← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله نعم الله كثيرة لا تحصى، وإن من أعظمها معرفة كتاب الله ﵎، ذلك الكتاب الذي احتوى على مواعظ وقوارع تقرع الأسماع والقلوب، ومن هذه المواعظ قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)؛ حيث بين الله فيها أنه لابد للإنسان من رجوع إلى الله للحساب ولفصل القضاء، ثم إلى جنة أو نار، فمن اتقى الله وأصلح فهو من أهل الجنة، ومن غفل أو تغافل فالنار موعده.

стр. 142

القرآن العظيم من نعم الله التي لا تحصى الحمد لله الذي خلق الخلق، فأحصاهم عدداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً إمام الهدى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه شُموس الدجى، وعلى جميع من سار على نهجهم المبارك ثم اهتدى. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إخواني في الله: إن لله على العباد نعماً عظيمة ومِنَناً جليلةً كريمة، وقد كان من أجلِّها وأعظمها على الإطلاق: هذا الكتاب المبين والصراط المستبين، الذي أخرج الله به العباد من الظلمات إلى النور، فأنار به القلوب، وشرح به الصدور، فانتقلت تلك النفوس المؤمنة من جحيم الهوى والشرور وأليم العذاب والغرور. هذا الكتاب المبين الذي لا تنتهي عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، هذا الكتاب الذي جعله الله ﵎ نوراً، هادياً للسداد والصواب. كم نبَّه الله به من غافلين! وأيقظ به من نائمين! وهدى به من ضالين حائرين! هذا الكتاب الذي فيه الوعد والوعيد، وفيه التخويف والتهديد، وفيه الترغيب والترهيب، وفيه ذكر النعيم وذكر الجحيم، كم فيه من آياتٍ تضمنت تلك العظات البالغات! كم فيه من آياتٍ أنار الله بها السبل لطاعته وجنته! فما ألذ الموعظة إذا كانت من الله ﷻ ! وما أطيب العظات إذا كانت من فاطر الأرض والسماوات!

стр. 143

مواعظ القرآن تقرع القلوب قرعاً إن العظة من الله ﵎ رحمة بتلك القلوب الحائرة التائهة السادرة النائمة في غيها، إن هذه المواعظ يقرع الله بها القلوب، وينير بها السبل والدروب، علَّ تلك القلوب أن تنيب إلى الله علاَّم الغيوب. إن المواعظ رحمة من الله ﵎، يهدي بها من الضلال، ويرحم بها من العذاب. ومن هذه المواعظ: موعظةٌ خَتَمَ الله بها مواعظ القرآن. من هذه المواعظ: آية كريمة كانت هي آخر الوصايا لرسول الله ﷺ ، قرع بها القلوب، فذكرها بالوقوف بين يدي الواحد الديان، آيةٌ ما عاش النبي ﷺ بعدها إلا أياماً قليلة، كانت هي آخر الآيات، جاءت بعد مائتين وثمانين آية من الزهراء الأولى، تذكِّر العباد بيومٍ مشهود ولقاءٍ موعود، لا يغني فيه والدٌ ولا مولود، اشتملت على موعظتين ومشهدين عظيمين.

стр. 144

المشهد الأول: قوله تعالى: (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) أما المشهد الأول: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. وأما المشهد الثاني: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١]. أما المشهد الأول: فذكَّرنا بيومٍ طالما نسيناه، وموقفٍ حقٍّ آمنا به وصدقناه، ذكَّرنا بيومٍ هو آخر الأيام، وذكَّرنا بيومٍ هو إما عذابٌ أو مسكٌ للختام، ذكَّرنا باليوم الآخر الذي تغصُّ فيه الحناجر، فلا يوم بعده، ولا يوم مثله، إنه اليوم العظيم، والموقف الجليل بين يدي العظيم الكريم. ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]: هي الآية التي أقضَّت مضاجع الصالحين، ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧]، فيا لله مِن أجساد إذا أوت إلى فراشها تذكرت يوم لقاء ربها، فقامت تتقلب بين يديه، تناجيه وتناديه، تسأله الرحمة إذا حلَّت بناديه. ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]: هذا اليوم العظيم الذي كتب الله على كل صغيرٍ وكبير، وكل جليل وحقير أن يُقاد إليه عزيزاً أو ذليلاً، كريماً أو مهاناً، كتب الله علينا أن نصير إلى ذلك اليوم المشهود، واللقاء الموعود. ولكن قبل ذلك اليوم، وقبل ذلك المشهد العظيم: لحظةٌ ينتقل الإنسان فيها من دار الغرور إلى دار الشرور أو دار السرور، لحظةٌ من اللحظات التي يُكتب فيها للعبد أنه منتقل إلى ذلك اليوم، تلك اللحظة التي يُلقي الإنسان فيها آخر النظرات على الأبناء والبنات والإخوان والأخوات، يُلقي فيها آخر النظرات على هذه الدنيا، وتبدو على وجهه معالم السكرات، وتخرج من صميم قلبه الآهات والزفرات. إنها اللحظة التي يؤمن فيها الكافر، ويوقن فيها الفاجر. إنها اللحظة التي يعرف الإنسان فيها حقارة الدنيا. إنها اللحظة التي يحس الإنسان فيها أنه فرَّط كثيراً في جنب الله. إنها اللحظة التي يحس الإنسان فيها بالحسرة والألم على كل لحظة فرَّط فيها في جنب الله، ينادي: ربَّاه ربَّاه، ﴿ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. إنها اللحظة الحاسمة، والساعة القاصمة التي يدنو فيها رسول الله -أعني: ملك الموت- لكي ينادي، فيا ليت شعري هل ينادى نداء النعيم أو نداء الجحيم؟! ويا ليت شعري هل يقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨]. أو يقال: (يا أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب)؟! ويا ليت شعري كيف تكون الخواتم؟! ويا ليت شعري من تلك الساعة التي أقضَّت مضاجع الصالحين؟ ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]، وفي لحظةٍ واحدة أسلمت الروح إلى بارئها، ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٩ - ٣٠]؟! هناك يحس العبد بدارٍ غريبة، ومنازل رهيبة عجيبة! فلا إله إلا الله! في لحظة واحدة ينتقل العبد من دار الهوان إلى دار النعيم المقيم! ولا إله إلا الله! في لحظة واحدة ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة! وفي لحظة واحدة ينتقل من جوار الأشرار إلى جوار الواحد القهار! وفي لحظة واحدة طويت صفحاتُ الغرور، وبدا للعبد هولُ البعث والنشور! ولا إله إلا الله! مضت الملهيات والمغريات، وبقيت التَّبِعات! ولا إله إلا الله! من ساعةٍ تُطْوَى فيها صحيفتك، إما على الحسنات أو على السيئات، فتتمنى حسنة تزاد في الأعمال، أو حسنة تزاد في الأقوال، تتمنى صلاح الأقوال والأفعال! ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠]، فتحس بقلبٍ متقطعٍ من الألم، تحس بالشعور والندم؛ أن الأيام انتهت، وأن الدنيا قد انقضت؛ لكي تستقبل عالم الجد أمام عينيك، وتُرْهَن بما قلتَه وفعلتَه بين يديك، هناك حيث يُسْلِم الإنسان روحَه لبارئها، وينتقل إلى الآخرة بما فيها، وفي لحظةٍ واحدة أصبح العبد كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، طُوِيت الصفحات، وصرتَ في عداد الأموات، تذكرُ كأن لم تكن في الدنيا، كأن عينك لم ترَ، وكأن أذنك لم تسمع، وكأن الأرض لم تَضْرِب عليها الخُطى! ولا إله إلا الله! من ساعةٍ نزلتَ فيها أول مراحل الآخرة! ولا إله إلا الله! إذ صرتَ في عداد تلك السفينة الماخرة، واستقبلت الحياة الجديدة، فإما عيشة سعيدة أو عيشة نكيدة، ونزلت في عداد أولئك الغرباء بين الأجداث والبلاء، هناك حيث تُفْسح القبور لأهلها، ويَزداد السرور على من حل بها، هناك حيث تنسى نعيم الدنيا مع النعيم المقيم، هناك حيث تنال من الله البركات والرحمات والتكريم! فيا ليت شعري ما حال أهل القبور! كم من قبورٍ في كهوفٍ مظلمة، وفي أماكن موحشة ملئت أنواراً وسروراً على أهلها! ولا إله إلا الله! كم من قبورٍ حولها الأنوار مضيئة، والناس يسرحون ويمرحون، وفيها الجحيم والعذاب المقيم. ولا إله إلا الله! من دارٍ تقارَب سكانها، وتفاوَت عُمَّارها، فقبرٌ يتقلب في النعيم والرضوان العظيم من الرحيم الحليم الكريم، وقبرٌ في دركات الجحيم والعذاب المقيم، ينادي ولا مجيب، ويستعطف ولا مستجيب، انقطعت الأيام بما فيها، وعاين الإنسان ما كان يقترفه فيها! ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]، يا أمة محمد، ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]، يوماً لا يغني فيه والد ولا مولود، إنه اليوم المشهود، واللقاء الموعود. فاللهم يا سامع الدعوات، ويا من تُحْيِي الأموات بعد الرفات، نسألك أن تجعل أسعد اللحظات وأعزها: لحظة المصير إليك. اللهم اذكرنا فيها برحمتك، وعُمَّنا فيها بمغفرتك، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

