← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

اشتداد غربة الدين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله العظيم في بداية هذا المجلس المبارك أن يجزي من تسبب فيه خير الجزاء، وأن يشكر مسعى الجميع، وأن يجعل القول خالصاً لوجهه، والعمل موجباً لمحبته ومرضاته. أيها الأحبة في الله: إن المؤمن كلما بعد زمانه عن عهد النبي ﷺ عظمت غربته، واشتدَّت فتنته ومحنته وبليته، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بقوله: (ما من زمانٍ إلا والذي بعده شرٌ منه حتى تقوم الساعة) بدأ هذا الدين غريباً، بدأ بداعية إلى الله، ورسولٍ أحبه الله، فحمل أعباء الرسالة، وقام بواجبات الأمانة، فبلغ الرسالة على أتمِّ الوجوه وأكملها، وأدى الأمانة على أتم الوجوه وأكملها، صلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين. بدأ به هذا الدين، ثم انتشر بين الخلق والعالمين، فاستضاءت به الأنوار في المشارق والمغارب؛ ففتح الله به القلوب، وشنف به الأسماع، وطهر به الجوارح من أدناس الجاهلية، وأدران الشرك والوثنية، وصاغ العباد بالطاعة والعبودية والحنيفية، وما زال هذا الدين يسطع نوره، وتشرق تلك الأنوار على مشارق الأرض ومغاربها، حتى بلغ ما شاء الله أن يبلغ، ثم بدأت الفتن والمحن والويلات والآهات، وغير ذلك من النكبات، والفجائع المبكيات، حتى فرقت شمل المسلمين، وقوضت معالم الدين، وأصبح العبد في غربةٍ عن رسالة سيد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه. بدأت هذه الغربة، فضعف المسلمون من بعد قوة، وتفرقوا من بعد اجتماع، وخارت قواهم، وتشتت أذهانهم وأفكارهم، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، والله غالبٌ على أمره، ولكنَّ كثيراً من الناس يجهلون ذلك، ولا يعلمون بحكمة الله التي هي من وراء ذلك.

стр. 107

حاجة المسلم مع هذه الغربة إلى التذكير والتثبيت إن المسلم كلما بعد زمانه عن الوحي، يحتاج إلى من يثبت قلبه، ويربط ذلك القلب الذي آمن بالله بذلك الوحي النير والصراط المستبين، والطريق المبين، حتى يلقى الله جلَّ وعلا وهو راضٍ عنه، لكن تحقيق هذه الأمنية العظيمة، وتحقيق هذه الغاية الجميلة الكريمة، يحتاج إلى الجد والصدق والإخلاص في العبودية لله . وجميع نكبات المسلمين، وفجائعهم المبكية المحزنة، إنما تعود لسبب واحد هو أساس الأسباب، وهو منشأ الدمار والخراب، ألا وهو: البعد عن الدين.

стр. 108

أهم أسباب غربة الدين وضعف المسلمين فبُعد الناس عن دين الله ؛ بعدٌ عن حياتهم، وبعد المسلمين عن كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، هو بعدٌ عن سعادتهم وعزهم، وبعدٌ عن كرامتهم، بعدهم عن خير دينهم ودنياهم وآخرتهم، وأعظم ما وقع للمسلمين من بعدٍ، وأجل وأشد ما وقع منهم؛ الإخلال بالتوحيد، وبالإيمان، والعقيدة. لما تساهل المسلمون في هذا الأصل العظيم، وأصبحت معالم الحنيفية مندثرةٌ منطمسةٌ في ديار كثيرٍ من المسلمين، حينئذٍ سلَّط الله على العباد أنواع البلاء، وأراهم صنوف الشدة واللأواء والعناء، ونسأل الله أن يلطف بالعباد.

стр. 109

أهمية التمسك بكلمة التوحيد الإسلام يقوم على الإخلاص، يقوم على رسالة الأنبياء والرسل "لا إله إلا الله"، والأمة متى عرفت هذه الكلمة وجعلتها نصب عينها؛ فإنها تكون قويةً عزيزةً، مستميتةً من أجل الحق وللحق، ولكن إذا ضعفت صلتها بالله، فأصبحت في غربة عن هذا الأصل العظيم، وفي حيرة عن تحقيق هذا الهدف الجليل الكريم -وهو إخلاص العبودية لله فتح الله عليها أبواب البلاء، وأصبحت مع أعداء الله في كفة واحدة؛ لأنه لا فرق بين المسلم والكافر إلا بتحقيق هذه الكلمة، وهي لا إله إلا الله، وانظر في عصور المسلمين، ودهور المؤمنين، فلن تجد عصراً رفعت فيه راية الإسلام، وعاشت الأمة فيه بعزٍ وكرامةٍ وسلامٍ، إلا وجدتها مؤمنةً حقاً، مخلصةً لربها صدقا، ولن تجد عصراً تفرق فيه شملها، وتبددت جموعها، وخارت قواها إلا وجدتها تستغيث بغير الله، وتستجير بأحد العداة، قد تعلقت بغير الله، من شهواتٍ وشبهاتٍ وملهياتٍ وغير ذلك مما حرم الله ، فلما نسيت الأمة هذا الأصل العظيم فتح الله عليها أبواب البلاء. والسعادة، والفلاح، والنجاح، والربح، والصلاح لهذه الأمة والقاعدة التي ينبغي أن تشيد، والأساس الذي ينبغي أن يُبنى، والدعوة التي ينبغي أن يركز عليها، وأن يُدعى إليها، هي تحقيق كلمة التوحيد "لا إله إلا الله". فمتى كانت الأمة على هذا الأصل العظيم، صافية عقائدها من الشوائب، نقية لربها في النكبات والنوائب، لا تدعو غيره، ولا تستجير بأحدٍ عداه، فأنعم بها من أمة! إذا أصبح المؤمن إن أصابته السراء شكر ربه، واعترف بالجميل لله، لا لأحدٍ سواه، وإن أصابته ضراء نصب وجهه لله، لا لأحدٍ سواه، فكيف يكون حاله؟ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] ومن يتوكل على الله هذا الشرط -الإيمان، التوحيد، العقيدة- والجزاء؛ فهو حسبه، وقائمٌ بأمره، وإذا كفى ربك عبداً فكيف يكون حاله؟ كفى بالله إذا كفى عباده وكفى خلقه، فقد كفى أنبياءه ورسله وكفى خيار عباده الصالحين، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] تكفل الله لمن حقق الإيمان (رسلنا) أي: رسلنا بالتوحيد، (والذين آمنوا) ما قال: والناس، (والذين آمنوا) أهل العقيدة، أهل الإيمان، ما قال المسلمون، بل قال: الذين آمنوا، أي: الذين حققوا هذه الكلمة وطبقوها؛ فلذلك كانت دعوة النبي ﷺ في تربية الأمة، وفي توجيهها، وفي تسديدها، وفي دلالتها على الخير، تقوم على هذه الكلمة، على "لا إله إلا الله". كانت شئون المسلمين بينهم وبين الله في العقيدة، كانت شئون المسلمين في السراء، وفي الضراء، في الرفعة، وفي المهانة كلها بهذه الكلمة، فكانت شئونهم بينهم وبين الله في "لا إله إلا الله،" لا يمكن للواحد منهم أن يصرف حقاً لله لأحدٍ سواه؛ فكانت أمورهم بينهم وبين الله صالحة. أما شئونهم بينهم وبين العباد فكانت بهذه الكلمة، بها يأخذون، وبها يعطون، وبها يوالون، وبها يعادون، وبها ينتصرون، وبها يُنصرون. هذه الكلمة أحبوا بها في الله، وكان إذا لقي الرجل منهم أخاه قال: [تعال بنا نؤمن ساعة]، نؤمن: أي الإيمان العقيدة التوحيد. وكان كل واحدٍ منهم إذا لقي أخاه، شد من أزره؛ لكي يحقق الإيمان، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] أي: بـ (لا إله إلا الله)، قال بعض العلماء: (الحق هو "لا إله إلا الله") و"َتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" أي: بالصبر على هذا الحق، وهو تحقيق هذه الكلمة، فكانت شئونهم مع الناس بهذه الكلمة. ولما أصبح ميزانهم هو هذه الكلمة، قربوا الغريب عنهم بالإيمان، وأبعدوا القريب منهم بالكفران، فكان الرجل يعادي أباه، ويعادي أمه، ويعادي أبناءه، ويعادي زوجه وعشيرته، من أجل "لا إله إلا الله"، تهون الدنيا -كلها- بأسرها إذا مسَّت كرامة هذه الكلمة، وكان الميزان للحب والعداء، والبغض والولاء في "لا إله إلا الله"، فكلما وجدت المسلم تدور أشجانه وأحزانه مع هذه الكلمة كلما وجدته منغمساً في نعيم السعادة الأبدية، وإذا كانت هذه الكلمة لا تُسعد صاحبها، فمن هو السعيد؟؟ إنها الكلمة التي عليها قامت السماوات والأرض، وعنها سيكون السؤال، ومن أجلها سيكون السؤال والحساب والعرض، بل من أجلها خلقت الخلائق، ومن أجلها كان الليل والنهار، والشمس والقمر، والأفلاك كلها من أجل "لا إله إلا الله"، فكلما جئنا في أي زمان ننظر إلى مشاكل المسلمين، وهمومهم، وغمومهم، أول ما ينبغي أن يصب عليه حديثنا، وأن تلتفت إليه أنظارنا، وأن يعتني به المصلحون، وأن يركز عليه الدعاة المهتدون الموفقون، تحقيق "لا إله إلا الله". ثلاث عشرة سنة والقرآن في مكة يدعو إليها، ويحققها، ويغرسها في القلوب؛ حتى إذا تمكنت هذه الكلمة من أصحاب رسول الله ﷺ ، جاءت معركة بدر وأحد والأحزاب، ومواقف الإسلام والكفر أولاً، غرس الإيمان؛ ولذلك إذا غُرس الإيمان في القلوب، تفجرت ينابيع الحكم، وتبددت دياجير الظلم، ووجدْت صاحبه على ثبات وقوة وإيمان، تجد أهل هذه الكلمة إذا أخلصوا لله ، نالوا بها عز الدنيا والآخرة، هذه الكلمة تطهر القلوب، وتزكي الأعمال، تجد صاحبها على أكمل ما أنت راءٍ من إسلامٍ وصدق، بالإخلاص، بتوحيد الله وإخلاص العمل لله، قال شيخ الإسلام ﵀ كلمة نفيسة، قال ﵀: (بل إخلاص الدين لله، هو الدين الذي لا يقبل الله سواه). أي: إذا جئت تعبد الله ، فاعلم أن أساس العبادة والديانة هو "لا إله إلا الله"، الإخلاص، الخلوص والصفاء والنقاء في القلوب لله ﷻ . فإذا كان الإنسان متعلقاً بالله ، طهر قلبه، ولذلك وصف الله الشرك بالدنس والقذر ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] اجتنبوه، أي: ابتعدوا عنه، فهو دنس الحس والمعنى. كذلك -أيضاً- تزكو بهذه الكلمة أخلاق المؤمنين، ولذلك تجد الإنسان أعف ما يكون عن حدود الله حينما يمتلئ قلبه بالإيمان بالله . والإيمان باليوم الآخر أساس من أساسيات "لا إله إلا الله"، وهو ركن من أركان الإيمان، فإذا امتلأ قلب الإنسان إيماناً بالله واليوم الآخر، هل يسرق؟ هل يزني؟ هل يقتل؟ هل يشرب الخمر؟ أبداً، إذا كان الإنسان يشاهد الآخرة بين عينيه، وجدته أخوف ما يكون لله، وأتقى ما يكون له، ولذلك تزكو به الأعمال، وكلما وجدت الإنسان يخل في شهوة أو شبهة؛ فاعلم أن وراء ذلك إخلالاً بهذه الكلمة، ونقصاً في العبودية لله ، وإلا لو كمل خوفه من الله، وخشيته لله، وتوحيده له، ما كان منه شيءٌ من ذلك. فالمقصود: أنه ينبغي العناية بهذا الأصل، وغرسه في القلوب والدلالة عليه، وتحبيبه إلى النفوس، وتقريب القلوب إليه، ولا شك أنها دعوة الرسل (ما بعث الله نبياً ولا رسولاً إلا كانت كلمته الأولى: قولوا لا إله إلا الله) ولذلك إذا وجدت الإنسان يحرص عليه، وجدته أثبت الناس قلباً، وأخلصهم منهجاً، وأصفاهم مشرباً، وأكثرهم صدقاً في العبودية لله ، بسبب العناية بهذا الأصل العظيم.

