجوز أن نأخذها منهم، بل يجب، لكن بالشرط السابق ألا نأخذ ما يخالف ما جاءنا به الوحي الصادق وعن طريق خاتم النبيين ﵊.

стр. 464

تاريخ الدعوة السلفية نرجع إلى هذه الدعوة السلفية، فنقول: قد يقول البعض: إنها دعوة طارئة وجديدة، وإن أقدم من تنتسب إليه هو شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم ابن عبد الوهاب في العصر الحالي، وهذه فكرة خاطئة، بل هي باطلة، وإنما الدعوة السلفية هي دعوة الإسلام الصحيح نفسه، دعوة الكتاب والسنة التي جاء بها محمد ﷺ ، وكانت خاتمة الدعوات، وآخر الشرائع، وآخر الأجيال، وإنما لم يكن يطلق عليها ذلك؛ لأنه لم يكن هناك حاجة، فالمسلمون الأولون كانوا على الإسلام الصحيح، فلم تكن هناك حاجة أو داعٍ للقول: الإسلام السلفي، أو الدعوة السلفية. كما يقرب ذلك إلينا مثلاً العلوم الأخرى كعلوم العربية، كان الناس يتكلمون العربية الفصحى دون لحن ودون خطأ فلم يكن هناك حاجة لوضع قواعد النحو، وإلى اصطلاحات النحو واللغة والبلاعة، لأنها كانت معروفة سليقة، وكذلك الدعوة السلفية كان الناس عليها، ولم يكن هناك شذوذ ولا انحراف، ولكنها بدأت تظهر شيئاً فشيئاً عندما بدأت الأفكار الأخرى تظهر، وعندما بدأت هذه الثقافات الأجنبية تؤثر في المسلمين، فتحرف بعضها، وتزين لبعضهم أشياء تخالف الإسلام في العقائد وغيرها. حين ذلك بدأ أئمة المسلمين من صحابة وتابعين ومن بعدهم يوجهون إلى خطورة هذه الدخائل والمحدثات، فكانت تظهر وتشتد الدعوة شيئاً فشيئاً كلما زادت هذه المحدثات، والثقافات التي تؤثر في المسلمين، وكان من أبرز من ميز هذه الدعوة ووضحها بجلاء الإمام أحمد بن حنبل حيث ظهرت فتنة خلق القرآن في زمانه، وأُرِيْدَ حملُ الناس جميعاً على هذه الفكرة المحدثة الباطلة، فصمد ذلك الصمود المثالي، ووقف ذلك الموقف الشجاع الرائع، وكان معه جمهور المسلمين بقلوبهم وأرواحهم، وكان أولئك المعتزلة في خط آخر خارج النطاق، فتميزت الدعوتان، وظهر الخلط بين الاتجاهين: اتجاه الرأي وأصحاب الرأي، أصحاب تقديم العقل على النقل، الذين لا يعتدون بنصوص الكتاب والسنة، ولا يعتدون بهدي السلف الصالح، وبين من يجعل الأساس الكتاب والسنة، ويجعل الأساس هدي السلف الصالح. وهكذا أخذت تتميز الدعوة السلفية شيئاً فشيئاً كلما ازداد المسلمون بعداً عن دينهم الصافي الحقيقي، وكلما أخذت الأفكار الأجنبية، والثقافات الدخيلة على الإسلام تظهر وتشتد ويعلن بها. وفي زمن شيخ الإسلام ابن تيمية كان ذلك قد استفحل، وكانت الثقافات والتفسيرات الفكرية قد تضخمت حتى صرفت أكثر المسلمين، فلم يبق إلا قلة نادرة غريبة عن المجتمع هم الذين بقوا يحافظون على دعوة الكتاب والسنة، ويتقيدون بطريق السلف الصالح، فحينئذٍ ظهرت الحاجة الملحة إلى توضيح هذه الدعوة وإلى تمييزها، وكانت كتابات شيخ الإسلام ﵀ الكثيرة والرائعة التي ميز بها الإسلام الصحيح الذي كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، كانت كتبه إنارة لمن يطلب الهداية، وكانت فيصلاً بين الحق والباطل، وقد أقام الحجة على المخالفين بالمناظرات، وبالرسائل، وبالكتب، وفي المجالس، ولم يبق حجة لمعاند إلا ما يكون بسبب العناد والاستكبار. فلذلك في زمنه ميزت وظهر هذا الاسم دعوة السلف، ومنهج السلف، وطريقة السلف، وإن كانت قد استعملت هذه الكلمات قبله أيضاً، وأظن قائل هذا البيت المشهور في العقائد عن مذهب السلف: وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف أظنه قبل شيخ الإسلام. هذه اللفظة عربية فصيحة، وظهرت في كلامهم ولكن كما قلت: توضحت وتوطدت أكثر في عهد شيخ الإسلام ﵀. وكما قُلتُ: الأفكار الصوفية سيطرت على الناس، وطرقها المختلفة، وأفكار علماء الكلام، والتعصب المذهبي، والبدعة في الدين، والأحاديث الضعيفة والموضوعة، فظهرت غربة الإسلام، وظهر أنه كان بحاجة ماسة إلى أن يتبين ويتضح حتى يعرف الناس الحق من الباطل ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، فقد تابع هذه الرسالة وهذه الدعوة تلاميذ الإمام ابن تيمية، ابن القيم، وابن كثير، وغيرهما على مر العصور، لكنهم كانوا محارَبين مضطهدين، فمات منهم من مات في السجون، وقتل منهم من قتل، وعذب من عذب، وكانت الغلبة المادية في أكثر العصور للمخالفين، وإن كانت الغلبة المعنوية غلبة الحجة والبرهان لـ أهل السنة وفاقاً لقوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) . ثم جدد هذه الدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في نجد، حينما كانت في ظلام دامس، وحينما كانت الوثنيات تسيطر على البلاد، فتثقف بثقافة شيخ الإسلام وأخذ عنه، وقرأ كتبه، وأخذ ينشرها ويدعو إليها، ونال من جراء ذلك الأذى الكثير، وحرب العوام، ولكن وفقه الله مع من أيده من الأمراء السعوديين الأوائل، كان من ذلك أن ظهرت هذه الدعوة وأثرت في المسلمين، ووصلت إلى بلدان كثيرة، وما تزال منها بقية في بلاد السعودية وغيرها. لن نخوض كثيراً في هذه التفصيلات التاريخية، فلننتقل إلى حقيقة الدعوة السلفية.

стр. 465

الدعوة السلفية حقيقتها وأصولها لماذا تظهر؟ وما هي أهم أشكالها؟ وما هي أهم الأصول التي تركز عليها؟

стр. 466

التوحيد الذي أمر الله به في كتابه هناك أمور هامة وأصول أساسية تركز عليها الدعوة السلفية، أول هذه الأمور مسألة التوحيد، وهذه المسألة أخطأ فيها جماهير المسلمين عامتهم وخاصتهم، فقد شاع لديهم أن التوحيد الذي أمر الله به في كتابه وسنة نبيه هو الاعتقاد فقط بأن لهذا الكون خالقاً مدبراً ورازقاً حكيماً يتصف بصفات الكمال، وقد ملئوا كتبهم وأتعبوا أنفسهم في إثبات هذه الحقيقة، مع أن -كما سمعتم من أستاذنا أكثر من مرة- هذه الحقيقة فطرية مركوزة في النفوس والأذهان، ولا تحتاج إلى كثير إثبات ولا إلى جهد كبير، فقد قال الله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] . وإن كل من ينظر إلى تاريخ البشر على مر العصور ليجد أن كل البشر يؤمنون بإله خالق مدبر وحكيم، إلا قلة نادرة من الملحدين على مر العصور كانوا يُسمَّون دهريين قديماً، ويسمون اليوم ملاحدة أو زنادقة أو شيوعيين، هؤلاء نسبتهم قليلة جداً بالنسبة لبقية البشر، لا يقول قائل: الشيوعيون مثلاً الآن هم سكان روسيا، وسكان الصين، وسكان الدول الشيوعية الأخرى الكثيرة، لا يقول أحد هذا، فإن سكان هذه الدول أكثرهم مؤمنون بالله، أكثرهم إما نصارى أو مجوس أو وثنيون يؤمنون بإله، ولكن الملاحدة منهم والشيوعيين مثلاً هم قلة قليلة، هم الحكام فقط، والذين يسيرون الأمور العسكرية وغيرهم، يعني هم أعضاء الحزب الشيوعي لا غير، أما بقية الشعب فتعلمون أن لهم كنائسهم، ولهم عباداتهم، وكانوا يجرون إحصاءات بين الحين والحين، أذكر أن آخر الإحصاءات أن الشيوعيين في روسيا نحو سبعة ملايين فقط، فإذاً هم قلة، ما قيمة سبعة ملايين أضف إليها مثلاً البلدان الأخرى خمسة عشر مليوناً أو عشرين مليوناً أو خمسين ما قيمتهم بالنسبة لبقية البشر الذين هم الآن نحو أربعة آلاف مليون نسمة؟ إن عامة البشر وجماهير الناس على مر العصور هم مؤمنون بإله، فإذاً ماذا يحتاج هؤلاء؟ إن أحوج ما يكونون إليه هو أن يؤمنوا بالله الإيمان الصحيح الذي جاءنا به محمد ﷺ والرسل السابقون. إنه الإيمان الذي يعتد به إنه الذي ينجي صاحبه من الخلود في النار إنه طريق دخول الجنة إنه هو وحده الإيمان الصحيح وما عداه كفر، وكلنا نعرف أن المشركين كانوا يؤمنون بإله خالق إلا قلة نادرة جداً أيضاً، أشار إلى ذلك القرآن حيث قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] وبين سبب ضلالهم وشركهم أنه بسبب اعتقاد الشفعاء والوسطاء بينهم وبين الله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وفي شعر للجاهليين تجد كثيراً لفظة الإله والخالق ويسلمون به، ويعظمونه، ولكنهم يعتقدون أن هذه الأصنام هي وسائط، وهي مقربات لهذا الإله، وإن ذكرها ودعوتها هو ضمان ليستجيب لهم الله دعاءهم ويغيثهم إذا استغاثوا به.

стр. 467

اهتمام الدعوة السلفية بتبيين التوحيد الصحيح وتفصيل أنواعه الدعوة السلفية تهتم بتبيين التوحيد الصحيح الذي يكون الناس أحوج ما يكونون إليه، وهو ما استخلصه العلماء المحققون من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، من أن هناك ثلاثة أنواع للتوحيد، التوحيد السابق واصطلحوا عليه أنه توحيد الربوبية وهو: الإيمان بأن لهذا الكون خالقاً رازقاً متصفاً بصفات الكمال. والنوع الثاني للتوحيد: هو توحيد الألوهية. والنوع الثالث: هو توحيد الصفات. صحيح أن هذه أسماء اصطلح عليها من هؤلاء الأئمة الأعلام، ولكن مدلولها وحقيقتها موجود في ثنايا الكتاب والسنة، وإنما هؤلاء وضحوها وميزوها واصطلحوا عليها لتتضح الأمور وتتبين الحقائق. أما توحيد الربوبية فقد شرحنا المراد به، أما توحيد الألوهية فهو أيضاً بصورة إجمالية أن يخص المسلم أصناف العبادة كلها لله ، هذا الخالق المدبر الذي آمن به، وهذا في الحقيقة أمر طبيعي، فإذا كان الله هو المدبر الخالق الرازق إلخ، فلماذا يدعون غيره؟ ولماذا يعبدون سواه؟ يعبدون المخلوقين والمحتاجين، يعبدون الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، كما يقول الشاعر: ومن قصد البحر استقل السواقيا هذا العبد الضعيف العاجز الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا بعثاً ولا حياة ولا نشوراً، كيف تدعوه وتترك ربك الذي بيده كل شيء، الذي إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، هل هو قاسٍ عليك؟ هل هو لا يستجيب دعائك؟ هل هو بعيد؟ هل هو ظالم حتى تخاف منه وتلجأ إلى سواه؟ إنه رحيم بعباده، رءوف بهم، يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، يقبل التوبة عن عباده، إنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، إنه الذي يفرح بتوبة التائب أشد من فرح الإنسان الذي كان في سفر وضلت راحلته ثم وجدها وعليها طعامه وشرابه بعدما يئس وأيقن بالهلاك. فإذاً: هذا الإله العظيم الحكيم الرحيم لِمَ تتركه وتلجأ إلى غيره من هؤلاء الآلهة الضعفاء العجزة الذين لا يملكون لأنفسهم حياة ولا ضراً ولا نفعاً؟! فلذلك هذا التوحيد أمر فطري ضروري طبيعي. ويعد توحيد الألوهية من أخص خصائص التوحيد، وهو من أهم ما جاء به الرسول ﷺ ، وهو في الحقيقة معنى قولنا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فكلمة (لا إله إلا الله) هي التي تدخل الإنسان في الإسلام، وهي الكلمة الطيبة، وهي التي قال عنها النبي ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة) فإذاً: علق دخول الجنة على من يقول هذه الكلمة مؤمناً بها مخلصاً من قلبه. ما معنى هذه الكلمة؟ هل هي ألفاظ تقال باللسان هكذا دون فقه ولا اعتقاد ولا تطبيق؟ ليس كذلك، إن الأمور بحقائقها، هذه الكلمة معناها: الإله المعبود، أله يأله أي: عُبِد ويُعْبَد، الإله: المعبود، فلا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله. فإذاً: من ألصق معاني (لا إله إلا الله) توجيه وتخصيص العبادة كلها بأنواعها المختلفة لله . كثير من المسلمين يجهلون العبادة، فيظنون أن معنى (لا إله إلا الله) آمنا بالله مع تخصيص العبادة لله، ونحن أيضاً نؤمن بذلك فلا نخصص صلاة ولا نسجد لأحد إلا لله، وهذا قصور في الفهم، فإنهم يجهلون أن العبادة معنى أشمل وأوسع من ذلك، إن العبادة هي كل ما يحبه الله ويرضاه، العبادة تشمل أنواع التعظيم التي يجب أن تخص بالخالق الحكيم، إنها تشمل الدعاء، والنذر، والذبح، والتوكل، والإنابة، والاستعانة، والخوف، والخشية، والاستغاثة، والرجاء، والمحبة، كل هذه الأنواع من العبادات، وهؤلاء لجهلهم يظنونها مقصورة على الصلاة والحج مثلاً. فيدل على ذلك نصوص كثيرة أيضاً لا نحصيها وإنما نذكر بعض الأمثلة، مثلاً: الدعاء والاستعانة يقول الله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وتقديم المفعول هنا يراد به التخصيص، (إياك نعبد) أي: لا نعبد غيرك، (وإياك نستعين) أي لا نستعين بسواك، وهذا الفرق بين قولنا: إياك نعبد، وبين قولنا: نعبدك، لم يقل: نعبدك؛ لاحتمال أن يراد بها وأن تشمل نعبدك، ولا مانع من أن نعبد غيرك، فقدم المفعول لهذا التخصيص. كذلك قوله : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] فقابل بين (ادعوني) و (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) مبيناً أن الدعاء هو عبادة، ويوضح هذا تماماً قوله ﷺ الصادق: (الدعاء هو العبادة) وهكذا الذبح في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ونسكي أي: ذبحي، ونصوص كثيرة تشمل الخوف والرجاء ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣] وما أشبه ذلك من النصوص الكريمة. هذا النوع الثاني من أنواع التوحيد الذي يجهله المسلمون وتركز عليه الدعوة السلفية؛ لأن من أخطأ فيه؛ أو جهله؛ أو اعتقد خلافه؛ فهو مشرك ويحكم عليه بالخلود في النار، إلا إذا كان لم تبلغه هذه الدعوة فأمره إلى الله فيعذره الله، ويوضح مصيره الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه يبعث إليه يوم القيامة رسول إلى آخر الحديث المعروف. النوع الثالث من أنواع التوحيد الذي يجهله المسلمون ويخالفون مضمونه، ويشركون فيه بالله هو توحيد الصفات، وهو: اعتقاد أن أحداً يشارك الله في صفة من صفاته، الله من صفاته: يعلم الغيب، فحينما يعتقد إنسان أن بشراً من البشر يعلم الغيب كما يعتقد الصوفية أن شيوخهم يكاشفون فيعلمون ما في نفسك، ويطلعون على أحوالك ولو كنت في مشرق الأرض وهم في مغربها، فهذا لا شك أنه شك في الصفات، وكذلك حينما يعتقدون في بعض مشايخهم أنهم يقدرن على كل شيء، وأنهم يقولون للشيء: كن فيكون كما ورد في بعض كتبهم، وحينما يعتقدون صفات أخرى هي من أخص خصائص الله في أوليائهم أو في مشايخهم أو الأنبياء والرسل، فإنما هم قد أشركوا بالله . ومع الأسف فقد انتشر هذا في كلام المتأخرين كثيراً فتجد الشعراء منهم الذين يسمون المداح للنبي ﷺ الذين كتبوا قصائد في مدح الرسول ﵊، ويهتم الناس بتلاوتها في الموالد والاحتفالات الدينية، هذه تكثر فيها هذه الصفات، وهذه الأمور التي لا تجوز إلا لله نسبتها إلى الرسول ﵊ وإلى مشايخهم وأوليائهم. والرسول ﵊ قد حذر كثيراً من هذا، وقد أمر بعدم المبالغة في مدحه ﵊ خشية من الوقوع في هذا الانحراف الخطير، قال ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) وحينما جاء بعض الناس وقالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا قال لهم ﵊: (قولوا بقولكم هذا أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان) فكلمة (سيدنا وابن سيدنا) الرسول ﷺ وجد فيها شططاً؛ لأن ابن سيدنا معناه: أن عبد الله والد رسول الله هو سيد لهم، وأنه كان مشركاً كما في الأحاديث المعروفة، فهذا من الشطط وقد حذرهم منه. وحينما سمع بعض الجواري والأولاد ينشدون: وفينا نبي يعلم ما في غد. نهاهم عن ذلك أيضاً وقال: لا يعلم ما في الغد إلا الله . فمع هذا التنبيه وهذا التحذير من النبي ﷺ خالفه الناس صراحة وقال قائلهم البوصيري مثلاً: دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم معنى البيت: لا تقل: إن محمداً ابن الله وقل ما شئت فيه من الأقوال، وهذا واضحٌ ضلاله وواضحٌ انحرافه وشططه لكل ذي لب. فتوحيد الصفات من أخطر أنواع التوحيد التي جهلها المسلمون وخالفوها، ومعروف أن مسألة التوحيد هي الفيصل بين الإسلام والكفر كما قلنا، فلو كان إنسان متعبداً أعظم درجات التعبد، يقوم الليل، ويصوم النهار، ويتصدق، ويزكي ويقوم بأنواع النوافل المختلفة، ويتقرب إلى الله بشتى القربات، ويصل الأرحام إلى آخره، لو أشرك في عمره كله مرة واحدة كأن يكون استغاث بغير الله، أو قال كلمة فيها وصف أحد المخلوقات بصفة لله، فإن كل عمله باطل، وإنه خالد مخلد في النار إذا لم يتب منه، قال الله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] . فإذاً: المسألة خطيرة وخطيرة جداً، ولذلك يوليها السلفيون الاهتمام الكبير. ومن العجب! أن باقي المشايخ والعلماء لا يدندنون حولها، بل يخاصموننا فيها فيقولون: ما فيها شيء، المسألة تتعلق بالنية -مثلاً- نية هذا الإنسان إنما يريد بذلك وجه الله، أو يريد التقرب والتحبب وتعظيم هذا النبي وهؤلاء الأولياء، مع أنهم يعلمون أن النية لا تشفع للعمل مهما كانت صالحة، فلابد أن يكون العمل صالحاً والنية صالحة مصداقاً لقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] (لا يشرك) أي: لتكن نيته صالحة، (فليعمل عملاً صالحاً) أي: موافقاً للسنة، كما فسرها بذلك الأئمة والمفسرون مثل ابن كثير وغيره. فإذاً: يجب الاهتمام بمسألة التوحيد بأنواعه الثلاثة -وخاصة النوعين الأخيرين- اهتماماً بالغاً لإنقاذ الناس من الهاوية ومن الضلال.