стр. 145

المشهد الثاني: قوله تعالى: (ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) أيها الأحبة في الله: ومن المشهد الأول إلى المشهد الثاني، الذي وعظ الله به الأولين والآخرين: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]: فلما ضَمَّت القبور أهلَها، وانطوت بمن حل فيها، ونُعِّمَ أو عُذِّب فيها، ولما جُمِعَت تلك الأشلاء، وتلك الأعضاء، نادى منادي الله عليها أن تخرج إلى اللقاء الموعود، واليوم المشهود، إلى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان:٤١]، فصاح الصائح بصيحته، ففزعت الأسماع والآذان إذ قُرِعَت بصوته، وخرجت من تلك الأجداث وتلك القبور إلى ربها حفاةً عراةً غُرلاً، فلا أنساب، ولا أحساب، ولا جاه، ولا عز، ولا مال، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧]، أتاه العزيز ذليلاً، وأتاه الكريم مهاناً، ﴿أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧]، نُسِيت الأنساب، ومضت الأحساب؛ لكي تُذَلَّ تلك الأجساد بين يدي رب الأرباب. إنه اليومُ الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين. إنه اليومُ الذي تنتهي عنده الأيام، وتتبدد عنده الأوهام والأحلام. إنه يومٌ تجتمع فيه الخصوم، وينصف فيه الظالم والمظلوم. إنه اليوم الذي أعده الله للعباد فتُنْشَر فيه الدواوين، وتُنْصَب فيه الموازين لحكومة إله الأولين والآخرين. إنها المسئولية العظيمة. إنها المسئولية الجليلة الخطيرة. إنها مسئولية الآخرة. كل هذه الجموع وكل هذه الأمم أقيمت في ذلك المشهد العظيم، وذلك اليوم العظيم؛ لكي تنهال عليها الأسئلة، وتعد لها درجاتها ودركاتها بما تجيب. إنه اليوم الذي جمع الله فيه الأولين والآخرين من أجل السؤال هناك حيث تغص الحناجر بغصصها هناك، يوم الطامة والصاخة، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ [المعارج:١١ - ١٤]. وخرج العبد حسيراً كسيراً أسيراً، خرج حقيراً ذليلاً؛ فلا ثوب يكسيه، ولا ثوب يواريه، خرج إلى الله حافياً عارياً، خرج إلى ربه، خرج إلى خالقه، خرج إلى جبار السماوات والأرض وقهارهما؛ لكي يسأله ويحاسبه ويجزيه. فلا إله إلا الله! في يومٍ نُسِيَت فيه الملهيات، وزالت فيه المغريات، وعاينَ العبدُ فيه الحقائقَ أمام عينيه، جُمِعَت فيه الأمم على عرصةٍ واحدة، ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ [الأنعام:٩٤]! ولا إله إلا الله! من أرضٍ لم تطأها قدم غير تلك الأقدام! ولا إله إلا الله! إذا شعت الشمس وتبدد الظلام! ولا إله إلا الله! إذا طال الوقوف بين يديه! ولا إله إلا الله! يوم يُرْهَن العبد بما جناه بيديه! خرجت تلك الأمم حفاةً عراةً غرلاً، فأين الحرير واللباس؟! وأين الشدة والشوكة والبأس؟! قد انكسر العباد لرب الجِنَّة والناس خرجوا منها صفر اليدين إلا من رحمته، ووقفوا في ذلك المشهد العظيم ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان:٤١ - ٤٢]، يوم يفر المرء فيه من أحب الناس إليه، فلا يلتفت عن يمينه ولا عن يساره، وأبى الله إلا أن يشخص العبد إلى السماء بعينيه، ينتظر فصل القضاء، ينتظر حكم رب الأرض والسماء، أفي الجنة أم في النار يكون السواء! وشخُصَت الأبصار، وولَّت بين يدي الواحد القهار، وخرج أهل الصالحات وقد ابيضَّت الأيدي والوجوه بآثار الحسنات، خرجوا بذلك الأثر العظيم من الله الكريم، فابيضت عند الله وجوههم، وما عَظُمَ المقام عليهم، ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] ووقف العباد بين يدي رب العباد لكي يفصل بينهم في يوم التناد. ونادى منادي الله لكل عبدٍ بما جنت يداه، ودعيتَ على رءوس الأشهاد لكي تسأل عن كل قولٍ قلتَه، وعن كل عملٍ عملتَه. هناك حيث تقف بين يدي الله، والشهود حاضرة، والعيون إلى الله ناظرة. هناك حيث يوقف العبد بين يدي الله ﷻ فينادي منادي الله: يا فلان بن فلانة، قم للعرض على الله، فلا ينادَى أحدٌ بأبيه؛ لكي تزول الأحساب والأنساب، ويَذِل العباد بين يدي الله رب الأرباب، ودعيتَ أمام الأولين والآخرين فرَعَدَت فرائصك من خشية الله، واصطكَّت القدمان بين يدي الله، وجئتَ بزادك للقاء الله، وسألك الله عن هذه الأيام التي مضت، وعن هذه السنين والأعوام التي انقضت، سألك عن الشباب، وما كان فيه من اللهو مع الأصحاب والأحباب، سألك الله عن أيامٍ فنُشِرَت بين يديك، لا تخرِم منها لحظةٌ واحدة، فإما لك وإما عليك، عُرِض الشباب عليك بأيامه وما فيه من الشهوات والملهيات، فكُشِفت الأستار، وتبدَّت للأنظار. هناك حيث تبيِّن الليالي بما اجترحتَ فيها. هناك حيث تحمد عيناً سهرت على طاعة الله، وقدماً طالما انتصبت بالوقوف بين يدي الله، فقلتَ: رباه! أما ليلي: فوقوفٌ بين يديك أناجيك بالقرآن، وأما نهاري: فصيامٌ لوجهك يا رحمن. وأما يديَّ: فأنت الشهيد وأنت المطلع، فكم سَتَرْتُ بها من عورات! وكم فرَّجْتُ بها من كربات! أنفقتُها لهذا اليوم العظيم، اللهم مددتها لهذا اليوم العظيم، وحُسْن ظني فيك، فلا تخيبني إذ وقفتُ بين يديك. وأما جَناني: فأسكنته حبك وتأييدك، فعشتُ وأنت الشهيد، ووحَّدتُك وأنت الحميد المجيد، ما ناديتُ أحداً سواك، ولا تعلقت بشيء عداك، ربِّ صبَبْتَ عليَّ البلايا فعذتُ بك وحدك ولم أعذ بشيء عداك، وصبَبْتَ عليَّ الرزايا فصبرتُ واحتسبتُ لهذا الموقف بين يديك. وأما لساني: فأنت الشهيد وأنت المطلع، فكم ذكرتك به مع الذاكرين! وكم أثنيت عليك به مع المثنين! وكم تلوت به آياتك! اللهم فعلتُها وقلتُها لوجهك العظيم، اللهم فعلتُها ابتغاء رضوانك الكريم. اللهم قدمي: ضربتُ بها الخطى إلى بيتك اللهم خرجت بها في الظلمات، فقمتُ بها مع القائمين، ونصبتها مع الراكعين الساجدين. أما يديَّ: فكم تبطنها الليل منتصباً بين يديك! وأما وجهي: فقد عفَّرته بالسجود بين يديك! فيا من خشع لك سمعي وبصري! نجني من هول هذا اليوم العظيم. اللهم قليلٌ فعلتُه في جنبك، كثيرٌ أحسنتُ به إليك، اللهم مع هذه الحسنات والباقيات الصالحات فالفضل لك جل جلالك، والفضل لك وحدك لا إله غيرك، فقيل: مشهودك؟ فشهدت الأرض التي أقلتك، والسماء التي أظلتك، وقال الله: صدقتَ وبررتَ، خذوا عبدي إلى جنان النعيم، خذوه إلى الرضوان العظيم. فنال الكتاب باليمين، وصاح أمام العالمين: ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢١]، وفتحت أبواب الجنان، وطاف الحور والوِلدان، وذهب النكد والنصب، وزال العناء والتعب. فهنيئاً لتلك الأقدام التي انتصبت في جوف الليل بين يدي الله تنادي! وهنيئاً لتلك الألسن التي ضجَّت بالدعاء بين يديه تناجي! اليوم يومها، والنعيم نعيمها، والسرور سرورها. ونادى منادي الله تلك النفس الظالمة في جنب الله: يا فلان بن فلانة، أنْ قُمْ إلى العرض بين يدي الله. فسُئِل عن ليلٍ طالما قضاه في معصية الله، وعن نهارٍ أضاعه، وما الخير فيه أسداه. فنادى منادي الله: أي حسنةٍ ترجوها عندنا؟! وأي صالحة قدمتَها في جنب الله؟! فنُشِرَت الفضائح، وصاح بين يدي الله الصائح: فقالت القدم: إلى الحرام طالما مشيتُ! وفي جنبك رباه أسأتُ واعتديتُ! وقالت اليد: كم خطفتُ من الآثام! وكم هتكتُ وأكلتُ من الحرام! فلا منك خفتُ ربِّ حقيقة الخوف، أرجو رحمتك إذ وقفت بين يديك. وقالت العين: أما أنا فقد نظرتُ وتمتعتُ، رباه! متَّعَنِي بالحرام، وتزيَّن بي في الفواحش والآثام! وشهدت الفروج بآثامها! والجوارح بخطيئاتها! ثم عَرَضت على الله مظالمها. وقالت الآذان: اللهم استمعتُ للحرام، فطالما سَهِر ليله يُمَتِّعُني بالآثام! وكم سمعتُ من الغيبة والنميمة! اللهم إن عبدك هذا قد ظلم وفجر، وشَهِدَت الجوارح بآثامها، وعُرِضَت الفضائح بين يدي الله ربِّها، فقال الله: يا ملائكتي! خذوه، ومن عذابي أذيقوه، فقد اشتد غضبي على مَن قلّ حياؤه مني. ووقفت تلك النفس الآثمة الظالمة على نارٍ تلظى وجحيم تغيظ وتزفر، وبدا لها مآلُها، فقالت وتمنَّت أن لو رجعت لكي تحسن في جنب ربها، فكُبْكِبَت على رأسها وجبينها، فهوت في تلك المهاوي المظلمة، وتقلبت بين الدَّرَكات والجحيم والحسرات، مضت الشهوات بأهلها، وانقضت الملهيات بأصحابها، وذاق الهوان بعد المعزة والكرامة، ونزل إلى ذلك الدَّرْك العظيم من الجحيم، فكأن لم يكن مَرَّ به نعيم قط. روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ : أنه (يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيُغْمَس في النار غمسة، فيقال: عبدي! هل مرَّ عليك نعيمٌ؟ فيقول: لا وعزتك) وهوى في تلك الدَّرَكات رهين السيئات، فلا مال، ولا بنون، ولا عشيرة، ولا أقربون، فُرِّق بين الأم وولدها، والآباء وأبنائهم، وفُرِّق بين الأصحاب والأحباب فراقاً

стр. 146

الأسئلة

стр. 147

التوبة تجبُّ ما قبلها السؤال ماذا يقول العبد الذي فرط في ماضيه إذا تذكر بعض المواقف التي فيها شيءٌ من المعاصي؟ الجواب المُنْبَغي على المؤمن أن لا ييئس من رحمة الله، وأن لا يقنط من روح الله، فإن الله يفرح بتوبة التائبين. يقول: رباه أذنبتُ، وليس لذنوبي أحدٌ سواك، رباه أسأتُ وليس لإساءتي يمحوها أحدٌ عداك، يطَّرح بين يدي بارئه ويناديه ويناجيه ويسأله أن يمن عليه بالعفو فيما سلف، وأن يبدل الإساءة بالإحسان، وأن يجعله من أهل الطاعة والإيمان. هذا الذي يقوله، والقلب يتمزق حسرة وألماً في جنب الله ﷻ . والله تعالى أعلم.

стр. 148

سبب الفتن والبلايا وزوال النعم السؤال بعض الإخوة من الملتزمين ومن المتمسكين بدين الله؛ لكنهم يعانون من بعض المعاصي مثل الوقوع في العادة السرية، والنظر المحرم، وغيرهما من الأمور، فما هي النصيحة في ذلك؟ جزاكم الله خيراً. الجواب أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسلمنا وإياكم من الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهم إنا نسألك العافية، اللهم إنا نسألك العافية، وأن تمن على من ابتُلي بها في هذا المجلس بالعفو والعافية. اللهم مُنَّ علينا جميعاً بالعفو والعافية، يا ذا الجلال والإكرام. أخي في الله: إذا خلوتَ وغبتَ عن الأنظار، وأرخيت عليك الأستار، تذكر نعمة الله عليك. إذا خلوتَ تذكَّر المريض الذي يتأوه، واللهُ متَّعَك بالعافية! تذكر الفقير الذي يكدح آناء الليل والنهار من أجل لقمة عيشٍ يسد بها رمقه الذي يؤلمه، واللهُ أغناك! تذكر -أخي في الله- الخائف القلق المعذب الذي يعيش العذاب والنكد في الحياة، واللهُ أمَّنك من خوفها ونكدها! أكان الجزاء أن تعصيه؟! أكان الجزاء أن تحاربه بنِعَمِه التي أسداها إليك؟! أهذا جزاء الإحسان؟! فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، لا الجحود ولا الكفران. فاتقِ الله بارِئَك، وخف من الله فيما تقترفه بيديك، واعلم أن لله سطواتٍ، وأن له أخذاتٍ، فإن الله لا يدع العاصي، ولا تزال المعصية بأهلها تتبعهم، فتنكِّد عليهم حياتهم أو آخرتهم، أو يجمع الله لهم بين العقوبتين، فإما أن يعذبه الله بمعصيته في الدنيا، وإما أن يعذبه بها في الآخرة، أو يجمع له بين النقمتين والمصيبتين. فاتق الله ، وازجر نفسك بقوارع التنزيل، وذكرها سطوة العظيم الجليل، فإن ذلك أعظم زاجرٍ من حدود الله ﷻ . والله تعالى أعلم.

стр. 149

حقيقة الإجازة في حياة المسلم السؤال ونحن مقبلون على إجازة نصف العام، يخرج كثيرٌ مِن الناس إلى البَرِّ للتَّنَزُّه، فما هي نصيحتك للإخوة في قضاء هذه الإجازة وخاصة الشباب؟ الجواب إن المؤمن ليست له إجازة، إن المؤمن لا يزال في هم وغم حتى يلقى الله، فيلقي عصا الهموم والغموم بين يدي الله جل في علاه، فإن الله كتب على أهل الإيمان أنهم في ابتلاء واختبار، ولا تزال الدنيا تصب همومها وغمومها على أهل الإيمان حتى يلقوا الله العظيم الرحمن؛ ولكنها إجازة بمعنى. فيا مَن متعك الله بأيامٍ خلوتَ فيها عن الأشغال! تذكر نعمة الكبير المتعال. تذكر المأسور برزق أهله، لا يجد إجازة في مسائه ولا يومه. تذكر المريض طريح السرير الأبيض، لا يستطيع أن يقوم على قدميه؛ لكي يتمتع بما أنت فيه. فليكن من شكر الله الذي أعطاك الفراغ: أن تحمد الله ﷻ أولاً وآخراً، وقل بلسان الحال والمقال: اللهم لك الحمد أن فرَّغت قلبي من الشواغل، فأسألك يوماً يرضيك وغداً يكون في مراضيك، سل الله أن يوفقك فيه للصالحات، ثم اغتنم هذه الإجازة، فإنها أيامٌ قليلة إما حُجَّةٌ لك، أو حُجَّةٌ عليك، (كل الناس يغدو فبائعٌ نفسه، فمعتقها، أو موبقها). أخي في الله، إخواني في الله: كم من إنسان سرَّه أن يبقى إلى زمان ساءه ذلك الزمن إذا بقي إليه، فسلوا الله العافية، فإن الأيام فيها مغيَّبات لا يعلمها إلا الله عالم المغيَّبات، سلوا الله العافية، واسألوه أن يمتعكم بأيامٍ ترضيه عنكم، واعلموا -إخواني- أن أفضل ما تُقْضَى فيه الأعمار، وأفضل ما يُسْتَغل فيه الليل والنهار: ذكر الله الواحد القهار، فأكثروا من ذكر الله، فإن خرَجْتَ إلى البَرِّ: فانظر إلى الأرض، وقل: سبحان من دَحَاها! ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات:٣١]. ثم ارْمِ إلى السماء بطرفك وقل: سبحان من بناها! ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٢٨ - ٢٩]. ثم انظر إلى هذا الملكوت الذي جعله الله مذكِّراً بالله ﷻ ، كل مَن حولك يقول بلسان الحال والمقال: لا إله إلا الله! انظر إلى الأوراق فقل: سبحان من أجرى الماء فيها! سبحان من أحياها بعد موتها! وانظر إلى الربيع بساطاً أخضر على الأرض فقل: سبحان مَن ألقى خضرته! وسبحان من زيَّنه وأنبته ﷻ ، وتقدست أسماؤه! ثم انظر إلى حشراته، وهوامِّه فقل: سبحان من أحصاها عداً! ولا يغيب منها شيءٌ عنه فرداً، ﷻ وتقدست أسماؤه! وانظر إلى تلك الأمم التي تسعى وتدب بين يديك فقل بلسان الحال والمقال: سبحان من تكفَّل بأرزاقها! سبحان من أغناها وأولاها! ثم انظر إلى كل شيءٍ حولك؛ انظر إلى الليل إذا أرخى بظلامه، فقبل لحظات يسيرة وأنت في ضياء الشمس، وإذا بك في ليل بهيم! لم يختلط الليل بالنهار، ولم يسبق العشي الإبكار! وسبحان الله الواحد القهار! سبحانه! وفي لحظة واحدة أظلمت عليك الدنيا، لو أخرجتَ يدك لن تَرى شيئاً فيها! سبحان الله ﷻ ! وانظر إلى تلك الظلمات، واذكر ظلمة الحُفَر والقبور، علَّها أن توقظ قلبك لله العظيم الشكور. ثم إذا أرخى عليك الليلُ سدولَه؛ فانظر إلى السماء وقل: سبحان من زيَّنها بالكواكب زينة وشهباً! لا يفوت عنها شيطان غائب. ثم انظر إلى النهار فقل: سبحان من أقبله بضيائه! سبحان من أجرى شمسه! سبحان من أشع نوره! وأبلج ضياءه! إنها آياتٌ ما أوجدها الله عبثاً، بل أوجدها لكي تخرج من هذا المكان الذي نزلتَه وأنت على عقيدة بأنه "لا إله إلا الله". ثم إذا مضت عليك الأيام، وجاءك اليوم تلو اليوم فانظر إلى آخر الأيام إذا طُوِيَت رحلتُك وآذَنَتْ بالرحيل! فأين اللذات؟! وأين الملهيات؟! كأن لم يكن شيئاً، كأنك لم تنزل إلى ذلك المكان. كأن شيئاً لم يكن إذا انقضى وما مضى مِمَّا مضى فقد مضى فقد مضت الأيام، فالله أعلم بما خبَّأْتَ فيها من خير ترجوه، أو شرٍ تلقى الله به إذا لقيتَه. فخير ما يوصى به الإنسان: أن يعمِّر وقته بذكر الله. والوصية الأخيرة: أن تسخِّر أبناءك وبناتك وزوجك لكي يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:١٠١]. قل لهم بلسان الحال والمقال: من الذي دبر هذا الوجود؟! من الذي جعل الشمس تجري، ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٩ - ٤٠]؟! هل استطاع أحدٌ أن يكف شعاعها يوماً من الأيام؟! هل استطاع أحدٌ أن يجعل الليل ضياءً يوماً من الأيام؟! سبحانه ﷻ ! ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:٧١]، سبحانه! لا إله إلا الله! فخذ من هذه المواقف مدارس التوحيد، واغرس في تلك القلوب البريئة تعظيم الله الحميد المجيد، واللهِ إن أحبَّ الأشياء إلى الله، وأعظمها زلفى بين يديه: أن تغرس الإيمان في قلب ابنٍ من أبنائك، وأن تخرج من هذه الدنيا وابنك يوحد الله حق توحيده، ويعظم الله حق تعظيمه وتمجيده. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الذاكرين، وأن لا تجعلنا من الغافلين، وأن تجعل هذه الإجازة عوناً لنا على طاعتك، وأن توفقنا فيها لسبيل محبتك. والله تعالى أعلم.