стр. 110

غربة الأحكام والأخلاق والآداب ثم للمسلمين غربة في أخلاقهم، وآدابهم وأحكامهم، فأول غربة وقعت للمسلمين، غربة العقيدة، ثم بعدها غربة الأحكام، فتجد الإنسان يصلي كيف يشاء، ولربما تأتي تنصح الرجل فتقول له: يا أخي! ما هذا الفعل الذي تفعله في صلاتك؟! فيقول: ليس هذا من شأنك، دعني أصلي كيف أشاء، غربة الأحكام ابتدأت بالصلاة التي هي عماد الدين، فهو يخرج إلى المسجد متى شاء، ويحضر الجماعة إن شاء وإن لم يشأ لم يحضر. وكذلك أيضاً يُخل بطهوره وبغسله، وباستنجائه، وبغير ذلك مما أوجب الله عليه أن يحفظه، وهي أمانة حمَّلها الله العبد. ثم غربته في زكاته، فيحرمها الفقراء، والعجيب أنك قد تجده يزكي، ولكن يزكي كيف يشاء، لا كما أمر الله ، فتجده يعطي الزكاة لمن هب ودب، فإذا قلت له: يا أخي! ما هذا الذي تفعل؟ قال لك: أفعل ما أشاء، هذا مالي، وأنا حرٌ فيه. وإذا قلت له: لا يجوز، ادفعها إلى الفقير أو إلى المسكين. يقول: لا، هذا مالي، وأفعل به ما أشاء. فأصبح في غربةٍ من أحكامه، في غربة من صيامه من حجه من معاملاته البيع والشراء الحلال: ما حل في يده، والحرام: ما لم يحل في تلك اليد يتبايع كيف يشاء إذا جئته في أي مسألة من الأحكام تقول له: افعل كذا، أو لا تفعل، أو العلماء يقولون: لا يجوز أو كذا. يقول: لا، افعل ما أشاء، ولا تحجِّر عليَّ واسعاً. إذاً المشكلة الرئيسية في قضايا المسلمين: الغربة؛ غربة العقيدة، وغربة الأحكام، وغربة الآداب. الإسلام فيه الآداب الكريمة، والأخلاق العظيمة، التي ملكت بها القلوب، ومن أعظمها وأجلها وأساسها، الأمانة، ابحث عن مؤمنٍ أمين، قلَّ أن تجد، أو مسلم أمين، قل أن تجد، حتى أخبر النبي ﷺ (أنه تقبض الأمانة من القلوب -نسأل الله السلامة والعافية- ولا يبقى إلا أثرها، كجمرٍ دحرجته على قدمك). فإذاً قبضت الأمانة من المسلمين -إلا من رحم الله- فتجده يدخل في وظيفته، يتساهل في ساعات العمل يتساهل في أخذ الرشوة يتساهل في أخذ حقوق الناس يؤخر هذا يعد هذا ويخلف ساعات العمل عنده للقيل والقال والزيارات، وكأن مكتب عمله بيته، أو مكانه، يفعل فيه ما يشاء، لماذا؟! غربة، لا يوجد دين يحكم المسلم في أخلاقه، وفي تعامله؛ ولذلك لما أخل المسلم بالأمانة، حقر حتى في عين عدوه، فترى المسلمين ضائعةً أماناتهم، مفرطين في حقوق الناس، لا يبالون بمشاعر الناس، قد يأتي الكبير الشائب الذي وصى النبي ﷺ باحترامه وإجلاله، فيأتيه ذاك المتسمي بالإسلام، لا يرحم شيبته، ولا يرحم ضعفه، فيرفع عليه صوته، ويجهل عليه في الكلام، ويعده الوعود الكاذبة، ويمنيه الأماني الباطلة، أين الدين؟! إذاً: لما آل حال المسلمين إلى هذا، أصبحت أمور المسلمين إلى وبال، وساء بهم الحال، ولا فرق بينهم وبين أعدائهم، بل إنك قد تجد بعض الأعداء في بعض الأمور، يفوقون المسلمين، فتجد بعض المسلمين يعامل الكفار، فتقول له: لماذا تعاملهم؟ يقول: هؤلاء إذا وعدوا وفَّوا، وإذا قالوا صدقوا. سبحان الله! نحن أحق بهذا منهم، أثر عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه لما أتي بكنوز كسرى، ووضعت في مسجد النبي ﷺ ، غطيت، حتى إن المسجد تلألأ من كثرة الكنوز والأموال: ذهب وجواهر ونفائس؛ تلألأ المسجد في شدة الظلام من كثرة الأموال، فلما دخل عمر إلى صلاة الفجر، ورأى ذلك، بكى، قالوا: يا أمير المؤمنين! ما يبكيك في يومٍ أعز الله فيه الإسلام والمسلمين؟ قال: [إن أناساً أدوا هذا لأمناء]. كان الصحابي يسير على بعيره في الفلوات، معه كنوز كسرى، وهو في الفلاة يستطيع أن يسرقها، ويستطيع أن ينقص منها، أو أن يذهب بها يميناً أو يساراً، أو يدفنها في مكان، لكن يذكر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَ﴾ [آل عمران:١٦١] فيخاف الله . إذاً كان الإسلام عقيدة، وحكماً من ناحية الأحكام، وأدباً من ناحية التعامل والتعاشر، والمسلم بهذه الثلاث الأمور: عقيدة، أحكام، آداب. فإذاً: لا ننظر إلى أي واقع للمسلمين أو مشاكل لهم إلا من خلال هذه الثلاثة الأمور: العقيدة، الأحكام، الآداب. وأي مجتمع نريد أن ننظر فيه، أو أي مجتمع نريد أن نقيمه، وهو يتسمى بالإسلام أياً كان، في أي زمان أو في أي مكان، ينبغي أن ينظر إلى هذه الأسس الثلاثة، أين هو من عقيدته، وأحكامه، وآدابه؟ انظر إلى كثيرٍ من بلاد المسلمين، تدخل إلى بعض مساجده؛ فتجد المشاهد، وتجد القبور يُطاف بها كما يُطاف ببيت الله ! ويستغاث بأصحابها كما يُستغاث بالله ! ويستجار بهم كما يستجار بالله أو أشد من ذلك! فأين الإيمان؟! حتى إنك لو دخلت في بعض الأماكن تبكي على الإسلام بين أهله، وترثي للإسلام بين حزبه. فلذلك نحن بحاجة إلى إعادة النظر في عقائدنا، وتصفيتها وتخليصها لربنا ونقائها من الشوائب، وإعادة النظر في تعاملنا ومعاشرة بعضنا لبعض؛ البيع والشراء، الأخذ والعطاء، العبادات، المعاملات، نقيمها على كتاب الله، وسنة النبي ﷺ . الأمر الثالث: الآداب، نريد إسلاماً يظهر من خلال المسلمين، لا من خلال الكلمات ولا الندوات، ولا المحاضرات ولا الشعارات، ولا الرسائل ولا المجلات، نريد إسلاماً يظهر من خلال التعامل، خاصةً في البلاد التي يكون فيها أقليات مسلمة، يكون الإسلام معروفاً بأخلاق المسلمين، وليس برسائلهم ولا بمجلاتهم ولا بمقالاتهم، لكن بتعاملهم، فلذلك يحرص المسلم على أنه يتعامل بحذر، لكي يعطي الصورة السامية الزاكية التي تظهر الإسلام بصورته الحقيقية.

стр. 111

الأمور التي يصلح بها حال المسلمين إذا كان هذا هو الداء، وهذا هو الدواء فإننا لن نستطيع أن نصلح أحوال المسلمين إلا بأمور:

стр. 112

الاعتماد على الله أولها: اعتمادنا على الله، لا نعتمد على ذكائنا، ولا على اجتهادنا، ولا على حسن ما يكون من بعضنا، ولكن نعتمد على الحي القيوم الذي لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، يتوكل العبد ويتوكل المؤمن على الحي الذي لا يموت ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] وسبح بحمده، فكفى به سبحانه نصيراً وولياً، فإذا كان الداعية أو الموجِّه أو المربي، بل أنت أيها المسلم في بيتك، في بلادٍ كافرة، أنت داعية بمجرد ما تقول: "لا إله إلا الله" حملت مسئولية هذه الكلمة، فنحتاج منك أن ترسم الإسلام، وتبين صراطه ومنهجه بالعمل مع القول؛ حتى لا يكون الإنسان ممقوتاً عند الله، بأن يكون قوله مخالفاً لعمله. نحتاج إلى إسلام يترجَم بالأفعال والأخلاق، حتى إذا رآنا أعداء الإسلام قالوا: نعم، هذا الدين ونِعْم الدين! أما أن نتكلم ونتشدق ونحدر الخطب ونقيم الجماعات، ونتفرق إلى جماعات متعددة وشعارات متباينة، وكل منا يدعي أنه هو المسلم الحق، وكلٌ منا في معزل عن أخيه، مع ما فيها من اعتوارٍ ونقص في بعض الأمور التي ينبغي ألا يكون فيها النقص، هذا لا يليق، بل هذا يزيد الجرح اتساعاً، ويزيد الخرق اتساعاً. ولذلك ينبغي علينا أن نعي رسالتنا.

стр. 113

ترتيب الأولويات الأمر الثاني: نبدأ بالأهم فالأهم، نبدأ بالعقيدة، نصحح عقائد الناس، نقول للكبير والصغير والجليل والحقير: قل لا إله إلا الله، كلمة تحاج لك بين يدي الله، قلها واعمل بمقتضاها؛ ألا معبود بحقٍ سوى الله، توحده رباً فتعلم علم اليقين أنه لم يرزقك ولم يطعمك ولم يكسك أحدٌ سواه، وتوحده إلهاً بالقصد والطلب، فلا تسأل أحداً سواه، فلا تدعو غيره، ولا ترجو سواه، ولا تخاف ولا ترهب ولا تتوكل ولا تستعين، ولا تعبد أحداً سواه . وتوحده في أسمائه وصفاته، فلا تسمع أذنك آيةً فيها صفة من صفات الله جل وعلا إلا أثبتها لله، وتقول: آمنا بالله. كما أخبر الله على لسان رسوله ﷺ ، وتثبت لله ما أثبت لنفسه، فنبدأ بهذا الأساس، نبدأ بالأهم فالمهم. أما إذا جاءنا شخص وقال: نبدأ بكذا، والثاني يقول: نبدأ بكذا، وهذا بكذا فكلا، نبدأ بدعوة الرسل "الإيمان والتوحيد". ثم إن صلحت عقائد الناس نبدأ بالأحكام، وبعد الأحكام نبدأ بالأخلاق، ويدل على هذا هدي النبي ﷺ ، أول ما بدأ في مكة بالتوحيد، وغرس في قلوب الناس الإيمان، ثم بعد ذلك دعا إلى الأحكام، فعندما انتقل صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة بين الله له الحلال والحرام، وفصل له الشرائع والأحكام، ولذلك تجد السور المدنية تتسم بطول آياتها وكثرة أحكامها، أما السور المكية فتتسم بقصر الآيات، والحجج الدامغات للذين كفروا عن سبيل الله فاطر الأرض والسماوات، تجدها شواهد الوحدانية، تنصب السور المكية، كلها قوارع تنزل على الذين كفروا، تبين لهم أنه لا إله إلا الله، وتأخذ بالقلب طوعاً أو كرهاً لكي يقول: "لا إله إلا الله"، فتأخذه تارة لكي ينظر أمامه، وتارة لكي ينظر فوقه وتحته وعن يمينه وشماله، ثم تلتفت حتى على دلائل التوحيد في نفسه وفي جسده ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] فكانت آيات القرآن كلها تنصب في بدايته على هذا الأساس. نوصي جميع إخواننا في مشارق الأرض ومغاربها أن يبدءوا بهذا الأساس، وإذا جاءت الأمة المهتدية في بلاد الكفر، أو غيرها -حتى من بلاد الإسلام- إذا جاءت عقيدة صافية وفق الله وسدد وأصلح؛ لأن الله يحب المخلصين، ويوفقهم، وهو معهم ينصرهم ويؤيدهم، ويربط على قلوبهم. والأمر الثاني: بعدما نجد من المسلمين من صفت عقيدته وخلصت من الشوائب -بعد هذا الأصل العظيم- نبدأ ببيان الأحكام، لا يمكن أن نقول للإنسان: صل. وهو يعبد القبر! ولا يمكن أن نقول للإنسان: صل. وهو يستغيث بصاحب القبر! ولا يمكن أن نقول للإنسان: صل. وهو يذبح لزيد أو عمرو! لا بد -أول شيء- أن نبدأ بالعقيدة، فإذا صفيت جاءت الأحكام (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم إلى فقرائهم) ما قال له: وأمرهم بالصلاة ولا الزكاة إلا بعد التوحيد والإيمان. إذاً هذا سبيل الرسل، هذا هو عين الحكمة والصواب، لا يمكن أن تجلس مع إنسان أو تصلي معه وأنت تعلم أنه يستغيث بغير الله، ويستجير بغير الله، تتبطنه وتواليه، وتحس أنه كالمسلمين تغشه لنفسه أبداً، قل له في وجهه: هذا مسارٌ غير صحيح، أخلص لله أولاً (قل آمنت بالله ثم استقم) أول شيء الأساس فليعتن به، يعتنى به بأمور: عن طريق الدعاة، عن طريق الرسائل، والأشرطة التي تعتني بغرس العقيدة، فإذا وفق الله وخلصت العقائد، جاء التوجيه في الأحكام فنبدأ بالطهارة، ثم بالصلاة، كيف نتوضأ كيف نصلي؟ تعرف المرأة أحكام الحيض، أحكام الغسل من الجنابة، نقرأ فيها ونبحث عن رسائل مفيدة في هذه المسائل. بعد هذا -بعد الأحكام- ننتقل إلى المعاملات، كيف نبيع؟ كيف نشتري؟ ما الذي أحل الله أن نأخذه؟ ما الذي حرم الله أن نأخذه؟ بعد هذا ننتقل إلى جمال الإسلام وكماله وبهائه في تلك الأخلاق العطرة، والسير الجميلة النضرة، فإذا أردت أن ترى المسلم الجميل الكامل الفاضل، فانظر إلى ذلك المسلم الذي جمع هذه الثلاثة الأمور، وانظر إليه حينما تأتيه الرحمة من الله فيتخلق بأخلاق المؤمنين قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] والإنسان إذا صفت عقيدته وكملت عبادته، واستقامت معاملته ظهرت آثارها على أخلاقه، فتجد أثر ذاك الإيمان الخالص الصافي من الشوائب يظهر في التعامل، وإذا بالرحمة تدخل إلى قلب المؤمن فيبدأ -سبحان الله- يرحم إخوانه المؤمنين، تجد التواضع، وتجد الكلام الطيب، العفة عن أذية المسلمين، تجد المسلم الحق قد سلم المسلمون من يده ولسانه، لا يغتاب، ولا ينم، ولا يفشي الحديث ليوقع الضغينة بين المؤمنين، يحرص على أخلاقه، يرحم من المسلمين ضعافهم، ويستر بإذن الله عوراتهم، ويفرج كرباتهم، الناس همهم الدنيا وهم ذلك العبد الصالح مكروباً يفرج كربته، أو مهموماً ينفس بإذن الله همه، فتجد أخلاق الإسلام تظهر بعد تحقيق هذه الثلاثة الأمور. هذه الأمور التي هي العقيدة والأحكام، تجد بعدها الآداب، فإذا استقام القلب لله استقامت الجوارح: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله). فنسأل الله العظيم أن يصلح الأحوال، وأن يوجب لنا ولكم حسن العاقبة والمآل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

стр. 114

وصايا للمتخرجين إن من أعظم نعم الله علينا أن منَّ علينا بهذا العلم الذي هو سبيل إلى الجنة، ونور يستضاء به في الطريق إلى الله، فلابد من تحقيق ذلك بالإخلاص لله ، وتزيين هذا العلم بالعمل، ودعوة الناس إلى هذا العلم والاستكثار من الأعمال الصالحة.