стр. 468

الدعوة السلفية واهتمامها بمسألة الاتباع المسألة الثانية التي يركز عليها السلفيون هي مسألة الاتباع، مسألة طريقة الأحكام وطريقة التفقه في الدين: الشائع لدى الناس خاصة في الآونة المتأخرة أن على كل إنسان إذا بلغ سن الرشد أن يأخذ مذهباً من المذاهب الأربعة هو مذهب والده -مثلاً- فيتفقه فيه ويلتزمه ولا يخالفه في مسألة من المسائل، ويقلده تقليداً ولا يسأله عن الدليل، ولا يسعى للاجتهاد، لأن الاجتهاد قد أغلق، ولأنه ليس أمامه إلا التقليد. هذه المسألة أيضاً خطيرة وهامة، ويخالف فيها السلفيون جمهور الناس، فهم يرون أن الأصل في التفقه في أحكام الشرع الأخذ من الكتاب والسنة مباشرة اتباعاً لقول الله : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف:٣] . فالأصل -إذاً- أخذ الأحكام من الكتاب والسنة، لكن من المعروف أن الناس يتفاوتون في ذلك، وأنه ليس بمقدور كل إنسان أن يأخذ من الكتاب والسنة، وخاصة بعد ما فشا اللحن، وبَعُدَ الناس عن لغة العرب وعن السليقة العربية وعن الفطرة، فأصبحوا غريبين عن لغة القرآن ولغة الحديث النبوي الشريف. ولا شك أن من المعروف من قواعد الشريعة أنه إذا لم يستطع الإنسان أمراً فإنه يكلف بما دونه، فلم يستطع هذا الإنسان الأخذ من الكتاب والسنة -أخذ أحكام الكتاب والسنة- مباشرة فـ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] كما قال الله ، فينزل درجة في ذلك إلى الاتباع، وهو مما نختلف فيه عنهم أنهم يقولون: لا يوجد اتباع، إما مجتهد وإما مقلد فقط، وهذه مكابرة وعناد؛ لأنه مخالف لما هو مشاهد ومحسوس، فأنت ترى في الناس من هو عالم قد بلغ من العلم شوطاً بعيداً، قد تفقه في لغة العرب، ودرس علم أصول الفقه، وأخذ وسائل الاجتهاد، فهذا هو المجتهد الذي يتفق الكل على أنه يجوز له الأخذ من الكتاب والسنة، بل يجب عليه مباشرة. وهناك بقية الناس غير هذا الإنسان نحن نرى صنفين اثنين وإن كانا يتفاوتان فيما بينهما، وفيهما مراتب كثيرة، هذان الصنفان هما عامة الناس الذين لا عناية لهم بالعلم، ولا دراسة لهم في الدين، فهؤلاء الذين يسمون مقلدين، هؤلاء إذا تلوت عليهم الآية لا يفقهونها إلا ما ندر من الآيات الواضحة الصريحة، أو ذكرت لهم الحديث لا يستطيعون أن يعرفوا معناه، أو يعرفوا الطريق الذي يعرفون صحته من ضعفه، فهؤلاء لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، يكلفون أن يسألوا أهل العلم، لكن عليهم أن يبذلوا جهدهم أيضاً في اختيار أهل العلم الموثوقين الذين لا تعصُب لديهم، والذين هم ثقات في دينهم وفي علمهم، ومع ذلك فليس عليهم أن يلتزموا واحداً بعينه من هؤلاء، وإنما عليهم كما قال الله ﵎: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] إن كنتم لا تعلمون فاسألوا أهل الذكر، لم يحدد واحداً بعينه وإنما يكون إزاء ذلك حسب ما يتيسر له فلان ممن يثق بعلمه ودينه، فيسأله ويسأل في مرة أخرى آخر فيسأله، ولا يضيق على نفسه ويحدد اتباعه وتقليده لعالم معين. هناك بين هذا المقلد وذلك المجتهد أناس كثيرون لهم عناية بالعلم، دراسة للغة دراسة للعلوم الشرعية دراسة للقرآن للتفسير للحديث، فهؤلاء لا نستطيع أن نقول: إنهم مثل أولئك الأولين أو المقلدين، إنهم يختلفون عنهم وإننا نظلمهم حينما نسويهم بهم، لا شك أن لهم فضلاً عليهم، ولا يجوز أن نعاملهم مثلهم، فإنهم إذا ذكرت لهم الآيات والأحاديث عرفوا معانيها، أو تفقهوا في أكثرها بالجملة وقد تخفى عليهم طبعاً بعض المعاني، لكن إذا استعانوا ببعض العلماء يفقهونها ويفهمونها، فهؤلاء عليهم أن يبذلوا جهدهم، وجهدهم هو أن يعرفوا الحكم الشرعي عن طريق عالم من العلماء، ويعرفوا دليله الذي وصل به إلى الرأي الذي يتبناه، هؤلاء يستطيعون هذا، فكيف نسامحهم ونتساهل معهم فنقول لهم: يكفي أن تقلدوا العالم، تسأل العالم ما هو حكم الشرع في هذا؟ فيقول لك: كذا وكذا، أنت بإمكانك إذا ذكر لك الدليل أن تفقهه فلِمَ تتنازل عن ذلك؟ ولِمَ تتساهل؟ مع أنك في أمور الدنيا إذا كنت تاجراً -مثلاً- فلا تكتفي بسؤال المختص بذلك سؤالاً مجملاً معارضاً وإنما عليك أن تعلم وتدقق وتحاسب وتقارن، وتسأل أكثر من واحد، لماذا في أمور الدنيا تفعل ذلك، وأما في أمور الدين تتهاون وتتساهل؟ هل أمر دينك أهون عليك وأضعف عندك وأقل شأناً من أمور دنياك؟ إنك إن كنت كذلك فما أخطأك وما أضلك. فلا شك أن مفسدةً نشَأت بين المقلد المجتهد وبين المقلد المبتدع الذي يتبع إمامه بدون حجة ولا معرفة الدليل وهذا بخلاف من يقتدي بعالم مجتهد بعد أن يفقه دليله، ويطلع على حجته ويقتنع بها ويرجح من أقوال العلماء ما يطمئن لها في نفسه، هذا موقف السلفيين في مسألة أخذ الأحكام الشرعية، ومسألة التفقه في الدين، ففي اعتقادنا أنه هو الموقف الحق العدل الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط. ويفتري علينا المخالفون افتراءات باطلة، نحن دائماً نكرر براءتنا منها، يدَّعون أننا نكره الأئمة الأربعة، وأننا نطعن فيهم، وأننا نوجب الاجتهاد على كل مسلم، وأننا نأمر كل أحد أن يكون مجتهداً عالماً ولا يجوز له أن يقلد، وهذا ظلم وافتراء طالما بينّا بطلانه، وطالما بينّا براءتنا منه، ومع ذلك فلا يتقون الله، ويصرون على نسبته إلينا، ويشهد الله أننا منه برآء، كما يقال: براءة الذئب من دم ابن يعقوب، مع أن كتبنا مليئة ببيان هذه الحقيقة، فبعضهم -مثلاً- سود كتاباً ملأه وحشاه لإثبات جواز التقليد، والاستدلال على أن التقليد جائز وواجب على بعض الناس، كل ذلك يرد به على السلفيين على أنهم ينكرون التقليد. فهذا من الظلم الشنيع، كما أنه قد جُزم له بذلك وأُثبت له أن السلفيين يقولون: إن الجاهل عليه أن يقلد، مع ذلك يصرون على هذا، وهذا يبين ما في نفوسهم من الضغينة والحقد والتحامل والظلم.

стр. 469

الدعوة السلفية وموقفها من مسألة التزكية النفسية والروحية المسألة الثالثة هي: مسألة التزكية النفسية والتزكية الروحية، هذه المسألة قد شاع لدى المتأخرين فيها طريق المتصوفة، هؤلاء الذين يعتمدون لتزكية النفوس على المجاهدات الروحية، والوسائل النفسية، وما أحدثه مشايخهم من أمور ادّعوا أنها توصلهم إلى الله، وقد اعتمدوا فيها على غير ما جاءهم عن رسول الله ﷺ ، هؤلاء المتصوفة -والحق يقال-: إن أول درجات التصوف اتباع، وآخر درجاته زندقة، أول ما يدخل الإنسان في الصوفية لابد أن يقوم ببعض البدع؛ لأنه ما الذي يميز الصوفي عن غيره من أهل السنة؟ أهل السنة يلتزمون بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، فبم يختلف الصوفي عنهم؟ إن قالوا: نحن على الكتاب والسنة، فلماذا -إذاً- تختصون لأنفسكم طريقاً؟ لماذا تلتزمون بأوراد؟ لماذا تلتزمون بنوع معين من الذكر، وطريقة خاصة به؟ لماذا تفرقون المسلمين؟ فهذا شاذلي، وهذا رفاعي، وهذا قادري وما أشبه ذلك؟ لا شك أن الحقيقة البينة الناصعة تدل على أنهم يخيرون في دين الله، فلا يكتفون بهدي رسول الله ﷺ وبهدي السلف الصالح وإنما يزيدون ما استحسنوه لأنفسهم وما أضافوه إلى الدين من أمور هو منها بريء، وأمور هي ضلالات، فلذلك طرق الصوفية السلفيون ينكرونها جملة وتفصيلاً، وليست المسألة -كما يتوهم البعض- اتباع، وأن الصوفية هي نفس ما جاء به الإسلام من درجة الإحسان أو التزكية أو تلطيف القلوب أو الجانب الروحي. وهناك ضلال آخر وهو أنهم يعتقدون أن هناك طريقاً لمعرفة الغيب ولمعرفة حقائق الأمور عن طريق الكشف، ولا يرجعون فيه إلى ما جاءهم عن طريق الشرع، ويزهدون في التعلم، وبعضهم أحرق كتبه، وقال آخرون: أنتم تأخذون علومكم ميتاً عن ميت ونحن نأخذها عن الحي الذي لا يموت! وهذا الذي يسمى بنظرية الكشف وهو من أبشع الباطل، ومن أضل الضلال، وهو إذا نظر فيه الإنسان نظرة شاملة صحيحة يجده إلغاء لكل ما جاءنا به الإسلام، واستبدال ما جاء عن طريق الحدس والتخمين والأهواء والنزغات الشيطانية به. وهذا خطر عظيم ما بعده خطر، إنه الكهانة، يدعون أن الملائكة تأتيهم وتلهمهم، وأن الله هو الذي يخبرهم ويلهمهم، وما الدليل على ذلك؟ ما الذي يضمن أنه إلهام من الله وليس نزغات الشياطين؟! والأمور بنتائجها وتعلم من آثارها. أيضاً: لا يتسع المقام للإفاضة في ذلك فحسبنا أن نكتفي بهذا، هذه أسس هامة ثلاثة للدعوة السلفية.

стр. 470

الدعوة السلفية وتحذيرها من البدع وما دخل على الدين مما ليس منه وهناك أمور أخرى تتصف بها ومن مبادئها وتركز عليها ونحذر من أمور لأنها سلبية، وهي: التحذير من أمور البدع، وما دخل على الدين من المحدثات التي شوهت جماله، وكدرت صفاءه، وعكرت ما كان عليه من جمال ونقاء. هذه المحدثات دخلت على الدين فغيرت حُكم الله وضللت الناس، فالسلفيون يهتمون بتنبيه الناس إليها، ويحذرونهم منها، والابتداع أمر ليس سهلاً؛ ليست المسألة كما يقال: فرعيات ليس فيها شيء؛ الخير خير؛ لأن حقيقة الابتداع أنه استدراك على الله ، وأنه تشريع بالرأي وبالعقل، هذا الأمر يقال لك: يتعبد به ويتقرب به إلى الله ، ما مستند ذلك؟ إنه الرأي والاستحسان ليس غير، وهو ينسف آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ﴾ [المائدة:٣] من أساسها، وغير ذلك من الآيات. مع أن الرسول ﷺ حذرنا من البدع كثيراً، وقال ﵊: (إياكم ومحدثات الأمور) وجعلها في خطبة الحاجة التي كان يكررها كل أسبوع في خطبة الجمعة، وفي غيرها من المجالس، كل ذلك توكيداً وتذكيراً لخطورة البدع، ولأهمية الالتزام بما جاءنا عن الله ورسوله، ومع ذلك فقد أصم هؤلاء الخلف آذانهم عن هذه الأحاديث البينة وعن نصوص الكتاب الواضحة، وأصروا على البدع وزادوا فيها.