стр. 150

حكم الإحسان إلى الوالدين إن أساءا المعاملة والتربية السؤال مشكلة يعاني منها بعض الشباب، يقول أحدهم: إني شابٌ معاملتي سيئةٌ لوالديَّ وإخواني وذلك بسبب سوء تربيتهم لي، فهل علي شيءٌ في ذلك؟ أرجو الإرشاد جزاك الله خيراً. الجواب أما الشيء الذي عليك: فتراه إذا اجتمع الخصوم بين يدي الله ﷻ ، تراه حينما تصْطَكُّ قدمك، فترى في صحيفة عملك أنك قد خَرَجْتَ من الدنيا عاقَّاً لوالديك والعياذ بالله. إن إساءة الوالدين لا تدعو الابن للإساءة، إذا أساءا إليك فأحسن إليهما، فإن الله قد أمرك ببرهما، أحسِن إلى الوالدين ولو أساءا، وأنعم إليهما ولو كَفَرا، وكن معهما ولا تؤذهما، فإن الله أوصاك من فوق سبع سماوات أن تقول لهما قولاً كريماً، وأن تخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وأن تقول: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤]. لا تؤذهما، فإن الله لا يرضى منك أذيتهما، قابِلِ الإساءة بالإحسان، فإن أحبَّ البَرَرَة إلى الله وأعظم ما يكون البِرُّ: إذا كان من ابن يؤذيه أبوه وأمه، أفضل ما يكون البِرُّ إذا كان الوالد يؤذيك، وأفضل ما يكون البِرُّ إذا كانت الأم تهينك، أفضل البِرِّ يكون حينما تجد الإساءة وتقابلها بالإحسان؛ لأنك تريد ما عند الله، وتريد أن تمتثل أمر الله، ولا تريد منهما جزاءً ولا شكوراً. فيا للهِ من ابن أحسن إليهما مع إساءتهما! فأحبه الله بذلك الإحسان، وبُشِّرَ البارُّ بكل خيرٍ من الله، فمَن حَفِظَ وصية الله في والديه فإن الله سيوفقه لكل خيرٍ يرجوه، واللهِ ما قرع البارُّ باباً من الخير إلا فتحه الله في وجهه، ولا سلك سبيل طاعةٍ إلا يسر الله له من أمره. بر الوالدين من أعظم القربات، وأحبها إلى الله، فابكِ على الأيام التي مضت، ثم تذلل لهما، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤]، واسألهما قبل أن تبيت ليلتك هذه العفوَ منهما، واطَّرِح بين أيديهما، وقل: قد أسأتُ إليكما، وإني تائب من الإساءة إليكما. فلا تدري فقد تكون هذه هي آخر ليلةٍ لك من الدنيا، فاللهَ الله أن تصبح وقد عققت والديك! ثم أعلموا يا إخواني: أن من أفضل ما يتقرب به الشاب المهتدي بعد توحيد الله: بر الوالدين، وقد قرنه الله بتوحيده، فالذي يريد التوفيق، والذي يريد المعونة والتيسير فليكن بوالديه رحيماً، حتى ولو كانا أمواتاً، فإن الوالدان أحوج ما يكونان إلى بر الولد إذا قُبِضا وانتقلا من الدنيا، أحوج ما يكون الوالدين إلى بر الولد إذا انتقلا إلى الله ﷻ ، أحوج ما يكونان إلى دعوة صالحة منك، قال: (يا رسول الله، هل بقي من بري لوالدَي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما)، واللهِ ما ذكرتَهما بدعوة إلا سخر الله لك إذا صرت إلى مصيرهما من يذكُرك بمثلها وخيرٍ منها، فاحتسب عند الله في بر والديك أحياءً وأمواتاً. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لبرِّ الوالدين، وأن ينجينا من العقوق، وأن لا يجعلنا من أهله. فإن العاق ولو كان مطيعاً فهو محبوس عن الجنة، قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦] قال: إنهم رجال خرجوا إلى الجهاد دون إذن الوالدين، استشهدوا وقُبِلَت شهادتهم، فإن أرادوا دخول الجنة بالشهادة حبسهم العقوق؛ لأن النبي ﷺ يقول: (لا يدخل الجنة عاقٌّ)، وإن أرادوا دخول النار بالعقوق حبستهم الشهادة، فالشهيد كريم عند الله ﷻ ، فيُحْبَسون عن دخول الجنة، ثم بعد فترة يؤذن بدخولها، ولذلك قال الله عنهم: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٤٦] يعني: يطمعون في دخولها؛ ولكن يُحبسون بسبب عقوق الوالدين. فعقوق الوالدين أمر خطير. بل قال بعض العلماء في قول النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة عاقٌّ) قال: إن معناه أن الغالب في العاق أن لا يوفق لحسن الخاتمة -نسأل الله السلامة والعافية- والغالب أن الله يستدرجه حتى يمكر به -والعياذ بالله- فيأخذه على سيئةٍ يَشْقَى بها، فيخسر الدنيا والآخرة، نسأل الله السلامة والعافية. نعوذ بالله من العقوق. فإياك أن تصبح وفي قلب والديك عليك شيء. إياك أن تخرج من هذا المسجد وتفكر في شيء إلا أن ترضيهما قبل أن يناما ليلتهما هذه، فلعلها أن تكون آخر ليلةٍ لك من الدنيا. فاتقِ الله في والديك، اتقِ الله في الوالدين، وامتثل أمر الله. نسأل الله العظيم أن يسلمنا من الزلل، وأن يعصمنا في القول والعمل. والله تعالى أعلم.

стр. 151

سبب قسوة القلوب وجفاف العيون السؤال كثير من الإخوة صدروا أسئلتهم بقولهم: أنهم يحبونك في الله. ما هو الحل، وما هو العلاج لقسوة القلوب التي تنتاب كثيراً من الناس، وكذلك قلة البكاء والخشية من الله، والتكاسل عن قيام الليل، والتهاون في الصلوات، وغيرها من الأمور والمعاصي التي تحدث من جرَّاء قسوة القلب، فما هي النصيحة؟ وما هو العلاج لذلك فضيلة الشيخ؟ الجواب باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فأحبك الله الذي أحببتني فيه، وأُشْهِد الله العظيم رب العرش الكريم أني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يجمعنا بكم بهذا الحب ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]. أخي في الله: إن قسوة القلب بلاء وأي بلاء! وإذا قسا لعبد قلبُه فقد حِيل بينه وبين الله، فالقلب القاسي بعيدٌ من الله، والقلب القاسي محروم من رحمة الله، فمن وجد في قلبه قسوةً فليبكِ على ما ابتُلي به، وليطَّرِح بين يدي الله. أما العلاج لقسوة القلوب: فتسألُ اللهَ مقلِّبَ القلوب أن يرزقك قلباً ليناً، وعيناً دامعة من خشيته، وقلباً رقيقاً لجلاله ومحبته، إذا ذُكِّر تذكَّر، وإذا بُصِّر تبصَّر، سَلِ اللهَ أن يعطيك، ونادِهِ، وناجِهِ يولِك، ولا يخيب ظنُّ عبدٍ صَدَقَ ظنُّه في الله بارِئِه. أما الوصية الثانية: فأوصيك -أخي في الله- أن تبتعد عن الذنوب والمعاصي، فإن الذنب يطفئ نور الطاعة من القلوب، وإذا انطفأ نور الطاعة في القلب أظلم ذلك القلب، وتَحجَّر، واستحكمه الشيطان، فلا يستجيب بعدُ لداعي الرحمن. أوصيك -أخي في الله- أن تفر من الله إلى الله. أوصيك أن تتفقد المظالم التي بينك وبين بارئك، فلا بد من ذنب بينك وبين الله أوجب لك قسوة القلب، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤]، تفقَّد نفسك، وتفقَّد أهلك وزوجك، وتفقَّد أبناءك وبناتك، فلعل مظلمة حالت بين قلبك وبين الخشوع، ولعل مظلمة حالت بين عينك وبين الدموع. ثم أقبل على الله بالتوبة النصوح إن وجدتَها، قال بعض السلف: أذنبتُ ذنباً فحُرِمْتُ قيام الليل ستة أشهر، فإذا كان هذا في ذنبٍ واحد يُحْرَم العبد المقام بين يدي الله، فحَرِيٌّ أن يُحْرَم التذكُّر والتدبُّر لآيات الله. أما الوصية الثالثة: فخذ مِمَّا يرقِّق قلبك: خذ هذا القلب الغافل الساهي إلى منازل الأموات، واجعله يعيش بين أهلها، وذكِّره تلك المنازل. وأكثر من تشييع الجنائز، فإن تشييعها يحيي -بإذن الله- موات القلوب، انظر إليه محمولاً وحيداً فريداً، وانظر إلى أبنائه وأقاربه، وعشيرته، وأحبابه، كلٌّ يكفكف دمعه، وكلٌّ يجفف -مما أصابه- جفنه، ومع هذا لا يغني له من الله شيئاً. فإن لم ينكسر قلبك، فخذه إلى المرضى، وأقمه مع أهل البلاء، واسمع تلك الصيحات، والآهات، والآلام التي يعيشها أهل الأسقام، عِشْ مع المرضى حتى تعرف عافية الله ونعمة الله التي نعَّمك بها، ثم خذ من العلاج النبوي. أَدْنِ اليتيمَ إليك، وامسح برأسه، وضمه إليك ثم أحسن إليه، وقربه، وواسِه، فإن ذلك مما يزيل قسوة القلوب؛ لأن الله يرضى على مَن أحسن، ومِن أعظم الإحسان: الإحسان إلى اليتيم. ثم كذلك خذ من عبير السلف الصالح، وسِيَر الصالحين من عباد الله المؤمنين من الماضين، وأدعوك أن تعيش مع الأموات من أهل الصالحات والطيبات، وأدعوك -أخي- أن تقرأ سيرة السلف الصالح، فإنها ترقق القلوب لله ﷻ . وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحول بيننا وبين قسوة القلوب. اللهم إنا نعوذ بك من قسوة القلب. اللهم إنا نعوذ بك من قلب قاسٍ أمام ذكرك. والله تعالى أعلم.

стр. 152

نصائح للمعلمين والمعلمات إن هذا العلم الذي علمنا الله إياه هو منة ونعمة منه جل وعلا، فعلى من سلك هذه الطريق الجد والصبر على الطلب، وإن من تمام شكر هذه النعمة تعليم الناس هذا العلم ونشره بينهم.

стр. 153

شكر الله على نعمة تعليم الناس الخير باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فأوصي الجميع ونفسي بتقوى الله ، ومن اتقى الله جعل له من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، وعلى المعلم والمعلمة أن يشعر كلٌ منهما بفضل الله عليه، وجميل إحسانه، وجليل ما أسدى إليه ، فإن الله إذا اختارك لتعليم الناس فقد فضلك وشرفك وقدمك على غيرك، وعلى المعلم أن يستشعر نعمة الله عليه، ومن عظَّم نعمة الله شكرها، ومن شكر نعم الله بارك الله له في نعمته، فعليك أن تعلم أن الله أعطاك خيراً كثيرا، فليكن من أول شكرك لله أن تعظم نعمة الله في قلبك، قال العلماء: الشكر ثلاثة أقسام: شكر الجنان، وشكر اللسان، وشكر الجوارح والأركان. فأما شكر الجنان: فهو أن تعتقد من قلبك أن الفضل كله لله، ولذلك قال الله في هذا النوع من الشكر: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] فلا يعتقد المعلم أنه بلغ إلى هذه المرتبة أو عين في هذا المكان من أجل ذكائه أو فهمه، ولكن الفضل كله لله ، فإذا أحس أن الله وحده هو الذي اختاره عظَّم نعمة الله عليه وشكرها.