стр. 115

تذكير للمتخرجين بعظيم نعمة الله عليهم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المؤمنين والمؤمنات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله بالآيات البينات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله وسار على نهجه إلى يومٍ تتفطر فيه الأرض والسماوات. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في بداية هذا المجلس المبارك أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتقبله منا ومنكم، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، موجباً لرضوانه العظيم، وأن يجزي من تسبب في هذا اللقاء بخير وأفضل ما يكون به الأجر والجزاء، وشكر الله للشيخ: صالح فضله ونبله بالدعوة إلى هذا المجلس المبارك، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يرزقنا القول السديد والعمل الصالح الرشيد. أيها الأحبة في الله: إن كان لي من كلمة فما أحوجنا جميعاً إلى أن نذكر نعمة الله علينا، وجليل فضله علينا، فقد أحسن إلينا سبحانه مع عظيم إساءتنا، وأكرمنا مع التقصير الذي يكون منا، فخيره إلينا نازل، وشرنا إليه صاعد. الله أعلم كم أسبغ علينا من النعم، وكم دفع عنا من الشدائد والنقم، تحبب إلينا بالخيرات، وبسط يده آناء الليل وأطراف النهار بالخيرات والنعم التي لا يعلمها إلا هو ، فاللهم لك الحمد كالذي نقول، ولك الحمد خيراً مما نقول. إخوانكم من طلاب العلم أكرمهم الله بهذه النعمة العظيمة، فقرت عيوننا وعيونهم وعيون المسلمين حينما يسر لهم سبيل العلم وسهله، وبين لهم طريق العلم فهداهم إليه وحببه إلى قلوبهم. وقفوا اليوم بعد أن أكرمهم الله جل وعلا من قضاء الأعوام التي شرفهم وكرمهم بتعلم العلم فيها، فاليوم يقفون كما نقف جميعاً بعد كل نعمة من نعم الله علينا حامدين شاكرين ذاكرين لفضله وإحسانه معترفين.

стр. 116

وصايا لطلاب العلم المتخرجين

стр. 117

التزام حمد الله وشكره وأول ما ينبغي على من وفقه الله فأنهى تعليمه أن يحمد نعمة الله جل وعلا، فإن الله قرن المزيد بالشكر، وقرن البركة فيما أسدى وأولى من النعم لمن ذكره ، فكل من شكر نعم الله تأذن الله له فيها بالمزيد، ووضع له فيها البركة حتى ينتفع وينفع غيره بما تعلم وعلم.

стр. 118

إخلاص العمل لله أما الوصية الثانية: فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، ومن سلك سبيل الله سهل له الخيرات، وتأذن له بكل توفيق وسداد ورشاد في جميع أموره، حتى ينتهي إلى رحمة الله وجنته. المعاملة مع الله وذلك لا يكون ولن يتحقق للإنسان إلا بالإخلاص لوجهه الكريم. نقفُ اليوم لكي نجدد إخلاصنا لوجه الله ، ونعقد العزم أن ننصب وجوهنا لوجهه الكريم، لا لأي شيء سواه، فلا يزال الرجل بخيرٍ إذا قال قال الله، وإذا عمل عملاً لله ﷻ ، فمن عامل الله سبحانه، واطلع الله على قلبه فوجد فيه الإخلاص لوجهه، سهل له السبيل وأقام له الحجة، وبيَّن له الدليل وجعله من الأخيار، والأئمة الأبرار، فيخوض في رحماته آناء الليل وأطراف النهار. الإخلاص! فلا يمسي الواحد ولا يصبح إلا وهو يعامل الله ﷻ في أقواله وأفعاله.

стр. 119

تزيين العلم بالعمل يا معاشر طلاب العلم، إن الله شرفكم بهذا العلم فزينوه وجملوه بالعمل: هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل فبركة هذا العلم وخيره أن ينتفع به صاحبه، وإذا أردت أن ترى العلم النافع فانظر إلى من ظهرت آثار العلم في وجهه ويده وأخلاقه وجميع فعاله، العلم كما أنه في الصدور يترجمه العبد الصالح بأقواله وأفعاله، حتى يكون من الأئمة الذين سمى الله في كتابه. يحتاج العلم إلى عمل، ومن عمل بالعلم ورثه الله علم ما لم يعلم، جاء بعض التابعين إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ وكان يسألها ويستفيد منها، فأكثر عليها المسائل فقالت له ذات ليلة: [يا بني! أكل ما سألتني عنه عملت به؟ فقال: يا أماه! وأخذ يشكو التقصير وقلة العمل، قالت: أي بني! لم تستكثر من حجج الله عليك؟]، العلم إذا قرن بالعمل كان خيراً وبركة على صاحبه، وهذا هو الذي سأله النبي ﷺ ربه، وهو العلم النافع، واستعاذ بالله ﷻ من أن يحرمه بركة هذا العلم ونفعه، وذلك بزوال العمل، فكان يقول ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع، ومن علمٍ لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع). فكان يستعيذ بالله من علم لا ينفع، العلم النافع: هو الذي كسر قلب صاحبه لله ﷻ ، العلم النافع الذي يزيد الإنسان قرباً من الله ، وحباً في الله ، لا يتعلم قليلاً ولا كثيراً إلا ازداد من العمل والقرب من الله ، هذا هو العلم النافع الذي جعله الله للقلوب كالغيث للأرض الطيبة، تجد آثاره على جميع جوارح الإنسان، ولذلك قال إبراهيم النخعي واصفاً أئمة السلف الأخيار، الصفوة الأبرار: كان الرجل منهم إذا طلب العلم ظهرت آثاره في وجهه وخشوعه وركوعه وصلاته وسمته. كان العلم يراد للعمل، وعتب الله على بني إسرائيل حينما حُملّوا التوراة ولم يحملوها، وضرب لهم المثل كالحمار يحمل أسفاراً: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٥]. من حرم العمل بالعلم مقته الله ﷻ ، فكبر مقتاً عند الله أن يقول الإنسان ما لم يعمل. فلذلك ينبغي أن يفكر كل واحدٍ منا في هذه الأحكام والمسائل، والسنن والشرائع التي شرفه الله بها فعلمها، كيف يعمل بها؟ ويحاول أن يظهر هذا العلم في أخلاقه وشمائله وآدابه، والناس لا تنتظر الكلام بمثل ما تنتظر العمل والتطبيق، فالمتكلمون كثير، والمخلصون قليل، والعاملون أقل، فينبغي للإنسان أن يقرن علمه بالعمل. ومما يعين على العمل بهذا العلم: استشعار أن الله سائل العبد عن هذا العلم، ولذلك بيّن النبي ﷺ أنه يسأل العبد يوم القيامة، ولا تزول قدمه من موقفه بين يدي الله حتى يسأل عن علمه ماذا عمل به. فمن الأمور التي ينبغي أن نتواصى بها جميعاً، أن نظهر هذا العلم في أقوالنا وأفعالنا وشمائلنا وأخلاقنا، فإذا ظهرت آثار العلم على عبد الله الصالح وفقه الله وسدده، وجعله محل القبول عند الخلق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]. من عمل بالعلم وضع الله له القبول، ووضع الله له المحبة، فأصبحت القلوب تقبل عليه، ووضع الله له الأثر في هذه القلوب، فأصبحت كلماته ومواعظه وجميع ما يكون منه من الدعوة إلى الله مؤثراً في القلوب، بفضل الله ﷻ ، الذي بيده القلوب يقلبها كيف يشاء . العمل بالعلم يجعل الإنسان في انكسارٍ دائمٍ لله ، ويجعله أيضاً في ربح من المتاجرة مع الله ﷻ ، وقد كان أئمة السلف أئمة في الأعمال، وأئمة في الأقوال، فجمعوا بين العلم والعمل، وكانت أخبارهم وأحوالهم وما يكون منهم مع الناس كافة، تدل على أثر هذا العلم في قلوبهم، فينبغي أن يحرص كل واحدٍ منا على العمل بالعلم.

стр. 120

دعوة الناس إلى العلم النقطة الثالثة التي ينبغي للإنسان أن يحرص عليها، بعد أن وفقه الله ﷻ للإخلاص لوجهه والعمل بهذا العلم، بعد شكره : أن يحرص على دعوة الناس إلى العلم أن يحرص على تبليغ رسالة الله، وأداء أمانة الله، امتثالاً لما أوجب الله. فإذا أردت أن ترى من بارك الله له في علمه، ووفقه وسدده للقيام بحقه، فانظر إلى الذي لا يفتر ولا ينصب في تبليغ رسالة الله، وإقامة حجة الله على عباد الله، هذه هي الخيرية التي شهد الله بها لأوليائه المؤمنين، أن يدعوا إلى طاعته، ويحببوا في مرضاته، فيأمرون بأمره، وينهون عما نهى الله ﷻ ، فإذا بلغ الإنسان هذه المرتبة أحبه الله سبحانه، وقذف في قلوب العباد حسن الذكر له، ولذلك تجد للعلماء والأئمة من حسن القبول، ودعاء الناس، والهيبة في قلوب الناس، ما لا يمكن للإنسان أن يحصيه أو يصفه؛ والسبب في ذلك بعد فضل الله ﷻ ، بما كان منهم من الخير، وما نشروه من رسالة الله، وبلغوه من أمانة الله، فكان من شكر الله لسعيهم أن وضع لهم القبول بين عباده، فتجد الناس تذكرهم بالجميل، وتثني على ما كان منهم من عملٍ صالحٍ جليل. وانظر! إلى أئمة السلف ودواوين العلم، كيف عطر الله سيرتهم في الحياة وعطرها بعد الممات، فماتوا وما ماتت علومهم، وماتوا وما ماتت مآثرهم، وما كان منهم من خير ودعوة إلى صلاحٍ وبر، نسأل الله العظيم أن يلحقنا بهم غير خزايا ولا مفتونين ولا مغيرين ولا مبدلين، إنه ولي ذلك وهو أرحم الراحمين.

стр. 121

الاستكثار من العمل الصالح الوصية الأخيرة التي أوصي بها نفسي وكل مسلم يرجو لقاء الله : الاستكثار من العمل الصالح، ينبغي للداعية إلى الله ﷻ أن تكون بينه وبين الله أعمالٌ صالحة خفية، لا يعلمها إلا الله ، يجعل بينه وبين الله قياماً في الأسحار، أو تكون ساعات يبكي فيها من خشية الله آناء الليل وأطراف النهار، أو تكون له صدقات خفية على الأرامل والأيتام ونحوهم من ضعفة المسلمين، فقد كان أئمة السلف رحمة الله عليهم يحرصون على مثل هذه الأعمال الصالحة، فإذا كان بينك وبين الله عمل صالحٌ خفي، فإنها قربى ووسيلة يحب الله بها عباده، قربة ووسيلة تزيد العبد حباً في الله ، وتستوجب له الدعوات الصالحة، وقد تكون من فقراء المسلمين وضعفائهم بما سد من حوائجهم، وفرج بإذن الله من كرباتهم. كان أئمة السلف يحرصون على الأعمال الصالحة الخفية، فهذا علي بن زين العابدين رحمة الله عليه مع العلم والصلاح والعمل، كان إذا جن عليه الليل لبس ثيابه، ثياباً مبتذلة وحمل على ظهره الطعام ومضى به إلى بيوت الأرامل والأيتام، وهو إمام في زمانه ولم يعلم أحد أن هذا هو الإمام علي بن زين العابدين، سليل بيت النبوة ﵀ برحمته الواسعة، وما علم الفقراء والضعفاء أنه هذا الإمام إلا بعد أن توفي، فلما توفي فقدوا من كان يقرع عليهم بيوتهم في جوف الليل رحمة الله عليه. هكذا يكون الإنسان بينه وبين الله صدقات خفية. وهذا شعبة بن الحجاج بن الورد الإمام الذي يقول فيه سفيان الثوري ﵀: كان شعبة أمير المؤمنين في الحديث. وكان يهابه ويجله، وفعلاً كان خليقاً بهذا الخير، كان ﵀ لا يرد سائلاً سأله، حتى إنه دخل عليه رجل وبكى واشتكى أن دابته قد فقدت منه، فسأله: كم قيمتها؟ قال: ثلاثة دنانير، فأدخل يده في جيبه، وقال: هذه ثلاثة دنانير والله لا أملك غيرها!! وكانوا ﵏ يضحون ويبذلون، منهم من كان يخرج عن ماله، ومنهم من كان يتصدق بنصف ماله؛ لأن العلم إذا كسر القلوب لله ﷻ ، لم يبالِ الإنسان بالدنيا جاءت أو ذهبت، والذي ضرنا ركوننا إلى الدنيا، فالأعمال الصالحة الخفية تعلم الإنسان الإقبال على الله ، وتزيد من المعاملة الرابحة ولعله أن يصيب دعوة تكون مستجابة عند الله ، وقل أن تجد عالماً يجمع بين العلم والإحسان إلى الناس، إلا وجدته في أعلى المراتب، والقبول له كأحسن وأجمل وأكمل ما يكون، جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل. والذي ضر كثيراً منا أننا نفقد مثل هذه المواقف؛ لأن هذه المواقف تنبئ عن رحمة، وتنبئ عن انكسار القلوب لله ، فلا يرحم المسلمين إلا الرحيم، ولا يحن عليهم إلا الحنون، فإذا زين الله الإنسان بالعلم، والسعي في تفريج كربات المسلمين، وبذل قيمة هذا الجاه لقضاء حوائجهم والإحسان إليهم؛ وفقه الله وسدده وجعل الخير له وحليفه حيثما كان، فإذا مات كان وراءه الرحمات والدعوات الصالحات من المؤمنين والمؤمنات. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا مفاتيح خير، وأن ينشر بنا كل إحسان وبر، إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