стр. 471

الدعوة السلفية وتحذيرها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة أمر آخر -أيضاً- سلبي يحذر منه السلفيون وينبهون عليه وهو تلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي كانت عمدة لكثير من البدع، هذه الأحاديث شاع لدى الناس إيرادها وذكرها، الخطباء والمدرسون والكتاب والمؤلفون، تجد الكتب طافحة بنسبة الأقوال إلى رسول الله ﷺ وهذه الأقوال رسول الله ﷺ منها براء، ولا يتحرزون، مع أن الرسول ﷺ ينبه إلى ذلك كثيراً ويحذر منه، ويبين خطورته وأنه كذب عليه، (وإن كذباً عليَّ ليس ككذباً على أحدكم) فيستحل بالحديث المنسوب إلى رسول الله مما لا يصح أن يستحل به الحرام ويبنى به الأحكام، وهذا أيضاً أمر هام تقوم به الدعوة السلفية وتبين ما صح من الحديث وما لم يصح. هذه الكلمة أصل فيها، ولقد أشرت أن التتمة لا يتسع الآن المقام لها، وهو: موقف السلفية من الدعوات الأخرى، فلعل ذلك في موقف آخر أو مجلسنا الثاني إن شاء الله وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 472

كلمة الشيخ الألباني: الفرق بين الإمامين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب اثنتان منهما من باب التنبيه والتذكير، والأخرى من باب التوضيح والتأكيد والبيان، لقد جاء في تضاعيف كلام الأستاذ عيد عباسي أنه ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه من أولئك الدعاة السلفيين، وهو كذلك بلا شك، ولكن الواقع يشهد بأنه سلفي في العقيدة، وما دمتم سمعتم شيئاً من التفصيل في كلامه عن الدعوة السلفية، وأن منها أنها تدعو إلى اتباع الكتاب والسنة كلاً حسب استطاعته كما سمعتم، وأنها تحذر من اتخاذ التقليد مذهباً وديناً، ما دام أن الدعوة السلفية هذا من مذهبها فيجب أن نعلم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كان سلفياً في العقيدة، وله الفضل الأول من بعد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله جميعاً في نشر دعوة التوحيد في العالم الإسلامي بصورة عامة، وفي البلاد النجدية والحجازية فيما بعد بصورة خاصة، يعود الفضل إليه بعد ابن تيمية. ولذلك فلعل انكبابه واجتهاده في دعوة الناس إلى هذا التوحيد الخالص المصفى من أدران الشرك والوثنية بكل التفاصيل هو الذي صرفه عن الاشتغال بإتمام الدعوة السلفية، وذلك في محاربة الجمود على التقليد، وعلى التمذهب الذي صار فيما قبل زمانه وفي زمانه وفيما بعده صار ديناً، كل من ترك التقليد نبذ بالزيغ والانحراف ونحو ذلك مما ألمح الأستاذ المحاضر إليه في كلمته السابقة. وهو من هذه الحيثية، أي: من حيث أنه كان يدعو إلى التوحيد دون ما سوى ذلك مما يتعلق بالإسلام المصفى على ما سمعتم؛ يختلف عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإن هذا الشيخ الجليل قد دعا إلى الإسلام بعموم الإسلام من كل نواحيه أن يُفهم على الوجه الصحيح، على التفصيل الصحيح الذي سمعتموه، فهو -مثلاً- يحذر من الأحاديث الضعيفة، ويحذر من بناء الأحكام الشرعية عليها، وو إلى آخر ما هنالك من تفاصيل ذكرها الأستاذ، بخلاف الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فلم تكن له هذه العناية، لا في الحديث ولا في الفقه السلفي، فهو من الناحية المذهبية حنبلي، ومن الناحية الحديثية كغيره، فليس له آثار في الفقه تدلنا على أنه كـ ابن تيمية سلفي المنهج في التفقه في الدين، لعل له في ذلك عذراً كما ألمحنا إليه آنفاً. وكذلك في الأحاديث فهو كغيره مع الأسف الشديد، لا معرفة عنده بالحديث الصحيح والضعيف، ومن الأدلة التي تدلنا على هذا أن له رسالة مطبوعة متداولة عند أتباعه النجديين حتى اليوم، اسمها آداب المشي إلى المسجد، وقد أورد في مطلع هذه الرسالة الحديث المعروف عند السلفيين عامة إلا القليل منهم بضعفه، ألا وهو حديث أبي سعيد الخدري، الذي أخرجه الإمام ابن ماجة في سننه، من طريق الفضيل بن مرزوق، عن عطية السعدي - عطيه العوفي، والسعدي أيضاً، لكنه مشهور بـ العوفي أكثر- عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من بيته إلى المسجد قال: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا ... ) إلى آخر الحديث. فهو أولاً أورده دون أن ينبه على ضعفه، مع أن فيه علتين اثنتين، لو أن واحدة منهما استقلت لنهضت بتضعيف الحديث، فكيف بالعلتين مجتمعتين معاً؟! وثانياً: أن ظاهر هذا الحديث يخالف ما كان يدعو إليه من عقيدة، ومن إخلاص التوحيد والدعوة لله وهو التوسل بالمخلوقين، فهو كـ ابن تيمية وككل سلفي بصير في سلفيته وفي دعوته، يحارب التوسل إلى الله بعبادة غير الله ، وهذا الحديث في ظاهره التوسل إلى الله بحق السائلين، وبحق هذا العبد الذي يمشي إلى طاعة الله وإلى عبادته، أقول هذا غير ناسٍ أن الحديث لو صح لأمكن تأويله كما كنت ذكرت في بعض مؤلفاتي. لكن موضع الشاهد من هذا أنه أورده كأدب من آداب المشي إلى المسجد، إذا خرج المسلم من بيته فعليه أن يدعو بهذا الدعاء، وهو حديث ضعيف، فهذا يدل على أن شيخ الإسلام الثاني في التوحيد محمد بن عبد الوهاب ليس كـ شيخ الإسلام الأول من حيث أنه كان سلفياً في كل نواحي الدعوة ومجالاتها الكثيرة. هذه الناحية الأولى أردت التنبيه عليها، وهذا -طبعاً- من باب إعطاء كل ذي حق حقه، نحن بلا شك لا يسرنا أبداً أن ينال أحد من الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما يفعل أعداء الدعوة، وأعداء التوحيد حيث يتهمونه بكل ما يتهم به السلفيون في كل بلاد الدنيا، ولكن هذا لا يحملنا على الغلو في إعطاء كل شخص من حملة الدعوة السلفية ما ليس فيه، فيجب أن نفرق بين ابن تيمية وبين محمد بن عبد الوهاب، ونعطي كل ذي حق حقه، من أجل هذا قلت ما قلت، وإلا فشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب له منزلته في الدعوة عندنا بعد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

стр. 473

الرد على من قال: إن المشركين يعتقدون الحكمة لله تعالى التنبيه الثاني: جاء في كلام الأستاذ: عيد عباسي في صدد تحدثه عن توحيد الربوبية، وأن هذا التوحيد يعتقده جماهير الناس والأمم حتى المشركين وهذا كلام حق، ولكن جاء في أثناء كلامه بأنهم يعتقدون في الله أنه خالق مدبر حكيم، فأنا أريد أن ألفت النظر، ولي هدف غير الهدف الظاهر من كلمتي هذه. قوله: إن المشركين كانوا يعتقدون بأن لهذا الكون خالقاً مدبراً، لو وقف إلى هنا لكان الكلام مُسلَّماً، ولكنه أضاف إلى ذلك وصفاً وصفة أخرى وهي صفة حق لله ﵎، ولكنه نسب إلى الكفار أنهم كانوا يعتقدون في الله هذه الصفة أيضاً وهي أنه حكيم. من المؤسف أن أقول -وهذا هو الشيء الآخر الذي أرمي إليه في هذا الكلام-: إن اعتقاد أن الله حكيم ليس فقط مما لا يعتقده المشركون الذين كانوا يشركون في توحيد الألوهية، وفي توحيد الصفات كما سمعتم شيئاً من التفصيل في ذلك، ليس المشركون هؤلاء وحدهم كانوا لا يعرفون الله حكيماً، يعرفونه خالقاً مربياً مدبراً، أما أنهم يعرفونه حكيماً فلا، ولكن مع الأسف الشديد هناك جماهير من المسلمين اليوم لا يعتقدون هذه الصفة لله رب العالمين، هذا ما أردت التنبيه عليه، يعني: وصف المشركين بأنهم يعتقدون بأن الله حكيم خطأ؛ لأننا نعلم أن هذه الحكمة هي في كثير من الأمور الإيمانية، ومن أجل ذلك شك في هذه الصفة بعض الطوائف الإسلامية، بعض المذاهب الإسلامية، ولا أكتم الحق، ولذلك أقول: إن كتب الأشاعرة طافحة بأن الله لا يوصف بأنه حكيم، مع علمهم بأن هذا الاسم الكريم مذكور في القرآن الكريم، ولكنهم يتأولون هذا الاسم: حكيم بأنه من الحكم وليس من الحكمة، فهو حكيم على وزن فعيل بمعنى فاعل، أي: أنه حاكم، أما أنه حكيم بمعنى أنه يضع الشيء في محله مقروناً بالحكمة، فهذا مع الأسف الشديد لا أقول: إن الأشاعرة لا يؤمنون به، بل يصرحون بنفيه، وكتبهم طافحة بذلك، وشبهتهم معروفة؛ لأنهم يتساءلون فيقولون: ما الحكمة من تعذيب الأطفال، أين الحكمة في تعذيب الأطفال؟ أين الحكمة في تعذيب الحيوانات؟ لا شك أن المسلم المؤمن بحكمة الله يقول: قد لا أدري ما الحكمة في تعذيب الأطفال وإن كان بعض علماء التوحيد المؤمنين بهذا الاسم (حكيم) وبمعناه الصحيح يحاولون أن يوجدوا حكمة ظاهرة في تأليم الأطفال وتعذيب الحيوانات، ولكن أنا في اعتقادي ليس كل مسلم يستطيع أن يستكشف الحكمة الإلهية في كل تصرف إلهي، ولذلك فلابد في نهاية الأمر من الإيمان الذي هو الشرط الأول في وصف المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، فالإيمان بالغيب هو الفصل الحق بين المؤمن الصادق والمؤمن الكاذب، فإذا عرفنا الله أنه وصف نفسه بأنه حكيم، فيجب أن نؤمن سواء ظهرت لنا الحكمة أو لم تظهر، على أن حكمة الحكيم العليم واضحة بينة في كثير من هذا الخلق المشهود، لا سيما المتخصصون في دراسة نظام هذا الكون. لكن تبقى هناك أمور كثيرة أو قليلة يخفى الحكمة فيها على كل الناس، أو جُل الناس أو أقل الناس، فما الذي يمنعنا أن نقول: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ؟ عجْز الأشاعرة عن أن يقفوا على الحكمة في بعض تصرفات الله فيما يخلق، فحملهم إلى تحريف عن هذا النص القرآني، فيقولون: قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] لا يسأل عما يفعل؛ لأنه يفعل ما لا حكمة فيه ولا عدل فيه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] أي: كأي جبار من جبابرة الأرض يتصرف في حدود جبروته دون أن يتقيد بعدل أو بحكمة، هكذا وهم يقولون: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ويغالون في ذلك حتى نفوا عنه الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه في حديثه، ومع ذلك يتأولون هذه الصفات، لماذا؟ قالوا: تنزيهاً لله رب العالمين، ثم ينسون هذا كله فيصفون الله بمثل ما يصفون به الجبابرة، إنه فعال لما يريد بدون عدل وبدون حكمة. ومن هنا توصلوا إلى التصريح بقولهم في عقيدة الجوهرة المشهورة عند الأشاعرة: لله تعذيب الطائع وإثابة العاصي، وشرح هذا عند بعضهم ممن لا يستحي ولا يخجل أن الله ﵎ عما يقول الظالمون علواً كبيراً له أن يدخل محمداً ﵊ وأن يلقيه في الدرك الأسفل من النار مكان إبليس الرجيم، وأن يرفع إبليس الرجيم ويجعله في الدرجة الوحيدة التي قال الرسول ﵊: (أرجو أن أكون أنا هو) في الحديث المعروف لديكم جميعاً، قالوا هذا في كتبهم: له إثابة العاصي وتعذيب الطائع، فلماذا لا يعذب الحيوان، ولماذا لا يعذب الطفل الذي لا يعرف الطاعة من المعصية، وهم يقولون: لله أن يعذب الطائع، أن يدخل الرسول في الدرك الأسفل من النار، ويرفع إبليس في أعلى درجات الجنان، قالوا هذا صراحة، من أين أخذوا هذا؟ من إطلاقات الآيات الكريمات ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧، البروج:١٦] بلا شك أنه فعال لما يريد، هل يستطيع أحد أن يحول بينه وبين ما يريد، ولكن هل فعال لما يريد، بمعنى أنه لا عدل عنده؟! حاشا لله، هل معنى فعال لما يريد، لا حكمة عنده؟ حاشا لله! ولذلك يجب كما نقول دائماً وأبداً: كل مسألة يجب أن تضم النصوص فيها بعضها إلى بعض، وتؤخذ الخلاصة من مجموع هذه النصوص، ففعال لما يريد إنما يريد الله من هذا النص وأمثاله ألا أحد يستطيع أن يحول بينه وبين ما يريد أن يفعله، لكن هذا ليس معناه أنه ليس بحكيم، وليس بعادل، كيف والله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥-٣٦] . الجبابرة من العبيد قد يفعلون هذا كما هو الواقع اليوم والمشاهد، يرفعون السفلة المجرمين في وظائف وفي منازل رفيعة جداً، ويعكسون فيضعون الناس الصالحين في وظائف يستطيع أن يقوم بها الأطفال الصغار، هذا شأن الجبابرة، أما الله الجبار بحق، والحكيم العليم فهو منزه عن كل شيء ينافي صفة الكمال فيه ﵎. هذا ما أردت التنبيه عليه بالمناسبة، وأنا أريد أن أرمي عصفورين بحجر واحد. العصفور الأول: ألا نصف الكفار بأنهم كانوا يعتقدون بأن الله حكيم؛ لأن بعض المسلمين ما آمنوا به، مع أن الله أنزل هذه الصفة في القرآن الكريم. والعصفور الثاني: إلفات النظر إلى أهمية الدعوة السلفية، التي تدعو المسلمين جميعاً إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة دون انحراف إلى الأخذ بأقوال علماء الكلام، ففي علماء الكلام ما هو إلحاد وكفر بالقرآن، وهذا مثاله قد جاءكم من باب التحذير عن وصف الكفار بأنهم يؤمنون بأن الله حكيم، وفي الوقت الذي يقولون: بأن الله خالق ومدبر الكون يؤمنون بأن الله حكيم، هذا إذا آمن به المسلمون فهذا هو واجبهم؛ لأن الله ذكر لهم في القرآن أن الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى آخره، فلا يمكن أن يؤمنوا بأن الله حكيم؛ لأن حكمته تخفى في كثير من الأمور، من أجل ذلك وقعت الأشاعرة في هذا الانحراف الخطير.