стр. 154

سعي المعلم لتحسين ظن الناس به أما الأمر الثاني: فعليه أن يسعى جاهداً إلى أن يحسن ظن الناس به، وأن يكون عند حسن ظنهم به، حيث حملوه الأمانة وأناطوا به المسئولية، وجعلوه في هذا المكان، الذي صرفوا عنه غيره، واختاروه بحسن ظنهم به، فليكن عند حسن ظن الناس به، وهذا يستلزم منه أن يسأل ما هو المطلوب منه، وما هو الواجب عليه، فأول ما ينبغي عليه ضبط العلوم التي يعلمها، وأفضلها وأزكاها وأعظمها أجراً عند الله : علم الدين، الذي يتعلق بالأحكام الشرعية، سواءً كان في العقيدة أو المعاملات، أو العبادات الأخر، فعليه أن يتقي الله ويضبط هذا الباب، ويخرج أبناء المسلمين عالمين بما نيط بهم. إن أسند إليك تعليم التوحيد، فاعلم أن الله سائلك عن هذه القلوب التي تعلمها، هل وجهتهم إلى ما فيه صلاح عقائدهم ودللتهم على الأصل العظيم الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح من هذه الأمة من العقيدة في ألوهية الله وربوبيته وأسمائه وصفاته. فلا تدخر جهداً ولا وسعاً إلا وقد بذلته من أجل أن تعلمهم ذلك الأمر على أتم الوجوه وأكملها وأفضلها. كذلك إذا أسند إليك تدريس الفقه، ينبغي عليك أن تجد وتجتهد في ضبط المسائل وتحريرها وبيانها، ومعرفة الأدلة عليها والراجحة من أقوال العلماء مدعماً بالدليل من كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، إذ أن أعظم ما يكون في التعليم تعليم الدين. وهنا مسألة أنبه عليها أنه ينبغي على المعلم والمعلمة أن يرغبوا أبناء المسلمين وبناتهم في العلوم الدينية، وأن يكون هناك مما في الأسلوب والطريقة والتناول للمسائل والعرض لها ما يشوق أبناء المسلمين وبناتهم لدينهم، وما يحببهم لا ما ينفرهم ويبغضهم بالأسلوب المنفر، أو بالطريقة المنفرة، ينبغي أن يبذل قصارى جهده للوصول إلى الأفضل والأكمل، وأن يغرس في تلك القلوب البريئة حب الله وحب رسوله ﷺ ، وحب هذا الدين، ويبلغهم ما علمه من الأحكام الشرعية بكل وضوحٍ ودلالة صحيحة، كذلك أيضاً: إذا نيطت به العلوم الدنيوية، فإن الإسلام لا يمنع تعلم العلوم الدنيوية، لكن بشرط ألا تعارض الأسباب، وألا تعارض العقيدة، وألا تتنافى مع أصل الدين، فإن تنافت معه، فلا ولا كرامة، فالأصل ديننا وإسلامنا، فينبغي أن تكون الدنيا ذليلة صاغرة لهذا الدين، لا أن تكون حاكمةً على ديننا وإسلامنا، فتعليم العلوم الدنيوية أمرٌ مطلوب، خاصة إذا توقفت عليه مصالح المسلمين كالطب. كان الإمام الشافعي ﵀ قد ذكر عنه بعض العلماء بالسند الصحيح، كما ذكر صاحب كتاب المنهل السوي في الطب النبوي، أشار إلى الشافعي أنه كان يقول في علم الطب: "لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من الطب" وكان يقول كلمته المشهورة: "ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى"؛ لأنه كان في زمان الشافعي لا يوجد طبيب مسلم، وأكثر ما يوجد من الأطباء هم من أهل الكتاب، فكان يتأسف أن المسلمين لم يتقنوا علم الطب حتى احتاجوا إلى غيرهم، لا بد من إتقان العلوم الدنيوية حتى تسد حاجة المسلمين عن غيرهم، وتسد ثغور المسلمين بالرجل والمرأة المؤمنة المسلمة اللذان يخافان الله ويرعيان النصحية للمسلمين. كذلك أيضاً: علوم الحساب، والهندسة، ونحوها من العلوم التي تنفع، ويُستعان بها لتحسين المصالح الدنيوية، لكن الأفضل والأكمل والأعظم ثواباً علم الدين، وهو الأصل وهو الذي شرف صاحبه ونبل في الدين والدنيا والآخرة، وحيثما ذكر العلم في أكمل صوره، وأجمل حلله فهو علم الإسلام، وعلم الدين المتصل بالعقيدة والأحكام الشرعية كما لا يخفى.

стр. 155

النصح لأبناء المسلمين وبناتهم كذلك أيضاً: على المعلم والمعلمة أن ينصحا لأبناء المسلمين وبناتهم، وذلك برعاية المشاعر ومحاولة المعلم أن يكون معلماً ناجحاً من خلال الطريقة والأسلوب في جذب الأبناء، وكذلك المعلمة من حيث الطريقة والأسلوب في جذب البنات، ولا يخفى على الجميع أن العصر الذي يعيش فيه الناس عصرٌ مختلف عن العصور التي تقدمت ومضت، الناس اليوم في زخم من مشاغل الدنيا وشواغلها، وقلَّ أن تجد أباً يتفرغ لأبنائه، وقل أن تجد أماً تتفرغ لبناتها، فينبغي علينا أن ننظر إلى هؤلاء الصغار خاصة إلى القلوب البريئة من الصغار، ألا نعاملهم بالعنف؛ لأننا ننظر إلى أنهم فقدوا كثيراً من جوانب التربية وأصبحت حالة الناس اليوم في كثرة المشاغل والشواغل، حتى قد تجد بعض الأخيار قد لا يستطيع أن يُربي أولاده من ضيق الوقت، فينبغي علينا أن نشعر بهذا الإحساس، وأن الأبناء قد فقدوا جوانب كثيرة من التربية، فلا تنظر إليهم بالبيئة التي نشأت فيها، حينما كانت الأم تمسح على رأس ابنها، ولا يفارق سواده سوادها، وكان الأب يراقب الابن في كل كلمة وحركة، ومع من يمشي وإلى أين يذهب، شتان ما بين العصرين والواقعين، فينبغي على المعلم وعلى المعلمة أن ينظروا إلى هذا العصر من خلال هذه الأمور التي يعيشها كثير من الأبناء والبنات، فإذا أدركوا ذلك فقد أحسنوا التصرف في هذه الأمور، فإذا وجدوا الطفل يتصرف تصرفاً شاذاً بسبب ما حوله من قرناء السوء، أو كانت بيئته بيئة جهل، أو بيئة يغلب عليها الجهل ينبغي أن يتعامل معها بما يليق، وأن يتعامل معه بما يليق، وأن تتعامل المعلمة مع أمثال هؤلاء بما يليق. كذلك أيضاً: ينبغي عليه ألا يخلوا العلم عن التربية، فإن أبناء المسلمين وبناتهم كما هم محتاجون للعلم كمادة فإنهم يحتاجون إلى التربية، فالتربية أن تكون قدوة في تعليمك، بالابتسامة والآداب الفاضلة والأخلاق الزاكية، التي تُنبئ وتدل على شرف ما تحمله من العلم النافع حتى ولو كان من علوم الدنيا، فإن الأخلاق الحميدة والآداب الكريمة جبلت النفوس على حبها وحب أهلها، وإذا كان المعلم أو المعلمة محبوبة، ووضع الله له القبول، فإن الله ينفع بعلمه وتعليمه ولو كان من أمور الدنيا. كذلك أيضاً: هناك أمر ينبغي التنبه له في مسألة التعامل مع الأبناء والبنات في التصرفات الشاذة، فإن الأبناء الصغار يحدثون التشويش واللغط، فينبغي في هذه الحالة أن يكون المعلم والمعلمة وسطاً بين الإفراط والتفريط، حزماً بدون عنف، ليناً بدون ضعف، ينبغي حزم الأمور ووضعها في نصابها، مما ينبغي على المعلم أن يراعيه: الأمانة في حفظ وقت المحاضرة والحصة ويؤدي ذلك على أتم الوجوب وأكمله، وينتظر الثواب من الله ، ويبرئ ذمته في الواجب والمسئولية المناطة به، فلا يتخلف ولا يتأخر ولا يسند ذلك على وجه تضيع به أبناء المسلمين أو بناتهم، إذا كانت المعلمة تدمن الغياب، والمعلم يدمن الغياب، ضاعت الحقوق والواجبات، وضيعت الأمانات، وللابن وللبنت في التعليم حظ منك، هذه الساعة التي هي محاضرة أو حصة قد تستهين بها ولكنها شيءٌ كبير؛ لأنه هرم ينبني عليه التعليم، وإذا فقد هذه الساعة فاعلم أنها ستؤثر على تحصيله في كليته أو جامعته، فالله الله ينبغي أن يشعر المعلم بالأمانة وألا يضيع وقت المحاضرة أو وقت الحصة، والخروج عن المقصود يكون المعلم مناط به تعليم مادة فتجده يضيع الوقت في الترهات أو يضيع الوقت في القصص والحكايات، فيخرج الأبناء دون نتيجة ويخرج الطلاب ضاحكين مستبشرين من اللهو واللعب، ولكن قد دمرت حياتهم بسبب هذا الجهل الذي فات عليهم تحصيل العلم الذي يزول به ذلك الجهل، فينبغي على المعلم أن يتقي الله وأن يعلم أن هذا الوقت أمانة ومسئولية يستفرغ كاملاً في التوجيه والتعليم مهما كلفه الأمر، وعليه أن يعلم أنه إذا نصح وغيب في قلبه إرادة النصح إن الله يعينه ويسدده.

стр. 156

التحلي بالصبر والتحمل كذلك مما يوصى به المعلم: الصبر والتحمل؛ لأن العلم فيه تعب، وفيه جهد عظيم، وقد يكون المعلم أو المعلمة يخرج من المدينة إلى السفر وهذا يحمل مشقة كبيرة فيحتاج إلى أن يحتسب ولا ينسى فضل الشيء الذي يحمله. إن أهل الباطل يسافرون إلى الأدغال حيث المهلكة والهلاك الذي يغلب على الظن أن صاحبه يفضي إليه، ومع ذلك يضحون، وتجد الرجل يتبع النصرانية فلا يبالي أن يذهب إلى أدغال أفريقيا في شدة الحر أو البرد، وبين الجاهلين منهم وقد يتعرض للقتل والموت وهو لا يبالي، كل ذلك كما زعم من أجل الصليب، ومن أجل تعظيم دينه وهو على الباطل، فوا عجباً من صبرهم على الباطل وعدم صبرنا على الحق! ينبغي أن تصبر وتصابر وتحتسب وتجد وتجتهد وتكون عندك همة عالية، ولا شك أن شرف كل معلم كلما كان تعليمه بعيداً ونائياً في القرى النائية، والمناطق النائية التي هي بحاجة إلى المعلمين أن يصبر ويحتسب، خاصة إذا كان من الشباب الأخيار والقدوة عليه أن يصبر ويحتسب ويكون في جده وقيامه بمسئولية التعليم على أتم الوجوه وأكملها، ونحن والله لا نقولها مجاملة، نحن في نعمة عظيمة ومنة جليلة كريمة خاصة في هذا العلم الذي بلغ الجبال والأودية السحيقة، تجد فيها من يعلم، وتجد فيها من المدارس ودور التعليم، فنسأل الله بعزته وجلاله -ونقولها من قلوبنا- أن يوفق ولاة أمورنا وأن يجزيهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، والله لو علمنا ما وراء الجهل من مصائب ومتاعب وكوارث لا يعلمها إلا الله، لعلمنا مقدار هذه النعمة التي نعيشها، فكونها تجند هذه النعم من أجل أبناء المسلمين وبناتهم فهذه نعمة عظيمة، ولقد مرت قرون قد تجد الرجل عمره أربعين سنة وهو لا يعرف كيف يتوضأ أو يغتسل من الجنابة، والمرأة تعمر وتبلغ الخمسين وما علمت كيفية غسل الجنابة إلا قبل موتها بالسنة أو السنتين، فالعلم نعمة -يا أخوان- ومنة جليلة كريمة، فإذا أحسن بك الظن، ونيطت بك الأمانة في بلدٍ بعيد أو قرية نائية لا تسخر ولا تجهل، ينبغي التعاون والتظافر والصبر والاحتساب، وإذا ضحت الأمة وضحى أفرادها سمت إلى المجد والعلياء، إذا حسنت الظنون وصار الرجل ينتظر الأجر من الله ثبته الله ووفقه، فلا تنتظر من أحدٍ أن يثيبك أو يكافئك إلا الله ﷻ ، فعلى هذا ينبغي أن يصبر ويحتسب المعلم ما أمكن، وهكذا المعلمة تصبر وتحتسب في تعليم أبناء المسلمين وبناتهم، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل الأعمال خالصة لوجهه الكريم ووجلة لرضوانه العظيم، والله تعالى أعلم.

стр. 157

الأسئلة

стр. 158

وصية للنساء في طلب العلم وتعليمه السؤال سائلٌ يقول: تعلمون يا فضيلة الشيخ أن النساء قد يصعب عليهن أن يفرغن من وقتهن لطلب العلم من المشايخ والعلماء، فما هي الطريقة التي توصون بها النساء بطلب العلم وتعليمه، وكيف يوفقن بين أعمال البيت وطلب العلم؟ الجواب بالنسبة للمرأة علمها بالأحكام وما يتعلق بحياتها من المسائل فرضٌ عليها، وكان النبي ﷺ تأتيه الصحابية تسأله عما أشكل عليها في طهارتها وصلاتها وعبادتها وحق بعلها وعشيرها وزوجها عليها، فكان النبي ﷺ يفقههن ويعلمهن ويدلهن على ما فيه صلاح دينهن ودنياهن، وعلى هذا قال العلماء: المرأة تتعلم ما فرض الله عليها، هذا هو الأساس وهو الواجب عليها أن تتعلم، وما وراء ذلك فإنها في الأصل مطالبة بحقوق البيت، وإدارة بيتها؛ لأن رسالة المرأة تربية أبناء المسلمين وبناتها، وإذا كانت الأم في بيتها قائمة على حقوق أولادها، وأتقنت هذا الثغر وقامت بحقه، قويت الأمة وعزت وسادت وبزت وغلبت؛ لأن بيوت المسلمين قد سدة ثغورها فهذا هو الأصل، الأصل أن رسالتها أولادها، والله حملها المسئولية عن أولادها وأبنائها وبناتها، فإذا كانت تستطيع أن تنتقل بعد ذلك لنفع بنات المسلمين ودلالتهن على الخير واحتيج إليها لتعليمهن، وقامت بهذه الحاجة على أتم الوجوه وأكملها، فهذا فضلٌ عظيم، وخيرٌ كثير. أما بالنسبة لطلبهن للعلم فإن عرضن أن يطلبن العلم فلهن من الفضل ما للرجال، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يرجعون إلى أمهات المؤمنين في هدي رسول الله ﷺ في بيته، ولما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في مسألة حديث مسلم: (إنما الماء من الماء)؛ من جامع ولم ينزل. أرسل عمر بن الخطاب ﵁ إلى عائشة، ولما سألها ذكرت له حديث رسول ﷺ كما في الصحيحين: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل) فقال عمر قولته المشهورة: [من خالف بعد اليوم جعلته نكالاً] فكانوا يرجعون إلى أمهات المؤمنين، ويجعلون أمهات المؤمنين فيصلاً في هديه ﵊ داخل البيت، كما كان أمهات المؤمنين يحلن إلى الصحابة في مسائل السفر ونحوها، فالمرأة تتعلم وهن شقائق الرجال، ولكن إذا خرجت من بيتها للعلم فعليها أن تراعي الحقوق والواجبات التي فرض الله عليها: أن تكون بعيدة عن الفتنة، وحضورها إلى مجلس العلم يكون على السمت الشرعي البعيد عن الإغراء والفتنة، وإذا فعلت ذلك وتفقهت في دينها أو علمت أبناء وبنات المسلمين ووجهتهم فهي على خيرٍ كثير! أما الطريقة: فالمرأة إذا أمكنها أن تحضر درس علمٍ في مسجد، فإن هذا خير وهذا من طلب العلم، وتعتبر طالبة علم، وهكذا إذا تعلمت في دور التعليم وصانت نفسها وابتعدت عن قرينات السوء فهذا أيضاً من التعليم، فالمقصود أن الأصل الشرعي يقتضي أن المرأة تتعلم ولكن بشرط ألا تضيع ما هو أوجب عليها وما هو آكد وما هو الأصل، ثم بعد ذلك إذا قامت بتعلمها على الوجه الشرعي بعيدة عن الفتنة فهذا خيرٌ لها وللأمة، نسأل الله العظيم من الجميع التوفيق والسداد، والله تعالى أعلم.