стр. 122

الأسئلة بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

стр. 123

وصية وتوجيه لطالب العلم إذا أراد أن يدعو إلى الله السؤال ما هي وصيتك وتوجيهك لطالبٍ يسر الله له مفاتيح علمٍ، وبعد تخرجه سيرجع إلى بلده حيث لا يوجد فيها علماء راسخون، حتى يواصل معهم والناس محتاجون للدعوة والتعليم؟ الجواب أوصيه بالإخلاص وما كنا فيه من ضبط العلم وإتقانه، فيراجع ما قرأه ويضبطه، وكل ما تعلمه من القليل والكثير فإن الله سائله عنه، فكل ما تعلمته من القليل والكثير وكل آية وكل حديث وكل علمٍ تعلمته ستقف بين يدي الله وتسأل عليه، ترجع وتراجع جميع معلوماتك، وتتأكد منها وتستثبت، وتجدد النية وتصححها، ثم تنطلق للدعوة وتبدأ أول ما تبدأ بنفسك، ثم بمن تعول، ثم تحقق هذا العلم بالعمل وتبدأ بالأخلاق الفاضلة، وتأخذ الناس بالتيسير لا بالتعسير، وبالتبشير لا بالتنفير. قال ﷺ لما بعث أبو موسى الأشعري ﵁ ومعاذاً إلى اليمن قال: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)، فييسر الإنسان ويبشر، ولا ينفر ولا يعسر، فإن دين الله يسر. وتأخذ الناس أولاً بما يعرفون حتى تأتلف قلوبهم حولك، وتذكرهم بالجنة والنار حتى تكون عندهم الرغبة والرهبة، بعد أن توقفهم على النار كأنهم يصعقون من زفيرها، وتوقفهم على ظلال الجنة وأشجارها كأنهم يقطفون من ثمارها، عندئذٍ تبين لهم وتأخذهم بالعزائم، ولذلك أدب الله عباده، تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: (كان أول ما أنزل على الرسول ﷺ آيات فيها ذكر الجنة وذكر النار، ولو نزل لا تسرقوا لا تشربوا الخمر؛ ما آمن أحد). فإذاً أولاً: نقرب الناس ونثبت قلوبهم، حتى إذا جاءت العزائم جاءت والنفوس قوية. وأما منهج الدعوة فتبدأ أول ما تبدأ بتوحيد الله؛ لأنه أساس العمل الذي لا يمكن أن يقبل الله عمل عامل إلا به: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]. تبدأ بالعقيدة وأصول الدين، تدعو الناس إلى التوحيد والإيمان بالله، وتبين لهم أركان الإيمان، وتقوي في قلوبهم هذا الإيمان وتذكي جذوته، حتى إذا قوي هذا الإيمان كفاك بإذن الله ، إذا قوي إيمان الناس أصبح الواحد هو الذي يأتيك فيقول لك: ماذا أفعل في نفسي؟ وماذا أفعل في أهلي؟ وماذا أفعل بين أولادي؟ وماذا أفعل في متجري وبيعي وشرائي بعد أن يزيد إيمانه؟ ولذلك أول ما تحرص عليه العقيدة والإيمان، بعد أن تغرس العقيدة في قلبه والتوحيد والإخلاص لوجه الله ، وتعود الناس على المعاملة مع الله بعد ذلك يسهل عليك أن تقودهم إلى الخير، وأن يأخذوا بعزائم الإسلام بقوة، نسأل الله لنا ولك التوفيق، والله تعالى أعلم. ونسأل الله العظيم في ختام هذا المجلس أن يجزي الشيخ صالح كل خير، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وإن كنا والله نود أن الشيخ يعطر المجلس فأعينوني على الشيخ، وهذا من الأدب مع العلماء والمشايخ.

стр. 124

تفسير قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) السؤال ما هو الفهم الصحيح لتفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]؟ الجواب نعم، إذا استحل الإنسان الحكم بغير ما أنزل الله واعتقد أنه حلال أو قال: الشريعة الإسلامية لا يصلح الحكم بها، فهذا -نسأل الله السلامة والعافية- هو الذي سمى الله بالكفر، أما لو أن إنساناً لم يستحل هذا العمل فلا يوصف بكونه كافراً، مثال ذلك لو أن إنساناً أخذ الرشوة ولم يقض بالحق، فبالإجماع لا يعد كافراً، ولو أن إنساناً جاءه قريبه فحاباه -والعياذ بالله- في القضاء فقضى له وهو يعلم أنه ظالم في حكمه، لا يوصف بكونه كافراً بإجماع العلماء، ولذلك نص العلماء في المستحل دون غيره.

стр. 125

الطريقة المثلى للحفظ السؤال ما هي أمثل طريقة للحفظ؟ الجواب يقولون أن شعبة رحمة الله عليه كان إماماً في الحفظ، وكان يقول: ما خططت سوداء في بيضاء، ولا سألت رجلاً أن يعيد علي حديثه مرتين من قوة حفظه، قالوا له: ما دواء الحفظ؟ قال: ترك المعاصي، ما جربت دواءً مثله. فالعلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاصٍ، فالذي يريد أن يقوى حفظه فليستدم طاعة الله، وليتجنب معصية الله، فإن معصية الله تمحق البركة في الحفظ والفهم، حتى إن الإنسان إذا ما نظر إلى حرمة من حرمات الله، وجاء يفتي أو يتكلم بانت في خلجات لسانه، نسأل الله السلامة والعافية، وضره في علمه وفي بصيرته نسأل الله العافية. فالإنسان يحرص على طاعة الله، فمن الأمور التي تعين على حفظ العلم ووقته: الطاعة والتقوى والالتزام بحدود الله كما قدمنا.

стр. 126

حكم الرضاع من امرأة بعد بلوغها سن اليأس السؤال هل رضع المرأة بعد سن اليأس مؤثر؟ الجواب هل هناك حليب؟ إذا كانت يائسة وفيها حليب فهذا من أندر النادر، والسؤال قد يكون من الأسئلة الفرضية، لكن بالنسبة للحكم لا، فإذا ثاب الحليب في امرأة وبقي فيها وكانت متزوجة من قبل، وارتضع منها طفل فإنه يعتبر ابناً لها، وابناً لزوجها الذي ثاب الحليب من وطئه، ومعنى ذلك أنه بقي فيها الحليب من بعد وطئه.

стр. 127

العوامل التي تساعد على محاربة الهوى السؤال ما هي العوامل التي تساعد على محاربة الهوى وعدم اتباعه؟ الجواب الأمور التي تساعد على محاربة الهوى: أن تقفل على نفسك جميع الأبواب المخفية لهذا الهوى، فالإنسان الذي يبتلى بالهوى والضلالة -نسأل الله السلامة والعافية- لا بد من وجود أسباب أفضت به إلى ذلك: إما قرين السوء، ولذلك قال الله تعالى حكاية عن عبادة المجرمين: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء:٩٤ - ٩٩]. وقال أيضاً: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]. فقرين السوء من أعظم أسباب الهوى، ما زين الخمر وحببها إلى شاربها إلا قرين السوء، ولا زين المعاصي وجعلها سهلة ميسرة لمن فعلها إلا قرين السوء، الذي لم يتق الله في أخيه وأورده الموارد، ولذلك يأتي يوم القيامة فيتبرأ منه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، فنسأل الله السلامة والعافية، فقرين السوء من أعظم أسباب الهوى. كذلك أيضاً من أسباب الهوى: الجلوس في مجالس أهل الضلالة، فهذا الإمام مالك رحمة الله عليه المشهودٌ له، حتى يقول عنه عبد الرحمن بن مهدي: جالست سفيان ويحيى -يعني: يحيى القطان - ومالكاً، ما رأيت أعقل من مالك، كان هذا الإمام رحمة الله عليه معروفاً بوفرة العقل، حتى إن الإمام أحمد رحمة الله عليه قال: كان من أكمل الناس عقلاً في فضلٍ وعلم. وأثنى عليه، فمن عقل الإمام مالك لما قيل له ذات مرة: حدثنا. فحدثه، فقيل له: عمن حدثت؟ أي: من الذي حدثك بهذا الحديث؟ قال: ما جالست سفيهاً يوماً قط. فالذي يريد أن يعافيه الله من الهوى لا يجالس السفهاء وأهل الهوى، فمن جالس قوماً تأثر بهم، ففي اليوم الأول ينكر، واليوم الثاني يضعف إنكاره، حتى يصبح يوماً من الأيام لا يفرق بينهم وبين نفسه -نسأل الله السلامة والعافية- فالإنسان الذي يريد أن يسلمه الله من الهوى عليه أن يقفل أسباب الهوى، فيجلس مع أهل الهدى حتى ينقل إلى الهدى، ويكون من أهل الهدى، ويسلم من الردى والهوى، فيحرص الإنسان على هذه الأمور. أيضاً من الأمور التي تسلم من الهوى: كثرة قراءة القرآن مع التدبر؛ لأن القرآن يأخذ بمجامع القلب فتتجه جميع الشعب إلى الله ﷻ ، فيأتي الشيطان فلا يجد منها شعبة، وتأتي الشهوات والشبهات فلا تجد شعبة؛ لأن جميع شعب القلب اتجهت إلى كتاب الله، وإلى كلام الله. ولذلك كان السلف الصالح رحمة الله عليهم لا يفترون عن كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، فصاموا به النهار وقاموا به الأسحار رحمة الله عليهم. فلذلك الذي يريد أن يسلمه الله من الهوى؛ يحرص على هذين الأمرين: الأمر الأول: ألا يجالس أهل الهوى وأهل البدعة وأهل الضلالة، ويحرص على أهل السنة والحق، والذين هم على نور من الوحي من كتاب الله وسنة النبي ﷺ . الأمر الثاني: أن يحرص على ما ذكرناه من البعد عن قرناء السوء ومن لا خير في مجالسهم.

стр. 128

فضيلة العلم الأخروي على العلم الدنيوي السؤال ما جاء في وصف العلماء في القرآن هل ينطبق على أصحاب العلم الدنيوي؟ الجواب لا. العلم إذا ذكر تشريفاً وتكريماً هو العلم الأخروي: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. وأما بالنسبة للعلوم الدنيوية فيوصف صاحبها بكونه باحثاً، ويوصف بعلمه الذي هو فيه، وأما بالنسبة لمن قال: العلم لكل من هب ودب، فهذا فيه انتقاص لشرف العلم، العلم الذي أثنى الله عليه ورفع قدره هو: العلم الأخروي، الذي هو قال الله وقال رسوله ﷺ . أما أن تكون منزلة علماء الدنيا كعلماء الدين فلا!! يأبى الله ورسوله وعباده المؤمنين، وهؤلاء لهم فضل، فنحن نقر للأطباء بطبهم، وللمهندسين بهندستهم، وكل من كان له علم فيه منفعة ومصلحة نقر له بفضله فيه، لكن بالنسبة للذي له شرفه وله مكانته، والذي أثنى الله عليهم ورسوله هم علماء الدين. وأما علم الدنيا فهذا من الأمور التي تكون بحالها وبحسبها، يقال: هذا طبيب ويبين فضله في علمه، أما أن يوصف بكونه عالماً لا، العلم إذا أطلق كان العلم الأخروي، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧]، فوصفهم بكونهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا: ﴿وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] وهذا في قومٍ ليسوا على إيمان، ومع ذلك من الأمور التي استوى فيها العلماء الآن أن يقال: لفظ العالم والمهندس والطبيب على مرتبة واحدة وهذا خطأ. وبعضهم يقول: لا، هؤلاء علماء، فيقال: علماء الطب، وعلماء الهندسة، وهذا غير صحيح يقال للأطباء بطبهم ويوصفون بطبهم، لكن العلم إذا أطلق بين المسلمين ينبغي أن تصان هذه الكلمة وتحفظ؛ لأن العلماء لهم هيبة ولهم مكانة، والسلف الصالح من القديم على هذا، إذا قيل العالم فمعروف من هو العالم. لأنه كان هناك الأطباء وكان غيرهم من علماء الدنيا، وهذا لا ينقص العلوم الدنيوية في نظر الإسلام، خطأ أن يظن أحد أننا إذا قلنا هذا الكلام كأننا ننتقص من العلوم الدنيوية، إنما نقول: إن العلم الأخروي له ميزة في شريعتنا وله مكانة عند أهل العلم وعند المسلمين، لا ينبغي أن يسوى العالم الديني بالعالم الدنيوي، شتان ما بينهما، ولذلك يختص هذا العلم بالعلم الديني، وهو الذي عنى الله أهله وسماهم وشرفهم. جعلنا الله وإياكم منهم.

стр. 129

الواجب على طالب العلم تجاه المعلم السؤال ما هو الواجب على طالب العلم تجاه المعلم؟ الجواب العلماء لهم حقٌ كبير على الناس، وبين الله تعالى علو شأنهم فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، وأخبر أنه يرفعهم درجات عنده ، فالعلماء لا يستوون مع عامة الناس، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩]-جعلنا الله وإياكم منهم- فابتدأ بالأنبياء، ثم قال: "والصديقين" قال العلماء: الصديقون هم العلماء العاملون، فالعالم العامل له حق كبير على الناس. من حق العالم على طالب العلم إذا كان في مجلس العلم أن يصغي إليه، كما أخبر الله عن الجن: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف:٢٩]، وقال الله لنبيه موسى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٢ - ١٣]. فالواجب الإنصات إليه إذا حدث، وعدم مقاطعته، وعدم الاستهانة برأيه، والاستخفاف بعلمه، فإن العلم شعيرة من شعائر الله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. فالذي يتقي الله يعظم العلماء في الحدود الشرعية، ولا يغلو بهم ولا يتنطع، ولكن أيضاً لا يجحف، فنحن بين الإفراط والتفريط، لا نغلو ولا أيضاً نجحف بعلمائنا بل نحترمهم ونقدرهم إذا تكلموا وبينوا. الأمر الثاني: العمل بما يدعون إليه، ونشر فتاويهم وعلومهم بين الناس؛ لأن الله ينفع بها ويكون لك مثل أجره، فمن حبك للعالم أن تنشر خيره، فتقول: جلسنا معه فذكر كذا، ونصح بكذا، ووعظ بكذا، فتكون شبيهاً بالعلماء وإن لم يكن عند الإنسان علم فلينشر هذا الخير. الأمر الثالث: ذكرهم بالجميل، أن يذكر العلماء بالخير؛ لأن انتقاص العلماء عند العامة ثلمة في الدين، فإن العامة إذا احتقر العلماء عندهم ضاع الدين، من يسألون؟ وإلى من يرجعون؟ فينبغي ذكرهم بالجميل وإجلالهم، ولا ينادونهم بأسمائهم وإنما ينادونهم بما شرفهم الله به وكرمهم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. الذي ينادي العالم باسمه أو يجعل العالم في مرتبة واحدة مع العامة جاهل، فإن الله يبين أنهم لا يستوون، فينبغي إجلالهم، فيقول: قال العلماء يقولون بإجلال العلم ذكره الشيخ والإمام، ويقال: عفا الله عنك وأحسن الله إليك. فيجلون ويقدرون في الحدود الشرعية. كذلك من حق العالم إذا كان ميتاً أن يترحم عليه الإنسان، كعلماء الأمة وسلف الأمة الصالح، ويذكرون بالجميل، ويترحم عليهم، فإن الإنسان إذا ذُكر عظام المسلمين من العلماء والأخيار والصالحين وذكرهم بدعوة صالحة قيض الله له من يدعو له، ويترحم عليه، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان. ولذلك كان من منهج السلف الصالح ذكر علماء الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، كما يقول الإمام الطحاوي في عقيدته: أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، من الصحابة التابعين، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، فينبغي ذكرهم بالجميل. كذلك أيضاً من حقوقهم: أن الإنسان يحرص كل الحرص على التأدب معهم في المناقشة والسؤال والاستفتاء، لا يرهقهم ولا يحملهم ما لا يطيقون، ولذلك أمر الله أصحاب نبيه أن يتأدبوا معه حتى في مجالسهم الخاصة، وأن لا يطيلوا الجلوس عنده؛ لأنه ربما كان مشغولاً بما هو أهم وأعظم، فالعالم يحتاج إلى حفظ وقته، وهكذا إمام المسجد والخطيب ونحوهم ممن يوجه الناس، قد تكون عندهم أمور خاصة يحتاج إلى تفرغ لها، ويحتاجون أن يتزودوا، فإذا أصبح الناس لا يبالون بأوقات العلماء، ويرهقونهم بكثرة الزيارات التي لا يصحبها استفادة، فهذا أمر فيه ضرر عليهم، بل هو من إساءة الأدب. ولذلك من الأمور التي شاعت بين الكثير إلا من رحم الله كثرة زيارة العلماء والجلوس معهم دون استفادة. فتجدهم يسألون عن حاله، وعن شأنه، ويسألونه عن أموره الخاصة، وشئونه الخاصة، دون أن يسألوا عن علمٍ نافع، حتى مل العلماء من مجالس الناس وأصبحوا يقولون: نجلس ويضيع الوقت في أمور دنيوية. وقد يجلسون بالساعات، فإذا أراد العالم أن يقوم، قال أحدهم: عندي سؤال، وقال هذا: عندي مشكلة، مع أن العالم يجلس بالساعات، ولا يجد من يسأله. فينبغي أن نشفق عليهم، وأن نختار الأوقات المناسبة لزيارتهم، وكذلك أيضاً إذا رأينا عليهم العناء والتعب نشفق عليهم، فهذا أيضاً من احترام العلماء ومن الأدب معهم. كذلك أيضاً من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يراعيها في أدبه مع العلماء، أن يشعرهم بالإجلال والتقدير، وبالسلام عليهم وتفقد أحوالهم، فإن كانوا مرضى نزورهم ونعودهم ونقضي حوائجهم؛ لأنهم مشغولون بمصالح المسلمين، ومن قضى حوائجهم وسعى في إسداء الخير إليهم أعانهم على ما هم فيه من الخير. نسأل الله العظيم أن يجعلنا ذلك الرجل، وأن يوفقنا إلى حب علمائنا والنصح لهم، وذكرهم بالجميل والإحسان إليهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 130