стр. 474

الدعوة السلفية ورجوعها قديماً وحديثاً إلى الكتاب والسنة عل منهج السلف الصالح المسألة الثالثة: وهي في الواقع زيادة بيان لبعض ما جاء في كلام الأخ، الدعوة السلفية تلتقي مع الدعوات الأخرى كلها قديمها وحديثها مما يحوم دعاتها في دائرة الإسلام، كلهم يلتقون في كلمة سواء وهي: أنهم يرجعون إلى الكتاب والسنة، فالدعوة السلفية من هذه الحيثية لا مزية لها على سائر الدعوات، خاصة ما كان منها قائماً في العصر الحاضر اليوم، ولكن إنما تتميز الدعوة السلفية في هذا المجال الذي يدندن الجميع حول الكتاب والسنة، أنهم يدعون إلى فهم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، لا يكتفون فقط بدعوة المسلمين إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، بل يزيدون على ذلك إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح؛ لأن هذه الفرق الكثيرة التي أشار إليها الرسول ﵊ إشارة عابرة في حديث الفرق الثلاث والسبعين، (كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي ما أنا عليه وأصحابي) وفي رواية أخرى وهي الأصح قال: (هي الجماعة) وفي الحديث الآخر: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) إلى آخر الحديث. فنجد هنا في هذين الحديثين تنبيهاً إلى هذا القيد الذي يتمسك به السلفيون من بين سائر الدعاة: كتاب وسنة وفهم على منهج السلف الصالح؛ لأن الرسول ﵊ ما قال: (ما أنا عليه) فقط، وإنما قال: (وأصحاب) وما قال: (عليكم بسنتي) فقط، وإنما قال: (وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) وهذا في الواقع اقتباس من القرآن الكريم، كمثل قول رب العالمين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] . فالله قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] لماذا جاء بهذه الجملة؟ هذه جملة بيانية خطيرة جداً، كان يكفي أن يقول: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى) ولكنه أضاف إلى مشاقّة الرسول قوله : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] بحكمة بالغة ألا وهي: أن مشاقّة الرسول إنما تظهر بمخالفة سنة المؤمنين، ومنهج السلف الصالح الذي سمعتم عنه في الكلمة السابقة. وفي ذلك يقول ابن القيم تأكيداً وإشارة عابرة سريعة إلى هذا القيد في فهم الكتاب والسنة، يقول: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه أيضاً لم يكتف بقوله: العلم قال الله قال رسوله كما يقول جماهير المسلمين، وإنما أضاف إلى ذلك: قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذراً من التعطيل والتشبيه أريد أن أقول باختصار: إن الدعوة السلفية تدندن في جملة ما تدندن حول فهم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، ومن هنا تأتيهم العصمة من الوقوع في العقائد التي تكلم عنها علماء الإسلام، وأنها انحرفت عن الجادة كـ المعتزلة وكـ المرجئة وكـ الجبرية ونحو ذلك، ومن الأفكار الحديثة اليوم التي يتكلم بها ويسطرها كثير من الكتاب الإسلاميين باسم الإسلام وهي ليست من الإسلام في شيء، ولا يمكن لأحد من أهل العلم أن يعرف ذلك إلا إذا كان متمسكاً بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، هذه ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، وبهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 475

مواضيع متنوعة في العقيدة هذه المادة هي مجموعة من الأسئلة المختلفة في باب العقيدة، والتي أجاب عنها فضيلة الشيخ الألباني ﵀، فمنها ما يتعلق بالخلافة والاستخلاف ومعنى هاتين الكلمتين لغة وشرعاً، وحكم قول القائل: الإنسان خليفة الله في الأرض وغيرها من الأحكام التي تختص بهاتين الكلمتين، كما ألقيت عليه أسئلة أخرى مختلفة، ولكنها في باب واحد وهو باب العقيدة.

стр. 476

معنى الخلافة والاستخلاف لغة وشرعاً إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. السؤال ما معنى الخلافة والاستخلاف لغة وشرعاً؟ الجواب السائل يسأل: ما معنى الخلافة والاستخلاف لغةً وشرعاً؟ ليس هناك فرق بين اللغة والشرع في هذه المسألة فكلاهما متحد فيها، لكن الشرع يؤكد التزام اللغة في ذلك. الخلافة هي مصدر، كما جاء في القاموس يقال: خلفه خلافةً، أي: كان خليفته -ولاحظوا تمام التعبير- وبقي بعده. ومما جاء في القاموس: الخليفة السلطان الأعظم كالخليف، أي: يقال بالتذكير والتأنيث، الخليف والخليفة، والجمع خلائف وخلفاء. هذا ما في القاموس، لكن الشيء البديع ما في النهاية في غريب الحديث والأثر لـ ابن الأثير، فقد ذكر أثراً فانتبهوا له! يقول: [جاء أعرابيٌ فقال لـ أبي بكر: أنت خليفة رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا. قال: فما أنت إذا كنت تقول لست خليفة رسول الله ﷺ ؟ قال: أنا الخالفة بعده] أي: الذي يأتي بعده، أما أن يكون خليفة فلا، لماذا؟ لأن معنى الخليفة فيه معنى دقيق على ما كنا نعبر عنه إجمالاً ونستنكر في التعبير، بأن الإنسان خليفة الله في الأرض، من أجل ذلك المعنى الذي يوضحه لنا الآن الإمام ابن الأثير، يقول: فقال: [أنا الخالفة بعده] أبو بكر لم يرض لنفسه أن يقول: إنه خليفة رسول الله ﷺ ، وإنما قال: [أنا الخالفة بعده] أي: جاء من بعده فقط، يفسر ابن الأثير فيقول: الخليفة من يقوم مقام الذاهب ويسدُّ مسدَّه، والهاء فيه للمبالغة، وجمعه الخلفاء إلى آخره. فالرسول ﷺ وهو بشر لم يرض أبو بكر الصديق أن يقول: إنه خليفته؛ لأن معنى الخلافة بهذه اللفظة: أنه ينوب مناب الذي خلف ومضى وهو الرسول ﵊، ولا يمكن لـ أبي بكر مهما سما وعلا أن يداني كماله ﵊. ومن هنا نعرف بأنه لا ينبغي من باب أولى أن يقال: الإنسان هو خليفة الله في الأرض؛ لأن البون أكبر من أن يذكر بين الخالق والمخلوق، فإذا كان أبو بكر لم يرض أن يقول عن نفسه إنه خليفة الرسول، فنحن لا نرضى أن نقول: إن الإنسان خليفة الله في الأرض. السائل: إذاً: فما معنى قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة:٣٦] ؟ الشيخ: أنا كنت في صدد الإجابة عن مثل هذا السؤال؛ لأن الواقع أن هذا السؤال يكثر إيراده، والجواب عنه باختصار: جاء أنه في الأرض خليفة للعلماء، وهناك أكثر من قول في تفسير هذه الآية أو هذه اللفظة بخصوص هذه الآية، والقول الذي يجنح إليه ابن كثير وهو في ذلك تابع لـ ابن جرير، يقول ابن كثير في تفسير الآية نفسها: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] : ليس المراد هنا الخليفة آدم ﵇ فقط، كما يقول طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى فلان وفلان، وفي ذلك نظر، بل الخلاف في ذلك كثير حكاه الرازي في تفسيره وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم عيناً، إذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة:٣٠] فإنهم أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك إلخ. ثم قال ابن كثير: قال ابن جرير: وإنما معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرنٍ بعد قرن، قال: والخليفة الفعيلة من قولك: خلف فلانٌ فلاناً في هذا الأثر، إذا قام مقامه فيه بعده، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:١٤] ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله فقام بالأمر، فكان منه خلفاً. هذا هو معنى الخلافة، فنحن يجب أن نستحضر هذا المعنى العربي حتى نستعظم التعبير بأن الإنسان لا سيما إذا أطلقنا فنقول: إنه خليفة الله ؛ لأن الذي يريد أن يخلف غيره يجب أن يكون أقلَّ ما يكون قريباً منه، وكما أقول دائماً وأبداً: لا يحسن مطلقاً أن يقول القائل: فلان الجاهل، فلان الزبال، هو خليفة العالم الفلاني؛ هذا مستهزئ كل الاستهزاء؛ لأنه لا يصلح أن يكون خليفةً لذلك العالم؛ لبعد الشقة بينهما في صفة الخلافة، فماذا يقال عن إنسان بالنسبة لخالق الأكوان ؟! ولذلك نجد التعابير في السنة الصحيحة تأتي لتضع الخليفة الحق، كما جاء في حديث في صحيح البخاري أن النبي ﷺ كان إذا سافر سفراً دعا قائلاً: (اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل) وفي رواية: (في الحضر) ، فإذا غاب الزوج عن بيته فمن الخليفة من بعده؟ هو الله ؛ لأنه هو الذي يحسن الخلافة، أما أن يكون العبد العاجز الجاهل، مهما كان قوياً وعالماً، أن يكون خليفة عن الله في الأرض، فهذا تعبير مستهجن لغةً وشرعاً!! هذا ما عندنا بالنسبة لهذا السؤال.

стр. 477

الضابط في تمييز الأمور الاعتقادية عن التشريعية السؤال ما هو الضابط الذي يميز الأمور الاعتقادية عن غيرها من الأمور التشريعية؟ الجواب قبل الإجابة عن هذا الضابط أقول: إن مما دخل في الإسلام ولا يعرفه السلف الصالح، هو تقسيم الدين إلى أقسام لم يأتِ عليها نص في الكتاب ولا في السنة، من ذلك تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ومن ذلك ما جاء السؤال حوله، وهو تقسيم الإسلام إلى أمور اعتقادية وأحكام شرعية، وبناءً على هذا الاصطلاح الحادث جاء هذا السؤال: ما هو الضابط في تمييز الأمور الاعتقادية عن الأمور التشريعية -أي: الأحكام الفقهية-؟ من حيث اعتقادنا أن هذا التفريق لا أصل له، فأنا أنصح السائل بأنه لا يهتم بمعرفة هذا الضابط، بقدر ما يجب عليه أن يعرف أي شيءٍ كان هل هو من الإسلام أم ليس من الإسلام؟ ثم لا عليه بعد ذلك إذا عرف هذا الاصطلاح بقسميه، وأنه ينطبق على هذه الجزئية، القسم الأول أو القسم الآخر؛ لأن المهم عهو طاعة الله في كل ما شرع، ولا يهمنا أبداً أن نعرف الأمور الاصطلاحية، لا سيما إذا كان يترتب من وراء هذه الأمور الاصطلاحية الاهتمام ببعضها دون الاهتمام بالبعض الآخر، أو تقويم -ويقولون اليوم: تقييم وهو خطأ- تقويم قسم منها ما يستحقه دون القسم الآخر وكله شرعي، ويترتب من وراء اصطلاح كهذا تنزيل قيمة بعض هذه الأحكام الشرعية عن البعض الآخر، فهذا اصطلاح يجب الإعراض عنه، بل يجب أن يضرب به عرض الحائط. الآن أجيب على السؤال مع ضرب المثال الذي يتفرع من هذا الاصطلاح يميزون الأمور الاعتقادية عن الأمور التشريعية: بأن كل خبرٍ جاء في الكتاب أو في السنة له علاقة بأمر غيبي وليس له علاقة بحكم شرعي عملي، فهذا هو الذي يعنون به أنه من الأمور الاعتقادية، وبالعكس إذا كان ذلك الأمر الذي جاء في الكتاب والسنة يترتب من ورائه حكم عملي فهو حكم شرعي، ويتبين من هذا التقرير بأن الأمور الغيبية هي الأمور الاعتقادية، فمثلاً: الاعتقاد بعذاب القبر لا يترتب وراءه عمل؛ لأنه يقف فقط عند العقيدة، وكذلك الاعتقاد بالملائكة، ووجود الجن، وأشراط الساعة، ونحو ذلك من أخبار بدء الخلق وقيام الساعة، فكل شيء ليس له علاقة إلا بالعقيدة فهو من الأمور الاعتقادية، وما يقابل هذا من الأمور العملية هي الأحكام الشرعية. وما حصيلة هذا التقرير؟ ذلك ما أشرت إليه أن بعضهم ابتدع فقال: إذا كانت الأمور الشرعية من القسم الأول -أي: لها علاقة بالأمور الغيبية الاعتقادية- وكان ذلك الأمر قد جاء في حديث صحيح فلا يؤخذ به؛ لأن له علاقة بالأمور الاعتقادية، أما إذا جاء هذا الحديث في القسم الثاني من الأحكام الشرعية فيجب الأخذ به؛ لأنه تضمن حكماً شرعياً، وهناك لا يؤخذ؛ لأنه تضمن أمراً اعتقادياً، هذا اصطلاح ليس له أصل في الكتاب والسنة مطلقاً، وإنما هو من علم الكلام والفلسفة الذي تسرب إلى المسلمين في صور شتى، فانحرف بهم عن كثيرٍ من دينهم وشريعتهم. ولنا رسالة في بيان أن هذا التفريق بين الأمور الاعتقادية والأمور التشريعية تفريق لا أصل له، وأنه مجرد أن يأتي الخبر عن الرسول ﵊ صحيحاً يجب الإيمان والتصديق به؛ سواءً تضمن عقيدةً فقط أو تضمن حكماً شرعياً. وهذه الرسالة مطبوعة، وباستطاعة من كان حريصاً على التوسع في هذه المسألة أن يرجع إليها. لكني قبل الانتقال إلى الإجابة عن سؤال آخر أريد أن أذكر بحقيقة هامة، قلت في تلك الرسالة وفي غيرها: إن هذا التفريق مع أنه لا أصل له، لو عكس ذلك رجلٌ مثلي لكان أقرب إلى الصواب، أي: أن يقول: لا يجوز الأخذ بالأحكام إلا بالحديث المتواتر القطعي الذي اشترطوه في العقيدة فقط، أنا أقول: لو عكسوا لكانوا أقرب إلى الصواب، ولا أقول: لأصابوا؛ لأن التفريق لا أصل له في الشريعة، لكن لو عكسوا لكانوا أقرب إلى الصواب؛ لأن كل حكم شرعي يتضمن عقيدةً، وليس كل عقيدة تتضمن حكماً شرعياً، فمثلاً: الإيمان بعذاب القبر قضية اعتقادية محضة، لكن اعتقادك بأنه يجب كذا، أو يستحب كذا، أو يحرم كذا، فهذا يتضمن عقيدة، لو أن رجلاً صلى ركعتين والناس نيام بغير قصد التقرب إلى الله فلا يستفيد من ذلك شيئاً إطلاقاً، ولو صلاهما بقصد الفرض لا يستفيد من ذلك شيئاً؛ لأنه تضمن عقيدة عملها لكنه تضمن عقيدة غير مشروعة، عندما صلاهما بنية الفرض، لكن لما صلاهما بنية النفل صارت عبادة. فكل أحكام الشريعة لا يمكن أن نفصل فيها بين الحكم وبين الاعتقاد بمضمونه، فالأحكام الخمسة التي تعرفونها: الفرض والسنة والحرام والمباح والمكروه، هذه كلها لا تنفصل عنها العقيدة، وإذا تصورنا حكماً عملياً قام به مسلم وفصلنا عنه الاعتقاد به لم يكن حكماً شرعياً مطلقاً. لذلك فاشتراط الحيطة والحذر في الأحكام الشرعية التي تتضمن عقيدة وعملاً، أولى من اشتراط الحيطة والحذر في الأمور التي لا يقترنها حكم عملي، كالإيمان بعذاب القبر مثلاً، لكننا نقول: لا يجوز التفريق بين هذا وهذا مطلقاً. عرفنا إذاً أننا بصفتنا مسلمين نتمسك بما كان عليه السلف الصالح من مفاهيم الكتاب والسنة، ونمشي على آثارهم، أننا لا نفرق بين الأمور الاعتقادية وبين الأحكام الشرعية، فكل ذلك دين يجب أن نتعبد الله به، لا نفرق بين العقيدة وبين الحكم الشرعي والعبادة، فإذا ثبت حديث وتضمن حكماً شرعياً سلمنا تسليماً، وإذا جاء حديث صحيح -أيضاً- وتضمن أمراً غيبياً سلمنا تسليماً، لا نفرق بين هذا وهذا؛ لأن السلف ما فرقوا بين هذا وهذا، وكذلك الأئمة الأربعة لا يصح عن أحدٍ منهم التفريق بين العقيدة وبين الأحكام الشرعية، وإنما حدث التفريق -كما أشرنا آنفاً- من بعض المتأخرين من علماء الكلام. الذي نريد أن نذكر به مرة أخرى: موضوع الكفر الاعتقادي والكفر العملي، الذي تخبط فيه الشباب في العصر الحاضر تخبطاً خطيراً جداً، حتى وقع ألوف منهم في مذهب الخوارج، فكفَّروا المسلمين بسبب عدم تفريقهم بين الكفر الاعتقادي والعملي نحن نقول: الكفر الاعتقادي مقره القلب، وهذا لا يعلمه إلا الله ﵎، والكفر اللساني نحن نعرفه؛ لأننا نسمع، وإنما ندين الناس مما يظهر لنا منهم من أعمالهم ومن أقوالهم، فعندما نفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي لا نريد أن نقول: فلان عند الله مؤمن، أو هو عند الله كافر، بل أمره إلى الله ﵎، فإذا ظهر لنا منه ما يدلنا على أنه كافر بقلبه، فنحن نعامله على ما ظهر لنا منه وحسابه إلى الله ﵎، لكن المشكلة التي هي نقطة الدقة في الموضوع، أننا نجد في العصر الحاضر أناساً يظهر منهم ما يدل على إسلامهم وإيمانهم، ومن جهة أخرى يظهر منهم ما يدل على كفرهم، فما هو الشيء الذي نغلبه على هذا الجنس من البشر؟ هنا يقع الخبط والخوض، فمجرد أن نرى في الإنسان -مثلاً- تركاً للصلاة حكمنا عليه بأنه مرتد عن دينه، وهو لم ينكر مشروعية الصلاة، فضلاً عن أن يكون موظفاً -مثلاً- في دولة لا تحكم بما أنزل الله، فنقول: إنه كافر مرتد عن دينه. هذه الظواهر لا تدل على ما في قلب هذا الإنسان يقيناً حتى نتبنى الحكم عليه بالظاهر، لا سيما -كما قلت آنفاً- أن هناك ظواهر أخرى تدلنا على إسلامه، ولست أريد الخوض في هذه المسألة إلا بمقدار ما أنبه السائل أننا حينما نقول: الكفر الاعتقادي والكفر القلبي؛ لنحكم بالعدل بالنسبة للمكلفين أمام الله يوم القيامة، أما هنا في الدنيا فقد يظهر لنا إنسان كافر وهو ليس بكافر عند الله، وبالعكس؛ يظهر لنا أنه مسلم وهو منافق كبير عند الله ﵎، وهذا معروف في التاريخ الإسلامي الأول فضلاً عن تاريخنا الحاضر. أضرب لكم مثالاً نبهتكم عليه مراراً: أكثر أئمة المسلمين يقولون بالنسبة لتارك الصلاة: إنه يقتل حداً ويدفن بمقابر المسلمين، وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لا يتصور إنسان يؤثر القتل على أن يصلي، فهو يقتل كفراً؛ لوجود القرينة على أن هذا رجل كما يقال اليوم في لغة العصر الحاضر: عقائدي؛ لأنه لو كان لا ينكر الصلاة لما أثر القتل عليها وصلى ولو نفاقاً. أما هذا السؤال الذي أنت تسأل عنه، تريد قرينة ظاهرة تستند إليها، تقول: يقتل حداً أو كفراً، ما دام أنك ما استطعت أن تصل إلى قرينة ظاهرة، وتدل قطعاً أنه منافق بقوله، فحينئذٍ حسبك أن الشارع أعطاك صلاحية استئصال شره من وجه الأرض، ثم حكمه إلى الله ، فهو يعلم السر وأخفى.