стр. 159

من سير الصالحات في كل زمان ومكان تحتاج المسلمة إلى القدوة الحسنة التي تسير على نهجها، وتسلك سبيلها، تحتاج إلى تلك النماذج الطيبة الطاهرة التي أحسن الإسلام صياغتها فغدت هممها عالية، وقلوبها مؤمنة راضية تقية.

стр. 160

القدوة وأهميتها الحمد لله الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ألا هو العزيز الغفار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله الصفوة الأخيار، وعلى جميع من التزم شرعه من الصفوة الأبرار: السلام عليكن ورحمة الله وبركاته: السلام على كل مؤمنة بالله السلام على كل منيبة إلى الله السلام على كل مهتدية بشرع الله السلام على تلك المرأة المؤمنة التي آمنت بربها، والتزمت بدينها، وسارت على نهج خالقها. سلام على تلك المرأة المؤمنة التي أقبلت إذ أدبر الناس، وآمنت إذ كذب الناس، وجدّت في طاعة الله إذ استهزأ الناس. السلام على ذلك القلب الذي وعى، والسلام على ذلك الفؤاد الذي رضي وبهدى الله اهتدى. السلام عليكن إذ خرجتن إلى طاعة الله ومرضاته، خرج النساء إلى الأسواق وخرجتن إلى سوق الجنة، وخرج النساء إلى الرياض، وخرجتن إلى روضة من رياض الجنة، وباهت النساء بالأزياء وباهيتن بسربال التقوى، واستمسكتن بعروة الله الوثقى، هنيئاً لكن معشر المؤمنات! هنيئاً لكُنَّ معشر الصالحات الداعيات! هنيئاً لكن على الإيمان والثبات! هنيئاً لكن على الجد في الحسنات والمرضات! بيَّض الله وجهكن، ونور الله قلوبكن في زمان الغربة الذي تباعد عن زمان الوحي، وقفت الصالحة أمام تيارات فكرية، ومذاهب هدامة لكي تعلنها صريحة قلباً وقالباً أن لا إله إلا الله فعاشت مع الله، مع أوامره إذ التزمتها، ونواهيه إذ ابتعدت عنها. وقفت الواحدة أمام هذه الفتن والمحن فثبتت بتثبيت الله، واعتصمت بحبل الله، فطوبى لذلك الإيمان، وطوبى لذلك الجنان، وطوبى للصدق في العبودية للرحمن. يا فتاة الإسلام: إن هذه رحمة من الله أسداها إليك، ومنة تفضل بها عليك، إن الله ﵎ قد رحمك بهذه الهداية التي حرمها كثيراً من النساء، رحمك بهذه الهداية التي عاش قلبك أحاسيسها، وارتاح فؤادك لمعانيها، فسرت بتلك الخطا راضية أي الرضا، سرت على طاعة الله ومرضاته ومحبته. امتلأت القلوب حباً للدنيا وامتلأ قلبك حباً للصالحات، امتلأت قلوب النساء حباً للماجنات الداعرات وامتلأ قلبك حباً للصالحات الداعيات، امتلأت قلوب النساء محبة لهذه الدنيا وفتنة بزهرتها، وامتلأ قلبك حباً للآخرة وسعياً لتحصيلها، طوبى لتلك العين منك إذ سحت بالدمع من خشية الله، وقد اكتحلت عيون النساء بمكاحيل الزينة، ولكن تزينت عينك بالعبرة من خشية الله، طاب للنساء أن يتجملن بالمظاهر وطاب لك -أمة الله- أن تتجملي بالجواهر! طوبى للإيمان! طوبى لسلوك سبيل الرحمن! طوبى لهذا العفاف؛ طوبى له وحسن مآب! أخواتي المسلمات: إن المسلمة تحتاج في كل زمان ومكان إلى قدوة حسنة صالحة تسير على نهجها، وتسلك سبيلها، تحتاج إلى تلك النماذج الطيبة الطاهرة التي حملت المعادن الكريمة وقلوباً تعظم الله وجواهر تؤمن بلقاء الله وتعظمه وتجله، تحتاج إليها لكي تسير على نهجها، وتتخلق بأخلاقها وتتأدب بآدابها، وقد بين القرآن فضل القصة، وفضل الأسوة والقدوة، فبين أن فيها عبرة، وأنه بهدى الأخيار يُهتدى، وبحذوهم يُقتدى، وبسبيلهم يُربى.

стр. 161

نماذج من سير الصالحات لقد قصَّ الله في كتابه قصص الصالحات، وبين على لسان رسوله ﷺ تلك المواقف المشرفة من تلك النماذج الطيبات الطاهرات من قرونٍ خلت، وأزمنة مضت؛ مضت بإيمان، وصبر ويقين بالرحمن، مضت تلك الخلوف الصالحة وقد سطرت في دواوين المجد عبراً لا تنسى، وذكريات توجب من الله الرحمة والرضا، ومع هذه القرون الخالية، ومع تلك النماذج السامية، ومع ذلك الرعيل، ونسمة من عبير ذلك الجيل تسمو إلى هذه النماذج ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. تحب المرأة المؤمنة الصالحة سير الصالحات حتى يطمئن بذكرهن قلبها، ويسعد بالائتساء بهن قالبها، ومع ذلك الرعيل، ونسمة من عبير ذلك الجيل، نقف مع النساء الطاهرات من سلف هذه الأمة.

стр. 162

عائشة ﵂ ومن سمية -التي قدمتُ لسبق شهادتها- إلى الصديقة بنت الصديق، إلى المبرأة من فوق سبع سماوات، إلى امرأة سكن الإيمان قلبها، ونزل الإيمان واليقين بفؤادها؛ عائشة حبيبة رسول الله ﷺ ، صديقة بنت صديق، لست أدري ما الذي أختار لكِ من طهارتها وعفتها، أأختار لكِ إيماناً لا شك معه ولا مرية؟ أأختار لكِ جناناً مليئاً بمحبة الله؟ أأختار لكِ علماً وفضلاً وأدباً وخلقاً؟ إنها النجم الزاهر، والروض الناضر الذي يستهوي من رآه، ويستهوي من سمع أخباره، إنها عائشة التي تربت في بيت الصديق، وفي بيت النبوة مع خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم أجمعين. مع عائشة التي رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً ورسولاً وزوجاً محبوباً، أكرمته وأحبته فلما خُيرت من رسول الله ﷺ ، ونزلت آية التخيير لنسائه، قال لها رسول الله ﷺ كما في الصحيح: (إني مخيركِ في أمرٍ فلا تعجلي فيه حتى تراجعين فيه أباك وأمك) فما إن خيرها بين الدار الآخرة وبين أن يمتعها ويسرحها سراحاً جميلاً، حتى أبت وأصرت إلا البقاء معه ﷺ ، بل إنها أجابت مباشرة بأنها تختار الله ورسوله والدار الآخرة، وعجلت أن تخير والديها، فهو الأمر الذي لا يحتاج إلى خيار غير خيارٍ واحد، وهو الذي أحبته وارتضته، وهو اختيار رحمة الله ومحبته، عاشت هذه الطيبة الطاهرة مع رسول الله ﷺ مثالاً لكل زوجة وفية لزوجها، أحبها رسول الله ﷺ ، وفضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، أحبها لديانتها ولطهارتها، ولصلاحها وعفتها ﵂ وأرضاها. وعاشت مع رسول الله ﷺ في عيشة الفقر؛ فقر الظاهر وغنى الجواهر، عاشت فقيرة في الظاهر ولكنها غنية بالله ، ثلاثة أشهر وما يوقد في بيتها نار، فرضيت بهذه العيشة لعلمها بأن رضوان الله فيها، ماذا أختار لكِ من هذه الصالحة الطيبة الطاهرة المباركة الصديقة بنت الصديق التي عاشرت رسول الله ﷺ بعينٍ تراقب حركاته وسكناته، وسمعٍ يصغي لكل لفظ من حديثه، فكانت وعاءً من أوعية السنة، وحافظة من حفاظ الصحابة، وعت أكثر من ألف حديث عن رسول الله ﷺ ، فنضر الله ذلك الوجه، ونضر الله تلك الصورة التي حفظت للأمة دينها، وما اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في شيء من هديه داخل بيته إلا ورجعوا إلى الصديقة يختارونها حكماً بينهم، قال أبو موسى ﵁ وأرضاه: [ما اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في أمرٍ ورجعوا إلى عائشة إلا وجدوا عندها خبراً وأثراً]. إنها عائشة علماً وأدباً وفضلاً ونبلاً، رسمت منهجاً للصالحات في المثابرة على محبة رب البريات بطلب العلم، فهي مثال لكل زوجة عالم، ومثال لكل زوجة داعية أن تتقي الله في زوجها، رسمت المنهج الصالح بمعاشرة النبي الكريم ولخلفاء الأنبياء من العلماء العالمين، والدعاة المخلصين بصبرها على العيشة اليسيرة، وعفتها عن الغنى الذي يرديها ويهلكها، رضيت فأرضاها الله برضاها، ونحن اليوم نعيش مع عائشة اليوم، نعيش مع تلك النماذج الحية من نساء مؤمنات صالحات طاهرات ذكرن عائشة في علمها وأدبها، فجعلنها قدوة بها يحتذى، وأمة بها يُقتدى. نعيش اليوم مع تلك النماذج الطيبة الطاهرة، مع النساء الحافظات لكتاب الله، اللاتي خرجن إلى بيوت الله لحفظ آيات الله، نعيش مع عائشة اليوم وهي ساهرة في طلب العلم بعين ترجو رحمة الله، وهي تخط بيدٍ ترجو الفوز بالكرامة من الله، وهي تصغي بسمعٍ يطلب رضوان الله، نعيش مع عائشة اليوم تلك الداعية المخلصة التي نذرت نفسها للدعوة إلى الله، مع عائشة اليوم التي جرت محبة الدعوة في عروقها. إنها عائشة الصالحة عائشة الفاضلة عائشة التي صبرت على البلاء، فأوذيت في أقدس شيء -بعد الإيمان- وهو عرضها فمست كرامتها، ولكن لتنال من الله رضواناً، وصفحاً من الرحمن وبراً وإحساناً، وقفت عائشة ﵂ أيام محنة الإفك؛ ذلك الموقف العصيب الرهيب، ولكنها كانت أكبر من تلك المقالة حينما تعلقت بالله ولاذت به، واستعاذت بالله فكانت معه، قيل عنها ما قيل فبرأها الله ، وغار عليها إذ نزل آيات التنزيل، وما كانت تظن أن ينزل الله فيها قرآناً إلى يوم الدين، فكل امرأة اليوم تؤمن بربها، فتؤذى في عرضها، تترسم نهج هذه الصالحة فتصبر لوجه الله، وتحتسب الأذية عند الله، وترجو في مصابها وبلائها المثوبة من الله. عائشة اليوم تؤذى وتتهم في عرضها وعفتها ولكنها ثابتة لوجه الله، صادقة إيماناً بالله، تصبر على تلك المكائد، وتصبر على ما يروجه كل معاند وحاسد، تتمثل هدي تلك المرأة الصالحة، وتترسم خطى تلك الصديقة الفاضلة. عائشة ﵂ التي كانت مثالاً في الزكاة، ومثالاً في الجود والسخاء، فتحت لها أموال الدنيا فما التفتت إلى تلك الأموال، بعث إليها عبد الله بن الزبير ﵂ وعنه مائة ألفٍ فجاءتها وهي صائمة لله، فما إن وقعت في يدها حتى تذكرت جنان الخلد التي ترجوها عند ربها؛ فبذلت تلك المائة في طاعة الله ومحبته، فرقت تلك المائة حتى أمسى المساء وما عندها منها شيء، فطلبت فطورها وطلبت شيئاً ترد به جوعها وظمأها، فإذا به لم يبق من المائة ألف شيء تطعم به طعاماً، ولكنها أبقت رضوان الله، والرجاء فيما عند الله، صامت لوجه الله ذلك اليوم، وصامت مع صيام الجسد عن شهوة الدنيا وفتنتها وزهرتها، فبذلت ذلك المال كله لوجه الله حتى نسيت طعام فطورها! يا لله من قلب يؤمن بالله! ويا لله من فؤاد يرجو رحمة الله! ويا لله من صديقة تلتمس رضوان الله! قالت لها أم ذر: [هلا تركت من المائة ألف ما تفطرين به؟ فقالت: لا تلوميني، هلا ذكرتني؟] ذهلت عن الدنيا حينما تذكرت رحمة الله، ورجت الفوز بما عند الله. إنها ذهبت ومضت وخلفت لنساء المؤمنين ذلك المثال الصادق لبذل المال لوجه الله واحتساب الأجر عند الله، ذهبت عائشة إلى رحمة الله ورضوانه، ولكنها رسمت المنهج لـ عائشة اليوم حينما اقتدت بها وائتست، فكم نسمع من قصص تذكر بها! كم نسمع من قصص عن تلك الصالحة! وعن تلك المؤمنة الموقنة التي جددت عائشة الأمس رضي الله عن تلك وعن هذه رضواناً لا سخط بعده. امرأة من نساء المؤمنين في العصر الحاضر كانت بنت ثري من الأثرياء، شاء الله أن يقبض روحه فخلف الأموال الكثيرة، فجاءها زوجها مساء ذلك اليوم بتلك الورقة التي فيها خمسة ملايين من الريالات، فلما أخبرها الخبر وقال لها: هذا قسمك من ميراث أبيك. قالت: كم هو؟ قال: كذا وكذا. قالت: والله لا أطعم منه شيئاً وأيتام الأفغان يعانون الجوع، وأرامله يقاسون البرد والعناء. وقالت: والله لا يمسي هذا المال وعندي منه شيء، فخرجت منه ترجو رضوان الله، فيا لله من مؤمنة صابرة! ويا لله من مؤمنة صادقة! إنها قلوب الصادقات التي آمنت برب البريات، فنسيت عند الإيمان به حظوظ الدنيا وزهرتها، إنها أمثلة ونماذج حية بنقل الثقات عن تلك الصالحات اللاتي يُذكِّرن بـ عائشة الأمس رضي الله عن الجميع وأرضاهن.