كيفية تسديد الدين عند تغير سعر العملة السؤال في بلادنا تنقص العملة نقصاناً كبيراً، فمثلاً: قبل ست سنوات كانت وحدة العملة في بلادنا تساوي اثنا عشر دولاراً والآن تساوي ستمائة دولار، فهل يجوز أن يشترط على الإنسان عند الدين تقويمها عند الأداء؟ الجواب لا يجوز، من أخذ ديناً بأي عملة فإنه يرده بنفس العملة، سواءً ارتفعت أو انخفضت واجتهد بعض أهل الرأي فقالوا: يجوز أن ينظر إلى قيمة العملة ويعطيه إياها، وهذا باطل من وجوه. أولها: أن الله تعالى يقول: ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]، فدلت هذه الآية على أن صاحب الدين، يستحق رأس مال الدين بدون تفريق بين غلاءٍ ونقص. ثانياً: أن النبي ﷺ قال في حديث عائشة ﵂ عند أبي داود: (الخراج بالضمان) وهو حديث صححه غير واحدٍ من العلماء ومتنه مجمع عليه، ومعناه: أن الربح لمن يضمن الخسارة، يقولون: من يتحمل الخسارة يأخذ الربح، فنقول: أرأيت لو أن هذه العملة أصبحت قيمتها بأضعاف أضعافها لطالبك صاحب الدين أن تدفع له نفس العملة، قالوا: كما أنه يطالبك عند غلائها بنفس العملة أيضاً تعطيه نفس العملة عند نقصها، للقاعدة: "إن الغنم بالغُرم". ولذلك أصول الشريعة تقتضي أن تسدد بنفس العملة ارتفعت أو انخفضت، وهذا وارد، فإن الإنسان قد يأخذ الشيء وقيمته شيء ثم يرده وقيمته أدنى وقد يرده وقيمته أعلى فليس لك إلا مثله، ولأن صاحب الدين قد رضي أن يأخذ هذا القدر بعد سنوات، سواءً كان بغلاءٍ أو كان بنقص. لكن لو أن إنساناً أعطاك ديناً فأخذت مائة ألف فإن له فضلاً عليك، ومن شكر المعروف أن ترد جميله، فإذا نقصت هذه القيمة تقول له: هذا مائة ألف التي أعطيتني إياها وهذه خمسمائة من عندي، أو هذه ألف من عندي، فقد ثبت أن رجلاً قال: (يا رسول الله! لا نجد إلا خياراً رباعية، قال: أعطه، فإن خير الناس أحسنهم قضاء)، تعطيه من باب المكافئة على معروفه، ويجوز رد الدين بزيادة إذا لم يكن بشرط؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن خير الناس أحسنهم قضاء)، فنحن نخرج من الإشكال ونقول له: هذه مائة ألف التي استدنتها منك، وأنت صاحب فضل عليَّ أشكره ولا أكفره وأذكره ولا أنساه، هذه عشرة آلاف مني لك جزاك الله خيراً، وأعظم لك الأجر، ففي هذه الحالة يكون الإنسان قد وفى وكفى وخرج من الشبهة؛ لأنه خرج من الحرام والشبهة ببينة من أمره.

стр. 131

حكم دفع مبلغ مقابل الإقالة من البيع السؤال رجل اشترى سيارة من آخر وبعد يومين طلب المشتري الإقالة، لكن البائع رفض أن يقيله، فتبرع المشتري بدفع ألف لإعادة السيارة، فما الحكم، جزاكم الله خيراً؟ الجواب مسألة الإقالة فيها جانبان: الجانب الأول: المستحب والمندوب للمسلم إذا جاءه أخوه المسلم يسأله الإقالة في بيع أن يقيله، فإن الإنسان إذا رحم أخاه ﵀، والأغنياء يبتليهم الله بمثل هذه المواقف فمن شكر نعم الله على الإنسان أن يقيل النادم. والإنسان ربما استعجل وقبل منك السيارة أو الأرض أو العقار، ثم رجع إلى بيته فتذكر ديونه أو تذكر همومه وغمومه وتذكر أنه سيحمل عبئاً كبيراً، فيأتيك وهو مكروب ويقول لك: يا أخي! فرج عني عسى الله أن يفرج عنك، إني نادم، رد عليَّ بيعتي فإذا رحمته رحمك الله ﷻ : (من أقال نادماً أقال الله عثرته يوم القيامة) لأن هذا المتن له ما يشهد له من المتون الصحيحة: (من نفس عن مؤمنٍ كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، فأجمع العلماء على فضل إقالة النادم. الأمر الثاني: مسألة هل يجوز أن يدفع له الألف ويتنازل؟ هذه المسألة مبنية عند العلماء على مسألة: هل الإقالة بيع مستأنف أو هي فسخ للبيع الأول؟ وتوضيح ذلك أنه إذا قال: أقيلك وأعطني ألفاً، فإننا إن قلنا: بيع صح وجاز، كأنه اشترى السيارة بمائة ألف ثم باعها له مرة ثانية بيعاً ثانياً بالإقالة بتسعين ألفاً، هذا لا حرج فيه؛ لأنه باع ما يملك، فهو اشترى بمائة من البائع ثم باع المشتري بتسعين، فأشبه ما لو باعها للغير، فهذا لا حرج فيه إن قلنا إنه بيع. أما لو قلنا أن الإقالة رد وفسخ للبيع فهنا إشكال، كأنه يدفع له المائة ألف مقابل التسعين الألف، ففيها شبهة، ولذلك شدد العلماء على هذا الوجه الثاني، إذا قال له: خذ من المائة ألف ألفاً وأقلني قالوا: كأنه يقول له: أعطني المائة ألف وفي مقابل الإعطاء خذ ألفاً، فبادله المال بالمال متفاضلاً وقيمة المال في السلعة، ولذلك ترد فيها الشبهة في هذه الحالة، فالأقوى أن يبيعها عليه والأفضل أن يقول له: أبيعكها بتسعين ألفاً هل تشتريها مني؟ فينشئ عقد البيع؛ لأنه لو أنشأها بصيغة البيع فبالإجماع يصح البيع وينعقد، والله تعالى أعلم.

стр. 132

حكم ترك الدعوة بحجة الخوف من عدم العمل بما يدعو إليه السؤال يقول بعض طلاب العلم: إني أخشى أن أدعو إلى عمل ولا أعمله فآثم على ذلك، فما رأي فضيلتكم؟ الجواب بعض طلاب العلم يمتنع من الدعوة إلى الله، والدعوة إلى الخير، يقول: لأني لا أعمل، وهذا فيه تفصيل؛ لأن الإنسان إذا عجز عن العمل لعذرٍ يقوم به، أو لم يستطع أن يفعل هذه الأعمال الصالحة لعذر يقوم به؛ فإنه بالإمكان أن ينال الخير بالدعوة إلى الخير، ولذلك الناس يختلفون. فمثلاً: لو أن إنساناً كان قليل ذات اليد ليس عنده مالٌ يتصدق به، فإنه لا يقول: لا أدعو الناس إلى الصدقة؛ لأنني لا أتصدق، بل يدعو الناس إلى الصدقة. ولذلك المراتب مختلفة: فأعلاها أن يجمع الله للإنسان بين الدعوة لفضائل الأعمال والعمل بها، ودونها أن يدعو وأن يمنع ويحال بينه وبين العمل بالعجز، فيكتب له الأجر إن شاء الله تعالى، كما في الصحيح من قوله ﵊: (هذا بعمله وهذا بنيته). فكون الداعية يمتنع عن الدعوة إلى الخير لقوله: لا أعمل في فضائل الأعمال، هذا محل نظر، بل ينبغي عليه أن يدعو حتى ينال الأجر بالدعوة، ولذلك كان النبي ﷺ يندب أصحابه إلى دعوة الناس إلى الخير؛ لأنه ﵊ كان وأصحابه في قلة من ذات اليد، وكان يأمر بالصدقات ويحث عليها صلوات الله وسلامه عليه، كما ثبتت في ذلك الأحاديث الصحيحة. ومنها قصة غزوة تبوك صلوات الله وسلامه عليه نادى المؤمنين إلى الإنفاق، فإذا عجز الإنسان عن العمل الصالح لقصور به أو ضيق وقت، أو وجود مشاكل أو تحمل أمور تشغله عن القيام بعمله، فلا يمتنع من أمر الناس بالخير، وهل كل إنسان يعمل بكل ما يدعو إليه؟ هذا أمر من الصعوبة، لو قلنا إنه لا يدعو إلا بما عمل، ولكن يكون في نفسه أنه ترك العمل لعذر. أما -والعياذ بالله- إنسان يدعو الناس إلى الخير وهو زاهدٌ فيه هذا هو الذي فيه الوعيد -نسأل الله السلامة والعافية- عنده مال ويقول للناس: تصدقوا فإذا دعي للصدقة انكف وانزجر -نسأل الله السلامة والعافية- فهذا هو الذي فيه الوعيد، وفيه حديث الرجل الذي تندلق أقتابه -أمعائه- في النار فيلتف عليه أهل النار ويقولون: (يا فلان! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: نعم، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) نسأل الله السلامة والعافية! فهذا يقع بأسوأ الأحوال يوم القيامة. لذلك إذا كان الإنسان تقصيره من استخفاف ونحو ذلك فهذا هو الذي يخشى عليه، أما إذا كان لضيق ونحوه فإنه معذور.

стр. 133

الأمور التي تعين على الخشوع السؤال كيف يكون الشاب المسلم دائم الخشوع لله تعالى مع ما يعتري قلبه من القسوة؟ الجواب الله المستعان أما الخشوع فهذا من أعظم الأمنيات وأجلها وأكرمها، ولذلك قال ﷺ للصحابة: (والذي نفسي بيده، لو أنكم تستديمون على ما أنتم عليه عندي لصافحتكم الملائكة عيانا، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)، من منا يستطيع أن يبقى خاشع القلب دائماً، ولذلك قال ﷺ : (إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم ... )، فهذا يدل على أن الإنسان أين ما كان فيه بشرية وفيه ضعف، ولكن العاقل الحكيم الذي يتعاطى الأسباب في القرب من الله، فمن الأمور التي تعين على الخشوع: أولها وأعظمها: الدعاء، قل: اللهم إني أسألك قلباً خاشعاً اللهم أصلح لي قلبي اللهم اقذف في قلبي نور الخشوع، واجعلني من أهله ونحو ذلك من الدعاء الذي ترجو به رحمة الله، فإنه نعمة لا يعطيها إلا الله ﷻ . الأمر الثاني الذي يعين على الخشوع: الكسب الحلال والمال الطيب، فمن طاب مطعمه طاب قلبه وصلح، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى الحلال، فليبتعد قدر المستطاع عن الحرام وليجاهد نفسه، فإن الله يرزقه من الخشوع على قدر جهاده. الأمر الثالث مما يعين على الخشوع: قيام الليل، وتدبر القرآن في الأسحار، والبكاء في جوف الليل، وتذكر الذنوب والإساءة والعيوب، فإنها تكسر القلوب لله ﷻ . ومما يعين على الخشوع: قراءة سيرة السلف الصالح وتأمل أحوالهم، وما كانوا عليه من الخوف الدائم من الله . كذلك أيضاً مما يعين على الخشوع: زيارة الموتى، وتشييع الجنائز، والنظر في أحوال أهلها من الأغنياء والأثرياء والضعفاء والفقراء. وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن فإذا نظر الإنسان إلى جنازة غني أو ثري كيف يوسد في قبره، وكيف يترك في لحده، وكيف آل إلى هذا المكان، انكسر قلبه لله ﷻ وأصابه الخشوع وأحس أنه في ذلة واستكانة لله . كذلك أيضاً مما يعين على الخشوع: البحث عن العلماء الأتقياء، الذين فيهم ورع وصلاح، وتمسك بالكتاب والسنة، الذين إذا نظرت إليهم ذكرك منظرهم بالله، وإذا استمعت إليهم أحيا الله قلبك بما يكون منهم من ذكره وشكره . مما يعين على الخشوع: البعد عن المظالم وأذية الناس والشرور بجميع أنواعها. مما يعين على الخشوع: كف البصر وكف الجوارح التي فيها فتنة، فإن الإنسان إذا حبس جوارحه لله ﷻ قذف الله في قلبه نور الخشوع، وكان من الخاشعين، هذه من الأمور التي تعين على خشوع القلوب وصلاحها، نسأل الله العظيم أن يمن علينا بهذه النعمة العظيمة، وأن لا يسلبنا لذة الخشوع إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 134