стр. 478

إثبات صفة العلو لله السؤال ما القول في الحديث الذي رواه مسلم عن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان إذا أمطرت السماء حسر عن منكبيه حتى يصيبه المطر ويقول: إنه حديث عهدٍ بربه) مع العلم أن السحابة مصدر المطر قريب من الأرض وهو في السماء الدنيا؟ الجواب كأن السائل يفرق بين العلو القريب والعلو البعيد، وهناك فرق بين ما يتعلق بصفة العلي الأعلى المطر صحيح أنه ينزل من السحاب، لكن السحاب من السماء، وكل ما علاك فهو سماء، فهو ينزل من مكان يوصف بالعلو، فحينما رئي الرسول ﷺ وقد نزل المطر وخرج يتوقاه بصدره، فاستغرب منه ذلك بعض أصحابه وسألوه عن السبب، فقال: (إنه حديث عهدٍ بربه) في ذلك إشارة إلى أن الله له صفة العلو، لكن نحن كما نقول دائماً وأبداً: علو الله صفة من صفاته كأي صفةٍ أخرى، ومجموعة صفاته كذاته، كما أن ذاته لا تشبه شيئاً من الذوات، كذلك صفاته لا تشبه شيئاً من الصفات، فإذا كان الكتاب والسنة متواردين في آيات وأحاديث كثيرة جداً على إثبات صفة العلو للعلي الغفار؛ فهذا الحديث من تلك الأحاديث التي تشير إلى صفة العلو، لكن الحديث لا يعني أن الله في السحاب، وإنما يعني أن هذا المطر نزل من جهة العلو الذي هو صفة من صفات الله ، لكن العلو باعتباره صفة من صفات الله، فهو عالٍ على جميع مخلوقاته ﵎، ونحن مجرد أن نتصور هذه الصفة بدون أي تكلف؛ لأن الأمر كما يقول العلماء: كل ما خطر في بالك فالله خلاف ذلك، لكن مجرد أن نتصور أنه عالٍ على جميع مخلوقاته يكفي أن نقنع أنفسنا؛ لأن هذه الصفة لا تشبه صفات المخلوقات، وأي مخلوق يكون فوق المخلوقات كلها؟! فالله الذي له هذه الصفات المطلقة أن يكون عالياً على جميع مخلوقاته، فنزول المطر من السماء، وتلقي نبينا إياه بصدره وقوله: (إنه حديث عهدٍ بربه) أي: حديث عهد لانصبابه من الجهة التي تشترك في صفة العلو، ونحن دائماً وأبداً نقول: إن المخلوقات تشترك مع الله في الصفات اسماً لا حقيقةً، فنحن نقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. ﴾ [البقرة:٢٥٥] ونحن أحياء ولسنا أمواتاً، لكن سنقول: حياة الله ليست كحياتنا، إذاً انتهت المشكلة، فردوا هذه القاعدة واستريحوا من فلسفة علم الكلام، كل صفة ثبتت في الكتاب والسنة فاحملوها على آية التنزيه والإثبات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:١١] . الرسول ﵊ قال: (إنه حديث عهدٍ بربه) أي: انفصاله من الجهة العليا، والجهة العليا هي صفة من صفات ربنا ﵎، لكن هل هذه الصفة كهذه الصفة؟ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .

стр. 479

الإيمان يزيد وينقص السؤال يقول ﷺ : (إنما الإيمان كثوب أحدكم يلبسه مرة ويخلعه أخرى) ، وعنه مرفوعاً: (إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان فكان كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان) ، وقال أحمد: عن ابن عباس أنه قال لـ ابن مالك: [من أراد منكم الباءة زوجناه، لا يزني منكم زانٍ إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده رده، وإن شاء أن يمنعه منعه] الأحاديث السابقة تدل حسب ما بدا لي على أن الإيمان يخلع مرة واحدة أو ينفى مرة واحدة، فكيف يجمع بينها وبين الآيات التي تدل على زيادة الإيمان ونقصانه؟ وما تعليق فضيلتكم على مذهب الأحناف في موضوع أن الإيمان يكون أو لا يكون في حديث إيمان الزاني، هذا مع أنه يوافق مذهبهم كما يبدو وجزاكم الله خيراً؟ الجواب الحديث الأول لا أذكر إذا كان ثابتاً أو لا، وهو: (إن الإيمان كثوب أحدكم يلبسه مرة ويخلعه أخرى) . الذي يستحق التعليق في ظني على هذا السؤال هو الحديث المرفوع الذي ذكره السائل بعد الحديث المروي عن أبي هريرة المرفوع في الأول، هذا على أنه موقوف، فأنا لا أذكر إذا كان ثابتاً عن أبي هريرة أم لا. أما الحديث الثاني وهو قوله عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي ﷺ : (إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان فكان كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان) ، هذا الحديث متمسك به لمن ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأرجو من السائل والسامع في آن واحد أن يكونوا أو يحاولوا أن يكونوا ممن تحدث رسولنا ﷺ عنهم بقوله: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فهو ينبغي أن ينظر في الحديث نظرة صادقة عن تأييد مذهب على مذهب، فإذا كان هذا الحديث -كما يتوهم السائل- يؤيد مذهب الحنفية، فهل الحنفية يقولون: إن الزاني إذا زنى كفر؟ فالحديث نفسه لا يكون للحنفية خلافاً لما توهم السائل؛ (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ، هم الأحناف أنفسهم، وهذا في الواقع مما يقيم الحجة عليهم بكلامهم، لا يجدون تفسيراً لهذا الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) وهو مفسر لهذا الحديث إلا على طريقة الجمهور من السلف الصالح الذين يقولون: إن الإيمان لا يعني الاعتقاد فقط، بل وفيه يدخل -أيضاً- العمل الصالح. ومن هنا جاء اعتقادهم الآخر الصحيح: أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا صريح في القرآن الكريم، ولذلك فقوله ﵇ في الحديث المذكور: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) كيف تأوله الأحناف؟ قالوا: وهو مؤمن كامل الإيمان. إذاً: الإيمان له مراتب وله درجات، يدخل فيه نقص وزيادة، فتأويلهم للحديث هو تأييد لرأي الجمهور الذين يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، وإن الإيمان من معناه العمل الصالح، إذا عرفنا هذه الحقيقة ورجعنا إلى هذا الحديث فلا يمكن أن يفسر هذا الحديث لا على مذهب الجمهور الذين يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، ولا على مذهب الحنفية الذين يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص وإنما هو حقيقة واحدة. فقوله: (إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان فكان كالظلة) نحن إذا نظرنا هنا إلى لفظتين: أولاً: الإيمان، وثانياً: الظلة، فهل نأخذ لفظ الإيمان بالمعنى الجامد الذي لا يقبل الزيادة والنقص؟ وهذا لا يقوله علماء السلف قاطبةً، وهنا بالذات لا يقوله الحنفية أيضاً؛ لأنهم لو قالوا: خرج منه الإيمان، معناها أنهم قالوا بقول الخوارج، وهو أن ارتكاب الذنب الكبير هو خروج من الدين، وهذا -والحمد لله- لا يقوله الحنفية، لذلك فهم سيضطرون إلى تأويل الإيمان مثلما أولوا الحديث الآخر: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) أي: وهو مؤمن كامل الإيمان، فهنا يخرج منه الإيمان كله، أو الإيمان الثاني الذي يستلزم ألا يقع في مثل هذه المعصية. هذا التأويل الأول، أن نقول: الإيمان يعني الإيمان الثاني، أما الإيمان المنجي من الخلود يوم القيامة فأقل منه بكثير ينجي، هذه اللفظة ينبغي النظر إليها -أولاً- لفهم الحديث على الوجه الصحيح. اللفظة الأخرى: (فكان عليه كالظلة) هذا لا يعني أن الإيمان خرج منه خروجاً، حتى لو فسرنا الإيمان بالإيمان المطلق، أي: خرج الإيمان الكامل والناقص بحيث لم يبق في قلبه شيء من الإيمان، لو فسرنا هذا التفسير -أيضاً- فلا يعني الحديث أن هذا الرجل خرج منه الإيمان وانفصل عنه بالكلية، أي: إنه مات موتاً معنوياً، صار كافراً، لا؛ لأنه خرج منه وصار متعلقاً به تعلق الظلة بالمستظل بها، وأقرب شيء نستطيع أن نفسر تعلق الإيمان والحالة هذه بصاحب هذه الجريمة، خروج الروح من الإنسان وهو نائم، وفرق بين خروج الروح من الإنسان وهو نائم فهو لا يزال حياً، لكن حياته غير الحياة الطبيعية وهو يقظ، وعلى العكس من ذلك خروج الروح من بدن الإنسان نهائياً، فيصبح بدنه كالخشبة، هكذا نستطيع أن نفرق بين خروج الإيمان كله من الإنسان فيموت موتاً معنوياً كما يموت الجسد في انفصال الروح منه انفصالاً كلياً، وبين أن يموت نصف موتة، أو بعض موتة -إذا صح التعبير- أن يخرج من الإنسان هذا الإيمان الكامل الذي لا يليق بهذا المجرم الذي ارتكب الزنا. فإذاً: هذا خروج لا يزال الإيمان متعلقاً بصاحبه، كما لا تزال الروح متعلقة بصاحبها في حالة نوم الجسد ولا تزال الروح متعلقة، فإذاً خرج منه الإيمان الكامل ولم يخرج منه خروجاً مطلقاً بحيث لم يبق له علاقة، فإذا انقلع -هكذا جاء في اللفظ وأظن أنه أقلع- رجع إليه الإيمان. وأخذ الحديث ودراسته دراسة سطحية ظاهرية، هذا أولاً: ليس من طريقة العلماء إطلاقاً، لا فرق بين الماتريدية والأشاعرة فيما يتعلق بموضوع الإيمان زيادته وعدم زيادته، وماذا يقول السائل في مثل الحديث الصحيح وهو أصح من هذا: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) هل نفسره هكذا على الظاهر، لا إيمان مطلقاً؟ لا أحد يقول هذا، لا حنفي ولا شافعي. إذاً: لا إيمان كامل ولا دين كامل، كذلك هذا الحديث الذي يفسر ملاحظاً فيه الإيمان الكامل أولاً، وشيء زائد وهو أن يكون عليه كالظلة ليس منفصلاً عنه كلياً، لذلك إذا ما أقلع عن الذنب عاد هذا الإيمان إلى صاحبه؛ لأنه لم ينفصل عنه كلياً. ومن هذا البيان والشبه أظن يؤخذ الجواب عن سؤال السائل حين أتبع ما سبق بقوله: وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال لغلمانه: [من أراد منكم الباءة زوجناه، لا يزني منكم زانٍ إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده رده، وإن شاء أن يمنعه منعه] فهنا نزع الله منه نور الإيمان بُين المنزوع وليس هو الإيمان نفسه، وإنما نوره، وهذا بدل. السائل: الأحاديث السابقة تدل حسب ما بدا لي على أن الإيمان يسقط مرة، أو ينفى مرة واحدة، فكيف يجمع بينها وبين الآيات التي تدل على زيادة الإيمان؟ الشيخ: قد عرفنا يا أخي الجواب! ما دام الإيمان يزداد وينقص فالمنفي هو الإيمان بالكامل، وليس أصل الإيمان، وقد ضربت مثلاً آنفاً واضحاً جداً: (لا إيمان لمن لا أمانة له) ومثله أحاديث كثيرة، لا إيمان كاملاً، وإذا أخذنا الأحاديث وفسرناها على ما يريد السائل تركنا مذهب أهل السنة جميعاً على ما بينهم من اختلاف في زيادة الإيمان ونقصانه، والتحقنا بـ الخوارج الذين يكفرون المسلمين لمجرد وقوعهم في بعض المعاصي الكبيرة. السائل: وما تعليل استشهادكم على مذهب الأحناف في موضوع أن الإيمان يكون مرة أو لا يكون بحديث إيمان الزاني، مع أنه يوافق مذهبهم، كيف يوافق مذهبهم؟ وهل الأحناف يقولون: الزاني يكفر؟ الشيخ: لا. وقد فسرت ماذا يقول الأحناف، مما يؤيد أن الصواب في موضوع الإيمان هو ما يرجفون، ويكفي تنبيهاً للسائل أن الآيات التي أشار الشارع إليها صريحة في زيادة الإيمان، ولذلك إذا جاءنا الحديث الذي سأل عنه، أو حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فلابد من تفسير هذه الأحاديث تفسيراً يتفق مع النصوص الأخرى من الكتاب والسنة، حتى نكون في حرزٍ وفي حصن من الانحراف يميناً أو يساراً، وأننا لسنا من الخوارج أو من المعتزلة والعياذ بالله تعالى!