стр. 163

خديجة ﵂ وأول وقفة -مع الإيمان والثبات على الإيمان- مع امرأة آمنت بربها، ورضيت عن الله ورضي الله عنها، امرأة لا كالنساء، كاملةٌ، مطهرةًٌ، مختارةٌ من الله لنبيه، امرأة أحبها الله وأحبت الله، ورضيت عن الله ورضي الله عنها، إنها خديجة بنت خويلد التي أحبها الله ، وأحبها نبيه ﷺ ، أحبها الله حتى نزل جبريل الأمين يحمل سلام الله عليها، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن جبريل قال: (يا رسول الله! هذه خديجة قد جاءتك بإناء فيه إدام -أو شراب، أو طعام- فأقرئها من الله السلام ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) إنها خديجة مثال الإيمان، واليقين بالرحمن، إنها خديجة التي ثبت الله بها أحب القلوب إليه، إنها خديجة التي واست رسول الله ﷺ بمالها، وواسته بفؤادها إذ شاركته أحزانه، وشاطرته آماله وآلامه، ما جاءها خائفاً إلا أمنته بعد الله، ولا جاءها مهموماً محزوناً إلا بددت همومه وأحزانه بإذن الله، زوجة ونعم الزوجة! مؤمنة بالله حقيقة الإيمان، ما إن جاءها رسول الله ﷺ والخوف قد استولى عليه حتى قالت له: [كلا والله، لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق] فيا لله من امرأة! أتعجب من إيمانها وثباتها إذ هي تعاني وتقاسي عذابها في الله! أم تعجب من حكمتها وبيانها إذ ثبتت قلب رسول الله ﷺ ! مضت هذه الطيبة الطاهرة إلى رحمة الله، ومضت إلى عفوه وغفرانه، ولكنها سطرت لأجيال المؤمنات ديواناً من المجد ائتست به صالحات وأي صالحات، مشى على دربها الفاضل نساءٌ مؤمنات قد بعن الدنيا واشترين الآخرة. إن مضت خديجة الأمس فإن خديجة اليوم باقية، فكم من نساءٍ صالحات طاهرات نسمع عنهن في هذا الزمان قصصاً تعيد لنا ذكرى خديجة! كم من زوجة صالحة الآن اهتدى زوجها على يدها، عرفته سبيل المساجد، وأقامته مع كل راكع وساجد، وحببته أن يكون مع الخير العابد. إن ذهبت خديجة فقد أبقت لنا أمثالها، وإن ذهبت خديجة فقد أبقت لنا أشباهها، وإن واست خديجة الأمس رسول الله ﷺ بالدين والمال والنفس، فـ خديجة اليوم تواسي زوجها وهو داعية إلى الله، فتضحي بمالها في سبيل الدعوة إلى الله، وتضحي بأوقاتها كي تعينه على مرضاة الله. كم في زماننا من أشباه لتلك المرأة المؤمنة؟ قال الأب لابنته يوماً من الأيام: إن ابن عمك يريد الزواج منكِ. قالت له: يا أبتاه أتأمرني بذلك؟ قال: نعم. قالت: سمعاً وطاعة. وشاء الله ذلك الزواج، وما إن مضت أيامٌ يسيرة حتى تبدى لها ذلك الزوج وإذا به شيطانٌ مريد، من رحمة ربه شقي طريد، فما إن بلغ الخبر بذلك القلب الذي يعامل الله، وذلك الفؤاد الذي يرجو رحمة الله، حتى احتسبت المعونة من الله وقالت: لقد بررت أبي بزواجي منه، والله يعينني على هدايته. فيا ألله من امرأة صالحة تفجرت ينابيع الحكمة على لسانها، فأخذت بمجامع ذلك الزوج إلى طاعة الله! وأخذت بمجامعه إلى محبة الله، وهدته إلى رضوان الله وطاعته، فما ذكر فضلها يوماً من الأيام إلا بكى اعترافاً بجميلها، وإقراراً بفضلها. إنها خديجة اليوم التي تحتسب عند الله في التأسي بتلك الطيبة الطاهرة، إنها خديجة اليوم مهما رأت من زوجها إعراضاً عن الله؛ كان قلبها أكمل ما يكون يقيناً بالله، وكان جنانها أقوى ما يكون ثباتاً على طاعة الله، إنها خديجة اليوم التي نطمع أن نرى أمثالها وأن نسمع ذكراها، فنضَّر الله وجهها، وكثَّر في المسلمين سوادها.

стр. 164

سمية ﵂ ومن خديجة إلى مقام الإيمان والتوحيد والصبر على الإيمان بالحميد المجيد، إلى سمية وهي تُكاد على الإيمان بالله، وتهان من أجل لا إله إلا الله، إلى تلك المرأة التي آمنت بربها، وصَدَّقت بوحدانية خالقها فقيدت إلى العذاب الذي يفضي بها إلى رحمة رب الأرباب، قيدت إلى العذاب الذي فيه مهانة الدنيا، ولكن مآله كرامة الآخرة، إنها سمية أول شهيدة في الإسلام، التي رضيت أن تنال العذاب، وأن ترى ما ترى من صنوف البلاء والمهانة في الله ولله، وكل ذلك من أجل أن يرضى عنها الله، فما وهنت في طاعته، وما ضعفت في سبيله، فيا له من قلب موحد لله! قلب سكن التوحيدُ بشعابه، ونزل إلى أعماق جذوره، فاهتدت بهدي ربها فلم تبتغ عن سبيله تحويلاً، ولا له بديلاً. إنها سمية الأمس التي صبرت على طاعة الله ومحبته، وأوذيت في الله، وعايشت ما عايشت من البلاء والضنك في سبيل طاعة الله ومرضاته. وأشباه سمية في عصرنا الحاضر كثير، وما زال الخير في الأمة، فكما أن الخير في الرجال فإن الخير موجود في النساء، فما زالت سمية في الأمة باقية إنها سمية التي تعيش بهدايتها وحيدة بين أسرة كاملة إنها سمية التي تعيش بإيمانها وطاعتها لربها وعفافها بين أخواتٍ وزميلاتٍ بعيدات عن الله إنها سمية اليوم التي تؤذى في لباسها فتصبر وتحتسب، وتؤذى في حيائها فتصبر وتحتسب، وتؤذى في شيمتها وعفتها فتصبر لوجه الله وتحتسب. إنها سمية اليوم الصادقة مع ربها، الموقنة بلقاء خالقها إنها سمية اليوم التي لم تلتفت إلى مفاتن الأزياء، ولم يغرها ما غر غيرها من النساء إنها سمية التي أوذيت باللسان، فسمعت من الكلام ما كرهت ولكن رضيت بالله، ورضيت البقاء على طاعة الله ومحبته؛ فطوبى لها وحسن مآب!

стр. 165

يا فتاة الإسلام! هذه هي القدوة أخواتي المسلمات: إن نماذج الصالحات نورٌ في القلوب، ودليل يدل على رحمة علاَّم الغيوب، إنها النماذج الحية التي إذا قرأت المؤمنة سيرهن تذكرت كتاب الله، فكلامهن، وأفعالهن، وأخلاقهن تذكر بالقرآن، فالله الله أن تستبدل المؤمنة الصادقة بتلك السيرة العطرة، والمواقف النضرة سير الماجنات الداعرات! الله الله أن تنسى المرأة المؤمنة تلك النماذج الحية التي تسبقها إلى رياض الجنان. فيا طالبة الجنة! فيا أيها المؤمنة التي تعلق قلبها بالجنان! ويا أيتها المؤمنة التي ترجو الرحمة من الكريم الرحمن! شمري عن ساعد الجد في زمان الغربة، وجددي مآثر الإسلام في هذا الزمان الذي عظمت فتنته وجلت محنته، جددي مآثرهن بالأخلاق الفاضلة، والآداب الرفيعة. كم كان بودي أن أبقى معكن في سير الصالحات التي لا تنتهي، في سير أولئك الداعيات المصلحات اللاتي أحيا الله بهن قلوب البريات، في سيرة تلك الصالحات الداعيات إلى الله والمحتسبات للأجر عنده، ولكن ضاق الوقت، وأرجو من الله أن يجعل فيما مضى الخير والبركة، وليست العبرة أن نذكر سيرهن، وليست العبرة أن نقص أخبارهن، ولكن العبرة كل العبرة أن يترجم أمثالكن يا معشر المؤمنات الصالحات، ويا معشر التائبات العابدات، ويا معشر المنيبات القانتات، أن تجددن تلك المواقف، وأن تترجمن هذه السير وهذه المواقف إلى حياة عملية، فنضر الله وجه امرأة أحيت تلك السيرة الفاضلة، ودعت إلى تلك المواقف المشرفة، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يكثر سواد الصالحات في الأمة، وأن يثبت قلوبهن على الطاعة والملة. اللهم ثبت قلوب نساء المؤمنين على طاعتك يا رب العالمين، اللهم أعذهن من شرور أهل الفتن وأهل المحن، وأسمعنا عنهن كل خير وكل فضل وبر، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين.

стр. 166

الأسئلة

стр. 167

حكم ترتيل المرأة القرآن بصوت حسن أمام معلمها السؤال كثير من الدارسات في هذه الدورة في الفصول الدراسية عند تلاوة القرآن يقمن بتنغيم الصوت والتغني عند تلاوة القرآن، فهل هذا الترتيل جائز عندما نُسمعه شيوخنا الكرام، أرجو توضيح ذلك للكثيرات وجزاكم الله خيراً؟ الجواب هذا السؤال يتضمن مسألتين: المسألة الأولى: في مشروعية الترتيل. والمسألة الثانية: في مشروعية سماع الرجل الأجنبي لصوت المرأة التي يعلمها. أما المسألة الأولى: وهي مشروعية ترتيل القرآن، فإن الألحان، وحسن التغني بكتاب الله، وحسن الترتيل لآيات الله محبوب عند الله ، ومحبوب عند نبي الله وعباد الله، فإذا خرج كتاب الله من فم معطر بتلك التلاوة التي تعطي الحروف حقوقها، وتعطي آيات القرآن صفاتها فإنها التلاوة المحبوبة وهي التلاوة المطلوبة، ولذلك أذن النبي ﷺ للصحابة بذلك وقال لـ أبي موسى الأشعري: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود) فكان ذلك ثناءً، وكان ذلك إقراراً فدل على محبة الترتيل. ولكن يشترط في جواز هذا الترتيل وجواز هذا اللحن أن يكون بدون تكلف يخرج الحروف عن أوصافها أو تجاوز المرأة المرتلة حدود التجويد وضوابطه، ولذلك قال القائل: اقرأ بلحن العرب إن تُجوِّدِ وأجز الألحان إن لم تعتد فالضابط عند أهل العلم في جواز الترتيل وحسن النغمة ألا يجاوز القارئ الحد المعروف والمطلوب والمألوف، فإذا جاوزه إلى التمطيط والتغني الخارج عن الحد السوي فإنه محرم، فإذا جاوز هذا الحد الذي ذكرناه وكان الترتيل المذكور من جنسه فينبغي تركه والبعد عنه، أما إذا كان في الحدود المعتبرة شرعاً وكان وفق قواعد الشرع فهو محمود وغير مردود وصاحبته مأجورة غير مأزورة إن شاء الله. المسألة الثانية: في جواز سماع الرجل الأجنبي قراءة المرأة. يجوز له أن يسمعها عند الحاجة كالحال في سماع المعلم من المرأة التي يعلمها ونحو ذلك فهذا لا حرج فيه، ولا وزر فيه بشرط ألا يوجب فتنة السامع، فإن خاف السامع من الفتنة فإنه ينبغي له أن يسعى في نجاة نفسه ولا يهلك نفسه وينجي غيره، والله تعالى أعلم.

стр. 168

أساس قبول الأعمال السؤال ما نصيحة فضيلتكم لمن تعمل الأعمال الصالحة، وتبذل الجهد في الدعوة إلى الله ويشوب إخلاصها لله بعض الشوائب مثل: مضايقتها لبعض المخلصات في العمل معها، أو محاولة إبراز أعمالها للغير وحب الظهور والتسلط؟ الجواب أولاً: أوصي كل امرأة مؤمنة نذرت نفسها للدعوة إلى الله أن تكون مشعل خير حيثما كانت أو حلت. وأوصي بأمرين مهمين للداعية إلى الله: أمر بينها وبين الله، وأمر بينها وبين عباد الله: أما الأمر الذي بينها وبين الله: فإخلاص قلبها لله ، فتتكلم وتنطق لله، وترجو رحمة الله على نور وبصيرة من الله. إن هذه الكلمات التي تتفوهين بها ترجين بها رحمة الله ورضوانه، ليست باليسيرة عند الله، إن اللحظة الواحدة وأنت تذكرين فيها بالله لها ثمن عند الله غالٍ، ولها أجر عند الله عظيم ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤]. لذلك أختي المسلمة احتسبي عند الله كلامك الذي تذكرين به بالله، احتسبي به وجه الله، وارجي به ما عند الله، وإياك والالتفات إلى الأنظار، أو الالتفات إلى حظوظ الدنيا من الشهرة والسمعة، فهو متاع حائل وظل زائل، فاتقين الله ، فإن الدعوة إلى الله قد اختارها الله واختار أهلها للآخرة، فأهل الدعوة إلى الله هم أولياء الله وصفوته من خلقه بعد أنبيائه والعلماء العاملين. احتسبي عند الله تلك الكلمات التي تذكرين بها، واحتسبي عند الله تلك الكلمات التي تتلفظين بها، فإذا بليت بالرياء أو بطلب السمعة فالله الله بتوبة نصوح، الله الله في إنابة إلى الله، بادري بالرجوع إلى الله ولا تقنطي من رحمة الله، وعودي علَّ الله أن يتوب عليك، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. أما الوصية الثانية للداعيات إلى الله: فوصية بالتآلف، وبالتعاون والتكاتف، وبالمحبة والوفاء، وبالإيثار والإخاء. إن هذه الداعية التي تراها عينك عزيزة عند الله إن هذه الداعية التي تسامتها أقدامك عزيزة عند الله خطاها عزيزة عند الله كلماتها عزيزة عند الله دعوتها. إنها المرأة التي باعت وقتها لله وفي الله فأحبيها في الله، والله إنا لنسمع ببعض الصالحات الداعيات فنحتقر أنفسنا بجوار ما يبلغنا عنهن من الصلاح، والديانة، والاستقامة، والحرص على الدعوة، فكوني مُجِلَّة لهذه الداعية وأحبيها في الله، حينما تتذكرين تلك العدوة التي لا ترضى بك، ولا تحبك، ولا ترضى بالدنو منك ولا بحياتك، فالله الله في مُحِبَّة لكِ في الله، فإن حصلت منها الزلة وبدرت منها الهفوة فاغفريها لوجه الله، فقد وقع بين أصحاب رسول الله ﷺ ما وقع ولكن بقيت الدعوة إلى الله وبقيت الهداية إلى سبيل الله ولم يغير ذلك من منهجهم في طاعة الله ومرضاته. ثم أوصي أخواتي الداعيات إذا حصلت أية نفرة بينهن أن يكون نقاشها في الخلوة، وأن يكون هادفاً، وأن يكون الجميع طالباً لرحمة الله. الله الله يا معشر الداعيات أن يشمت بالإسلام بسببكن، الله الله في هذا النزاع، وفي هذا الخلاف الذي لا يستفيد منه إلا أعداء الله، إن الله قرن الفشل والخيبة بالنزاع فقال: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] إذا لم تجتمع الداعيات إلى الله فكيف تقف الواحدة أمام النساء تذكرهن بالمحبة والوفاء؟ إذا لم تتألف قلوب الداعيات إلى الله فكيف تأتلف بهن القلوب على طاعة الله؟ الله الله يا معشر الداعيات! لينسى كل خلاف بيننا، ولتنصب قلوبنا وقوالبنا على طاعة الله ومحبته، إننا والله نخشى أن نكون حجر عثرة في سبيل الله وطاعته. الله الله أن يؤتى الإسلام من قبلكن، فاحتسبن عند الله في الصبر على البلاء، واحتسبن عند الله في البعد عن النزاع والشقاق، ونسأل الله العظيم أن يجمع القلوب على محبته وأن يؤلف الأفئدة على مرضاته، والله تعالى أعلم.