الأمور التي تعين على حفظ الوقت السؤال كيف يحفظ الإنسان وقته إذا كان من طلاب العلم؟ الجواب على العموم حفظ الوقت لا يكون إلا إذا هيأ الإنسان نفسه لحفظ هذا الوقت، وإذا أراد الإنسان أن يحفظ وقته فليستكثر من الطاعة، فإن الإنسان إذا كثرت طاعته بارك الله له في عمره. يقولون: إن حفظ الوقت من البركة التي يجعلها الله في العمر، ولذلك من أكثر الناس بركة في أوقاتهم هم العلماء والأخيار، والذين هم على استقامة على دين الله يبارك الله في أوقاتهم، ولذلك تجد العالم يعيش مدة وجيزة ولكن يحيي الله به أمماً. كذلك من الأمور التي تعين على حفظ الوقت من الأعمال الصالحة: صلة الرحم وبر الوالدين: (من أحب منكم أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه، فليصل رحمه). صلة الرحم تضع البركة في العمر، ويبارك الله بها في الوقت، وطالب العلم الذي يقصر في صلة الأعمام والعمات والأخوال والخالات ونحوه من القرابات يحرمه الله بسبب هذا الذنب. قال سفيان الثوري: أذنبت ذنباً فحرمت قيام الليل ستة أشهر، فقد يقصر الإنسان في صلة رحمه أو بر والديه فينزع الله الخير من وقته. من الأمور التي تعين على حفظ الوقت: كثرة ذكر الآخرة وتذكر الإنسان أنه ستمر عليه مثل هذه اللحظة، ومثل هذه الساعة وهو رهين الأجداث والبلى، قد أقبل على الله جل وعلا، بما كان منه من خيرٍ أو من شر، فإن هذا يهون عليه هذه الدنيا، ويجعل عمره في نظره قصيراً، وإذا أحس الإنسان أن عمره قصير استنفذه فيما فيه الخير، واستنفذه فيما فيه الطاعة أو البر. فإذا حرص الإنسان على كثرة ذكر الآخرة بارك الله له في وقته، وأعانه على تنظيمه. ولا أستطيع أن أضع منهجاً معيناً لحفظ وقت طالب العلم؛ لأن الأمور تختلف، فلو قلت لك مثلاً: قم من الصباح الباكر من بعد صلاة الفجر وافعل كذا وكذا، ربما كانت أوقاتك لا تتهيأ في مثل هذا الوقت، ولو قلت احفظ آخر النهار وأدمن السهر، ربما كانت أحوالك لا تعين على ذلك. فوضع منهج معين من الصعوبة بمكان، وأنا ألاحظ أنه من الخطأ أن نضع للناس منهجاً معيناً، إنما نضع لهم القواعد تأسياً بالكتاب والسنة، ونقول له: احرص على ما ينفعك، واحرص على ضبط وقتك والله يعينك. فإذا تهيأت أسباب حفظ الوقت فإن الله يعين. لكن ننبه على أمور مهمة تضيع الوقت، منها ومن أعظمها: قرناء السوء، وقد يكون الإنسان ولو كان قريناً صالحاً فإنه قد يكون ليس عنده عقل، وقد يكون ممن يضيع أوقات الناس فيما لا خير فيه. ولذلك إذا أردت أن يبارك الله لك في الوقت، ابحث عمن حولك فإذا وجدت الذين حولك من الصالحين والأخيار، الذين يعينون على حفظ الوقت فاعلم أن وقتك سيحفظ. ومن الأمور التي تعين على حفظ الوقت في هؤلاء الأخيار: أن يكونوا من الناصحين، أهم شيء في حفظ الوقت بعد توفيق الله: وجود القرين الصالح الذي لا يغشك، فإذا رآك على خيرٍ سددك وثبتك، وإذا رآك على تقصير نبهك ووعظك وذكرك فأحيا الله قلبك بهذا، ولذلك قال بعض السلف: أخوف الناس فيك من نصح لك، فإذا رزقك الله قريناً صالحاً حفظ وقتك؛ لأنه إذا رآك تضيع الوقت نصحك وذكرك بالله . إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيك شمله ليجمعك هذا هو الأخ الصالح الذي إذا نسيت الله ذكرك، وإذا ذكرت الله أعانك، فابحث عن القرناء الصالحين، والذي ضرنا اليوم الجلساء والخلطاء، الواحد منهم يجلس الساعات قل أن يذكر الله ﷻ ، وقل أن يسدي إليك خيراً في دينك ودنياك وآخرتك. تفقد من حولك، ولو كانوا من طلاب العلم، فبعضهم إذا جلست معه تقوم وإيمانك أزيد من ذي قبل، وتقوم وأنت قد استفدت الحكم والفوائد، وكان لك من الخير ما الله به عليم. فإن ضاقت عليك الدنيا، ولم تجد قريناً صالحاً تستفيد منه ويفيدك ويعينك على ضبط وقتك، فانتقل إلى جلساء أرباء لا يملون ساعة، وهم العلماء الماضون، تجلس مع كتبهم وعلومهم النافعة. وقد كان الوالد ﵀ لا يحب ضياع الوقت، حتى كانت تمر عليه في بعض الأحيان مناسبات لبعض القرابة أو لقاء مع العلماء فيخرج، والله قل أن أراه يخرج إلا وكتابه معه، فإن وجد المجلس فيه علم نافع ومذاكرة جلس، وإن وجد القيل والقال والغيبة مضى إلى ظل شجرة فجلس يقرأ حتى يحضر الطعام فأصاب من الطعام وأجاب الدعوة ثم انصرف. لا يسمح لأحد أن يضيع عليه وقته، وإذا جاء أحد وقال له: فلان يقول وفلان، يقول له: اسمع! إما أن تستفيد أو تقوم عني، لا يأذن لأحد أن يضيع عليه وقته، وكان في بعض الأحيان يعتب على من يذكر أحداً عنده بسوء، ويقول له: لا تذهب عليَّ حسناتي، لا آذن لك أن تأخذ من حسناتي. فهكذا طالب العلم، إن وجدت الذي حولك يأتيك بعلم نافع يقول: جلست مع العالم الفلاني فقال وفعل فأكرم به وأنعم به من أخٍ وصديق، وأما إذا جاءك وقال: قال فلان وقال علان بالغيبة والنميمة، ويفسد قلبك على المؤمنين والمؤمنات فاحذره. فصلح قرين السوء للقرين كصلح بين اللحم والسكين فالإنسان الذي يخالطك ويضيع عليك الوقت هذا لا خير فيه، ولو كان من أقرب الناس منك، فتفقد من حولك، إن وجدت وقتك يضيع فيما فيه فائدة ومنفعة فاعلم أن الله قد قيض لك الخير بالقرناء الصالحين، وإن وجدت على العكس من ذلك فاتركهم والله يبدلك خيراً منهم، والله تعالى أعلم.

стр. 135

حكم تغيير لون الشعر بالأصباغ السؤال هل يجوز صبغ الرأس للمرأة بما يسمى بالميش؟ الجواب الميش يغير خصلة الشعر، ويؤثر فيها، ويعتبر من تغيير الخلقة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه لعن الواشرة والمستوشرة والواصلة والمستوصلة وقال: والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، فتغيير لون الشيء من تغيير الخلقة، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال (غيروا هذا الشيب) فوصف صبغة الشيب بكونه تغييراً، وقال: (المغيرات خلق الله)، فلا يجوز تغيير لون الشعر من السواد إلى الأحمر الذي هو الصبغ؛ لأن المسألة راجعة إلى الاعتقاد كما يقول العلماء. قالوا: كيف يرد اللعن في النمص والوشم، قالوا: لأن المرأة حينما تشر الأسنان -بمعنى: تبردها- كأنها لا ترضى عن طول أسنانها، فتريد أسناناً قصيرة، فأصبحت مسألة عقدية: وهي عدم الرضا بما وهب الله، وكذلك الواصلة نفس الشيء. وكذلك أيضاً: الوشم بما يكون من تغيير بشرة الإنسان التي خلقه الله جل وعلا عليها، فتغيير اللون؛ لأنه يتحكم في نفس خصلة الشعر، تغيير اللون ولو كان مؤقتاً بالنسبة للميش لكنه هو يغيره، ولذلك نهي عن صبغ اللون بالسواد، فالمرأة حينما تأتي إلى سواد شعرها ولا ترضى وتنقله إلى الحمرة أو العكس، فإن هذا يعتبر من عدم الرضا بخلقة الله . فعلى الصحيح من أقوال العلماء أن الميش يعتبر من التغيير؛ لأن ظاهر الحديثين يدل على ارتباط هذا التغيير بالمحرم، وذلك في قوله: (غيروا هذا الشيب) وقوله هناك: (المغيرات لخلق الله) فعلى المرأة أن تحمد نعمة الله عليها، وما أعطاها من لون شعرها وتشكره على ذلك، ولا حاجة إلى هذه الأصباغ، والله تعالى أعلم.

стр. 136

مقدار الكفارة على من اشتركوا في قتل نفس السؤال اشترك اثنان في حادثٍ خطأ، وكان النسبة ثلاثين في المائة على أحدهما، وعلى الآخر سبعين في المائة، فما الحكم في كفارة القتل؟ هل يشتركان في قيمة العتق بالنسبة للرقيق أو ماذا؟ وما الحكم إذا عجز أحدهما أو كلاهما عن العتق وهل يجوز الصيام أو لا؟ الجواب هذه المسألة إذا اشترك اثنان أو ثلاثة في قتل خطأ؛ فإنه يلزم كل واحدٍ منهما أن يكفر؛ لأنه قاتل من وجه، ولذلك لو اشترك الثلاثة أو الأربعة في قتل العمد قتلوا جميعاً، ولذلك الأصل عند العلماء أن الكفارة لا تتجزأ، وعلى هذا فإنه تلزمهم جميعاً، كل واحدٍ منهم في خاصة نفسه، أن يكفر كفارة مستقلة، وتجزؤ الخطأ لا يؤثر في الكفارات، والله تعالى أعلم. السائل: لو كان أحدهم قادراً على العتق دون الآخر فهل يلزم من كان قادراً على العتق؟ الشيخ: هذا طبعاً إذا قلنا بالاشتراك، أما إذا قلنا أن كل واحدٍ منهم مطالب بالتكفير فإنه إذا عجز عن العتق ينتقل إلى الصيام، والله تعالى أعلم.

стр. 137

حكم من أوقف مزرعة ثم تلفت السؤال رجل أوقف نخلاً ثم كبر هذا النخل ومات، هل له أن يستفيد من الأرض؟ الجواب إذا كانت المزرعة قد أوقفها الإنسان ونصب الوقف على الأرض، فإن الوقفية لا تزول؛ لأنه أوقف العين وهي الأرض، وأوقف غلة ما على الأرض من النخل، وانقطاع الأصل التي تكون منه الغلة وهو النخل لا يقتضي زوال الوقفية عن الأرض، فالأرض سبيل محبسة إلى يوم القيامة. وأما بالنسبة لبيعها واستبدالها فهذا يحتاج إلى القضاء فلا يكون بالفتوى وإنما يكون بالقضاء، يرفع إلى القاضي وحكم القاضي هو الذي يرفع الوقفية، وذكر العلماء أن من المسائل التي يحكم فيها القاضي بارتفاع الوقفية، أن تتعطل مصالح الوقف، فإذا تعطلت مصالحه، مثلاً: أوقف مزرعة لكي تكون غلتها للفقراء والمساكين، فإذا جفت الآبار ولا يمكن أن تبقى هذه المزرعة؛ فإن القاضي يحكم باستبدالها فتباع ويشتري مزرعة أخرى، يمكن معها تحقيق ما قصده الواقف من وقفه.

стр. 138

حكم التراجع عن الوقف السؤال رجل أوقف داراً وهو لا يعلم بأحكام الوقف، ثم افتقر هذا الرجل هل له الاستفادة من وقفه وبيعه؟ الجواب الوقف لا يباع ولا يوهب، وفي الصحيحين من حديث عمر أنه لما قال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بخيبر هي أحب مالي) انظروا كيف كان الصحابة رضوان الله عليهم، وكيف كان السلف الصالح لما جاءتهم الدنيا لم يتصرفوا بها، وإنما انطلق إلى رسول الله وقال: (يا رسول الله، هي أحب مالي فماذا تأمرني؟) يعني: بماذا تشير عليَّ، فأمره النبي ﷺ وقال له: (إن شئت حبست أصلها). فأجاز له أن يحبس الأصل وأن يسبل المنافع، قال: (إن شئت حبست أصلها فتصدق بها عمر -على ألا تباع ولا توهب- على الفقراء والمساكين وابن السبيل) فهذا يدل على أن الأرض إذا أوقفت أنه لا يملك الإنسان التصرف فيها لا ببيع ولا بهبة، وإنما يباع الوقف في حالة مستثناه وهي: أن تتعطل مصالحه، ثم ينظر القاضي ويحكم بانتقاله إلى ما يمكن أن يحقق مقصود الواقع مما هو شبيه به. وأما بالنسبة له هو فإن المال قد خرج عن ملكه، ولذلك لا يرجع إليه، وإذا رجع إليه فإنه يعتبر متصرفاً في مالٍ لا يملكه، فلو أن إنساناً أوقف أرضاً أو مزرعةً على المساكين، ثم أزال هذه الوقفية بسبب فقره فباعها وأخذ ثمنها، فالمال سحت وحرام؛ لأنه لما أوقف الأرض خرجت ملكية الأرض عن ملكيته، والأوقاف بإجماع العلماء لا تملك، ولا يمكن للإنسان أن يهبها للغير. وعلى هذا فإن هذا الدار قد خرجت عن ملكه، وكونه لا يعلم بأحكام الوقف لا يبيح له أن يتصرف في الوقف، فما دام أنه قد سلبها في سبيل الله فقد خرجت من يده، ولا يجوز له أن يرجع فيها إذا كان وقفاً بأي حالٍ من الأحوال. إنما اختلف العلماء فيما إذا وهب لشخصٍ، كأن يهب لفقيرٍ على سبيل الصدقة أو على سبيل الإحسان، ثم يرجع في هبته، والصحيح أن الهبة تملك بالقبض، وأنه ليس من حقه أن يرجع على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم. أما الوقف فلا، فإن الوقف لا يملكه، فهو قد خرج عن ملكيته وهو لله .