стр. 480

رأي الشيخ في أصول قررها أحد الكتاب الإسلاميين وتعليقه عليها السؤال ما رأيكم في هذه الأصول التي قررها كاتب إسلاميٌ كبير: آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يلحق بذلك من المتشابه، نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل، ولا نتعرض لما جاء فيها من اختلافٍ بين العلماء، ويسعنا ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] ؟ الجواب هذا كلام سليم وجميل، لولا أن فيه غموضاً في ناحية واحدة، فلا بد من توضيحها وبيانها، وهي قوله في آخر بيانه: وإنما يسعنا ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه، أو كما قال نقول: نعم. ولكن آيات الصفات هذه وأحاديث الصفات حينما لم يتأولها رسول الله ﷺ ، ولم يعطلها، يرد سؤال هنا: هل فهمها، أم لم يفهمها؟ إن قيل: فهمها، إذاً لا بد لنا من فهمها اقتداءً بالنبي ﵇؛ لأن الكاتب يقول: يسعنا ما وسع الرسول ﵊. وهذا كلام حق. وإن قيل: رسول الله ﷺ ما فهمها ولا بحث عنها، فهذا صدم وضرب لأعز شيء في الرسول ﵊، حيث أنه قد أنزل القرآن عليه، وكلف ببيانه للناس، فإذا قيل بأن الرسول ﵊ لم يفهم هذه الآيات، فهو بطبيعة الحال لم يبينها للناس؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والقول بأنه لم يبين ذلك منافٍ لعديدٍ من النصوص، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] إلى آخر الآية، وإن قيل: لا. حاشا لله، فإن الرسول ﵊ قد فهم هذه الآيات كما فهم القرآن كله، تجاوباً منه مع مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢] فحينئذٍ لا بد للخلاص من التأويل والتعطيل، من الفهم لنصوص آيات الصفات وأحاديث الصفات بدون تعطيل وبدون تشكيك. الأصل في هذا أن في مسألة آيات الصفات وأحاديث الصفات مذاهب ثلاثة: مذهب السلف، وهو فهم النصوص كما جاءت بدون تشبيه وبدون تأويل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لا نقول: الله أعلم بمراده. المراد مفهوم من قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، لكن في الوقت الذي نفهم هاتين الصفتين بالأسلوب العربي لا نشبه ربنا بشيءٍ من عباده، جمعاً بين التنزيه والإثبات المذكورين في هذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هذا مذهب السلف. مذهب الخلف: هو المذهب الثاني، وهو تأويل آيات الصفات -زعموا- خشية التشبيه، فوقعوا -مع الأسف الشديد- في التعطيل، أي: أنكروا كثيراً من الصفات، والمذاهب هنا منها المؤولة المتعمقة في التأويل، حتى لتكاد تنكر وجود الله بسبب إنكارهم لصفات الله، ولا شك أن بعض الفلاسفة الإسلاميين وقعوا في هذا الجحد المطلق، يقولون: لا نصفه بأنه حي، ولا نقول: إنه حي أو ليس بحي، لماذا؟ لأنه لو قلت: إن الله حي، فأنا متكلم وأنا حي وأنت حي، وهذا تشبيه، ولا نقول: ليس بحي؛ لأننا حكمنا عليه بالعدم، وهكذا وقعوا في (حيص بيص) وفي حيرة، أدت بهم في الواقع إلى الجحد المطلق. لذلك أحسن التعبير عن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم تبعه بعد ذلك ابن القيم فقال: المعطل يعبد عدماً. لا شك، لكن قلت: إن المؤولة يتفاوتون في التأويل، فمنهم من أغرق في التأويل حتى وصل به الأمر إلى الجحد المطلق، ومنهم دون ذلك، ومنهم أقل وأقل، ومن هؤلاء الأشاعرة والماتريدية مع الأسف؛ فهؤلاء -والكلام يهمنا بالنسبة إليهم؛ لأن جماهير المسلمين اليوم من أهل السنة يتمذهبون بمذهب هذين المذهبين- فهؤلاء -مثلاً- في الآية السابقة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لا يتأولون السمع والبصر، لا يقولون كما تقول المعتزلة (السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) أي: عالم، فـ المعتزلة أشد إغراقاً في تعطيل آيات الصفات بطريق التأويل، فهم لا يقولون: نصف ربنا بأن له سمعاً وله بصراً، لكن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، والمعتزلة يقولون: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] أي: العليم. فنقول: الله وصف نفسه في غير ما آية بأنه عليم، فكيف تعطلون هذه الآية أو هاتين الصفتين؟ الماتريدية والأشاعرة سلكوا هنا على الجادة، قالوا: نقول كما قال ربنا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لكن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] بينما أولوا آيات أخرى وأحاديث أخرى في صفات، لماذا؟ قالوا: نخشى من التشبيه، أي: إما أن تطردوا هذه الخشية فيصل بكم الأمر إلى الجحد المطلق، وإما أن تقفوا موقف السلف عند هذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هذان مذهبان: مذهب السلف: الفهم، وما يجب على ذلك من القواعد العربية مع التنزيه، ومذهب الخلف: التأويل خشية التشبيه، فوقعوا في كثيرٍ من التعطيل. ووجدت طائفة ثالثة، وهم الذين -زعموا- يريدون أن يقفوا وسطاً بين هؤلاء وهؤلاء، وهؤلاء يسمون بـ المفوضة، هم لا يفسرون تفسير السلف، ولا يؤولون تأويل الخلف، فإذا قيل لهم: ما معنى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ؟ قالوا: الله أعلم بمراده ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] قالوا: الله أعلم بمراده وهكذا كل آيات الصفات لسان حالهم يقول: لا نعلم، لا نعلم، لماذا لا تعلمون؟ الآيات واضحة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] إلخ، ويقولون: نحن إذا أردنا أن نفصل نريد أن نؤول، وإذا أولنا خالفنا السلف، إذاً نقف بين هؤلاء وهؤلاء. وأنا أعرف من تجربتي وقراءتي للبحوث التي تقع في هذا العصر، أن أكثر الكتاب الإسلاميين اليوم من غير السلفيين مذهبهم التفويض، لا يأخذون بمذهب السلف وهو واضح جداً؛ لأن الخلف هونوا وقللوا من قيمة مذهب السلف حينما قالوا: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحسن. بئس ما قالوا! معنى هذا الكلام: أن السلف ومن بينهم محمد ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وغيرهم، لم يفهموا الفهم الصحيح لهذه الآيات، لماذا؟ قالوا: لأن الولوج في تفسيرها قد يورط المفسر فيقع في شيء من التعطيل أو التشبيه، أما الخلف فقد ابتعدوا عن هذا وهذا، وجاءوا بالعلم الدقيق الصحيح بتفسير هذه الآيات كيف يمكن أن يعقل هذا؟!

стр. 481

أبيات شعرية توضح العقيدة السلفية عقيدتنا سلفية الأفكار والإيمان أصل الصواب على مدى الأزمان تفنى العقائد والشعوب وتمتحي وتظل دعوتنا بكل مكان حفظ الإله لنا عقيدة أحمدٍ بالحفظ من مكلوم والقرآن لا زيغ فيها لا انحراف يمسها سلمت من التحريف والنقصان خلبت على الأيام دعوة أحمدٍ عمت جميع الأرض والعمران هي للبرايا رحمةٌ من ربهم جلت وعزت رحمة الرحمن أخذ الصحابة ما أتاهم من هدى واستسلموا لعقيدة الفرقان ما أولوا أو عطلوا أو شبهوا بل صدقوا ما جاء في إذعان لم يعملوا أفكارهم في ذاته أو في صفات الخالق الحنَّان فهموا من الأوصاف معنىً واضحاً في الوهلة الأولى مدى الأذهان مرت كما جاءت على أفهامهم من دونما لفٍ ولا دوران قالوا: سميع ذاك سمعٌ لائقٌ بجلاله لا السمع بالآذان فالذات ليست كالذوات وسمعها لا يشبه الأسماع في الإنسان وله يدٌ لا بل يدان وأعينٌ ليست كعين الخلق والأعيان من قال إن العين تعني حفظه أو قال إعطاء العطاء يدان مبسوطتان يداه ﷻ بالخير والإكرام والإحسان الله فوق العرش فوق عباده هو مستوٍ لا كاستوا إنسان قالوا بل استولى لتأويل استوى قلنا: أكان العرش غير مصان أم كان مملوكاً لربٍ غيره فأتى الإله منافساً للثاني قالوا: استوى جهةٌ وحصرٌ عندها والله موجودٌ بكل مكان جعلوا المكان لمن بغاه حاوياً والله فوق مكانهم وزمان ليس العلو لربنا كجهاتهم هو ظاهرٌ فوق العباد وداني الله خالق كل شيءٍ عالمٌ وهو المحيط بكل خلقٍ ثان الأمر أمر الله حكمٌ نافذٌ لا يكره الإنسان في الأديان أقداره خيرٌ ولا يرضى لنا كفراً وكسب الشر فعلٌ جاني أفكارنا من أعطيات كتابنا ليست بتأويلٍ ولا هذيان من فهم أحمد ثم فهم صحابه فلك الهدى والخير في الأكوان من منهج الأصحاب نهج حياتنا في الفكر والأخلاق والإيمان لا نرتضي بدعاً فكل ضلالة في النار صاحبها مع الشيطان من شرع الأحكام كان منافساً لله في التشريع والتبيان لا نأخذ الأحكام من زيدٍ ولا من أي إنسان بلا برهان قال الإله وقال خاتم رسله برهاننا فالوزن بالميزان بالحق نعرف قائلاً فنجله لا نعصم الإنسان عن نسيان ما كثرة تعطي الصواب لكثرة لا توزن الأفكار بالقبان لا نعبد الأشخاص في تقليدهم من دون فكرٍ مشية العميان فإطاعة الأشخاص نوع عبادةٍ إن خالفوا هدياً من العدنان ما طاعة مفروضة في شرعنا إلا لرب العرش والأكوان وله العبادة لا شريك له بها هو وحده المخصوص بالإذعان لا نستغيث بغيره أو نرتدي شيئاً من الطاغوت والكهان كل التضرع والتذلل والرجا والخوف والإشفاق للديان إن العبادة لا تجوز لغيره إن جوزت كانت إلى الأوثان إن التوكل والخضوع عبادةٌ وكذا الدعاء وطلبة الغفران ثم الذبائح والنذور تقرباً بالأولياء وكل صاحب شان من يسأل المقبور يشرك عامداً ما الشرك والإيمان يجتمعان كل الذنوب يجوز غفران لها لا يغفر الإشراك بالرحمن الشرك يخفى عن كثيرٍ أمره أخفى دبيباً من دم الشريان هذي عقيدتنا وهذا شأنها وبها نواجه منزل القرآن في الله لا نخشى ملامة لائمٍ فاللوم بعض مصائب الشيطان ندعو لكثرتنا ولا نخشى الردى لا يرهب الآجال غير جبان لكننا لا ننثني عن عزمنا والله يعصمنا من الطغيان

стр. 482

تفسير القرآن الكريم إن تفسير القرآن الكريم يعتمد أول ما يعتمد على تفسيره بالقرآن، ثم بالسنة، وذلك وفق القواعد التي أقرها أهل العلم، وبهذا يتم الجمع بين النصوص التي ظاهرها الاختلاف في بعض الأحيان، مع فهمها فهماً صحيحاً دون ضرب النصوص بعضها ببعض. وفي هذه المادة أجاب الشيخ عن بعض الأسئلة التي تجلِّي هذا المفهوم، كما أجاب عن بعض الأسئلة لبيان ضوابط حمل ألفاظ النصوص على المعاني المرادة فيها.

стр. 483

حكم عدم الإنصات لتلاوة القرآن إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. السؤال عندما تكون المسجلة مفتوحة على القرآن الكريم، وبعض الحاضرين لا يستمعون بسبب أنهم مشغولون بالكلام، فما حكم عدم الاستماع؟ وهل يأثم الذي فتح المسجلة أو أحد الحاضرين؟ الجواب الجواب عن هذه القضية يختلف باختلاف المجلس الذي يتلى فيه القرآن من المسجلة، فإن كان المجلس مجلس علمٍ وذكرٍ وتلاوة للقرآن؛ فيجب والحالة هذه الإصغاء التام، ومن لم يفعل فهو آثم؛ لمخالفته لقول الله تعالى في القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] أما إذا كان المجلس ليس مجلس علم، ولا مجلس ذكر، ولا مجلس تلاوة قرآن، وإنما مجلساً عادياً، كأن يكون الإنسان يعمل في البيت، أو يدرس، أو يطالع؛ ففي هذه الحالة لا يجوز فتح آلة التسجيل ورفع صوت التلاوة، بحيث يصل إلى الآخرين الذين هم في البيت أو في المجلس، فهؤلاء في هذه الصورة ليسوا مكلفين بالسماع؛ لأنهم لم يجلسوا له، والمسئول هو الذي رفع صوت المسجلة، وأسمع صوتها للآخرين؛ لأنه يحرج الناس، ويحملهم على أن يستمعوا للقرآن وهم ليسوا مستعدين لهذا الاستماع. وأقرب مثال على هذا: أن أحدنا يمر في الطريق فيسمع السمان، وبائع الفلافل، والذي يبيع (الكاسيتات) -الأشرطة-، وقد ملأ صوتُ القرآنِ الطريقَ، وأينما ذهبت تسمع الصوت، فهؤلاء الذين يمشون في الطريق كل في سبيله، هل هم مكلفون بأن ينصتوا لهذا القرآن الذي يتلى في غير محله؟ الجواب: لا، وإنما المسئول هو هذا الذي يحرج الناس ويسمعهم صوت القرآن، إما للتجارة، أو للفت نظر الناس إليه، ونحو ذلك من المصالح المادية. فإذاً: هم يتخذون القرآن من جهة مزامير، كما جاء في بعض الأحاديث، ثم هم يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً بأسلوب آخر غير أسلوب اليهود والنصارى، الذين قال الله في حقهم: ﴿يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران:١٩٩] .

стр. 484

إثبات صفة المكر لله تعالى السؤال جاء في القرآن الكريم أن الله يخبر عن نفسه بقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] فربما يضيق عقل بعض الناس عن فهم هذه الآية على ظاهرها؛ لأننا لسنا بحاجة إلى التأويل كما قلنا آنفاً، فكيف يكون الله خير الماكرين؟ الجواب المسألة سهلة بفضل الله؛ ذلك لأننا نستطيع أن نعرف أن المكر من حيث هو مكر لا يوصف دائماً وأبداً بأنه شر، كما أنه لا يوصف دائماً وأبداً بأنه خير، فرب كافر يمكر بمسلم؛ لكن هذا المسلم كيس فطن ليس مغفلاً، وليس غبياً، فهو متنبه لمكر خصمه الكافر، فيعامله على نقيض مكره هو، بحيث تكون النتيجة أن هذا المسلم بمكره الحسن قضى على الكافر في مكره السيئ، فهل يقال: إن هذا المسلم حينما مكر بالكافر؛ قد تعاطى أمراً غير مشروع؟ لا أحد يقول هذا. ومن السهل أن تفهموا هذه الحقيقة من قوله ﵊: (الحرب خدعة) ويقال في الخداع ما يقال في المكر تماماً، فمخادعة المسلم لأخيه المسلم حرام، لكن مخادعة المسلم للكافر عدو الله وعدو رسوله ليست حراماً، بل واجب. كذلك مكر المسلم بالكافر الذي يريد المكر به، بحيث يبطل هذا المسلم مكر الكافر، فهذا مكر حسن، وهذا إنسان وهذا إنسان، فماذا نقول بالنسبة لرب العالمين، القادر العلي الحكيم؟ فهو يبطل مكر الماكرين جميعاً، لذلك قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] . فحينما وصف ربنا نفسه بهذه الصفة؛ فإنه قد لفت نظرنا بأن المكر حتى من البشر ليس مذموماً بإطلاق؛ لأنه قال: ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ، فهناك ماكر بخير وماكر بشر، فمن مكر بخير فلن يذم، والله كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] . وباختصار أقول: كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك، فإذا توهم الإنسان أمراً لا يليق بالله فليفترض مباشرة أنه مخطئ، فهذه الآية هي مدح لله ، وليس فيها أي شيء لا يجوز نسبته إلى الله ﵎.