стр. 169

أسباب الانتكاسة وكيفية علاجها السؤال توجد ظاهرة بين الأخوات الملتزمات وهي: أن بعضهن تلتزم باللبس والحجاب والزينة الإسلامية، ولكنها تمر أحياناً بانتكاسات، فتجدها -مثلاً- في أكثر الأيام ملتزمة بما شرع الله، فتلتزم باللبس والحجاب والزينة، ولكن يحدث لها في إحدى الأيام أن تنتكس فتلبس الملابس القصيرة والضيقة، وتسرح شعرها وتقصه كفعل الفاسقات، وتلطخ وجهها بالمساحيق، ثم تعود بعد ذلك من جديد لحشمتها والتزامها، فما هي أسباب هذه الانتكاسات؟ وكيف علاجها؟ الجواب الانتكاسة -والعياذ بالله- عن طاعة الله أسبابها كثيرة أعظمها وأهمها: السبب الأول: ضعف الإيمان في القلوب؛ فإذا قوي الإيمان في القلب تعلق القلب والقالب بالله، وصار القلب إلى الله، وتبعته الجوارح إلى رحمة الله، فالعين تنظر بطاعة الله، والسمع يسمع ما أمر الله، والبصر يبصر ما أذن الله، واللسان يتكلم بما أذن الله، فإذا ضعف هذا الإيمان تنكبت الجوارح في معصية الرحمن. أول ما تحرص عليه المؤمنة التي تريد الثبات على هدايتها وعقيدتها بربها، بأسمائه، وصفاته، وبألوهيته وربوبيته، الأسماء والصفات تخوفها من الله، وتجعلها في طمع برحمة الله، والإيمان بألوهية الله يجعلها متعلقة بالله وحده لا إله إلا هو، وإيمانها بربوبية الله يجعلها في حياء من الذي أطعمها وسقاها وكفاها وآواها؛ فتكون سائرة على طاعة ربها ورحمة خالقها. وهذا الإيمان يأتي بأسباب أعظمها: القرآن، أن تدمن المرأة التفكر والتدبر لآياته، والتأثر من زواجره وعظاته. السبب الثاني الذي يدعو إلى الانتكاسة -والعياذ بالله-: هن قرينات السوء، الداعيات إلى الردى، المانعات من سبيل الرضا، المثبطات عن طاعة الرب جل وعلا، صديقات سوء، كلامهن يقسي القلوب ويصرفها عن محبة علاَّم الغيوب ومرضاته، صديقات سوء غضب الله من كلامهن فلم يقلن من الكلام ما يرضيه، فأصغت تلك المرأة وتساهلت في إصغائها فنفذت تلك الكلمات التي لا ترضي الله إلى قلبها، فحببتها في معصية الله، ودعتها إلى سخط الله والعياذ بالله، فما أشقاها من جليس كان عوناً على سبيل إبليس! وما أشقاها من امرأة لا تعرف حدود الله! فالله الله -يا أيتها المؤمنة- أن تتساهلي في صحبة الأشرار، إذا رأيت المرأة على طاعة الله فاجعليها مثالاً لك في سبيل الله ومرضاته، وإن رأيتها على معصية الله فكوني معها على حالين: الحالة الأولى: تذكير بالله. والحالة الثانية: إن لم تتذكر فصدود وإعراض عنها يرجى به رحمة الله. السبب الثالث من أسباب الانتكاسة: عين تمتعت بالحرام، وأذن أصغت إلى الفواحش والآثام، فقادت تلك العين القلب إلى معصية الله، وقاد ذلك السمع القلب إلى حدود الله، فالجوارح هي التي توجب الانتكاسة، وتوجب -والعياذ بالله- الارتكاس، كم من جارحة أصغى بها العبد فأوردته الردى، وصدته عن سبيل الهدى فعاش عذابها وبلاءها، فالمؤمنة التي ترجو الثبات على طاعة رب البريات تحفظ سمعها وبصرها ولسانها وفؤادها عن حدود الله ومحارمه. إذا أردتِ الثبات إلى الممات فأسكني قلبك ذكر الآخرة، والمصير إلى الله في السفينة الماخرة، تذكري أن الأيام تنقضي، وأن الأعمار تنتهي، وأن الآجال توجب قطع الآمال، فما من امرأة تذكرت مصيرها إلى الله إلا ثبتت على طاعة الله ومحبته. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يثبت قلوبنا على طاعته ومحبته، والله تعالى أعلم.

стр. 170

ضرورة الصبر على الدعوة إلى الله السؤال أنا فتاة أعيش في بيت فيه من أنواع الفساد الشيء الكثير، ولا يوجد من يساعدني على أن أسمو إلى ما وصلت إليه الصالحات، فكيف المخرج حفظك الله مع العلم أن كثيراً من الفتيات يعشن نفس ظروفي؟ الجواب أولاً: أهنئكِ بنعمة الله عليك بالهداية، أهنئكِ بهذا القلب الذي وعى مع أنك في عيشة لا تعينه على الوعي، أهنئكِ على ذلك الفؤاد الذي تذلل لطاعة رب العباد فتبتِ وأنبتِ إلى الله، فهذه نعمة من الله أهنئكِ أولاً عليها. أما ثانياً: فإنني أدعوك بدعوة الله ؛ أدعوك أن تدعي من حولك إلى طاعة الله ومحبته، وإلى الجهاد والصبر في محبة رب العباد، حينما تحتسبين هداية تلك القلوب الحائرة التائهة، احتسبي بكلمة ترجى بها رحمة الله، ذكري بالله، وبصري به، واهدي إلى سبيله ورضوانه، ولا تيئسي! فكم من شابة كانت وحدها، هدى الله بها أمة، وأرشد بها أمة. لذلك -أختي المسلمة- أدعوك أولاً إلى دعوتهن إلى طاعة الله ومرضاته، وأن تحتسبي عند الله تذكيرهن بالله، وإياك والقنوط من رحمة الله أو اليأس من روح الله، لا تيئسي فلا بد لليل من فجر، ولا بد للظلام من أن ينجلي، وأقل ما تقومين به وهو كثير: أن تقيمي حجة الله على إماء الله، ذكري بالله، وانصحي فيه، وتقربي إليه بذلك اللسان، لا فض فوك من رحمة الرحمن. أختي المسلمة: احتسبي عند الله إنقاذ أهلك من معصية الله ودلالتهن على مرضاته، وخذي بالأسباب التي تهيئ القلوب إلى طاعة رب الأرباب، إذا كان نصحك لهؤلاء النسوة أمام الملأ يوجب رد نصيحتك فخذيهن واحدة واحدة، وذكريهن منفردات، واغسلي قلوبهن بالآيات والعظات، وإذا كان هناك أسلوب ترغيبٍ يذكرهن أو ينفع في تذكيرهن فخذي بذلك الأسلوب، المهم أن تحتسبي أولاً دعوتهن إلى طاعة الله، وثانياً: أن تصبري في دعوتهن إلى طاعة الله ومرضاته، فكم من شابة كانت في البداية ولكن غنمت النهاية. وأسأل الله العظيم أن يثبت قلبك على الطاعة، وأن يجعلك من عباده المهتدين، وأن يجعلك هاديةً إلى سبيله ومرضاته، والله تعالى أعلم.

стр. 171

الحذر من الاغترار بالطاعة السؤال بعض الأخوات الطيبات والحريصات على الخير والملتزمات بكثير من تعاليم الإسلام إذا طلب منهن المزيد من الالتزام بتعاليم الإسلام يرفضن بحجة أن وضعهن أفضل من المتبرجات والمتسكعات في الأسواق، ومن العاكفات على الفيديو والمجلات، فما توجيه فضيلتكم لمثل هؤلاء الأخوات؟ الجواب المرأة المؤمنة الموقنة تنظر في طاعة الله إلى من هو أعلى منها، ففي طاعة الله ومرضاته تنظر إلى من هو أسبق منها إلى الطاعة، وأجد منها في مرضات الله ومحبته، وأكثر اجتهاداً، وعبادةً، وصلاحاً، وعند ذلك تغار على نفسها، ولا ترضى بالقليل لنفسها، لذلك أوصي هذه النماذج أن تنظر إلى من هو أعلى وأشرف وأسمى، أن تنظر المرأة إذا كانت على نوع من الصلاح إلى من هو أصلح منها، كم من امرأة صالحة كانت قليلة الصلاح؛ فلما نظرت إلى من هو أصلح منها شمرت في سبيل الفلاح فنافست وسابقت وفازت برحمة الله ورضوانه. ليست المرأة العاقلة تلك التي تقول: أنا خير من كثير، نعم إذا ذكرت نعمة الله فانظري إلى من هو دونك حتى تعظمي فضل الله عليك، ولكن في الطاعة والمحبة والمرضاة، انظري إلى من هو أعلى منك مقاماً، وأكثر التزاماً، فإذا كانت المرأة في بداية الهداية نظرت إلى من هو أصلح منها، وأكمل هداية وولاية، إذا كانت تقتصر على صلاتها نظرت إلى المحافظة على السنن الراتبة، وإذا كانت محافظة على الصلاة والسنة الراتبة نظرت إلى قائمة الليل وصائمة النهار فنافست في محبة الواحد القهار، واحتسبت رضوان الله في تلك المنافسة. فهذا هو حسد الغبطة، وهو التنافس المحمود الذي ندب إليه الواحد المعبود ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ومن المجرب إذا نظرت المرأة إلى من هو دونها في طاعة الله فإنها سرعان ما تغتر، والغرور من أسباب الانتكاس والعياذ بالله، فلا تنظري إلى من هو دونك في طاعة الله ومرضاته، ولكن انظري إلى الدامعة من خشية الله الباكية من عذابه، وانظري إلى قائمة الليل وصائمة النهار، وتشبهي بالكريمات فإن التشبه بهن فلاح وأي فلاح. والله تعالى أعلم.

стр. 172

نصيحة في عدم تأخير الزواج لغير عذر السؤال أمر خطير متفشٍ بين النساء وهو أنهن تجاوزن الثلاثين من أعمارهن ولا رغبة لهن في الزواج، إما بحجة أن الوقت ما زال مبكراً وتريد أخذ حريتها في الذهاب والإياب بدون ارتباط بزوج أو أولاد، أو بحجة عدم وجود رغبة لديهن بالزواج، فما رد فضيلتكم على هذه الحجج؟ الجواب المرأة المؤمنة حريصة على طاعة الله ومحبته ومرضاته، وهي قد سمعت عن نبيها المصطفى وحبيب ربها صلوات الله وسلامه عليه أنه ندبها إلى الزواج والتناكح والتناسل، فأحبت أن تكون سباقةً إلى ذلك ما دام أنها لم تكن مشغولة بما هو أعلى وأسما من ذلك، فنافست وسابقت وأخرجت للأمة رجالاً صالحين ونساءً صالحات. فنصيحتي إلى هذه المرأة المسلمة: أولاً: من يضمن لها البقاء إلى الزواج، ومن يضمن لها زوجاً صالحاً؛ فقد تتأخر المرأة المسلمة في زواجها عن هذا السن التي هي عز شبابها ونضرة بهجتها والرغبة فيها، فإذا ولت هذه السن انصرفت عنها الأنظار وساءتها -بإذن الله- الأقدار، وعندها تندم حين لا ينفع الندم، ترى من حولها النساء قد ولدن الرجال والنساء، قد ولدن الأبناء والبنات، وربينهم على محبة رب البريات، وأبقين للأمة الصالحين والصالحات، وهي تبقى بلوعتها وحسرتها. والمرأة أشد من الرجل، فإن الرجل قد يطلب الزواج مع التأخر، ولكن المرأة يتعذر زواجها عند التأخر غالباً، فاحتسبي عند الله أن تعفي عبداً لله، وأن تحصنيه بحصن الله، احتسبي عند الله ليالٍ ترجين بها رحمة الله إذ تسهرين على الأولاد، وتربيهم على محبة رب العباد. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح منا ومنكن ما ظهر وما بطن، والله تعالى أعلم.