стр. 139

الطريقة المثلى لزيادة الإيمان السؤال ما هي الطريقة المثلى لزيادة الإيمان؟ الجواب الطريقة المثلى لزيادة الإيمان: أن يعرض الإنسان نفسه على كتاب الله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]، ومن عرض قلبه على كتاب الله أصلح الله بذلك العرض قلبه، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله، قال ﷺ : (ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فمن عرض قلبه على كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، أصلح الله شأنه ووفقه فازداد من الإيمان. من الأمور التي تزيد في الإيمان: كثرة ذكر الآخرة، فإن الإنسان إذا أكثر من ذكر الموت والبلى، وقرب مصيره إلى الله جل وعلا، هانت عليه الدنيا وعظمت في عينه الآخرة، وأصبح همه وغمه أن يحسن لقاء الله ﷻ ، ولذلك أثنى الله على الأخيار والصفوة الأبرار، فذكر أنهم لا يفترون عن ذكر الآخرة، وأخبر أنه خص بهذا الذكر من اصطفى واجتبى من عباده المؤمنين، فقال في كتابه المبين: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص:٤٦]، فالإكثار من ذكر الآخرة يزيد في إيمان العبد، ويجعله في توجه واستقامة وطاعة لله . من الأمور التي تزيد في إيمان العبد: قراءة سير السلف الصالح رحمة الله عليهم، فإن الإنسان إذا قرأ سيرة الأئمة والأخيار اهتدى بهديهم وأحبهم، وأحب ما كانوا عليه من الخير وتشبه بهم. كذلك أيضاً مما يزيد في الإيمان: معاشرة الصالحين، والحرص على حلق الذكر ومجالس العلماء، فإن مجالسة العلماء تزيد في العلم، ومجالسة الحكماء تزيد في الحكمة، ومجالسة الأخيار تزيد في الخير، ولذلك ينبغي للإنسان ألا يمر عليه يوم إلا وقد جلس في مجلسٍ يذكر فيه الله ﷻ ، فمن جالس العلماء كان من القوم الذين لا يشقى بهم جليس، وكم من أقوامٍ عظمت ذنوبهم فجلسوا في مجالس العلماء، فقاموا قد بدلت سيئاتهم حسنات. ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أن الله تعالى يقول: (قالت الملائكة: إن فيهم فلاناً عبداً خطاءً، كثير الذنوب مر فجلس معهم، فيقول الله ﷻ : وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم). فمن جالس الأخيار لا يشقى، من جالس الأخيار والصالحين وأحبهم وأحب ما يعملون به من طاعة الله أسعده الله، وهذا من دلائل السعادة، قال ابن مسعود ﵁: [ثلاث من سعادة المؤمن: كثرة الصلاة، وكثرة الصيام، وصحبة العلماء]، ثلاثٌ من سعادة المؤمن: كثرة الصلاة؛ لأنها تزيد صلة العبد بربه، ويحفظه الله بها ويرفع درجته ويزيده نوراً، قال ﷺ كما في الصحيح: (الصلاة نور). وكثرة الصيام؛ لأن الصيام يحبس عن الشهوات، ويضيق مجال الشيطان، ويزيد من تقوى الله ﷻ ، ومن امتنع عن الطعام والشراب الحلال بالصيام يمتنع عن الطعام والشراب الحرام، ومن امتنع عن الشهوة الحلال بصيامه يمتنع عن الشهوة الحرام. أما الأمر الثالث: فصحبة العالم؛ لأن صحبة العلماء بصيرة ونور، وحبهم والحرص على مجالسهم خيرٌ كثير، نسأل الله أن يرزقنا حبهم، وقد قال ﷺ : (من أحب قوماً حشر معهم)، فنسأل الله أن يرزقنا حبهم، وأن يرزقنا الحرص على مجالسهم والاهتداء بهديهم.

стр. 140

وصايا للمدرسين السؤال فهذا السؤال حاصله أنه يدور حول ما كنا فيه من النصيحة لبعض الخريجين، لكن هنا يقول: خاصة أن معظمهم مدرسون في المدينة وخارجها نرجو نصيحتك لهم في تنظيم الوقت في طلب العلم والدعوة؟ الجواب أما بالنسبة للتدريس والتعليم فهو من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله ، وتعليم أبناء المسلمين وبناتهم مهمة عظيمة صعبة إلا أن ييسرها الله، وشاقة إلا أن يسهلها الله على العبد، فالأمور التي أوصي بها الإخوة الذين شرفهم الله وكرمهم بحمل هذه الأمانة العظيمة وهي: الضبط في العلم والإتقان، فكل من تقلد أمانة التعليم عليه أن يضبط هذا العلم، وأن يكون على بصيرة، ولا يقف أمام طلابه وإخوانه إلا وهو على بينة وبصيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨]، على الإنسان إذا وقف أمام الناس يعلمهم أو يوجههم أن يكون على أرضٍ ثابتة، والحرص على الزيادة من العلم، فلا تقف عند التخرج أو عند المعلومات التي وفقك الله إليها، ولكن تجاوز ذلك إلى الضبط والتحصيل والزيادة في العلم. والأمر الثاني الذي يوصى به من تقلد أمانة التعليم: الصبر في التوجيه، خاصة أثناء إلقاء الدروس والمواد على الطلاب، فإن الطلاب ربما تكون منهم الهنات والزلات، ولربما يكون منهم التقصير في الضبط والإتقان، ولربما يأتيك العيي بعيه، ويأتيك أيضاً الجاهل بجهله، فيحتاج منك إلى صبر وحلم ورفق، وأن يكون صدرك منشرحاً للقيام بهذه الأمانة على أتم الوجوه في تعليمه وتوجيهه وتربيته، والصبر من أهم الأمور التي تعين على نجاح المعلم في تعليمه. وينبغي كذلك أن يقرن هذا الصبر باحتساب الأجر عند الله ، فكل من احتسب أجره عند الله، وعلم أنه سيتعب وينصب وأن الله سيأجره، هانت عليه المصاعب والمتاعب، وأصبح قوياً في تحمل هذه المشاق، فأوصي بالصبر! الأمر الثالث الذي أوصي به: أن يقرن هذا العلم بالتربية، فكوننا نعطي الأبناء والبنات معلومات جافة، بعيدة عن الروحانية والتربية المأخوذة من كتاب الله وسنة النبي ﷺ الصحيحة الثابتة عنه، هذا أمرٌ محل نظر. فلا بد أن نربيهم؛ بالآداب والأخلاق وهدي السلف الصالح رحمة الله عليهم، في أدب طلبة العلم، وأدبهم أيضاً في الحقوق العامة، وحقوق الوالدين والأقارب، فينبغي أن يخرج من بين يديك هذا الابن وقد جمع بين العلم وبين التربية، فلا يكفي أن نلقي هذه المعلومات هكذا سرداً، لا، بل ينبغي أن نقرنها بالتربية لأبناء المسلمين وبناتهم. وهذه التربية تحتاج منا إلى تفقد مشاكل الأبناء والبنات والطلاب والطالبات، والنزول لهم بالتواضع والحلم، فلا يستطيع الطالب أن يبث مشاكله، ولا أن يبدي ما في نفسه إلا إذا وجد معلماً حليماً رحيماً، ووجد يداً حانية تأخذه بلطف وحنان ورحمة. فإذا وفق الله المعلم لذلك جمع الله له بين العلم والتربية، وكان لعمله خيرٌ كثير، وهذا أمر قلَّ من يوفق له، قضية أن نفتح صدورنا إلى مشاكلهم وما يكون لهم من أمور تحتاج إلى توجيه وإرشاد وتربية. الأمر الرابع: التعاون والتكاتف والتعاطف والتراحم والتواصل بين طلاب العلم، المعلمون والمعلمات يحتاجون دائماً إلى أن يتصل بعضهم ببعض لكي يستفيد بعضهم من بعض، وكون الإنسان يحس أنه في كمال وأنه في غنىً عن إخوانه فإنه في نقص، ولذلك قالوا: من اعتقد الكمال فقد نقص، وأصلاً الإنسان من حيث هو ناقص إلا أن يكمله الله ، ولذلك ينبغي أن يحرص المعلمون على الاستفادة من إخوانهم وأن يتواضعوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ونسأل الله العظيم أن يأخذ بالأيدي إلى ما يحبه ويرضاه، والله تعالى أعلم.

стр. 141

واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله نعم الله كثيرة لا تحصى، وإن من أعظمها معرفة كتاب الله ﵎، ذلك الكتاب الذي احتوى على مواعظ وقوارع تقرع الأسماع والقلوب، ومن هذه المواعظ قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)؛ حيث بين الله فيها أنه لابد للإنسان من رجوع إلى الله للحساب ولفصل القضاء، ثم إلى جنة أو نار، فمن اتقى الله وأصلح فهو من أهل الجنة، ومن غفل أو تغافل فالنار موعده.

стр. 142

القرآن العظيم من نعم الله التي لا تحصى الحمد لله الذي خلق الخلق، فأحصاهم عدداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً إمام الهدى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه شُموس الدجى، وعلى جميع من سار على نهجهم المبارك ثم اهتدى. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إخواني في الله: إن لله على العباد نعماً عظيمة ومِنَناً جليلةً كريمة، وقد كان من أجلِّها وأعظمها على الإطلاق: هذا الكتاب المبين والصراط المستبين، الذي أخرج الله به العباد من الظلمات إلى النور، فأنار به القلوب، وشرح به الصدور، فانتقلت تلك النفوس المؤمنة من جحيم الهوى والشرور وأليم العذاب والغرور. هذا الكتاب المبين الذي لا تنتهي عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، هذا الكتاب الذي جعله الله ﵎ نوراً، هادياً للسداد والصواب. كم نبَّه الله به من غافلين! وأيقظ به من نائمين! وهدى به من ضالين حائرين! هذا الكتاب الذي فيه الوعد والوعيد، وفيه التخويف والتهديد، وفيه الترغيب والترهيب، وفيه ذكر النعيم وذكر الجحيم، كم فيه من آياتٍ تضمنت تلك العظات البالغات! كم فيه من آياتٍ أنار الله بها السبل لطاعته وجنته! فما ألذ الموعظة إذا كانت من الله ﷻ ! وما أطيب العظات إذا كانت من فاطر الأرض والسماوات!

стр. 143

مواعظ القرآن تقرع القلوب قرعاً إن العظة من الله ﵎ رحمة بتلك القلوب الحائرة التائهة السادرة النائمة في غيها، إن هذه المواعظ يقرع الله بها القلوب، وينير بها السبل والدروب، علَّ تلك القلوب أن تنيب إلى الله علاَّم الغيوب. إن المواعظ رحمة من الله ﵎، يهدي بها من الضلال، ويرحم بها من العذاب. ومن هذه المواعظ: موعظةٌ خَتَمَ الله بها مواعظ القرآن. من هذه المواعظ: آية كريمة كانت هي آخر الوصايا لرسول الله ﷺ ، قرع بها القلوب، فذكرها بالوقوف بين يدي الواحد الديان، آيةٌ ما عاش النبي ﷺ بعدها إلا أياماً قليلة، كانت هي آخر الآيات، جاءت بعد مائتين وثمانين آية من الزهراء الأولى، تذكِّر العباد بيومٍ مشهود ولقاءٍ موعود، لا يغني فيه والدٌ ولا مولود، اشتملت على موعظتين ومشهدين عظيمين.