стр. 485

مصير من لم يدخل الإسلام من أهل الديانات السابقة السؤال كيف نوفق بين هاتين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢] . الجواب لا تعارض بين الآيتين كما يوهم السؤال؛ ذلك لأن آية الإسلام هي بعد أن تبلغ دعوة الإسلام أولئك الأقوام الذين وصفهم الله في الآية الثانية بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وذكر منهم الصابئة، والصابئة عندما يذكرون يسبق إلى الذهن أن المقصود بهم عباد الكواكب، والحقيقة أنهم كل قوم وقعوا في الشرك بعد التوحيد، والصابئة كانوا موحدين، ثم عرض لهم الشرك وعبادة الكواكب، فالذين ذكروا في هذه الآية هم المؤمنون الموحدون منهم. فهؤلاء قبل مجيء دعوة الإسلام هم كاليهود والنصارى، وذكروا أيضاً في نفس السياق الذي ذكر الصابئة، فهؤلاء من كان منهم متمسكاً بدينه في زمانه؛ فهو من المؤمنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ولكن بعد أن بعث الله محمداً ﵊ بدين الإسلام، وبلغت دعوة الإسلام أولئك الناس من يهود ونصارى وصابئة؛ فلا يقبل منهم إلا الإسلام. إذاً: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً﴾ [آل عمران:٨٥] أي: بعد مجيء الإسلام على لسان الرسول ﵊، وبلوغ دعوة الإسلام إليه، فلا يقبل منه. أما الذين كانوا قبل بعثة الرسول ﵊، أو الذين قد يوجدون اليوم على وجه الأرض ولم تبلغهم دعوة الإسلام، أو بلغتهم دعوة الإسلام ولكن بلغتهم محرفة عن أساسها وحقيقتها، كما ذكرت لكم في بعض المناسبات عن القاديانيين -مثلاً- اليوم، الذين انتشروا في أوروبا وأمريكا، يدعون إلى الإسلام، ولكن هذا الإسلام الذي يدعون إليه ليس من الإسلام في شيء؛ لأنهم يقولون بمجيء أنبياء بعد خاتم الأنبياء ﵊، فهؤلاء الأقوام الأوروبيون الذين دُعُوا إلى إسلام قادياني لم تبلغهم دعوة الإسلام. إذاً: باختصار من كان قبل الإسلام، ومن قد لا يزال حتى بعد الإسلام ولم تبلغه دعوة الإسلام، فهؤلاء يقسمون إلى قسمين: قسم منهم على دين سابق وهم متمسكون به، وعلى ذلك تحمل آية: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢] . وقسم انحرف عن هذا الدين، كما هو شأن الكثير من المسلمين اليوم، فالحجة قائمة عليهم. أما من لم تبلغهم دعوة الإسلام مطلقاً سواء بعد الإسلام أو قبله؛ فهؤلاء لهم معاملة في الآخرة، وهي أن الله يبعث إليهم رسولاً يمتحنهم كما امتحن الناس في الحياة الدنيا، فمن استجاب لذلك الرسول في عرصات يوم القيامة وأطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.

стр. 486

الإرادة الشرعية والإرادة الكونية السؤال قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ [الإسراء:٤٦] يشم البعض منها رائحة الجبر، فما رأيكم؟ الجواب الجعل هو جعل كوني، ولفهم هذا لا بد من شرح الإرادة الإلهية، فإن الإرادة الإلهية تنقسم إلى قسمين: - إرادة شرعية. - وإرادة كونية. الإرادة الشرعية هي: كل ما شرعه الله لعباده، وحضهم على القيام به، من طاعات وعبادات، على اختلاف أحكامها من فرائض إلى مندوبات، وهذه الطاعات والعبادات يريدها الله ﵎ ويحبها. أما الإرادة الكونية فهي: قد تكون تارة مما شرع الله وأحبها لعباده، وقد تكون تارة مما لم يشرعها ولكنه قدرها، وهذه الإرادة إنما سميت بالإرادة الكونية اشتقاقاً من قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فشيئاً: اسم نكرة يشمل كل شيء؛ سواءً كان طاعة أو كان معصية، إنما يكون ذلك بقوله تعالى: (كن) . أي: بمشيئته وبقضائه وقدره، فإذا عرفنا هذه الإرادة الكونية، وهي أنها تشمل كل شيء؛ سواء كان طاعة أو كان معصية، حين ذلك لا بد من الرجوع بنا إلى موضوع القضاء والقدر؛ لأن قوله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] معنى ذلك أن هذا الذي قال له (كن) جعله أمراً مقدراً كائناً لا بد منه. حينئذٍ طرقنا بحث القضاء والقدر مراراً وتكراراً، وقلنا: إن كل شيء عند الله بقدر، أيضاً هذا يشمل الخير ويشمل الشر، ولكن ما يتعلق منه بنا نحن الثقلين الإنس والجن المكلفين المأمورين من الله ، فما يتعلق بنا نحن يجب أن ننظر إلى ما نقوم به نحن، حيث إنه: إما أن يكون بمحض إرادتنا واختيارنا، وإما أن يكون رغماً عنا، وهذا القسم الثاني لا يتعلق به طاعة ولا معصية، ولا يكون عاقبة ذلك جنة ولا نار، وإنما القسم الأول عليه تدور الأحكام الشرعية، وعلى ذلك يكون جزاء الإنسان الجنة أو النار. أي: ما يفعله الإنسان بإرادته ويسعى إليه بكسبه واختياره، فهو الذي يحاسب عليه الإنسان إن خيراً فخير أو شراً فشر، هذه حقيقة! أي: كون الإنسان مختاراً في قسم كبير من أعماله؛ فهذه حقيقة لا يمكن المجادلة فيها لا شرعاً ولا عقلاً، أما الشرع فنصوص الكتاب والسنة متواترة يأمر الإنسان في أن يفعل ما أمر به، وفي أن يترك ما نهي عنه، وهي أكثر من أن تذكر، وأما عقلاً فواضح لكل إنسان متجرد عن الهوى والغرض بأنه حينما يتكلم حينما يمشي حينما يأكل حينما يشرب حينما يفعل أي شيء مما يدخل في اختياره؛ فهو مختار في ذلك وغير مضطر إطلاقاً. هأنذا أتكلم معكم الآن، لا أحد يجبرني بطبيعة الحال، ولكنه مقدر، فمعنى كلامي هذا مع كونه مقدراً، أي: أنه مقدر مع اختياري لهذا الذي أقوله وأتكلم به، أنا الآن أتابع الحديث ولا أسكت، ولكن باستطاعتي أن أصمت لأبين لمن كان في شك مما أقول أني مختار في هذا الكلام، هأنا أصمت الآن ولو للحظات؛ لأنني مختار. إذاً فاختيار الإنسان من حيث الواقع أمر لا يحتاج المناقشة والمجادلة، وإلا يكون الذي يجادل في مثل هذا إنما هو يسفسط ويشكك في البديهيات، وإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة انقطع معه الكلام. إذاً: أعمال الإنسان تنقسم إلى قسمين: اختيارية، واضطرارية. فالاضطرارية ليس لنا فيها كلام، لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية الواقعية، إنما الشرع يتعلق بالأمور الاختيارية، فهذه الحقيقة إذا ما ركزناها في ذهننا؛ استطعنا أن نفهم الآية السابقة: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الإسراء:٤٦] فهذا الجعل كوني، ويجب أن تتفكروا في الآية السابقة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً﴾ [يس:٨٢] كوني، ولكن ليس رغماً عن هذا الذي جعل الله على قلبه أكنة، هذا مثاله من الناحية المادية: الإنسان حينما يخلق، يخلق ولحمه غض طري، ثم إذا ما كبر، وكبر، وكبر، يغلظ لحمه ويشتد عظمه، ولكن الناس ليسوا كلهم في ذلك سواء، ففرق كبير جداً بين إنسان منكب على نوع من الدراسة والعلم، فهذا ماذا يقوى فيه؟ يقوى عقله، ويقوى دماغه في الناحية التي هو ينشغل بها، وينصب في كل جهوده عليها، لكن من الناحية البدنية جسده لا يقوى، وعضلاته لا تنمو. والعكس بالعكس تماماً؛ بالنسبة لشخص منصب على الناحية المادية، فهو كل يوم يتعاطى تمارين رياضية، فهذا تشتد عضلاته، ويقوى جسده، ويصبح له صورة، كما نرى ذلك أحياناً في الواقع وأحياناً في الصور، فهؤلاء الأبطال -مثلاً- تصبح أجسادهم كلها عضلات، فهل هو خلق هكذا، أم هو اكتسب هذه البنية القوية ذات العضلات الكثيرة؟ هذا شيء وصل إليه هو بكسبه وباختياره. ذلك هو مثل الإنسان الذي يظل في ضلاله، وفي عناده، وفي كفره وجحوده، فيصل إلى الران إلى هذه الأكنة التي يجعلها الله على قلوبهم، لا بفرض من الله واضطرار من الله لهم؛ وإنما بسبب كسبهم واختيارهم، فهذا هو الجعل الكوني الذي يكتسبه هؤلاء الناس الكفار، فيصلون إلى هذه النقطة التي يتوهم الجهال أنها فرضت عليهم، والحقيقة أن ذلك لم يفرض عليهم، وإنما ذلك بما كسبت أيديهم، وأن الله ليس بظلام للعبيد.

стр. 487

الجمع بين وجوب الأوامر الشرعية وتفويض الإتيان بها إلى الإرادة السؤال ما رأيكم في مسألة الأضحية أواجبة هي أم سنة؟ فإن كانت سنة فكيف نصنع بحديث أم سلمة في صحيح مسلم ولفظه: (إذا دخل عشر ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي) علماً بأن الصنعاني نقل عن الشافعي قوله: وتفويض الأمر إلى الإرادة مشعر بعدم الوجوب؟ الجواب الواقع أن هذه شبهة ليس لها قيمة من ناحية النصوص الشرعية (وأراد أحدكم أن يضحي) نحن نقول: نسبة الأمر إلى إرادة الإنسان له علاقة كبيرة جداً بموضوعنا السابق، أي: إن الإنسان مكلف بالعبادة وبالطاعة، فهو عليه أن يريدها، وأن يعملها وينهض بها، فإذا لم يردها فليس الله بالذي يفرض ذلك عليه فرضاً، ويقصره على ذلك قصراً، لا. فالنكتة هنا في أنه نسب حكم من أراد أن يضحي إلى إرادة الإنسان من هذه الناحية، وهذا واضح جداً في نفس القرآن الكريم ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] إذاً: الاستقامة على هذا الفهم -مع الأسف أن هذا الفهم نسب إلى بعض الأئمة- ينتج قياساً على هذا الفهم أن الاستقامة غير واجبة، لماذا؟ لأن الله نسبها إلى مشيئتنا، فكل شيء أمرنا به فلا بد للقيام به من مشيئتنا وإرادتنا في ذلك، ولذلك قلنا قبل أن نعرف ما ادخر لنا وما خبئ لنا من مثل هذا السؤال، قلنا: إن الإرادة قسمان: إرادة كونية، وإرادة شرعية، فالبحث ليس في الإرادة الكونية، وإنما في الإرادة الشرعية، فالمفهوم هنا: يجب أن تفعل، وإن لم تفعل انتقل الأمر من الإرادة الشرعية إلى الإرادة الكونية؛ لأنه لا يقع شيء في هذا الكون رغماً عن الله ، فهنا لما قال الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] لماذا نسب الاستقامة إلى المشيئة؟ الجواب: لأن بها ربطت التكاليف الشرعية كلها. ومثال على هذا الذي نقوله، وإن كانت الآية كافية في ذلك وشافية، ولكن على سبيل التفريع، قال ﵊: (من أراد الحج فليعجل) أيضاً نسب الإرادة هنا للإنسان في الحج الذي هو من أركان الإسلام الخمسة، فهل معنى ذلك أن الحج غير واجب؟ الجواب: لا. لكن كل واجب لا بد له من إرادة تصدر من هذا الإنسان ليصبح مكلفاً، وإلا إذا كان لا إرادة له فلا تكليف عليه، ولذلك -كما تعلمون في الحديث الصحيح- (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ) .

стр. 488

حقيقة وقوع المسخ في أمة الإسلام السؤال أرجو بيان حكم الإسلام فيما نسمعه عن مسخ بعض الناس على صور حيوانات! الجواب أما الجواب عن السؤال الأول، ففي السؤال غموض؛ لأنه إن كان يعني (ببعض الناس) ما أخبر الله في القرآن الكريم، أن الله ﵎ قال لليهود الذين عصوا أنبياءهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] فلا مجال للسؤال عن هذا ما دام أنه جاء في النص القرآني. أما إن كان يعني بذلك أنه سمع أن بعض الناس مسخوا، فأنا لا أعلم بشيء من هذا أنه وقع، وما نعلم أن أحداً مسخ إلا بخبر القرآن، ونعلم أنه سيقع مسخ في آخر الزمان، لكن متى يكون ذلك؟ الله أعلم. كذلك إذا كان السؤال الأول يربطه بالإسلام، فالإسلام أخبر بأن المسخ وقع، وأخبر بأنه سيقع بالنسبة لبعض العصاة والفساق والفجار، ولعل السائل يشكل عليه ما قد يقرؤه في بعض التفاسير الحديثة، التي لا تجري في تفسيرها للآيات مجرى مذهب السلف الصالح، فهم يحكمون عقولهم في بعض النصوص القرآنية، التي يثقل عليهم تبني معانيها الظاهرة، مثل ما نحن فيه الآن من القول بالمسخ لليهود، فمع تصريح القرآن بذلك فهم تأولوا هذا المسخ بأنه مسخ خُلُقي وليس مسخاً بدنياً، أي: صارت أخلاقهم كأخلاق القردة!! ما الداعي إلى هذا التضييق للمسخ؟! فالذين يمسخون مسخاً حقيقياً قردة أو خنازير، بطبيعة الحال تصبح أخلاقهم أخلاق القردة والخنازير، فلماذا القول مسخوا من جهة ولم يمسخوا من جهة أخرى؟! والآيات التي جاءت في هذا الصدد مطلقة، فلا شيء يحملهم على تضييق دائرة المسخ إلا استبعادهم أن يستحق هؤلاء الكفار من اليهود قتلة الأنبياء ذلك المسخ. فأقول: سبحان الله! هل هؤلاء هم الذين يحكمون على الله، ويضعون لهم منهاجاً لنسبة التعذيب، فلا يجوز لله أن يمسخ الذين يقتلون الأنبياء بغير حق قردة وخنازير! من الذي يحكم على الله بذلك؟!! فهذا تفسير أقل ما يقال فيه أنه تفسير مبتدع، وحديث لا يعرفه السلف الصالح فضلاً عن بعده عن اللغة العربية: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] لا سيما والسنة -كما تعلمون- دائماً وأبداً تأتي لتوضح القرآن الكريم، ولترد على أهل البدع والأهواء، فقد جاء في صحيح مسلم: (إن الله لم يمسخ قوماً فجعل لهم نسلاً، وإنما كانت القردة والخنازير قبل ذلك) وفي هذا رد على بعض القصص التي قد توجد في بعض كتب الرقائق والمواعظ ولا سند لها، من أن القرود الموجودة اليوم هي من سلالة اليهود الممسوخين قردة، وهذا لا أصل له؛ لأن الرسول ﵊ في هذا الحديث يعطينا فائدتين: الفائدة الأولى: يؤكد فيها المعنى الظاهر من الآية الكريمة، من أن المسخ مسخ حقيقي. والفائدة الأخرى: أن الله إذا مسخ قوماً أهلكهم، ولا يبقيهم يتناسلون، وهذا هو الذي يجب أن ندين الله به فيما يتعلق بقضية المسخ، كما أن المسخ كان وسيكون؛ لأنه جاء في ذلك بعض الأحاديث الصحيحة، ومن أشهرها حديث البخاري: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف، يمسون في لهو ولعب، ويصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير) .