стр. 173

واجب المرأة في حماية بيتها من وسائل الإعلام السؤال لا يخفى عليكم خطورة وسائل الإعلام المقروءة، والمسموعة، والمرئية وما ننتظر من البث المباشر على البيت المسلم، وحيث إن المرأة عماد هذا البيت؛ فما هو الواجب عليها لحماية بيتها من خطورة هذه السموم؟ الجواب الواجب على المرأة المسلمة التي ترجو رحمة الله أن تفر إلى الله، وأن تلوذ بالله بالبعد عن هذه الوسائل، نظراً لخبثها وعظيم ما اشتملت عليه من فتنتها، تفر إلى الله بعصمة نفسها عن السماع، وبعصمة بصرها عن النظر، وبعصمة لسانها عن المحاكاة والمشابهة، وأن تبقى على طاعة ربها حافظة لدينها، فرأس المال في هذه الدنيا هو الدين، عجبٌ والله أن يكون الزوج على استقامة لربه فتأتي تلك المرأة تأن عليه وتزن في طلب فتنة تفتن بها القلوب، في طلب تلك المحنة التي تصرف عن محبة علام الغيوب. إننا ننتظر منك أن تكوني خير معين للبعد عن هذه الوسائل التي لا تأتي بخير إلا ما شاء الله، فالله الله -أختي المسلمة- في سمعك الله الله في بصرك الله الله في لحظاتك وأنفاسك إذ تقضينها على حدود الله ومحارمه، فاتقي الله في أبنائك وبناتك فأنت قدوة لهن إن سهرت على معصية الله، كم من امرأة اقتدت بها ابنتها، وكم من امرأة اقتدى بها ابنها، فحملت وزره ووزرها والعياذ بالله ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣] فمتعي سمعك بطاعة الله، واحجزيه عن حدود الله، والله تعالى أعلم.

стр. 174

المظهر اللائق بقارئة القرآن السؤال مظهر منتشر بين بعض النساء وهو تفريط منهن في بعض الأمور الشرعية، فمثلاً: قد تأتي لحلقات تحفيظ القرآن أو لدورة حفظ القرآن مع سائق بدون محرم، أو تلبس ملابس غير محتشمة، أو أن يكون سلوكها خارج الحلقات لا يليق بأهل القرآن، فما نصيحة فضيلتكم لأولئك النسوة؟ الجواب باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أولاً: أهنئ تلك الشابة الصالحة على صلاحها وفلاحها إذ خرجت إلى حلقة تتلو فيها كتاب ربها أهنئ تلك المؤمنة الصالحة التي رضيت بوقتها، وضحت بشبابها في سبيل حفظ كتاب ربها، طوبى لتلك الخطوات التي خرجت بها إلى رياض الجنة طوبى لتلك الخطوات التي اشترت بها رحمة الله، وطوبى لتلك المجالس التي تعطرت بكلام الله، نور الله قلوبكن، وبيَّض الله وجوهكن يا من اجتمعتن على كتاب الله في هذا المجمع المبارك، وجزاكن الله كل خير، وثبت الله قلوبكن على طاعته، وإلى الأمام في طاعة الله، وإلى الأمام إلى جنان الخلد ورحمة الله، سابقن إلى تلك الجنان بترجمة هذا القرآن وهذه الآيات التي تتلى والمواعظ التي ترتل، عِشن مع هذا الكتاب قولاً وعملاً واعتقاداً وجناناً، عشن مع هذا القرآن بالمظاهر الكريمة التي تدل على الجواهر الكريمة، عِشن مع هذا القرآن رحمكن الله، وكنَّ مثالاً لمن حمل كتاب الله. الله الله أن يؤتى الإسلام من قبلكن، فيرى الحافظات الحاملات كتاب الله، بعيدات عن شرع الله -لا سمح الله- تأدبن بآداب هذا الكتاب فإنه إما حجة لكن أو عليكن. ثانياً: يا فتاة الإسلام: إن هذا الكتاب الذي تقرئينه، وهذا الكتاب الذي تسمعينه إما لكِ أو عليك، فالله الله في أقواله! فالله الله في آياته وعظاته! الله الله في زواجره وحدوده! ترسمي هديه عندما تلبسين جلباب الحشمة والحياء، وترسمي هديه حينما تخريجين، الله الله أن تختلي بأي أجنبي ليس بذي محرم لك! وخذي بما يعينك على طاعة الله ومحبته؛ حتى تفوزي بتلك الساعات في رضوان الله، فلا تختلي بسائق أجنبي إلا ومعك ذو محرم، واتقين الله وأطعن الله ورسوله، وإياكن والبعد عن الحشمة والعفاف بلبس ثياب لا تليق بحاملة كتاب الله، وتصرفات لا تليق بالمتأدبة بشرع الله. إنني لأرجو من الله أن يكون هذا آخر العهد بتلك التصرفات التي لا تليق، وبتلك المناظر التي لا تليق، وأسأل الله العظيم لنا ولك خير الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم.

стр. 175

وصية بالإنفاق في سبيل الله هذه وصية من الإخوان للحث على الإنفاق في سبيل الله وطاعته . باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أوصيكن أخواتي المسلمات بإنفاق المال في طاعة الله ومحبته، فهذه أبواب الخير لكُنَّ قد فتحت، وهذه سبل الطاعة والرضوان لكن قد مهدت، هذا مجال خير ينتظر يداً لا شلت تلك اليد، باذلة لوجه الله معطية ابتغاء رضوان الله، ولقد صح عن النبي ﷺ أنه وقف على النساء فقال: (تصدقن يا معشر النساء فإنكن أكثر حطب جهنم، فأمرهن بالصدقة، فجعلن يهوين ويلقين من حليهن وأقراطهن). فلذلك أوصي كما أوصى رسول الله ﷺ بنفقة تحتسبينها ومال ترجينه عند لقاء الله ، احتسبي عند الله النفقة، فإنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) وصح عنه ﵊ أنه قال: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار). قد تبذلين مالاً يغفر الله به ذنوب عمر مضت منك، وقد تبذلين مالاً يصرف الله عنك به ميتة السوء، وخاتمة السوء، فاحتسبي عند الله يا أمة الله في معونة الحفَّاظ ومن يعين على تحفيظ كتاب الله، احتسبي عند الله هذا الباب من الخير الذي يقصد به إحياء مدارس القرآن، هذا الكتاب الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، فشرح لنا به الصدور، وأنقذنا به من مزالق الهوى والردى والشرور، فاحتسبي عند الله ببذل ما تستطيعين من المال، كم من امرأة بذلت ما في جيبها رضي الله عن بذلها، فالله الله في احتساب الأجر عند الله. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 176

رسالة إلى الدعاة الدعوة إلى الله من أشرف المقامات وأعلى المنازل، حيث إن الداعي إلى الله هو أحب العباد إليه، وقوله هو أطيب القول لديه، والدعوة مرتبطة بالعلم ارتباطاً وثيقاً، بل يعتبر العلم أول لبنة تبنى عليها الدعوة، فإنْ توفَّر العلم وجب التزام العمل، وفي هذا الطريق الطويل يجب على الداعية التزام أمور وخصال تعينه على الاستمرار والثبات، وهذه الخصال مذكور كثير منها في هذه المحاضرة.

стр. 177

شرف الدعوة إلى الله وعلو منزلتها الحمد لله الذي اصطفى العلماء العاملين والأئمة المهتدين فجعلهم حملة لهذا الدين، وشعلة نور يستهدي بها من أراد رضا رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته والتابعين، ومن سار على نهجهم المبارك إلى يوم الدين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأسأل الله العظيم أن يبارك لنا في هذا المجلس المبارك، وأن يجزي إخواننا الذين تسببوا فيه كل خير بما صنعوا. إخواني في الله: أشرف المقامات وأعلى المنازل في هذه الحياة ذلك المقام لذلك الداعية، وذلك العالِم العامل الرباني، الذي اصطفاه الله لدينه فصقل قلبه وصقلت قلبه روحانية الكتاب والسنة، ففقه عن الله دينه وعلم عن الله شرعه، فسار على هدى من الله، ونور من الله يهدي عباد الله إلى الله، ذلك العالِم الذي نور الله بصيرته ونور بهدايته الخلق، الذي ما إن تكلم حتى تفجرت ينابيع الحكمة من لسانه، وإذا أبان تفجرت ينابيع الحكمة من بيانه، عالِم وداعية نور الله قلبه، وهادية نور الله بصيرته. إنها النعمة التي اختص الله لها رجالاً واصطفى لها رجالاً هم صفوته من خلقه، فصفوة العباد من عباد الله هم المطيعون لله، وصفوة أولئك المطيعين هم العلماء الربانيون الذين تعلموا وعملوا وعلّموا، وقد أشار النبي ﷺ إلى فضلهم فقال ﵊: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) فمن تعلم كتاب الله وعلم بما فيه من آيات الله وانشرح صدره لهداية العباد به إلى الله فهو خير العباد عند الله. وإذا أردت أن تعرف مقام الإنسان عند الله فانظر إلى علمه وعمله واجتهاده في الدعوة إلى الله، إذا علم هذا الأصل وهو أن أحب العباد إلى الله هم ورثة أنبياء الله، العلماء العاملون والهداة الربانيون الذين علموا فكانوا قدوة في العلم جداً واجتهاداً ومثابرةً وتحصيلاً وأخذاً للعلم عن أهله، وحفاظاً على الوقت، وحفاظاً على الزمان، وحرصاً على الفائدة، وفرحاً بها وتأدباً بأخلاق أهلها الذين يريدون وجه الله والدار الآخرة، ثم اجتهدوا بعد ذلك في العمل بالعلم فما إن تعلموا سنة حتى طبقوها والتزموها وكانوا أسبق الناس إلى العمل بها والتزامها، فأصبحت أقوالهم وأفعالهم تسير مع العلم الذي علموه، وتسير مع الفهم الذي أوتوه، وقد أشار الله تعالى إلى أنه لا فلاح للعالِم إلا بالعمل فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] فمن أبأس ما يكون أن يكون العالِم بعيداً بعلمه -والعياذ بالله-.

стр. 178

مراتب الناس في العلم والدعوة إذا علم فضل العلم، وأن الله اصطفى أهله واجتبى أهله، فينبغي أن يعلم أن الناس في هذه النعمة على مراتب: فمنهم مستكثر ومنهم مستقل، ومنهم ذلك العالِم الذي نزل إلى أعماق العلم وأخذ من المعين الصافي فلم يشبع من ري، وارتوى حتى نضحت أضلاعه مما روى محبة لله وطلباً لرحمة الله، ومنهم من هو أقل ودون ذلك وصدق الله إذ أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]. لذلك -أحبتي في الله- إذا أراد الإنسان الخير وأراد السعادة والفلاح فليجند نفسه لكي يكون من العلماء والهداة والدعاة إلى الله، فالعلم إذا كان نعمة من الله فينبغي للإنسان أن يستكثر من هذه النعمة، وأن لا يستقل عطية الله فيها، وكل واحد منا إذا تعلم أي سنة وعلم أي حكم من الشرع فليعلم أنه طالب علم، وأن طلب العلم لا يقتصر على الجلوس في حلق العلماء فقط بمعنى: أن يكون الإنسان مداوماً مداومةً كاملة بل كل عالِم بقدر ما علم، وقد كان أصحاب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله عنهم أجمعين يجلسون مع النبي ﷺ المجلس الواحد، ثم ينطلقون دعاة وهداة إلى الله، فلذلك كل واحد علم أي حكم أو أي سنة فليعلم أن الله شرفه بطلب العلم.

стр. 179

طلب العلم والدعوة ليس مقصوراً على طائفة معينة الإنسان إذا أراد أن يسلك هذا السبيل يأتيه الشيطان من كل فج ومن كل صوب، يأتيك ويقول لك مثبطاً ومخذلاً: من أنت حتى تكون عالماً؟ ومن أنت حتى تكون طالب علم؟ ومن أنت ومن أنت؟ فما أبوك بعالِم ولا أنت من بيت علم إلى آخر ما يقوله عدو الله، فينبغي للمؤمن أن تكون همته عالية وأن تكون نفسه أبية تنافس في طاعة الله، وتسابق في مرضاة الله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. إن العلم ليس حجراً على أحد، وطلب العلم ليس حكراً على قوم معينين، ولا على طائفة معينة، ولا على قبيلة بعينها، ولا على جنس معين، طلب العلم إنما هو منحة من الله لعباد الله، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩]. هو المعلم وهو المفهم وهو الهادي إلى سواء السبيل، فإياك أن يثبطك الشيطان عن طلب العلم، وإذا وفق الله لك في البلدة أو المدينة التي أنت بها ووجدت فيها رجلاً من أهل العلم فاحتسب عند الله بخطواتك إليه، واحتسب عند الله جلوسك في مجلسه، واحتسب عند الله بإنصاتك لحديثه وعملك بما يقول، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]. فينبغي لنا إذا كنا في أي مكان وتيسر وجود العالِم ألا نقصر في غشيان حلق العلم، الله الله أن توجد تلك الحلقة ويسبقك غيرك إليها فتكون أدنى منزلةً عند الله؛ لأنك إذا كنت بين قوم يطلبون العلم وأنت متقاعس عن طلب العلم فهذا زهد في الخير ونقصان في الأجر -والعياذ بالله-، ولذلك قال بعض السلف يوصي ابنه: إياك أن تعرض عن العالِم، فإنك إن أعرضت كان الضرر عليك ولم تضر العالِم شيئاً. فالعالِم لا يضره إعراض المعرضين وإنما يستضر من أعرض عن العالِم، قال الجد رحمة الله عليه: ومن صد عنا بحسبه اللوم والقلى ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته فالمقصود: أنه ينبغي لك أن تشمر عن ساعد الجد في طلب العلم.

стр. 180

أهمية العمل بالعلم وتطبيقه والدعوة إليه لا تتعلم أي سنة أو أي علم إلا طبقته ولو مرة واحدة، سمعت عن آية فيها ذكر لله طبقها ولو مرة، سمعت عن حديث فيه ذكر عند القيام عند القعود عند النوم عند المساء عند الصباح طبقه ولو يوماً واحداً، التزم بالسنة، فإن الإنسان إذا عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، فالعمل بركة العلم، ولذلك قال السلف: هتف العلم بالعمل فإن أجابه ولا ارتحل فينبغي لك أن تقدم على العمل هذه المرحلة الأولى. والمرحلة الثانية: العمل بالعلم. وينبغي للإنسان أن يستكثر من هذا العمل، فإن الإنسان قد يتعلم السنة الواحدة يبلغ بها درجةً عند الله ومغفرة.
следующие страницы →