стр. 144

المشهد الأول: قوله تعالى: (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) أما المشهد الأول: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. وأما المشهد الثاني: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١]. أما المشهد الأول: فذكَّرنا بيومٍ طالما نسيناه، وموقفٍ حقٍّ آمنا به وصدقناه، ذكَّرنا بيومٍ هو آخر الأيام، وذكَّرنا بيومٍ هو إما عذابٌ أو مسكٌ للختام، ذكَّرنا باليوم الآخر الذي تغصُّ فيه الحناجر، فلا يوم بعده، ولا يوم مثله، إنه اليوم العظيم، والموقف الجليل بين يدي العظيم الكريم. ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]: هي الآية التي أقضَّت مضاجع الصالحين، ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧]، فيا لله مِن أجساد إذا أوت إلى فراشها تذكرت يوم لقاء ربها، فقامت تتقلب بين يديه، تناجيه وتناديه، تسأله الرحمة إذا حلَّت بناديه. ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]: هذا اليوم العظيم الذي كتب الله على كل صغيرٍ وكبير، وكل جليل وحقير أن يُقاد إليه عزيزاً أو ذليلاً، كريماً أو مهاناً، كتب الله علينا أن نصير إلى ذلك اليوم المشهود، واللقاء الموعود. ولكن قبل ذلك اليوم، وقبل ذلك المشهد العظيم: لحظةٌ ينتقل الإنسان فيها من دار الغرور إلى دار الشرور أو دار السرور، لحظةٌ من اللحظات التي يُكتب فيها للعبد أنه منتقل إلى ذلك اليوم، تلك اللحظة التي يُلقي الإنسان فيها آخر النظرات على الأبناء والبنات والإخوان والأخوات، يُلقي فيها آخر النظرات على هذه الدنيا، وتبدو على وجهه معالم السكرات، وتخرج من صميم قلبه الآهات والزفرات. إنها اللحظة التي يؤمن فيها الكافر، ويوقن فيها الفاجر. إنها اللحظة التي يعرف الإنسان فيها حقارة الدنيا. إنها اللحظة التي يحس الإنسان فيها أنه فرَّط كثيراً في جنب الله. إنها اللحظة التي يحس الإنسان فيها بالحسرة والألم على كل لحظة فرَّط فيها في جنب الله، ينادي: ربَّاه ربَّاه، ﴿ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. إنها اللحظة الحاسمة، والساعة القاصمة التي يدنو فيها رسول الله -أعني: ملك الموت- لكي ينادي، فيا ليت شعري هل ينادى نداء النعيم أو نداء الجحيم؟! ويا ليت شعري هل يقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨]. أو يقال: (يا أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب)؟! ويا ليت شعري كيف تكون الخواتم؟! ويا ليت شعري من تلك الساعة التي أقضَّت مضاجع الصالحين؟ ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]، وفي لحظةٍ واحدة أسلمت الروح إلى بارئها، ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٩ - ٣٠]؟! هناك يحس العبد بدارٍ غريبة، ومنازل رهيبة عجيبة! فلا إله إلا الله! في لحظة واحدة ينتقل العبد من دار الهوان إلى دار النعيم المقيم! ولا إله إلا الله! في لحظة واحدة ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة! وفي لحظة واحدة ينتقل من جوار الأشرار إلى جوار الواحد القهار! وفي لحظة واحدة طويت صفحاتُ الغرور، وبدا للعبد هولُ البعث والنشور! ولا إله إلا الله! مضت الملهيات والمغريات، وبقيت التَّبِعات! ولا إله إلا الله! من ساعةٍ تُطْوَى فيها صحيفتك، إما على الحسنات أو على السيئات، فتتمنى حسنة تزاد في الأعمال، أو حسنة تزاد في الأقوال، تتمنى صلاح الأقوال والأفعال! ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠]، فتحس بقلبٍ متقطعٍ من الألم، تحس بالشعور والندم؛ أن الأيام انتهت، وأن الدنيا قد انقضت؛ لكي تستقبل عالم الجد أمام عينيك، وتُرْهَن بما قلتَه وفعلتَه بين يديك، هناك حيث يُسْلِم الإنسان روحَه لبارئها، وينتقل إلى الآخرة بما فيها، وفي لحظةٍ واحدة أصبح العبد كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، طُوِيت الصفحات، وصرتَ في عداد الأموات، تذكرُ كأن لم تكن في الدنيا، كأن عينك لم ترَ، وكأن أذنك لم تسمع، وكأن الأرض لم تَضْرِب عليها الخُطى! ولا إله إلا الله! من ساعةٍ نزلتَ فيها أول مراحل الآخرة! ولا إله إلا الله! إذ صرتَ في عداد تلك السفينة الماخرة، واستقبلت الحياة الجديدة، فإما عيشة سعيدة أو عيشة نكيدة، ونزلت في عداد أولئك الغرباء بين الأجداث والبلاء، هناك حيث تُفْسح القبور لأهلها، ويَزداد السرور على من حل بها، هناك حيث تنسى نعيم الدنيا مع النعيم المقيم، هناك حيث تنال من الله البركات والرحمات والتكريم! فيا ليت شعري ما حال أهل القبور! كم من قبورٍ في كهوفٍ مظلمة، وفي أماكن موحشة ملئت أنواراً وسروراً على أهلها! ولا إله إلا الله! كم من قبورٍ حولها الأنوار مضيئة، والناس يسرحون ويمرحون، وفيها الجحيم والعذاب المقيم. ولا إله إلا الله! من دارٍ تقارَب سكانها، وتفاوَت عُمَّارها، فقبرٌ يتقلب في النعيم والرضوان العظيم من الرحيم الحليم الكريم، وقبرٌ في دركات الجحيم والعذاب المقيم، ينادي ولا مجيب، ويستعطف ولا مستجيب، انقطعت الأيام بما فيها، وعاين الإنسان ما كان يقترفه فيها! ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]، يا أمة محمد، ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]، يوماً لا يغني فيه والد ولا مولود، إنه اليوم المشهود، واللقاء الموعود. فاللهم يا سامع الدعوات، ويا من تُحْيِي الأموات بعد الرفات، نسألك أن تجعل أسعد اللحظات وأعزها: لحظة المصير إليك. اللهم اذكرنا فيها برحمتك، وعُمَّنا فيها بمغفرتك، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

стр. 145

المشهد الثاني: قوله تعالى: (ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) أيها الأحبة في الله: ومن المشهد الأول إلى المشهد الثاني، الذي وعظ الله به الأولين والآخرين: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]: فلما ضَمَّت القبور أهلَها، وانطوت بمن حل فيها، ونُعِّمَ أو عُذِّب فيها، ولما جُمِعَت تلك الأشلاء، وتلك الأعضاء، نادى منادي الله عليها أن تخرج إلى اللقاء الموعود، واليوم المشهود، إلى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان:٤١]، فصاح الصائح بصيحته، ففزعت الأسماع والآذان إذ قُرِعَت بصوته، وخرجت من تلك الأجداث وتلك القبور إلى ربها حفاةً عراةً غُرلاً، فلا أنساب، ولا أحساب، ولا جاه، ولا عز، ولا مال، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧]، أتاه العزيز ذليلاً، وأتاه الكريم مهاناً، ﴿أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧]، نُسِيت الأنساب، ومضت الأحساب؛ لكي تُذَلَّ تلك الأجساد بين يدي رب الأرباب. إنه اليومُ الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين. إنه اليومُ الذي تنتهي عنده الأيام، وتتبدد عنده الأوهام والأحلام. إنه يومٌ تجتمع فيه الخصوم، وينصف فيه الظالم والمظلوم. إنه اليوم الذي أعده الله للعباد فتُنْشَر فيه الدواوين، وتُنْصَب فيه الموازين لحكومة إله الأولين والآخرين. إنها المسئولية العظيمة. إنها المسئولية الجليلة الخطيرة. إنها مسئولية الآخرة. كل هذه الجموع وكل هذه الأمم أقيمت في ذلك المشهد العظيم، وذلك اليوم العظيم؛ لكي تنهال عليها الأسئلة، وتعد لها درجاتها ودركاتها بما تجيب. إنه اليوم الذي جمع الله فيه الأولين والآخرين من أجل السؤال هناك حيث تغص الحناجر بغصصها هناك، يوم الطامة والصاخة، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ [المعارج:١١ - ١٤]. وخرج العبد حسيراً كسيراً أسيراً، خرج حقيراً ذليلاً؛ فلا ثوب يكسيه، ولا ثوب يواريه، خرج إلى الله حافياً عارياً، خرج إلى ربه، خرج إلى خالقه، خرج إلى جبار السماوات والأرض وقهارهما؛ لكي يسأله ويحاسبه ويجزيه. فلا إله إلا الله! في يومٍ نُسِيَت فيه الملهيات، وزالت فيه المغريات، وعاينَ العبدُ فيه الحقائقَ أمام عينيه، جُمِعَت فيه الأمم على عرصةٍ واحدة، ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ [الأنعام:٩٤]! ولا إله إلا الله! من أرضٍ لم تطأها قدم غير تلك الأقدام! ولا إله إلا الله! إذا شعت الشمس وتبدد الظلام! ولا إله إلا الله! إذا طال الوقوف بين يديه! ولا إله إلا الله! يوم يُرْهَن العبد بما جناه بيديه! خرجت تلك الأمم حفاةً عراةً غرلاً، فأين الحرير واللباس؟! وأين الشدة والشوكة والبأس؟! قد انكسر العباد لرب الجِنَّة والناس خرجوا منها صفر اليدين إلا من رحمته، ووقفوا في ذلك المشهد العظيم ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان:٤١ - ٤٢]، يوم يفر المرء فيه من أحب الناس إليه، فلا يلتفت عن يمينه ولا عن يساره، وأبى الله إلا أن يشخص العبد إلى السماء بعينيه، ينتظر فصل القضاء، ينتظر حكم رب الأرض والسماء، أفي الجنة أم في النار يكون السواء! وشخُصَت الأبصار، وولَّت بين يدي الواحد القهار، وخرج أهل الصالحات وقد ابيضَّت الأيدي والوجوه بآثار الحسنات، خرجوا بذلك الأثر العظيم من الله الكريم، فابيضت عند الله وجوههم، وما عَظُمَ المقام عليهم، ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] ووقف العباد بين يدي رب العباد لكي يفصل بينهم في يوم التناد. ونادى منادي الله لكل عبدٍ بما جنت يداه، ودعيتَ على رءوس الأشهاد لكي تسأل عن كل قولٍ قلتَه، وعن كل عملٍ عملتَه. هناك حيث تقف بين يدي الله، والشهود حاضرة، والعيون إلى الله ناظرة. هناك حيث يوقف العبد بين يدي الله ﷻ فينادي منادي الله: يا فلان بن فلانة، قم للعرض على الله، فلا ينادَى أحدٌ بأبيه؛ لكي تزول الأحساب والأنساب، ويَذِل العباد بين يدي الله رب الأرباب، ودعيتَ أمام الأولين والآخرين فرَعَدَت فرائصك من خشية الله، واصطكَّت القدمان بين يدي الله، وجئتَ بزادك للقاء الله، وسألك الله عن هذه الأيام التي مضت، وعن هذه السنين والأعوام التي انقضت، سألك عن الشباب، وما كان فيه من اللهو مع الأصحاب والأحباب، سألك الله عن أيامٍ فنُشِرَت بين يديك، لا تخرِم منها لحظةٌ واحدة، فإما لك وإما عليك، عُرِض الشباب عليك بأيامه وما فيه من الشهوات والملهيات، فكُشِفت الأستار، وتبدَّت للأنظار. هناك حيث تبيِّن الليالي بما اجترحتَ فيها. هناك حيث تحمد عيناً سهرت على طاعة الله، وقدماً طالما انتصبت بالوقوف بين يدي الله، فقلتَ: رباه! أما ليلي: فوقوفٌ بين يديك أناجيك بالقرآن، وأما نهاري: فصيامٌ لوجهك يا رحمن. وأما يديَّ: فأنت الشهيد وأنت المطلع، فكم سَتَرْتُ بها من عورات! وكم فرَّجْتُ بها من كربات! أنفقتُها لهذا اليوم العظيم، اللهم مددتها لهذا اليوم العظيم، وحُسْن ظني فيك، فلا تخيبني إذ وقفتُ بين يديك. وأما جَناني: فأسكنته حبك وتأييدك، فعشتُ وأنت الشهيد، ووحَّدتُك وأنت الحميد المجيد، ما ناديتُ أحداً سواك، ولا تعلقت بشيء عداك، ربِّ صبَبْتَ عليَّ البلايا فعذتُ بك وحدك ولم أعذ بشيء عداك، وصبَبْتَ عليَّ الرزايا فصبرتُ واحتسبتُ لهذا الموقف بين يديك. وأما لساني: فأنت الشهيد وأنت المطلع، فكم ذكرتك به مع الذاكرين! وكم أثنيت عليك به مع المثنين! وكم تلوت به آياتك! اللهم فعلتُها وقلتُها لوجهك العظيم، اللهم فعلتُها ابتغاء رضوانك الكريم. اللهم قدمي: ضربتُ بها الخطى إلى بيتك اللهم خرجت بها في الظلمات، فقمتُ بها مع القائمين، ونصبتها مع الراكعين الساجدين. أما يديَّ: فكم تبطنها الليل منتصباً بين يديك! وأما وجهي: فقد عفَّرته بالسجود بين يديك! فيا من خشع لك سمعي وبصري! نجني من هول هذا اليوم العظيم. اللهم قليلٌ فعلتُه في جنبك، كثيرٌ أحسنتُ به إليك، اللهم مع هذه الحسنات والباقيات الصالحات فالفضل لك جل جلالك، والفضل لك وحدك لا إله غيرك، فقيل: مشهودك؟ فشهدت الأرض التي أقلتك، والسماء التي أظلتك، وقال الله: صدقتَ وبررتَ، خذوا عبدي إلى جنان النعيم، خذوه إلى الرضوان العظيم. فنال الكتاب باليمين، وصاح أمام العالمين: ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢١]، وفتحت أبواب الجنان، وطاف الحور والوِلدان، وذهب النكد والنصب، وزال العناء والتعب. فهنيئاً لتلك الأقدام التي انتصبت في جوف الليل بين يدي الله تنادي! وهنيئاً لتلك الألسن التي ضجَّت بالدعاء بين يديه تناجي! اليوم يومها، والنعيم نعيمها، والسرور سرورها. ونادى منادي الله تلك النفس الظالمة في جنب الله: يا فلان بن فلانة، أنْ قُمْ إلى العرض بين يدي الله. فسُئِل عن ليلٍ طالما قضاه في معصية الله، وعن نهارٍ أضاعه، وما الخير فيه أسداه. فنادى منادي الله: أي حسنةٍ ترجوها عندنا؟! وأي صالحة قدمتَها في جنب الله؟! فنُشِرَت الفضائح، وصاح بين يدي الله الصائح: فقالت القدم: إلى الحرام طالما مشيتُ! وفي جنبك رباه أسأتُ واعتديتُ! وقالت اليد: كم خطفتُ من الآثام! وكم هتكتُ وأكلتُ من الحرام! فلا منك خفتُ ربِّ حقيقة الخوف، أرجو رحمتك إذ وقفت بين يديك. وقالت العين: أما أنا فقد نظرتُ وتمتعتُ، رباه! متَّعَنِي بالحرام، وتزيَّن بي في الفواحش والآثام! وشهدت الفروج بآثامها! والجوارح بخطيئاتها! ثم عَرَضت على الله مظالمها. وقالت الآذان: اللهم استمعتُ للحرام، فطالما سَهِر ليله يُمَتِّعُني بالآثام! وكم سمعتُ من الغيبة والنميمة! اللهم إن عبدك هذا قد ظلم وفجر، وشَهِدَت الجوارح بآثامها، وعُرِضَت الفضائح بين يدي الله ربِّها، فقال الله: يا ملائكتي! خذوه، ومن عذابي أذيقوه، فقد اشتد غضبي على مَن قلّ حياؤه مني. ووقفت تلك النفس الآثمة الظالمة على نارٍ تلظى وجحيم تغيظ وتزفر، وبدا لها مآلُها، فقالت وتمنَّت أن لو رجعت لكي تحسن في جنب ربها، فكُبْكِبَت على رأسها وجبينها، فهوت في تلك المهاوي المظلمة، وتقلبت بين الدَّرَكات والجحيم والحسرات، مضت الشهوات بأهلها، وانقضت الملهيات بأصحابها، وذاق الهوان بعد المعزة والكرامة، ونزل إلى ذلك الدَّرْك العظيم من الجحيم، فكأن لم يكن مَرَّ به نعيم قط. روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ : أنه (يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيُغْمَس في النار غمسة، فيقال: عبدي! هل مرَّ عليك نعيمٌ؟ فيقول: لا وعزتك) وهوى في تلك الدَّرَكات رهين السيئات، فلا مال، ولا بنون، ولا عشيرة، ولا أقربون، فُرِّق بين الأم وولدها، والآباء وأبنائهم، وفُرِّق بين الأصحاب والأحباب فراقاً
следующие страницы →