стр. 489

تأملات في فعل بعض الصحابة من الزيادة والنقص في سور القرآن السؤال هل صحيح أنه ثبت عن ابن مسعود أنه كان لا يعد المعوذتين من القرآن؟ وأن أُبي بن كعب أثبت في مصحفه دعاء القنوت وجعله سورتين؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب بالنسبة لهذا السؤال فهو ذو شطرين كما تقدم، أما فيما يتعلق بـ ابن مسعود، فقد صح عنه، ولا غرابة في ذلك، وهذا دليل على أن الأمر كما قال الله مخاطباً كل إنسان منا في عموم قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] أن ابن مسعود ﵁ الذي كان من السابقين في الدخول في الإسلام، ومع ذلك فاتته بعض الأشياء، والتي بعضها هام جداً جداً، ومن ذلك ما تضمنه هذا السؤال، إذ لم يكن قد فهم فيما سمع من النبي ﷺ أن المعوذتين: (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) من القرآن الكريم، إنما فهم أنهما معوذتان، أي: دعاء؛ ولذلك فحرصاً منه على ألا يدخل في المصحف الذي فيه القرآن شيء غريب عنه؛ فقد كان يحكه، ويكشط كل صفحة فيها هاتان السورتان؛ لأنه لم يعلم ذلك، ولكن هذه مزية القرآن، أنه لم يجمع من شخص واحد وإنما جمع من عشرات، بل مئات الأشخاص، بعد أن كانت كتبت في صحف من نوعية غريبة في تلك الأزمان، عبارة عن أكتاف الحيوانات -عظم- أو أوراق الشجر، أو غير ذلك، إذ سخر الله مئات الصحابة ليحفظوا القرآن كله في صدورهم أولاً، وليسطروه في الوسائل التي كانت معروفة عندهم ثانياً. من أجل هذه الحقيقة اعترف بعض الكتاب الغربيين بأن الإسلام لا يماثله دين آخر، في أن دستوره الأول ألا وهو القرآن مروي بالتواتر ومحفوظ، ويشهد بهذا الكثير منهم، ونحن لا نفخر ولكننا نقول: والفضل ما شهدت به الأعداء فلا يضرنا أبداً أن تكون هذه الرواية صحيحة وثابتة عن ابن مسعود، بل نحن نأخذ من ثبوت هذه الرواية عبرة نعالج بها الغلاة من المسلمين قديماً وحديثاً، ممن يعتبرون بيان خطأ الشيخ الفلاني غمزاً فيه وطعناً له، لا كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه فـ ابن مسعود صحابي جليل، له الفضل على الإسلام والمسلمين في أنه نقل إلينا مئات الأحكام الشرعية، وكان من حفاظ القرآن، وممن يحسنون تلاوته، وكان الرسول ﷺ يثني عليه ويقول: (من أحب أن يقرأ القرآن غضاً طرياً فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) يعني: عبد الله بن مسعود، وهذا أسلوب لطيف جداً في التعبير. الشاهد: هذا الرجل الفاضل إذا وجدت له بعض الأخطاء فهي أولاً: لا يؤاخذ عليها إطلاقاً؛ لأنها لم تكن مقصودة منه، بل على العكس -كما تقدم آنفاً- كان يكشط ويحك هاتين السورتين حفظاً للقرآن الكريم من الزيادة، فهذا لا يؤاخذ عليه إطلاقاً، ولذلك فلا عيب في أن نصرح بهذه الحقيقة، بل نستفيد من ذلك كما قلنا: أن الإنسان مهما سما وعلا فلا بد أن يكون له شيء من الأخطاء، كما جاء في بعض الأحاديث الموقوفة، والتي يروى بعضها عن ابن عباس، وبعضها عن بعض التابعين، ثم أخيراً ما اشتهر عن مالك: ما منا من أحدٍ إلا رُدّ عليه إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي ﷺ . ولذلك لم يعبأ المسلمون إطلاقاً بهذه الرواية وبهذا الخطأ الذي صدر من ابن مسعود، فسجلت السورتان في المصحف، وهما متواترتان مع المصحف كله. ومن غرائب ابن مسعود أيضاً: أنه كان إذا صلى -وأنا أذكر هذا لا عيباً وإنما عبرة فقط- يطبق، والتطبيق عند الفقهاء والمحدثين هو أن يشبك بين كفيه ثم يدخلهما وهو راكع بين فخذيه، ولا يقبض بكفيه على ركبتيه كما هو السنة، وهذا ثابت وصحيح عن ابن مسعود أيضاً، ولا مجال لإنكار ذلك، ولم يأخذ المسلمون بهذا لماذا؟ لأن الله قد ألهم غيره من الصحابة أن يحفظوا لنا السنة، بل وأن يبينوا لنا أن ابن مسعود في تطبيقه هذا إنما حفظ ما كان مشروعاً في الإسلام أولاً، فقد ثبت أن ابناً لـ سعد بن أبي وقاص ﵁ كان في الكوفة حيث كان عبد الله بن مسعود، فصلى بجانب عبد الله بن مسعود يوماً وقبض -كما نفعل نحن اليوم- بكفيه على ركبتيه، فما كان من حرص ابن مسعود على المحافظة على ما علمه من الرسول ﵊، إلا أن أخذ بيدي الرجل - ابن سعد - في الصلاة، وطبقهما، ووضعهما بين فخذيه، وبعد الصلاة الظاهر أنه أفهمه أنه هكذا السنة، وهكذا رأيت الرسول ﵊ يفعل. فلما رجع ابن سعد إلى أبيه في المدينة - سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة- قص عليه قصة ابن مسعود معه، فقال: صدق! -انظروا إلى الأدب واللطف- قال: صدق أخي عبد الله بن مسعود! كنا نفعل ذلك ثم أمرنا بالأخذ بالركب. فلا عيب في هذا إذ فاته شيء، لكنه حفظ أشياء وأشياء كثيرة، فهذا ما يحضرنا. أما بالنسبة لـ أُبي بن كعب، وأنه كان يكتب في مصحفة: اللهم إنا نستعينك فقد مر بي قديماً شيء من ذلك، لكن لا أحفظ إذا كانت الرواية عنه صحيحة أم لا، ولعله يتيسر لي المراجعة لذلك، وآتيكم بالجواب -إن شاء الله- في الدرس الآتي بإذن الله، وبهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 490

آداب الإسلام إن الناظر إلى حال المسلمين اليوم، ليرى البون الشاسع والفرق الواضح بينهم وبين تعاليم دينهم وأخلاقهم وآدابهم الإسلامية؛ بل أصبحت هذه الآداب مجهولة علماً، ومتروكة عملاً. وفي هذه المادة يذكر الشيخ ﵀ ببعض الآداب الإسلامية التي تفيد القارئ، وغيرها من الفوائد مما ستجدونه في طيات هذه المادة.

стр. 491

من آداب مجالس العلم: التجمع وعدم التفرق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يبدو أنه لا بد من التفكير ما بين آونة وأخرى في بعض السنن والآداب الإسلامية التي أصبحت مجهولة علماً، ومتروكةً عملاً، فقد كنا ذكرنا في أكثر من مرة في مثل هذه الجلسة أن لمجالس العلم آداباً. ومن ذلك: أنه لا يصح التفرق في مجالس العلم، أن نجلس هكذا كيف ما اتفق، أو كيف ما راق لأحدنا، فهذا ليس من الأدب العلمي في شيء مطلقاً، هذه جلسات (المقاهي والنوادي) ، يأتي الآتي، ولا يأتي إلى تلك المجالس إلا للترويح عن النفس -زعموا- أو للتسلية، أو نحو ذلك، فهو حرٌ يجلس أينما شاء وكيفما شاء، أما مجلس العلم فله آدابه، وقد ذكرت لكم أكثر من مرة حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ الذي يقول فيه: (أنهم كانوا إذا سافروا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه ونزلوا منزلاً تفرقوا في الوديان والشعاب، فسافروا يوماً ونزلوا وادياً وتفرقوا كما كانوا يفعلون سابقاً) وهذا التفرق يوحي بالمصلحة الذاتية والشخصية، حيث كل شخص منهم يختار المكان المناسب له الذي له ظل وارف مثلاً فتفرقوا كما كانت عادتهم، فلما رآهم رسول الله ﵌ قال لهم: (إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان) أي: إنما تفرقكم هذا في الوديان والشعاب من عمل الشيطان. قال أبو ثعلبة ﵁: (فكنا بعد ذلك إذا نزلنا منزلاً اجتمعنا فيه، حتى لو جلسنا على بساطٍ لوسعنا) . فأحق المجالس بالمحافظة على مثل هذا الأدب -أدب التجمع- هي مجالس العلم، ولا أريد أن أطيل؛ لأن الحصة التي خصصتها في هذا الدرس الذي بدأت باستئنافه بعد تركٍ له دام مدة طويلة، الوقت المحدد نصف ساعة فقط في درس الترغيب، لذلك لا أريد أن أطيل في توظيف السر والحكمة من هذا الاجتماع الذي يوحيه لنا هذا الحديث الصحيح، ولكني أجمل القول فأقول: إن الظاهر عنوان الباطن، ففي كل شيء يتفرق فيه المسلمون في ظواهرهم؛ كان لهذا التفرق تأثير سيء في باطنهم، فالظاهر مرتبط بالباطن أشد الارتباط، وعندنا أدلة كثيرة وكثيرة جداً، ولذلك سأقتصر الآن على هذه الإشارة السريعة هذا التفرق بدنياً يؤدي إلى التفرق قلبياً، هذه حقيقة شرعية، ولدينا أدلة على ذلك، وحسبنا الآن هذه الإشارة العابرة.

стр. 492

المحافظة على ذكر الله لفظاً وعملاً وهذا تذكير ببعض المسائل، ومنها ما يتعلق بكل فردٍ، ومنها ما يتعلق بجماعتهم، حينما يجلسون في بيتٍ من بيوت الله يتلقون العلم عن رسول الله ﵌. أما المسألة الأولى: ينبغي أن يكون المسلم دائماً على ذكرٍ من ذكر الله ، وعلى ذكر من تعاليم الله ، فإن قوله ﵎: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١] مما يدخل فيه الذكر العملي وليس فقط الذكر اللفظي، الذكر العملي مثلاً: إنسان وهو يمشي في الطريق بادره البصاق، فأراد أن يلفظ هذه الفضلة من فمه، فهل يلفظها أمامه؟ فهنا ذكرٌ لله قل من يذكره وهو قبل أن تلفظ ما في فمك يجب أن تستعبر هل أنت مستقبل للقبلة أم لا؟ فإن كنت مستقبلاً للقبلة فيجب ألا تبصق أمامك؛ احتراماً لجهة القبلة، لقوله ﵊: (من بصق تجاه القبلة جاء يوم القيامة وبصقه بين عينيه) ، وهذا من آداب المسلمين الأولين التي أصبحت نسياً منسياً في الآخرين، فلا تكاد ترى مسلماً يذكر هذا الأدب الإسلامي حتى ولو كان في المسجد، فكثيراً ما شاهدنا بعض الناس في المسجد الذي له نوافذ مطلة إلى جهة القبلة، يأتي فيبصق إلى الجهة التي قد صلى إليها، أو سرعان ما سيصلي إليها، فهذه غفلة عن ذكر الله، لكن هذا من الذكر الذي لا يعرفه -مع الأسف- أهل الذكر المبتدع الذين يرقصون في أذكارهم، ولم يعرفوا من ذكر الله إلا هذا النوع الذي لا أصل له في كتاب الله ولا في حديث رسول الله ﵌. وليس المقصود التذكير بهذه المسألة، وإنما أختها وهي ألصق بالمصلي من هذه، فإنه إذا كان لا يجوز للمسلم أن يبصق تجاه القبلة وهو يمشي، أو هو جالس ليس في صلاة، فمن باب أولى إذا كان في صلاة؛ لأنه يكون قائماً متوجهاً إلى الله في صلاته بكل جوارحه، وهذه المسألة فيها أحاديث كثيرة لست الآن بصددها.

стр. 493

الأسئلة

стр. 494

حكم سب علماء الدين السؤال ما حكم الإسلام في سب الأئمة والعلماء أحياءً وأمواتاً؟ الجواب قال ﵊: (لا تسبوا الأموات فقد أفضوا إلى ما قدموا) ، أي: لا يجوز سب المسلم حتى لو كان مطعوناً في إسلامه؛ لأنه ليس هناك فائدة من هذا الطعن بعد أن انتقل إلى حكم الله ، فالأولى ألا يجوز سب المسلمين الصالحين، ثم أولى وأولى ألا يجوز سب الأئمة؛ لأنهم يجمعون إلى صلاحهم العلم وخدمة الدين، ونقل الأحاديث، والتوضيح، وتفصيل أحكام الشريعة، وغير ذلك مما هو معروف، وأنا أستغرب مثل هذا السؤال؛ لأننا لا نعتقد أن في المسلمين ولو في الدرجة السفلى من الإسلام من يسب علماء الإسلام! السائل: أحياناً يبين الإنسان خطأ العالم، لكن بعض العلماء قد يفهمونه سباً، وهذا ليس من السب في شيء. الشيخ: إن كان هذا هو المقصود فبئس ما قصد؛ لأن تخطئة الإنسان لآخر هذا أمر واجب في الإسلام، والتخطئة لا تعني نقداً ولا طعناً، فضلاً عن أن تعني شتماً وسباً، وإنما بيان الحق؛ ولذلك قال ﵇ في الحديث الصحيح في صحيح البخاري: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد) ، من الذي يخطر في باله أن الرسول قد يقول عن قاضٍ أو حاكمٍ ما: أنه أخطأ أنه ينال منه ويسبه ويجعل له أجراً واحداً؟ كذلك في قصة رواها البخاري -أيضاً- في تأويل رؤيا فسرها أبو بكر بين يدي الرسول ﵇، فقال له ﵇: (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً) فهل يخطر في بال الإنسان أن يقول: بأن الرسول سب صاحبه في الغار أبا بكر الصديق، حينما قال له: أخطأت بعضاً؟ لكن هذا من تأخر المسلمين في ثقافتهم الإسلامية، وابتعادهم عن اللغة الشرعية، والحقيقة أن المتأخرين حتى من الفقهاء، أو لعل الأصح أن نقول: المتفقهين يتحاشون مثل هذه العبارة؛ لأنهم هم أنفسهم قد انقلبت عليهم هذه الحقيقة، فهم قد يتصورون والعامة تبعاً لهم في ذلك، أنه إذا قيل: أخطأ فلان، فهذا طعن ولمز في هذا المخطئ، والأمر -كما سمعتم- ليس كذلك، وهذا أمر لا يحتاج إلى كبير بيان، فحسبنا هذا القدر.

стр. 495

من منهج الخوارج العلماء دائماً هم حرز الأمة، وإليهم يلجأ المسلمون فيما يحدث ويستجد من أحداث؛ لمعرفة الحكم الشرعي، والاسترشاد بقولهم في النوازل العظيمة. وعلماء الحديث لهم الصدارة في ذلك؛ لصفاء منهلهم ورسوخهم في العلم. وفي هذه المادة يجيب الشيخ ﵀ عن أسئلة وردت عن الأحداث الدامية في الجزائر إذ قد أصبحت تغلي بالحرب والمجازر، وركزت الأسئلة على جانب مهم وهو التكفير، والخروج على الحكام، وخصائص جماعة التكفير.
следующие страницы →